← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه تأليف د. إسحاق بن عبد الله السعدي [المجلد الأول] إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتمويل الإدارة العامة للأوقاف إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لوزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية الطبعة الأولى ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م

стр. 4

دراسات فِي تميز الْأمة الإسلامية وموقف المستشرقين مِنْهُ [المجلد الأول]

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد، فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفقها اللَّه لأن تضرب بسهم في نشر الكتب النافعة للأمة- لَتحمد اللَّه على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول من أهل العلم. والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة العلوم الشرعية ورفد المكتبة الإسلامية بنفائس الكتب القديمة والمعاصرة، وذلك منذ تسعة عقود، عندما وجه الشيخ عبد اللَّه بن قاسم آل ثاني حاكم قطر آنذاك بطباعة كتابي (الفروع) و (تصحيح الفروع)، سنة ١٣٤٥ هـ، وكان المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني رحمه اللَّه تعالى قد سن تلك السنة من قبل. وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي الذي بدأته الوزارة في السنوات الأخيرة امتدادًا لتلك الجهود، وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر. ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر اللَّه جلَّ وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم والدراسات المعاصرة المتميزة في فنون مختلفة، تُطبع لأول مرة، نذكر منها:

стр. 6

• في التفسير وعلوم القرآن: أصدرت الوزارة عدة كتب منها: (فتح الرحمن في تفسير القرآن) للعُليمي، و (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لابن عطية في طبعته الثانية. وفي علم رسم المصحف أصدرت الوزارة: كتاب (مرسوم المصحف) للعُقيلي، و (الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة) لأبي بكر اللبيب. وفي علم القراءات أصدرت الوزارة كتاب: (البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة) لأبي حفص النشار، و (معاني الأحرف السبعة) لأبي الفضل الرازي. • وفي السنة النبوية وشروحها: أصدرت الوزارة عدة كتب، منها: (التقاسيم والأنواع) لابن حبان، و (مطالع الأنوار) لابن قرقول، (التوضيح شرح الجامع الصحيح) لابن الملقن، و (حاشية مسند الإمام أحمد) للسندي، وشرحين لموطأ الإمام مالك؛ لكُلٍّ من (القنازعي)، و (البوني)، و (المخلصيات) لأبي طاهر المخلص، و (شرح مسند الإمام الشافعي) للرافعي، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار) للعيني، و (مصابيح الجامع) للدَّمَاميني. ومما تشرفت الوزارة بإصداره في تحقيق جديد متقن: (صحيح ابن خزيمة)، و (السنن الكبرى) للإمام النسائي، والمحقَّقين على عدة نسخ خطية، و (جامع الأصول في أحاديث الرسول)، و (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير. • وفي الفقه وما يتصل به: أصدرت الوزارة عدة كتب في المذاهب الأربعة، منها: كتاب: (الأصل) لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) كاملًا محققًا على أصول

стр. 7

عدة، و (التبصرة) للخمي، و (نهاية المطلب في دراية المذهب) للإمام الجويني بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب رحمه اللَّه تعالى عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و (حاشية الخلوتي). كما أصدرت الوزارة: (الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف) للإمام ابن المنذر بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد اللَّه الفقيه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و (بغية المتتبع لحل ألفاظ روض المربع) للعوفي الصالحي، و (منحة السلوك في شرح تحفة الملوك) للعيني. • وفي السيرة النبوية: أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية: (جامع الآثار في السير ومولد المختار) لابن ناصر الدين الدمشقي، وغيرها. • وفي العقيدة والتوحيد: أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو: (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد) لابن العطار تلميذ الإمام النووي رحمهما اللَّه تعالى، كما أعادت نشر كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى، وغيرها من كتب عقيدة أهل السنة والجماعة. • وفي مجال الدراسات المعاصرة المتميزة: أصدرت: (القيمة الاقتصادية للزمن)، و (نوازل الإنجاب)، و (مجموعة القره داغي الاقتصادية)، و (التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي)، و (صكوك الإجارة)، و (الأحكام الفقهية المتعلقة بالتدخين)، و (التورق المصرفي)، و (حاجة العلوم الإسلامية إلى اللغة العربية)، و (روايات الجامع الصحيح ونسخه دراسة نظرية تطبيقية)، وغيرها. كما قامت الوزارة بشراء وتوزيع أجود الطبعات من بعض الكتب المطبوعة لما لها من أهمية مثل: (مسند الإمام أحمد)، و (صحيح الإمام

стр. 8

مسلم)، و (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي، و (الجامع لشعب الإيمان) للبيهقي، و (تاريخ الخلفاء) للسيوطي، و (التاريخ الأندلسي) لعبد الرحمن علي الحجي، و (الإقناع في مسائل الإجماع) لابن القطان الفاسي، و (شرح العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز الحنفي، و (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام) للعز ابن عبد السلام. ومثل (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لأبي الحسن الندوي و (الرسالة المحمدية) لسليمان الندوي، وغيرها. ويسرنا اليوم أن نقدم لإصدار جديد هو كتاب (دراسات في تميز الأمة الإسلامية، وموقف المستشرقين منه) وهو رسالة علمية حصل بها مؤلفها على درجة الدكتوراة، بين فيها خصائص هذه الأمة، وفضلها على الأمم، في ضوء الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة، كأبي حنيفة، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والسيوطي، وغيرهم، ثم عرج على موقف المستشرقين من الأمة الإسلامية وخصائصها وتميزها، فعرف الاستشراق وأهله، وتعرض لشبههم حول الأمة، وأجاب عنها، وذكر طرفًا من أقوال عدد من أساطين الفكر والرأي لديهم والتي تنضح بالكراهية والحقد على الإسلام وأهله، والتحريض على الأمة ودينها وهويتها، ومجانبتهم للإنصاف في ذلك. والحمد للَّه على توفيقه، ونسأله المزيد من فضله. وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إدارة الشؤون الإسلامية

стр. 9

مقدمة الدراسة: بين يدي تميز الأمة الإسلامية • ظاهرة التميز بين التاريخ والدين. • أهميّة تأصيل تميز الأمة الإسلامية، ونقد موقف المستشرقين منه. • الدراسات السابقة في تميز الأمة الإسلامية. • المنهج في دراسة تميز الأمة الإسلامية، وموقف المستشرقين منه، وخطة البحث فيه. • فكرة تقسيم الدراسة في خمسة كتب.

стр. 10

[مخطط]

стр. 11

المقدمة إنَّ الحمد للَّه، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا .. أمَّا بعد: فإنَّ التفضيل والاصطفاء والاختيار والتميز من سنن اللَّه في خلقه؛ قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) [القصص: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال الرسول ﷺ : "إنكم وفيتم سبعين أُمَّة أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه" (٢).

стр. 12

ظاهرة التميز بين التاريخ والدين: إنَّ سنة التفضيل والاختيار والاصطفاء سنة ماضية في التاريخ البشري؛ قدرًا وشرعًا وواقعًا، فقد تفاضلت الأمم في تاريخها الطويل، وتمايزت على الرغم من التشابه بين بعضها وبعضها الآخر من وجوه عديدة، ويحفظ التاريخ لكلِّ أمَّة في القديم أو الحديث ذاتية خاصة تميَّزت بها عن سائر الأمم الأخرى. وإذا كان تَميُّز الأمم يرتكز على المواهب والقدرات الذَّاتية في المقام الأول، فإنَّ هناك جوانب أخرى للتميُّز المكتسب، بعضها شرعي وبعضها الآخر وضعي من صنع البشر، قد يرتكز على حقائق، أو يكون من قبيل الادعاء والغرور (١). ولا يتسع المجال هنا للإلمام بنماذج عدَّة توضح هذه الجوانب المتنوعة التي ظهرت في تلك الأمم عبر التاريخ؛ بي أنني أكتفي بذكر التميُّز الشرعي الذي حازته أشهر الأمم الكتابيَّة (اليهود والنصارى) بسبب استقامتها على شرع اللَّه كما هو الشأن في بني إسرائيل حين وصفهم اللَّه بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 13

بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، ولكنهم أخفقوا في حمل الرسالة؛ "إذ انكبوا على حطام الدنيا، وأهملوا الآخرة، وزعموا لأنفسهم مبررات كاذبة لاستحلال الأمم، مالًا ودماءً وأعراضًا. . . وادعوا على اللَّه دعوى خطيرة بأنه يغفر لهم كل خطيئة، ونحو ذلك مما افتراه أحبار السوء من خلفاء السامري، والذي تجسد في عقائد (التلمود) وأخلاقه، وأضاليله فيما بعد، تلك التي نسوا بها مواثيق (التوراة) الغليظة بألَّا يفتروا على اللَّه . . . " (١). وقد أشار القرآن الكريم في مواضع كثيرة لهذا التميُّز، وانتفائه عنهم، وأنهم لا زالوا يدعونه سفاهة وغرورًا (٢). وأمَّا النصارى فإنَّ اللَّه اختارهم لحمل رسالته من بعد اليهود، وبعث فيهم رسوله عيسى ﵇، وأيَّده بروح القدس يكلم الناس في المهد وكهلًا، وعلَّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وأجرى على يديه من المعجزات والآيات، وكفَّ عنه بني إسرائيل، وشدَّ أزره بالحواريين الذين آمنوا باللَّه وبرسوله، ثمَّ طلبوا مائدة من السماء تكون لهم عيدًا لأولهم وآخرهم، فاستجاب اللَّه لهم، وأنعم عليهم ورزقهم، ولكن سرعان ما دَبَّ إليهم داء الأمم من قبلهم فأشركوا باللَّه، وزعموا أن عيسى ﵇ قال: اتخذوني وأمي إلهين من دون اللَّه، وقد سجلت الآيات (١١٠ حتى ١١٨) من سورة المائدة قصتهم مع التميُّز وما آل إليه. وعلى نحو ممَّا فعل اليهود فعل النصارى من ادعاء التميُّز والاستعلاء على الآخرين بحجّة القرب من اللَّه، واصطفائه بهم من دون الخلق، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ

стр. 14

أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]. وقد استفاضت آيات القرآن الكريم في تأكيد انتفاء التميُّز عن اليهود والنصارى بسبب تنكبهم صراط ربهم، وإخفاقهم في حمل رسالته وفق شرعه ومراده؛ من مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٢ - ١٤]. ثمَّ آل حمل الرسالة الإلهيَّة إلى الأُمَّة الإسلاميَّة، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية، وجاء عن النبي ﷺ قوله: "أوتي أهل التوراةِ التوراةَ فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتيَ أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزو فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أيْ ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا، ونحن أكثر عملًا، قال اللَّه: هل

стр. 15

ظلمتكم من أجركم من شيء؟! قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاءُ" (١). وفي هذا الحديث ما يدل على تميُّز الأمَّة من نواحٍ عدَّة، منها: أولًا: كونها حملت الرسالة بعد أن عجز عنها أهل الكتابين من قبلها. ثانيًا: أنها وُفِّقَتْ في حمل الرسالة، وأداء الأمانة. ثالثًا: كونها مُيِّزَتْ من ناحية مضاعفة الأجر بفضل من اللَّه. رابعًا: ويدل على أنَّ الظرف التاريخي المتبقي من يوم الأمم المشار إليها هو للأمّة الإسلامية لفاعليتها الحضاريَّة الخيّرة، ولسيادتها في ظلِّ عبوديتها للَّه وأدائها لما اشترطه عليها، وهذا ما تأتى لها ردحًا من الزمن؛ فقد سادت بهذا التميُّز، وحققت به أفضل الحضارات التي شهدها تاريخ البشرية. بيد أنَّ الحضارة الغربية سادت في العصر الراهن، وباتت الأُمَّة الإسلاميَّة تواجه تحديًا خطيرًا تحت وطأة هذا الواقع يمس هويَّتها الثقافية، ذلك أن الحضارة الغربية كما "أجمع مؤرخو الحضارة والثقافة الغربية على وحدة واطراد هذه الحضارة، وأنها وليدة تراكم تاريخي، وتفاعل ثلاثة عناصر متداخلة تشكل في مجموعها الأصل اليوناني الروماني المشترك لهذه الحضارة؛ هي الفكر اليوناني المتميز بنزعته العلمية وإبداعاته الفنية، والتراث الروماني المعروف بمؤسساته الإداريَّة والسياسيَّة، وأخيرًا الديانة المسيحية التي أعطتها الدفق الروحي" (٢)، في حين تشكلت الهويَّة الثقافية

стр. 16

للأُمَّة الإسلاميَّة على نحوٍ آخر "ارتبط بوثاق قوي ومتين بالعقيدة والرسالة" (١). إضافة لما تميَّز به العرب -وهم حملة هذه الرسالة في المقام الأول- "من جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة والتشريع، والبعد عن الاختلاط بالأمم" (٢)، ومن العقيدة والرسالة انبثقت الحضارة الإسلاميَّة "ولزم عن هذا. . . أن تداخلت قضايا الواقع المادي بأصول الرسالة وتعاليمها. . . فالعقيدة والرسالة والحضارة والسلوك والتاريخ. . . وحدة جامعة مشتركة في بنيان هذه الأُمة في ترابط يعزّ فصله؛ ولهذا فقد تحوّل الواقع إلى ساحة اختبار، وميدان تجربة؛ لصدق الوفاء بالرسالة منهجًا وسلوكًا وتصرفًا" (٣). والمحك في ذلك مضمون الحضارة الغربية، والهويَّة الثقافية للأُمَّة الإسلاميَّة؛ أن سيادة الحضارة الغربية وهيمنتها لا تعطي هذه الهويَّة خصوصيتها، وفرضت نوعًا من الاستلاب الحضاري، ونوعًا من التنكر لمنجزات الطرف الآخر، ومرتكزاته الثقافية؛ يصل إلى مس الهويَّة الإسلاميَّة بخاصة (٤).

стр. 17

وهذا ما عبَّر عنه أحد المفكرين -في صدد نقده للفكر الغربي- بقوله: "فهم الغرب عملية التثاقف وباستمرار في صورة الاستلاب الحضاري Inacualturation والتنكر التام لمنجزات الطرف المقابل الحضارَّية والثقافيَّة، وأرادها أن تتحول دائمًا إلى وسيلة للسيطرة والهيمنة وإلغاء الهويَّة الذاتية المستقلة للأمم والشعوب والحضارات The Obliration Of Cultural Identity إلى حدود اقتربت في مضامينها ومنحنياتها السلبية إلى الاغتيال الحضاري للآخرين، وذلك صدورًا عن نظرية عرقية قديمة، جددتها وبشرت بها مدرسة (كرستيان لاش وأرنست رينان) في أواخر القرن الماضي مؤداها: تمايز العقل الأوروبي وسموه عن العقل السامي (العربي) الذي هو في زعم أنصار هذه المدرسة غبي التكوين، معادٍ للعلم والفلسفة" (١). إنَّ هذه المزاعم التي يثيرها بعض المستشرقين بين الحين والآخر تمس تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وتحاول التقليل من مكانتها؛ ممَّا يوجب على الأمَّة

стр. 18

الإسلاميَّة الوعي بتميُّزها في ضوء ما خصَّها اللَّه به دون سائر الأمم بالملَّة الحنيفية السمحة، وأن تحافظ على هويتها المنبثقة من ذلك المنهج الرباني الذي حدَّد مسارها في الفكر والتاريخ، وألَّا تنخدع -وتحت أي مسمى- للنزول من قلعة هذا التميُّز، فيجري عليها ما جرى على أهل الكتاب من قبل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. ولَمَّا نفى اللَّه التميُّز عن اليهود والنصارى أثبته لمن قام بشرطه؛ قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]. ومن هنا تأتي أهمية البحث في تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منه، لتأصيله أولًا في ضوء الكتاب والسنة، وفهم سلف الأُمَّة وما درج عليه المسلمون في قديم تاريخهم وحديثه، ولنقد موقف المستشرقين منه؛ حيث إنَّهم من طلائع الحضارة الغربية وفكرها، وهو فكر يختلف في موقفه من الفكر الإنساني عامَّة عن فكر الأُمَّة الإسلاميَّة الذي اتسم "بموقفه الإنساني السمح من مجمل الفكر الإنساني، على تباين صوره وأشكاله، سماحة لم يتسع لها صدر غيره من دوائر الفكر والحضارة في تاريخ البشر" (١). وهذا ما يقر به المنصفون من المستشرقين وغيرهم من مفكري الغرب

стр. 19

ومؤرخيه، على حين أنَّ موقف الفكر الغربي والفكر الاستشراقي -في جملته- جزءٌ منه ينطلق من نظرية "عبء الرجل الأبيض، في حمل رسالة العلم والمعرفة إلى الآخرين، وأنَّ الغرب هو مركز الاستقطاب الفكري للإنسانية. . . فهو من صنع ما اصطلحوا عليه (بالمعجزة اليونانية الخالدة)، (وهو الذي قدَّم من وجهة نظرهم) تفسيرًا متناسقًا رائع التوازن للإنسان والكون والحياة" (١). إضافة للأهميَّة المشار إليها آنفًا فإنَّ اللَّه قد ميَّز الأُمَّة الإسلاميَّة دون سائر الأمم بخصائص ومميزات كثيرة، منها: ١ - بما أورثها من هذا الدين العظيم، وجعل فيها النبي الكريم ومن معه من الصحابة الأبرار، ورفعها لمنزلة الشهادة على الناس، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. إنَّ هذا الاصطفاء الإلهي الكريم قد تمثل في صفوة طبَّقت كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وكانت نبراسًا للأجيال وأنموذجًا لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وقد نصَّ الرسول ﷺ إبَّان تكوين الدولة الإسلاميَّة على تميُّز الأُمَّة

стр. 20

الإسلاميَّة حينما كتب في المعاهدة مع اليهود بأنَّ المسلمين (أُمَّة واحدة من دون الناس) (١)، وبأن اليهود (أُمَّة مع المسلمين) (٢). ٢ - إنَّ هذا التميُّز مستمر في أُمَّة محمد ﷺ حتى قيام الساعة لما خصت به من الرسالة الخاتمة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، (فكانت رسالته تجديدًا لدعوة التوحيد التي بعث بها سائر الأنبياء والمرسلين، وتعديلًا للشرائع السابقة، وإكمالًا لها، بعد أن ارتقت البشرية، وتفتحت عقولها، وتهيأت نفوسها لاستقبال الرسالة الخاتمة بكل جوانبها الروحية والاجتماعية، وقد أوضح المصطفى ﷺ أنَّ رسالته إكمال لرسالات الأنبياء السابقين. . .) (٣)، فقد ثبت أنه قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنةً، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة. . . فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء" (٤)، والحديث يبين اكتمال الرسالة الخاتمة ووفاءها بحاجات البشرية، مهما

стр. 21

درجت في مراقي التقدم الحضاري ثقافة وصناعة) (١). وهذا التميُّز لا يزال متمثلًا في الأمَّة الإسلاميَّة، وينبغي أن يستمر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال النبي ﷺ : "لا يزال من أُمَّتي أُمَّة قائمة بأمر اللَّه ما يضرهم من كذَّبهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر اللَّه وهم على ذلك" (٢). ٣ - إنَّ تميز الأُمَّة. . . إنَّما يظهر بشكل جلي كلما التزم المسلمون بالإسلام، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال الرسول ﷺ فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة ﵁: "إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، كتاب اللَّه وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض" (٣). كان هذا التميُّز -وما يزال- مستهدفًا من أعداء الأمة منذ بداية تكوينها بهديه ﷺ ، ففي السنة الثانية من الهجرة، وعندما تحولت القبلة إلى الكعبة المشرفة أكثر أعداء الدين -يتزعمهم اليهود- من التنديد بالإسلام إثر هذا

стр. 22

التحوُّل لما يدل عليه من تميز المسلمين، ليس على صعيد العقيدة فحسب، بل وفيما يختص بالعبادة والشعائر، كما يعبر عن ذلك أحد المفكرين المسلمين: (ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه كي يتميز هو، ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه. . . فهذا التميُّز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد. . . ومن هنا كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء. ولم يكن هذا تعصبًا، ولا تمسكًا بمجرد الشكليات، وإنَّما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات؛ كان نظره إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة، وهذه البواعث تفرق قومًا عن قوم، وعقلية عن عقلية، وتصورًا عن تصور، وضميرًا عن ضمير، وخلقًا عن خلق، واتجاهًا في الحياة عن اتجاه) (١). وليس هذا فحسب، بل أنّ تميز الأمة الإسلاميَّة ظل مستهدفًا من أعدائها منذ تكوينها وإلى يومنا هذا، ومن أبرز ما استهدفه أهل الكتاب ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. إنَّ هذا الموقف من أهل الكتاب وغيرهم قد تمثَّل في هذا العصر في كثير من المستشرقين الذين ظهرت على أيديهم حركة تتراءى -في ظاهرها-

стр. 23

أنّها حركة علمية تهدف -فيما تهدف إليه- إلى الانطلاق من معرفة الإسلام عن كثب لغاية أُخرى، وهي دس سمومها الفكرية، وإثارة الشكوك والشبهات في عقيدته وشريعته وتاريخه وفي تراثه بعامة؛ لتصرف أهله عنه، وليولوا وجوههم شطر الغرب ونحو علومه وثقافته، بعد أنْ ضعفت الشخصية المسلمة، وفقد المسلمون بسبب ذلك ما في ذاتيتهم المتميزة من قوة ومنعة؛ وبهذا تكون هذه الحركة الماكرة ماضية بشتى الوسائل لتحقيق غايتها في فرض التبعية على المسلمين. إن أهمية تميز الأمة الإسلاميَّة يُمكن أن تدرس من ناحيتين مهمتين، هما: الأولى: تأصيل التميُّز والتدليل عليه من الكتاب والسنة وهدي سلف الأمة الصالح. الثانية: نقد موقف المستشرقين من هذا التميُّز. ولا شك أنّ إبراز تميز الأمة الإسلاميَّة بمقوماته وخصائصه وأهدافه ووسائل تحقيقه؛ ما يجدر بحثه والعناية به، ولا سيما في هذا العصر الذي اشتدت فيه وطأة الصراع على الأمة الإسلاميَّة، وبخاصة ما يرى من محاولة الهيمنة العقدية والفكرية عليها، بهدف ترسيخ قيم الغرب، وأخلاقه ومناهجه في الحياة، وكل ما يذهب بتميزها ويوهن شخصيتها الفريدة. ويشهد لهذا الهدف الخطير مقولات كثيرة تعج بها كتابات دهاقين السياسة والفكر في الغرب، منها مقولة (هانوتو) (١): (لا يهمكم هذه الكتلة الشيوعية التي ظهرت؛ فإنها "ستخفق" وتكون أضحوكة بينكم لمخالفة بنائها الفطرة الإنسانية، ولكن لا يهمكم إلَّا أمة واحدة شعارها واحد في

стр. 24

مشارق الأرض ومغاربها (لا إله إلَّا اللَّه واللَّه أكبر)، وقبلتها واحدة، تتجه إليها من كل مكان؛ ثم تلتقي حول قبلتها (الكعبة) كل عام. هذه الأمة اعملوا على تحطيم عقيدتها من الأساس، وإفساد أخلاق أبنائها، وتحوير أفكارهم حتى تذيبوها في كل مكان، وإلَّا فلا تأمنوا انطلاقتها مهما عملتم من الاحتياطات العسكرية ما لم تهدموا أصل عقيدتهم) (١). ويقول (برنارد لويس): (لقد كانت عادتنا التي تعودناها في العالم الغربي هي: كلما اتجه الشرقيون إلينا ازداد تمسكنا بالغرب؛ لنجعل أنفسنا مثالًا للفضيلة والتقدم، فإذا تشبهوا بنا عددنا ذلك أمرًا حسنًا، وإذا لم يكونوا كذلك عددنا ذلك سوءًا وشرًا. فالتقدم هو في التشبه بنا، أمَّا إذا لم يقتدوا بنا فذلك هو التقهقر والاضمحلال) (٢).

стр. 25

ومن ناحية أخرى فإن هذا العصر يشهد -في ظل تقارب المسافات، وتطور الأساليب الحضارية- اختلاط الأمم وتفاعلها الفكري والثقافي؛ بيد أن طغيان الحضارة الغربية وثقافتها على العالم المعاصر يقلل التميُّز بين الأمم والشعوب (١) بما يتعارض مع طبيعة الأمة الإسلاميَّة التي يفترض فيها أنْ تكون صاحبة رسالة قائمة بالحق والخير والمعروف، وشاهدة على الأمم. وعن هذا المعنى عبَّرَ (محمد أسد) (٢) بقوله: إنَّ الإسلام بخلاف سائر الأديان. . . لا يُمكن تقريبه من الأوضاع الثقافية المختلفة، بل هو فلك ثقافي مستقل، ونظام اجتماعي واضح الحدود، فإذا امتدت مدنيَّة أجنبية

стр. 26

بشعاعها إلينا، وأحدثت تغييرًا في جهازنا الثقافي -كما هي الحال اليوم- وجب علينا أن نتبين لأنفسنا إذا كان هذا الأثر الأجنبي يجري في اتجاه إمكاناتنا الثقافية أو يعارضها، وما إذا كان يفعل في جسم الثقافة الإسلاميَّة فعل المصل المجدد للقوى أو فعل السم) (١). إنّ الحضارة الغربية وثقافتها تختلف في معظم مبادئها عن ثقافة الأمة الإسلاميَّة، وقد يصل هذا الاختلاف إلى حد التناقض في المنطلقات والغايات والاتجاهات الفكرية، والمذاهب العقدية؛ ومع ذلك يرادُ لها أن تظهر بمظهر التفوق والعظمة في مُثلها وقيمها على قيم الإسلام ومُثله، وإظهار أيّ تمسك بالإسلام بمظهر التخلف والانحطاط، وإلى جانب ذلك إحياء الحضارات المطمورة في تاريخ ما قبل الإسلام، لمزاحمة الإسلام وإذابة تميز الأمة الإسلاميَّة واعتزازها بأمجادها التاريخية (٢). وممَّا يُؤسف له أنَّه وجد في واقع الأمة الإسلاميَّة تهاون وقابليّة لتلك الأفكار الغازية التي تستهدف عقيدتها وهويتها، وظهر فيها من يرفع عقيرته بأفكار استشراقية، ويمارس أنماطًا للحياة غريبة عن ذاتية الأمة الإسلاميَّة، ولا تنسجم مع تعاليم دينها وهدي رسولها ﷺ ، كما وجدت تلك الانحرافات والسموم طريقها لتصبح ظاهرة بارزة في واقع المسلمين اليوم يخشى مع نموها واتساعها أن تهدد تميز الأمة الإسلاميَّة؛ بحيث تذوب شخصية الأمة الخاصة بها في ثقافات شتى والثقافة الغربية خاصة؛ انخداعًا بمعطياتها الحضارية التي لم تُنَزَّل منزلتها الحقيقية في نظر المسلمين، وكان

стр. 27

ما جرى من الافتتان بها والمبالغة في ذلك ما ينال من ثقة الأمة بمعتقداتها وقيمها وأخلاقها ومجريات تاريخها. إن ما وقعت فيه الأمة الإسلاميَّة من خطر كبير دفعت إليه بكيد أعدائها وعجز أبنائها جعلها، كما قال أحد المفكرين: (أمة مسبوقة ومنقسمة على نفسها ومستهدفة) (١). ولكن هذا الواقع لم يطمس -بفضل اللَّه- حقيقة الأمة الإسلاميَّة كما يجلي ذلك تاريخها الناصع، وجذوة الحق والنور التي لم تنطفئ؛ بما تمثل من الخير الباقي فيها؛ وبما تمثل في الوقت نفسه من الأسوة الحسنة؛ التي لا تزال حيَّة ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها حتى يأتي أمر اللَّه وهي كذلك. ويُعنى البحث بهذا الجانب كما تجليه الوقائع؛ شواهد ناطقة؛ من حيث كونها الأمثلة الحية، والتطبيق الصحيح للإسلام قيمًا ومثلًا جديرة بالتأمل والاعتبار، وفي هذا دلالة على أن ما وقع من خلال تقويم تاريخ الأمة من انحراف وانقسام إلى فرق متعددة ومذاهب شتى، لم يكن إلَّا ظاهرة شاذة وآفة وافدة لا تتفق مع حقيقة الأمة الإسلاميَّة ومقوماتها الأصيلة. الدراسات السابقة في تميز الأمة الإسلامية: لا يوجد -فيما أعلم، واللَّه أعلم- دراسة لموضوع تميز الأمة الإسلاميَّة على النحو الذي تهدف إليه هذه الأُطروحة.

стр. 28

ولكن توجد شذرات مبثوثة في بطون الكتب الإسلاميَّة عن خصائص الأمة الإسلاميَّة ومزاياها. وقد يفرد بعض المفسرين والمحدثين والمؤرخين وغيرهم من علماء الأمة ومفكريها أبوابًا أو فصولًا أو مباحث في كتبهم بمسميات عدة، مثل: فضائل الأمة الإسلاميَّة أو مناقبها أو شمائل رسولها ﷺ ودلائل إعجازه، ورُبَّما ورد كثيرٌ من الأحاديث في فضائل الأُمَّة الإسلاميَّة في كتب الأحكام والحدود ونحوها. ورُبَّما أفردت كتبًا مستقلة في دلائل النبوة وتثبيتها، كما هو فعل البيهقي والأصبهاني وغيرهما (١).

стр. 29

كذلك فإن بعض العلماء فيما كتبوه عن العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق أو الحضارة ونحو ذلك مِمَّا يكتب عن الأمة الإسلاميَّة؛ عرَّجوا على بعض شعائر التميُّز أو خصائصه أو بعض مقوماته. ولكن أكثر ما كُتِبَ اتسم بالتركيز على بعض جوانب التميُّز دون بعضها الآخر. ويأتي الحديث عنه عرضًا دون أن يكون مقصودًا لذاته؛ مما يدعو وبإلحاح إلى إفراد التميُّز بدراسة علمية متكاملة تسير وفق منهج مرسوم وخطّة مقررة. ومن أبرز ما اطلعت عليه في هذا الموضوع الآتي: ١ - ما كتبه الإمام أبو حنيفة في كتابه (الفقه الأكبر عن شعائر أهل السنَّة) (١). ٢ - ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمع في فتاواه عن تميز أهل

стр. 30

السنة (١)، وقد جرده في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. ٣ - ما كتبه الإمام الحافظ ابن حزم في كتاب (الملل والنحل) عن تميز أمة الإسلام في وجوه النقل وأنهم تميزوا عن اليهود والنصارى وسائر الأمم في مناهج النقل والإسناد والنقد. ٤ - ولأبي عبد اللَّه محمد بن عبد الرحمن البخاري المتوفى سنة (٥٤٦ هـ) كتاب بعنوان: (محاسن الإسلام وشرائع الإسلام)؛ استعرض فيه محاسن الإيمان باللَّه، ومحاسن الصلاة والزكاة والصوم والحج، وفصَّل المحاسن التي استعرضها وفقًا لأبواب الفقه (العبادات ثم المعاملات) (٢). ٥ - وانتهج ابن قيم الجوزيّة في سائر مؤلفاته (بيان خصائص أهل السنة والجماعة، وبيان الصراط المستقيم، ومعرفة الحلال والحرام، والخلق والأمر، والوعد والوعيد، والاقتصاد في السنة، وتباعها كما جاءت مع بيان ما حادت عنه الملل والفرق الحائدة عن الصراط المستقيم) (٣).

стр. 31

وتحدث في بعض كتبه عمّا فضّل اللَّه به عبده ورسوله محمد ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين، وما تميَّزت به أمته من فضائل في عقيدتها وشريعتها وأخلاقها وسائر شعائرها (١)، وله مؤلف خصَّصه لأحكام أهل الذّمة، اشتمل على جوانب عدّة ممّا يندرج في مفهوم التميُّز بصفة مباشرة وغير مباشرة (٢). ٦ - وكتب السيوطي في ذلك كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب المعروف بـ (الخصائص الكبرى) ضمنه كثيرًا من خصائص الأمة الإسلاميَّة وبخاصة ما أورد في الجزء الثاني بعنوان: (باب اختصاصه ﷺ بأن أمته الآخرون في الدنيا الأولون يوم القيامة. . .) (٣). ٧ - وللشيخ محمد بن عبد الوهاب كتاب بعنوان: (مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول اللَّه ﷺ أهل الجاهلية) (٤)، وله أيضًا: (فضل الإسلام) (٥)، استعرض في الأول مئة مسألة خالف فيها الرسول ﷺ أهل الجاهلية في مجال العقيدة والشريعة والأخلاق.

стр. 32

واستعرض في الآخر فضائل الإسلام ووجوب الالتزام به وتحقيقه، والبعد عن البدع والتحذير منها. ٨ - وللشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي كتيب بعنوان: (محاسن الإسلام) ضمنه مقومات تميز الأمة الإسلاميَّة بطريقة منهجيّة، إلَّا أنه جاء في غاية الاختصار والإيجاز. ٩ - ولمحب الدين الخطيب اهتمام بتميز الأمة الإسلاميَّة تمثل في عدة أعمال علميّة أنجزها، من أبرزها الآتي: أ- تذييله كتاب (المنتقى من منهاج الاعتدال في نقص كلام أهل الرفض والاعتزال)، وهو مختصر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، اختصره الذهبي. ذيله محب الدين الخطيب بكتابه عن تَمَيُّز الأمة الإسلاميَّة بعنوان (الجيل المثالي)، ومما جاء فيه قوله: (فكرتُ في هذا الأمر كثيرًا من خمسين سنة إلى الآن، ومن ذلك الحين وأنا أراقب كل ما يقع عليه نظري من تحقيقات العلماء وخطرات أفكارهم لأصل إلى حكمة اللَّه في هذا الامتياز) (١). وبعد أن عرض لمحات من تميز الأمة الإسلاميَّة لفت النظر إلى أهمية دراسة هذا الموضوع بقوله: (هذه المعاني تحتاج إلى دراساتٍ علميّة عميقة. . . وإنّ فصلًا كهذا أضيق من أن يلم -ولو بإشارات قصيرة ولمحات سريعة- بمثل هذه المعاني، ونحن نكتفي بتسجيلها (ليُتَّخذ) منها (موضوعات) للدراسة والتمحيص) (٢).

стр. 33

ب- وله رسالة بعنوان: (حملة رسالة الإسلام الأولون، وما كانوا عليه من المحبة والتعاون على الحق والخير، وكيف شوّه المغرضون جمال سيرتهم). أشار فيه لشيء من مزايا الرعيل الأول (١) من الأمة الإسلاميَّة، وحذر مما يكتبه المغرضون في قديم تاريخ الأمة الإسلاميَّة وحديثه؛ ومنهم المستشرقون لإذابة تميزها، ولتكون محرومة من الإيمان بعظمة ماضيها، وأنها سليلة سلفٍ لم ير التاريخ أطهر ولا أبهر ولا أزهر من سيرته (٢). ج - وذكر أحمد سما يلوفتش في كتابه: (فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر) أنّه اطلّع على مخطوطة عن المستشرقين وأعمالهم لمحب الدين الخطيب بحوزة ابنه حيث (حاول أن يسجل كل ما يتعلق بالاستشراق مبتدئًا بمطبوعات شرقية في أوروبا، الجمعيات الاستشراقية المختلفة، مؤتمرات المستشرقين، مشاهير المستشرقين، دائرة المعارف الإسلاميَّة، مجلّات الاستشراق المختلفة، المطابع العربية في أوروبا، المكتبات الأوروبية التي تحتوي على المؤلفات العربية وما إلى ذلك) (٣)، ثم يتبع ذلك بقوله: (يبدو لنا أنه كان ينوي التأليف في هذا الموضوع) (٤). ١٠ - واطلعت على كتاب ألفه عبد المنعم أبو زنط عنوانه: (التميُّز

стр. 34

الإسلامي) تضمن هذا الكتاب جملة موضوعات تندرج تحت التميُّز، ولكن لم تتحقق فيه الدراسة العلمية الوافية (١)، كما ينبغي أن يتوافر لها من التكامل والشمول. ١١ - وفي كثير من كتب الفكر الإسلامي والثقافة الإسلاميَّة في العصر الحاضر؛ إشارات لتميُّز الأمة الإسلاميَّة، ولمحات متفرقة (٢)؛ أفدتُ منها في مادة البحث العلمية بعد جمعها وترتيبها ودراستها لتعميق ما يحتاج منها إلى تعميق، وتأصيلها، واستكمال جوانب التميُّز الأخرى، وفق الخطة المرسومة لهذه الأطروحة. وأشكر اللَّه الذي وفقني لإنجازها وأرجوه -تعالى- أن تكون على الوجه الذي يرضيه جلَّ وعلا، وأن تكون لبنة صالحة لتأخذ مكانها في بناء الفكر الإسلامي، وتؤدي مهمتها في مسار الثقافة الإسلاميَّة الأصيل.

стр. 35

المنهج في دراسة تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه وخطة البحث فيه: يمكنني القول بأنني انتهجت في رسالتي هذه أكثر من منهج؛ وفقًا لمقتضيات البحث والدراسة، ففي بعض المباحث انتهجت منهجًا تأصيليًّا، وفي بعضها الآخر كان منهجي تاريخيًا وصفيًا، وتارةً أخرى أطبق المنهج النقدي، وأحيانًا أعمل منهج الاستقراء والاستنتاج والمقارنة والملاحظة؛ ولتوضيح ذلك أورد الأمثلة الآتية: أ- كان منهجي فيما يتعلق بمنزلة التميُّز وضرورته ومقوماته وخصائصه وأهدافه ووسائله منهجًا تأصيليًا، درجتُ فيه على البحث في أصول كلمات: (التميّز، الأمة، الأمة الإسلاميَّة، العقيدة، الشريعة، الربانية، العالمية، الوسطية، ونحو ذلك من مفاهيم البحث الأخرى) فعدتُ لمعانيها اللغويّة والاصطلاحية وحددت المراد منها كونها مفاهيم للبحث، وسرتُ على هذا المنهج في سائر البحث. ب- وكان منهجي فيما يتعلق بدراسة نشأة الاستشراق وتطوره منهجًا وصفيًا تاريخيًّا، تخلَّلَه منهج آخر عُنِيَ بالاستقراء والاستنتاج والملاحظة والنقد، بعد أن بينت مفهوم الاستشراق والمستشرقين. ج- وانتهجت في دراسة موقف المستشرقين من تميز الأمة الإسلاميَّة؛ منهجًا نقديًّا أطرح من خلاله شبهات المستشرقين ثم أردُّ عليها من ناحية، وأبرز ما في موقفهم من تميز الأمة الإسلاميَّة من سلبيات وإيجابيات، ثم أقارن بينهما لأصل في نهاية التحليل لنتيجة محدّدة إن أمكن. أمَّا خطوات البحث من حيث جمع المادة العلمية من مظانها في المصادر والمراجع، وأسلوب الإفادة منها ومصطلحات الكتابة، وخطة البحث، فهي على النحو الآتي:

стр. 36

أولًا: جمع المادة العلمية: ١ - رجعت لمعاجم اللغة العربية لتحديد مفاهيم البحث الأساس؛ (التميُّز، الأمة، العقيدة، الشريعة، الأخوة، الربانية، العالمية، الوسطية. . .)، ونحو ذلك من مفاهيم البحث الأخرى، وما يحتاج إلى تعريف لغوي، وكان من أبرز تلك المعاجم اللغوية الآتي: • كتاب العين: لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٠١ - ١٧٥ هـ). • تهذيب اللغة: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠ هـ). • معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (. . . - ٣٩٥ هـ). • مجمل اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (. . .- ٣٩٥ هـ). • الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية): لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت ٣٩٣ هـ). • أساس البلاغة: لأبي القاسم جار اللَّه محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨ هـ). • لسان العرب المحيط: لابن منظور محمد بن مكرم جمال الدين أبي الفضل بن منظور (٦٣٠ - ٧١١ هـ). وإلى جانب هذه المعاجم الأساس. . رجعت إلى بعض المعاجم الحديثة والموسوعات ودوائر المعارف المتنوعة؛ وفقًا لمقتضيات البحث والدراسة. ٢ - ورجعت لأمهات الكتب الإسلاميَّة في التفسير والحديث ومعاجمهما، والفقه والأصول، والتاريخ والسير والتراجم، والعقيدة

стр. 37

والمذاهب، لجمع مادة البحث العلمية وللوقوف على أقوال أئمة التفسير والمحدثين والفقهاء والعلماء في صدر الإسلام والقرون المفضَّلة، وما تلا ذلك من تأليفات في ميادين كثيرة ومجالات متنوعة. ٣ - وتتبعت كتابات علماء الأمة الإسلاميَّة ومفكريها في العصر الحاضر في مجال الثقافة الإسلاميَّة؛ وبخاصة ما يتعلق بتميز الأمة الإسلاميَّة ومقومات هذا التميُّز من عقيدة وشريعة وخصائص وأهداف ووسائل وأساليب. وكذلك الكتابات التي تُعنى بواقع الأمة. . . وحاضر العالم الإسلامي، وما يواجهها من تحديات ومعوقات، والحلول المطروحة للخروج بالأمة الإسلامية من أزمتها وتخلفها وانحطاطها. ٤ - وعرجتُ -بقدر الطاقة والإمكان- على ما كُتِبَ عن الاستشراق والمستشرقين، سواء المترجم عنهم، أو الراصد لتاريخهم ومظاهر نشاطهم، أو نقد حركتهم وإنتاجهم. ٥ - وبذلتُ مجهودًا في متابعة الدوريات والندوات والمحاضرات المطبوعة، والمسجلة بالصوت ونحوها، وقمتُ بترجمة بعض النصوص وأجزاء من كتب المستشرقين بغية إتمام الفائدة، وتوسيع دائرة الإفادة من مادة البحث العلمية. وقد تحقق لي جمع مادة علميّة غزيرة أفدتُ من معظمها، وسلكتُ في الإفادة منها منهجًا يقوم على الآتي: ٦ - الدراسة المتأنية لمادة البحث وتوثيقها وسبر جوهرها وما تتضمن من أفكار ووقائع وأحكام ومعانٍ لغوية وشرعية واصطلاحية، مع عقد المقارنات، والتحليل، واستخلاص النتائج وثمرات الدراسة والبحث. ٧ - توظيف هذه المادة في فصول البحث ومباحثه وفقراته وترتيب

стр. 38

الإفادة منها في مواضعها المناسبة مع تلافي التكرار وانتقاء الأحسن ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. ٨ - عمدتُ في الكتابة إلى استخدام المصطلحات الشكلية الآتية: أ- إبراز الآيات القرآنية بالرسم العثماني كما هي في مصحف المدينة. . وأثبت في الحاشية اسم السورة ورقم الآية. ب- تخصيص الحديث النبوي الشريف بهذه الأقواس ". . . "، وكتابة ﷺ بهذا الشكل ﷺ . ج- النصوص المنقولة غير الآيات والأحاديث أضعها بين قوسين للتمييز بين الأحاديث والنص المنقول على هذا النحو: (. . .) وأثبت في الحاشية اسم المؤلف واسم كتابه، وإذا تصرفت في النص بالحذف رمزتُ لها بنقاط متتالية. . .، أمَّا إذا أخذت المعنى أو الفكرة وعبرتُ بأسلوبي أو غيَّرت فيه فإنني أكتبُ في الحاشية كلمة (انظر). د- عمدت في العزو إلى ذكر المؤلف أولًا ثم اسم مُؤَلَّفِه. هـ - إذا ورد في متن البحث مصطلح آخر غير مصطلحاته المبيَّنة في مكانها، فإنني أذكر معناه وأعزوه لصاحبه، كذلك الألفاظ المبهمة أو ما يحتاج إلى توضيح. ٩ - ترجمتُ لبعض الأعلام غير المشهورين ثُمَّ أهملتُ الترجمة لئلا أثقل الحاشية بالتراجم، وهي عِلْمٌ قائِمٌ بذاته وله مصنفات في المتناول. ١٠ - تقيدتُ بالقواعد الإملائية، وعلامات الترقيم، ومصطلحات الكتابة الشكلية وفقًا للمتبع في كتابة البحوث والرسائل العلمية. ثانيًا: خطة البحث: كانت خطة البحث في أصله باعتباره رسالة علمية مقدمة لنيل الدكتوراه تشتمل على الآتي:

стр. 39

المقدمة: (وتشتمل على ما سبق ذكره). باب تمهيدي: ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: مفهوم تميز الأمة الإسلاميَّة: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مفهوم التميُّز. المبحث الثاني: مفهوم الأُمة. المبحث الثالث: مفهوم الإسلاميَّة. الفصل الثاني: منزلة تميز الأُمة الإسلاميَّة وضرورته: وفيه مبحثان: المبحث الأول: منزلة تميز الأمة الإسلاميَّة. المبحث الثاني: ضرورة تميز الأمة الإسلاميَّة. الفصل الثالث: لمحة عن الاستشراق: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مفهوم الاستشراق والمستشرقين. المبحث الثاني: نشأة الاستشراق. المبحث الثالث: تطور الاستشراق. الباب الأول: مقومات تميز الأمة الإسلاميَّة وخصائصه وموقف المستشرقين منها. ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: مقومات تميُّز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها. وفيه ثلاثة مباحث:

стр. 40

المبحث الأول: العقيدة وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: الشريعة وموقف المستشرقين منها. المبحث الثالث: الأخوة الإسلاميَّة ووحدة الأمة وموقف المستشرقين منها. الفصل الثاني: خصائص تميز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الربانية وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: العالمية وموقف المستشرقين منها. المبحث الثالث: الوسطية وموقف المستشرقين منها. المبحث الرابع: الإيجابية الخيرة وموقف المستشرقين منها. الباب الثاني: أهداف تميز الأمة الإسلاميَّة ووسائل تحقيقه وموقف المستشرقين منه، وفيه فصلان: الفصل الأول: أهداف تميز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها وفيه مبحثان: المبحث الأول: تحقيق العبودية للَّه، وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: تحقيق الاستخلاف في الأرض وموقف المستشرقين منه. الفصل الثاني: وسائل تحقيق تميز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها، وفيه مبحثان: المبحث الأول: وسيلة اللغة العربية وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: وسيلة تاريخ الإسلام وحضارته وموقف المستشرقين منه. خاتمة البحث: وتشتمل على الآتي:
следующие страницы →