← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أولًا: جمع المادة العلمية: ١ - رجعت لمعاجم اللغة العربية لتحديد مفاهيم البحث الأساس؛ (التميُّز، الأمة، العقيدة، الشريعة، الأخوة، الربانية، العالمية، الوسطية. . .)، ونحو ذلك من مفاهيم البحث الأخرى، وما يحتاج إلى تعريف لغوي، وكان من أبرز تلك المعاجم اللغوية الآتي: • كتاب العين: لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٠١ - ١٧٥ هـ). • تهذيب اللغة: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠ هـ). • معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (. . . - ٣٩٥ هـ). • مجمل اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (. . .- ٣٩٥ هـ). • الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية): لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت ٣٩٣ هـ). • أساس البلاغة: لأبي القاسم جار اللَّه محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨ هـ). • لسان العرب المحيط: لابن منظور محمد بن مكرم جمال الدين أبي الفضل بن منظور (٦٣٠ - ٧١١ هـ). وإلى جانب هذه المعاجم الأساس. . رجعت إلى بعض المعاجم الحديثة والموسوعات ودوائر المعارف المتنوعة؛ وفقًا لمقتضيات البحث والدراسة. ٢ - ورجعت لأمهات الكتب الإسلاميَّة في التفسير والحديث ومعاجمهما، والفقه والأصول، والتاريخ والسير والتراجم، والعقيدة

стр. 37

والمذاهب، لجمع مادة البحث العلمية وللوقوف على أقوال أئمة التفسير والمحدثين والفقهاء والعلماء في صدر الإسلام والقرون المفضَّلة، وما تلا ذلك من تأليفات في ميادين كثيرة ومجالات متنوعة. ٣ - وتتبعت كتابات علماء الأمة الإسلاميَّة ومفكريها في العصر الحاضر في مجال الثقافة الإسلاميَّة؛ وبخاصة ما يتعلق بتميز الأمة الإسلاميَّة ومقومات هذا التميُّز من عقيدة وشريعة وخصائص وأهداف ووسائل وأساليب. وكذلك الكتابات التي تُعنى بواقع الأمة. . . وحاضر العالم الإسلامي، وما يواجهها من تحديات ومعوقات، والحلول المطروحة للخروج بالأمة الإسلامية من أزمتها وتخلفها وانحطاطها. ٤ - وعرجتُ -بقدر الطاقة والإمكان- على ما كُتِبَ عن الاستشراق والمستشرقين، سواء المترجم عنهم، أو الراصد لتاريخهم ومظاهر نشاطهم، أو نقد حركتهم وإنتاجهم. ٥ - وبذلتُ مجهودًا في متابعة الدوريات والندوات والمحاضرات المطبوعة، والمسجلة بالصوت ونحوها، وقمتُ بترجمة بعض النصوص وأجزاء من كتب المستشرقين بغية إتمام الفائدة، وتوسيع دائرة الإفادة من مادة البحث العلمية. وقد تحقق لي جمع مادة علميّة غزيرة أفدتُ من معظمها، وسلكتُ في الإفادة منها منهجًا يقوم على الآتي: ٦ - الدراسة المتأنية لمادة البحث وتوثيقها وسبر جوهرها وما تتضمن من أفكار ووقائع وأحكام ومعانٍ لغوية وشرعية واصطلاحية، مع عقد المقارنات، والتحليل، واستخلاص النتائج وثمرات الدراسة والبحث. ٧ - توظيف هذه المادة في فصول البحث ومباحثه وفقراته وترتيب

стр. 38

الإفادة منها في مواضعها المناسبة مع تلافي التكرار وانتقاء الأحسن ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. ٨ - عمدتُ في الكتابة إلى استخدام المصطلحات الشكلية الآتية: أ- إبراز الآيات القرآنية بالرسم العثماني كما هي في مصحف المدينة. . وأثبت في الحاشية اسم السورة ورقم الآية. ب- تخصيص الحديث النبوي الشريف بهذه الأقواس ". . . "، وكتابة ﷺ بهذا الشكل ﷺ . ج- النصوص المنقولة غير الآيات والأحاديث أضعها بين قوسين للتمييز بين الأحاديث والنص المنقول على هذا النحو: (. . .) وأثبت في الحاشية اسم المؤلف واسم كتابه، وإذا تصرفت في النص بالحذف رمزتُ لها بنقاط متتالية. . .، أمَّا إذا أخذت المعنى أو الفكرة وعبرتُ بأسلوبي أو غيَّرت فيه فإنني أكتبُ في الحاشية كلمة (انظر). د- عمدت في العزو إلى ذكر المؤلف أولًا ثم اسم مُؤَلَّفِه. هـ - إذا ورد في متن البحث مصطلح آخر غير مصطلحاته المبيَّنة في مكانها، فإنني أذكر معناه وأعزوه لصاحبه، كذلك الألفاظ المبهمة أو ما يحتاج إلى توضيح. ٩ - ترجمتُ لبعض الأعلام غير المشهورين ثُمَّ أهملتُ الترجمة لئلا أثقل الحاشية بالتراجم، وهي عِلْمٌ قائِمٌ بذاته وله مصنفات في المتناول. ١٠ - تقيدتُ بالقواعد الإملائية، وعلامات الترقيم، ومصطلحات الكتابة الشكلية وفقًا للمتبع في كتابة البحوث والرسائل العلمية. ثانيًا: خطة البحث: كانت خطة البحث في أصله باعتباره رسالة علمية مقدمة لنيل الدكتوراه تشتمل على الآتي:

стр. 39

المقدمة: (وتشتمل على ما سبق ذكره). باب تمهيدي: ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: مفهوم تميز الأمة الإسلاميَّة: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مفهوم التميُّز. المبحث الثاني: مفهوم الأُمة. المبحث الثالث: مفهوم الإسلاميَّة. الفصل الثاني: منزلة تميز الأُمة الإسلاميَّة وضرورته: وفيه مبحثان: المبحث الأول: منزلة تميز الأمة الإسلاميَّة. المبحث الثاني: ضرورة تميز الأمة الإسلاميَّة. الفصل الثالث: لمحة عن الاستشراق: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مفهوم الاستشراق والمستشرقين. المبحث الثاني: نشأة الاستشراق. المبحث الثالث: تطور الاستشراق. الباب الأول: مقومات تميز الأمة الإسلاميَّة وخصائصه وموقف المستشرقين منها. ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: مقومات تميُّز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها. وفيه ثلاثة مباحث:

стр. 40

المبحث الأول: العقيدة وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: الشريعة وموقف المستشرقين منها. المبحث الثالث: الأخوة الإسلاميَّة ووحدة الأمة وموقف المستشرقين منها. الفصل الثاني: خصائص تميز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الربانية وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: العالمية وموقف المستشرقين منها. المبحث الثالث: الوسطية وموقف المستشرقين منها. المبحث الرابع: الإيجابية الخيرة وموقف المستشرقين منها. الباب الثاني: أهداف تميز الأمة الإسلاميَّة ووسائل تحقيقه وموقف المستشرقين منه، وفيه فصلان: الفصل الأول: أهداف تميز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها وفيه مبحثان: المبحث الأول: تحقيق العبودية للَّه، وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: تحقيق الاستخلاف في الأرض وموقف المستشرقين منه. الفصل الثاني: وسائل تحقيق تميز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها، وفيه مبحثان: المبحث الأول: وسيلة اللغة العربية وموقف المستشرقين منها. المبحث الثاني: وسيلة تاريخ الإسلام وحضارته وموقف المستشرقين منه. خاتمة البحث: وتشتمل على الآتي:

стр. 41

١ - خلاصة البحث. ٢ - أبرز النتائج. ٣ - التوصيات. ذيلت الرسالة بالفهارس الآتية: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية والآثار. أولًا: الأحاديث. ثانيًا: الآثار. ١ - فهرس الأبيات الشعرية. ٢ - فهرس الأمكنة والبلدان. ٣ - فهرس الفرق والطوائف. ٤ - فهرس الكلمات الغريبة المشروحة. ٥ - فهرس الأعلام. ٦ - فهرس المصادر والمراجع. ٧ - فهرس الموضوعات. فكرة تقسيم الدراسة في خمسة كتب: وقد نشر الكتاب ضمن مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٢٦ هـ على صورته الأصلية ولكن بإعادة النظر في تقريب مادته العلمية وسهولة الاطلاع على مضامينه وإبرازها والإسهام في نشر العلم وسهولة الرجوع إليه قسم في خمسة كتب استجابة لرغبة القائمين على طباعته بوزارة الشؤون الإسلامية بقطر جزاهم اللَّه خيرًا وهي على النحو الآتي: - الكتاب الأول: مدخل في التميز والاستشراق.

стр. 42

- الكتاب الثاني: مقومات تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منها. - الكتاب الثالث: خصائص تميز الأمة الإسلامية ومواقف المستشرقين منها. - الكتاب الرابع: أهداف تميز الأمة الإسلاميَّة وموقف المستشرقين منها. - الكتاب الخامس: وسائل تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منها. وقد اقتضى الجانب الفني أن تكون المقدمة في الجزء الأول فقط، وأن يشتمل الجزء الثاني على الخاتمة، والمبحث الختامي للدراسة، كذلك الفهارس للكتب الخمسة، واللَّه ولي التوفيق * * *

стр. 43

دراسات فِي تميز الْأمة الإسلامية وموقف المستشرقين مِنْهُ تأليف: د. إِسْحَاق بن عبد اللَّه السَّعْدِيّ الكتاب الأول ١/ ٥ مدخل في تميز الأمة الإسلامية والاستشراق • خارطة ذهنية توضيحية. • بين يدي تميز الأمة الإسلامية. • مفهوم تميز الأمة الإسلامية. • مفهوم الاستشراق والمستشرقين. • لمحة تاريخية عن الاستشراق والمستشرقين.

стр. 44

الفصل الأول مفهوم تميُّز الأمة الإسلامية - مفهوم تميُّز الأمة الإسلامية: اشتقاق التميُّز اللغوي. صلة التميُّز بالأمة الإسلامية. مدلول (الأمة) في معاجم اللغة العربية. مدلول الأمة في القرآن الكريم. خلاصات لمعاني الأمة في اللغة العربية والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف واستنتاجات. نماذج من تعريفات العلماء والمفكرين لمدلول الأمة في الفكر الإسلامي وتحديد مصطلح الأمة في البحث. مفهوم الأمة الإسلامية. - منزلة تميُّز الأمة الإسلامية: كون التميُّز سنة من سنن اللَّه فى خلقه. الأمر به والثناء على من حققه والوعد المترتب عليه. التعريض بمن لم يرع التميُّز والوعيد المترتب على عدم تحقيقه. النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية. - ضرورة تميُّز الأمة الإسلامية: إبراز ذاتية الأمة الإسلامية وصقلها وإظهار سمتها وسماتها. تجسيد القوة في ذاتية الأمة الإسلامية وإظهارها للإنسانية. بناء قدرة الأمة الإسلامية على مواجهة الصراع الفكري.

стр. 45

مفهوم تميُّز الأمة الإسلامية اشتقاق التميُّز اللغوي من الأهمية بمكان في سائر العلوم تحديد مفاهيم البحث (١)، لما يترتب على ذلك من تحديد مسار البحث من ناحية، ولتكون الرؤية واضحة وجليَّة من ناحية أخرى. وسيجري توضيح مفهوم التميُّز وغيره من مفاهيم البحث الأخرى، أمَّا مفهوم التميُّز فبالرجوع إلى معاجم اللغة العربية ومصادرها وُجِدَ أن هناك جملة من المواد اللغوية هي المظان لاشتقاق التميُّز، وهي على النحو الآتي (٢): ١ - ماز ٢ - مزا ٣ - مزز ٤ - مزي ٥ - ميز ١ - ماز: ورد في القاموس المحيط: (مازه يميزه ميزًا: عزله، وفرزه، كأمازه وميزه فامتاز وانماز وتميز واستماز، (واستماز) الشيء: فَضُلَ بعضه

стр. 46

على بعض، (واستماز) فلان: انتقل من مكان إلى مكان، ورجل مَيْزٌ وَمَيِّزٌ: شديد العضل) (١). ٢ - مزا: قال الجوهري في الصحاح: (المزية: الفضيلة، يقال: له عليَّ مزية، ولا يبنى منه فعل) (٢). وفي اللسان: (والمزية في كل شيءٍ: التمام والكمال، وتمازى القوم: تفاضلوا، وأمزيته عليه: فضلته. . والمزيَّة: الفضيلة. . يقال: له عندي قفيَّة ومزيَّة إذا كانت له منزلة ليست لغيره. . ويقال: هذا سرب خيل غارة قد وقعت على مزاياها، أي: على مواقعها التي ينصبُّ عليها متقدم ومتأخر، ويقال: لفلان على فلان مازيَّةٌ أي فضل. . وقعد فلان عني مازيًا ومتمايزًا أي مخالفًا بعيدًا. والمزيَّة: الطعام يخص به الرجل) (٣). ٣ - مزز: وفي اللسان -أيضًا- (مزز: المِزَّ، بالكسر: القَدْر، والمزُّ: الفضل. والمعنيان مقتربان، وشيءٌ مزَّ ومزيز وأُمَزُّ، أي: فاضل. وقد مزَّ يمزُّ مزازةً ومززه: رأى له فضلًا أو قدرًا. ومزَّزه بذلك الأمر: فضَّله. . ويقال: هذا شيءٌ له مِزٌّ على هذا، أي: له فضلٌ. وهذا أمزُّ من هذا أي أفضل. وهذا له عليَّ مِزٌّ أي فضل. . والمَزُّ: اسم الشيء المزيز، والفعل مَزَّ يَمَزُّ، وهو الذي يقع موقعًا في بلاغته وكثرته وجودته) (٤).

стр. 47

٤ - مزي: قال الزمخشري: مزي -له عليه مزية. . وقد تمزَّيت علينا يا فلان: تفضلت، أي: رأيت لك الفضل علينا، ومزَّيت فلانًا: قرّظته وفضلته) (١). ٥ - مَيَزَ: في كتاب العين: (الميز التمييز بين الأشياء، تقول: مزت الشيءَ أميزه ميزًا، وقد انماز بعضه من بعض، وميَّزته. وامتاز القوم: تنحى بعضهم عن بعض. . . ويقال: امتاز القوم، واستمازوا) (٢). وورد في اللسان نحوه، وأورد في قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] (أي تميزوا، وقيل: أي انفردوا عن المؤمنين، واستماز عن الشي: تباعد منه. . . ويقال: (امتاز القوم)؛ إذا تميُّز بعضهم عن بعض. وفي الحديث: "لا تهلك أمتي حتى يكون بينهم التمايل والتمايز" (٣) أي: يتحزبون أحزابًا، ويتميز بعضهم من بعض ويقع التنازع، يقال: مُزْتُ الشيء من الشيء؛ إذا فرقت بينهما فانماز وامتاز، وميَّزته فتميَّز) (٤).

стр. 48

من مجموع هذه النقول يتضح الآتي: ١ - يدل هذا اللفظ على التخصيص والتفضيل والتمام والكمال والقدر والمكانة والموقع البارز في البلاغة والكثرة والجودة والعز. ٢ - يدل هذا اللفظ على العزل والفرز والتباعد والمخالفة. ٣ - لا يختص استعمال هذا اللفظ على ما سبق، وإنَّما يستعمل أيضًا في معان أخرى منها (الطَّعْمُ بين الحموضة والحلاوة والتحقير، والتحزب المحظور) (١)، ويستخلص من (الطعم بين الحموضة والحلاوة) معنى الوسط بين شيئين مختلفين أو نقيضين). ٤ - لم يرد لفظ (تميَّز) بين تصاريف المواد اللغوية السابقة ولكن القياس اللغوي يقتضيه، وورد في بعض المعاجم اللغوية الحديثة (٢): (تَمَيَّزَ الشيءُ يتميَّز تميُّزًا: امتاز وبدا فضله عن غيره أو على مثله) (٣).

стр. 49

٥ - بين المواد اللغوية (ماز، مزا، مزز، مزي، ميز) اشتراك في المعنى يصعب معه تحديد المادة الأصلية للفظ (تَمَيَّزَ)، وإن كان ألصق بمادة (مزا)، إلا أنه يشترك مع المواد الأخرى في بعض معانيها فيأخذ من (مَازَ، مَيَزَ) معنى العزل والفرز، ومن (مزز، مزي) معنى الفضل والقدر والجودة إضافة لما تحمله مادة (مزا) من معاني التمام والكمال. خلاصة القول في المدلول اللغوي للفظ (التَّميُّز) أنه يشتمل على عدة معانٍ لها من العمق والثراء ما يفي بحاجة البحث إليه، ويتضمن الدلالات المقصودة إليه، وبخاصة اشتماله على ثلاثة محاور شديدة الصلة بالأمة الإسلامية؛ سيتم تناولها في المطلب الآتي. * * *

стр. 50

صلة التميُّز بالأمة الإسلامية من خلال ما يدل عليه لفظ (التَّميُّز) في إطار هذه المحاور الثلاثة: ١ - التمام والكمال، والقدر وعلو المنزلة والمكانة والعزة والفضيلة، والخاصية، وقوة الذَّات. ٢ - الفرز والانعزال والتنحي والتباعد والمخالفة والانفراد. ٣ - التوسط والوسطية. تبرز صلة التميُّز بالأمة الإسلامية، ومن خلال هذه المعاني يلحظ رسوخ هذا المصطلح وتمام انطباقه على الأمة الإسلامية، ولبيان صلة التميُّز بالأمة الإسلامية يأتي تفصيل القول على النحو الآتي: ١ - كونُ الأُمَّة الإسلاميَّة بلغت من التمام والكمال والقوة الذروة عندما تمثلت الإسلام في حياتها وطبَّقته في جميع شؤونها، وقد شهد اللَّه لها بذلك، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومن هنا فإنَّ مفهوم التميُّز يتناول هذا الجانب من ذاتية الأمة الإسلامية، ويتطابق المعنى اللغوي لكلمة (مزا) التي تعني التمام والكمال والقوة، وكلمة (مزز) التي تعني ما يقع موقعًا في بلاغته وكثرته وجودته، يتطابق المعنى اللغوي للتميُّز مع حقيقة الأمة الإسلامية (في حين أنَّ ما لدى غيرها من الأمم إمَّا فاسد وإمَّا ناقص في عاقبته، على الرغم ممّا هم عليه من إتقان أمور دنياهم. . وليس لديهم ما يمكن أن يدل المسلمين على

стр. 51

ما ينفعهم، أو يهديهم لأسباب العزة والنصر والسعادة، فإنَّ ذلك لا يكون إلَّا بالرجوع إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله والتمسُّك بالإسلام حقًّا) (١). والتميُّز يتصل بالأمة من حيث إنَّ لها من القدر والعزّة والكرامة والخاصية والفضيلة ما يعلي منزلتها ويرفع قدرها على من يراها من الأمم، وقد ورد في هذا أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ منها: أ- قوله ﷺ : "إنَّكم وفّيتم سبعين أُمَّة أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه" (٢)، وفي رواية أخرى: "نُكمل يوم القيامة سبعين أمَّا نحن آخرها وأخيرها" (٣). وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنَّهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثمَّ هذا يومهم الذي فرض اللَّه عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا اللَّه له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" (٤)، والمراد باليوم:

стр. 52

يوم الجمعة، وفي هذا (بيان واضح لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة) (١)، كما وردت في هذا الحديث روايات عديدة تدل جميعها على فضل الأمة الإسلامية، وهدايتها ليوم الجمعة وتشريفها به، وتكريم اللَّه لها في الدنيا والآخرة على سائر الأمم. ب- قوله ﷺ : "بشر هذه الأمة بالسناء والدين والمنعة، والنصر، والتمكين في الأرض. . ." (٢) فهذه المعاني تتطابق مع معاني التميُّز تطابقًا تامًا. ج- قوله ﷺ : "إنَّما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كأنَّه بين صلاة العصر إلى كروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثمَّ أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر ثمَّ عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثمَّ أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أي ربنا أعطيت هولاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا

стр. 53

ونحن كنَّا أكثر عملًا، قال اللَّه: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء" (١). وقد ورد هذا الحديث بألفاظ متقاربة يستفاد منها جميعًا بتسلية الأمة الإسلامية، وما خصَّها اللَّه به من مضاعفة الأجر والمثوبة، وكونها تستجيب لله وتحقق شرطه عليها من دون اليهود والنصارى، وكذلك مكانتها وأنَّها خاتمة الأمم، وبهذا وما قبله استبان المحور الأول من محاور صلة التميُّز بالأمة الإسلامية. ٢ - وممّا يتصل به التَّميُّز بالأمة الإسلامية معاني الفرز والانعزال والتنحي والتباعد والانفراد والمخالفة، ويتضح ذلك في الأوجه الآتية: أ- البعد عن خطوات الشيطان، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] وقال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ

стр. 54

الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]. وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨]. ب- الحذر من الأهواء، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٤٩]. ب- البعد عن الشبهات والشهوات، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) [آل عمران: ٧]. وقال اللَّه تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. د- مخالفة الأمم الأخرى من اليهود والنصارى والفرس والروم والمشركين، قال ابن تيمية: (وهذا أصل ينبغي أن يُتَفَطَّنَ له) (٢).

стр. 55

وذكر أهمية المخالفة في تحقيق الإسلام وما تعنيه من تميُّز في ذاتية الأمة الإسلامية، بقوله: (وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام -الذي هو الإسلام لست أعني مجرد التوسم به ظاهرًا، أو باطنًا بمجرد الاعتقادات التقليدية، من حيث الجملة- كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا أو ظاهرًا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين: أشد. ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميُّز ظاهرًا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية) (١). وقد بسط القول فيما يتعلق بالأمر بمخالفة الأمم الأخرى والنهي عن التشبه بهم أو محاكاتهم أو تقليدهم، وساق الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على ذلك في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)، وكان ممّا ذكر في هذا السياق قوله: (واعلم أن في كتاب اللَّه من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثيرًا، مثل قوله، لمَّا ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وأمثال ذلك، ومنه ما يدل على مقصودنا ومنه ما فيه إشارة وتميم للمقصود. ثمَّ متى كان المقصود: بيان أنَّ مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا، فجميع الآيات دالة على ذلك، وإن كان المقصود: أن مخالفتهم واجبة علينا، فهذا إنَّما يدل عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة) (٢).

стр. 56

وفي موضع آخر قال: (المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد اللَّه المؤمنين، لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة، التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنَّما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه، حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالين من مرض القلب الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان) (١). ويرى ابن تيمية من خلال فقهه للنصوص الشرعية أن مخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من الأمم الأخرى من أكبر مقاصد البعثة؛ لأنَّ المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين اللَّه على الدين كله، وهذا يستلزم مخالفتهم (٢). إذن هناك صلة وثيقة بين التميُّز والأمة الإسلامية حتى في معاني المخالفة والتباعد والانفراد والفرز والانعزال والتنحي وهو المحور الثاني المتقدم ذكره (٣). ومع أنَّ في الأمة الإسلامية من ينحرف عن هذه المعاني للتميُّز بمضاهاة اليهود أو النصارى أو المشركين فإنَّ مسار الأمة الصحيح مُنَزَّه عن ذلك، حيث أخبر ﷺ بأنَّ أمته لا تُجْمَع على ضلالة، روى عبد اللَّه بن عمر ﵁: أنَّ رسول اللَّه ﷺ : قال: "إنَّ اللَّه لا يجمع أمتي، أو قال أمة محمد ﷺ على ضلالة، ويد اللَّه مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ إلى النار" (٤)،

стр. 57

وفي رواية أخرى: "فإنَّ اللَّه لن يجمع أمتي إلَّا على هدى" (١). وأمر آخر يحسن الاحتراز منه وهو تميُّز الأمة الإسلامية في داخلها بمعنى أن يتحزبوا أحزابًا ويتميز بعضهم عن بعض ويقع بينهم التنازع، فهذا الأمر منهيٌّ عنه والنصوص الشرعية مستفيضة بالحذر منه ولا يشتمل عليه عنوان هذا البحث (٢). ٣ - معاني التوسط والوسطية (٣): يتصل التميُّز بالأمة الإسلامية من خلال معاني التوسط بين شيئين أو نقيضين، والوسطية أعمق من مجرد البينية الظرفية حيث يراد بها اعتدال وتوازن بين أمرين أو شيئين متباينين كالتوسط بين الغلو والتطرف أو الإفراط والتفريط، وللعلماء في ذلك أقوال أورد منها: أ- قول الطبري: (إنَّما وصفهم بأنَّهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا- ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدَّلوا كتاب اللَّه، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم اللَّه بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى اللَّه أوسطها) (٤). ب- قول ابن تيمية عن الفرقة الناجية من أمّة محمد ﷺ بأنَّهم (يؤمنون بما أخبر اللَّه به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف

стр. 58

ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأُمَّة، كما أن الأُمَّة هي الوسط في الأمم) (١). جـ- قول محمد رشيد رضا: (الوسط هو العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي: المتوسط بينهما) (٢). د- قول عبد الرحمن بن ناصر السعدي: (وبالجملة فإنَّ اللَّه العليم الحكيم أمر بالتوسط في كل شيء بين خلقين ذميمين، تفريط وإفراط) (٣)، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وبهذا تتضح صلة التميُّز بالأمة الإسلامية من جهة معناه اللغوي (الطعام بين الحموضة والحلاوة) (٤) وأنَّ هذا الطعم يعني التوسط بين أمرين أو شيئين متباينين، ومن هذا المعنى ينتزع معنى وسطية الأمّة الإسلاميَّة واشتمال مصطلح التميُّز عليه. مصطلح التميُّز: من خلال ما تقدم يُمكن بيان مفهوم التميُّز بصفته مصطلحًا في البحث بالآتي:

стр. 59

أ- التميُّز: هو مجموع من المضامين والمظاهر التي تحدد ملامح شخصية ما وما تتصف به تلك الشخصية من صفات، سواء كان ذلك من سياق المدح أو الذم. ب- تميُّز الأمّة: مجموع المضامين والمظاهر التي تحدد ملامح شخصية الأمّة وصفاتها، وتكون ذاتيتها في الحياة والكون والتاريخ، وما ينبثق عن ذلك من علائق وصلات بشرية. ب- أمَّا تميُّز الأمّة الإسلاميَّة: فيراد به مجموع المضامين والمظاهر التي تحدد ملامح شخصية الأمة الإسلاميَّة وصفاتها، وتكون ذاتيتها في الحياة والكون والتاريخ وما ينبثق عن ذلك من علائق وصلات بشرية تتجلى فيها عقيدتها التي تؤمن بها، وشريعتها التي تنتهجها، ورسالتها التي تحملها.

стр. 60

مدلول (الأمَّة) في معاجم اللغة العربية جاء لفظ (أُمَّة) في كلام العرب، وورد ذكره في القرآن الكريم، وفي أحاديث الرسول ﷺ بمعانٍ متنوعة، وفي وجوه عديدة، وقد توافرت معاجم اللغة العربية وكتب التفسير وعلوم القرآن بعامة وكتب الأشباه والنظائر بخاصة على تتبع تلك المعاني والأوجه، وناقشت المؤلفات الفكرية في العصر الحديث أوجه استعمالاته، وقارنت مدلوله اللغوي في اللغة العربية وغيرها من اللغات بغية الخروج بمصطلح محدد لكلمة (أُمَّة) ولاسيما أنها أصبحت في الحضارة الغربية ذات مفهوم اجتماعي وسياسي معين (١). وقد أفرد عدد من الباحثين المسلمين كتبًا لمفهوم الأمة في اللغة العربية والقرآن الكريم والإسلام بعامة لإبراز مفهوم الأُمَّة (٢) في الإسلام والتأكيد على أصالته وعلى الرغم من ذلك فإنَّ طبيعة هذا البحث تستلزم

стр. 61

الوقوف عند لفظ (أُمَّة) في معاجم اللغة العربية، وفي القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. أمَّا في معاجم اللغة العربية فقد وردت كلمة (أُمَّة) بمعانٍ عديدة ومتنوعة أحصت معاجم اللغة العربية الكثير منها، ورصدت أوجه استعمالاتها، وبينت شيئًا من أحوالها الصرفية على النحو الآتي: ١ - ورد في كتاب العين قوله: (اعلم أنَّ كلَّ شيءٍ يضم إليه سائر ما يليه فإنَّ العرب تسمي ذلك الشيء أُمًّا. . فمن ذلك أم الرأس وهو الدماغ) (١). ٢ - ورد في كتاب العين -أيضًا-: (والأُمَّة: كُلُّ قوم في دينهم من أُمَّتهم، وكذلك تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٢) [الزخرف: ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً

стр. 62

وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] أي: دين واحد، وكل من كان على دين واحد مخالفًا لسائر الأديان، فهو أمَّة على حدة، وكل قوم نسبوا إلى نبي وأضيفوا إليه فهم أُمَّته. . وقد يجيء في بعض الكلام أنَّ أمَّة محمد ﷺ هم المسلمون خاصة، وجاء في بعض الحديث: أنَّ أُمَّته من أرسل إليه ممن آمن به أو كفر به، فهم أُمَّته في الاسم لا في الملة) (١)، (بمعنى أنهم مقصودون بالدعوة لا المتبعون لها فهؤلاء المتبعون هم الأُمَّة الإسلاميَّة بمعنى أنَّهم مقصودون بالاتباع) (٢). ٣ - وورد في كتاب العين: (كل جيل من الناس أُمَّة على حدة) (٣). ٤ - وورد في كتاب العين: (وكل جنس من السباع أُمَّة، كما جاء في الحديث: "لولا أنَّ الكلاب أُمَّة من الأُمم لأمرتُ بقتلها كُلِّها فاقتلوا منها كل أسود بهيم") (٤). ٥ - وفي اللسان أوجه عديدة لمعنى أُمَّة، وكذلك في الصحاح، منها إضافة لما سبق:

стр. 63

- أُمَّة اللَّه: خلقه. - الأُمَّة: الجنس من كل حي. - الأُمَّة: الحين. - الأُمَّة: الملك والنعمة (١). - الأُمَّة: الرجل الجامع للخير. - الأُمَّة: العالم. - الأُمَّة: القوم. - الأُمَّة: الجماعة. - الأُمَّة: الطَّاعة. - الأُمَّة: القامة والوجه. - أُمَّة الطريق وأمه: معظمه. - الأُمَّة: القرن من الناس وجمعها أُمم (٢). ٦ - ورد في تهذيب اللغة أنَّ أصل مادة (أُمَّة) من القصد قال: (وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أَمَمْتُ إليه إذا قصدته، فمعنى الأُمَّة في الدين، أن مقصدهم مقصدٌ واحد، ومعنى الإِمَّة في النعمة: إنَّما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه. ومعنى الأُمَّة في الرجل المنفرد الذي لا نظير له: أنَّ قصده منفرد من قصد سائر الناس، ومعنى الأُمَّة: القامة، سائر مقصد الجسد، فليس يخرج شيءٌ من هذا الباب عن معنى أممت أي قصدت) (٣).

стр. 64

وفي معجم مقاييس اللغة قال: (وأمَّا الهمزة والميم فأصل واحد، يتفرع منه أربعة أبواب، وهي: الأصل والمرجع والجماعة والدين، وهذه الأربعة متقاربة، وبعد ذلك أصول ثلاثة وهي: القامة والحين والقصد) (١). وقال في معنى القصد: (وأممت: أُمَّة) (٢). ٧ - وعن وزن (أُمَّة) الصرفي، جاء في الكليات: (الأُمَّة بالضم، في الأصل: المقصود كالعُمْدَة والعُدَّة في كونهما معمودًا ومعدًّا، وتسمَّى بها الجماعة من حيث تؤمها الفرق) (٣). وجاء في معجم مقاييس اللغة: (والشجَّة الآمَّة وهي المأمُومة) (٤). وعلى هذا فإنَّ الأُمَّة تكون بمعنى المفعول، وبه قال عدد من المفسرين والباحثين (٥). ويرى عددٌ آخر بأنَّها تكون بمعنى الفاعل: أي الجماعة التي تقصد الدين وتلتقي عليه (٦)، ووزن الفاعل منها (آم).

стр. 65

٨ - ووردت (إمَّة) لغة في أُمَّة ومعناها الطريقة والدين (١)، والإِمَّة بكسر الهمزة: (إِيتَّم بفلان إِمَّة. . والإيتمام مصدر الإمَّة إيتم بالإمام إمَّة. . . وكل من اقتدي به وقدَّم في الأمور فهو إمام، والنبي ﵇ إمام الأمَّة، والخليفة إمام الرعية. . والقرآن إمام المسلمين. . والمصحف الذي يوضع في المسجد يسمَّى الإمام. . والإمام إمام الغلام، وهو ما يتعلم كلَّ يوم. . والإمام الطريق) (٢). * * *

стр. 66

مدلول الأُمَّة في القرآن الكريم ورد لفظ (أُمَّة) في القرآن الكريم في وجوهٍ كثيرة، وأعطاها القرآن الكريم مضمونًا متميَّزًا كما هو الشأن في ألفاظ كثيرة سواها. قال ابن فارس في كتابه الصاحبي في فقه اللغة: (فكان ممَّا جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق. وأن العرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان، والإيمان وهو التصديق، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمِّي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا، وكذلك الإسلام والمسلم، إنَّما عرفت منه الإسلام الشيء، ثمَّ جاء في الشرع من أوصافه ما جاء) (١). ويستمر ابن فارس في قوله فيذكر الكفر والنفاق والفسق. . . ويذكر الصلاة والركوع والسجود والصيام والحج والزكاة، وأنَّها كانت لمعان لغوية محدودة ثم زادت الشريعة ما زادت، وأنَّ هناك كثيرًا من الألفاظ، كالعمرة والجهاد، وسائر أبواب الفقه سارت على هذا المنوال؛ مما حدا بالعلماء إلى التقسيم اللغوي والشرعي (٢). ومن هذا فإنَّ لفظ (أُمَّة) قد ورد في القرآن الكريم في أوجه عديدة،

стр. 67

بعضها بمعناه اللغوي وآخر بمدلوله الشرعي أو الاصطلاحي يحدد معناه السياق الذي جاءت فيه تلك الأوجه، وتناولته كتب التفسير (١)، وعلوم القرآن وبخاصة كتب الأشباه والنظائر (٢). ولعل الراغب الأصفهاني في كتابه: مفردات ألفاظ القرآن ألمَّ بجلِّ تلك الأوجه في قوله: (والأمَّة: كل جماعة يجمعهم أمر واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا، وجمعها أمم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي: كل نوع منها على طريقة قد سخرها اللَّه عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسرافة، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع. وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: صنفًا واحدًا

стр. 68

وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر (١)، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] أي: في الإيمان، وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] أي: جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: على دين مجتمع. . .، وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] حين، وقرئ: بعد أمة، أي: بعد نسيان، حقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين. وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي: قائمًا مقام جماعة في عبادة اللَّه، نحو قولهم: فلان قبيلة. وروي: "أنَّه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده" (٢). وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، أي: جماعة) (٣). يتضح من قول الراغب أنَّ الأمَّة في القرآن الكريم جاءت على تسعة أوجه، هي (٤):

стр. 69

١ - كل صنف من الخلق تجمعه طبيعة خاصة أو يجمعه أمر واحد تسخيرًا أو اختيارًا، فهو أمة من الأمم. ٢ - كل الناس كانوا أمة واحدة في الكفر والضلال. ٣ - كل الناس كانوا أمة واحدة في الإيمان، أو بالإمكان أن يكونوا أمة واحدة في الإيمان لو شاء اللَّه. ٤ - الجماعة من الناس تختار الإيمان والعمل الصالح، وتكون أسوة لغيرهم تسمَّى أمة (١). ٥ - المجتمع الذي يجمعه دين واحد يسمَّى أمة. ٦ - تطلق الأمة على الحين (٢). ٧ - تطلق الأمة على النسيان. ٨ - الرجل القائم مقام الجماعة يسمَّى أمة.

стр. 70

٩ - وتطلق الأمة على الجماعة المستقيمة من الناس. وتتفاوت كتب الوجوه والنظائر وكتب التفسير وعلوم القرآن في تصنيف الأوجه التي ورد بها لفظ (أمَّة) في القرآن الكريم، وإذا كان الراغب قد صنفها في تسعة أوجه فإن ابن الجوزي صنفها في سبعة أوجه، ونقلها عن المفسرين على خمسة أوجه (١)، ووافقه في تصنيفها على سبعة أوجه ابن حيان الأندلسي (٢)، وصنفها الدامغاني على تسعة أوجه (٣)، وصنفها الفيروزآبادي على عشرة أوجه (٤). وفي دراسة موضوعية لمدلول الأمة في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم توصَّل أحد الباحثين إلى التقسيم الآتي: جاءت الأمة في القرآن الكريم: أ- بمعنى الجماعة. ب- بمعنى الملَّة والدين. جـ- بمعنى الرجل المنفرد الذي لا نظير له. د- بمعنى الحين (٥). وتحت هذه التقسيمات الرئيسة صنَّف الباحث الآيات المندرجة تحتها، ومعانيها المتنوعة (٦). ولعل ما توصَّل إليه الباحث في مدلول الأمة اللغوي أو مدلولها

стр. 71

القرآني ممَّا يعول عليه، أو يرجع إليه، ولاسيما أنَّه جاء ردًّا على مزاعم المستشرقين عندما شككوا في أصل كلمة (أُمَّة) وذكروا بأنَّها كلمة دخيلة مأخوذة من العبرية (أُمَّا) أو من الآرامية (أُمّيثا) (١)، ففي البحث رد عليهم وتأصيل للكلمة في منهج علمي (٢). * * *

стр. 72

خلاصات لمعاني (الأُمَّة) في اللغة العربية والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف واستنتاجات لكي يصل الباحث إلى مفهوم معين للأمة، وللربط بين ذلك المفهوم وما سبق بحثه، ينبغي الإلمام بالنقاط الآتية: أولًا: خلاصة معاني (أمة) في معاجم اللغة العربية. ثانيًا: خلاصة الأوجه التي ورد لفظ (أمة) بها في القرآن الكريم. ثالثًا: أبرز الاستنتاجات حول معنى (أمة) في معاجم اللغة العربية. رابعًا: الجوانب التي استعمل فيها مدلول (أمة) في القرآن الكريم. خامسًا: دلالة (الأمة) في الحديث النبوي الشريف. أولًا: ورد لفظ (أمَّة) في معاجم اللغة العربية بمعان عدَّة بلغت حوالي ثمانية عشر معنى، وهي ما يلف عليه، ويضم إليه غيره، ولواء الشيء ورئيسه، والأصل في كل شيء، والدين، والملة، والرجل المنفرد بدين، واتباع الرسل ومن بحث إليهم، والجيل من الناس، والجنس من الخلق، وخلق اللَّه، والحين، والملك، والنعمة، والعالم، والقوم، والجماعة من الناس، وجماعة العلماء، والجماعة المستقيمة، والطاعة، والوجه، والقامة، ومعظم الشيء وسائره، والقرن من الناس. ثانيًا: ورد لفظ (أمَّة) في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة (١)، استخدم من خلالها فيما لا يقل عن عشرة أوجه من المعاني اللغوية لهذا اللفظ هي: (الجنس من الخلق، السنون الخالية، الرجل الجامع للخير،

стр. 73

الملة والدين، الجيل من الناس، القوم، الجماعة من الناس، الزمان الطويل، المسلمون، الكفار) (١). وعلى الرغم من عدم ورود بعض المعاني اللغوية لأمَّة في القرآن الكريم، مثل معاني (الملك، والنعمة، والوجه، والقامة) إلا أنَّ هذه المعاني جاءت ضمنًا، كما أعطى القرآن الكريم للفظ (أمَّة) مضمونًا عميقًا تندرج تحته المفاهيم الحديثة لمصطلح الأُمَّة (٢). ثالثًا: من أبرز الاستنتاجات في معنى (أمَّة) في معاجم اللغة العربية ما يأتي: ١ - جاء لفظ (أمَّة) في معظم معاجم اللغة العربية في معانٍ متنوعة وكثيرة، يصعب معها ضبط مصطلح محدد لمدلول (الأمَّة)، لذلك قال بعض الباحثين: (إنَّ اللغويين لا يقفون عند روابط بعينها عند تعريف الأمَّة، وإنَّ أية رابطة توجد في جماعة تجعل منها أمة) (٣)، وقال آخر عن معاجم اللغة العربية: (إنَّما وضعت لضبط الألفاظ، لا لتحديد المعاني. . وإنَّها لا تبالي في كثير من الأحيان إن تعرف الشيء بنفسه، أو بأنَّه غير ضده) (٤).

стр. 74

٢ - على الرغم من هذه الظاهرة في معاجم اللغة العربية، إلا أن لفظ (أُمَّة) يعود إلى الأصول اللغوية التي ذكرها ابن فارس: (الأصل، والمرجع، والجماعة، والدين، والقامة، والحين، والقصد) (١)، ولا تخلو جميعًا من رابط (٢) (سوف يتضح فيما بعد). وهذا يعني أنَّ لفظ (أُمَّة) ليس محصورًا في أصل واحد، وهو القصد كما أورده الأزهري في تهذيب اللغة عن أبي عمرو الشيباني قال: (وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أممت إليه؛ إذا قصدته. .) (٣) إلى أن قال: (فليس يخرج شيءٌ من هذا الباب عن معنى أممت، أي: قصدت) (٤) إنَّما القصد أصل واحد أو باب واحد من سبعة أصول أو أبواب لغوية كما ذكر ابن فارس. ٣ - تأتي (أُمَّة) بمعنى الفاعل، وتأتي بمعنى المفعول، وتأتي بمعنى الظرف؛ فإذا جاءت بمعنى الفاعل كان المقصود بها (الجماعة والإمام والأُسوة. .) وبعبارة أوضح يتجه المراد بها في هذه الحالة إلى من يقوم بالفعل وهو الفاعل، وإذا جاءت بمعنى المفعول كان المقصود بها (الدين أو الملة أو الطريق أو السنة أو الجماعة إذا كانت مأمومة. .، ونحو ذلك ممَّا يُؤَمُّ ويُقْصَد، ومعنى ذلك أنّ المراد بها يتجه إلى المفعول، وهو ما تقوم به الجماعة أو الإمام أو الأسوة من دين أو سنة أو طريقة تُفْعَل أو تُؤَمُّ أو تُقْصَد، سواء كان المفعول حقًّا أو باطلًا.

стр. 75

أمَّا إذا أطلقت الأمة على الزمان أو المكان، فإنَّ المقصود بها ظرف الأمة. رابعًا: الجوانب التي استعمل فيها مدلول (أُمَّة) في القرآن الكريم، ورد لفظ (أُمَّة) في القرآن الكريم ليدل على الجوانب الآتية: ١ - الجانب التكويني باعتبار تعدد أصناف الخلق، من حيث الأصل والنوع والمنشأ والمرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١) [الأنعام: ٣٨]. ٢ - الجانب الاجتماعي، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢]، والآية بعدها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، قال الراغب: (أي على دين مجتمع) (٢)، وهذا يعطي لفظ (أُمَّة) المحتوى الاجتماعي. ٣ - الجانب الديني، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢]، قال الطبري في تفسيرها: (يقول تعالى ذكره: إنَّ هذه ملَّتكم مِلَّة واحدة، وأنا ربُّكم أيُّها الناس فاعبدوني دون الآلهة والأوثان، وسائر ما تعبدون من دوني) (٣). وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾: (أي: ملتكم ودينكم) ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: دينًا واحدًا وهو الإسلام، فأبطل ما سوى
следующие страницы →