← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التي تعتقد بتوارث الشر، فترسبت هذه العقيدة في سويداء قلبه، ومال إليها تفكيره، وتلونت بها شخصيته، وبالتالي دبَّت في نظامه فجاء نظامًا جائرًا وتشريعًا ظالمًا، وكان من الممكن أن ينجو الفكر البشري من هذه الأفكار الخاطئة والنظم الجائرة لو اهتدى بنور الوحي (١)، فاللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. ونزعة أخرى ظهرت في نظام (أفلاطون) بحكم اعتماده على عقله بعيدًا عن هداية الوحي، فقد تطرَّف نظامه إلى النزعة الجماعية على حساب الفرد، وكان يرى (أنَّ وجود أي منفعة شخصية لفرد يهدم منفعة المجموع، ولذا يجب أن تنهار المصالح الفرديَّة ويقضى عليها. . . بحيث لا يجوز أن يكون لأي فرد في الأمة منفعة شخصية تتميز عن منفعة مجموعها) (٢). إنَّ (أفلاطون) أنموذج من النماذج البشرية التي حاولت أن تنظم لمجتمعها استنادًا على العقل البشري مستقلًا عن وحي اللَّه، فكان هذا التطرف الذي لم يستطع تحقيق التوازن بين الماديَّة والروحية، ولا بين نزعة الفرد ومصلحة الجماعة، ولا بين الواقع والخيال) (٣). رابعًا: جهل الإنسان بحقيقته، إذا كان الإنسان الذي هو موضوع التنظيم، أو الأساس في التنظيم لا يزال مجهولًا عند نفسه، فكيف يضع النظام الذي يكفل المحافظة على ضروراته ويلبي حاجاته ومتطلبات حياته بصفة شمولية متوازنة؟!، وكيف يؤمل فيه أن يكون مصيبًا فيما يشرع من نظام بمنأىً عن الوحي الرباني الذي يصله بخالقه .

стр. 317

إنَّ جهل الإنسان بحقيقة نفسه وطبيعة حاله حقيقة قررها العلماء المعنيون بدراسة الإنسان، وعلى سبيل المثال فإن (ألكسيس كاريل) وهو عالم مختص في مجال دراسة الإنسان، ألَّف كتابًا أسماه (الإنسان ذلك المجهول) أبان فيه أن الإنسان لا يفهم نفسه ككل، وهذا واضح في قوله: (لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبَّارًا لكي يعرف نفسه، ولكن وعلى الرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة -فقط- من أنفسنا. . . إننا لا نفهم الإنسان ككل) (١). ويواصل حديثه مبينًا أن هناك قصورًا كبيرًا في فهم الإنسان لطبيعته وأعماق نفسه، فيقول: (إننا نعرفه -أي: الإنسان- على أنه مكون من مركب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة) (٢) ويؤكد فيما ذكر بأن معرفة الإنسان بنفسه ما زالت بدائية (٣). إن جهل الإنسان بنفسه كان السبب الأساس في اختلاف النظرات إليه وتعدد مدارسها التي خبطت في قضاياه خبط عشواء، ففي حين ينظر إليه من خلال بعض تلك النظريات ومدارسها بأنه إله وأنَّه سيد الكون، ينظر إليه من خلال جانبه المادي ويصنَّف في منزلة تقترب به من منزلة الحيوانات. .، وذاق الإنسان في ضوء هذه النظريات المتعارضة المتناقضة صنوفًا من المرارة، وأصبح الإنسان في العصر الحديث يعيش في أزمة طاحنة، تحدث عنها كثير من المفكرين، وصرحوا بها في كتابات

стр. 318

متنوعة (١)، منها على سبيل المثال: ما ذكره (تشارلز فريكل) في قوله: (على الرغم مما حققه العصر الحديث من معجزات العلم والتكنولوجيا، إلا أنَّ الثورة على الإنسان المعاصر الذي سيطر بعقله وعمله على الكون بدأت تشتد وتقوى، إذ أنَّه على الرغم من كل ذلك لم يحصل على السعادة ولا الطمأنينة، وما زالت قيمه في تخبط ووجوده مهددًا بالقلق) (٢). جاءت هذه الأزمة التي تحدَّث عنها (تشارلز) وغيره من العلماء والمفكرين نتيجة طبيعية لاعتداد الإنسان بنفسه واعتماده على العقل فيما شرع لحياته من نظام لا يفي بمتطلبات الناس بصفة تكفل لهم السعادة المنشودة وتنسجم مع غاياتهم العليا ومنطلقاتهم الحقيقية؛ لذلك أصبحت حياة الإنسان، وفي ظل تلك النظم متأزمة (٣)، وتحقق فيها قول اللَّه : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. * * *

стр. 319

لمحة موجزة عن حال الأمم في ظل بعض النظم البشرية تعجز تشريعات البشر ونظمهم عن إسعاد الإنسان، وتحقيق غايات وجوده ونشاطه الحضاري الشامل إذا انقطعت عن وحي اللَّه وهدايته سواءً في القديم أو الحديث. أما في القديم فهناك ثلاثة أمثلة تبين بجلاء أن الأمم في ظل النظم التي وضعتها عقول البشر لم تجنِ إلا الفوضى والقلق والاضطراب والظلم والجور: الأول: النظام الروماني فقد كان للمجتمع الروماني قانون منظم يوصف بأنه متقن في الصياغة والسيادة، وذلك في القرن الخامس الميلادي وهو المشهور باسم (مدونة جوستينان) (١)، فماذا قدم هذا القانون للمجتمع الروماني؟. لقد حمى الأشراف وقرر لهم حقوقًا ليست للضعفاء، ومما قرره الآتي: - إن بعض الرعايا ممن ليسوا رومانًا بالسلالة ليست لهم حقوق الرومان، فهم كالعبيد يعملون لأجل الرومان ولتشبع بطونهم.

стр. 320

- إن العبيد لا يعاملون معاملة الآدميين. - ليست للمرأة شخصية مستقلة بل هي في حكم المملوكة للرجل أبًا كان أم زوجًا. - تجميع الميراث في قريب واحد ويحرم منه الباقون (١). فهذا النظام ليس مقتصرًا على أنه طبقي فحسب بل يسلب حقوق الضعفاء ليزدادوا ضعفًا، ويعطيها الأقوياء ليزدادوا قوة على قوتهم (٢). الثاني: النظام الفارسي، ارتكز هذا النظام على دعوة دينية تعتمد تعاليم (زرادشت) وهي القول بتعدد الآلهة، أو إله الخير وإله الشرِّ، وما انبنى على هذه العقيدة الفاسدة من الشركيات والتصورات الباطلة، كان من أبرزها دعوة (ماني) إلى التشاؤم المطلق، فقد دعا الى فناء الإنسانية ليتخلص العالم من شرورهم، ثم أعقبه (مزدك) فزعم أن آثار المباغضة والعداوة المستمرة بين الناس إنما تقع بسبب الأموال والنساء، فدعا إلى شيوعية الأموال والنساء حتى صار الرجل لا يعرف ولده، ولا المولود يعرف أباه، ولا يملك الناس شيئًا، فانهار المجتمع الفارسي بهذه الفوضى العارمة (٣).

стр. 321

الثالث: الأعراف الجاهليَّة في المجتمع العربي، لم يكن العرب أسعد حالًا قبل الإسلام من غيرهم، ولم يكن لهم نظام جامع ولا وحدة تضم شتات قبائلهم، وإن كانت القبيلة تخضع لكبيرٍ منها يفصل في النزاع الناشب بين أفرادها ونحو ذلك، وكان لهم جملة من الصفات الحميدة ومكارم الأخلاق، ولكن كانت العلاقات بين الناس يسودها الظلم (١) والجهل والتفكك والثارات القبلية، والتبعيَّة للأمم الأخرى المجاورة لهم من فرس وروم، وكانت عصبيَّة الجاهليَّة تسيطر على المشاعر والمواقف، يقول الشاعر العربي: ومن لم يذُدْ عن حوضه بسلاحه ... يُهَدَّمْ ومن لا يظلم الناس يُظْلَمِ (٢) ويقول الآخر: وهل أنا إلا من غزَيَّةَ إن غوت ... غويت، وإن تَرْشُدْ غزيَّةُ أرْشُدِ (٣) ولما جاء الإسلام نهض العرب برسالة الإسلام فأصبحوا قادة العالم وأعلام الهداية، وجنود الحق والتوحيد، في ظل شريعة الإسلام الخالدة التي قام عليها تميُّز الأمة الإسلامية (٤).

стр. 322

أمَّا حال المجتمعات والأمم غير الإسلامية في العصر الحديث، تلك التي اعتمدت على العقل وتنكرت للدين وأهميته في سعادة الإنسان فإنها بما فيها من مذاهب فكرية متصارعة، ونظم متباينة إنما تعود في جذورها إلى ثقافات قديمة وتطبيقات جديدة شقي بها الإنسان في ظل القوانين الوضعية المختلفة، يقول (الدوكس هكسلي): (إن العالم -الآن- يشبه قبيلة تعبد الشيطان، وتعيش في ظل قوانين جديدة قائمة على الشر والحقد، والماديَّة البحتة، التي تجرد الإنسان من كل مشاعر الإنسان بلا حبّ وبلا تعاطف، وتقوم على تبادلات الاتصال الجنسي على نحو ما تفعل السائمة) (١). واعترف (جاك مارتيان) بأهمية الوحي في تنظيم حياة البشر، ودعا إلى الاعتراف بعجز الإنسان عن وضع النظم الكفيلة بإسعاده وإخراجه من الأزمة المعاصرة، يقول: (إنَّ أي مجتمع بشري يحتاج إلى مجموعة من القيم ذات المصدر الإلهي الذي يعلو على الإنسان، أي: إن مصدر القيم لا يجوز أن يرجع إلى الإنسان نفسه، وإلا سيكون طرفًا وقاضيًا في الوقت نفسه، إذًا لابُدَّ لكي يحتفظ المجتمع البشري باستقراره وخضوعه للسلطة السياسية، من وجود حقائق مطلقة يسلم بها الأفراد جميعًا) (٢).

стр. 323

وقال عالم القانون الشهير (جورج هوايت كروس باتون): (إن السبيل الوحيد للوصول إلى معايير متفق عليها هو الاعتراف بالوحي السماوي قانونًا) (١). إنَّ هذه الأقوال تلتقي مع الرأي الذي يعول على الوحي والدين السماوي في قضية التشريع، وأنّ البشرية من فجر تاريخها اعتمدت على الشريعة الإلهية: (فالحقيقة أن تنظيم الحياة البشرية هو من المفاتيح العليا المقدسة لهذه الحياة، ولم يكن اللَّه ليترك الناس عرضة للخطأ فيها وللتجارب الأليمة، فإنه في كل مرة يعدل الناس عن نظام إلى آخر تقوم الثورات والحروب والنكبات، وتراق الدماء، وتصادر الأموال، وتضطرب الأمور، وينقسم الناس، ولذلك فقد أهدى اللَّه هذه الهدية الغالية، وهي بيان نظم حياتهم) (٢). ومن هنا يتضح (أنَّ الدين منذ القدم ضرورة اجتماعية، والوازع الديني أقوى حافز على احترام القواعد التنظيمية في أية جماعة، ومنذ وجدت الجماعات البشرية اتجهت إلى السمو عن طريق النزعات الدينية) (٣)، و (أنَّ الديانات السماوبة بدأت منذ بدء الخليقة، فاللَّه منذ استخلف آدم على الأرض أوحى إليه أنَّه هو خالقه وبارئه، وخالق العوالم الأخرى من إنس وجن وحيوان وموجودات، وخالق الكون كله، كما أوحى إليه بحدود خلافته وذريته في الأرض، وبالقدر اللازم لتنظيم حاجاتهم كجماعة

стр. 324

بدائية) (١)، فالدين بشطريه (العقيدة والشريعة) أتى الإنسان من عند اللَّه وظلَّ على عقيدة التوحيد وشريعة الرحمن إلى حين. ثمَّ اقتضت حكمة اللَّه أن ينشب الصراع بين الجاهلية والإسلام، وكلما استحكمت الجاهليَّة أو كادت بعث اللَّه رسولًا يعيد الناس إلى شريعة اللَّه حتى جاء خاتم الأنبياء وسيد المرسلين بالهدي التام والشريعة الكاملة، فكان منَّة اللَّه على الأمة الإسلامية، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ومما جاء في تفسيرها: (أنَّ الحكمة هي السنة، التي هي شقيقة القرآن، ووضع الأشياء موضعها، ومعرفة أسرار الشريعة، فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفيذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة، جميع المخلوقين وكانوا من العلماء الربانيين) (٢). ويقوم تميُّز الأمة على عقيدة التوحيد الخالص التي جرى البحث في خصائصها، ويقوم أيضًا على شريعة غراء تنبثق من تلك العقيدة، وتماثلها في خصائصها. * * *

стр. 325

خصائص الشريعة الإسلامية تبينت مما سبق أهمية النظام في الكون والحياة وحاجة البشر إلى ذلك، واتضح عجز الإنسان عن الإتيان بتشريع يتوافر له الشمول والكمال الذي يكفل للإنسانية ما يسعدها وينسجم مع غاياتها العلياء وحقيقة وجودها، وتبين بالأدلة ضرورة الوحي الرباني وأهميته للاضطلاع بهذه المهمة، ومن أبرز ما يجلي ذلك هو ما وقع في تاريخ الإنسانية حيث كانت شريعة اللَّه هي المنهاج الذي سلكه الرسل ﵈ وأتباعهم على مر العصور حتى جاءت شريعة الإسلام فكانت هي مسك الختام كاملة لا يعتريها نقص، شاملة لا يلحقها قصور. وفي هذا يقول الشاطبي: (إنَّ هذه الشريعة المباركة معصومة، كما أنَّ صاحبها ﷺ معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة) (١)، وساق الأدلة على ذلك، وصنفها على وجهين: الأول: ما دلَّ على ذلك تصريحًا أو تلويحًا، واستدل بآيات من القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وكقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، واستدل على هذا الوجه -أيضًا- ببعض أقوال السلف وما صاحب نزول الوحي على الرسول ﷺ وصونه عن تخليط الشياطين على الرسول ﷺ واستراقهم السمع (٢). الثاني: ما توافر للأمة الإسلامية من وعي وفكر وعمل ونحوها من

стр. 326

دواعي المحافظة على الشريعة والذب عنها، بدءًا بعنايتها بالقرآن الكريم وعلومه والستة النبوية وعلومها، واللغة العربية وعلومها (١)، وفي ذلك قال: (الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول اللَّه ﷺ إلى الآن، وذلك أنَّ اللَّه وفَّر دواعي الأمة للذب عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفصيل. أما القرآن الكريم فقد قيض اللَّه له حفظه بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر، فضلًا عن القراء الأكابر، وهكذا جرى الأمر في جملة الشريعة، فقيض اللَّه لكل علم رجالًا حفظه على أيديهم) (٢). وتختص الشريعة الإسلامية إلى جانب ذلك بخصائص كثيرة جعلت منها نظامًا يصلح لكل زمان ومكان، ويعلو ولا يعلى عليه، ومن أهم هذه الخصائص الآتي: أولًا: تنبثق الشريعة في الإسلام من عقيدة التوحيد الخالص للَّه وترتبط بها وتلازمها؛ لذلك فإنَّ ما سبق ذكره، من أنَّ الشريعة تطلق على مجموعة الأنظمة والقوانين التي اتصفت بالانسجام لانبعاثها عن روح واحدة لا ينطبق إلا على الشريعة الإسلامية عند التحقيق؛ لأنها صادرة عن اللَّه، وانبثقت من عقيدة التوحيد التي تميَّزت عن سائر العقائد برؤيتها الشاملة للكون والحياة، ولا يمكن أن يتحقق الانسجام التام في جميع النظم إلا في الشريعة الإسلامية، حيث لا يقتصر شمولها على تناولها جميع جوانب حياة الإنسان دينًا وآخرة -فحسب- بل ينسجم مع سياق النظام الشامل للكون والحياة.

стр. 327

أمَّا من حيث ارتباطها بالعقيدة فإنَّ الآيات الواردة في تقرير أمور العقيدة كثيرًا ما تتناول قضية الحقوق والواجبات والأخلاقيات والآداب مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. قال بعض المفسرين في تفسيرها: (دخل في ذلك حقوق اللَّه كلها، لكون اللَّه ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، وحقوق العباد، التي أوجبها اللَّه عليهم، والحقوق التي التزمها العبد. . .) (١). وعندما ينطق المسلم: (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه)، (تأتي أهمية الشهادة الثانية وخطورتها وضرورتها وهي محمد رسول اللَّه، فمعناها عهد من الناطق بها على أنَّه يلتزم بالخضوع للَّه حسب ما جاء به محمد ﷺ فقط، ونبذ كل ما على الأرض من أساليب الخضوع للَّه سواء كانت وضعية أو سماوية؛ لأن ذلك كله باطل من ناحية، كما أنَّه من الناحية العملية لا يحقق إفراد اللَّه تعالى بالخضوع، كما لا يحقق الخضوع التام اللائق بألوهيته تعالى، لذلك لا تنفصل الشهادتان عن بعضهما، فلو أخذ فرد أو مجتمع الشهادة الأولى (لا إله إلا اللَّه) وترك الثانية، لما كان موحدًا ولما أفرد اللَّه بالألوهية ولما قصر الخضوع له إلا قولًا فقط، وشأنه شأن الظمآن الذي يريد أن يرتوي بالاقتصار على التلفظ بكلمة ماء، فلا سبيل ولا كيفية عملية لإفراد اللَّه تعالى بالألوهية، أو لتحقيق الشهادة الأولى إلا بالإيمان

стр. 328

والعمل بمقتضى الشهادة الثانية (محمد رسول اللَّه)، أي: قصر التلقي والطاعة على ما جاء به محمد ﷺ ورفض التلقي عن غيره والطاعة لمن سواه، باعتباره المبلغ الوحيد عن اللَّه ولديه الوحي الأخير الذي لم يصبه تغيير أو تشويه أو تحريف، ففي الشهادة الأولى نبذ للأديان الوضعية والمذاهب الفلسفية والنظم الاجتماعية الجاهليَّة؛ لأن إفراد اللَّه بالألوهية هو رفض الخضوع لغير أمره وتنظيمه، وفي الثانية نبذ للأديان السماوية المحرفة التي تدعي نسبتها للَّه كاليهودية والنصرانية) (١). ومن مقتضى شهادة (محمد رسول اللَّه) تنبثق الشريعة الإسلامية (فالعلاقة إذًا بين العقيدة والنظم في المجتمع المسلم علاقة وطيدة وثيقة. . . ولذلك لا يوجد مجتمع مسلم بدون عقيدة التوحيد الإسلامية، ولو تغيرت عقيدة التوحيد لانتهت النظم الإسلامية أو أصابها التغير بقدر الانحراف عن التوحيد في نفوس الأفراد. . كما أنَّه من الخطأ البين وصف مجتمع بأنَّه مسلم. . أو موحد دون أن تكون نظمه إسلامية، أي: دون تطبيق الشريعة الإسلامية في شتى جوانب حياته) (٢). وأما من حيث الانسجام مع النظام الشامل للكون والحياة، (فإنَّ جميع الموجودات في هذا العالم -من أكبر الأجرام الفلكية إلى أصغر الذرات- يخضع كل منها لقانونه الخاص الذي ينبع من ماهيته الذاتية ووجوده الخاص، كما أنَّ هذا العالم المخلوق ككل وفي مجموعه يخضع أيضًا لناموس كلِّي يسير حسبه أيضًا. . . وإلى تلك الربوبية الشاملة للكون المخلوق تشير الآية الأولى من فاتحة الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. . . فكل شيء في

стр. 329

الكون خاضع لقاعدة معينة، ويسير في نشأته ونموه وفنائه حسب هذه القاعدة، سواء فلكًا أو جبلًا أو بحرًا أو حيوانًا أو إنسانًا، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. . . [ومما تعنيه أيضًا، الكفالة والإصلاح والإدارة وتسيير الأمور وتنظيمها والسيادة والحكم وحيازة السلطة والأمر النافذ. . .، والإيمان بالربوبية يقتضي بالضرورة إفراد اللَّه بالتشريع والتدبير والتنظيم في حياة البشر الفردية والاجتماعية، وذلك يعني رفض أي نظام جاهلي وضرورة الاقتصار على النظام الاجتماعي الإسلامي، وموحد الربوبية هو من يرفض أن يتعامل مع الناس بغير التشريع الإلهي) (١). ثانيًا: أنها ملزمة، ولا يصح لأحد الخروج منها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وورد عن الرسول ﷺ قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (٢)،

стр. 330

وقوله ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. . . " (١). والآيات الواردة في ذلك والأحاديث مستفيضة (٢)؛ قال ابن القيم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية: (أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق بقضائه وحكمه، ولم يكتف منهم بذلك أيضًا حتى يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا) (٣). وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب من نواقض الإسلام: (الاعتقاد بأن غير هدي الإسلام أكمل من هديه، وأن حكم غيره أحسن من حكمه،. . . ومن اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج من شريعة محمد ﷺ ) (٤).

стр. 331

ومقتضى ذلك أن تكون ناسخة لما قبلها (١)، كفيلة بإيجاد الحلول الملائمة لكل ما يجد في حياة الأمة الإسلامية من قضايا ومشكلات. ثالثًا: (الجزاء في الشريعة دنيوي وأخروي) (٢): تقترن الأنظمة البشرية بجزاء توقعه عندما يقتضي الأمر ذلك في حق من يخرج عليها، وتتعدد صور ذلك الجزاء ولكنه جزاء دنيوي (٣)، أما الشريعة الإسلامية فإنها (تختلف معها في أن الجزاء فيها أخروي ودنيوي، بل أن الأصل في أجزيتها هو الجزاء الأخروي، ولكن مقتضيات الحياة، وضرورة استقرار المجتمع، وتنظيم علاقات الأفراد على نحو واضح بين مؤثر، وضمان حقوقهم، كل ذلك دعا إلى أن يكون مع الجزاء الأخروي جزاء دنيوي. . .) (٤). والأمثلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى بعد ذكر أحكام المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ

стр. 332

وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، وفي جزاء قطاع الطريق قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ومما يترتب على الجزاء في الشريعة الإسلامية الخضوع لأحكامها (خضوعًاا ختياريًا في السر والعلن خوفًا من عقاب اللَّه) (١) في حالة النهي والتحذير والطمع في الثواب في حالة الأمر والندب، إلى جانب ما يبعثه الجزاء في النفوس (من الهيبة والتأثير) (٢). رابعًا: (الشمول والإحاطة: فما من عمل يعمله الإنسان أو قول يقوله إلا والشريعة الإسلامية قد اتخذت منه موقفًا بعينه، تأمر به، أو تنهى عنه، أو تندب إليه، أو تكرهه، أو تجعله من المباحات، ومن هنا كانت الأخلاق والعادات والأعمال، صغيرها وكبيرها مما تعنى به الشريعة الإسلامية أشد عناية حتى تلك الأمور التي يهتدي إليها الإنسان بفطرته كالأكل والنوم واللباس تضع الشريعة لها حدودًا، وترسم لها أبعادًا، وما من علاقة تسود المجتمع بين أفراده، أو المجتمع المسلم من المجتمعات الأخرى إلا وضعت الشريعة لها نظامًا، وحددت لها آدابًا، وما من قضية تتصل بنظام الاجتماع الإنساني، من سياسة أو اقتصاد أو إدارة إلا وبينت الشريعة الإسلامية فيها الرأي الصائب والموقف السديد) (٣)، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي

стр. 333

الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. وانطلاقًا من هذا الشمول وتلك الإحاطة قسَّم بعض العلماء أحكام الشريعة إلى ثلاث مجموعات: الأولى: الأحكام المتعلقة بالعقيدة كالإيمان باللَّه واليوم الآخر. . .، وهذه هي الأحكام الاعتقادية، ومحل دراستها في علم الكلام أو التوحيد. والثانية: الأحكام المتعلقة بالأخلاق كوجوب الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وحرمة الكذب والخيانة ونقض العهد، وهذه هي الأحكام الأخلاقية، ومحل دراستها في علم الأخلاق والتصوف. الثالثة: الأحكام المتعلقة بأقوال وأفعال الإنسان في علاقاته مع غيره، وهذه هي الأحكام العملية، وقد سميت فيما بعد بـ (الفقه) ومحل دراستها علم الفقه. والأحكام العملية بالنسبة إلى ما تتعلق به تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: العبادات كالصلاة والصوم، والمقصود بها تنظيم علاقة الفرد بربه. القسم الثاني: العادات أي المعاملات، وهي التي يقصد بها تنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم، وهذه تشمل جميع روابط القانون العام والخاص في الاصطلاح الحديث. . .) (١).

стр. 334

ولا يعني هذا التقسيم أو أي تقسيم نحوه استقلال جانب عن غيره من جوانب الشريعة، بل تتسم بالإحاطة والشمول من جانب آخر، وهو (شمول الأخذ والتطبيق فمن خصائصها أنها لا تقبل التجزئة لأنها كل مترابط متداخل، كترابط الإنسان وتداخله في كيان واحد) (١)، يؤثر بعضه في بعضه الآخر، ولا يصح (أن يؤخذ ببعضه ويترك بعضه؛ لأنه كل متكامل لا يمكن الاستغناء عن شيء منه بحال، ولا يستطيع نظام آخر من أنظمة البشر أن يحل محله أو محل بعضه أو يشاركه في تحقيق مصالح الناس) (٢). وقد أنكر اللَّه على الذين يلتزمون ببعض أحكام الشريعة ويطبقونها ويفرطون في بعض أحكامها الأخرى ولا يلتزمون بها، بل ربما عملوا بضدها، فقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. قال ابن كثير في تفسيرها: (يقول اللَّه ﵎ منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج. . . فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر. . وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم. . . ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة) (٣)، فدلَّ ذلك على أن الشريعة لا تقبل التجزئة، وأنها ملزمة ومرتبطة بالإيمان. خامسًا: الثبوت والتحول اشتملت الشريعة الإسلامية على أحكام ثابتة

стр. 335

قطعية وأخرى متغيرة واسعة مما حقق للشريعة خصيصة المرونة والسعة إلى جانب الثبوت والاستقرار (١)، وقد كفلت هذه الخصيصة صلاح الشريعة لكل زمان ومكان؛ لأنَّها (تلائم كافة متطلبات الحياة ومختلف متغيرات الاجتماع البشري) (٢). وقد انقسمت أحكامها من أجل ذلك إلى قسمين: أحدهما: (قسم ثابت قطعي لا يتأثر بتغير الزمان والمكان والناس، وهو يتمثل بالأمور الثلاثة التالية: ١ - الأحكام القطعية الصريحة الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة، كحرمة الزنى والخمر والميسر والربا، وكأنصبة الورثة من مورثهم، وكالحدود: وهي العقوبات المقدرة على جرائم بعينها؛ كحد السرقة، وحد الزنى، وحد القذف، وما إلى ذلك.

стр. 336

٢ - الضوابط العامة التي لا يجوز لمسلم أن يتجاوزها في تصرفاته وأعماله كحد عدد الزوجات بأربع، وحد الطلاق بثلاث مرات، وحد الثلث للوصية، وغير ذلك. ٣ - القواعد العامة التي يعرف بها الحلال من الحرام، مثل حرمة كل شيء مسكر، وحرمة كل بيع لا يتم فيه تبادل منفعة بين الجانبين على تراضٍ منهما، ومثل قوامة الرجال على النساء) (١). فهذه الأحكام ثابتة لا تتأثر باختلاف الزمان والمكان ولا تتحول. والآخر: (قسم متغير متطور يخضع للمتطلبات الآتية في كل زمان ومكان، وهذا القسم يتمثل في الأمور التالية: ١ - تفسير الأحكام: أو تأويلها من لدن رجال الفقه الإسلامي بحيث يسوغ هذا التفسير اليوم، وربما يسوغ غدًا ما دام التفسير مؤيدًا بالقرائن والدلائل وهو باب اتسع وما يزال يتسع في مختلف العصور التي مرت على المسلمين. ٢ - القياس: وهو تطبيق حكم شرعي ثبت في قضية ما، على قضية أخرى تماثل تلك القضية أو قياسها عليها (٢)، وهو باب رئيس في هذه [الأحكام] المتغيرة المتطورة. ٣ - الاجتهاد: وهو فهم قواعد الشريعة وأصولها العامة فهمًا دقيقًا واعيًا، ثمَّ تطبيق هذه القواعد والأصول على قضايا جديدة لم تكن لها نظائر في السابق (٣).

стр. 337

٤ - الاستحسان: وهو وضع ضوابط جديدة. . تحقق مصلحة عامة المسلمين جميعًا أو مصلحة عامة لبعض الأفراد منهم بحيث لا تتعارض تلك المصلحة مع شيء من قواعد الإسلام وأصوله وروحه. (هذا القسم المتغير المتطور هو الذي يتيح لأهل الرأي وأصحاب الحل والعقد من المسلمين أن يضعوا من النظم لكل عصر ما يناسبه، ولكل زمان ما يليق به متجاوبين في ذلك مع مصالح المسلمين المتجددة المتغيرة) (١). وبهذه الخصيصة حققت الشريعة الإسلامية الملاءمة التامة لحياة الأمة الإسلامية؛ فما كان ثابتًا في حياتها، فأحكامه في الشريعة ثابتًا، وما كان متطورًا فإن الشريعة تحدث له حلولًا تلائمه، ومن الأمثلة على ذلك: (أن الفتوى تتغير باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والنيات) (٢). (من هنا فإنَّ الشريعة الإسلامية نظام لا يعيش في فراغ، ولا يمعن في الخيال، وإنما يتميَّز بالواقعيَّة وسهولة التطبيق) (٣) واتصاله التام بحياة الأفراد والأمة وطبيعة الحياة. ومن جانب آخر فإن مصادر التشريع الإسلامي (الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس) مجال رحب يعمل المجتهد فكره في إطارها للكشف عن حكم شرعي أو إيجاد حل لما قد يعتور مسيرة الأمة، ويجد في

стр. 338

حياتها، وذلك وفق ضوابط شرعية مقررة تتميَّز بها الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، ممَّا جعل الشريعة الإسلامية تنطوي على عوامل البقاء والاستمرار على كر الجديدين محفوظة بحفظ اللَّه، ومحققة للخير والسعادة والفلاح للأمة في العاجل والآجل) (١). سادسًا: العدل والإحسان والمساواة، فاللَّه أنزل شريعته الإقامة العدل بين الناس ورفع الظلم عنهم، فلا مجال فيها لأدنى ميل وانحراف عن ميزان العدل) (٢)، والذي صدرت عنه الشريعة ﷻ (حرم الظلم على نفسه لكماله وغناه وحكمته، وحرمه بين الناس، كما جاء في الحديث القدسي الشريف: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" (٣)،. . . وأمر سبحانه بالعدل، وجعله أعظم الأمانات ومسؤوليات الحاكم المسلم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] (٤)، والعدل مطلوب حتى مع العدو. . . قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]. وتطبق المساواة في الشريعة الإسلامية بالصفة الصحيحة (فلا امتياز لأحد في ظل الشريعة الإسلامية، فاللَّه سبحانه هو الذي شرعها، وهو

стр. 339

المالك الخالق لجميع المخلوقات، والناس كلهم عبيده، وهم سواء أمام شرعه) (١). والأمثلة على هذه الخصيصة كثيرة جدًا في تاريخ الأمة الإسلامية، وقد سطر التاريخ ذلك الموقف الفذ لرسول الأمة وقدوتها ﷺ حينما سرقت المرأة المخزومية، وتحركت فيها الشفاعة لشرف قبيلتها ومنزلتها، فقال الرسول ﷺ لأسامة بن زيد ﵁ وهو (حب الرسول وابن حبه): "أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه. . . وأيم اللَّه لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٢). (وتمتاز الشريعة أيضًا أنها سنت إلى جاذب العدل الإحسان والفضل، وهي مرتبة رفيعة ندبت إليها الشريعة، وحثت عليها) (٣). . وبهذا حققت المثل الأخلاقية الرفيعة التي دعت الناس إليها، كالعفو والإيثار والتسامح،. . . والإحسان والفضل مقترن مع كثير من أحكام الشريعة (٤). .، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]،

стр. 340

وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وقد قرر بعض الباحثين -في مقارنة أجراها بين الشريعة والقانون- أن الشريعة (جاءت بتقنين الأخلاق، أي: جعل الأوامر والأحكام الأخلاقية قوانين ملزمة) (١)، بخلاف القانون الذي جاء على (أساس تقنين العادات، أي: صياغة ما تعارف عليه الناس من أوضاع وتقاليد في صورة قوانين) (٢). وهنا يلحظ الفارق الكبير بين نظام ينظر للواقع، وينقاد لما فيه أخلاط الخير والشر والفضيلة والرذيلة والحق والباطل، وبين نظام يرتقي بالواقع وينطلق من تربية الناس على الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وتنمية الخير ومكافحة الشر، ولزوم الحق ومدافعة الباطل، وإذا كان هذا هو نظام شريعة الإسلام فإنها أقرب إلى نفوس الناس من جانب آخر؛ لأنهم يلتزمونها باعتبارها من الدين (فيلتزمون بها التزامًا طوعيّا نابعًا من أعماق قلوبهم، ولا يساقون إليها بعصا السلطان وقهر الحكام، بل بصوت من القلب ورهبة من الدَّيَّان، ورغبة في النعيم المقيم فتكون الطاعة إرهاقًا للإحسان، وإيقاظًا للمشاعر، وتنمية لنوازع الخير وتطهيرًا للنفس من نوازع الشر. . . إنَّ ربط القانون الإسلامي بالدين جعله مرتبطًا كل الارتباط بقانون الأخلاق) (٣). ومن مظاهر الفضل والإحسان في الشريعة الإسلامية واتسامها

стр. 341

بالأخلاق النبيلة، ما قرره فقهاؤها من (عدم جواز تسليم الأجنبي في الدولة الإسلامية إلى دولته ولو على سبيل المفاداة بأسير مسلم؛ لأن الأجنبي دخل بأمان، وعلى الدولة الإسلامية أن تفي بعهدها له فيبقى آمنًا لا يمسه سوء، وتسليمه بدون رضاه غدر بالأمان لا رخصة فيه فلا يجوز) (١). ومن مظاهر العناية بالأخلاق، (أن الأجنبي الداخل إلى دار الإسلام بأمان تؤخذ منه ضريبة على أمواله التجارية بمقدار ما تأخذه دولته من المسلم إذا دخل إليها بأموال تجارية، ولكن إذا كان المأخوذ من المسلم كل ماله فإنَّ الدولة الإسلامية لا تفعل فلك بالنسبة لرعايا تلك الدولة، ويعلل الفقهاء هذا المسلك بأنَّ أخذ أموال الأجنبي ظلم ولا متابعة بالظلم، وإننا لا نتخلق بأخلاقهم وإن تخلقوا هم بها بل نهينا عنه، كما لو قتلوا الداخل إليهم منَّا بأمان لا نقابلهم بالمثل، فلا نقتل من دخل إلينا منهم بأمان) (٢). ومن مظاهر عناية الأمة الإسلامية بالأخلاق في تعاملها مع أهل الذِّمَّة تحقيقًا لما تأمر به الشريعة ما روي (أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطأة بالبصرة: أمَّا بعد. . . وانظر من قبلك من أهل الذمة ممن

стр. 342

كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فقد بلغني: أن عمر بن الخطاب مرَّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه) (١). سابعًا: أنَّها (مبنيَّة على مصالح العباد) (٢)، قال ابن قيم الجوزية: (هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنَّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل اللَّه بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته

стр. 343

الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم. . .) (١). وقال العز بن عبد السلام: (والشريعة كلها مصالح، إمَّا تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح) (٢)، والمستقرئ لأحكام الشريعة الإسلامية يخلص إلى هذه النتيجة من وجوه: الأول: أنَّ رسالة المصطفى ﷺ بعامة جاءت رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فيدخل في ذلك ضمنًا (رعايا مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم) (٣). الثاني: مجيء أحكام الشريعة -في جملتها- معلِّلة بكونها تحقق مصالح الأمة وتدرأ عنهم المفاسد (٤)، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وكقول الرسول: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض

стр. 344

للبصر وأحصن للفرج" (١)، هذه الأحكام في مجملها لم تأت في مواد محددة تنص على فعل أو ترك، وإنما جاءت معلِّلَة بما به حياة النفوس وذكر الغاية من التشريع، وأنَّه في مصلحة الأمة إمَّا بجلب مصلحة أو دفع مفسدة في العاجل أو الآجل الإعلام المكلفين إنَّ تحقيق المصالح هو مقصود الشارع) (٢). الثالث: اتسام أحكام الشريعة باليسر ورفع الحرج، ومن الأمثلة على ذلك (تشريع الرخص عند وجود مشقة في تطبيق الأحكام من ذلك إباحة النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها حفظًا لمصلحة بقاء النفس، وإباحة المحرم عند الضرورة كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر، وإباحة الفطر في رمضان للمسافر والمريض ونحو ذلك. ولا شك أن دفع المشقة ضرب من ضروب رعاية المصلحة ودرء المفسدة) (٣). ومن يسر الشريعة التدرج في التشريع والتمهيد له وتخفيف بعض الأحكام بالنسخ ونحوه (٤). وقد تواصل الفقهاء إلى وضع ضوابط فقهيَّة تنطلق في مجملها، وتتسم

стр. 345

تفاصيلها باليسر ورفع الحرج عن المكلفين، وخصصوا لها كتبًا مستقلة من أبرزها: (كتاب تأسيس النظر للدبوسي الحنفي، وكتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعز الدين بن عبد السلام الشافعي، وكتاب القواعد لابن رجب الحنبلي) (١)، (والقواعد الفقهية. . تصوير جميل للمبادئ الفقهية وضبط الفروع، وقد اكتسبت هذه القواعد صياغتها عن طريق التداول بين الفقهاء) (٢). ومن أبرز هذه القواعد الآتي: - اليقين لا يزول بالشك. - المشقة تجلب التيسير. - الضرر يزال. - العادة محكمة (٣). الرابع: التفاوت في النظر إلى الأحكام وتقسيمها من حيث مقاصدها، (وجد بالاستقراء أنَّ مصالح العباد تتعلق بأمور ضرورية أو حاجية أو تحسينية، فالأولى هي التي لا قيام لحياة الناس بدونها، وإذا فاتت حلَّ الفساد وعمت الفوضى واختل نظام الحياة، وهذه الضرورات هي: (حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل) (٤)،. . . والحاجيات هي التي

стр. 346

يحتاج إليها الناس ليعيشوا بيسر وسعة، وإذا فاتتهم لم يختل نظام الحياة ولكن يلحق (المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. . . أما التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق) (١)،. . . وإذا فاتت هذه -أيضًا- فلا يختل نظام الحياة ولا يصيب الناس حرج ولكن تخرج حياتهم عن النهج الأقوم وما تستدعيه الفطر السليمة والعادات الكريمة، والشريعة جاءت لتحقيق وحفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وبهذا حفظت مصالحهم) (٢). وبناءً على ذلك فإنَّ الأحكام الشرعية تتفاوت بصفة أو أخرى بحسب درجة تلك المقاصد (٣)، وتسعى لتحقيقها في عامة الأمة (بدون حرج ولا مشقة، فتجمع بين مناحي مقاصدها في التكاليف والقوانين مهما تيسر الجمع، فهي ترتقي بالأمة من الأدون من نواحي تلك المقاصد إلى الأعلى بمقدار ما تسمح به الأحوال وتيسر حصولها؛ وإلا فهي تتنازل من الأصعب إلى الذي يليه مما فيه تعليق الأهم من المقاصد) (٤)، وهذا الوجه يسهم في (دوام أحكام الشريعة للعصور والأجيال) (٥).

стр. 347

ومهما تشعبت آراء الفقهاء في تفاصيل المقاصد وتطبيقاتها (١) إلا أنَّ هناك قدرًا مشتركًا -في الأعم الأغلب- فيما بينهم حول (أهمية الاعتماد على الكليات التشريعية وتحكيمها في فهم النصوص الجزئية وتوجيهها، وهو نوع من رد المتشابهات إلى المحكمات، والجزئيات إلى الكليات، فكليات الشريعة ومقاصدها العامة، هي أصول قطعية لكل اجتهاد، ولكل تفكير إسلامي) (٢). ويرى بعض الباحثين أنَّ ما أقدم عليه علماء الأمة بعد الصدر الأول من تاريخها من (بيان علل الأحكام وغايات الإسلام ومقاصد الشريعة وأهدافها، فبينوا أن لكل حكم من أحكام الإسلام وظيفة يؤديها وغاية يحققها وعلَّة ظاهرة أو كامنة يعمل لإيجاده، ومقصدًا وهدفًا يقصده ويستهدفه لتحقيق مصلحة للإنسان، أو دفع مفسدة ومضرة عنه) (٣)، إنَّ ذلك كله وما دار في إطاره يمكن الاعتماد عليه كمنهج في فهم الشريعة الإسلامية وبخاصة ما تميَّز به الشاطبي في هذا المضمار، وأنَّ ما سمي بـ (نظرية المقاصد عند الشاطبي) (٤) يمكن أن يعاد لها الاعتبار (ولابدَّ من وضعها في المقام الأول، ثم يرتب ماعداها عليها. وهذه خطوة ضرورية لإعادة تشكيل العقل المسلم، ولإعادة ترتيب موازينه وأولوياته، ذلك أن

стр. 348

من أهم مظاهر أزمة العقل المسلم: اختلال الموازين والأولويات التي وضعها الإسلام في نصابها، فوقع فيها -على مرِّ العصور- تقديم وتأخير، وتفخيم وتقزيم، على خلاف وضعها الحق) (١). وفي ختام هذا يحسن الربط بين الشريعة الإسلامية بخصائصها ومنطلقاتها وغاياتها وبين ما قاله ابن منظور في معناها اللغوي من أنَّ (العرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدًّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يسقى بالرِّشاء) (٢)، فإنَّ هذا المعنى متحقق في الشريعة الإسلامية وهي بخصائصها التي سبق شرح مجملها تعد من مقومات تميُّز الأمة الإسلامية ذلك التميُّز الذي تسنَّم القمة في تاريخ الأمم والشرائع عندما أنزل الحق على رسوله محمد ﷺ خاتم الأنبياء وسيد المرسلين قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وكانت حكومة الرسول ﷺ النموذج الأمثل في تطبيق الشريعة، والسلطة السياسية التي تنفذها وتشرف على تطبيقها (٣)؛ دستورها كتاب اللَّه وسنّة رسوله ﷺ ، ثم سارت الأمة منذ عهد الصحابة والسلف الصالح وحتى العصر الحاضر، وإلى أن يأتي أمر اللَّه في ظل هذه الشريعة الخالدة، (ومن الحقائق المسلمة أن الشريعة الإسلامية قد وسعت العالم الإسلامي كله على تنائي أطرافه وتعدد أجناسه، وتنوع بيئاته الحضاريَّة، وتجدد مشكلاته الزمنيَّة. . . وأنَّها -بمصادرها ونصوصها وقواعدها- لم تقف يومًا من الأيام مكتوفة اليدين أو مغلولة الرجلين، أمام وقائع الحياة المتغيِّرة. . وأنَّها ظلت القانون المقدس المعمول به في بلاد الإسلام

стр. 349

حوالي ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، إلى أن جاء عهد الاستعمار الغربي الذي استبدل بها تشريعاته الوضعية. . .) (١)، ثم استمرت بعض تلك القوانين كأثر من آثار الاستعمار ولأسباب أخرى، منها الاعتماد على بعض التأويلات للنصوص الشريعة التي تنص على وجوب تطبيق الشريعة بما يبرر هذا الواقع (٢)، ومنها الجهل بمكانة الشريعة وشمولها وكمالها، ومنها التأثر بالثقافة الغربية والغزو الفكري ومخططات أعداء الأمة الإسلامية (٣). على أنَّ هناك أسبابًا أخرى تعود لما أصاب الفقه الإسلامي في بعض أطواره من (الضعف والركود والتوقف عن سيرة الأول شيئًا فشيئًا، [والجنوح] إلى التقليد والتزام مذاهب معيَّنة لا يحيد عنها، ولا يميل حتى وصل الحال إلى الإفتاء بسد باب الاجتهاد) (٤). وممَّا ينبغي ذكره في هذا الصدد أنَّه على الرغم من هذا الواقع فإنَّ هناك جهودًا قام بها الفقهاء ومجتهدي الأمة حفظت للأمة الإسلامية تميُّزها من خلال المؤلفات التي أنجزوها، والتجديد الذي سلكوه (٥).

стр. 350

وفي العصر الحديث ظهرت اهتمامات تمثلت في (دراسة الفقه الإسلامي دراسة مقارنة وإظهار مزاياه وخصائصه وكثرة التأليف في مباحثه وظهور المبرزين فيه الجامعين بين الثقافة القانونية والثقافة الشرعية) (١)، وعلى الرغم مما يكتنف هذه الاهتمامات من المخاوف والمحاذير إلا أن الأمل معقود في (أن يزداد الاهتمام بالشريعة الإسلامية وفقهها حتى تعود إلى مكانتها الأولى وتسترد سيادتها القانونية، وتمد هي والفقه الإسلامي [الأمة الإسلامية] بالتشريعات اللازمة في جميع شؤونها كما كان الأمر في السابق) (٢). وكما شهد بعض رجال الديانة النصرانية ورعاياها بفضل الشريعة الإسلامية، وما تتسم به من الرحمة والعدل والإحسان والمساواة في بداية انتشار الإسلام فقد دار التاريخ دورته، وعاد المنصفون من الغربيين ليؤكدوا الشهادة ذاتها. فأمَّا في بداية انتشار الإسلام، و (لمَّا بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن بقيادة أبي عبيدة كتب أهالي هذه البلاد المسيحيون إلى العرب يقولون: يا معشر المسلمين! أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، إنَّكم أوفى لنا وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا) (٣).

стр. 351

وأما في العصر الحديث: (فهذا مؤتمر القانون المقارن المعقود في لاهاي سنة ١٩٣٧ م الذي حضره مفكرون وباحثون من الغرب ومن مختلف أنحاء العالم وشاركوا فيه، يقرر: ١ - اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع العام. ٢ - اعتبار الشريعة الإسلامية شريعة حيَّة. ٣ - اعتبارها قائمة بذاتها ليست مأخوذة عن غيرها) (١). وإذا كانت المملكة العربية السعودية الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تطبق الشريعة الإسلامية تطبيقًا كاملًا، ويستمد الحكم فيها (سلطته من كتاب اللَّه وسنة رسوله، وهما الحكمان على جميع أنظمة الدولة) (٢)، وأنَّ الحكم فيها يقوم (على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية) (٣)، فإنها قد حققت تميُّزًا لفت نظر العالم من

стр. 352

حولها وأظهر كبار رجال القانون والفكر في الغرب إعجابهم بذلك، يقول المستر (ماك برايد): (من هنا ومن هذا البلد الإسلامي [أي: المملكة العربية السعودية] يجب أن تعلن حقوق الإنسان لا من غيره من البلدان، وإنَّه يتوجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقائق المجهولة عند الرأي العام العالمي، والتي كان الجهل بها سببًا لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي عن طريق أعداء الإسلام والمسلمين. . .) (١). وقال آخر: (إني بصفتي مسيحيًا أعلن أنَّه هنا في هذا البلد الإسلامي يعبد اللَّه حقيقة، وأنَّ أحكام القرآن في حقوق الإنسان: هي بلا شك تفوق على ميثاق حقوق الإنسان) (٢). * * *

стр. 353

موقف المستشرقين من الشريعة الإسلامية درج معظم المستشرقين (١) على الزعم بعدم أصالة الشريعة الإسلامية ودرسوها في ضوء منهج يقوم على تفتيتها إلى أجزاء عديدة، وذهبوا بكل جزء إلى أصل آخر في الموروثات الرومانية واليهودية والنصرانية والمجوسية (٢)، وكذلك تقاليد الجاهلية وأعرافها كما فعلوا في مجال العقيدة وأظهروا مزاعمهم تلك بمظهر البحث العلمي والدراسات الموضوعية والمنهجية المتداولة في المجامع العلمية والمؤتمرات والدوريات الاستشراقية (٣)، فضلًا عن تأليف الكتب العديدة (٤)، وتدريس تلك المزاعم في الجامعات والمعاهد الاستشراقية.

стр. 354

ولا شك أن تلك الدراسات والبحوث ونحوها تهدف في مجملها إلى القضاء على مقومات تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة من خلال زعزعة الثِّقة في استقلالية شريعتها والتشكيك في أصالتها هذا من جانب، وتحاول من جانب آخر أن تبعدها (شيئًا فشيئًا عن قيمها وتراثها وفي مقدمة ذلك التشريعات التي تحكم حياتها) (١)، ومن ثمَّ تتهيَّأ الفرصة لدخول القوانين الوضعية في واقع الأمَّة وتحلّ محلّ الشريعة الإسلاميَّة حتى تصبح الأمة الإسلامية غريبة عن دينها، ويصبح انتماؤها إلى شريعة ربها اسمًا أو شكلًا فحسب (٢). وتنوعت كتابات المستشرقين لبلوغ هذه الغاية وبخاصة إشاعتهم دعوى اعتماد الشريعة الإسلامية على مصادر غير إسلامية، مع التركيز على تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني بصفة خاصة، ويكاد يجمع المستشرقون على ذلك، وقد ينفي بعضهم ذلك التأثر، ولكنه يرجح تأثير التلمود اليهودي على الفقه الإسلامي (٣)، ثمَّ يختلفون أيضًا في مقدار التأثر؛

стр. 355

فبعضهم يزعم أن الشريعة الإسلامية ما هي إلا القانون الروماني أو هي (يهودية ذات نزعة عالمية) (١)، وبعضهم الآخر (يذهب إلى أن الفقهاء المسلمين تأثروا بهذا التلمود وذاك القانون في طرف مما كتبوا) (٢). ويعالج البحث هنا الدعوى من جانبين: ١ - عرض نماذج من أقوال المستشرقين في دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بمصادر مختلفة، كالقانون الروماني، والتلمود اليهودي (٣)، والتعاليم النصرانية، وأعراف العرب وتقاليدهم قبل الإسلام. ٢ - نقد أقوالهم في دعوى تأثر الشريعة بتلك المصادر. الجانب الأول: عرض نماذج من آراء المستشرقين في دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بمصادر مختلفة، منها:
следующие страницы →