وفي سياق آخر يقول: (والحق أن النصرانية تشمل الإسلام وتضيف إليه بعض الشيء، وأنَّه لا تناقض بين هاتين الديانتين، فعلى الأديان أن تتنافس في العبادة والفضائل بدلًا من أن تتناجز، والغرور والأثرة الضيقة يجعلان معظم الناس عاملين على ما فيه اختلافهم عن الآخرين أكثر مِمَّا يعملون على تمجيد اللَّه، والتعصب هو الذي يحول حماسة المرء لدين إلى الحقد على الأديان الأخرى، ومن يدري أن اللَّه لم يرد نوعًا من التمايز الذي هو خلاف التعصب كما في عالم السياسة) (١).
وقال أيضًا: (وبين محمد ومن تقدمه من أنبياء بني إسرائيل شبه قوي، فكان وهو نبي بمكة، كإشعياء في إسرائيل، وكان وهو حاكم بالمدينة كيشوع في كنعان وتسمَّى بمحمد، وحامل هذا الاسم هو من ينتظره اليهود فأبوا أن يدعوه بغير أبي القاسم) (٢).
٣ - ولكارل بروكلمان أقوال متناثرة في كتابيه؛ تاريخ الأدب العربي وتاريخ الشعوب الإسلاميَّة. . منها قوله في كتابه الأول: (ولا حاجة هنا إلى ذكر تاريخ دعوته التي ضاهى بها في مكة أسلوب الدعوة النصرانية، ولعله كان يعرف هذه الدعوة من طريق المبشرين النساطرة (٣).
ومنها قوله: (واستخدم محمد في دعوته أساليب الكاهن) (٤) أو قوله: (تأخذ طابع سجع الكهان) (٥) في وصفه للآيات القرآنية التي نزلت بمكة.
ومِمَّا قال أيضًا: (رجح توراندرية أن أسلوب محمد قد تأثر بموعظة
стр. 282
التبشير المسيحي على لسان المبشرين العرب من جنوبي الجزيرة، حيث ازداد نفوذ الكنيسة النسطورية تحت سيادة الفرس) (١).
وقال أيضًا: (كان جديرًا بالنظر حقًّا ما اقترح "بل" -برغم الصعوبة الصوتية- وهو القول باشتقاق لفظ سورة من الكلمة السريانية: صورتا (نصُّ) وذلك لوضوح التأثير النصراني في لغة النبي باطراد) (٢).
ومِمَّا جاء في كتابه الآخر قوله: (وفي وسط مكة تقوم الكعبة، وهي بناء ذو أربع زوايا. . يحتضن في إحداها الحجر الأسود، ولعله أقدم وثن عبد في تلك الديار) (٣)، وعن الحجر الأسود يقول أيضًا: (وعندما بلغ محمد الكعبة طاف بها سبعًا على راحلته، لامسًا الحجر الأسود بعصاه في كل مرة. وبذلك ضم هذا الطقس الوثني إلى دينه) (٤).
ويقول -أيضًا-: (تذهب الروايات إلى أنه اتصل في رحلاته ببعض اليهود والنصارى، أمَّا في مكة نفسها فلعلَّه اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والإنجيل هزيلة) (٥).
стр. 283
٤ - و (لجولدزيهر) في كتابيه؛ العقيدة والشريعة (١)، ومذاهب التفسير الإسلامي (٢)، أقوالٌ تمس تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال تشكيكه في عقيدتها وشريعتها وتاريخها. . وفي كتابه الأول تركزت تلك الأقوال على أربع مزاعم، هي:
أ- إن القرآن من صنع محمد.
ب- إن الحديث النبوي من صناعة الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية.
ج- التشريع الإسلامي مستمد من القانون الروماني.
د- إن الجيوش الإسلاميَّة. . . لم يكن باعثها الإيمان، وإنَّما الذي أخرجها من الجزيرة العربية القحط والجوع) (٣).
ومِمَّا يخص مجال العقيدة زعمه بأن الإسلام (ليس إلَّا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية عرفها (محمد ﷺ ) بفضل اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية) (٤)، وأنه لم يأتِ بجديد (٥).
وفي كتابه الآخر لا يقتصر على مس العقيدة الإسلاميَّة من حيث كونها
стр. 284
مبدأ وتعاليم جاء بها الرسول ﷺ ، وإنَّما يمتد بمزاعمه وتشكيكاته إلى تاريخ العقيدة الإسلاميَّة في واقع الأُمَّة ويخاط بين أهل الزيغ وأُمَّة الاتباع.
ومِمَّا قاله في هذا المجال: (وكما تقدم تعاليم الإسلام حتى في مرحلته البدائية، صورة من مذهبي الانتخاب والمزج -من اليهودية والنصرانية وديانة فارس وغيرها- كذلك عملت آثار أجنبية، من التجارب التعليمية النافذة من المحيط الخارجي، في تنمية ما جدّ بعد ذلك من المسائل، كما يبدو في مسائل الخلاف العقدية التي كانت تؤدى في أوقات الهدوء المعترضة إلى صياغة قواعد مركزة متبلورة. وقد أمكن في وقت مبكر إثبات أن الأنظار، والمسائل العقدية التي كانت محل الاعتبار في القرنين الأولين عند علماء الكلام الإسلاميين، قد برزت تحت تأثير النشاط العقدي داخل الكنائس والفرق المسيحية الشرقية) (١).
٥ - يكاد هذا الموقف إزاء عقيدة الأُمَّة الإسلاميَّة الذي ينكر تميزها أن يكون متأصلًا في دراسات معظم المستشرقين (٢)، وهناك نماذج كثيرة تؤكد ذلك وردت في كتابات الكثير من المستشرقين، ولكن الذي يبين هذا الموقف
стр. 285
بجلاء ويدل على رسوخه في الدراسات الاستشراقية، وتعمد المنهج الاستشراقي الإصرار على ذلك هو ما ورد في دوائر المعارف، ومن أمثلة ذلك:
أ- تقول دائرة المعارف الإسلاميَّة تحت مادة (السامرة): (وما من أحد يشك في تعدد مصدر الأصول التي استقى محمد منها معارفه، وكثيرًا ما جرى القول بتأثير اليهودية والنصرانية فيه، وازدياد المعرفة بهذه الأصول يؤيد مثل هذه النتائج، في حين أن الجهل التام بالمسائل السامرية يجوز لنا التحيز للعرب) (١).
ب- جاء في دائرة المعارف البريطانية: (إنَّ صورة اللَّه التي تتداخل فيها صفات القوة والعدل والرحمة ذات صلة بالتراث اليهودي المسيحي، حيث استمدت منه بعد أن طرأ عليها بعض التعديلات، وكذلك تتصل بالوثنية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية) (٢).
ج- وجاء في موسوعة الحضارة التي أصدرتها هيئة اليونسكو: (الإسلام تركيب ملفق من اليهودية والنصرانية ورواسب الوثنية) (٣).
ثالثًا: الرد على أقوالهم:
يتضح من الأقوال السابقة موقف عامّة المستشرقين في استهدافهم تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال محاولاتهم تشويه عقيدتها، وذلك بنسبتها إلى اليهودية أو النصرانية أو إلصاق الوثنية في عقيدتها، وهذه وتلك برزت
стр. 286
بشكل صارخ في كتابات كبار المستشرقين الذين نفذوا إلى عقول المسلمين من خلال دعاوى العلمية والموضوعية والمنهجية، وتهدف كتاباتهم في مجملها وجوهرها إلى المسِّ بعقيدة التوحيد، وعدم الاعتراف بأصالة الأُمَّة الإسلاميَّة، ولا يُسْتثنَى من هذه القاعدة إلَّا أفراد قلائل تحرروا من المسلك الاستشراقي المتعصب، واتسم بعض ما كتبوه عن الإسلام وعقيدته بالإنصاف، ولعل من المناسب قبل الرد على ما ورد من الأقوال والآراء فيما سبق الإلماح لبعض الأقوال المنصفة التي ذكرها عدد قليل من المستشرقين القلائل، ومنها ما قاله (توماس كارلايل): القد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن في هذا العصر أن يصغي إلى القول بأنَّ دين الإسلام كذب، وأنّ محمدًا خدَّاع مزور، فإنَّ الرسالة التي أدَّاها ذلك الرجل ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لمئات الملايين من الناس أمثالنا خلقهم اللَّه الذي خلقنا) (١).
ويقول (كلوداتيانسافاري): (أسس محمد ديانة عالمية تقوم على عقيدة بسيطة لا تتضمن إلَّا ما يقره العقل من إيمان بالإله الواحد الذي يكافئ على الفضيلة، ويعاقب على الرذيلة، والغربي المتنور إن لم يعترف بنبوته لا يستطيع إلَّا أن يعنبره من أعظم الرجال الذين ظهروا في التاريخ) (٢).
ويقول (هنري دي كاستري): (أمَّا فكرة التوحيد فيستحيل أن يكون هذا الاعتقاد وصل إلى النبي ﷺ من مطالعة التوراة والإنجيل، إذ لو قرأ تلك الكتب لردَّها لاحتوائها على مذهب التثليث، وهو مناقض لفطرته مخالف لوجدانه منذ خلقته، وظهور هذا الاعتقاد بواسطته دفعة واحدة هو
стр. 287
أعظم مظهر في حياته، وهو بذاته أكبر دليل على صدق رسالته وأمانة نبوته، ولعل هذا البرهان من أوضح الأدلة على إن الإسلام وحي من اللَّه، فإنَّ مفهوم (التوحيد) الإسلامي عقيدة تميَّز بها الإسلام عن غيره) (١).
وعلى الرغم من كون قول (كارلايل) لا يرقى إلى الإنصاف الكامل، إذ ليست الكثرة والاستمرار دليل على الحق، وإنَّما الحق أولى بالاتباع، وكذلك قول (سافاري) ينطوي على خطأ وهو قوله بأنَّ محمدًا ﷺ أسس ديانة عالميَّة، والحقيقة أنه جاء مرسلًا من عند اللَّه إلى الناس جميعًا وهو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. وعلى الرغم من هذا وذاك فإن قولهما يُعَدّ أقرب إلى الإنصاف قياسًا إلى ما ذكر من أقوال المستشرقين الآخرين، أمَّا قول (هنري دي كاستري) فإنَّه أكثر إنصافًا، ولعل مسلكه العام ظل مستمرًّا على هذا النحو، واللَّه أعلم.
أمَّا الرد على أقوال المستشرقين السابقة فهو على النحو الآتي:
١ - إنَّ تلك الأقوال التي تشكك في تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال نسبة عقيدتها إلى اليهودية أو النصرانية أو الوثنية لا تقوى على حجب حقيقة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة المرتكز على عقيدة صحيحة واضحة فذَّة جاء بها محمد ﷺ عن ربه، ومهما أثاروا حولها من ضباب كثيف، فإن اللَّه متم نوره ولو كره الكافرون، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
يقول عبد اللطيف الطيباوي عن كتابات المستشرقين في هذا المجال:
стр. 288
(إن ما أريق من مداد سود صحائف المجلدات المتعددة عن (أصول) الإسلام لا يقدم دليلًا مقنعًا بالمعنى التاريخي الصارم بحيث يثبت أن مثل هذا الاقتباس قد حدث فعلًا، بل على العكس، فإن الشاهد المعاصر الوحيد الذي ما يزال باقيًا هو (القرآن الكريم) وهو يستبعد مثل هذا الاحتمال بأقطع عبارة، ومن المستغرب أن هذا الشاهد الوحيد يُطرح في الغالب جانبًا) (١).
٢ - يخلط هؤلاء المستشرقين المتحاملون على تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في دراساتهم لعقيدتها الإسلاميَّة بين العقيدة الصافية النقية الحقة التي بينها القرآن الكريم والسنة النبوية (القولية والفعلية والتقريرية) وبين واقع المسلمين بعامة وواقع الفرق الضَّالة بخاصة، وكان من نتائج هذا الخلط أن جاءت دراسات المستشرقين في مسائل العقيدة (جهلًا مركبًا) كما سماها بذلك أحد المفكرين لأنهم درسوها في ضوء مناهج زائغة، وقدموها للناس مشوهة مزورة ومكذوبة (٢).
فقد تركزت أقوالهم على دعوى؛ أن العقيدة الإسلاميَّة تأثرت باليهودية أو النصرانية أو الوثنية أو هي مزيج من ذلك كله، والرد على ذلك يتركز في الآتي:
أ- لو كان المراد بأن عقيدة الإسلام وبخاصة توحيد اللَّه وحده لا شريك له وإخلاص العبادة له هي العقيدة التي جاءت بها أنبياء بني إسرائيل، وجاء بها المسيح ﵇ في صورتها الصحيحة التي أرادها اللَّه فإن ذلك حق وصحيح (٣).
стр. 289
ومن المعلوم بالضرورة في دين الإسلام أن الدين واحد من لدن آدم ﵇ وحتى خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال الرسول ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: ". . . والأنبياء إخوةٌ لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (١)، ولكن أولئك المستشرقين لا يقصدون ذلك، بل يقصدون التراث اليهودي والنصراني كما قال أحدهم: (إن على الإسلام أن يقر بحقيقة أصله: ذلك التأثير التاريخي للتراث اليهودي النصراني) (٢)، ومن المسلَّم به (أنه لا توجد أقوال ثابتة تبين لنا حقيقة التوحيد وماهيته في اليهودية؛ لأن اليهود قد ضمنوا التوراة كثيرًا من المتون المتعارضة، التي لا يُمكن الجمع أو التوفيق بينها، وهذا يدل على أن أفكار مؤلفي هذه الأسفار كانت متشتتة، وموزعة بين الوثنية المتمثلة في تجسيد اللَّه وتشبيهه بخلقه، وجعل الأنداد والنظائر له، وبين عقيدة التوحيد الخالصة التي جاء بها أنبياء اللَّه المذكورون في توراة اليهود، وفي القرآن والسنة عند المسلمين) (٣).
وكذلك النصرانية التي ترتكز عقيدتها بعد التحريف على التثليث، ومنيت بالشرك بدلًا من التوحيد ورد في مقدمة كتاب (هيم ماكبي): بولس
стр. 290
وتحريف المسيحية: (كانت مأساة السيد المسيح الحقيقية أنه ولد في قوم أعظم مواهبهم تزوير التاريخ) (١).
ويتساءل (جون هك): (كيف وصل اليهود مع الأمميين من المسيحيين إلى عبادة كائن بشري محطمين هكذا فكرتهم في وجود إله واحد بطريقة أودت بهم إلى الميتافيزيكية المعقدة للتثليث؛ ففي تعاليم المسيحية الباكرة، كما نقلنا عنها من الكتاب الخامس للعهد الجديد -للقديس لوقا-؛ أعلن يسوع أنَّه إنسان أرسله اللَّه إليكم مؤيدًا بأعمالٍ ضخمة وأمارات، وبعد ثلاثين سنة فقط أفتتح إنجيل (مرقص) بهذه الكلمات: (ابتداءً إنجيل يسوع المسيح ابن اللَّه)؛ وفي إنجيل (يوحنا) الذي كتب بعد ثلاثين سنة أخرى، عُزِيَ هذا الكلام إلى يسوع نفسه وصور على أنَّه إله يمشي على الأرض!) (٢).
وفي إجابة (هِكْ) على سؤاله يستشهد بقول آخر: (كم كانت منشرة فكرة التجسيد الإلهي في الحياة البشرية للعالم القديم؛ لذا فليس من المستغرب البتة تأليه يسوع في تلك البيئة الثقافية؛ ففي اليهودية نفسها، كانت فكرة تسمية الإنسان (ابن اللَّه) تستند إلى تقليد قديم) (٣).
стр. 291
وللمرء أن يتساءل أيضًا أين التوحيد في هذا التراث اليهودي النصراني، وصدق اللَّه القائل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١].
ب- أمَّا قولهم بأن عقيدة الإسلام تأثرت بالوثنية فإن هذا القول مجاف لحقيقتها وما هو إلَّا نتيجة ما يسمى الإسقاط النفسي أو على حد المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت) (١)، ولئن تسربت الوثنية إلى اليهودية وإلى النصرانية كما سبق ذكره؛ فإنَّ الإسلام ما جاء إلَّا لمحارتجها والقضاء عليها ونشر عقيدة التوحيد الخالص للَّه جل وعلا؛ رُوِيَ عن ابن عمر ﵁؛ أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلَّا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه" (٢).
وإذا كان بعض المستشرقين يربط بين شعائر الحج والعمرة في الإسلام وبين الوثنية، ويزعم بأن الرسول ﷺ أبقى على بعض شعائر الوثنية، وبخاصة تقبيل الحجر الأسود، فإنَّ الرد على ذلك من وجوه:
стр. 292
أولها: إن ما كان من بقية الحق المتمثل في بعض الآثار الدينية التي تعود إلى الحنيفية السمحة فإن عقيدة الإسلام التي جاء بها الرسول ﷺ لاتناقضها بل تجلوها وتبقي على ما كان حقًّا منها، وفي مقدمة ذلك بعض شعائر الحج والعمرة من طواف وسعي وغيرهما (١)، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].
ثانيًا: رد بعض الباحثين على زعم (بروكلمان) في هذا بقوله: (كان على بروكلمان أن يعرف مكانة الحجر الأسود عند عرب الجاهليَّة، وسبب تقديسه بعد الإسلام، وكان عليه أن يميَّز بين الوثن والصنم من جهة، وبين الحجر الأسود الذي لم نسمع في الروايات التاريخية شيئًا عن عبادة العرب له، لقد اتخذ العرب آلهتهم في الجاهليَّة من أشياء لا تحصى، ومع ذلك لم يرد مطلقًا أن الحجر الأسود كان ضمن آلهتهم، بل كانت له منزلة محترمة؛ لأنَّه من بقايا بناء إبراهيم للكعبة، وبناء على ذلك فالإسلام لم يقر وثنية كانت في الجاهليَّة، واستلام الحجر الأسود في الحج يرجع إلى اعتبار رمزي، لا إلى تقديس الحجر ذاته، لقد أعادت قريش بناء الكعبة، واختلفت بطونها على من يعيد الحجر مكانه، وأقبل محمد الأمين قبل البعثة بخمس سنوات، فدعوه لرجاحة عقله وحبِّهم له، فهو الأمين؛ ليفصل في الأمر فبسط رداءه، ووضع فيه الحجر، وجاء من كل بطن رجل، حمل من طرف الرداء، حتى أوصله ﵊ إلى موضعه، فوضعه بيده الشريفة، وأنهى مشكلة حرجة، وسبب احترامه أنه
стр. 293
من بقايا بناء إبراهيم للكعبة، ولم يكن في يوم من الأيام وثنًا يعبد، لا في الجاهليَّة ولا في الإسلام. . .) (١).
ثالثًا: إنَّ تقبيل الحجر الأسود عبادة للَّه له دلالات ومقاصد لا تخدش عقيدة التوحيد فهو حجر لا يضر ولا ينفع بذاته، وهذه عقيدة المسلمين فيه كما علمهم رسول الهدى ﷺ فهذا عمر بن الخطاب يقول عند تقبيله للحجر الأسود: (إني أعلم أثك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٢)، ولعلماء المسلمين في قول عمر ﵁ هذا أقوال عديدة، منها: قول ابن جرير الطبري: (إنَّما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهَّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهليَّة) (٣).
وقال ابن حجر: (وفي قول عمر هذا: التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع الرسول ﷺ فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه، وفيه دفع ما وقع
стр. 294
لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، وفيه بيان السنن بالقول والفعل، وأن الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر، ويوضح ذلك) (١).
وهناك روايات عديدة عن أصل ذلك الحجر وما يرمز إليه أورد جملة منها ابن حجر وبين ما في أسانيدها من ضعف، ولكن يستفاد من مجموعها الآتي:
١ - إن عمر ﵁ في بعض الروايات رفع قوله: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع) إلى الرسول ﷺ ، وهذه قاصمة الظهر لـ (كارل بروكلمان) ومن سار على نهجه في هذا الزعم.
٢ - إن تقبيل الحجر -وقد فعله رسول الهدى ﷺ أمر من لدن الحكيم الخبير- شبيه بأمر اللَّه الملائكة أن تسجد لآدم، فكان السجود طاعة لأمر اللَّه وعندما عصى إبليس كتبت عليه اللعنة (٢)، فاستلام الحجر وتقبيله عبادة للَّه وتعظيم للَّه وليس لذات الحجر، وهذا التعليل يقبله العقل السليم ولا يعارض الشارع.
٣ - رُبَّمَا كان الحجر الأسود بمثابة الشاهد على التوحيد يقدم شهادته يوم القيامة لمن حجَّ البيت أو اعتمر أو زاره وطاف به، وحينما يقبل يكون (ذلك امتثالًا لأمر اللَّه رمزًا للتوحيد والعبودية للَّه كما ترمى الجمار بالحجر رمزًا لعداوة الشيطان ومجافاته) (٣).
стр. 295
وخلاصة القول: (إن فكرة وثنية الحجر الأسود هي فكرة غربية بثتها حركة الاستشراق. . وسعت لترويجها منذ زمن بعيد. . فقد سبق بروكلمان إليها بعض المستشرقين، مثل (درايكت) و (بورشورت سمث). .) (١)، في محاولتهما نفي تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة والطعن في أهم مقومات ذلك التميُّز وهي عقيدة التوحيد الخالص، كما عبَّرَ عن ذلك (الكونت هنري دي كاستري)؛ بقوله: (فظهور هذا الاعتقاد -يعني: توحيد اللَّه وإفراده بالعبادة دون سواه- بواسطته -يعني: محمدًا ﷺ دفعة واحدة هو أعظم مظهر في حياته، وهو بذاته أكبر دليل على صدقه في رسالته وأمانته في نبوته، ولعل هذا البرهان من أوضح الأدلة على أن الإسلام وحي من اللَّه فإن مفهوم التوحيد الإسلامي عقيدة تميُّز بها الإسلام عن غيره) (٢).
وهناك ردود أخرى تتعلق بمصدر العقيدة سيجري إيرادها في مجال أقوال المستشرقين حول الربانية، ويبقى هنا الالتفات إلى مقولة (جولدزيهر) بأن مسائل الخلاف العقدية التي برزت في القرنين الأولين عند الكلام الإسلاميين (كان) تحت تأثير النشاط العقدي داخل الكنائس والفرق المسيحية الشرقية) (٣).
وهذا القول ينطبق إلى حدٍّ كبير على واقع الفرؤا الإسلاميَّة الضَّالَّة فإنَّ كل بدعة ظهرت في دين الاسلام سلكت مسلكًا مشابهًا لليهود أو النصارى، وهذا ما يصرح به علماء الأُمَّة الإسلاميَّة ويدركونه، وهو كذلك من دلائل نبوة الرسول ﷺ إذ ورد عنه أحاديث كثيرة تخبر بذلك منها قوله
стр. 296
- ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (١)، وأخبر ﷺ بأن ثنتين وسبعين فرقة في النَّار من تلك الفرق التي تنقسم إليها أمته ﷺ وأنها تسلك مسلك أهل الكتاب (اليهود والنصارى) واستثنى فرقة واحدة أو ملة أو طائفة أو أُمَّة -كما يسبق ذكره- هي التي تلزم الحق وتبقى على هديه ﷺ : "ولن تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" (٢). وفي بعض الروايات: "وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين مِلَّة كلهم في النار إلا ملة واحدة"، قالوا: من هي يا رسول اللَّه؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٣).
قال ابن تيمية عند إيراده حديث: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة" الحديث: (وهذا المعنى محفوظ عن النبي ﷺ من غير وجه: يشير إلى أن الفرقة والاختلاف لا بُدَّ من وقوعهما في الأمة، وكان يحذر أمته منه لينجو من الوقوع فيه من شاء اللَّه له السلامة) (٤).
ولكن (جولدزيهر) يلبس الحق بالباطل ويكتم الحق وهو يعلم، وهذا هو المنهج المذموم الذي عابه اللَّه على أهل الكتاب واليهود بخاصة، قال
стр. 297
تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]، إنَّ المتتبع لمنهج (جولدزيهر) يلمس هذا التلبيس والكتمان فهو ينتزع عقيدة الإسلام من مجريات التاريخ الإسلامي في القرنين الأولين مع التركيز على مقولات الفرق الضَّالَّة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يخفي بطريقة ماكرة منهج السلف الصالح وما كانوا عليه من عقيدة التوحيد الخالص. . وقد سلك هذا المسلك عند دراساته للحديث النبوي الكريم، وسيأتي مزيدٌ من الرد عليه لاحقًا (١)، بيد أنَّ ما كتمه (جولدزيهر) هو تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة المرتكز على عقيدة التوحيد التي أخفق فيها اليهود والنصارى وهدى اللَّه إليها الأُمَّة الإسلاميَّة.
* * *
стр. 298
الشريعة
• تمهيد.
• تعريف الشريعة لغة واصطلاحًا.
• أهمية النظام في الكون والحياة.
• حاجة البشرية إلى النظام.
• قصور العقل البشري عن تشريع النظم.
• لمحة موجزة عن حال الأمم في ظل بعض النظم البشرية.
• خصائص الشريعة الإسلاميَّة.
• موقف المستشرقين من الشريعة.
стр. 299
الشريعة
تمهيد
من مقومات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة التلازم المحكم بين العقيدة والشريعة، فالشريعة في دين الإسلام منبثقة من عقيدته ومرتبطة بها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
والحكم في شريعة الإسلام للَّه، ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وبهذا المقوم تتميز الأُمَّة الإسلامية عن غيرها من الأمم، كما أنّ شريعة الإسلام تعتمد على مصادر للتشريع، تحقق مصالح الأُمَّة بل الإنسانية قاطبة لما اشتملت عليه من أحكام تجلب المصالح وتدفع المفاسد، وتلائم الظروف الزمانية والمكانية، وتنطوي على مرونة تمكنها من احتواء المستجدات، وربطها بالقواعد المقرَّرة والأصول الثابتة، وفقًا لضوابط شرعيَّة دقيقة تتميز بها الأُمَّة الإسلاميَّة عن غيرها من الأمم.
стр. 300
تعريف الشريعة لغة واصطلاحًا
تعريف الشريعة لغة:
مشتقة من الفعل الثلاثي (شَرَعَ)، قال ابن فارس: (الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة، وهي مورد الشاربة للماء، واشتق من ذلك الشرعة في الدين، والشريعة. .) (١).
وقال الزمخشري: (والشريعة والشِّرعة وشرع اللَّه تعالى الدين. . وشرع الباب إلى الطريق، وأشرعته، والناس فيه شَرَعَ وشَرْع: سواء) (٢).
وممَّا أورده ابن منظور في دلالتها اللغويَّة قوله: (والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدًّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يسقى بالرِّشاء. .) (٣).
وتطلق الشريعة على المثل، كما ذكر الجوهري إذ قال: (ويقال أيضًا: هذه شرعة هذه، أي: مِثْلُها، وهذا شِرْع هذا، وهما شرعان، أي: مثلان) (٤).
وأورد الفيروزآبادي في معنى الشريعة: (الظاهر المستقيم من المذاهب. . .) (٥) إلى قوله: (وشَرَعَ لهم، كمَنَعَ: سَنَّ) (٦).
стр. 301
تعريف الشريعة اصطلاحًا:
تطلق الشريعة ويراد بها دين الإسلام بمعنى شامل، أي: (ما شرعه اللَّه لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة، لتحقيق سعادتها في الدنيا والآخرة) (١).
وتطلق ويراد بها (جملة القواعد والقوانين التي تحدد طريقة عبادة الإله من خلال نصوص شفهية أو مكتوبة، ومن خلال ممارسات عملية يقصد بها التدريب العملي على هذه الكيفية ممن وكِّل إليه أمر إنشاء الدين أو إبلاغه كما في الأديان السماوية. وبعبارة موجزة إذا كانت العقيدة يترجمها الفكر والتصور فإن الشريعة تترجم الموقف والعلاقة التي يفترض أن تكون بين العابد والمعبود بناء على تعاليم الإله، أو من وكِّل إليه البلاع، أو من اضطلع بالإنشاء والتأسيس في الديانات الوضعية) (٢).
وممَّا يلحظ في التعريف الأول أنَّه تعريف شامل في إطلاق مسمى الشريعة على دين الإسلام، أمَّا التعريف الثاني فإنه يقابل العقيدة ولكنه أطلق مسمى الشريعة على أحكام الدين الإسلامي وغيره سواء كان الدين سماويًا أو وضعيًّا، على حين يرى بعض العلماء أن مسمى الشريعة لا يصح إطلاقه إلا على الشريعة الإسلامية (٣).
стр. 302
وبالرجوع لكتب المصطلحات القديمة وُجِدَ تقسيم يمكن أن يحدد دلالة الشريعة بمفهومها المحدد أو المتخصص، فقد ورد في معناها الآتي:
أ- (الشريعة ما شرع اللَّه تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى اللَّه عليهم وعلى نبينا وسلم، وسواء كانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية ودُوِّن لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد وتسمَّى أصلية أو اعتقادية ودوِّن لها علم الكلام) (١).
ب- وقال الأصفهاني: (الشرع نهج الطريق الواضح. . واستعير ذلك للطريقة الإلهية، فقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، فذلك إشارة إلى أمرين:
أحدهما: ما سخر اللَّه تعالى عليه كل الإنسان من طريق يتحراه ممَّا يعود إلى مصالح العباد وعمارة البلاد، وذلك المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].
الثاني: ما قيَّض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارًا ممَّا تختلف فيه الشرائع ويعترضه النسخ، ودلَّ عليه قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل فلا يصح عليها النسخ كمعرفة اللَّه تعالى، ونحو ذلك. . .) (٢).
يتبين من هذين التعريفين أن الشريعة تطلق ويراد بها:
- الأصول الاعتقادية والأحكام الفقهية بعامة.
стр. 303
- الأصول الاعتقادية.
- نظام الكون ولحياة الذي أوجده اللَّه.
- الأحكام الفقهية التي تعاقبت بها الرسل صلوات اللَّه عليهم.
- الأحكام الفقهية التي جاء بها محمد ﷺ منبثقة عن عقيدة الإسلام الواحدة عند جميع الأنبياء والمرسلين، ولكنها جاءت ناسخة لكثير من الأحكام التفصيلية في العبادات والمعاملات ونحوها، وجاءت عامَّة لكافة البشر وشاملة لجميع جوانب الحياة بعد أن أكمل اللَّه دينه، وأتم نعمته، ورضي الإسلام للأمة دينًا ممثلًا في رسالة محمد ﷺ خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.
أما المقصود بمصطلح الشريعة في هذا المطلب فهو (الأحكام والقواعد التي شرعها اللَّه سبحانه لتنظيم أعمال الناس، وعلاقتهم المتعددة والمتنوعة، المنبثقة عن العقيدة الإسلامية) (١)، أو هي (النظم التي شرعها اللَّه أو شرع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بالكون، وعلاقته بالحياة) (٢).
ومعنى ذلك أن (قواعد الإسلام وأحكامه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء والعقوبات وغيرها من القواعد والأحكام التي تنظم الحياة الخاصة والعامة تشكل بمجموعها، وتفاعلها، وتناسقها، وترابطها نظام الإسلام) (٣)، وكأنها مثيلة للعقيدة التي صدرت عنها، وعندئذ يظهر المعنى اللغوي الذي ذكره الجوهري في قوله: (هذه شرعة هذه أي مثلها) (٤)، ويطلق علماء القانون مسمى (الشريعة) على جملة الأنظمة
стр. 304
والقوانين إذا اتصفت بالانسجام العام في مجموعها وانتظمها سياق واحد (١) (لانبعاثها عن روح واحدة) (٢)، أما إذا كان القانون أو النظام يتكون من مجموعة قواعد وأحكام حول ظاهرة واحدة أو جانب من جوانب الحياة فقط، فإنَّهم يطلقون عليه النظام القانوني) (٣).
وبالنظر لهذه الدلالة مقارنة بالمعاني اللغوية والاصطلاحية الواردة في تعريف الشريعة يظهر جليًّا استقلال الشريعة الإسلامية بهذا المسمى دون غيرها لما اتصفت به من الظهور والوضوح واليسر والعمق وعدم الانقطاع وهو ما يتفق مع معناها اللغوي؛ ولأن أحكامها تنتظم جميع جوانب الحياة في انسجام تام في داخلها ومع نظام الكون العام والحياة؛ لأن خالق الكون والحياة وهو اللَّه ﷻ هو الذي سنَّ هذه الشريعة وأبانها وأظهرها، ويتصل بذلك ما أجمله شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: (فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب اللَّه وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال، والسياسات والأحكام والولايات والعطيات) (٤).
والشاهد في قوله هذا أن سنة الرسول ﷺ وتطبيق السلف الصالح متصل بالشريعة ويتصل بها طاعة ولاة الأمر من المسلمين كما أوضح ذلك فيما تلا من كلامه، إذ قال: (ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء: شرع منزل وهو شرع اللَّه ورسوله، وشرع متأول، وهو: ما ساغ فيه
стр. 305
الاجتهاد، وشرع مبدل، وهو: ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع أو البدع أو الضلال الذي يضيفه الضالون إلى الشرع) (١)، ثم قال: (يتبين أنه ليس للإنسان أن يخرج عن الشريعة في شيء من أموره، بل كلما يصلح له فهو الشرع من أصوله وفروعه وأحواله وأعماله وسياسته ومعاملاته وغير ذلك. . وسبب ذلك أن الشريعة هي طاعة اللَّه ورسوله وأولي الأمر منا) (٢).
* * *
стр. 306
أهمية النظام في الكون والحياة
يمثل النظام في الكون والحياة ضرورة لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها، وقد تكرر الكلام عن آفاق الكون ومشاهد الطبيعة في القرآن الكريم تكرارًا يلفت النظر، وأكثر سور القرآن تستعرض الكون بآفاقه الواسعة وأنواعه الكثيرة، وأقسامه المتعددة، وحركته الدائمة وحوادثه المتكررة (١)، وأنه محكوم بنظام بالغ الدقة، ويجري وفق سنن مطردة، وحوادثه السابقة واللاحقة تأتي وفقًا لإرادة اللَّه الأزلية، ولا يشذ عنها حادثة من الحوادث لا في زمان ولا في مكان. . كما أن التطور الذي يتم في الكون منضبط بنظام متقن متكامل (٢). . متناسق مع نظام الحياة في غاية الإبداع. . فكل شيء في الحياة والكون مقدر وموزون ومحسوب، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
والسمة البارزة في عرض القرآن لموجودات الكون، أو ملكوت السموات والأرض، هي أن تعرض عرضًا متنوعًا يدعو الإنسان بإلحاح وتحفيز للنظر والتأمل والتفكير في مجرى حوادثها، والدعوة إلى توحيد اللَّه وإفراده بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
ويدخل الإنسان ضمن مخلوقات اللَّه بدءًا ونهاية فردًا وجماعة وأمة بل
стр. 307
وأممًا في منظومة الوجود ونواميسه وعلله وأسبابه ومسبباته، فالكل خاضع للَّه، ويتحرك في نظام سنة اللَّه ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
ورد في سورة (يس) ما يبين أهمية النظام، وأن الكون والحياة تسير وفق نظام في غاية الدقة والإعجاز، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠].
كذلك الإنسان وهو ذلك المخلوق المكرم الذي استخلفه اللَّه ﷻ في الأرض، وسخر له الكثير من ملكوت السموات والأرض ليحقق الرسالة التي أنيطت به، وليسير نحو الغاية التي خلق من أجلها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فإن هذه الرسالة وذلك التكليف لا يتأتى والغاية لا تتحقق إلا في ضوء نظام يحدد مساره، وينظم علائقه، ويضبط أوضاعه، ويحل مسائله وقضاياه، وإلا سادت الفوضى وعمت الجهالة.
ولقد استفاضت الآيات الكريمة في عرض قصة آدم ﵇، بما يبين أهمية النظام للإنسان، وأنه لا يمكن أن يجد النظام الملائم لفطرته والمتسق مع غايته والكفيل بإسعاده في الحياة الدنيا والآخرة إلا فيما جاء عن اللَّه من الهدى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّ
حاجة البشرية إلى النظام
من الظواهر المتكررة في تاريخ البشرية، أن الإنسان يميل إلى الجماعة، ويندفع إلى التجمع بفطرته، ويلتف حول أفراد جنسه ليكونوا مجتمعًا يلبي حاجاتهم، ويوفر لهم الضرورات وفيه يتم التفاعل بين الفرد والجماعة على مختلف المستويات، وهذه الظاهرة يعبر عنها علماء الاجتماع بمقولة (أرسطو): (الإنسان مدني بالطبع) (١)، وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى ذلك في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
ويدفع البشر إلى التجمع دوافع عدة من أهمها:
أولًا: الدافع النفسي: فالفرد يحتاج أن يكون في جماعة ليسكن إليها، كما احتاج أبو البشر ﵇ إلى حواء ﵉ ليسكن إليها، فالدافع النفسي إذًا هو الدافع الأول للتجمع البشري، والإنسان بفطرته يأنس للجماعة، ولا بد أن يعيش في جماعة، ومن أجل ذلك كانت عقوبة السجن مؤلمة للإنسان من الناحية النفسية؛ لأن فيها حرمانًا له من الجماعة (٢).
стр. 310
ثانيًا: الدافع المادي: لعل فيما أورده ابن خلدون في مقدمته عن ضرورة الاجتماع البشري ما يوضح هذا الدافع، إذ قال: (إن اللَّه سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أنَّ قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه، ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه، وهو قوت يوم من الحنطة -مثلًا- فلا يحصل إلا بعلاج كثير، من الطحن والعجن والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات، لا تتم إلا بصناعات متعددة، من حداد ونجار وفاخوري، وهب أنه يأكل حبًّا من غير علاج، فهو يحتاج في تحصيله -أيضًا- حبًّا، إلى أعمال أخرى أكثر من هذه، من الزراعة والحصاد والدّراس الذي يخرج الحب من غلاف السنابل، ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة. . . ويستحيل أن يفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصِّل القوت له ولهم) (١).
ثالثًا: الدافع الأمني: ويمضي ابن خلدون في مقدمته مبينًا دافعًا آخر من دوافع الاجتماع البشري، وهو الدافع الأمني فيقول: (وكذلك يحتاج كل واحد منهم -أيضًا- في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه؛ لأن اللَّه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان، فقدرة الفرس -مثلًا- أعظم بكثير من قدرة الإنسان، وكذا. . . قدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته، ولما كان العدوان طبيعيًا في الحيوان، جعل
стр. 311
لكل واحد منها عضوًا يختص بمدافعة ما يصل إليه من عادية غيره، وجعل للإنسان عوضًا من ذلك كله الفكر. . .) (١).
ويواصل بيانه لهذا الواقع حتى قوله: (ولا تفي قدرته. . . فلابدَّ في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه) (٢)، ويقرر أخيرًا بأن الاجتماع البشري ضرورة للإنسان ولا يتحقق وجود الأمة ورسالتها في إعمار الأرض وتحقيق الخلافة إلا بذلك (٣).
إذا كانت هذه الدوافع إلى الاجتماع البشري الذي يلبي ضرورات عدة نفسية، ومادية، وأمنية، كحاجة الإنسان إلى الأكل والشرب، وحاجته إلى الزواج وتكوين الأسرة، وحاجته إلى الأمن على نفسه وماله وعرضه ونسله، فإن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم بصفة سوية، ووضع مرض إلا بالتعاون بين أفراد المجتمع ولكن هذا التعاون لا يتم بمجرد الرغبة فيه والحرص عليه، والنظرة إليه باعتباره أمنية لا مجال لتحقيقها في عالم الواقع (٤)، بل لابد من نظام يحدد للإنسان ما له وما عليه في إطار الواجبات والحقوق، وينظم علاقاته التي تنشأ بينه وبين أفراد مجتمعه وهيئاته ومؤسساته المختلفة في شتى الشؤون وعلى كافة الأصعدة.
وعلى هذا الفرد والمجتمع بل الأمة بحاجة إلى نظام تطبقه في واقعها وتحافظ به على الضرورات الخمس، وهي: (حفظ الدين، والنفس،
стр. 312
والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا إنها مراعاة في كل مِلَّة) (١)، وتجلب بها المصالح وتدفع بها المفاسد (٢)، ونحو ذلك.
وهنا يأتي السؤال من الذي ينظم ؟:
يرى بعض المهتمين بدراسة التاريخ البشري ودراسة علم الاجتماع والنفس والتربية، وكذلك النظم والتشريعات أن البشر قادرون على وضع التشريعات والنظم لقيام حياتهم وتحقيق وجودهم الإنساني المتميِّز، وينيطون ذلك بما وهبه اللَّه للإنسان من عقل قادر على عمل ذلك.
ومهما كانت المسوغات والمبررات لهذا الرأي فإنَّ نهاية التحليل تصل إلى حقيقة مستقرة ومسلَّمة نهائية جوهرها ولبها أن العقل البشري المجرد عن هداية اللَّه وغير المتصل بوحيه تعالى إلى رسله لا يتأتى له ذلك بصفة شاملة كاملة مرتبطة بغاية وجود الإنسان ومتسقة مع حقائق الوجود، بل يقصر عن ذلك، وبيان أوجه قصوره في النقطة الآتية:
* * *
стр. 313
قصور العقل البشري عن تشريع النظم
للعقل منزلة عظيمة، وبه يتميز الإنسان عن كثير من مخلوقات اللَّه، وقد أولى الإسلام الدقل اهتمامًا بالغًا وعنايةً كبيرة، وجاء في آيات كثيرة تنويه الإسلام بالعقل كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩] (١). وقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] (٢) ونحوهما، فالعقل في الإسلام وسيلة إلى الإيمان، وهو مناط التكليف، وبه يفهم الشرع وتكاليفه وأحكامه، وله مجالاته الواسعة وآفاقه العريضة التي سخرها اللَّه للإنسان، ولكنه محدود بحدود طبيعية، ومقيد بضوابط كثيرة، وإذا كانت له مجالات واسعة يمكنه أن يبدع في مضمارها، وله طرائقه المنطقية الصحيحة في كثير من قضايا الحياة وميادين الفكر؛ فإنه غير قادر على تشريع نظام كامل شامل يكفل سعادة الإنسان، ويحقق غاياته العليا في الحياة والوجود إلا إذا أعمل في ضوء الوحي وبهديه (٣)؛ وذلك لأوجه القصور الملازمة له وأهمها:
أولًا: قصوره من ناحية الزمن، فالإنسان مهما نضج عقله، وبلغ من القوة منتهاها في إطاره الإنساني إلا أنه محدود بحدود زمنية وأخرى مكانية، لا يستطيع عقله تجاوزها أيًّا كانت عبقريته، أمّا الحدود الزمانية فعلى افتراض أن الإنسان علم بحاضره الذي يعيش فيه وعلم شيئًا عن الماضي بالدراسة والاطلاع فإنه لا يستطيع أن يدعي علم المستقبل، ومن الاستحالة على عقله علم ذلك، لهذا فإن النظام الذي تصدى لوضعه
стр. 314
وتشريعه لو صلح على سبيل المثال الافتراض فسيكون صلاحه في إطار فترة زمنية محدودة، ويكفي هذا الوجه من قصور العقل من الناحية الزمنية قادحًا في النظام الذي صدر عن عقل الإنسان؛ لأنه سيكون عرضة للجمود وعدم الصلاحية بمجرد مرور الزمن، فالغد يأتي بما لم يحط المنظر بعلمه، وعندئذٍ يكون التغيير أمرًا لا مفرَّ منه، وقد يكون تغييرًا شاملًا، ومع التغيير المستمر يصبح النظام غير قادر على توفير الاستقرار والأمن النفسي للمجتمع لما يعتريه من التقلب المستمر والتضارب والتناقض؛ لأنه خضع لإطار زمني ضيق.
إن هذا القصور سمة لازمة للنظم البشرية؛ ممَّا جعل الطريق غير مأمون على المجتمعات البشرية في ظل تنظيمها لنفسها (١).
ثانيًا: قصور العقل البشري من الناحية المكانية، حيث إن عقل الإنسان محدود بالمكان الذي يعيش فيه، والبيئة التي خضع لمؤثراتها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وما يؤدي إليه ذلك من محدوديَّة العقل وتركيزه على بيئته وجهله بالبيئات الأخرى؛ فإذا تصدى العقل البشري للتنظيم والتشريع فإن ما ينتج عنه لو صلح -افتراضًا- لبيئة لن يصلح لغيرها. . .، وعلى هذا لن تتحقق الوحدة المتوخاة في النظم تلك الوحدة التي تعد أساسًا في الشريعة؛ لأن البشرية متحدة في أصلها وفطرتها وغايتها، وإن تباعدت الأوطان واختلفت الألوان والألسنة والشعوب والقبائل، والوحدة مطلوبة لتعيش المجتمعات البشرية في سلام ووئام (٢).
ثالثًا: قصور العقل البشري من حيث الإلمام بجميع الأطراف التي
стр. 315
يتصدى لتنظيمها، وطبيعة من ينظم لهم، وتحقيق التوازن في ذلك كله؛ فالميل إلى طرف من الأطراف هي السمة الظاهرة على الفكر البشري، أو التركيز على جهة من الجهات، أو فكرة، أو نزعة. . . ونحو ذلك، استجابة لتأثير البيئة على المفكر، وتأثير النزعة التي تربَّى عليها، فمن ربِّي على نزعة مادية تطرف إليها وصار نحوها، ومن ربِّي على نزعة خيالية جنح إليها، وقد يميل المفكر إلى نزعة فردية ضد الجماعة أو على حسابها، وقد يميل آخر إلى نزعة جماعية ضد مصلحة الفرد (١)؛ لذلك فإن ما يصدر عن الإنسان من نظام سيصطبغ بصبغة ذلك الإنسان نفسه، ويكون انعكاسًا لنزعاته وأهوائه وميوله.
وقد ألمح ابن خلدون إلى ذلك حينما تحدَّث عن الملكات وذكر: (أنَّ من أحكم ملكة وأجادها، ورسخت في نفسه لا يستطيع أن يجيد ملكة أخرى ويحكمها) (٢)، أي: إن الإنسان لا يستطيع تحقيق التوازن وبلوغ درجة الإبداع حينما يتصدى للتنظيم، وهذا القصور لدى الإنسان يفرض عليه الميل في التفكير إلى فكرة يبدو له بريقها ثم لا يجيد الوصول إليها، وعندئذٍ يختل التوازن في النظم البشرية، ولعل (مدينة أفلاطون) إحدى النماذج الدالة على قصور العقل البشري، إذا أراد الخير لمجتمعه وشرع في التنظير له، ولكن بحكم قصور العقل البشري ومحدوديَّة تفكيره أفرز نظامًا مدمِّرًا، حيث اشتمل نظامه ذلك على أن يقتل الأولاد الذين يولدون لآباء شريرين، حتى يقضي على الشر في مجتمعه الفاضل أو مدينته الفاضلة، وكان هذا النظام متأثرًا بعقيدة باطلة تشربها (أفلاطون) من بيئته
стр. 316
التي تعتقد بتوارث الشر، فترسبت هذه العقيدة في سويداء قلبه، ومال إليها تفكيره، وتلونت بها شخصيته، وبالتالي دبَّت في نظامه فجاء نظامًا جائرًا وتشريعًا ظالمًا، وكان من الممكن أن ينجو الفكر البشري من هذه الأفكار الخاطئة والنظم الجائرة لو اهتدى بنور الوحي (١)، فاللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
ونزعة أخرى ظهرت في نظام (أفلاطون) بحكم اعتماده على عقله بعيدًا عن هداية الوحي، فقد تطرَّف نظامه إلى النزعة الجماعية على حساب الفرد، وكان يرى (أنَّ وجود أي منفعة شخصية لفرد يهدم منفعة المجموع، ولذا يجب أن تنهار المصالح الفرديَّة ويقضى عليها. . . بحيث لا يجوز أن يكون لأي فرد في الأمة منفعة شخصية تتميز عن منفعة مجموعها) (٢).
إنَّ (أفلاطون) أنموذج من النماذج البشرية التي حاولت أن تنظم لمجتمعها استنادًا على العقل البشري مستقلًا عن وحي اللَّه، فكان هذا التطرف الذي لم يستطع تحقيق التوازن بين الماديَّة والروحية، ولا بين نزعة الفرد ومصلحة الجماعة، ولا بين الواقع والخيال) (٣).
رابعًا: جهل الإنسان بحقيقته، إذا كان الإنسان الذي هو موضوع التنظيم، أو الأساس في التنظيم لا يزال مجهولًا عند نفسه، فكيف يضع النظام الذي يكفل المحافظة على ضروراته ويلبي حاجاته ومتطلبات حياته بصفة شمولية متوازنة؟!، وكيف يؤمل فيه أن يكون مصيبًا فيما يشرع من نظام بمنأىً عن الوحي الرباني الذي يصله بخالقه .
стр. 317
إنَّ جهل الإنسان بحقيقة نفسه وطبيعة حاله حقيقة قررها العلماء المعنيون بدراسة الإنسان، وعلى سبيل المثال فإن (ألكسيس كاريل) وهو عالم مختص في مجال دراسة الإنسان، ألَّف كتابًا أسماه (الإنسان ذلك المجهول) أبان فيه أن الإنسان لا يفهم نفسه ككل، وهذا واضح في قوله: (لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبَّارًا لكي يعرف نفسه، ولكن وعلى الرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة -فقط- من أنفسنا. . . إننا لا نفهم الإنسان ككل) (١).
ويواصل حديثه مبينًا أن هناك قصورًا كبيرًا في فهم الإنسان لطبيعته وأعماق نفسه، فيقول: (إننا نعرفه -أي: الإنسان- على أنه مكون من مركب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة) (٢) ويؤكد فيما ذكر بأن معرفة الإنسان بنفسه ما زالت بدائية (٣).
إن جهل الإنسان بنفسه كان السبب الأساس في اختلاف النظرات إليه وتعدد مدارسها التي خبطت في قضاياه خبط عشواء، ففي حين ينظر إليه من خلال بعض تلك النظريات ومدارسها بأنه إله وأنَّه سيد الكون، ينظر إليه من خلال جانبه المادي ويصنَّف في منزلة تقترب به من منزلة الحيوانات. .، وذاق الإنسان في ضوء هذه النظريات المتعارضة المتناقضة صنوفًا من المرارة، وأصبح الإنسان في العصر الحديث يعيش في أزمة طاحنة، تحدث عنها كثير من المفكرين، وصرحوا بها في كتابات
стр. 318
متنوعة (١)، منها على سبيل المثال: ما ذكره (تشارلز فريكل) في قوله: (على الرغم مما حققه العصر الحديث من معجزات العلم والتكنولوجيا، إلا أنَّ الثورة على الإنسان المعاصر الذي سيطر بعقله وعمله على الكون بدأت تشتد وتقوى، إذ أنَّه على الرغم من كل ذلك لم يحصل على السعادة ولا الطمأنينة، وما زالت قيمه في تخبط ووجوده مهددًا بالقلق) (٢).
جاءت هذه الأزمة التي تحدَّث عنها (تشارلز) وغيره من العلماء والمفكرين نتيجة طبيعية لاعتداد الإنسان بنفسه واعتماده على العقل فيما شرع لحياته من نظام لا يفي بمتطلبات الناس بصفة تكفل لهم السعادة المنشودة وتنسجم مع غاياتهم العليا ومنطلقاتهم الحقيقية؛ لذلك أصبحت حياة الإنسان، وفي ظل تلك النظم متأزمة (٣)، وتحقق فيها قول اللَّه : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
* * *
стр. 319
لمحة موجزة عن حال الأمم في ظل بعض النظم البشرية
تعجز تشريعات البشر ونظمهم عن إسعاد الإنسان، وتحقيق غايات وجوده ونشاطه الحضاري الشامل إذا انقطعت عن وحي اللَّه وهدايته سواءً في القديم أو الحديث.
أما في القديم فهناك ثلاثة أمثلة تبين بجلاء أن الأمم في ظل النظم التي وضعتها عقول البشر لم تجنِ إلا الفوضى والقلق والاضطراب والظلم والجور:
الأول: النظام الروماني فقد كان للمجتمع الروماني قانون منظم يوصف بأنه متقن في الصياغة والسيادة، وذلك في القرن الخامس الميلادي وهو المشهور باسم (مدونة جوستينان) (١)، فماذا قدم هذا القانون للمجتمع الروماني؟.
لقد حمى الأشراف وقرر لهم حقوقًا ليست للضعفاء، ومما قرره الآتي:
- إن بعض الرعايا ممن ليسوا رومانًا بالسلالة ليست لهم حقوق الرومان، فهم كالعبيد يعملون لأجل الرومان ولتشبع بطونهم.
стр. 320
- إن العبيد لا يعاملون معاملة الآدميين.
- ليست للمرأة شخصية مستقلة بل هي في حكم المملوكة للرجل أبًا كان أم زوجًا.
- تجميع الميراث في قريب واحد ويحرم منه الباقون (١).
فهذا النظام ليس مقتصرًا على أنه طبقي فحسب بل يسلب حقوق الضعفاء ليزدادوا ضعفًا، ويعطيها الأقوياء ليزدادوا قوة على قوتهم (٢).
الثاني: النظام الفارسي، ارتكز هذا النظام على دعوة دينية تعتمد تعاليم (زرادشت) وهي القول بتعدد الآلهة، أو إله الخير وإله الشرِّ، وما انبنى على هذه العقيدة الفاسدة من الشركيات والتصورات الباطلة، كان من أبرزها دعوة (ماني) إلى التشاؤم المطلق، فقد دعا الى فناء الإنسانية ليتخلص العالم من شرورهم، ثم أعقبه (مزدك) فزعم أن آثار المباغضة والعداوة المستمرة بين الناس إنما تقع بسبب الأموال والنساء، فدعا إلى شيوعية الأموال والنساء حتى صار الرجل لا يعرف ولده، ولا المولود يعرف أباه، ولا يملك الناس شيئًا، فانهار المجتمع الفارسي بهذه الفوضى العارمة (٣).