← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والزكاة. . . مارًّا بالزواج والبيوع والوصايا. . . والأمر ليس كذلك في القانون الكنسي) (١). ٤ - ارتباط الفقه الإسلامي بالأخلاق الإسلامية، أما في القانون الكنسي فإن الأخلاق شيء (والقانون الكنسي شيء آخر مختلف عنه) (٢). وفي ختام هذه المقارنة قال مستنتجًا: (إنه ليبدو لي أننا نستطيع أن نستنتج أن نظامي التفكير الإسلامي والكاثوليكي هما غير متشابهين، وأنهما تطورا طبقًا لمبادئ مختلفة حيث انتهيا إلى نتائج لا تقبل المقارنة بينهما، إنَّ روح النظامين ليست واحدة) (٣). أما مؤلفات الفرق النصرانية فإن مما حفظه التاريخ (أنها وضعت في تاريخ لاحق لنضج الفقه الإسلامي واكتماله. . إذ وضعت بعد القرن العاشر الميلادي) (٤). ومن جهة أخرى فإنها هي التي تأثرت بالفقه الإسلامي وأفادت منه، يقول (يوسف شاخت): (بالنسبة للجانب المسيحي فليس هناك شك في أن الفرعين الكبيرين للكنيسة المسيحية الشرقية وهما؛ اليعاقبة والمونوفيزية. . والنسطوريون. . .، لم يترددوا في الاقتباس بحرية من قواعد التشريع الإسلامي) (٥).

стр. 387

وأما حركة الترجمة التي بدأت في نهاية القرن الهجري الأول، ونشطت في العصر العباسي، وتزامنت في بعض مراحلها مع تدوين الفقه الإسلامي (فإنها أهملت إهمالًا واضحًا كتب القانون فلم يترجم إلى العربية أي كتاب قانوني من لغة أجنبية. . وكانت أول ترجمة للكتب القانونية الأجنبية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي على أيدي النصارى السوريان، ولم يكن لهذا تأثير على الفقه الإسلامي؛ لأنه كان قد بلغ نضجه -قبل ترجمة هذه الكتب بعدة قرون) (١). وأما المسألة الثانية: وهي أثر الذين دخلوا الإسلام من النصارى وأهل الذمة على الشريعة وفقهها؛ فإن هذه المسألة لا تعدو أن تكون مجرد افتراض يدحضه الواقع التاريخي من وجوه عدة، من أبرزها: ١ - من المتعذر على الذين دخلوا الإسلام من النصارى وغيرهم أن يؤثروا في التشريعات الإسلامية (لأن السلطة التشريعية في الإسلام هي في يد النبي ﷺ أثناء حياته يستمد ذلك من الوحي الإلهي، وبعد وفاته انتقلت تلك السلطة إلى نفر من المسلمين يسمون المجتهدين، وهؤلاء يشترط فيهم شروط خاصَّة أفاض في تفصيلها وبيانها الأصوليون في كتبهم، وليس هذا مجال إيرادها، ولا يعرف أن أحدًا من مجتهدي القرن الأول والثاني كان متثقفًا) (٢) بغير الثقافة الإسلامية أو ممن اهتدى إلى الإسلام وهو عارف بالقانون الكنسي أو غيره من القوانين الأخرى (٣). ٢ - ومن المسلمات في دين الإسلام أن من يدخل فيه يخلع عنه كل أمر من أمور الجاهلية، ويستسلم لأمر اللَّه وحكمه، وفي مقدمة ذلك

стр. 388

الانصياع لشرع اللَّه في جميع شؤون الحياة إجابة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وجاء في الحديث أن الرسول ﷺ كان يتلو قول اللَّه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. حينما دخل عليه عدي بن حاتم؛ قال عدي: (فقلت: إنهم لم يعبدوهم)، فقال الرسول ﷺ : "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" (١). والشاهد من ذلك أن التشريع في الإسلام منبثق من عقيدة التوحيد الخالصة للَّه، ولا يمكن أن يسمح لمن دخل الإسلام من النصارى أو غيرهم من ذوي الثقافات الأخرى أن يشرعوا للمسلمين ولو فرض جدلًا أنهم بلغوا درجة الاجتهاد فإنهم عند ذلك ينطلقون من الكتاب والسنة وإجماع الأمة الإسلامية وما خلَّفه الصحابة والتابعون من ثروة فقهية انبعثت من صميم عقيدة الإسلام وهدي رسوله ﷺ ، والشريعة الإسلامية وفقهها في كل ذلك متميزة تميزًا جليًا يشهد به الواقع التاريخي، والحقائق المسلم بها. ٣ - أما أهل الذمة فإن الإسلام وفر لهم حرية قضائية خاصة بهم؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]، (وكذلك اليهود، وسائر أهل الذمة، ومنه ينتج أن لا تماس بين الحقوق الإسلامية والحقوق الأجنبية فلا يوجد بينهما فعل ورد فعل، ذلك لأن هذا الحكم الذي فرضه القرآن لم يبق قولًا بلا عمل، بل نراه قد طبق بحذافيره في عهد

стр. 389

الرسول ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم من ملوك الإسلام، وكان لكل ملة من ملل أهل الذمة (مسيحية كانت أو يهودية أو مجوسية أو أي ملة أخرى) نظام حقوقي وقضائي خاص بها. . . والحالات التي راجع فيها غير المسلمين المحاكم الإسلامية ورجحوها على محكمتهم الخاصة كانت نادرة، وكان الواجب فيها أن يرضى الفريقان الحضور أمام القاضي المسلم -سواء لأنهما من ملتين مختلفتين: واحد نصراني وآخر يهودي مثلًا، أو من نفس الملة ولكن لم يرضيا بقاضي ملّتهم لسبب من الأسباب، وفي هذه الحالة كانت المحكمة الإسلامية تطبق [القانون] الإسلامي، فلم يكن كذلك تماس بين أنظمة القانون المختلفة. . .) (١). الدعوى الرابعة: دعوى التأثر بأعراف العرب وتقاليدهم قبل الإسلام: لهذه الدعوى شقان رئيسيان: الأول: كون العرب في تقاليدهم وعاداتهم قد تأثروا بالأمم المجاورة لهم، بل يزعم بعض المستشرقين أنه كان للعرب قبل الإسلام قانون (راق إلى حد يعتد به) (٢)، ومن المحتمل أن هذا القانون مقتبس أو متأثر بالقانون الروماني، أو القانون الساساني. الثاني: اعتماد الإسلام في شريعته على قانون العرب باعتبار (أن الإسلام أقر بعض نظم الجاهلية) (٣).

стр. 390

أما الشق الأول لهذه الدعوى فهو باطل ومردود حتى لدى بعض المستشرقين لأسباب عدة تجمل في الآتي: ١ - (تفشي الأمية في العرب وجهلهم باللغات الأجنبية) (١)، وعلى الرغم من عنايتهم باللغة والشعر والأدب والسير والتاريخ، وكذلك احتكامهم إلى العادات والأعراف القبلية في تنظيم معاملاتهم إلا أنهم لم ينقلوا عن الروم بخاصة شيئًا من القوانين (٢)، ولا يوجد -كما ذكر المستشرق (نالينو)؛ (أي دليل على تسرب التشريعات الرومانية إلى الشريعة الإسلامية بواسطة العرب في الجاهلية) (٣)، كما أورد (نالينو) شهادة (تيودوريتو) (٤) إذ قال: (إنه توجد أقوام في أقصى حدود الإمبراطورية الرومية رغم أنهم خاضعون لحكم الروميين، فإن القانون الرومي لا يطبق عليهم. يصرح (يتودوريتو) أن منهم القبائل الإسماعيلية الكثيرة العدد) (٥). والشاهد من هذا أنه إذا كانت بعض القبائل في أطراف الجزيرة العربية مع أنها خضعت للإمبراطورية الرومية لم تعرف القانون الروماني ولم تخضع لأحكامه، فمن باب أولى عرب الحجاز الذين لم يخضعوا لأي سلطة أجنبية، ولم يتأثروا بحضارات الأمم المجاورة لهم، وهذا ما حفظه لهم التاريخ (٦).

стр. 391

٢ - وإذا كان القول السابق ينفي تسرب القانون الروماني إلى عادات العرب وأعرافهم، ومن ثم استحالة تسربه عن طريق العرب في الجاهلية إلى الشريعة الإسلامية؛ فإن تأثر العرب بالقانون الساساني ليس إلا كما قال (نالينو): (ظن يسير ادعاؤه عسير إثباته) (١). وهذا القانون طواه التاريخ وأصبح في حكم النسيان وإلى ذلك يشير (فتزجيرالد) في رده على (جولدزيهر) إذ قال: (وكذلك فإن مصدرًا ممكنًا آخر للقانون الإسلامي الذي يشير إليه (جولدزيهر) أيضًا في سياق مختلف، فإنه يتكلم عنه في صدد العادات والعبادات الدينية (لا القانونية) ولكن لا نعرف عن هذا المصدر إلا النزر اليسير، ألا وهو النظام القانوني للإمبراطورية الساسانية) (٢). أما الشق الثاني من هذه الدعوى وهو إقرار الإسلام لبعض عادات الجاهلية وأعرافها، وهو ما عبَّر عنه (كولسون) بالعرف السائد في مجتمع العرب قبل الإسلام، وأن الرسول ﷺ عمد إليه فعدل فيه وغير دون أن يلغيه بل أبقى على قواعده (٣). والصحيح عند التحقيق (أن قرار الرسول ﷺ لهذا العرف أو ذاك لم يكن مبينًا على أساس التأثر بما أقر، أو على أساس الأخذ بعرفٍ سائد بدافع التقليد، بل على أساس أنَّ ذلك هو حكم الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها، فضلًا عن أخذه ﷺ بهذا العرف أو ذاك إنما كان بإلهام سابق أو إقرار لاحق من اللَّه ؛ ولهذا كان ﷺ يقر بعض الأعراف لصلاحه؛ (كالمضاربة والبيوع والإجارات الخالية من المفاسد والقسامة وجعل الدية

стр. 392

في القتل الخطأ على عاقلة الجاني. . وغير ذلك)، ويلغي كثيرًا من الأعراف السائدة لفساده، "كالتبني والربا وشرب الخمر وحرمان الصغير والنساء من الميراث. . وغير ذلك". ثم إنه يمكن القول إضافة إلى ما سبق: إن أكثر ما أقره الرسول ﷺ من الأعراف، لم يكن يقره على حاله، وإنما عدله وشذب منه وأضاف إليه وحدد له الحدود الشرعية، فوضع -على سبيل المثال- للمضاربة شروطًا، وللوصية حدودًا، وللطلاق وتعدد الزوجات قيودًا وضوابط) (١). وعلى هذا فإن مقولة (كولسون) -آنفة الذكر- لكي تتفق مع حقائق الأمور ينبغي أن تعكس لتصير: والذي أبقاه الرسول ﷺ من العرف السائد عند العرب قبل الإسلام لم يبقه على عواهنه، وإنما عدل فيه وغير حتى أعاده لما كان عليه من الحق والفطرة السليمة؛ لأن العرب كانوا (في أول أمرهم على دين إسماعيل [﵇]، المبني على التوحيد والتقوى، المشتمل على شريعة قائمة على أساس العدل والإنصاف، وهم لم يتحولوا إلى الشرك إلا بعد طول العهد وتقادم الزمن، ولم يبتعدوا عن أحكام تلك الشريعة إلا بعد توالي الحقب وتصرم الأزمان، وابتعادهم هذا لا يعني أنهم ضيعوا كل أحكام شريعة سيدنا إسماعيل [﵇]، وفقدوا كل جزئياتها وقواعدها؛ لذلك من المعقول جدًا أن ما أقره الرسول ﷺ من الأعراف هو من بقايا شريعة إسماعيل [﵇]، التي توارثها العرب، ويكون هذا الإلهام نتيجة إلهام اللَّه له بأن مثل هذه الأحكام هو من أحكام شريعته كما كان من أحكام شريعة إسماعيل [﵇]، إذ من المعلوم أن بعض أحكام الشرائع السماوية تتفق كل الاتفاق فيما بينها؛ لأنها من الأحكام التي لها طابع الدوام والثبات والصلاح لكل وقت وزمان) (٢).

стр. 393

وفي ختام هذا المطلب ألمح إلى بعض الاستنتاجات في الآتي: ١ - إن مقولة أن الشريعة الإسلامية أو فقهها قد تأثرت بمصادر أجنبية سواء القانون الروماني أو التلمود اليهودي أو القوانين الكنسية أو غيرها، أو أنها امتداد للعرف السائد عند العرب قبل الإسلام، تقوم على الخلط بين جانب من الشريعة الإسلامية وجانب آخر، تخلط بين الشريعة الإسلامية من حيث كونها منبثقة من الوحي ومصدرها الكتاب والسنة، وأنها قد اكتملت في حياة الرسول ﷺ في مبادئها الأساسية وأحكامها العامة وسار عليها سلف الأمة الصالح، وبين بعض مسائل الاجتهاد وما انبثق عنه من ثروة فقهية قام بها فقهاء الأمة سواء في بعض القضايا المستجدة أو تطبيق أحكام الشريعة على الوقائع والحوادث التي تجري في حياة المسلمين. ٢ - إن الشريعة الإسلامية من حيث مصدرها ومن حيث واقعها متميزة عن غيرها، (ويدل كل ما فيها على أنها قائمة بذاتها غير مستمدة من غيرها ولا متأثرة به) (١)، وهذا ما وصل إليه نفر من المستشرقين جاء الاستدلال بأقوالهم فيما سلف. ٣ - ظاهرة الاقتباس والتأثر والتأثير واضحة في تاريخ القانون الروماني والتلمود اليهودي والقوانين الكنسية وكلها عرضة للتغيير والتبديل والإلغاء. . أما الشريعة الإسلامية فإنها اختصت بصفات الثبات والاستمرار في جانب من أحكامها، واتسمت بالمرونة ومواكبة التطورات في جانب

стр. 394

آخر مما أهلها للإحاطة بقضايا الإنسان وشمول أحكامها لمستجدات الزمان والمكان. وفي هذا الصدد عاب المستشرق المجري (فيري) على بعض الدول العربية والإسلامية إدخال القوانين الوضعية في بلدانهم وإحلالها محل الشريعة؛ إذ قال: (إن فقهكم الإسلامي واسع جدًا إلى درجة أنني أعجب كلما فكرت في أنكم لم تستنبطوا من الأنظمة والأحكام الموافقة لبلادكم وزمانكم) (١). وقال آخر: (إن النظام القانوني الإسلامي حيّ ومتفاعل ومطبق في المجتمعات الإسلامية وقائم في ضمائر أفرادها، وينبغي أن يعتمد عليه في تشكيل النظم القانونية في البلاد الإسلامية، لتأتي هذه النظم معبرة عن روح البلاد التي تطبقها) (٢). ٤ - أثبت بعض الدارسين في تاريخ القوانين أن القانون الغربي هو الذي تأثر بالفقه الإسلامي، وأفاد منه في خلال الاحتكاك الحضاري في الأندلس ومن منافذ أخرى، أما ما حدث في الأندلس فورد في بعض المصادر (أنَّ طلبة العلم من الإفرنج الذين كانوا يسافرون إلى غرناطة لطلب العلم اهتموا كثيرًا بنقل فقه الإسلام إلى لغتهم لعلهم يستعملونه في بلادهم لرداءة ما فيها من الأحكام خصوصًا في المئة الرابعة والخامسة من الهجرة، ومن الثابت أن كثيرًا منهم قد برعوا في اللغة العربية، ومنهم

стр. 395

(هوبرت) و (ألبرت)، اللذان طلبا مساعدة علماء المسلمين بغية التمكن من استيعاب هذه الأحكام، وقد ساعدوهم حتى دونوا الفقه كاملًا ثم حوروه إلى ما يوافق بلادهم) (١). ويذكر سعيد مراد الغزي بأن طلبة العلم أولئك (اتفق رأيهم على. . . عدم غزو المأخوذ عن الشرائع الإسلامية لمنبعه الأصلي خوفًا من نفرة العامة من المسيحيين الذين كانوا بواسطة رؤساء الدين ينفرون من كل شيء مصدره الإسلام مهما كان حسنًا ونافعًا، فاتفقوا على إهمال مصدر ما يأخذونه عن الشريعة الإسلامية من تلك الحقوق (الشرائع الرومانية) أو (القانون المدني) بل لقد عزوا ذلك إلى اجتهادات علماء الحقوق منهم بنتيجة البحث والدرس) (٢). * * *

стр. 396

الأخوة ووحدة الأمة الإسلامية • تمهيد • تعريف الأخوة في اللغة والاصطلاح. • منهج الإسلام في تقرير الأخوة، ووحدة الأمة. • أثر الأخوة في تميز الأمة الإسلامية، ووحدتها. • موقف المستشرقين من الأخوة ووحدة الأمة.

стр. 397

تمهيد تبين من خلال البحث في العقيدة والشريعة- أن تميز الأمة الإسلامية يقوم على عقيدة راسخة حقة يتسع نطاقها لتشمل كل من قال: (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه)، كما قال أنس بن مالك ﵁: "من شهد أن لا إله إلا اللَّه واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" فهذه العقيدة تصبغ الأمة بصبغتها المتميزة ولا تحجبها عن أحد أراد الانتماء إليها والدخول فيها، ويقوم -أيضًا- على شريعة تربط تلك الأمة بمنظومة من القيم والنظم، تنبثق من تلك العقيدة. ومن هذا المرتكز فإن تميُّز الأمة الإسلامية يقوم على أخوة توجبها عقيدة الإسلام وشريعته، وتربط أواصر العلاقات الاجتماعية بقيم الحق والود والتراحم والتعاون، فإِنَّ هذه الأخوة لا تركز على وشائج الدم والنسب ودواعي الحسب والجاه، أو مؤثرات التاريخ واللغة أو دوافع العنصر والبيئة أو اللون، أو ما عدا ذلك من الأعراض والأوصاف المادية، التي إن دارت حولها العلاقة أو ارتبطت بها ظهرت بمظهر العنصرية الزائفة، أما في الإسلام فهي أخوة إيجابية، أخوة في اللَّه، حبًا فيه وبغضًا من أجله ولاءً وبراء، ثم لكل رابط من الروابط الأخرى ما يناسبه من البر والإحسان أو العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].

стр. 398

تعريف الأخوة في اللغة والاصطلاح أ- الأخوة لغة: تطلق الأخوة ويراد بها النسب القريب، ويسمى الواحد (الأخ)، والاثنان (أخوان) والجمع (إخوان) و (إخوة) (١)، وفي اللغة تفصيلات كثيرة في أصل الكلمة وتصريفها. . .، وما يهم البحث منها هو: أنها تطلق على معان عدة منها ما ذكرآنفًا (٢). ومنها: النسب البعيد الذي يراد به الأخوة في الأصل الأول إلى أبي البشر ﵇ (٣)، أو النسب إلى قوم كقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] قال بعض اللغويين: (آخاهم لأنه من قومهم) (٤). ومنها: الصديق والصاحب، ومنها آصرة الدين كقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، ومنها آصرة العمل، أو الاتفاق في صفة خير أو شر، فيقال: إخوان العمل وإخوان العزاء، وأخو كربة، أي: صاحب كربة (٥).

стр. 399

كما تطلق ويراد بها وحدة القصد، قال بعض النحويين: (سمي الأخ أخًا؛ لأن قصده قصد أخيه) (١)، ويقال: (وآخى الرجل مؤاخاة وإخاء ووخاء) (٢)، ويقال: (ولقد تآخيت وآخيت. . . وتآخيت أخًا، أي: اتخذت أخًا) (٣). ومما ورد في اللغة من مادة الأخوة، ولها دلالة تفيد سياق البحث: (الأخية والآخية، واحدة الأواخي: عود يعرض في الحائط ويدفن طرفاه فيه ويصير وسطه كالعروة تشد إليه الدابة) (٤)، وقيل: (حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه فيشد به) (٥). وخلاصة ذلك أن للأخوة في اللغة معان عدة من أهمها: النسب القريب، النسب البعيد، الصداقة والصحبة والملازمة، آصرة الدين، آصرة العمل، الاشتراك في صفة من الصفات حسنة كانت أم سيئة، الاشتراك في القصد. وتدل بعض الألفاظ التي تشترك معها في الاشتقاق على معنى الآصرة أو الركيزة أو الرابط القوي الذي يشد إليه.

стр. 400

ب- تعريف الأخوة اصطلاحًا: عرفها الراغب الأصفهاني بقوله: (الأصل أخو، وهو المشارك آخر في الولادة من طرفين، أو أحدهما أو من الرضاع، ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودة، وفي غير ذلك من المناسبات) (١). أما المقصود بالأخوة هنا فهي: (الأخوة الإيمانية التي تربط فيما بين أصحاب العقيدة الإسلامية) (٢)، بما تقتضيه من التناصر والتراحم والتكافل، والتعاون والمناصحة، (التي لا تقاربها رابطة معها كانت وشائج القربى متينة) (٣). (ولقد اختير وصف الأخوة دون الأبوة أو النبوة؛ لأنها جامعة تماثل، في الاعتقاد والتفكير والعمل، فشابهت تماثل الأخوين؛ لأن الأخوة يلزمها التماثل) (٤). كذلك لما تتسم به الأخوة من الشعور بالارتياح وعدم التكلف بخلاف الأبوة والنبوة، فإن لكل منهما مشاعر تتسم بنوع من المهابة والإجلال والتوقير والطاعة من الابن لأبيه، واستمداد الأب الطاعة والبر والإحسان

стр. 401

من ابنه، وتتسم الأخوة أيضًا بأنها تجمع أواصر كثيرة منها: التماثل في الطباع والإلفة والصحبة والمحبة (١). * * *

стр. 402

منهج الإسلام في تقرير الأخوة، ووحدة الأمة انتهج الإسلام في تقرير الأخوة وبنائها منهجًا تربويًا فريدًا، ينطلق من عقيدة التوحيد الصحيحة الأصلية، ما يندرج تحتها من مبادئ وقيم تضبط الفكر ورؤية الكون والحياة. . .، في ضوء العبودية الخالصة للَّه وما ينجم عنها من آثار إيجابية تنعكس على سلوك الفرد، وسلامة الأمة، إلى جانب نظم الإسلام الشرعية وأخلاقياته السامية التي عنت بالأخوة ووحدة الأمة غاية العناية، أمرًا بها، وحثًا عليها، وحرصًا على كل ما يجعلها راسخة في سلوك الفرد، وبناء الأمة، ومن جانب آخر النهي عن كل ما يمسها، أو يصدع بنيانها، أو يضعف تأثيرها من الاعتداد بالروابط المنافية لها، أو المواقف التي تجافيها والأخلاق التي تصادمها. . .، وتفصيل ذلك في الآتي: أولًا: جعل العقيدة آصرة تلك الأخوة دون غيرها من الأواصر الأخرى، كآصرة النسب أو القبيلة أو اللغة أو التاريخ أو المناهج المتنوعة، والمصالح المختلفة، مع أن الإسلام لم ينكر تلك الأواصر أو يلغها ما دامت في المسلك الفطري السليم، من حيث صلة الرحم، وحقوق القرابة والجوار ونحو ذلك، وإذا كان قد ركز على آصرة العقيدة، والرابطة القائمة على أساسها فهو إنما ميزة هذه (الأخوة الإيمانية عن غيرها ورفع من شأنها؛ لأنها أخوة مستمدة من عناصر روحية لا تدانيها في التقارب أي علاقة أخرى) (١)، أما لو اجتمعت الآصرتان معًا فإن ذلك أبعد أثرًا وأعمق في التقارب؛ والإسلام يقر ذلك ولا ينكره، ولعل في سؤال

стр. 403

نبي اللَّه موسى ﵇ ربه أن يشد عضده بأخيه هارون ﵇ ما يؤكد هذا (١)، بل إن الإسلام حينما أطلق على رابطة العقيدة مسمى الأخوة إنما فعل ذلك إقرارًا بمكانتها الغريزية، وما تقتضيه من العصبية والحمية من الأخ لأخيه في الدم والنسب (٢)، ولكنه أراد أن تكون تلك الرابطة مشدودة بعقيدة الإسلام وشريعته في المقام الأول، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، (وأخوة الإيمان أوثق روابط النفوس، وأمتن عرا القلوب، وأسمى صلات العقول والأرواح) (٣)؛ لأنها ترتكز على عقيدة التوحيد الخالص للَّه، (ووحدة العقيدة هي ملاك ذلك كله؛ لأنها هي التي تزود القلوب برصيد الحب الخالص، وروح الأخوة الصادقة، وتسل من النفوس ما يعلق بها من أوضار الحقد، وتطهرها من شوائب التنافر، وتصوغ الإنسانية صياغة فريدة، قوامها التناصح والتآزر، وجوهرها الإخلاص والوفاء، بحيث يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، ويسعى لخيره وما يصلح شأنه، سعيه لذاته وصلاح أمره) (٤). أما إذا ارتكزت الأخوة على عصبية النسب، وحمية الجاهلية جنسية كانت أو إقليمية فإنها تكون (وليدة نزعات خاصة لا تعرف غير الجنس أو الإقليم، ولا تمت في أكثر أحوالها إلى القلب، ولا إلى الصالح العام،

стр. 404

وبها يذوي الضمير العالمي، وينكمش الروح الإنساني، وينسى الرحم العام، الذي يقضي بالتعاون العام، والسلام العام، ويقضي بالحدب الشديد على المصالح العامة، ثم تجعل من أفراد الإنسان أو جماعاته حيوانات غابية مفترسة، تفتك قويها بضعيفها، ويأكل كبيرها صغيرها) (١). إن تميز الأمة الإسلامية يقوم على مبدأ الأخوة ووحدة الأمة الذي أعلنه رسول الهدى ﷺ بقوله: "أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم، ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى" (٢). قال أبو الحسن الندوي: (هذا الإعلان يتضمن إعلانين، هما الدعامتان اللتان يقوم عليهما الأمن والسلام، وعليهما قام السلام في كل مكان وزمان، هما وحدة الربوبية والوحدة البشرية، فالإنسان أخو الإنسان من جهتين، والإنسان أخو الإنسان مرتين: مرة، وهي أساس؛ لأن الرب واحد، ومرة ثانية لأن الأب واحد، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقال جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

стр. 405

[الحجرات: ١٣] ويقول الرسول ﷺ : "إن اللَّه قد أذهب عنكم عُبِّيَةَ الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: برٌّ تقي كريم على اللَّه، وفاجر شقي هين على اللَّه، والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من تراب" (١)؛ لذلك كان الدين الإسلامي حقًا مشاعًا وثروة مشتركة لجميع الأمم والشعوب والعناصر والأجناس، والأسر والبيوت والبلاد والأوطان، ليس فيه احتكار مثل احتكار بني لاوي من اليهود، أو البراهمة من الهنود، لا يتميز فيها شعب عن شعب، ولا نسل عن نسل، وليس الاعتماد فيها على العرق والدم، بل الاعتماد فيها على الحرص والشوق، وحسن التلقي وزيادة التقدير والتفوق في الجهاد والاجتهاد) (٢). إن هذه الرابطة التي قررها الإسلام وأعلنها رسول اللَّه ﷺ مشدودة بالعقيدة والإيمان؛ ولذلك فإن من لوازمها الولاء للَّه وللرسول وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فالمسلم مطالب (بأن يكون ولاؤه القلبي والعملي لإخوانه في الدين) (٣)، ومقتضى ذلك الحب في اللَّه، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]، قال ابن مسعود ﵁: (نزلت هذه الآية في المتحابين في اللَّه) (٤)، وقال الرسول ﷺ : "ثلاث من كن فيه

стр. 406

وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يقذف في النار" (١)، ومن لوازم مبدأ الأخوة في الإسلام من جانب آخر مما تقتضيه العقيدة ويوجبه الإيمان البغض من أجل اللَّه والبراء من أعدائه وأعداء رسوله وأعداء المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، قال بعض المفسرين: (لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنًا باللَّه واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملًا على مقتضى إيمانه ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه، وهذا هو الإيمان على الحقيقة الذي وجدت ثمرته) (٢). والآيات والأحاديث مستفيضة في هذا المضمار تؤكد الحب في اللَّه ولوازمه والبغض في اللَّه ولوازمه ومقتضياته، وكلها يدور حول وحدة العقيدة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣] وقوله تعالى في النهي عن موالاة اليهود والنصارى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]، فكل هذه الآيات

стр. 407

وما جاء على نحو منها من الأحاديث والآيات الأخرى تبني شخصية الأمة المسلمة بناء متميزًا تجعل الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة من مقوماته، وتأمر بالترابط والتماسك والالتفاف حول عقيدة التوحيد الخالص للَّه، وتنهى عن التفرق والاختلاف والذوبان في شخصيات الآخرين، وبلغ ذلك أن نهى اللَّه عن اتخاذ البطانة من دون المؤمنين قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، (فوضح لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم لا يألونكم خبالًا: أي هم حريصون غير مقصرين، في إيصال الضرر بكم. . .) (١). ومع هذا التحذير وإظهار الشخصية المتميزة فإن اللَّه جعل من خصائصها أيضًا الانفتاح على الآخرين والإيجابية في التعامل وتبادل البر، لا أن تكون شخصية منغلقة متعصبة، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، لذلك أنه لما (نزلت. . . الآيات الكريمات المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى اللَّه عنه، فأخبرهم اللَّه أن ذلك لا يدخل في المحرم. . .) (٢)، وإنما (نهاكم اللَّه أن تولوهم بالنصرة والمودة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم

стр. 408

الذي ليس بتولٍّ للمشركين، فلم ينهكم اللَّه عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم، من الآدميين وغيرهم) (١). ثانيًا: ومما انتهجه الإسلام في تحقيق الأخوة وبناء وحدة الأمة ما أوجبه على عباده من عبادات يؤدونها في جماعة، وأخلاق يتعاملون بها في علاقاتهم الخاصة والعامة، ومقتضيات تفضي إليها الأخوة من التناصر، والتراحم، والتعاون والمناصحة. أما العبادات فإن الإسلام حث على صلاة الجماعة، وفيها يلتقي المؤمنون المجاورون لكل مسجد في مسجدهم خمس مرات لأداء الفروض الخمسة من الفجر إلى العشاء، ويجمعهم لقاء أكبر يتم في كل أسبوع مرة لأداء صلاة الجمعة والاستماع لخطبتيها، ثم يجتمعون في عيد الفطر وفي عيد الأضحى، ويجتمعون لصلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف وصلاة الكسوف ونحو ذلك. وفي هذه اللقاءات التي تتكرر يوميًا وأسبوعيًا وفي العيدين ونحوها مما أشير إليه تتجلى الأخوة ووحدة الأمة في أسمى معانيها، حيث تتضح الغاية من تلك الاجتماعات وهي عبادة اللَّه والخضوع له والتذلل بين يديه يلتقي من أجلها المؤمنون في بيت من بيوت اللَّه يتقدمهم إمام يأتمون به، رمزًا لوحدة لغاية ووحدة الهدف، ويصطفون من خلفه في نسق ونظام متجهين لرب واحد، وقبلة واحدة، وعلى منهج واحد (٢)، اتباعًا لنبيهم

стр. 409

محمد ﷺ إمام الأمة وقدوتها الذي قال: "وصلوا كما رأيتموني أصلي" (١) والذي حث على صلاة الجماعة وقال بشأنها: "تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمسة وعشرين جزءًا. . . " (٢). ولا يتسع المقام هنا لاستقصاء ما ورد من الحث على تلك اللقاءات، ولا ما تنطوي عليه من الفوائد والحكم التي تتميز بها الأمة الإسلامية على سائر الأمم الأخرى، والتي تعد -في الحقيقة- من نعم اللَّه على هذه الأمة وعلى نبينا محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، وكما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ويكفي أن ينوه هنا بما يتصل بالأخوة وما تعكسه تلك اللقاءات من وحدة في القول والعمل والقصد والنية، وما ينجم عن هذه اللقاءات من تعارف وتآلف في ظل طهر الضمير ونقاء السريرة وغذاء النفس الذي تصقله العبادة بما فيها من دعاء وذكر وغذاء روحي يرتوي منه المؤمنون في تلك اللقاءات إذا هم أدوها على الوجه الشرعي الصحيح (٣). فالصلاة أولًا تنهى عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا

стр. 410

تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، والصلاة وسائر العبادات في الإسلام تصقل نفوس المسلمين، وتحقق فيهم معنى الأخوة والوحدة في أجمل صورة؛ لأنها تشد (آصرة الأخوة في الدين في تفاعلها العميق مع وجدان المؤمن على هدى وبصيرة ومحبة وتعاون، ومشاركة في المثل العليا، فإذا الكثرة المتفرقة وحدة مجتمعة، وإذا النفوس في ألقها وصفائها كالمرايا المتقابلة، تنعكس صور بعضها في بعض وتذوب الفوارق مهما عظمت) (١)، فيظهر المسلمون صفًا واحدًا لا فرق بين غني وفقير، ولا رئيس ومرؤوس، ولا سيد وعبد، ولا صغير ولا كبير، الكل سواسية كأسنان المشط تجمعهم الطاعة والإيمان والانقياد للَّه، ثم إن لهذه الأخوة والوحدة في الدين والعبادة امتدادًا في الاهتمام بالشؤون الخاصة، فعلى سبيل المثال حينما يندُّ عن هذا النسق بعض المسلمين، فإن الأخوة الإسلامية توجب عليهم التساؤل عن سبب ذلك والتعامل مع كل حالة بما يناسبها من الحقوق والواجبات (٢). وعلى هذا فإن الاجتماع للصلوات والشعائر الإسلامية الأخرى كالعيدين وغيرهما وكذلك صوم رمضان وحج بيت اللَّه الحرام وما يلازمهما من مبادئ وقيم وتعاليم، إن ذلك كله يحقق معنى الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وآفاقها الكبرى التي تتجلى في صور كثيرة تؤكد كلها تميُّز الأمة الإسلامية. وأما الأخلاق التي أوجبها الإسلام على أمته أو حث عليها أو ندب

стр. 411

إليها فإنها من الكثرة بمكان منها ما دعا الإسلام إلى التحلي به كالصدق والأمانة والعدالة والرحمة والصبر، ومنها ما نهى عنه وحذر منه مثل الحسد والحقد والغل والغضب ونحو ذلك. فأما الصدق فقد أوجب الإسلام على كل مسلم أن يتحلى بهذه الصفة في اعتقاه، وفي قوله وفي فعله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وقال الرسول ﷺ : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر" (١)، والبر في الإسلام يتناول (كافة وجوه الخير التي يمكن أن يقوم بها إنسان بدءًا من المعتقدات والمعاملات بين الناس ونهاية بالواجبات والأخلاقيات الدينية والدنيوية وما يتصل بحياة الإنسان في أسرته وعشيرته وقومه وفي المجتمع الدولي) (٢)، ويتبين من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]: أن مفهوم البر يربط بين العقيدة والشريعة في الإسلام ويربطهما بالأخلاق (حين يمتزج كمال العقيدة بكمال الأخلاق ويرتبط القول بالعمل، ويتصل الشكل بالمضمون ويتزاوج المعنى بالمبنى ليصبح

стр. 412

البر واجبًا معلومًا، وعمل الخير فريضة مقدسة، تستوي عندها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود والصبر عند الشدائد كأنها محطات التقاء بين الواجبات والأخلاقيات تصبح الأخلاقيات معها كالواجبات سواء بسواء) (١)، وهنا تأتي حقيقة الصدق ومنزلته حيث ختمت هذه الآية العظيمة بقول الحق ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، (أي: المتصفون بما ذكر، من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان، وحقيقة الإنسانية، فأولئك الذي صدقوا في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدقت إيمانهم) (٢)، فإذا اتصف أفراد المسلمين بصفة الصدق على هذا النحو، وبهذا المفهوم الشامل فإنَّ أخوَّة الإسلام ووحدة أمته ستقوم على أساس متين يسهم في قوتها مع غيره من الأسس الأخلاقية الأخرى. أمَّا الأمانة فإنها كذلك من الأسس الأخلاقية المهمة في بناء الأخوَّة الإسلامية ووحدة الأمَّة، والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة تتضافر في الأمر بها والنهي عما يقابلها كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. . .﴾ [النساء: ٨٥] وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقال الرسول ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له"، من حديث أنس ﵁ قال: ما خطبنا نبي اللَّه ﷺ إلا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (٣)، ويتسع مفهوم

стр. 413

الأمانة ليشمل ما دعا إليه قول اللَّه : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. جاء في تفسيرها بأنها: (امتثال الأوامر، واجتناب المحارم في حال السر والخفية كحال العلانية. . .) (١)، وأن اللَّه : (عرضها على المخلوقات العظيمة. . . عرض تخيير لا تحتيم، وإنك إن قمت بها وأديتها، على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها ولم تؤديها فعليك العقاب، "فأبين أن يحملنها وأشفقن منها". . . خوفًا أن لا يقمن بما حملن لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها على الإنسان على ذلك الشرط المذكور، فقبلها وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل، فانقسم الناس -بحسب قيامهم بها وعدمه- إلى ثلاثة أقسام: مثافقون قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون تركوها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمنون قائمون بها ظاهرًا وباطنًا) (٢). وعلى هذا فالأمانة هي (باختصار الأخلاق؛ لأن الأخلاق في مجملها الصدق في الأقوال كلها والعمل الصالح في السلوك كلَّه) (٣)، ولذلك قال الرسول ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" (٤)، ويدخل في الأمانة أداء

стр. 414

ما أوجبه اللَّه على الإنسان من حقوق اللَّه تعالى، وحقوق لعباده، وحقوق لنفس الإنسان ذاته، وما ينبغي التوجيه إليه والتأكيد عليه هنا من معنى الأمانة هو تعامل الفرد المسلم مع أخيه، ثم تعامل الأمة بعضها مع بعضها الآخر ومع غيرها من المجتمعات البشرية والأمم الأخرى، والضابط في ذلك هو؛ أن يتعامل الإنسان مع غيره بمثل ما يحب أن يعاملوه به من النصح والصدق والإخلاص والوفاء في شتى ميادين الحياة ومجالات التعامل الإنساني إلا أن هناك فرقًا يتميز به المسلم وتتميز به الأمة الإسلامية في التعامل مع الآخرين وهو أن الإسلام ينهى عن خيانة الذين يخوننا، أي: أن اقتراف جريمة الخيانة من قبل الآخرين لا يسوغ لنا خيانتهم، فالخيانة ليست من الاعتداءات التي تقابل بالمثل) (١). وعن هذا المعنى قال الرسول ﷺ : "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (٢)، وهذا مما امتازت به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، فإن اليهود على سبيل المثال كانوا يقولون: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] (أي: لا حرج عليهم في خيانة العرب، ولكن الرسول ﷺ

стр. 415

كذبهم وقال: "كذب أعداء اللَّه، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلَّا الأمانة فإنها مؤداة للبر والفاجر" (١) (٢). وعلى هذا فإن الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة ترتكز على أساس متين آخر هو الأمانة بهذا المفهوم الإيجابي الخير كفضيلة من الفضائل الأخلاقية المهمة لقيام حياة الأمة بعامة والناحيتين الاجتماعية والاقتصادية بخاصة (٣). وأما العدالة فقد حرص الإسلام على تحقيقها بين أفراد الأمة على نمط (يقوم على الموازنة بين الحقوق والواجبات، والفطرة والجهد، وما إلى ذلك من عناصر الموازنة التي يرتب الشارع عليها حكمه العادل ومساواته المحسوبة، وليست المراسلة إرسالًا يعتمد على ظواهر الأشياء) (٤). وهناك معنى آخر للعدل والعدالة تنطلق من ذات الفرد المسلم ومن ذاتية الأمة الإسلامية، وهو (أن يأخذ المرء ويدع طبقًا لمبادئ الإسلام) (٥)، وعند

стр. 416

ذلك يحقق المسلم العدل في ذاته ويتخلق به في تعامله مع إخوانه فتقوم الأخوة الإسلامية، ووحدة الأمة على أساس من العدل في الأخذ والعطاء وتحديد المواقف، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، قال بعض المفسرين في تفسيرها: (كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق اللَّه، وحقوق عباده، فالقسط في حقوق اللَّه أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته، والقسط في حقوق الآدميين أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك، فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأخلاق والمكافأة، وغير ذلك، ومن أعظم أنواع القسط، القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين، أو أحد المتنازعين، لانتسابه أو ميله لأحدهما بل يجعل وجهته العدل بينهما، ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب، بل على النفس) (١). وأما الرحمة فهي (أثر من آثار الإيمان، يبعثها الطمع في رحمة اللَّه -وهي تعد فضيلة من فضائل الإنسان- وتدفع إليها العواطف النبيلة والإحساس الإنساني الشريف، وقد وصف اللَّه بها نفسه، وتفضل بها على خلقه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، واللَّه يحب من عباده أن يكونوا رحماء فيما

стр. 417

بينهم، فيعطف كبيرهم على صغيرهم، ويوقر صغيرهم كبيرهم، يواسي غنيهم فقيرهم، ويعين قويهم ضعيفهم، ويرشد عالمهم جاهلهم، ويهدي حكيمهم سفيههم، ويرى المحكوم رحمة الحاكم به، كما يرى الأبناء رحمة الآباء، والتلاميذ رحمة المعلمين، والمرضى رحمة الأطباء، أولئك هم الذين يرحمهم اللَّه، ويعطف عليهم، ويسعدهم بحسن لقائه، وينجيهم من فتنة الحياة والممات "الراحمون يرحمهم الرحمن" (١)، وكما أوجب اللَّه على الإنسان أن يرحم أخاه الإنسان أوجب عليه أن يرحم الحيوان (٢)، فالرحمة تشمل في قلب المؤمن سائر خلق اللَّه من حيوان وطير ونحوها إلا الفواسق (٣). وقد وردت أقوال كثيرة للرسول ﷺ إلى جانب ما ورد في القرآن الكريم كلها تحث على الرحمة، وتبين أهميتها، وأنها من أجل نعم اللَّه،

стр. 418

قال الرسول ﷺ : "جعل اللَّه الرحمة في مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (١)، ومن لطف اللَّه وكرمه أن رحمته سبقت غضبه كما في الحديث: "إن اللَّه كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: أن رحمتي سبقت غضبي" (٢)، ولذلك ورد أيضًا في الحديث الشريف: "لو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قنط من جنته أحدٌ" (٣)، وقد بين اللَّه أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه يختص بها من يشاء، وأنه سيكتبها لعباده المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]، ولئن كانت الرحمة بهذا الشمول والعمق والتأثير فإن ما يتعلق منها بالأخوة الإسلامية يتمثل في ذلك القلب النابض بالحب والرأفة والحدب على غيره الذي يكتنفه كل مسلم. ومن هنا تكون لَبِناتُ الأمة الإسلامية سليمة الطوية مرهفة الحس تتعاطف وتتألف وقدوتها في ذلك، وفي كل خلق كريم سيد الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ فقد (كان رحيمًا في كل المواطن، وكانت عيناه تفيضان بالدموع عندما يفيض قلبه بالرحمة، وقد يسمع صوت بكائه ﵊، ولم يفقد الرحمة حتى في المواقف التي يضطهد فيها، يضيق

стр. 419

عليه أهل مكة الخناق هو وأصحابه، بل يؤذونه ويعذبون أصحابه فيقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١)، وفي يوم الفتح صنع بمن حاربه السنين الطويلة ووقف في وجه الدعوة وقتل أصحابه فعل بهم كما فعل يوسف بإخوته عندما قال: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]. وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٢)، وكانت رحمته ﷺ تسع جميع الناس، ويحس بها كل الناس الضعفاء والأقوياء على حد سواء (٣)، وعندما طلب منه أن يدعو على المشركين قال: "إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" (٤). وبهذه الرحمة وما تفعله من آثار وما تتصل به من صفات الجلال والكمال أنشأ الرسول ﷺ الأمة الإسلامية، (فالرحمة مبادرة إنسانية. . . توطد مشاعر الإخاء الإنساني. . . وهي التعبير الخلقي العملي عن تعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان حين يواجه المرض أو الألم أو حين يقع في

стр. 420

المآزق والملمات. . والإنسان الرحيم يبادر إلى هذا وذاك تحدده الرغبة في كشف العذاب عنه أو تخفيفه عن كاهله) (١). وقد تقتضي الرحمة ضروبًا أخرى من التعامل يفرضها العدل أو تدعو إليها مقتضيات الحكمة، منها ما يكون على مستوى الفرد ومنها ما يكون على مستوى الأمة. فأما الأول فمثاله إلزام الوالد والده والأخ أخاه بما يشق عليه لنفعه ومصلحته كأن (يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه، ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل) (٢). وأما على مستوى الأمة فإن ذلك يتمثل في عدم رحمة الظالمين ومن صدر في حقه حكم شرعي لارتكابه جريمة من الجرائم، فلا يجوز أن تحول الرحمة بينه وبين ما يستحق من العذاب؛ لأن البواعث الإنسانية وراء العمل الرحيم لا تنبعث ولا تتحرك لرؤية كل عذاب، ولكنما تتحرك فقط عند رؤية الأبرياء والرحماء يتعذبون، فتجاوز العدل بالانتهاك أو باعتداء يكشف عن العلاقة الدفينة بين فضيلة الرحمة وفضيلة العدل، ويبين بوضوح أن الذي لا يعرف وجه العدل لا بد أن يخطئ في الرحمة، فيميل إلى الرحمة بالظالمين والمعتدين الذين لا يستحقونها) (٣). ومما انتهجه الإسلام في بناء الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وضمان

стр. 421

استمرارها وسلامتها الأمر بالصبر والحث عليه لأهميته في حياة الأمة كركيزة من ركائز المجتمع الإسلامي السليم، وتتسع دائرة الصبر في الإسلام على مستوى الفرد والأمة ليشمل أنواعًا عديدة منها، الصبر على طاعة اللَّه، والصبر عن معاصيه والصبر على البلايا والمصائب والشدائد، أي الصبر في البأساء والضراء (١)، كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٢) [البقرة: ١٧٧]، وقال بعض المفسرين: (في البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وحين البأساء: القتال) (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ما يدل على المصاعب التي قد تواجه المجتمع الإسلامي ابتلاءً من اللَّه، وأن الصبر فضيلة ينبغي على المسلم وعلى الأمة الإسلامية التذرع بها لمواجهة تلك المصاعب والأعباء وبالصبر يتحقق لها الفلاح والنجاح، حيث جاءت البشارة للصابرين في نهاية الآية في آيات أخرى كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦]. ومما تفرد به الإسلام وتميزت به الأمة الإسلامية أن الصبر مأمور به بصفة مستمرة ومؤكدة كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] فالمصابرة كما ذكر المفسرون: (انتقال من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصابرة) (٤).

стр. 422

(والمصابرة هي الملازمة والاستمرار على ذلك) (١) أي: (لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر على النفوس) (٢)، والتي يأتي في قيمتها الصبر على مواجهة الإعداد والانتقال من الصبر والمصابرة إلى درجة المرابطة (٣)، وهي الإقامة في الثغور استعدادًا لمواجهة الأعداء (٤). ومما يستفاد من ذلك أن الصبر بهذا المفهوم الإسلامي الأصيل يوجد في الأمة أفرادًا لهم (قدرات روحية وطاقات خلقية متميزة) (٥)، وهذه الطاقات والقدرات تجعلهم قادرين على التضحية والفداء (٦). . .، وإن ما تستوجبه الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة من حقوق وواجبات يكون من اليسر بمكان لدى تلك النفوس التي تدربت على الصبر، واعتادت عليه، وأصبح من المبادئ الأساسية في حسها وتصورها لإيمانها بقيمة الدين الذي تعتنقه والأمة التي تنتمي إليها؛ ولذلك (كان الرجلان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخرة سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر) (٧)، حيث إن التواصي بالصبر،

стр. 423

(ضرورة في جهاد النفس وجهاد الغير، والصبر على الأذى والمشقة. . . والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة المتجه، تساند الجميع، وتزودهم بالحب والعزم والإصرار) (١). هذه من أهم الأخلاق التي تعد بمثابة قاعدة راسخة يقوم عليها بناء الأخوة والوحدة في الإسلام، ويتصل بها جملة أخرى من مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال أمر اللَّه ورسوله ﷺ بها وندبًا إليها وحثًا عليها مثل الوفاء والعفو والصفح والستر على المسلم وحفظ سره ونحو ذلك. وهناك إلى جانب هذه الأخلاق والفضائل المأمور بها والمندوب إليها صفات وأخلاق مذمومة نهى اللَّه ورسوله ﷺ عنها؛ منها البغض والحسد والتدبر والقطيعة والسخرية والاستهزاء وإساءة الظن والغيبة والنميمة والتجسس، والغضب، ونحو ذلك مما يفسد أواصر الأخوة ويهدم وحدة الأمة من مرذولات الأخلاق ومساوئ الأعمال. وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية منها قوله ﷺ : "لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (٢)، وقوله ﷺ : "إياكم

стр. 424

والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب" (١)، وقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (٢)، وقوله ﷺ : "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" (٣)، وقوله ﷺ : "وإذا غضب أحدكم فليسكت" (٤)، وقد امتدح اللَّه الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وقرن الغضب بالإثم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]، وقد بين الرسول ﷺ : أن الغضب من الشيطان، وأن الشيطان خلق من نار، وأرشد إلى ما يطفئ حرارة الغضب وهو الوضوء، فالماء يطفئ النار، والوضوء

стр. 425

يطفئ الغضب، حيث قال ﷺ : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (١). ومن هذه النصوص التي تنهى عن مساوئ الأخلاق وترشد للتي هي أقوم يتضح ذلك الحرص الأكيد على سلامة القلوب المؤمنة مما يكدر صفو الأخوة الإسلامية، وينحرف بالسلوك عن مقتضى الحب في اللَّه والاجتماع على ما يرضيه، وقد بلغ الأمر في الحرص على سلامة القلب وطهر النفس ونقاء الضمير أن أرشد للَّه عباده إلى نوع من الدعاء يركز على مكنون القلب وأعماق الوجدان، حيث قال تعالى حكاية عن أخوة الإسلام ووحدة أمته، وأنها تمتد في أعمق التاريخ لتصل ماضي الأمة بحاضرها ومستقبلها: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، قال بعض المفسرين: (والذين جاؤوا من بعدهم أي: من بعد المهاجرين والأنصار يقولون على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، ومن السابقين، من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الايمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان، المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها، أن يدعو بعضهم لبعض وأن يحب بعضهم بعضًا. . .) (٢). إلى أن قال: (ذكر اللَّه في هذا الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل
следующие страницы →