استمرارها وسلامتها الأمر بالصبر والحث عليه لأهميته في حياة الأمة كركيزة من ركائز المجتمع الإسلامي السليم، وتتسع دائرة الصبر في الإسلام على مستوى الفرد والأمة ليشمل أنواعًا عديدة منها، الصبر على طاعة اللَّه، والصبر عن معاصيه والصبر على البلايا والمصائب والشدائد، أي الصبر في البأساء والضراء (١)، كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٢) [البقرة: ١٧٧]، وقال بعض المفسرين: (في البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وحين البأساء: القتال) (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ما يدل على المصاعب التي قد تواجه المجتمع الإسلامي ابتلاءً من اللَّه، وأن الصبر فضيلة ينبغي على المسلم وعلى الأمة الإسلامية التذرع بها لمواجهة تلك المصاعب والأعباء وبالصبر يتحقق لها الفلاح والنجاح، حيث جاءت البشارة للصابرين في نهاية الآية في آيات أخرى كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦].
ومما تفرد به الإسلام وتميزت به الأمة الإسلامية أن الصبر مأمور به بصفة مستمرة ومؤكدة كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] فالمصابرة كما ذكر المفسرون: (انتقال من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصابرة) (٤).
стр. 422
(والمصابرة هي الملازمة والاستمرار على ذلك) (١) أي: (لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر على النفوس) (٢)، والتي يأتي في قيمتها الصبر على مواجهة الإعداد والانتقال من الصبر والمصابرة إلى درجة المرابطة (٣)، وهي الإقامة في الثغور استعدادًا لمواجهة الأعداء (٤).
ومما يستفاد من ذلك أن الصبر بهذا المفهوم الإسلامي الأصيل يوجد في الأمة أفرادًا لهم (قدرات روحية وطاقات خلقية متميزة) (٥)، وهذه الطاقات والقدرات تجعلهم قادرين على التضحية والفداء (٦). . .، وإن ما تستوجبه الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة من حقوق وواجبات يكون من اليسر بمكان لدى تلك النفوس التي تدربت على الصبر، واعتادت عليه، وأصبح من المبادئ الأساسية في حسها وتصورها لإيمانها بقيمة الدين الذي تعتنقه والأمة التي تنتمي إليها؛ ولذلك (كان الرجلان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخرة سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر) (٧)، حيث إن التواصي بالصبر،
стр. 423
(ضرورة في جهاد النفس وجهاد الغير، والصبر على الأذى والمشقة. . . والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة المتجه، تساند الجميع، وتزودهم بالحب والعزم والإصرار) (١).
هذه من أهم الأخلاق التي تعد بمثابة قاعدة راسخة يقوم عليها بناء الأخوة والوحدة في الإسلام، ويتصل بها جملة أخرى من مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال أمر اللَّه ورسوله ﷺ بها وندبًا إليها وحثًا عليها مثل الوفاء والعفو والصفح والستر على المسلم وحفظ سره ونحو ذلك.
وهناك إلى جانب هذه الأخلاق والفضائل المأمور بها والمندوب إليها صفات وأخلاق مذمومة نهى اللَّه ورسوله ﷺ عنها؛ منها البغض والحسد والتدبر والقطيعة والسخرية والاستهزاء وإساءة الظن والغيبة والنميمة والتجسس، والغضب، ونحو ذلك مما يفسد أواصر الأخوة ويهدم وحدة الأمة من مرذولات الأخلاق ومساوئ الأعمال.
وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية منها قوله ﷺ : "لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (٢)، وقوله ﷺ : "إياكم
стр. 424
والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب" (١)، وقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (٢)، وقوله ﷺ : "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" (٣)، وقوله ﷺ : "وإذا غضب أحدكم فليسكت" (٤)، وقد امتدح اللَّه الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وقرن الغضب بالإثم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]، وقد بين الرسول ﷺ : أن الغضب من الشيطان، وأن الشيطان خلق من نار، وأرشد إلى ما يطفئ حرارة الغضب وهو الوضوء، فالماء يطفئ النار، والوضوء
стр. 425
يطفئ الغضب، حيث قال ﷺ : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (١).
ومن هذه النصوص التي تنهى عن مساوئ الأخلاق وترشد للتي هي أقوم يتضح ذلك الحرص الأكيد على سلامة القلوب المؤمنة مما يكدر صفو الأخوة الإسلامية، وينحرف بالسلوك عن مقتضى الحب في اللَّه والاجتماع على ما يرضيه، وقد بلغ الأمر في الحرص على سلامة القلب وطهر النفس ونقاء الضمير أن أرشد للَّه عباده إلى نوع من الدعاء يركز على مكنون القلب وأعماق الوجدان، حيث قال تعالى حكاية عن أخوة الإسلام ووحدة أمته، وأنها تمتد في أعمق التاريخ لتصل ماضي الأمة بحاضرها ومستقبلها: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، قال بعض المفسرين: (والذين جاؤوا من بعدهم أي: من بعد المهاجرين والأنصار يقولون على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، ومن السابقين، من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الايمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان، المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها، أن يدعو بعضهم لبعض وأن يحب بعضهم بعضًا. . .) (٢).
إلى أن قال: (ذكر اللَّه في هذا الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل
стр. 426
لقليله وكثيره الذي إذا انتفى، ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين. . . ووصفهم بالإقرار بالذنوب، والاستغفار منها واستغفار بعضهم لبعض واجتهادهم في إزالة الغل والحقد لإخوانهم المؤمنين؛ لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا ومتضمن لمحبة بعضهم بعضًا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه وأن ينصح له حاضرًا وغائبًا حيًا وميتًا) (١).
وفي النهي عن سوء الظن بالمسلم والسخرية به واغتيابه ونحو ذلك مما لا يليق بآداب الأخوة وحقوقه، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢]، ففي هاتين الآيتين ما يؤكد على ضرورة صيانة الأخوة الإسلامية ووقايتها من (هذا السداسي الجاهلي، السخرية واللمز والنبز وسوء الظن والتجسس والغيبة. . . وبذلك ينغصون حياتهم وأخوتهم الإسلامية وترابطهم بقلق وإرجاف ومسالك سيئة. . . والآيتان تترابطان وتتساندان في تهذيب المجتمع ورسم المنهج القويم له، فالآية الأولى اختصت بعلاج مرض السخرية واللمز والنبز بالألقاب، والثانية بالظن والتجسس والغيبة، وتلك لبنات الشر وصورة الجهل والدمار، وكلها آخذ بعضها ببعض) (٢)، على أن هناك حالات تستثنى من هذا النهي ذكرها
стр. 427
العلماء من فقهاء ومفسرين ومحدثين، وجعلوا لها ضوابط شرعية محددة، لا يتسع المجال لذكرها وهي مبسوطة في مظانها، والمراد هنا أن الإسلام أقام (سياجًا قويًا حول حرمات المسلمين فلا تحلل، وكراماتهم فلا ينال منها، وأعراضهم فلا تنتهك وحرياتهم الممنوحة لهم شرعًا فلا تقيد ولا تصادر) (١) إلا في ضوء ما أباحه الشرع، واقتضته الضرورة، وهذا ما تتميز به الأخوة الإسلامية دون سائر الروابط والصلات والأواصر في المجتمعات الإنسانية الأخرى والأمم سوى الأمة الإسلامية المختارة.
وللأخوة الإسلامية ووحدة الأمة مقتضيات تعد بمثابة الثمار الحلوة لتلك الأسس الراسخة التي اعتمدت في بناء الأخوة الإسلامية على الأمر والنهي والحث والندب، الأمر بمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال والحث عليها والندب إليها وإلى كل ما يتصل بها من عمل صالح وخير وفضيلة، والنهي عن مرذولات الأخلاق ومذموم الصفات وسفاسف الأمور وما يتصل بذلك من أقوال وأعمال ومشاعر وأحاسيس.
وأهم ما تقتضيه الأخوة الإسلامية:
أ- التناصر: وله في الإسلام صورٌ كثيرة يتداخل بعضها مع بعض في إطار ما تقتضيه الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة من التراحم والتعاون والتكافل، ويقتصر هنا على بعض تلك الصور مثل ما دلَّ عليه الحديث الشريف في قوله ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" (٢) وقوله
стр. 428
- ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه [أو قال لجاره] ما يحب لنفسه" (١) وهذا الحديث يؤكد مع أحاديث أخرى كثيرة أن الأخوَّة الإسلامية تقتضي من المسلم (أن ينصر أخاه من أعدائه فلا يسلمه إليهم ولا كلمة "لا يسلمه" لا تقتصر على أن يسلم المسلم أخاه إلى عدوه بالمعنى الظاهر من هذه الكلمة، وإنَّما يتضح أنَّ لهذه الكلمة شمولًا واسعًا، وذلك أن لا يسلمه إلى اليأس، ولا يسلمه إلى التهلكة، ولا يسلمه إلى الخزي والعار، ولا يسلمه إلى التردي في مهاوي الفساد، كما تفيد أيضًا أن لا يسلمه إلى عدوه. . . وهذه من بعض معاني التناصر بين المسلمين، وكذلك يجب على المسلم أن لا يظلم أخاه المسلم) (٢).
ويتجاوز التناصر في أخوة الإسلام ما يعهده الناس في الجاهلية من حمية جاهلية تقتضي الوقوف إلى جانب الأخ سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، إلى نصرته على نفسه وإنقاذه من ذاته، فقد جاء الإسلام والعرب تقول: (أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) (٣) فأقر هذا القول وقال الرسول ﷺ :
стр. 429
"أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (١)، وعندما سأل رجل الرسول ﷺ بقوله: أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" (٢).
وهناك صورتان أخريان في التناصر تميز بها الإسلام، واختصت بها أخوته على سائر المبادئ والنظم والأعراف الأخرى:
الأولى: التدخل بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا بالصلح بينهما، وهذه الصورة بما ذكر فيها من تفصيلات وأحكام تعطي دلالة واضحة على مبدأ الأخوة الإسلامية وأصالته حيث أوجب الإسلام -بمقتضى أخوة الإسلام- على ولاة أمر المسلمين أن يتدخلوا بالصلح بين فريقين من المسلمين اقتتلوا، ولا ينتهي الأمر عند ذلك، بل أوجب متابعة الحدث والوقوف بجانب الحق ومن كان عليه من الفريقين حتى يحسم الأمر ويظهر الحق.
وللعلماء في ذلك آراء كثيرة تدل -فيما تدل عليه- أن الأخوة الإسلامية عميقة الدلالة قوية التأثير. . ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠ - ١١]، أوجب اللَّه على الأمة الإسلامية (أن تقف موقف الأخوة الناصحة كما أمرها اللَّه، وتعيد العلاقات والأخوة الإسلامية ولوازمها بين فريقين اقتتلا أو اختلفا
стр. 430
بأي سبب من الأسباب وإن أدى ذلك إلى الوقوف إلى جانب الفريق المظلوم ومساندته على الفريق الظالم) (١).
ثم إن في تحديد موقف الأمة الإسلامية من الطائفة الباغية، أو الفريق المعتدي، تفصيلات وآراء كثيرة ذكرها العلماء (٢) تؤدي في نهاية الأمر إلى استخلاص النتيجة الآتية وهي: إن مما يترتب على الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة (أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في [الأمة الإسلامية]، وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة وهو إجراء صارم حازم) (٣).
أما الصورة الثانية فهي: درء ما يحيط بالأمة من الشر بالأخذ على يد الجاهل أو من يتسرب عن طريقه الشر، وإن كان لا يقصد ذلك، ولا يعلم به، ومما ورد في ذلك قوله ﷺ : "مثل القائم على حدود اللَّه والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسلفها، فكان الذين في أسفلها إذا أستقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا هذا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" (٤).
стр. 431
في هذه الصورة والتي قبلها ما يميز التناصر في المجتمع الإسلامي وعلى مستوى الأمة الإسلامية، وأنه تناصر ذو مفهوم شامل واع يقدر المصلحة العليا للأمة، وهو بهذا المفهوم الفريد (أمر توجبه الأخوة الإيمانية، كما توجبه المصالح المشتركة للجميع) (١).
ب- التراحم: وهو من آثار الرحمة -التي سبق الكلام فيها- عندما تفيض قلوب المؤمنين بالرحمة التي تشربها قلب كل مؤمن منهم وأصبح مجتمع الأمة الإسلامية مجتمعًا متراحمًا متعاطفًا متجاذبًا كالجسد الواحد، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (٢)، والنصوص الواردة من الكتاب والسنَّة مستفيضة وكلها (توضح للمسلمين أن وضعهم الصحيح المرضي عنه من ربهم هو أن يتراحموا ويتعاطفوا ويتكاتفوا ويتساندوا حتى يكونوا كالبنيان المرصوص) (٣)، كما قال ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٤)، وقال أيضًا: "المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله" (٥).
وبهذا التراحم وما يوجبه من تكافل ومحبة وتهاون ومناصحة، بل
стр. 432
وإيثار بين المسلمين (في غير إثم ولا مكروه) (١) تظهر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة في صورتها الناصعة وتؤتي ثمارها الطيبة على خير وجه (٢).
ج- التعاون: (وقد أمر اللَّه تعالى به المؤمنين على وجه عام مطلق في كل خير، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقد جعل اللَّه تعالى له وجوهًا عملية محددة، منها (٣):
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (وبهذا المبدأ يكون المجتمع متضامنًا في حمل المسؤولية الاجتماعية) وملزمًا بتحقيق المعروف في ربوعه، ورفع المنكر عن طريق الوجوب، لا عن طريق كفالة الحق له -كما هو شأن الدساتير الوضعية- وهو وجوب ديني ومسؤولية يترتب عليها الثواب والعقاب) (٤).
- التعاون في مجال الحياة الاجتماعية والمقصود بذلك (تعاون الناس في شؤون حياتهم، وما يعرض لهم من حاجات، وقد توسع فيه الإسلام حتى مده إلى الشؤون العاطفية، والنفسية وغيرهما، كالمبادأة بالهدية، وعيادة المريض، وصنع الطعام لأهل الميت، ورعاية اليتيم والمسكين وابن السبيل، وإكرام الضيف وتفقد الغائب، وتعهد الضعيف، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإقراء السلام ورده، والتكافل الاقتصادي على سعته جزء من هذا الباب) (٥).
стр. 433
ومجالات التعاون كثيرة، ويضيق المجال عن التفصيل، ولكن يكتفى بالقول إن الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة بما تقتضيه من تعاون على البر والتقوى بعامة تشكل (شبكة من الروابط الاجتماعية تتبع تسلسلًا رائعًا في التكليف فعبادة اللَّه أولًا، فالإحسان للوالدين، ثم الإحسان لذي القربى، ثم اليتامى، فالمساكين فالجار القريب، ثم الجار الغريب، فالقرين فابن السبيل، علاقات تكون شبكة متآلفة تتصل بصلات اجتماعية بارَّة كلها متصل بحبل اللَّه) (١)، وإذا عمل كل مسلم على أداء ما أوجبه عليه الإسلام وندبه إليه في ضوء هذه (الصلات. . . التي تؤلف دعائم المجتمع المسلم) (٢) مع ما سبق ذكره من حقوق الأخوة الإسلامية وآدابها فإن الأمة الإسلامية تتميز على غيرها (بأنها أمة الأخوة في الدين) (٣)، والوحدة في المنطلق والغاية والاتجاه والمسلك، ويقوم تميزها على أخوة الإسلام ووحدة أمته مع المقومات الأخرى وفي مقدمتها العقيدة والشريعة، فتكون بذلك خير أمة أخرجت للناس (بل إن الأخوة في الدين من أكبر نعم اللَّه على عباده المؤمنين، فبها صار المسلمون أمة واحدة بعد أن كانوا فرقًا وأحزابًا، وبها صار المسلمون أحبابًا في اللَّه بعد أن كانت العداوة بينهم وبين أسلافهم مما يتناقل أحاديثه الركبان، لقد امتن اللَّه على عباده المؤمنين بهذه الأخوة وما تقتضيه من محبة وتعاون وما تفضي إليه من
стр. 434
وحدة الأمة الإسلامية، حيث يقول سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]،. . . ونعمة اللَّه في هذه الآية هي الإسلام واتباع محمد ﷺ ، فبه زالت العداوة والفرقة وحلت محلها المحبة والألفة والأخوة في الدين) (١).
د- المناصحة: قال الراغب الأصفهاني: (النصح: تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩]، وقال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعرف: ٢١]، وهو من قولهم: نصحت له الود، أي: أخلصته، وناصح العسل: خالصه. . . وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، إما الإخلاص، وإما الإحكام) (٢). وقال ابن الأثير في معنى قول الرسول ﷺ : "الدين النصيحة. . . للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٣): (نصيحة اللَّه: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتاب اللَّه: هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة رسوله: التصديق بنبوته ورسالته، والانقياد لما أمر به ونهى عنه، ونصيحة الأئمة: أن يطيعهم في الحق ولا يرى الخروج عليهم إذا جاروا، ونصيحة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم) (٤).
يتبين من ذلك أن المناصحة من النصح، وأن النصح يعني الإخلاص
стр. 435
والخلوص والإحكام، كما أنها تعني في إطار الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة، أن يحب المسلم لإخوانه (ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم وإن ضر ذلك في دنياه، كرخص أسعارهم وإن كان في ذلك فوت ربح ما يبيع من تجارته، وكذلك يكره جميع ما يضرهم عامة، ويحب ما يصلحهم وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم ودفع كل أذى ومكروه عنهم) (١).
ومما تعنيه المناصحة الإخلاص والصدق في الرأي لمن طلب المشورة وهي من حق المسلم على أخيه، كما قال الرسول ﷺ : "حق المسلم على المسلم ست. . . " (٢) إلى أن قال: "وإذا استنصحك فانصح له" (٣)، ويبلغ الأمر بالنصح -بداعي الأخوة- درجة الذب عن عرض الأخ المسلم والنصح له في غيابه، وفي ذلك ورد عن الرسول ﷺ : "إن من حق المسلم على المسلم أن ينصح له إذا غاب" (٤)، قال ابن رجب في معناه: (ومعنى ذلك أنه إذا ذكر في غيبته بالسوء أن ينصره ويرد عنه، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبته كفه عن ذلك) (٥).
وتعني المناصحة من جانب آخر إرشاد المسلمين لما فيه مصالحهم، (وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم، وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم وسلامة الصدور والنصح للأمة. . . وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا حتى قال
стр. 436
بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل بن عياض ﵀: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير -وقال عبد العزيز بن أبي داود: كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئًا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه) (١).
* * *
стр. 437
أثر الأخوة في تميز الأمة الإسلامية، ووحدتها
يعد أثر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة -وفق ما انتهجه الإسلام في بنائها وما اقتضته دلالاتها ومنطلقاتها وأهدافها- في تميز الأمة الإسلامية من آيات اللَّه الدالة على قدرته كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ. . .﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣]- قال ابن خلدون: (وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة اللَّه في إقامة دينه. . . وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل، والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق، ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على اللَّه اتحدت وجهتها، فذهب التنافس، وقل الخلاف، وحسن التعاون والتعاطف، واتسع نطاق الكلمة) (١).
ومن رحمته تعالى بهذه الأمة أن جعل نصرة الأخوة ووحدة الأمة التي هي من مقومات تميزها، تتمثل في أخلاق قائدها ومعلمها وهاديها وإمامها محمد ﷺ إذ قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وأرشده -جل وعلا- في الآية نفسها إلى عوامل الألفة ومظاهر اللين، فقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وأدى الرسول ﷺ الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكان في كل ذلك كما قال اللَّه عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وبكلمة جامعة
стр. 438
وصفت أم المؤمنين عائشة ﵂ خلقه ﷺ فقالت: (كان خلقه القرآن) (١).
بهذه الأسوة الحسنة والقدوة الراشدة انداح أثر الأخوة الإسلامية في الأمة وتحققت به وحدتها، وشاع أثرها في الإنسانية، وكان الرسول ﷺ يؤكد على هذه الآصرة الفريدة، ويرسم منهجها الذي لا يوجد (على وجه الأرض نظام أو منهج يشبه المنهج الإسلامي أو يقاربه فضلًا عن أن يساويه) (٢) في منطلقاته وأهدافه ومراميه إزاء هذه الآصرة وتأثيرها في الأمة، شأنه في ذلك شأن جميع مقومات تميز الأمة وخصائصه وأهدافه ووسائله.
ومن أهم ما يبين أثر الأخوة في تميز الأمة الإسلامية وتحقيق وحدتها وفق المنهج الإسلامي وتطبيق الرسول ﷺ وصحابته الكرام الآتي:
أ- ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه قبل الهجرة من الحب والتآخي فقد كان الرسول ﷺ (يغذي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ويحثهم على الخضوع لرب العالمين في أداء ما افترضه عليهم من الصلاة خمس مرات في اليوم في طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل؛ فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق، وتحريرًا من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعًا إلى رب الأرض والسموات، ويأخذهم بالصبر على الأذى، والصفح الجميل، وقهر النفس، لقد رضعوا حب الحرب وكأنهم ولدوا مع السيف، وهم من أمة، من أيامها حرب البسوس وداحس والغبراء، وما يوم الفجار منهم ببعيد -ولكن الرسول ﷺ يعالج -
стр. 439
بحكمته- ما في طبيعتهم السابقة من قسوة وشدة، يوجههم إلى أن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة، فكان أن لانوا، ورقت طبائعهم وكفوا أيديهم وتحملوا من قريش ما تهيج به النفوس في غير جبن وفي غير عجز، ولم يسجل التاريخ حادثة دافع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي الطبيعية إلى ذلك وقوتها، وذلك غاية ما روي في التاريخ من الطاعة والخضوع، حتى إذا تعدت قريش في الطغيان وبلغ السيل الزبى أذن اللَّه لرسوله ولأصحابه بالهجرة: وهاجروا إلى يثرب وقد سبقهم إليها الإسلام) (١).
ومنذ بعثته ﷺ إلى زمن هجرته وما بينهما من تفصيلات تاريخية كانت نماذج الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة تتجلى في أجمل صورها في ميدان التربية والتعليم والتهذيب والتضحية والفداء (٢)، ولا يتسع المجال لاستعراض تلك الصور أو معظمها، ولكن تكفي الإشارة إلى موقفين تجلت فيهما الأخوة الإسلامية بصورة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا:
الأولى: ما يذكر في بعض مصادر السيرة من أنَّ عليًا بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه نام على فراش الرسول ﷺ لدى مغادرته داره في أعقاب
стр. 440
ليل مريع، أحاط أبناء القبائل المسلحون طيلة ساعاته بدار الرسول ينتظرون اللحظة التي سيطيحون فيها برأسه ويفرقون دمه بين القبائل.
قال ابن إسحاق: (فلمَّا كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام، فيثبون عليه، فلمَّا رأى رسول اللَّه ﷺ مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: "نمْ على فراشي، وتسجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. . . "، وخرج رسول اللَّه ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ اللَّه على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم. . .) (١).
الثانية: اختيار أبي بكر الصديق ﵁: ليكون رفيق النبي ﷺ وأخاه في هجرته، وما صاحب ذلك من مشاعر الحب والفداء والتضحية (٢) والثقة في نصر اللَّه ووعد الحق، ولئن كان المجال لا يتسع لذكر تفاصيل ذلك؛ فإنَّ من المواقف الخالدة ما سجله القرآن الكريم حكاية عن أبي بكر إذ هو مع
стр. 441
الرسول ﷺ في الغار، ينظر إلى أقدام المشركين المطاردين الخانقين عند أسفل الغار، فيخاف ويحزن ليس على نفسه بل على الرسول نفسه، وعلى ما يمثله الرسول، فيقول له: (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا) (١).
ويأتي رد الرسول صادرًا عن ذلك الإيمان القوي بعون اللَّه لعباده ودفعه عنهم وحمايته لهم: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، اللَّه ثالثهما" (٢)، ويعلن اللَّه ﵎ هذه الحماية التي لا حماية بعدها بقوله في كتابه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
وفي هاتين السورتين تتجلى معاني الأخوة بعمقها وشمولها، إذ تضمنت الفداء بالنفس والمال والأهل والثقة المطلقة بموعود اللَّه مع ما اكتنفتا من مشاعر الحب والإيثار، يقول ابن إسحاق: (انتهى رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلًا، فدخل أبو بكر ﵁ قبل الرسول ﷺ فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول اللَّه ﷺ بنفسه) (٣)، إنها قمة التضحية والفداء التي
стр. 442
لا تتأتى إلا بروح الأخوة الإسلامية وتأثيره، وهو ما كان من أبي بكر الصديق، ومن علي بن أبي طالب ﵁، ومن كافة الصحابة الكرام مع رسول الهدى ﷺ مما سطرته صفحات التاريخ -ولأبي بكر مزية في أخوة الإسلام ذكرها الرسول ﷺ في خطبة عرض فيها بقرب وفاته وكان مما جاء فيها: "إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد بابٌ إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر" (١). قال ابن رجب في معناه: (لما عرض الرسول ﷺ على المنبر باختياره للقاء على البقاء ولم يصرح، خفي المعنى على كثير ممن سمع، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، ثاني اثنين إذا هما في الغار وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول ﷺ ، فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكن الرسول ﷺ جزعه وأخذ في مدحه والثناء عليه على المنبر ليعلم الناس كلهم فضله، ولا يقع عليه اختلاف في خلافته. . .) (٢).
ب- المؤاخاة التي شرعها الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وجعل منها (أساسًا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم، ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة، ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على الأخوة الإسلامية التي تأسست على حقيقة العقيدة الإسلامية، ولولا ذلك لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شد أزر المجتمع
стр. 443
الإسلامي ودعم وحدته- لم يكن ما أقامه الرسول ﷺ بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم، وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين) (١). لقد كانت المؤاخاة من أوائل الأعمال التي قام بها الرسول ﷺ عندما وصل إلى مهاجره، قال ابن إسحاق: (وآخى رسول اللَّه ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال -فيما بلغنا. . . تآخوا في اللَّه أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي، فكان رسول اللَّه ﷺ سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب ﵁ أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب. . . وزيد بن حارثة، مولى رسول اللَّه ﷺ أخوين. . .) (٢).
ومما يقوله ابن إسحاق في ذكر تفصيلات المؤاخاة: (فهؤلاء من سمي لنا ممن كان رسول اللَّه ﷺ آخى بينهم من أصحابه، فلما دون عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهدًا، فقال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدًا، للأخوة التي كان رسول اللَّه ﷺ عقد بينه وبيني، فضم إليه) (٣).
وفيما أورده ابن إسحاق دليل على عمق هذه المؤاخاة ورسوخها في
стр. 444
نفوس صحابة الرسول ﷺ كما أنه ﷺ اتخذ في سبيلها من التدابير التشريعية والتنظيمية ما لم يسبق لمثله من قبل، ولعل وثيقة الموادعة التي كتبها الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيها اليهود؛ تعطي دلالة حضارية بعيدة المدى وعميقة المعنى، ذلك أن الرسول ﷺ أرسى دعائم الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وبين حقوقها ودعائمها، وأنها إحدى مقومات تميز الأمة الإسلامية، وقد ورد نص الوثيقة: (في كل كتب السيرة كاملة، وفي كثير من كتب السنة النبوية مجزأة) (١)، واستشهد بها بعض الباحثين في دراسة المجتمع الإسلامي، واستخلص منها حقائق كبرى في قيام الأمة الإسلامية المتميزة (٢)، منها:
- (تأكيد وحدة الأمة الإسلامية وترابطها وتميزها من دون الناس بإيمانها الصحيح وإسلامها الواعي. . . وبأنها الأمة التي تحمل تبعة الدعوة، دعوة البشرية كلها إلى هذا الدين لتأكيد أنها خير أمة أخرجت للناس. . . وإعلاء عنصر الإيمان ورفع شأن المؤمنين. . . وأن المؤمن أعلى عناصر الوجود قدرًا وأرفعها ذكرًا عند اللَّه. . .) (٣).
- (تكافل المسلمين وتكاتفهم في الحرب. . . (وأن المؤمنين لا يتركون مفدحًا بينهم) (٤) والمفدح: المثقل بالدين والكثير العيال، فهذا يرعاه إخوانه المسلمون ولا يتركونه لدين يفدحه ولا لنفقة عيال تعجزه،
стр. 445
هذا واجب المسلم نحو أخيه المسلم في السلم والأمن، فإذا كانت حرب وجهاد في سبيل اللَّه فإن المسلمين يتكافلون فيما بينهم، ويخفف بعضهم على بعض ما أصابهم من مغارم الحرب وتبعات الجهاد) (١).
- (إقرار المساواة بين المسلمين وتكافؤهم في المكانة والكرامة والحقوق. . . ويتضح ذلك من قول الرسول ﷺ : "وأن ذمة اللَّه واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس" (٢) ومهما قال أصحاب النظريات والنظم من المتشدقين بالمساواة والعدالة، فلن يصلوا إلى أدنى ما يدل عليه قول الرسول ﷺ : "ويجير عليهم أدناهم" (٣) فأقل المسلمين مالًا أو جاهًا أو قوة كأكبر المسلمين مالًا أو جاهًا أو قوة يجير عليه فلا يرد إجارته) (٤).
- (والأمة الإسلامية مطالبة أبدًا بأن تكون أبدًا مع الحق وضد الباطل ولو تمثل هذا الباطل في واحد منهم، يتضح ذلك من قوله ﷺ : "وإن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثمًا أو عدوانًا فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم" (٥)(٦).
стр. 446
وبهذا أصبحت الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة شريعة تنتهج، ونظامًا يطبق ويقنن؛ فإن إطار الحقوق والواجبات وهذا (مما تميز به الإسلام على غيره من الأديان ومن النظم والنظريات، حتى إنَّ بعض العلماء يرون أن هذه المؤاخاة مما خص به رسول اللَّه ﷺ دون سائر الرسل ﵈ (١).
وقد اتسمت هذه المؤاخاة بمظاهر كثيرة وتطبيقات رائعة، منها ما كان على مستوى الأمة، ومنها ما كان على مستوى الأفراد. . .
ويجمل الحديث عن بعض نماذجها فيما يأتي:
أولًا: لقد بلغ من تأثير المؤاخاة في بداية الأمر حد التوارت بين الإخوة في الدين بعد الموت، (وظلت كذلك حتى تغيرت بجعل هذا التوارث بين أولي الأرحام فحسب) (٢)، فكان (ميراث الأنصاري يؤول بعد وفاته إلى أخيه المهاجر بدلًا من ذوي رحمه من الإخوة أو الأبناء أو النساء. . . واستمر ذلك حتى موقعة بدر التي حظي فيها المسلمون بمقادير لا بأس بها من الغنائم والأموال) (٣)، ونزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦]- قال ابن عباس: (هذه الآية نسخ لما تقدم من الموالاة بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة) (٤).
وقال ابن العربي: (إنه عموم في كل قريب بينته السنة بقوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" (٥) حسبما ثبت في كتاب
стр. 447
اللَّه، وقال رسول اللَّه) (١) وقال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ. . .﴾ [الأنفال: ٧٤ - ٧٥]: (هذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم. . . لأنهم صدقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة، والنصرة، والموالاة، بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين. . . وكذلك من جاء بعد هؤلاء من المهاجرين والأنصار، ممن تبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل اللَّه، ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. فهذه الموالاة الإيمانية -وقد كانت في أول الإسلام- لها وقع كبير، وشأن عظيم، حتى أن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة، غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل اللَّه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات، وأصحاب الفروض، فإن لم يكونوا، فأقرب قراباته، من ذوي الأرحام، كما دل عليه عموم الآية الكريمة) (٢).
ومما يستخلص من هذا الحدث الإسلامي الفريد في إطار العقيدة والأخوة والتشريع: (أن نظام الميراث الذي استقر أخيرًا، إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين، إذ لا توارث بين دينين مختلفين، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلًا من الأنصار والمهاجرين أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة، ونزولهم ضيوفًا على إخوانهم
стр. 448
الأنصار في المدينة، فكان ما أقامه الرسول ﷺ من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية، ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من حقيقة أخوة الرحم المجردة، فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة، وتمكن الإسلام فيها، وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الحقيقي الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة، أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة، إذ لا يخشى على هذا النظام بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة، ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرًا زائدًا على قرابة الإسلام وأخوته) (١)، في إطار عقيدة التوحيد وتحت مظلة الشرع؛ ولأن في ذلك ما (يلبي جانبًا فطريًا في النفس الإنسانية، ولا ضرر من تلبية المشاعر الفطرية في النفس الإنسانية، ما دام أن ليس هناك ما يعارض هذه المشاعر من تكاليف الوجود الإسلامي) (٢).
ثانيًا: بلغت مشاعر الأخوة وتأثيراتها بين المهاجرين والأنصار أعلى درجات الأخوة ومشاعر الوحدة من الإيثار والسماحة والنبل؛ ولذلك شواهد عدة سجلها التاريخ، وامتدحها اللَّه في محكم التنزيل، وهي من الكثرة بمكان، تعج بها كتب السنة والسيرة والتاريخ والتراجم، سواء ما كان منها في صفوف الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار، أو من جاء من بعدهم وسار على نهجهم واقتفى أثرهم في فهم عقيدة الإسلام واعتناقها، وطبق
стр. 449
شريعته وارتبط بآصرة الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة، ويكفي شاهدًا على ذلك قول الحق ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، فهذه صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار، هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلامًا طائرة ورؤى مجنحة ومثلًا عليا قد صاغها خيال محلق) (١).
وبالرجوع إلى ما ذكره المفسرون في نزول بعض هذه الآية وما ذكروا من شواهد على الإيثار الذي وصف اللَّه به الأنصار تتحقق المقولة السابقة؛ من أن هذه الأفعال التي كانت من أثر الأخوة الإسلامية لو لم تحدث بالفعل ويتواتر خبر ذلك لكانت من نسج الخيال، وفي ذلك ما يبرز تميز الأمة الإسلامية على سائر الأمم، ومن هذه الشواهد:
- ما ذكره الواقدي من أن الرسول ﷺ : لما تحول من بني عمرو بن عوف (في قباء) إلى المدينة تحول أصحابه من المهاجرين، فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد منهم على أحد إلا بقرعة سهم) (٢).
- أنزل الأنصار إخوانهم المهاجرين في منازلهم وأشركوهم في أموالهم وأحسنوا إليهم (٣) وآووا رسول اللَّه ﷺ ، ومنعوه من الأحمر
стр. 450
والأسود، وتبؤوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت موئلًا ومرجعًا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن حماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها، بلدان حرب وشرك وشر، فلم يزل أنصار الدين يأوون إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي وجعل يزداد شيئًا فشيئًا) (١) حتى إذا أفاء اللَّه على رسوله وغنم أموال بني النضير (دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين. . . ثم قال: "إن أحببتم قسمت مما أفاء اللَّه علي من بني النضير بينكم وبينهم وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم" فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونوا في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار") (٢).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قالت الأنصار: أقسم بيننا وبين إخواننا النخل قال: "لا" قال: "تكفوننا المؤونة وتشركوننا في التمر" قالوا: سمعنا وأطعنا) (٣)، فهذه صورة أخرى من الإيثار الذي اتصفت به الأنصار فقد
стр. 451
أشركوا إخوانهم المهاجرين في أموالهم، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل كفوهم مؤونة العمل وقاسموهم في ثمار أموالهم إجابة لقول الرسول ﷺ : "هم قوم لا يعرفون العمل -أي: في الزراعة- فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر" (١).
- وقال ابن كثير في تفسيره قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]: (أي: من كرمهم وشرف نفوسهم، يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم. وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩]: أي: ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم اللَّه بهم، من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة) (٢).
وقال القرطبي في معنى قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]: (الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضلته) (٣)، وساق شواهد عدة على ذلك من تطبيقات الأنصار رضوان اللَّه عليهم، مما يؤكد أن أخوة الدين هي التي جعلت الأنصار يفتحون قلوبهم لإخوانهم المهاجرين قبل أن يفتحوا منازلهم (٤).
стр. 452
- ومما أورده المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] أنها نزلت في رجل من الأنصار (آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده، وباتوا جياعًا) (١)، وقيل: (أهدي لرجل من أصحاب الرسول ﷺ رأس شاة فقال: إن أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه إلهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك) (٢).
- وذكر ابن كثير صورة أخرى -وذكرها غيره- وهو: (الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو
стр. 453
جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم ﵃ وأرضاهم) (١).
ومما ينبغي الإشارة إليه أن ذلك الإيثار الذي اتصف به الأنصار في صور كثيرة تفوق الحصر كانت تقابل من المهاجرين في إطار الأخوة الإسلامية نبلًا وسماحة خلق، من ذلك قصة عبد الرحمن بن عوف مع أخيه الأنصاري سعد بن الربيع، التي رواها البخاري؛ من أن سعدًا قال لعبد الرحمن: (إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي ﷺ : "مهيم"؟ قال: تزوجت، قال: "كم سقت إليها"؟ قال: نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب -شك إبراهيم) (٢).
وهذا يبين ما كان عليه المهاجرون من سماحة الخلق والنبل، وأنهم قابلوا (إيثار إخوانهم وسماحتهم بتقدير كامل وسماحة مماثلة رافضين منذ البدء أن يكونوا اتكاليين على إخوانهم وعالة على أولئك الذين آووهم وقاسموهم) (٣)، ولا يتعارض هذا المعنى مع قول الرسول ﷺ الذي سبق آنفًا: "هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر" (٤)؛ لأن المقصود بذلك العمل في مجال الزراعة؛ ولأن المجتمع الإسلامي الوليد
стр. 454
مجتمع يكمل بعضه بعضه الآخر فهو (ما بين مهاجرين، قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار، والأوطان، والأحباب، والخلان والأموال، رغبة في اللَّه ومحبة لرسول اللَّه ﷺ . . . وبين أنصارهم؛ الأوس والخزرج الذين آمنوا باللَّه ورسوله طوعًا ومحبة واختيارًا. . .) (١)؛ ولذلك فإن اللَّه امتدح المهاجرين ووصفهم في الآية السابقة للآية التي وصف فيها الأنصار وامتدحهم بها إذ قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، (وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين) (٢) إلى جانب الصورة التي ذكرت عن الأنصار، وهما صورتان متكاملتان لتميز الأمة الإسلامية، وأن من مقوماته الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة التي تقوم على (مبدأ العطاء قبل الأخذ، وتشده أواصر العقيدة. . . ويوجهه الإيمان العميق في كل فاعلياته، ويقوده الرسول (الأسوة) الذي ضرب بتجرده وإيثاره وانسلاخه عن الأخذ وعطائه الدائم مثلًا عاليًا ومؤثرًا) (٣).
وخلاصة القول: (أن تجربة المؤاخاة نجحت، وكان لابد لها أن تنجح ما دامت قد استكملت الشروط، وتهيأت لها الأسباب في القيادة والقاعدة على السواء وبغض النظر عن عدد الذين تآخوا عشرات كانوا أو
стр. 455
مئات أم ألوفًا) (١) ومن هذه التجربة الرائدة في تاريخ البشرية بعامة انطلقت آثار الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة في أقطار المعمورة وآفاقها (حتى غمر كل جزء من أجزائها وكل ركن من أركانها بدعاة ربانيين مخلصين مجاهدين مصلحين، مربين عارفين باللَّه، متحرقين لخلق اللَّه، باذلين نفسهم ونفيسهم لخير الإنسانية، وإنقاذها. . . أذكوا شعلة الحب الإلهي، وفجروا أنهار العلوم والآداب، والحكم والمعارف وعرفان، والإيمان والحنان، وأنشؤوا في نفوس البشر مقتًا جديدًا للظلم والجور، والعدوان والبغضاء. . . وضموا المنبوذين والمهجورين والمساكين الذين لفظهم المجتمع، وطردهم أهلهم وعشيرتهم، إلى صدورهم العامرة بالحب والحنان، إنك تجد آثارهم، وتلمس آياتهم على كل جزء من أجزاء البسيطة كمواقع المطر، لا يخلو منها بيت وبر ولا مدر) (٢).
стр. 456
موقف المستشرقين من الأخوة ووحدة الأمة الإسلامية
تعد وحدة الأمة الإسلامية من لوازم الأخوة الإسلامية ومقتضياتها الأساس، وإذا كانت بعض الدراسات الاستشراقية قد وقفت على عوامل هذه الوحدة، وما تفرد به الإسلام من تحقيق لها بصفة تقصر دونها جميع المناهج والمذاهب والأديان (١)؛ فإن هناك دراسات استشراقية وأبحاثًا
стр. 457
أنجزها عدد من المستشرقين عرفوا بعدائهم للإسلام وأمته، وارتبطوا بالاستعمار والصهيونية وغيرهما من دوائر العداء للإسلام، وجاءت هذه الدراسات والأبحاث محاولة موجهة لهدم الوحدة الإسلامية، وذلك بالتحذير منها وإبراز تاريخها وآثارها على الأمم والشعوب أولًا، ثم العمل على تنشئة عوامل أخرى تعمل على هدمها وتفتيتها.
وللمثال على إبراز ملامح الوحدة الإسلامية وتاريخها وآثارها على الأمم والشعوب التي انتشر فيها الإسلام، وصاغها صياغة فريدة جاءت الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة فيها من أهم مقومات تميز الأمة الإسلامية، ما كتبه (هانوتو) المستشرق الفرنسي بعنوان: (قد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية) وجاء فيه: (لا يوجد مكان على سطح الأرض إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده منتشرًا في الآفاق. . فهو الدين الوحيد الذي أمكن انتحال الناس له زمرًا وأفواجًا، وهو الدين الوحيد الذي تفوق شدة الميل إلى التدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه) (١).
стр. 458
وبعد أن يصف رقعة الإسلام في آسيا وإفريقية، وأنها تفصل الدول الغربية بعضها عن بعضها الآخر، وأن دعائم الإسلام ثابتة الأركان في أوروبا عينها. . .، قال (وخلاصة القول: إن جميع المسلمين على سطح المعمورة تجمعهم رابطة واحدة بها يديرون أعمالهم، ويوجهون أفكارهم إلى الوجهة التي يبتغونها، وهذه الرابطة تشبه السبب المتين الذي تتصل به أشياء تتحرك بحركته وتسكن بسكونه، ومتى اقتربوا من الكعبة: من البيت الحرام، من زمزم الذي ينبع منه الماء المقدس، من الحجر الأسود المحاط بإطار من فضة، من الركن الذي يقولون عنه أنه سرة العالم، وحققوا بأنفسهم أمنيتهم العزيزة التي استحثتهم على مبارحة بلادهم في أقصى مدى من العالم للفوز بجوار الخالق في بيته الحرام، اشتعلت جذوة الحمية الدينية في أفئدتهم، فتهافتوا على أداء الصلاة صفوفًا. . . وتقدمهم الإمام مستفتحًا العبادة بقوله: (بسم اللَّه)، فيعم السكوت والسكون، وينشران أجنحتهما عشرات الألوف من المصلين في تلك الصفوف، ويملأ الخشوع قلوبهم ثم يقولون بصوت واحد: (اللَّه أكبر) ثم تعنو جباههم بعد ذلك قائلين: (اللَّه أكبر) بصوت خاشع يمثل معنى العبادة) (١).
وعلى الرغم من وقوف (هانوتو) على هذا المعنى السامي لجوهر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة الإسلامية، فإنه لا يهتدي بما فيها من نور وروحانية -بغض النظر عن تجاوزاته في بعض العبارات والمفاهيم- بل يرفع عقيرته محذرًا بني جلدته من هذه الوحدة، ومستنفرًا لهم كي يعملوا على إضعافها وتفتيتها؛ فيقول: (لا تظنوا أن هذا الإسلام الخارجي الذي تجمعه جامعة فكر واحد، غريب عن إسلامنا (في تونس والجزائر)
стр. 459
ولا علاقة له به؛ لأنه وإن كانت البلاد (الإسلامية) التي تحكمها شعوب مسيحية ليست في الحقيقة بـ (دار سلام) وإنما هي (دار حرب)، فإنها لا تزال عزيزة وموقرة في قلب كل مسلم صحيح الإيمان! والغضب لا يزال يحوم حول قلوبهم كما تحوم الأسد حول قفص جلست فيه صغارها، وربما كانت قضبان هذا القفص ليست متقاربة، ولا بدرجة من المتانة تمنعها عن الدخول إليهم من بينها) (١).
ومما سلكه المستشرقون في أبحاثهم ودراساتهم بهدف هدم الوحدة الإسلامية الآتي:
١ - بعث الحضارات القديمة، والعودة بالشعوب الإسلامية تبعًا لتلك الحضارات حتى تفقد وحدتها الإسلامية.
٢ - إحياء القوميات لتحل محل عقيدة الإسلام وأخوته وتمزق وحدة الأمة الإسلامية.
٣ - إظهار الفرق المنشقة عن الأمة الإسلامية والتنظير لها، ودعوة الدول الاستعمارية لمساندتها ودعمها بغية إضعاف الأخوة الإسلامية وتفتيت وحدة الأمة.
إضافة لما سبق الحديث عنه من دعوة إلى تطوير الإسلام (٢)، والأخذ بالأنموذج الغربي في ذلك التطوير أن انتهاج أساليب أخرى من التطوير تؤدي في نهاية الأمر إلى انفكاك الأمة الإسلامية من أواصر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة لتعدد نماذج تلك الأساليب التطويرية إما باختلاف الأزمان، أو باختلاف الأمكنة والبلدان.
стр. 460
إن هذه المنطلقات وغيرها كانت الدوافع والبواعث الحقيقية وراء كثير من الدراسات الاستشراقية التي لاقت أصداء واسعة لدى قادة الاستعمار ودهاقين السياسة والفكر الغربي، (فقد جاء في تقرير وزير المستعمرات البريطاني (أورمسبي غو) لرئيس حكومته بتاريح: (٩) يناير كانون الثاني (١٩٣٨ م)، ما يأتي: [إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه، وليس الإمبراطورية وحدها، بل فرنسا أيضًا، ولفرحتنا فقد ذهبت الخلافة، وأتمنى أن تكون إلى غير رجعة]. . .) (١).
وعن المعنى نفسه قال (لورانس براون): (إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا، وأمكن أن يصبحوا نعمة له أيضًا، أما إذا ظلوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذٍ بلا قوة ولا تأثير) (٢).
ولتحقيق هذه الغاية التي يسعى إليها المستعمرون وتنظر لها طائفة من المستشرقين، وهي إضعاف الأخوة الإسلامية وتفتيت وحدة الأمة الإسلامية انطلقت بعض الدراسات الاستشراقية من المنطلقات المذكورة آنفًا، وفيما يأتي لمحة موجزة عن ذلك:
١ - أما محاولة بعث الحضارات القديمة، فقد تولاها دعاة ينادون ببعث الحضارات القديمة، فقد تولاها دعاة ينادون ببعث الحضارات الجاهلية التي قامت على أنقاضها حضارة الإسلام مثل الفرعونية في مصر،