стр. 71
← Общие книги следующие страницы →
Общие книги · id 16818
دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه
إسحاق السعدي
Полный текст (1 033 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
خلاصات لمعاني (الأُمَّة) في اللغة العربية والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف واستنتاجات
لكي يصل الباحث إلى مفهوم معين للأمة، وللربط بين ذلك المفهوم وما سبق بحثه، ينبغي الإلمام بالنقاط الآتية:
أولًا: خلاصة معاني (أمة) في معاجم اللغة العربية.
ثانيًا: خلاصة الأوجه التي ورد لفظ (أمة) بها في القرآن الكريم.
ثالثًا: أبرز الاستنتاجات حول معنى (أمة) في معاجم اللغة العربية.
رابعًا: الجوانب التي استعمل فيها مدلول (أمة) في القرآن الكريم.
خامسًا: دلالة (الأمة) في الحديث النبوي الشريف.
أولًا: ورد لفظ (أمَّة) في معاجم اللغة العربية بمعان عدَّة بلغت حوالي ثمانية عشر معنى، وهي ما يلف عليه، ويضم إليه غيره، ولواء الشيء ورئيسه، والأصل في كل شيء، والدين، والملة، والرجل المنفرد بدين، واتباع الرسل ومن بحث إليهم، والجيل من الناس، والجنس من الخلق، وخلق اللَّه، والحين، والملك، والنعمة، والعالم، والقوم، والجماعة من الناس، وجماعة العلماء، والجماعة المستقيمة، والطاعة، والوجه، والقامة، ومعظم الشيء وسائره، والقرن من الناس.
ثانيًا: ورد لفظ (أمَّة) في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة (١)، استخدم من خلالها فيما لا يقل عن عشرة أوجه من المعاني اللغوية لهذا اللفظ هي: (الجنس من الخلق، السنون الخالية، الرجل الجامع للخير،
стр. 73
الملة والدين، الجيل من الناس، القوم، الجماعة من الناس، الزمان الطويل، المسلمون، الكفار) (١).
وعلى الرغم من عدم ورود بعض المعاني اللغوية لأمَّة في القرآن الكريم، مثل معاني (الملك، والنعمة، والوجه، والقامة) إلا أنَّ هذه المعاني جاءت ضمنًا، كما أعطى القرآن الكريم للفظ (أمَّة) مضمونًا عميقًا تندرج تحته المفاهيم الحديثة لمصطلح الأُمَّة (٢).
ثالثًا: من أبرز الاستنتاجات في معنى (أمَّة) في معاجم اللغة العربية ما يأتي:
١ - جاء لفظ (أمَّة) في معظم معاجم اللغة العربية في معانٍ متنوعة وكثيرة، يصعب معها ضبط مصطلح محدد لمدلول (الأمَّة)، لذلك قال بعض الباحثين: (إنَّ اللغويين لا يقفون عند روابط بعينها عند تعريف الأمَّة، وإنَّ أية رابطة توجد في جماعة تجعل منها أمة) (٣)، وقال آخر عن معاجم اللغة العربية: (إنَّما وضعت لضبط الألفاظ، لا لتحديد المعاني. . وإنَّها لا تبالي في كثير من الأحيان إن تعرف الشيء بنفسه، أو بأنَّه غير ضده) (٤).
стр. 74
٢ - على الرغم من هذه الظاهرة في معاجم اللغة العربية، إلا أن لفظ (أُمَّة) يعود إلى الأصول اللغوية التي ذكرها ابن فارس: (الأصل، والمرجع، والجماعة، والدين، والقامة، والحين، والقصد) (١)، ولا تخلو جميعًا من رابط (٢) (سوف يتضح فيما بعد).
وهذا يعني أنَّ لفظ (أُمَّة) ليس محصورًا في أصل واحد، وهو القصد كما أورده الأزهري في تهذيب اللغة عن أبي عمرو الشيباني قال: (وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أممت إليه؛ إذا قصدته. .) (٣) إلى أن قال: (فليس يخرج شيءٌ من هذا الباب عن معنى أممت، أي: قصدت) (٤) إنَّما القصد أصل واحد أو باب واحد من سبعة أصول أو أبواب لغوية كما ذكر ابن فارس.
٣ - تأتي (أُمَّة) بمعنى الفاعل، وتأتي بمعنى المفعول، وتأتي بمعنى الظرف؛ فإذا جاءت بمعنى الفاعل كان المقصود بها (الجماعة والإمام والأُسوة. .) وبعبارة أوضح يتجه المراد بها في هذه الحالة إلى من يقوم بالفعل وهو الفاعل، وإذا جاءت بمعنى المفعول كان المقصود بها (الدين أو الملة أو الطريق أو السنة أو الجماعة إذا كانت مأمومة. .، ونحو ذلك ممَّا يُؤَمُّ ويُقْصَد، ومعنى ذلك أنّ المراد بها يتجه إلى المفعول، وهو ما تقوم به الجماعة أو الإمام أو الأسوة من دين أو سنة أو طريقة تُفْعَل أو تُؤَمُّ أو تُقْصَد، سواء كان المفعول حقًّا أو باطلًا.
стр. 75
أمَّا إذا أطلقت الأمة على الزمان أو المكان، فإنَّ المقصود بها ظرف الأمة.
رابعًا: الجوانب التي استعمل فيها مدلول (أُمَّة) في القرآن الكريم، ورد لفظ (أُمَّة) في القرآن الكريم ليدل على الجوانب الآتية:
١ - الجانب التكويني باعتبار تعدد أصناف الخلق، من حيث الأصل والنوع والمنشأ والمرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١) [الأنعام: ٣٨].
٢ - الجانب الاجتماعي، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢]، والآية بعدها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، قال الراغب: (أي على دين مجتمع) (٢)، وهذا يعطي لفظ (أُمَّة) المحتوى الاجتماعي.
٣ - الجانب الديني، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢]، قال الطبري في تفسيرها: (يقول تعالى ذكره: إنَّ هذه ملَّتكم مِلَّة واحدة، وأنا ربُّكم أيُّها الناس فاعبدوني دون الآلهة والأوثان، وسائر ما تعبدون من دوني) (٣).
وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾: (أي: ملتكم ودينكم) ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: دينًا واحدًا وهو الإسلام، فأبطل ما سوى
стр. 76
الإسلام من الأديان) (١)، ففي الآية الكريمة استعمل لفظ (أُمَّة) بمعنى الملة والدين؛ وهذا المعنى يعطيه المضمون الديني.
٤ - الجانب التاريخي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] قال ابن كثير: (ثمَّ أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام) (٢)، فدلَّ ذلك على أن الناس حينما طبقوا الدين الصحيح -وهو الإسلام- واجتمعوا على العقيدة الصحيحة قبل اختلافهم سموا أمة، وهذا من المنظور التاريخي باعتبار أن ذلك حدث في التاريخ البشري (٣).
٥ - الجانب السياسي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]، قال بعض العلماء في تفسير هذه الآية: (لابدَّ من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والذي يقرر أنَّه لا بُدَّ من
стр. 77
سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته. . هذا هو تصوُّر الإسلام للمسألة. . إنَّه لابدَّ من سلطة تأمر وتنهى. . سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر. . سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل اللَّه) (١)، ولا شكَّ أنَّ الأمَّة بهذا التصوُّر استعملت بمعنى هيئة أو جهاز سياسي يقوم بشؤون الحسبة والسلطة.
وقد درج بعض المفسرين على القول بأنَّ معنى الأمَّة في هذه الآية: (يعني المجاهدين والعلماء) (٢).
وقال القرطبي: (ثمَّ إنَّ الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنَّما يقوم به السلطان إذا كانت إقامة الحدود إليه، والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب، فَيُنَصِّبَ في كل بلدة رجلًا صالحًا قويًّا علمًا أمينًا ويأمره بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة) (٣)، وقبل هذا قال عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنه (فائدة الرسالة وخلافة النبوة) (٤).
ولعل المصطلح السياسي لهذا الجانب من معاني (الأمَّة) في الإسلام هو مصطلح (الجماعة) لأنها تشتمل على الجهاز أو الهيئة التي تتجسد فيها الأمة في نظامها السياسي، وتمثل حضور الأمة والقيام على أمرها وبيدها السلطة. .؛ فالجماعة في معناها السياسي: الولاية والإمارة وأهل الحل والعقد ورابطة العلماء.
стр. 78
أمَّا صلتها بالأمة بشكل شامل فهو -واللَّه أعلم- جماعة المسلمين التي تتمثل فيها الأمة الإسلامية (١) في زمان معين أو مكان معين، فتكون بذلك حلقة في سلسلة الأمة الإسلامية، وهذا من المعاني التي أوردها الشاطبي بوصفه المعنى الخامس من معاني الأمة فقال: (الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فأمر ﵊ بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم) (٢).
وقال: (فالجماعة التي أمر بها رسول اللَّه ﷺ بلزومها وسمي المنفرد عنها مفارقًا لها، نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، وأمر صهيبًا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته، وقلة العدد المنفرد عنهم) (٣).
وقد نقل الشاطبي أقوال العلماء في معنى الجماعة، وأورد استدلال كل فريق، ثمَّ قال: (حاصله، أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث. . .) (٤).
ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: (لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة) (٥).
стр. 79
(والإسلام هو الأصل في تكوين الجسم النامي للأمة، والإمامة وسيلة لحراسة ذلك الجسم في أمر الدين والدنيا. . وهذا هو المفهوم الشرعي لجماعة المسلمين، متآخون على منهاج النبوة: الكتاب والسنة، ينتظمهم إمام ذو شوكة ومنعة) (١).
وإذا ربط هذا الجانب الذي دلَّ عليه معنى (أمَّة) بما سبق إيراده عن الخليل في معنى (إمة)، وهو قوله: (وكل من اقتدى به، وقدَّم في الأمور فهو إمام، والنبي ﷺ إمام الأمة، والخليفة إمام الرعية) (٢)، تبين اشتمال الأمة على النظام السياسي، وما يندرج تحته من راع ورعية أو إمام وإمامة وولاية وإمارة وأهل الحل والعقد والعلماء والمجاهدين، ونحو ذلك ممَّا هو معروف في النظام السياسي.
يقول أحد الباحثين: (ثم كانت الانطلاقة العملية. . التي قادها محمد ﷺ . . فبلورت مفهوم (الأمة) وأصبح الشعار المميز لرسالتها، ولمَّا يزل مصطلحًا متميّزًا لا يقابله في اللغات الأخرى مصطلح مواز. كذلك أصبح اسم (أمة) مصدرًا اشتقت منه أسماء مؤسسات الرسالة الجديدة والعاملين فيها والممارسات الجارية مثل: (الإمامة)، و (الإمام) للصلاة أو الحكم، و (آمين البيت الحرام) أي: الحج، و (آمين) أي: مقتدين، لذلك
стр. 80
كانت ترجمة هذا المصطلح تشويهًا لمحتواه، ومن الواجب أن يبقى كما هو في أصله العربي في أية ترجمة كانت) (١).
خامسًا: دلالة (الأمة) في الحديث النبوي الشريف:
تبين مما سبق أنه استعمل في بعض المعاني التي جاءت في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً. . .﴾ [النحل: ١٢٠] وروي عنه ﷺ : أنَّه قال عن زيد بن عمرو بن نفيل: "يبعث يوم القيامة أمة وحده" (٢)، واستعمله ﷺ للدلالة على بعض الأجناس من المخلوقات كقوله ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" (٣)، وقوله عن النمل: "أحرقت أمة من الأمم تسبح" (٤).
وعند الرجوع لكتب السنة ومعاجمها يلحظ أنَّ لفظ (أمَّة) قد ورد بكثرة زادت عن ثلاثمئة وثمانين مرة (٥)، وإذا أنعم النظر في استخدام لفظ (أمة) في الحديث النبوي الشريف تبيَّن أنَّه جاء مشابهًا لاستخدامه في القرآن الكريم وفي الأوجه التي استخدم فيها في القرآن الكريم، ولكن وردت
стр. 81
أحاديث ظاهرها التعارض في دلالتها على أمَّة محمد ﷺ ، من حيث المدح والذم والوعد والوعيد والخصوص والعموم ممّا دعا العلماء إلى النظر في هذه المسألة والخروج منها بتقسيم لأمته ﷺ ليدفع ذلك التعارض ويتم إعمال النصوص على الوجه الراجح فيها؛ فمما قيل في ذلك: (إنَّ أمته ﷺ على ثلاثة أقسام، أحدها أخص من الآخر:
- أمَّة الاتباع.
- أمَّة الإجابة.
- أمَّة الدعوة.
فالأولى: أهل العمل الصالح.
والثانية: مطلق المسلمين.
والثالثة: من عداهم ممن بعث إليهم) (١).
وعلى هذا التقسيم تحمل النصوص -أو تخرج- بما يدفع التعارض سواء في المدح والذم، أو في الوعد والوعيد، أو الخصوص والعموم، ولكن تبقى مسألة أخرى وهي التصنيف الوارد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢] فهل المقصود بهذا التصنيف أمَّة محمد ﷺ أولًا؟ ثمَّ هل المقصود به أمَّة الدعوة؟ أم أمَّة الإجابة والاتباع؟.
أمَّا كون المقصود به أمَّة محمد ﷺ فهو ما قال به أكثر المفسرين:
- قال الزمخشري: (والذين اصطفاهم اللَّه هم أمة محمد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة) (٢).
стр. 82
- قال القرطبي: (والآية في أمة محمد ﷺ ) (١).
- وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذ الأمة) (٢).
- وقال السعدي: (لمَّا كانت هذه الأمة، أكمل عقولًا، وأحسنهم أفكارًا، وأرقهم قلوبًا، وأزكاهم أنفسًا اصطفاهم تعالى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] (وهم هذه الأمَّة) (٣).
ثم هل المقصود بهذا التصنيف أمة الدعوة، أو أمة الإجابة والاتباع؟:
- فالذي عليه أكثر المفسرين وعليه مذهب أهل السنة والجماعة هو أنَّ المقصود به أمة الإجابة والاتباع، قال ابن كثير: (روى غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب. . والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن
стр. 83
رسول اللَّه ﷺ من طرق يشد بعضها بعضًا، ونحن إن شاء اللَّه تعالى نورد منها ما تيسر) (١).
- ثم أورد جملة أحاديث تؤكد ذلك منها: ما رواه أسامة بن زيد ﵄ قال في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] الآية: قال رسول اللَّه ﷺ : "كلّكم من هذه الأمة" (٢)، وروي عن ابن عباس ﵁ قوله: (هم أمة محمد ﷺ ورثهم اللَّه كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب) (٣).
- ومنها ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: (أن هذه الأمة ثلاثة أثلاث، يوم القيامة ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول اللَّه ﷺ : ما هؤلاء؟ وهو أعلم ﵎، فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئًا، فيقول الرب : أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي. وتلا عبد اللَّه ﵁ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] الآية (٤).
стр. 84
- وذهب القرطبي إلى هذا بقوله: (وهذا قول ستة من الصحابة وحسبك) (١)، قال أبو القاسم الغرناطي: (قال عمر وابن مسعود وابن عباس وكعب وعائشة وأكثر المفسرين هذه الأصناف الثلاثة في أمَّة محمد ﷺ ) (٢).
واختاره الشوكاني بقوله: (وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعائشة، وهذا هو الراجح) (٣).
- ولابن قيم الجوزية وقفة متأنية ناقش فيها سائر الأقوال المتعارضة في هذه الآية وبين حجج كل فريق وأدلته، ثم رجَّح القول بأنَّ الأصناف الثلاثة كلُّهم من هذه الأمة أُمَّة محمد ﷺ أمَّة الإجابة والاتباع المصطفاة، وأن الأدلة على ذلك (قد بلغت في الكثرة إلى حدٍّ يشدُّ بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض) (٤).
ثم ساق أدلة أخرى تؤيد هذا القول، وقال بعدها: (فهذه الآثار يشدُّ بعضها بعضًا، وإنَّها قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها، وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا نعدل عنها) (٥).
وعلى هذا فإنَّ أمَّة محمد ﷺ تطلق ويراد بها:
стр. 85
١ - كافة المكلفين من الإنس والجن المقصودون بالدعوة منذ بعث وحتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وهذا نطاق عالمي واسع (١).
٢ - وتطلق ويراد بها المستجيبون لدعوته، وهم الذين أعلنوا الدخول في الإسلام بنطق الشهادتين، وجاؤوا بأركان الإسلام حسب القدرة والاستطاعة، وهؤلاء ينطبق عليهم قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وبقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه" (٢). وعلى هذا فأمة الإجابة عامَّة للمسلمين.
٣ - يراد بأمة محمد ﷺ أمَّة الاتباع وهؤلاء أخص من غيرهم وهم الذين يكونون على ما وصفهم به الرسول ﷺ في قوله: "ما أنا عليه وأصحابي" (٣)، حينما أخبر ﷺ عن افتراق الأمم وافتراق أمته إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تنحرف عن الجادَّة إلا فرقة أو طائفة أو عصبة أو أمة واحدة تبقى على الحق، وتلزم صراط اللَّه المستقيم.
стр. 86
وقد ورد مسمَّى (أمَّة) على هذه الطائفة أو الفرقة أو العصبة من أمَّة محمد ﷺ فيما أخرجه البخاري عن معاوية أنَّه سمع الرسول ﷺ يقول: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر اللَّه ما يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللَّه وهم على ذلك" (١)، فدلَّ ذلك على أمَّة الاتباع وهم أخصُّ من أُمَّة الإجابة، وللعلماء فيها عدة أقوال منها:
- ما ورد في بعض الروايات لدى البخاري أنهم أهل العلم (٢).
- وقال الإمام أحمد بن حنبل: إنَّهم أهل الحديث (٣).
- وقال القاضي: (إنَّما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذاهب أهل الحديث) (٤).
- وقال الشاطبي: (إنهم جماعة أئمة العلماء المجتهدين). وقال:
стр. 87
(فمعنى قوله ﷺ : "لن تجتمع أمتي على ضلالة" لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة) (١).
- ولكن النووي يعطيها دائرة أوسع بقوله: (يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين. فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض) (٢).
- صنف البغدادي أهل السنة والجماعة إلى ثمانية أصناف، وهم:
١ - صنف منهم أحاطوا العلم بأبواب التوحيد والنبوة وأحكام الوعد والوعيد والثواب والعقاب وشروط الاجتهاد والإمامة والزعامة.
٢ - والصنف الثاني منهم أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث.
٣ - والصنف الثالث منهم هم الذين أحاطوا علمًا بطرق الأخبار
والسنن المأثورة عن النبي ﵇، وميزوا بين الصحيح والسقيم منها، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع أهل الأهواء الضَّالة.
٤ - والصنف الرابع منهم قوم أحاطوا علمًا بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف وجروا على سمت.
стр. 88
٥ - والصنف الخامس منهم هم الذين أحاطوا علمًا بوجوه قراءات القرآن وبوجوه تفسير آيات القرآن وتأويلها على وفق مذهب أهل السنة دون تأويلات أهل الأهواء الضَّالة.
٦ - والصنف السادس منهم الزهاد الصوفية. . على سمت أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث.
٧ - والصنف السابع منهم قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة يجاهدون أعداء المسلمين، ويذبون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة.
٨ - والصنف الثامن منهم عامة البلدان التي غلب فيها شعائر أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة) (١).
وعقَّب على تصنيفه هذا بقوله: (إنَّ النبي ﷺ لما ذكر افتراق أمته بعده ثلاثًا وسبعين فرقة وأخبر إن فرقة واحدة منها ناجية، سئل عن الفرقة الناجية وعن صفتها فأشار إلى الذين هم على ما عليه هو وأصحابه. ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة ﵃ غير أهل السنة والجماعة) (٢).
وخلاصة القول في أمَّة محمد ﷺ إنَّ لها ثلاث دوائر بعضها أخصَّ من بعض، فالدائرة الواسعة من حيث الزمان والمكان وشمول الخطاب يطلق عليها أمَّة الدَّعوة، وتشمل جميع الثقلين الإنس والجن في كل زمان ومكان من حين صدع ﷺ ، بما أمر به من التبليغ وحتى نهاية التاريخ البشري (٣)،
стр. 89
وتسمَّى هذه الأمة في دائرتها الواسعة أمة الدَّعوة باعتبارها مقصودة بالدعوة، وتأتي في داخلها دائرة أخص وهي أمَّة الإجابة باعتبارها المقصودة بالإجابة لما دعا إليه الرسول ﷺ ، ثم في داخل هذه الدائرة تكون أمَّة الاتباع وهي أخصَّ من أمَّة الإجابة باعتبارها اتبعت الرسول ﷺ ، حين استجابت لدعوته، وسارت على صراط اللَّه المستقيم وفقًا لسنة المصطفى ﷺ .
* * *
стр. 90
نماذج من تعريفات العلماء والمفكرين لمدلول (الأمَّة) في الفكر الإسلامي وتحديد مصطلح (الأمَّة) في البحث
إنَّ المتأمل في استعمال لفظ (أُمَّة) في اللغة، والقرآن الكريم، والحديث النبوي، والتراث الإسلامي، يجده يشتمل على اعتبارات متنوعة قد يُنَصُّ على بعضها، وقد يتضمن بعضها الآخر، وهذه الاعتبارات هي: (الجماعة والاجتماع أو الذات والفعل، أو الوحدة في الأصل، أو المنشأ، أو المرجع والمصير، أو الجهة، أو القصد، أو العلاقة والرابطة، أو الزمان، أو المكان).
لذلك فإنَّ معظم من عرَّف الأمَّة تناولها في بعض معانيها دون بعض، أو ركز على بعض الاعتبارات في مدلولها وغاب عنه بعضها الآخر، وللمثال على هذا استعرض نماذج من تعريفات المفكرين لمدلول (الأمَّة) في الفكر الإسلامي فيما يأتي:
١ - عرَّفها الراغب الأصفهاني بقوله: (الأمَّة: كل جماعة يجمعهم أمر واحد، أو زمان واحد أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا، وجمعها أمم) (١).
٢ - عرَّفها الحكيم الترمذي بتعريفات كثيرة، منها قوله: (الأمَّة هي الجماعة التي يؤمَّها الناس ويقصدونها. . فإنَّما صارت الأمَّة في هذا المكان الجماعة لأنَّ الذي يقصده الناس ويبصرونه: إنَّما يبصرون الكثرة المجتمعة حتى يقصدونها) (٢).
стр. 91
٣ - عرَّفها أبو البقاء بأنَّها (تسمَّى الجماعة من حيث تؤمُّها الفرق) (١).
٤ - عرَّفها الطبري بأنَّها: (جماعة من الناس تجتمع على دين واحد وملة واحدة. . ثم تستعمل في معانٍ كثيرة ترجع إلى معنى الأصل) (٢).
٥ - عرَّفها البغوي في موضع من تفسيره بأنَّها (اتِّباع الأنبياء) (٣). وقال في موضع آخر: (وأصل الأمَّة الجماعة التي هي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة أمَّة واحدة لاجتماع أهلها على مقصد واحد) (٤).
ويوافق البغوي في تعريفه للأمَّة بأنَّها: (اتباع الرسل)، بعض المفكرين المعاصرين مثل علي عبد الحليم محمود إذ قال في تعريفها: (جماعة من الناس لهم رسول) (٥) وقال: بأنَّها وردت في القرآن بهذا المعنى.
وعند التأمل يلحظ إنَّ في القرآن الكريم تصنيفًا للخليقة بعامة وللبشرية بخاصة إلى أمم متعددة ومتنوعة، والأمة في معناها البشري من أرسل إليهم رسول من مكذب به ومصدِّق (٦)، ولكل أمَّة رسول وكتاب وأجل ومنسك ويوم العرض الأكبر يأتي كل نبي، وتأتي معه أمته وهو عليها شهيد وإمام، ويؤتى معها بكتابها.
وعلى هذا فإنَّ تعريف الأمَّة بجماعة الرسل أو اتباع الرسل ليس تعريفًا جامعًا مانعًا.
стр. 92
٦ - وعرَّفها سيد قطب بقوله: (هي الجماعة التي تنتسب إلى عقيدة واحدة من كلِّ جنسٍ ومن كلِّ أرض) (١).
٧ - وعرَّفها محمد المبارك بقوله: (إذا عملت عوامل التوحيد والصهر والانسجام في شعب من الشعوب كالاشتراك في اللغة والحياة المشتركة الطويلة أي التاريخ والثقافة والمعتقدات والمبادئ والأفكار والعادات والأخلاق، قألفط منه وحدة اجتماعية حيَّة نسميها أمَّة) (٢).
٨ - عرَّفها فاروق الدسوقي بقوله: (الأمَّة -حسب المصطلح القرآني- هي جماعة من الناس تؤمن بعقيدة واحدة، وتعيش بمنهج حياة واحد. وبعبارة واحدة: هي جماعة تدين بدين واحد) (٣).
ثمَّ يواصل الشرح بقوله: (ولا يهم بعد ذلك أن تتمثل هذه الأمَّة في فرد واحد أو عدد قليل من الناس، أو في جماعة أو في دولة أو مجموعة دول وشعوب مختلفة.
ولا يشترط أن تعيش الأمَّة في إقليم جغرافي واحد أو تنتسب إلى أصل عصبي أو قبلي واحد. فالأمَّة إذًا تختلف عن القبيلة أو العشيرة، حيث القبيلة جماعة من الناس يجمعهم انتسابهم إلى جدٍّ، فهذه الأخيرة رابطة عرقية أو عصبية، وكذلك تختلف الأمَّة عن الشعب، حيث الشعب هو جماعة من الناس يجمعهم الإقليم الجغرافي الواحد.
وبذلك يتضح لنا أنَّ اختلاف الناس إلى قبائل وشعوب أمر حتمي جبري، جعله اللَّه من طبائع الناس وأحوالهم على الأرض من حيث إنَّ
стр. 93
اختلاف البيئات الجغرافية يجعل منهم شعوبًا، واختلاف الأجداد الذين تنحدر منهم كل جماعة يجعل منهم قبائل وعشائر) (١).
ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
٩ - يرى العقاد بأنَّ (مونتجومري وات) في كتابه (الإسلام والجماعة المتحدة) قد أصاب في التنويه بمعنى (أمَّة) في العقيدة الإسلامية، واعتبر أنَّه معنى فريد تميَّز به الإسلام، ولم يكن له مرادف بمعناه في لغة من اللغات قبل الإسلام ولا بعده. . ثم يعقد مقارنة بين الكلمات التي تقابل كلمة (أمَّة) في اللغات الأوروبية وبين كلمة (أُمَّة) في اللغة العربية والإسلام (٢) على النحو الآتي:
- فكلمة nation التي تقابل هذه الكلمة في اللغات الأوروبية مأخوذة في أصلها من معنى الولادة، ومفادها أن الولادة في مكان واحد هي الرابطة التي تكسب أبناء الوطن حقوق هذه الوحدة الإجتماعية.
- وكلمة people تقابل عندهم كلمة الشعب أحيانًا باللغة العربية، وترجع في أصلها إلى السكن والإقامة.
وكلا المعنيين -معنى الولادة ومعنى السكن- قاصر عن الدلالة على القومية (٣) كما يفهمها علماء التعريفات الاجتماعية والسياسية في عصرنا
стр. 94
الحاضر، وأصبح منها أن تكون رابطة الأُمَّة هي رابطة الاشتراك في وجهة عامَّة كما سبقت بها دلالاتها في الآيات القرآنية.
إلا أننا لا ننسى في هذا المقام أن نعود إلى الناحية اللغوية لنعرف مدلول اللفظ في اللغة ومدلوله في الاصطلاح بعد الدعوة المحمدية (١).
فاستقبال الجهة أصيل في كثير من الكلمات التي تفيد معنى الوحدة الاجتماعية باللغة العربية وإن قلَّ عددها بالنسبة إلى الأقوام الكثيرة:
- فالقبيلة -وهي أصغر من الأمَّة ومن القوم- تطلق على الذين يستقبلون جهة واحدة في السكن والمرعى.
- والفئة -وهي أصغر من القبيلة- تطلق على الذين يفيئون إلى ظلٍّ واحد.
- والقوم -وقد يكونون قبيلة واحدة أو قبائل متعددة على عهد بينهما- هم جماعة يقومون معًا في أمور الحرب والسلم، ويغلب أن يكون قيامهم معًا بأمور الحرب أعم في بداية الأمر من القيام معًا بسائر مهام المعيشة، ولهذا كان المفهوم من القوم أولًا جماعة الرجال دون النساء، قبل أن تعم الرجال والنساء أجمعين.
فمعنى الوجهة أصيل في اللغة العربية للدلالة على وحدة الجماعة،
стр. 95
ولكن القرآن الكريم قد جاء بكلمة الأمَّة في معارض كثيرة تفيد معنى السبط من القبيلة، كما تفيد معنى الجماعة الكبرى التي تحيط بشعوب كثيرة.
فمن هذه الدلالة القرآنية لزمت وحدة الوجهة معنى الأمَّة في مواضعها الكثيرة، وحق لمؤلف كتاب: الإسلام والجماعة الموحدة، أن يعتبر هذه الفكرة -فكرة القبلة الروحية- عصمة من التفرق وينبوعًا لكل دعوة ترد إلى حظيرة الإسلام كل من يخالفون الجماعة باسم (الوحدة) وسعيًا إلى التوفيق فقد تعلقت آمال المسلمين على الزمن بهذه القبلة الموثوقة، كأنَّها الأفق المشرق الذي لا يغيب عنه الضياء، ولا ينقطع دون الرجاء) (١).
والحقيقة أنَّ فهم (مونتجومري وات) لمعنى (أمَّة) يُعَدُّ من العمق بمكان، وقد أطلق عليها بالإنجليزية dyhamic Imdge وترجمها العقاد بمعنى (الطيف) أو المثال الذي يحفز السائر إلى الحركة والتقدم ويهون عليه مشقة الطريق. . يقول العقاد: وأقرب من ذلك باللغة العربية أن نسميها: (القبلة الموجهة) أو (القبلة المستجابة؛ لأنَّها كلمة موافقة لشعائر الإسلام) (٢).
بعد هذه الاقتباسات المتفرقة في تعريف الأمَّة، والتي تؤكد ما سبقت الإشارة إليه من أنَّ من عرَّف الأمَّة قد تناولها من ناحية، أو ركَّز على معنى دون الآخر. . بعد ذلك كله يظهر إنَّ مصطلح (الأمَّة) بحاجة إلى نظرة تأخذ في الاعتبار الآتي:
١ - الجماعة في معناها الحسي من حيث القلة والكثرة أو الكم والعدد ومن حيث مجيئها بمعنى الفاعل.
٢ - الجماعة حين تأتي بمعنى المفعول باعتبارها تُؤَمُّ وتُقْصد.
стр. 96
٣ - الحين والسنين والآماد؛ باعتبارها الظرف الزمني للأمَّة.
٤ - القوم الذين يقومون في مكان واحد باعتباره الظرف المكاني للأمَّة، ومما يوضح الظرف المكاني للأمَّة ما ورد لدى المفسرين في معنى النسك باعتباره المكان الذي تؤدي الأمَّة فيه الشعائر والعبادات (١).
٥ - الرجل الجامع للخيرات أو الذي لا نظير له. . باعتباره قام مقام الأمَّة.
٦ - الدين والشرعة والمنهاج والملة والسنة والطريقة، باعتبار ذلك فعل الأمَّة أو الرابطة أو الوجهة أو القصد، ونحو ذلك مِمَّا يكون سبب الاجتماع.
إنَّ مصطلح (الأمَّة) في حاجة إلى صياغة تلم بهذه المدلولات الستة.
ومن الممكن أن يتجاوز المصطلح المكان والزمان باعتبارهما يأتيان ضمنًا في تعريفه، إذ هما لازمان من لوازم الجماعة والاجتماع، فلا بدَّ في ذلك من مكان للجماعة والاجتماع، ولابدَّ من زمن تتكون فيه الجماعة ويحدث فيه الاجتماع.
كما إنَّه من الممكن -أيضًا- استبعاد الرجل الجامع للخير. . من التعريف باعتبار أنَّ إطلاق (الأمَّة) عليه كان إطلاقًا معنويًا أو مرحليًّا، حيث إنَّه قام مقامها أو حلَّ محلَّها أو ناب عنها أو كان لها نواةً وأصلًا أو إمامًا أو اندرج في عداد الأمَّة عبر تاريخها الطويل، وفي كل هذه الاعتبارات فإنَّ إطلاق مسمَّى الأمَّة عليه كان معنويًا.
يبقى التركيز في تعريف المصطلح على الجماعة التي تؤم طريقة أو سنة أو ملة أو دينًا، سواءً كانت الجماعة آمّة بمعنى الفاعل أو مأمومة بمعنى
стр. 97
المفعول. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى التركيز فى التعريف على الطريقة أو السنة أو الملة أو الدين التي تقصد وتؤم.
قال أحد الباحثين عن هاتين الركيزتين في تعريف مصطلح الأمَّة: (إنَّ الحل المعتمد لهذه الجدلية -بين الطريقة والجماعة- هي تصور الجماعة المتفقة على طريقة واحدة. وفي هذا الحل يتقدم معنى الطريقة على معنى الجماعة، بحيث إن الجماعة تصبح محدودة ومعروفة بالطريقة التي تتبعها) (١).
ويتابع الباحث قوله وفقًا لاستنتاجاته حول (الأمَّة): إنَّ مصدر هذه الجدلية هو: (تردد الأصل الذي خرجت منه كلمة (أمَّة) بين الفعل (الأمّ)؛ الذي يعني القصد بنية الاقتداء واسم الأمّ، الذي يتضمن معنى المصدر أو المرجع) (٢).
ثمَّ يؤكد أنَّ كلمة (أمَّة) -مهما كان أصلها- (تجمع بين معنى القصد والاتجاه، ومعنى التحدر والصدور، وتعرض هذين المعنيين كوجهتين للوحدة القائمة بين مجموعة معينة من الناس، ووجهة الوحدة في المصدر ووجهة الوحدة في الاتجاه) (٣).
لعل هذه الاستنتاجات وما سبقها من تعريفات متعددة تفضي إلى مصطلح للأمَّة، وهي مجردة عن الوصف والإضافة فيمكن القول بأنَّ الأمَّة: كل جماعة من الناس لها رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون ينبثق عنها منهج متكامل يصبغها بصبغته ويميزها بطابعه.
* * *
стр. 98
مفهوم الأمَّة الإسلامية
معنى الإسلام
يتكون مفهوم الأمَّة الإسلامية من:
الأمَّة: وسبق تعريفها بأنَّها: كل جماعة من الناس لها رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون ينبثق عنها منهج متكامل يصبغها بصبغته، ويميزها بطابعه.
الإسلامية: نسبة إلى الإسلام.
ويطلق الإسلام ويراد به ثلاثة معانٍ:
الأول: الاستسلام والخضوع والانقياد لله جلَّ وعلا، ويدخل في ذلك جميع خلق اللَّه طوعًا وكرهًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، (فكل العوالم مسلمة لله تعالى إنسها وجنّها وحيوانها وجمادها) (١)، وهذا المعنى داخل في الإرادة الكونية القدرية (٢).
ويخص بنو آدم بالعهد الذي أخذه اللَّه عليهم، وفطرهم عليه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٣) [الأعراف: ١٧٢].
стр. 99
الثاني: الدين الحق الذي جاءت به جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ. . . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤].
كل الأنبياء والرسل جاؤوا بدين الإسلام من أولهم إلى آخرهم (وأولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به) (١).
وفي هذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
وجاء على لسان كل رسول ونبي الإقرار بالإسلام أو الوصية به أو الدعاء أن يكون هو وذريته من المسلمين، وللمثال على ذلك:
- ما ورد عن نوح ﵇ بأنَّه قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧٢].
- ووصف إبراهيم ﵇ بأنَّه: ﴿كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
- ودعوته هو وابنه إسماعيل لهما ولبعض ذريتهما ووصيته لبنيه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨]،
стр. 100
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
- وكرر هذه الوصية يعقوب لبنيه عند وفاته، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
- ومن دعوة يوسف ﵇ قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
- وجاءت دعوة موسى ﵇ لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
- وممَّا يؤكد ذلك إعلان فرعون عن إسلامه عندما أدركه الغرق، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
- وفي رسالة سليمان ﵇ إلى بلقيس جاء: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١].
- وعن إسلام عيسى ﵇ ومن اتبعه من الحواريين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].
وقد وردت أحاديث عديدة عن النبي ﷺ تبين حقيقة دين الأنبياء وأنَّه الإسلام منها قوله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (١)، وقال جمهور العلماء: (معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد
стр. 101
وشرائعهم مختلفة فإنَّهم متفقون في أصول التوحيد، وأمَّا فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف) (١).
يقول ابن تيمية: (الرسل دينهم واحد وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والمنسك فإنَّ ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدًا كما لا يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد) (٢).
الثالث: الإسلام هو الدين الذي بُعث به محمد ﷺ وإليه تنسب أمَّة محمد ﷺ .
يقول ابن تيمية: (وقد تنازع النَّاس فيمن تقدَّم من أمَّة موسى وعيسى، هل هم مسلمون أم لا (٣)؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي
стр. 102
بعث اللَّه به محمدًا ﷺ المتضمن لشريعة القرآن: ليس عليه إلَّا أمة محمد ﷺ ، والإسلام اليوم عند الانطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث اللَّه بها نبياً فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء) (١).
وقبل هذا عرف دين الإسلام الذي لا يقبل اللَّه غيره في دعوة كل رسول من الرسل، فقال: (وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت يفعل ما أمر به في ذلك الوقت) (٢).
* * *
الإسلام إذا وصفت به الأمة
للإسلام إذا وصفت به الأمة أو أضيفت إليها معنيان:
أ - المعنى العام: وينتظم جميع الأديان السماوية، وتكون الأمة
стр. 103
المنسوبة إلى هذا الدين أمة واحدة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
ب- المعنى الخاص: وهو الدين الذي جاء به محمد ﷺ عقيدة وشريعة أخلاقًا وهديًا، وينبثق هذا الدين من كتاب اللَّه ومن سنة رسوله ﷺ القوليَّة والفعلية والتقريرية، والأمة الملتزمة بهذا الهدي والمطبقة لتعاليمه والمتبعة للرسول ﷺ هي الأمة الإسلامية تشترك مع أمة الرسل في معنى الإسلام العام، وتختص بمسمى الإسلامية أو المسلمة؛ ولذلك أسباب أهمها:
١ - كونها دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كونه سماها مسلمة: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
وقد قال بعض المفسرين: (ألهم اللَّه إبراهيم اسم الإسلام ثم ادخره بعده للدين المحمدي، فنسي هذا الاسم بعد إبراهيم ولم يلقب به دين آخر؛ لأنَّ اللَّه أراد أن يكون الدين المحمدي إتمامًا للحنيفية دين إبراهيم) (١).
وعلي الرغم من وجاهة هذا التبرير إلا أنه ينبغي عدم إطلاق المحمدية على الإسلام أو المحمديين على المسلمين، وإنما يقال: المسلمون أو الأمة الإسلامية التزامًا بما ميَّزهم اللَّه به من مسمى؛ ولأن في ذلك متابعة للمستشرقين الذين يحرصون على إطلاق مسمى (المحمدية) و (المحمديون) على الإسلام والمسلمين، ولهم مقاصد معينة سيأتي الحديث عنها في موضع آخر (٢).
стр. 104
٢ - كونها آخر الأمم ورسولها خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ورسالته هي خاتم الرسالات، وبها تمَّ صرح الإسلام والأمم: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
ويقول الرسول ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوبة، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (١).
لذلك ناسب أن تسمَّى أمته ﷺ المسلمة أو المسلمين أو الإسلامية؛ لأنه يتحقق فيها الآتي:
١ - كمال الخضوع والاستسلام باعتبارها تؤمن بمحمد ﷺ وما جاء به من كتاب وحكمة، وتؤمن بالكتب السابقة وجميع الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
٢ - كمال الدين الذي تعتقده والشريعة التي تنتهجها والرسالة التي تحملها والإسلام الذي تنتسب إليه هذه الأمة في معناها الخاص، يشتمل
стр. 105
على أفضل الأعمال والأقوال والمعتقدات، وهو في صورته التي جاء بها محمد ﷺ قد بلغ ذروة التمام والكمال.
فكل صورة للإسلام في حياة أي أمَّة من الأمم السابقة تندرج تحته، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، قال ابن كثير في تفسيره (مهيمنًا) بعد أن أورد معاني عدة: (فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله) (١). وهو يغني عمَّا سواه ولا يغني ما سواه عنه؛ لذلك اختصت الأمة التي تحقق عقيدته في وجودها وتطبق شريعته في حياتها وجميع شؤونها، وتحمل رسالته للعالمين أن تنسب إليه.
وعلي هذا فإن مصطلح الأمة الإسلامية يتحدد على النحو الآتي:
الأمة الإسلامية: جماعة المكلفين ومن في حكمهم الذين يدينون بعقيدة الإسلام، وما ينبثق عنها من تصور للكون والحياة والإنسان، ويطبقون شريعته وينشرون رسالته، ويصطبغون بصبغته في سلوكهم وعاداتهم ومظهرهم بما يميزهم عن غيرهم، وإمامهم في ذلك محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وكتابهم القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفهم.
وأصل هذه الأمة ضارب في أعماق التاريخ من لدن كان الناس أمة واحدة على الحق وهو الإسلام توحدها عقيدة التوحيد والإيمان باللَّه، وتتواصل عبر التاريخ حتى تمثلت في الرسالة الخاتمة التي جاء بها محمد ﷺ وستستمر حتى يأتي أمر اللَّه وهي على الحق، أمة واحدة من دون الناس لا يضرها من خذلها ظاهرة منتصرة، تُؤَمُّ وتُقْصَدُ لما تحمل من الحق والخير،
стр. 106
وتحمل لواء الدعوة إلى اللَّه لتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ومجال دعوتها الأرض بجميع أقطارها والناس جميعًا مقصودون بهذه الدعوة أينما كانوا؛ لأنها رحمة للعالمين وسلم لهم.
* * *
стр. 107
منزلة تميُّز الأمة الإسلامية
كون التميز سنة من سنن اللَّه في خلقه
يرتكز تميُّز الأمة الإسلامية على ما جاء في القرآن الكريم، وسنة المصطفى ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، وعلي واقع فهم السلف الصالح له وتحقيقه في حياتهم بصور شتى، ويبرزه مجليًا له ما درجت عليه الأمة في تاريخها عبر العصور.
والمتأمل في الكتاب والسنة يدرك منزلة تميُّز الأمة الإسلامية من خلال أدلة كثيرة، تضمنت بيان كونه سنة من سنن اللَّه في خلقه، أو الأمر به والثناء على من حققه، أو التعريض بمن لم يحققه، أو النهي عن التشبه بأهل الكتاب والمشركين.
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تبين أنَّ التفاضل بين الأمم بعامة وبين بني آدم بخاصة من سنن اللَّه في الكون والحياة، ويتفاوت الناس في قدراتهم، ويتفاضلون في أقدارهم ومنازلهم في الدنيا والآخرة، وتختلف مشاربهم ومراميهم ومصائرهم وفقًا لذلك (١)؛ ويوضح ذلك تفصيلًا ما يأتي:
١ - فضَّل اللَّه بني آدم على كثير من الخلق، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وللمفسرين في تفسيرها أقوال عدة، فمما يراد بها: (جعلنا لهم كرمًا؛ أي: شرفًا وفضلًا) (٢)، وقالوا: (بأن اللَّه فضَّل بني
стр. 108
آدم على سائر الحيوانات والجن) (١). وذهب بعضهم إلى (أفضلية الجنس البشري على جنس الملائكة إذا كانوا صالحين) (٢)، واستشهدوا بالأثر: (قالت الملائكة: يا ربنا إنَّك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها وينعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة، فقال اللَّه تعالى: "وعزتي وجلالي لأجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فيكون" (٣).
فهذا التكريم والتفضيل جارٍ وفق سنن اللَّه، وإن كان الناس يتفاضلون فيه وتتفاوت درجات تكريمهم إلا أن الصالحين منهم أوفر حظًّا في الدنيا والآخرة، والدليل على ذلك أن الكافر يقول يوم القيامة: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وأن اللَّه شبه بعض الناس بالأنعام بل هم أضل إذا لم يفقهوا غاية وجودهم وما هم مأمورين به، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾
стр. 109
[الرعد: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
٢ - اصطفى اللَّه من بني آدم صفوة من الناس هم الأنبياء والرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥].
٣ - فضل اللَّه بعض الرسل على بعض كما في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: (يعني محمدًا ﷺ ) (١). والأدلة على ذلك من الكثرة بمكان منها قوله ﷺ : "ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه اللَّه تعالى إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا يوم القيامة" (٢). وقوله ﷺ : "فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النَّبِيُّون" (٣).
стр. 110
وقد أُلِّفَتْ في مناقبه ﷺ وفضائله وخصائصه مؤلفات كثيرة، وفي فصل خاص من كتاب أبي نعيم الأصبهاني: دلائل النبوة، ذكر ما فضِّل به ﷺ وأمته على سائر الأنبياء وجميع الأمم، وممَّا قال في تعليقه على بعض الأحاديث والروايات التي أوردها في ذلك قوله: (فتبين بهذا جلالة الرسول ﷺ وتعظيم أمره، وما شرع اللَّه ﷺ على لسانه من شرائع، وتنبيه عباده على وحدانيته، ودعاؤهم إلى الإيمان به. . . وهو أعز البرية وأكرم الخلقة ﷺ تسليمًا) (١).
ومما ذكره ابن تيمية في هذا قوله: (فهدى اللَّه الناس ببركة نبوة محمد ﷺ وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا ولأولي العلم منهم خصوصًا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم، علمًا وعملًا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى) (٢).