← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

موقف المستشرقين من الأخوة ووحدة الأمة الإسلامية تعد وحدة الأمة الإسلامية من لوازم الأخوة الإسلامية ومقتضياتها الأساس، وإذا كانت بعض الدراسات الاستشراقية قد وقفت على عوامل هذه الوحدة، وما تفرد به الإسلام من تحقيق لها بصفة تقصر دونها جميع المناهج والمذاهب والأديان (١)؛ فإن هناك دراسات استشراقية وأبحاثًا

стр. 457

أنجزها عدد من المستشرقين عرفوا بعدائهم للإسلام وأمته، وارتبطوا بالاستعمار والصهيونية وغيرهما من دوائر العداء للإسلام، وجاءت هذه الدراسات والأبحاث محاولة موجهة لهدم الوحدة الإسلامية، وذلك بالتحذير منها وإبراز تاريخها وآثارها على الأمم والشعوب أولًا، ثم العمل على تنشئة عوامل أخرى تعمل على هدمها وتفتيتها. وللمثال على إبراز ملامح الوحدة الإسلامية وتاريخها وآثارها على الأمم والشعوب التي انتشر فيها الإسلام، وصاغها صياغة فريدة جاءت الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة فيها من أهم مقومات تميز الأمة الإسلامية، ما كتبه (هانوتو) المستشرق الفرنسي بعنوان: (قد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية) وجاء فيه: (لا يوجد مكان على سطح الأرض إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده منتشرًا في الآفاق. . فهو الدين الوحيد الذي أمكن انتحال الناس له زمرًا وأفواجًا، وهو الدين الوحيد الذي تفوق شدة الميل إلى التدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه) (١).

стр. 458

وبعد أن يصف رقعة الإسلام في آسيا وإفريقية، وأنها تفصل الدول الغربية بعضها عن بعضها الآخر، وأن دعائم الإسلام ثابتة الأركان في أوروبا عينها. . .، قال (وخلاصة القول: إن جميع المسلمين على سطح المعمورة تجمعهم رابطة واحدة بها يديرون أعمالهم، ويوجهون أفكارهم إلى الوجهة التي يبتغونها، وهذه الرابطة تشبه السبب المتين الذي تتصل به أشياء تتحرك بحركته وتسكن بسكونه، ومتى اقتربوا من الكعبة: من البيت الحرام، من زمزم الذي ينبع منه الماء المقدس، من الحجر الأسود المحاط بإطار من فضة، من الركن الذي يقولون عنه أنه سرة العالم، وحققوا بأنفسهم أمنيتهم العزيزة التي استحثتهم على مبارحة بلادهم في أقصى مدى من العالم للفوز بجوار الخالق في بيته الحرام، اشتعلت جذوة الحمية الدينية في أفئدتهم، فتهافتوا على أداء الصلاة صفوفًا. . . وتقدمهم الإمام مستفتحًا العبادة بقوله: (بسم اللَّه)، فيعم السكوت والسكون، وينشران أجنحتهما عشرات الألوف من المصلين في تلك الصفوف، ويملأ الخشوع قلوبهم ثم يقولون بصوت واحد: (اللَّه أكبر) ثم تعنو جباههم بعد ذلك قائلين: (اللَّه أكبر) بصوت خاشع يمثل معنى العبادة) (١). وعلى الرغم من وقوف (هانوتو) على هذا المعنى السامي لجوهر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة الإسلامية، فإنه لا يهتدي بما فيها من نور وروحانية -بغض النظر عن تجاوزاته في بعض العبارات والمفاهيم- بل يرفع عقيرته محذرًا بني جلدته من هذه الوحدة، ومستنفرًا لهم كي يعملوا على إضعافها وتفتيتها؛ فيقول: (لا تظنوا أن هذا الإسلام الخارجي الذي تجمعه جامعة فكر واحد، غريب عن إسلامنا (في تونس والجزائر)

стр. 459

ولا علاقة له به؛ لأنه وإن كانت البلاد (الإسلامية) التي تحكمها شعوب مسيحية ليست في الحقيقة بـ (دار سلام) وإنما هي (دار حرب)، فإنها لا تزال عزيزة وموقرة في قلب كل مسلم صحيح الإيمان! والغضب لا يزال يحوم حول قلوبهم كما تحوم الأسد حول قفص جلست فيه صغارها، وربما كانت قضبان هذا القفص ليست متقاربة، ولا بدرجة من المتانة تمنعها عن الدخول إليهم من بينها) (١). ومما سلكه المستشرقون في أبحاثهم ودراساتهم بهدف هدم الوحدة الإسلامية الآتي: ١ - بعث الحضارات القديمة، والعودة بالشعوب الإسلامية تبعًا لتلك الحضارات حتى تفقد وحدتها الإسلامية. ٢ - إحياء القوميات لتحل محل عقيدة الإسلام وأخوته وتمزق وحدة الأمة الإسلامية. ٣ - إظهار الفرق المنشقة عن الأمة الإسلامية والتنظير لها، ودعوة الدول الاستعمارية لمساندتها ودعمها بغية إضعاف الأخوة الإسلامية وتفتيت وحدة الأمة. إضافة لما سبق الحديث عنه من دعوة إلى تطوير الإسلام (٢)، والأخذ بالأنموذج الغربي في ذلك التطوير أن انتهاج أساليب أخرى من التطوير تؤدي في نهاية الأمر إلى انفكاك الأمة الإسلامية من أواصر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة لتعدد نماذج تلك الأساليب التطويرية إما باختلاف الأزمان، أو باختلاف الأمكنة والبلدان.

стр. 460

إن هذه المنطلقات وغيرها كانت الدوافع والبواعث الحقيقية وراء كثير من الدراسات الاستشراقية التي لاقت أصداء واسعة لدى قادة الاستعمار ودهاقين السياسة والفكر الغربي، (فقد جاء في تقرير وزير المستعمرات البريطاني (أورمسبي غو) لرئيس حكومته بتاريح: (٩) يناير كانون الثاني (١٩٣٨ م)، ما يأتي: [إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه، وليس الإمبراطورية وحدها، بل فرنسا أيضًا، ولفرحتنا فقد ذهبت الخلافة، وأتمنى أن تكون إلى غير رجعة]. . .) (١). وعن المعنى نفسه قال (لورانس براون): (إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا، وأمكن أن يصبحوا نعمة له أيضًا، أما إذا ظلوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذٍ بلا قوة ولا تأثير) (٢). ولتحقيق هذه الغاية التي يسعى إليها المستعمرون وتنظر لها طائفة من المستشرقين، وهي إضعاف الأخوة الإسلامية وتفتيت وحدة الأمة الإسلامية انطلقت بعض الدراسات الاستشراقية من المنطلقات المذكورة آنفًا، وفيما يأتي لمحة موجزة عن ذلك: ١ - أما محاولة بعث الحضارات القديمة، فقد تولاها دعاة ينادون ببعث الحضارات القديمة، فقد تولاها دعاة ينادون ببعث الحضارات الجاهلية التي قامت على أنقاضها حضارة الإسلام مثل الفرعونية في مصر،

стр. 461

والفينيقية في الشام، وغيرهما من الحضارات البائدة. . .، ولئن دار الصراع الفكري حول هذه الحضارات في العالم الإسلامي بين دعاة متحمسين لهذه الدعاوى ومعارضين لها يعون ما تهدف إليه من إضعاف الأخوة الإسلام وتمزيق لوحدة الأمة الإسلامية، وتهديم لكيانها في مواجهة الغرب، فقد كان للمستشرقين إسهام بارز في الدعوة إلى بعض هذه الحضارات وتنميتها. يقول (جيب): (وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغله المسلمون الآن، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا ومصر، وفي أندونيسيا وفي العراق وفي إيران) (١). أما الدعوة إلى الفرعونية فهي تدرك أبعاد هذه الدعوة، ومقاصدها الخطيرة؛ من خلال المعرفة الوافية بعقائدها وتاريخها، ذلك أن (الفرعونية: نسبة إلى الفراعنة حكام مصر في عهدها القديم، وقد جاء ذكرهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: ١٠ - ١٢]. وكانوا طاغين. . أهل بطش وجبروت، زعموا أنفسهم أربابًا من دون اللَّه، وقسروا الناس على تأليههم وعبادتهم، قال تعالى على لسان فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وكانوا يعبدون الشمس والعجل، ويقدسون النيل ويقدمون إليه القرابين، ولما فتح المسلمون مصر دخل الشعب المصري الإسلام، وربط

стр. 462

الإسلام بين هذا الشعب وسائر الشعوب الإسلامية برباط الأخوة في إطار الأمة الإسلامية الواحدة) (١). ولم يكن الاستشراق بريئًا مما أقدم عليه الاستعمار عندما طرح شعار (مصر للمصريين، وأخذ ينادي بالفرعونية، ونشط لكي يجعل لمصر الفرعونية حضارة فأخذ ينبش قبور الفراعنة، ويبحث في آثارهم ليختلق تاريخًا، وليؤكد حضارة، وليصرف المسلمين في مصر عن الاعتزاز بحضارتهم الإسلامية إلى الاعتزاز بالحضارة الفرعونية) (٢). وعلى الرغم مما بذله الاستعمار في تضخيم التراث الفرعوني في المناهج الدراسية وعلى صفحات الجرائد والمجلات، ومن خلال المسرح والتمثيل والتماثيل التي نصبت في الساحات والميادين وغيرها لتعبر عن الاعتزاز بتلك الحضارة الغابرة إلى جانب عنايته بعلم الآثار لهذا الغرض بخاصة مستخدمًا في ذلك طائفة من المستشرقين في البحث والتنظير، فإن هذه الدعوى لم تستطيع تحقيق الأهداف المرسومة لها من قبل المستشرقين والمستعمرين بالصفة التي كانوا ينشدونها وفي الوقت الذي وقتوا له، إذ قابلها المفكرون والأدباء بالاستهجان وماتت في مهدها. يقول محمد حسين هيكل: (وانقلبت ألتمس تاريخنا البعيد في عهد الفراعين موئلًا لوحي هذا العصر ينشئ فيه نشأة جديدة، فإذا الزمن، وإذا الركود العقلي قد قطعا ما بيننا وبين ذلك العهد من سبب قد يصلح بذرًا لنهضة جديدة، وروَّأت فرأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذر الذي ينبت ويثمر ففيه حياة تحرك النفوس وتجعلها تهتز وتربو، والفكرة الإسلامية المبنية على التوحيد في الإيمان باللَّه تنزع في ظلال حرية الفكر

стр. 463

إلى وحدة الإنسانية، وحدة أساسها الإخاء والمحبة، فالمؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها إخوة يتحابون بنور اللَّه بينهم، وهم لذلك أمة واحدة تحيتها السلام، وغايتها السلام، وهذه الفكرة تخالف ما يدعو إليه عالمنا الحاضر من تقديس القوميات وتصوير الأمم وحدات متنافسة يحكم السيف، وتحكم أسباب الدمار بينها فيما تتنافس عليه، ولقد تأثرنا معشر أمم الشرق بهذه الفكرة القومية واندفعنا ننفخ فيها روح القوة، نحسب أنا نستطيع أن نقف بها في وجه الغرب الذي طغى علينا وأذلنا، وخيل إلينا في سذاجتنا أنا قادرون بها وحدها على أن نعيد مجد آبائنا، وأن نسترد ما غصب الغرب من حريتنا وما أهدر بذلك من كرامتنا الإنسانية) (١). ثم يواصل نقده لفكرة القومية قائلًا: (ولقد أنسانا بريق حضارة الغرب ما تنطوي هذه الفكرة القومية عليه من جراثيم فتاكة بالحضارة التي تقوم على أساسها وحدها. وزادنا ما خيم علينا من سخف الجهل إمعانًا في هذا النسيان. على أن التوحيد الذي أضاء بنوره أرواح أبنائنا قد أورثنا من فضل اللَّه سلامة في الفطرة هدتنا إلى تصور الخطر فيما يدعو الغرب إليه، وإلى أن أمة لا يتصل حاضرها بماضيها خليقة أن تضل السبيل. . وكم في ماضينا من أرواح ذات سناء باهر قادرة بقوتها على أن تبعث الحضارة الإسلامية خلقًا جديدًا. . . ومحمد بن عبد اللَّه ﷺ هو النور الأول الذي استمدت هذه الأرواح منه ضياءها. . . لذلك جعلت سيرته موضع دراستي في "حياة محمد") (٢). ويقول كاتب آخر: (هذه مصر الحاضرة تقوم على ثلاثة عشر قرنًا وثلث من التاريخ الإسلامي نسخت ما قبلها كما تنسخ الشمس الصباحية

стр. 464

سوابغ الظلال) (١) ثم يؤكد بأن (الحضارة الفرعونية قد ماتت) (٢)، غير أن هذه الدعوة تنشط من حين لآخر وبخاصة في الوقت الراهن) (٣). والفينيقية: كلمة يونانية (أطلقها اليونان على إحدى الجماعات الكنعانية التي استقرت على الساحل المعروف الآن بساحل لبنان) (٤). وأصل الكلمة مشتق من (فينيقيا) وتعني اللون الأحمر أو اللون البني، وقد نسبت إليها هذه الجماعة من الكنعانيين؛ لأنهم كانوا تجار أقمشة تصبغ باللون الأحمر، أو لأن بشرتهم ذات لون بني (٥)، (على أن هذه التسمية قد زالت بزوال الفينيقيين تحت ضغط الهجرات، وأصبحوا تاريخًا لا يعدو في صورته أكثر من حجارة وأوابد مدفونة في أعماق الأرض، وعندما جاء الفتح الإسلامي كانت هذه البلاد جزءًا من بلاد الشام، وكان

стр. 465

القاطنون فيها شعوبًا مختلفة لا يمتون إلى الفينيقيين بسبب أو بآخر، وكانوا تحت حكم البيزنطيين وسرعان ما دخلوا في الإسلام وصاروا والفاتحين بنعمة اللَّه إخوانًا، وما عرفت هذه البلاد عبر أربعة عشر قرنًا حضارة غير الحضارة الإسلامية) (١). ثم جاء المستشرقون وعملوا على تجميع رفات هذه الحضارة وإحياء أمجادها؛ لتكون آصرة أخوة وعقيدة لطائفة من الشعوب الإسلامية، وعلى ذلك تنسلخ من انتسابها لأخوة الإسلام ووحدة الأمة الإسلامية، وتصبح عائقًا عويصًا من عوائق وحدة الأمة الإسلامية التي هي من أهم مقومات تميزها، ويتحقق للغرب كما قال أحد الباحثين عن آثار إحياء الحضارة الفينيقية، وأنها تعني في المقام الأول: (سلخ لبنان عن بلاد الشام والعالم الإسلامي والحضارة الإسلامية، وهي دعوة تقوم على إرجاع سكان لبنان إلى أصول فينيقية أو صليبية، وإلى الأخذ بلغة فينيقية والكتابة بالحروف اللاتينية وإلى اتخاذ الفينيقية مصدرًا حضاريًا وتاريخيًا وفكريًا) (٢). ولا تقتصر على هذا، بل هي -أيضًا-: (دعوة تستهدف فوق هذا اتخاذ لبنان قاعدة فكرية وثقافية وحضارية تنطلق منه حركة التغريب الواسعة) (٣).

стр. 466

وعلى هذا النحو ركزت الدراسات الاستشراقية على بعث الحضارات الغابرة كالحضارة الآشورية ولغتها في العراق، والبربرية في إفريقية الشمالية (١)، (ولم يكن الغرض بمثل هذه البرامج إلا أن يضطرب حبل المجتمع الإسلامي، وتتمزق وحدة المسلمين، وتواجه الحضارة الإسلامية واللغة العربية ضررًا، وتنال الجاهلية القديمة حياة من جديد، وقد نجحت كتاباتهم وجهودهم في إنشاء طائفة من تلاميذهم قاموا بحركة إحياء) (٢) لهذه الحضارات (الغارقة في التاريخ القديم وإحياء اللغات البالية التي فقدت صلاحيتها للبقاء، ودفنت تحت أنقاض الماضي السحيق منذ آلاف السنين) (٣). ٢ - أما إحياء القوميات فإن ذلك امتداد لإحياء الحضارات القديمة ولكن بدهاء ومكر تلون بلون المرحلة التي انطلقت تلك الدعوات خلالها، وحكمتها الظروف التاريخية وسنة التدرج، وما يعبر عنها الغربيون بمقولة (الفعل ورد الفعل) (٤)، فقد نفخوا الروح المغرضة في القومية الطورانية

стр. 467

بغية فصل الترك عن الأمة الإسلامية أولًا؛ حتى إذا أثمرت هذه الدعوة في فصل الأتراك عن المسلمين وارتكاز دولتهم على القومية الطورانية. . . أعقبها بعد ذلك إلغاء الخلافة وفصل الدولة عن الدين، وكان من آثار ذلك أن نشطت الدعوة إلى القومية العربية كرد فعل على عمل الأتراك. يقول الأستاذ محمد المبارك عن هذه الفكرة: (ولقد أخذت الفكرة القومية أشكالًا وصيغًا مختلفة: فكانت شعورًا طبيعيًا في بداية الأمر لا يتجاوز شعور الإنسان بانتمائه إلى أسرة معينة أو قبيلة أو نسب، وهي في هذه الحدود أمر طبيعي لا يتعارض لا مع الشعور الإنساني، ولا مع الأخلاق، ولا مع العقيدة الدينية، ثم اشتد هذا الشعور في نطاق ظروف معينة بدأت من رد فعل عند العرب تجاه العصبية التركية التي غذاها ملاحدة الأتراك من جماعة (تركيا الفتاة) و (الاتحاد والترقي)، واستمرت واشتدت في عهد الاستعمار الفرنسي والإنكليزي في بعض البلاد العربية، واتخذ هذا الشعور حينئذ شكل مذهب أو خطة سياسية هدفها توحيد البلاد وتحريرها، وكانت هذه الصيغة في الحقيقة تمهيدًا لمرحلة ثالثة خطيرة وهي اتخاذ القومية عند أبناء الشعوب الإسلامية، من عرب وأتراك وأكراد وغيرهم، مبدأ بل فلسفة بل عقيدة بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة) (١). وفي نهاية حديثه عن تيار الفكرة القومية أكد بأن مهمتها: (ليس إقصاء

стр. 468

الإسلام بل تفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عام من المحتوى الإسلامي وإحلال فلسفة أخرى وعقيدة أخرى محل عقيدته، استبدال رابطة أخرى برابطته لعزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض عزلًا نهائيًا؛ بحيث تكون صلة بعضها ببعض كصلتها بأي شعب من الشعوب الأخرى التي تدين بالوثنية أو الماركسية أو غيرها التي لم تكن تربطها بها أي رابطة، وبذلك تنسف الجسور التي تصل بين الشعوب الإسلامية، ويلغى ذلك التيار الطويل، وتمحى روابط الثقافة المشتركة ولغة الدين المشترك والقيم الخلقية المشتركة، وتلغى بذلك الأخوة الإسلامية) (١). وإذا تأمل الباحث فيما أنجزه المستشرقون من دراسات في التاريخ والحضارة والدراسات الإسلامية وحاضر العالم الإسلامي فإنه يقف على حقيقة أن هذه الدراسات تهدف -بشكل مباشر وغير مباشر- إلى (إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم عن طريق إحياء القوميات التي كانت لهم قبل الإسلام، وإثارة الخلافات والنعرات بين شعوبهم، وكذلك يفعلون في البلاد الإسلامية، ويجهدون لمنع اجتماع شملها، ووحدوا كلمتها بكل ما في أذهانهم من قدرة على تحريف الحقائق، وتصيد الحوادث الفردية في التاريخ، ليصنعوا منها تاريخيًا جديدًا يدعو إلى ما يريدون من منع الوحدة بين البلاد العربية والإسلامية والتفاهم على الحق والخير بين جماهيرها المؤمنة) (٢). يقول (لورنس العرب): (وأخذت أفكر طول الطريق في سوريا. . . وفي الحج، أتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية، وهل

стр. 469

يغلب الاعتقاد الوطني المعتقدات الدينية، وبمعنى أوضح هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والإلهام) (١). وعلى هذا فإن الاستشراق نظر للقوميات، وأسهمت الدراسات الاستشراقية في إضعاف الأخوة الإسلامية وتمزيق الوحدة الإسلامية من خلال ذلك، وقد ذكر الأستاذ محمد المبارك بأن (الدول الأوروبية ولا سيما فرنسا وإنجلترا، وهما أقوى دول أوروبا يومئذ من جهة والمكونتان لإمبراطورية استعمارية ينضوي تحت حكمها شعوب إسلامية كثيرة، وجدت في هذا الجو بالذات مجالًا لإضعاف الربطة الإسلامية بين هذه الشعوب، بل لتهديمها وإزالتها نهائيًا عن طريق إثارة العصبيات القومية واتخاذ القومية أساسًا لإقامة المجتمع. فان هذا التفريق وإزالة صعيد الالتقاء المشترك بين الشعوب الإسلامية من مصلحتها، وقد ثبت أن فرنسا وإنجلترا دفعتا أمريكا في ذلك في أواخر العهد العثماني، وليرجع من يريد الأدلة المؤيدة لذلك إلى كتاب جورج أنطونيوس (يقظة العرب) وإلى كتاب (تركيا الفتاة) من تأليف رامزر Ramsaur (٢) .

стр. 470

ومما يستنتجه الباحث من هذا الواقع أن موقف المستشرقين من أخوة الإسلام ووحدة الأمة الإسلامية انطلق من إدراكهم الشديد لتميز الأمة الإسلامية في ترسيخ مبدأ الأخوة الإسلامية، وأنه ألف بين الشعوب الإسلامية وربط بعضها ببعضها الآخر في دائرة أوسع من دائرة القوميات والأعراق والأجناس، وأن دائرة الأخوة تتسع لتشمل جميع البشر، وهذا السبق نحو العالمية لم يتحقق بالصفة العمليّة المتكاملة إلا في تاريخ الأمة الإسلامية وبهدي الإسلام وتعاليمه، وأن أخوة الإسلام ووحدة أمته من أهم مقومات تميز الأمة الإسلامية على سائر الأمم، لذلك جدَّ المستشرقون -المعادون للإسلام- في نقل حمى القوميات التي شقي بها الغرب، وانقسم من أجلها على نفسه، وتطاحنت شعوبه وأممه تحت وطأة النزعات القومية، وما انبنى حولها من أفكار وفلسفات لخصها أحد الباحثين في النقاط الآتية (١): ١ - عاطفة الفخر القومي. ٢ - عاطفة الغيرة القومية. ٣ - عاطفة الاستعلاء والتوسع. ٤ - عاطفة الحفاظ على المصالح القومية الواقعية الافتراضية. وذكر أن هذا المبدأ أو الفلسفة القومية (تخلق داخل كل أمة متطورة قوية ادعاء أنها

стр. 471

أقوى وأسمى من جميع الأمم. . . وترى من واجبها نشر ثقافتها وحضارتها بين الأمم المختلفة، وترى أن من حقها الطبيعي أن تستفيد من الثروة الطبيعية للدول الأخرى) (١). وبعد ذلك يرصد الباحث ما نجم عن هذه النظرة الاستعلائية من تمزق وعداء بين أمم الغرب وشعوبه. . . فيقول: (هذه هي القومية الأوروبية التي انتشى البعض بها فصاح (ألمانيا فوق الجميع)، وصاح البعض الآخر (أمريكا بلد اللَّه) وأعلن البعض الآخر (إيطاليا هي الدين)، ووجه البعض رسالة إلى الدنيا قائلًا: (الحكم حق لبريطانيا)، ويؤمن كل وطني بهذه العقيدة الدينية وهي: (أن بلدي بلدي سواء كان على حق أو على باطل)، هذا هو جنون القومية الذي (حل) بالإنسانية في العالم اليوم، وأعظم خطر يحدق بالحضارة الإنسانية، ويجعل من الإنسان وحشًا ضاريًا أمام الأمم الأخرى إلَّا أمَّته) (٢). لقد أدرك بعض المستشرقين أهمية نقل فكرة القوميات إلى شعوب العالم الإسلامي لإضعاف التآخي بينهم وللقضاء على وحدة الأمة الإسلامية، واستشرف ما تؤول إليه هذه الفكرة على الرغم من كونها قد تسبب في بداية الأمر عداء للغرب، غير أنها كفيلة بهدم وحدة الأمة أولًا، ثم يمكن الغرب بعدها أن يتمكن من احتوائها. وهذا ما أفصح عنه (جيب) حينما تحدث عن المبدأ القومي وأهمية تنميته في شعوب العالم الإسلامي في كل من تركيا ومصر والعراق وإيران وإندونيسيا، وما يمكن أن يترتب عليه عاجلًا وآجلًا فقال: (وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا، ولكن من الممكن

стр. 472

أن يلعب في المستقبل دورًا في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم مقوماتها) (١)، وعندئذٍ يسهل التعامل مع كل وطن بمفرده، ويمكن فرض التبعية عليه بعد أن فقد القوة الكامنة في وحدة الأمة ومواجهة الأخطار المحدقة بها، بل تجاوزوا ذلك إلى تجزئة الوطن الواحد وتفتيته من خلال الأحزاب المتعارضة والمناهج المتناقضة. ٣ - إظهار الفرق المنشقة في تاريخ الإسلام، وذلك بدراسة تاريخها والتنظير لها، وممن كتب عن الفرق من المستشرقين: (فون كريمر: تاريخ الفرق في الإسلام، وهوتسما: العقيدة الإسلامية والأشعري، وبرنارد لويس: أصول الإسماعيلية والنصيرية والإباضية والشيعة، وهابولد: المذاهب الباطنية، كما قام شيرنجر بإعداد فهرست كتب الشيعة للطبع، وهو من تأليف الطوسي) (٢). وتطرق (آدم متز) في كتابه: الحضارة الإسلامية للحديث عن الدين وظهور الفرق الشيعية وفرق الخوارج والطرق الصوفية (٣)، وكتب (هنري كوبان): تاريخ الفلسفة الإسلامية (٤). ومما يلحظ على تناول المستشرقين لتاريخ الفرق وذكر مذاهبها وتطبيقاتها الآتي: أ- الخلط بين الإسلام الصحيح الذي أبانه اللَّه في كتابه العزيز وطبقه الرسول ﷺ وعلمه أمته وسار عليه السلف الصالح وبين الواقع التاريخي

стр. 473

لتلك الفرق الضالة على ما فيه من تعارض وتناقض وانحراف، وهذا ما عبر عنه أحد الباحثين بقوله: (ولو استعرضنا اعتبار المستشرقين لمصادر الإسلام: لوجدناهم يعتبرون أن الإسلام في دراسته كما يؤخذ من القرآن والسنة، يؤخذ من تفكير المسلمين في مدارسهم المتنوعة ومذاهبهم المختلفة في تاريخ جماعتهم. ومعنى ذلك: أن لهذا التفكير نفس الحجة التي للقرآن والسنة الصحيحة وهذا التفكير كذلك يصور الإسلام تمامًا، كما يجب أن يصوره القرآن والسنة، فالإسلام والمجتمع الإسلامي سواء، أحدهما يصح أن يكون دليلًا على الآخر، بل يجب أن يكون دليلًا على الآخر) (١). ولو أن اعتبار المستشرقين لمصادر الإسلام اقتصر على المجتمع الإسلامي الذي طبق الإسلام في ضوء القرآن والسنة والمنهج الإسلامي الصحيح لهان الأمر، ولكن اعتبار المستشرقين لمصادر الإسلام يتسع ليشمل الفرق الضالة من باطنية وغلاة الصوفية والشيعة والخوارج وغيرهم، وفي هذا ما يؤكد أن المذاهب الإسلامية في العقيدة والفقه -من وجهة نظر هؤلاء المستشرقين- تعبيرات صادقة عن القرآن والسنة الصحيحة، والإسلام هو مجموع هذه المذاهب، بالإضافة للقرآن والسنة، فلا فرق بين رسالة اللَّه، وصنعة الإنسان في هذه الرسالة، ومنطلق اعتبارهم أن (تفكير المسلمين ومذاهبهم) تساوي في الحجية القرآن والسنة الصحيحة؛ يؤدي إلى: أن تفكير الباطنية والصوفية والملاحدة مثلًا. . . له نفس الحجية التي للقرآن والسنة، ومساوٍ في القيمة لمذاهب أهل السنة ومعتدلي الشيعة. . . وأن أنواع تفسير القرآن الكريم المختلفة من صوفية رمزية، إلى تعليمية باطنية، إلى تفسير بالتأويل، إلى تفسير بالرواية، إلى تفسير بالقصص الإسرائيلي، لها نفس الحجية التي للقرآن) (٢).

стр. 474

ولا شك أن اعتبار المستشرقين للإسلام على هذا النحو من أكبر ما يهدد وحدة المسلمين لتعد المناهج في فهم الإسلام وتناقضها وتعارضها، ومن المعلوم عقلًا وشرعًا أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال (١)، وعندئذ تكون الأمة الإسلامية محطمة من داخلها كما قال (جيب): (إن الإرث الديني الإسلامي ليس مهددًا من الخارج بقدر ما هو مهدد من الداخل) (٢). ب- إحياء مناهج الفرق الضالة وبعثها من جديد لتؤدي في واقع الأمة المعاصر مثل ما أدت في تاريخها الماضي، وهو ما عبر عنه أحد المفكرين المسلمين بقوله: (الاهتمام البالغ بمظاهر الانحرافات الدينية والثقافية التي ظهرت عبر التاريخ الإسلامي، والتي أدت في الماضي إلى تمزيق المسلمين فكرًا وواقعًا، وطعنت في وحدتهم العقيدية وانسجامهم الفكري، أي: إن المستشرقين في إطار مخططات السياسة الاستعمارية الغربية أرادوا نقل الصراع الفكري الدموي الميت من الماضي إلى الحاضر لإشغال المسلمين عن واقعهم والحيلولة دون الاجتماع على مبادئ الإسلام الفطرية القائمة على الوحي الإلهي) (٣). ويرى هذا المفكر أن تلك الفرق الضالة في تاريخ نشأتها، والتي شكلت تيارات هدامة لوحدة الأمة الإسلامية من خوارج وشيعة وخرمية وقرامطة وحركة الزنج والباطنية بعامة (٤) كانوا في الحقيقة: (ملاحدة أو

стр. 475

مشركين أو يهودًا متآمرين تقدموا إلى المجتمع الإسلامي من خلال الخرافة والفلسفات المادية أو الغنوصية للسيطرة على عقلية العوام، متسترين وراء الشعارات المحببة إلى نفوس المظلومين في تلك الأزمان الذين كانوا مهيئين لاتباع كل من كان يدعي خطة لإنقاذهم من أوضاعهم المزرية، والانتقام من ظالميهم) (١). ويمضي في بيان ما آل إليه أمر هذه التيارات من (تسليم الأمة إلى الأعداء عبر تحالفات تاريخية معروفة، بينهم وبين أعداء الإسلام انتهت بتدمير الحضارة الإسلامية في بغداد، والتحالف مع الصليبيين لإقامة مجازرهم التاريخية المعروفة في بلاد الشام) (٢). ج- توسيع الفجوة بين مناهج الفرق واستثمار ذلك بدعوة الدول الاستعمارية لمساندة بعض الفرق وإذكاء روح الثورة فيها على غيرها، ومن ثم حدوث الانقلابات ذات (الأيديولوجية) التي تهدم الأمة من داخلها وتفتت وحدتها، وذلك بتقسيم الأمة إلى أقسام رئيسة، ثم تفتيت تلك الأقسام إلى أجزاء متناثرة متناحرة متهالكة، وإذا كانت مثل هذه الخطط تتم تحت نظر الاستعمار الغربي وسياسته فإن أثر الاستشراق في ذلك ملموس ومؤكد من أكثر من وجه، منها: - كون المستعمرين ورجال السياسة في الغرب (على صلة وثيقة بأساتذة كليات اللغات الشرقية في أوروبا من المستشرقين يرجعون إلى آرائهم قبل أن يتخذوا القرارات المهمة في الشؤون السياسية الخاصة بالأمم العربية والإسلامية) (٣).

стр. 476

وهذا ما أثبته التاريخ، وتحدث عنه بعض المستشرقين قائلًا: (إن مستر (إيدن) كان قبل أن يضع قرارًا سياسيًا في شؤون الشرق الأوسط يجمع المستشرقين المستعمرين ويستمع لآرائهم، ثم يقرر ما يقرر في ضوء ما يسمع منهم) (١). - ما يصرح به بعض المستشرقين من اعتبار إسلام الكتاب والسنة (إسلامًا ميتًا، أما الإسلام الحي الذي يجب الاهتمام به ودراسته فهو ذلك الإسلام المنتشر بين فرق الدراويش في مختلف الأقطار الإسلامية) (٢)، وإذا كان الاستشراق يهتم بهذا الواقع المتردي للعالم الإسلامي كي يرسم صورة مشوهة عن المجتمع الإسلامي فإنه من ناحية أخرى (يعمل على تعميق الخلاف بين السنة والشيعة، والمستشرقون يعدون المنشقين عن الإسلام على الدوام أصحاب فكر ثوري تحرري عقلي) (٣)، ويدعون إلى استخدام تلك الفرق المنشقة والطرق الصوفية لإضعاف وحدة الأمة الإسلامية، وتأليب بعضها على بعضها الآخر (وهو ما عبر عنه (البارون كاردي فو) بقوله: (أعتقد أن علينا أن نعمل جاهدين على تمزيق العالم الإسلامي، وتحطيم وحدته الروحية مستخدمين من أجل هذه الغاية الانقسامات السياسية والعرقية. . . دعونا نمزق الإسلام بل ونستخدم من أجل ذلك الفرق المنشقة، والطرق الصوفية. . . وذلك كي نضعف الإسلام. . . لنجعله إلى الأبد عاجزًا عن صحوة كبرى" (٤). - ما كتبه المستشرقون في بعض دوائر المعارف عن تاريخ الأمة

стр. 477

الإسلامية وهو يبرز تلك الفرق وتناقضاتها، والإشادة بها من ناحية والقدح من ناحية أخرى في الأمة الإسلامية الملتزمة بالمنهج الإسلامي الصحيح في تطبيق الإسلام، وإخضاع حياتها المعاصرة وفقًا للأنموذج الذي عاشه الرسول ﷺ وصحابته الكرام. أما الشق الأول من هذه النظرة الاستشراقية فيدل عليها -كمثال- ما ورد في دائرة المعارف البريطانية حينما ذكرت في وصفها للإسلام (بأن التواترات والانقسامات المتمثلة في الخوارج، والمعتزلة، والإسماعيلية وغيرها من الفرق الضالة هي أشكال الإسلام) (١). وهذا يعني عدم (التميز بين ما هو إسلامي، وما هو غير إسلامي (وتجاهل) المبادئ الجوهرية والركائز الأساسية التي تنهض عليها العقيدة الإسلامية، (والاجتهاد) في أن يصور الإسلام على أنه ليس سوى كم من المتناقضات) (٢)، على أن هذا الاتجاه لدى بعض المستشرقين يتجاهل موقف المسلمين من هذا الواقع (فالمسلمون يعتبرون سائر الفرق الباطنية فرقًا خارجة عن الإسلام وإن ادعته. . . وجميع العلماء المسلمين في كافة أنحاء العالم يعتبرون هذه الطوائف جماعات غير إسلامية، وألفوا عشرات الكتب في التعريف بحدود الإسلام ومعالمه وبيان موقع هذه الطوائف علميًا في ضوء القرآن والسنة) (٣). ويدل على شقها الآخر الأوصاف التي يصفون بها تطبيق الرسول ﷺ وصحابته الكرام والسلف الصالح، فقد درجوا على وصف هذا التطبيق

стр. 478

للإسلام بأنه بدائي، ولا يمكن أن يساير الحياة وتطوراتها ونحو ذلك من الأوصاف التي تقدح في التطبيق الصحيح للإسلام، وفي منهج أمة الاستجابة والاتباع ذلك المنهج الإسلامي الأصيل، وللمثال على هذا ما أوردته (دائرة المعارف الإسلامية) في تعليقها على آراء (محمد عبده) فيما يتصل بشرحه للإسلام، وإذ قالت: (والإسلام البدائي -نقصد الإسلام على عهد الرسول وصحبته- في نظر الشيخ عبده، ليس هو الإسلام التاريخي (الذي صار إليه الأمر في حياة المسلمين). . . وإنما هو إسلام اصطنع مثاليته، وجعله متفوقًا على المسيحية في أنه دين معقول، ومتصل بالحياة اتصالًا كثيفًا) (١). د- التنظير لأديان جديدة (تقوم على نسخ المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية التي كانت تشكل عقبة أساسية أمام مطامع المستعمرين، والتي تجلت في ظهور البهائية في إيران والقاديانية في الهند) (٢). والبهائية: نسبة لشخص اسمه (المرزا حسين) ويلقب (البهاء) توفي

стр. 479

عام: (١٨٩٢ م) (١)، وتعود إلى البابية نسبة إلى شخص يسمى (ميرزا علي محمد) وقد تتلمذ على يدي (الرشتي) تلميذ (أحمد الإحسائي) (٢) الذي قال عنه محسن عبد الحميد: (هنالك رأي يستند على تقارير المستشرقين يقول: إن الإحسائي لم يكن أصله من الأحساء، ولا ثبت ذلك تاريخيًا، وإنما كان قسًا غربيًا أرسل من إندونيسيا إلى الشرق حسب خطة مرسومة لإفساد العقيدة، وتغيير أحكام الدين) (٣). وعقيدة البابيين والبهائيين أن الباب هو الذي خلق كل شيء بكلمته، والمبدأ الذي ظهرت عنه جميع الأشياء (٤)، (ويردد (جولدزيهر) ما يقوله البابيون عن الباب (بأنه أرفع مراتب الحقيقة الإلهية التي حلت في شخصه حلولًا ماديًا وجسمانيًا) (٥). وقد أعلنت دعوة البابية سنة: (١٨٤٤ م)، وقبض على الباب ورتبت له حيلة في مجلس حاكم (شيراز) فصرح بمبادئه وهي نسخ نبوة محمد ﷺ القرآن الكريم، ثم أعقب ذلك مؤتمر (بدشت) الذي أعلنت فيه (قرة العين) بأن البابية ناسخة للشريعة الإسلامية وكان وراءها البهاء، وجاء

стр. 480

إعلانها هذا مؤكدًا صلة هذه الدعوة بالدعوات الإلحادية السابقة من مزدكية ومانية وقرامطة وباطنية (١). أما القاديانية: فنسبة إلى (مرزا غلام أحمد القادياني: (١٨٣٩ - ١٩٠٨ م)، نسبة إلى قاديان بإقليم البنجاب (٢)، قالت عنها الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة: (القاديانية حركة نشأت (١٩٠٠ م)، بتخطيط من الاستعمار الإنجليزي في القارة الهندية بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم وعن فرضية الجهاد بشكل خاص) (٣)، وقد لحظ الباحثون في نشوء الحركة القاديانية أن صاحبها لم يتهور في إعلان مقاصده وأهدافه بحماقة كما فعل الباب، وإنما تدرج فيها حتى ادعى النبوة. وقد قرر علماء المسلمين بأن القاديانية أقلية غير مسلمة ولا تعد من الفرق الإسلامية؛ حكى الإجماع ملك مرتضى في كتابه دائرة المعارف البريطانية فقال: (لقد قرر جميع علماء المسلمين في كافة أنحاء العالم بالإجماع إدانة الأحمدية القاديانية واعتبارهم أقلية غير مسلمة في الباكستان، وذلك في شهر سبتمبر من عام: (١٩٧٥ م) (٤). ولم يكتف المستشرقون المعادون للإسلام بإظهار الفرق المنشقة عن الأمة الإسلامية في تاريخها القديم، وإظهار الإسلام من خلال معتقداتها كقول دائرة المعارف البريطانية: (إن النبي محمدًا قد تبعه سبع أئمة يتولون

стр. 481

تفسير إرادة اللَّه إلى الناس، وهم بمعنى معين أسمى منزلة من النبي؛ لأنهم يستمدون علمهم مباشرة من اللَّه وليس من ملك التنزيل) (١). كذلك لم يقتنعوا بما لدى الفرق الضالة من عقائد فاسدة حول المهدي المنتظر من شأنها هدم الأمة الإسلامية ونسف عقيدتها هو ما عبر عنه (جولدزيهر) بقوله: (وهذا التطبيق لفكرة المهدي يهدم إحدى دعائم الإسلام الأساسية وهي أن محمدًا قد ختم إلى الأبد سلسلة الأنبياء، وأنه الحامل لآخر رسالة بعث اللَّه بها إلى الجنس البشري، وتحت لواء هذه الجماعة الشيعية وهي الإسماعيلية، روجت الدعاية السرية مبادئ هادمة للإسلام ومقوضة لأركانه، وصار ادعاء الألوهية أمرًا هينًا) (٢). وإنما تطاولوا على وحدة الأمة الإسلامية بإيجاد فرق جديد من شأنها التبشير بشريعة تخضع لإملاءات الاستعمار وتحقق له أكثر من هدف، وفي مقدمة ذلك إلغاء فريضة الجهاد التي وجدها المستشرقون عقيدة راسخة، ومبدأ مستقرًا في عقائد جميع تلك الفرق. وللمثال على هذا الهدف ما ذكره (جولدزيهر) عن القادياني فقال: (وقد أضاف إلى دعواه المزدوجة -بأنه عيسى الموعود، وأنه المهدي المنتظر- زعمًا ثالثًا من أجل إخوانه الهنود هو أنه (الأوتاد) أي: أن الألوهية حلت في جسده، وهو لا يرمي فحسب إلى تحقيق آمال الإسلام في فوزه الشامل على سائر الأقطار المعمورة في آخر الزمان فحسب، وإنما يعبر عن رسالته العالمية التي يتوجه بها إلى الإنسانية جمعاء، غير أن مهدية أحمد تخالف نظرية المهدي كما جاءت في الروايات الإسلامية فهي تتسم بالطابع السلمي، أما السنة الإسلامية فتصور المهدي قائدًا حربيًا يقاتل

стр. 482

الكفار بالسيف، وتلوث طريقه بقع الدماء، ويطلق عليه الشيعة -مع ماله عنهم من ألقاب- لقب صاحب السيف، غير أن النبي الجديد أمير من أمراء السلام، إذ أنكر الجهاد وأسقطه من الفرائض الإسلامية وحبب أتباعه السلم والتسامح ونهاهم عن التعصب، وجد أن يبعث في نفوسهم ميلًا للعلم والثقافة) (١). ويقول (جيب): (فالهند هي التي أنتجت طائفة إسلامية بوسعنا أن نقول أنها ناجحة، فقد اتخذت شكلًا تحرريًا سلميًا، تفتح أمام الذين فقدوا إيمانهم بالإسلام طريق العودة، فمؤسسها (ميرزا غلام أحمد)، لم يكتف باعتبار نفسه مهدي المسلمين بل اعتبر نفسه تجسيدًا لكريشنا) (٢). لقد أكد العلماء والباحثون ارتباط هاتين الفرقتين بالاستعمار والاستشراق باعتبار الاستشراق هو المنظر لهما إمعانًا في تفريق كلمة المسلمين، والقضاء على وحدة الأمة الإسلامية، وإيجاد طوائف جديدة ترفع لواء التجديد في الإسلام بإلغاء شريعته وصناعة مدعي النبوة بعد محمد ﷺ الذي أخبر عن مجيء كذابين يدعون النبوة من بعده (٣)، وكان هذا الواقع من دلائل إعجازه وعلامات نبوته ﷺ ، وكان الاستعمار الداعم والراعي لهاتين الفرقتين الضالتين. وعن ارتباط البهائية بأعداء الإسلام قال أحد الباحثين: (كانت إيطاليا تعد عدتها لالتماس طرابلس، وتجد في جمع العدد الوفير من الخونة الذين

стр. 483

يمهدون لها الطريق، وقد راعها ما قام به عبد البهاء من أجل إنجلترا والصهيونية، فبادرت إلى شراء عبد البهاء، وكانت مقدمة الثمن عرض القنصل الإيطالي عليه الفرار إلى طرابلس على سفينة حربية إيطالية أعدت من أجله، ولكنه رفض أن يحطم أغلال الصهيونية وقيودها التي غاصت في عنقه وقدميه، رفض لأنه لم يكن حينئذ يستطيع أن يفعل ما لا يقدر عليه؛ فلقد كان غريقًا في عبوديته لسيد آخر، فكيف يبيع للسيد الجديد ما لا يملك) (١). وأكد الباحثون على أن هناك صلات وثيقة تربط القاديانية بالمستعمرين من ملحوظتين بارزتين لازمت حركتها الهدامة: إحداهما: تصريحات القادياني بصداقته لهم، ووفائه معهم، إذ نقل عنه قوله: (ينبغي لي أن أقول لكم قبل كل شيء: أنني أنتمي إلى تلك الأسرة التي اعترفت الحكومة البريطانية -منذ مدة طويلة- بأنها صديقة، ومتمنية للخير والسعادة للحكومة البريطانية من الدرجة الأولى. . .) إلى أن يقول: (لذلك أعمل بحرارة قلبي في خدمة هذه الحكومة، وأعلن عن منافع هذه الحكومة وإحسانها إلى الناس كما عمل من قبل أبي وأخي، وأفرض عليهم الخضوع لهذه الحكومة وطاعتها كاملة) (٢). ونقل عنه قوله -أيضًا-: (لقد خطوت أكبر مرحلة من حياتي في نصرة الدولة البريطانية والدفاع عنها، وألفت كتبًا كثيرة أحرم فيها الجهاد ضدها، ووجوب الطاعة والخضوع لها، ولو جمع كل ما كتبته في هذا الصدد لبلغ خمسين كتابًا، ووزعت هذه الكتب كلها في جميع أقطار العالم) (٣).

стр. 484

والملحوظة الأخرى ما صرح به (نكلسون) عن القاديانية، وأنها وفية للإنجليز، إذ قال: (إن في قاديان تسكن هذه الأسرة التي وجدنا فيها دون جميع الأسر الوفاء للإنجليز) (١). وقد ذكر أبو الحسن الندوي بأنه: (تحقق علميًا وتاريخيًا أن القاديانية وليدة السياسة الإنجليزية) (٢) وأن القادياني قام بدوره (وبما كلف به خير قيام، وحماه الإنجليز ومكنوه من نشر دعوته، وحفظ القادياني هذه اليد وعرف الفضل للإنجليز في ظهوره) (٣). وبهذا يتضح أن الاستشراق ضليع في إبراز هاتين الفرقتين لتكونا معولي هدم في وحدة الأمة الإسلامية، وعلى الرغم من إجماع المسلمين على تكفيرهما، وعدم اعتبارهما من الفرق الإسلامية فإن الأعمال الاستشراقية تؤكد على أنهما من الفرق الإسلامية، ويشيد المستشرقون -كما سبق- بمنهجهما في التجديد والإصلاح المزعوم (٤). * * *

стр. 485

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه تأليف د. إسحاق بن عبد الله السعدي [المجلد الثاني] إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتمويل الإدارة العامة للأوقاف إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 486

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 487

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لوزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية الطبعة الأولى ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م

стр. 488

دراسات فِي تميز الْأمة الإسلامية وموقف المستشرقين مِنْهُ [المجلد الثَّانِي]

стр. 489

دراسات فِي تميز الْأمة الإسلامية وموقف المستشرقين مِنْهُ تأليف: د. إِسْحَاق بن عبد اللَّه السَّعْدِيّ الكتاب الثالث ٣/ ٥ خصائص تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منها • خارطة ذهنية توضحية. • الربانية وموقف المستشرقين منها. • العالمية وموقف المستشرقين منها. • الوسطية وموقف المستشرقين منها. • الإيجابية الخيرة وموقف المستشرقين منها.

стр. 490

[مخطط]

стр. 491

الربانية وموقف المستشرقين منها • تمهيد. • مفهوم الربانيَّة. • القرآن الكريم المصدر الأساس لربانية تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة. • السنة الشريفة ومنزلتها من القرآن الكريم. • موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة.

стр. 492

الربانية وموقف المستشرقين منها تمهيد الربانيَّة خصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، إذ هو تميُّزٌ يستند إلى دين اللَّه الموحى به إلى الرسول الخاتم محمد ﷺ وهو دين الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والإسلام صبغة اللَّه ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]. قال القرطبي: (صبغة اللَّه أحسن صبغة، وهي الإسلام، فسمِّي الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب) (١). وقال أيضًا: (وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعموديَّة [التعميد] (٢)، ويقولون هذا تطهير. . . فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا، فردَّ اللَّه تعالى ذلك عليهم بأن قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: صبغة اللَّه أحسن صبغة وهي الإسلام. . .) (٣). يتضح من هذا أنَّ خصيصة الربَّانيَّة من أهم خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، حيث إنَّ الأُمَّة إذا أضيف إليها الإسلام أو وصفت به فإنَّها تصطبغ به حتى يصبح الإسلام صبغتها الذي تظهر به وتتطهر بطهوره، ويظهر سمته عليها، وتحقق بذلك ذاتيَّة متميِّزَة، وبذا فإنَّ من أهم خصائص تميُّزها خصيصة الربانية. * * *

стр. 493

مفهوم الربانيَّة أ- معنى الربانية لغة: الربانية في اللغة: مأخوذة من مادة (ربَّ)؛ قال ابن فارس: (الراء والباء يدل على أصول؛ فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. .، والأصل الآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه. .، والأصل الثالث: ضم الشيء إلى الشيء. . .) (١). وقال الفيروزآبادي: (الرَّبَّاني: المتأله العارف باللَّه . . . وفعلان يبنى من فَعِلَ كثيرًا، كعطشان، وسكران، ومن فَعَل قليلًا كنعسان، أو المنسوب إلى الرب؛ أي: اللَّه تعالى، فالرباني كقولهم: إلهي، ونونه كلحياني، أو هو لفظة سريانية. . .، وربَّ: جَمَعَ، وزاد، ولَزِمَ، وأقام) (٢). وقال الراغب الأصفهاني: (الرَّبُّ في الأصل: التربية؛ وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التَّمام، يقال: ربَّه، وربَّاه، وربِّيبَة. . . ولا يقال: الرَّبُّ مطلقًا إلَّا للَّه تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] أي: آلهة وتزعمون أنَّهُم الباري مسبب الأسباب، والمتولي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١]، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]، ويقال: ربُّ الدَّار، وربُّ الفرس: لصاحبهما،

стр. 494

وعلى ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] (١). وقال ابن الأثير: (الرَّبُّ يطلق في اللغة على المالك، والسيد والمدبِّر والمربِّي والقيِّم والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلَّا على اللَّه تعالى، وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: ربُّ كذا. . . وفي حديث عليٍّ: "الناس ثلاثة؛ عالم ربَّاني. . . " (٢)، هو المنسوب إلى الرَّبّ بزيادة الألف والنون للمبالغة، وقيل: هو الربّ بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، والربَّاني العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه اللَّه، وقيل: العالم العامل المعلِّم) (٣). ومِمَّا يستخلص من هذه النصوص التي وردت في معنى (ربَّ) و (الرَّبّ)، في معاجم اللغة ومعاجم القرآن الكريم والسنّة النبويَّة: أنّ الرَّبّ

стр. 495

يطلق على معانٍ عِدَّة منها: (المربِّي، والجامع، والمالك السيد المتصرف الحاكم، والكفيل المصلح المدبر) (١). وكل هذه المعاني متحققة في الربانية بصفتها خصيصة من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة، فالرَّبُّ جَلَّ وعَلَا هو مربي هذه الأُمَّة المختارة، وهو المالك لها والسيد المتصرف في شؤونها، وهو الحاكم الكفيل المدبر المصلح لشأنها كله، وهي تستمد هذه المعاني كلها من كتاب اللَّه ومن سنة رسوله ﷺ ، وتميُّزها تميُّز متصل بالوحي (القرآن والسنَّة) في المقام الأول. ب- معنى الرَّبَّانيَّة اصطلاحًا: الرَّبَّانيَّة نسبة إلى الرَّبِّ، وزيادة الألف والنون للمبالغة كما أشار إلى ذلك ابن الأثير -في النص آنف الذكر-، وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة ولكنها تنصب على مَنْ وُصِفَ (بالرَّبَّاني) (٢)، أمَّا الرَّبَّانيَّة في هذا المطلب فالمقصود بها: أنَّ تَميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة ذو صبغة إلهية ربَّانيَّة فهو تميُّزٌ ينبثق من الوحي (الكتاب والسنة) وعلى ذلك فالربَّانيَّة إحدى الخصائص التي يتصف بها تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، من حيث المصدر، ومن حيث الهدف والغاية. ويقتصر الحديث هنا عن القرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهرة، باعتبارهما صَدَرَا عن اللَّه كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، ومنهما انبثق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة فأصبحت الرَّبَّانيَّة خصيصة لازمة من خصائص هذا التميُّز من حيث المصدر، أمَّا من حيث الهدف والغاية فالحديث عن هذا الجانب متداخل ومماثل للحديث عن العبوديَّة
следующие страницы →