← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والأموال والمواريث وقبل ذلك كله ما يتعلق بالعقيدة والعبادة (١)، (والمفاصلة التامة بين الإسلام والشرك) (٢)، كل ذلك تَمَّ في مراحل متدرجة أخذت بالأمة من حال إلى حال، ومن طور لآخر، وتربت في خلالها حتى اكتمل الدين وتمت النعمة، واللَّه هو المربي والمنعم والقيم والمالك والسيد والمتصرف والمصلح والمدبر، وقد تجلت هذه المعاني في نشوء الأُمَّة الإسلاميَّة وتطورها وتمامها. وعن هذا المعنى قال أحد المفكرين المسلمين: (لم تتجاوب -في التاريخ القديم والحديث- أُمَّة مع كتاب تجاوب العرب مع القرآن، فبعد أن اصطفى الخالد من مكارمهم، وأبطل الشائن من عاداتهم، وزكَّى ما عندهم من استعداد، وأنار لهم طريق الهداية بعد حيرة، واستجابوا له، فأصبح الكتاب الذي من خلاله ينظرون إلى الكون والحياة والوجود، وفي جوه الفكري والروحي يعيشون ويحيون، وبمفاهيمه في الحياة يأخذون. ولذلك لم يكن القرآن كتابًا فلسفيًّا، ولا نظريات فكريَّة، بل كتابًا امتزج بحياتهم، ومدرسة حيَّة عاشوا في جوها، ورأوا فيه مراحل الدعوة التي قاوموها ثُمَّ أخذوا بها، ورأوا فيه أحزابهم ومواقفها من الدعوة ونماذج من

стр. 527

شخصياتهم. والقرآن على أنَّه وحيٌ نزل من السماء ليصور حياة أفضل ويدعو إليها، وقد وصف حوادث حدثت في الأرض فكان واقعيًّا ومثاليًّا في آن واحد) (١). ولولا أنَّ اللَّه جل وعلا أحاط هذه الأُمَّة بعنايته ورعايته، وأصلح شأنها بالقرآن الكريم وبهدي سيد الأنبياء والمرسلين، لما بلغت هذه المرتبة الرفيعة من التربية والثقافة. * * *

стр. 528

السنة الشريفة ومنزلتها من القرآن الكريم يتضمن القرآن الكريم الأخذ بالسنة والتزامها من أكثر من وجه، وقبل ذكر تلك الأوجه ينبغي التعريف بالسنة في اللغة والاصطلاح، ثُمَّ بيان منزلتها من القرآن الكريم. أولًا: تعريف السنة: أ- السُّنَّة في اللغة: جاء في لسان العرب: (السُّنَّة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة، وقيل: الطريقة المحمودة المستقيمة، والسُّنَّة الطبيعة. سنن الطريق وسُننه: نهجه) (١). وفي القاموس المحيط: (سَنَنُ الطريق. . .: نهجه وجهته) (٢). وقال الراغب الأصفهاني: (السُّنَن: جمع سُنَّة، وسُنَّة الوجه: طريقته، وسُنَّة النبي: طريقته التي كان يتحراها، وسُنَّة اللَّه تعالى: قد تقال لطريقة حكمته، وطريق طاعته، نحو ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]، فتنبيه أنَّ فروع الشرائع -وإن اختلفت صورها- فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل، وهو تطهر النفس، وترشيحها للوصول إلى ثواب اللَّه تعالى وجواره) (٣). ب- السُّنَّة في الاصطلاح: قال ابن الأثير: (تكرر في الحديث ذكر (السُّنَّة) وما تصرَّف منها، والأصل فيها الطريقة والسيرة، وإذا أُطلقت في الشرع فإنَّما يراد بها ما أَمَرَ به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولًا وفعلًا،

стр. 529

مِمَّا لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسُّنَّة، أي: القرآن والحديث) (١). وقد كثرت المعاني التي اصْطُلِحَ عليها في تعريف السُّنَّة بالنظر لتعدد العلوم التي تُعنى بالسُّنَّة (فهي عند المحدثين غيرها عند الأصوليين والفقهاء، والشارع في أي علم عليه أن يلم باصطلاحات أهله؛ لئلا تلتبس عليه الأمور وتضطرب الموازين) (٢). وعلى الرغم من ذلك فإنَّ المعنى المراد هنا بالسُّنَّة: ما صح عن النبي ﷺ من أقوال وأفعال (تؤكد ما ورد في القرآن الكريم، أو تفسر أحكامه وتبين شرائعه؛ من تفصيل لمجمل، أو تخصيص لعام أو تقييد لمطلق، أو توضيح لمشكل، أو بزيادة على ما ثبت في القرآن الكريم في حكم من الأحكام، أو بإنشاء حكم سكت عنه القرآن وثبت بالسنة، ونحو ذلك مِمَّا يقتضيه الأخذ بالسُّنَّة، كنسخها لبعض أحكام القرآن الكريم) (٣). ثانيًا: منزلة السُّنَّة من القرآن الكريم: أ- تماثل السُّنَّة القرآن الكريم في كونها وحيًا من اللَّه لقوله

стр. 530

تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلَّا حقٌّ" وأشار بيده إلى فيه) (١)؛ وذلك في قصة كتابة عبد اللَّه بن عمر بن العاص لما يسمعه عن الرسول ﷺ ، وأنَّ قريشًا نهته عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه ﷺ بشر يتكلم في الرضاء والغضب؟) (٢)، فأمسك عن الكتابة، وذكر ذلك للرسول ﷺ ، فقال ﷺ القول المذكور آنفًا. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ قال ابن قيم الجوزية: (أي ما نطقه إلَّا وحي يوحى. وهذا أحسن ما قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن، فانَّه يعم نطقه بالقرآن والسنة، وأنَّ كليهما وحي يوحى) (٣). وللعلماء في كون السُّنَّة وحيًا من اللَّه تفصيلات طويلة تخرج عن إطار هذه الدراسة (٤)، ويكفي منها ما يأتي:

стр. 531

• أنَّ ما صدر عن الرسول ﷺ قسمان: (وحيٌ -قطعًا- معصوم عن الخطأ والسهو فيه. . . وهذا القسم: إمَّا أن يكون قد أوحي إليه مصحوبًا بلفظ دال عليه أو لا، فإن كان مصحوبًا به: فإمَّا أن يكون قد قصد به التعبد والإعجاز والتحدي بأقصر سورة منه، وهو القرآن. وإمَّا أن لا يكون كذلك وهو الحديث القدسي. . . ولا شكَّ في أنَّه وحيٌ؛ لأنَّه يخبر به عن اللَّه. . . وهو خبر معصوم عن الكذب، فدلَّ أنه كلام اللَّه، كما دلَّ خبره على أن القرآن كلامه، وإن لم يكن مصحوبًا بلفظ فهو الحديث النبوي. . .، ثُمَّ إنَّ الموحى به إذا لم يكن مصحوبًا بلفظ: فإمَّا أن يكون قد دلَّ عليه الملك [جبريل ﵇]، بإشارة أو فعل من أفعاله. . .؛ القسم الثاني: ما صدر عن [النبي ﷺ ]، غير قاصد به التبليغ عن اللَّه، فإمَّا أن يكون قد أقره اللَّه عليه أو لا، فإنْ أقرَّه اللَّه عليه، فهو -وإن لم يكن في ذاته موحًى به- إلَّا أنَّه بمنزلته، وفي حكمه؛ لأنَّ التقرير المصاحب له يدلنا على صحته وحقيقته ومطابقته لما عند اللَّه، بل لم يقتصر الأمر على هذا التقرير: فإنَّ اللَّه تعالى أمرنا باتباعه فيما يصدر عنه؛ فإن كان بعض ما يصدر عنه ليس بوحي -فقد فرض اللَّه علينا- في الوحي اتباعه فيه: فمن قبل عنه فيما لم يوح إليه: فإنَّما قبل بفرض اللَّه. فكان ما يصدر عنه من هذا القبيل بمنزلة الموحى إليه في حقيقته وصوابه بلا شبهة. . . فتبين من هذا كله: أنَّ جميع ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير، وأقرَّه اللَّه عليه، فهو وحي من عند اللَّه أو بمنزلته) (١).

стр. 532

ومِمَّا ترتَّبَ على ذلك: أنَّ سُنَّة المصطفى ﷺ (حجَّة على العباد يلزمهم العمل بمقتضاها) (١)، وهو ما أجمعت عليه الأُمَّة الإسلاميَّة، كما (أنَّ الإجماع قد انعقد على أنَّه كان يوحى [إلى الرسول ﷺ ] غير القرآن) (٢)، وفي مثل قول اللَّه : ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]، قال الشافعي: (الحكمة سُنَّة رسول اللَّه) (٣). • أمَّا بالنسبة لنقل السُّنَّة فإنها تختلف عن القرآن الكريم من حيث إنَّ القرآن الكريم (مقطوع به في الجملة والتفصيل) (٤). والسُّنَّة: (القطع فيها إنَّما يصح في الجملة لا في التفصيل) (٥). ب- تدخل السُّنَّة النبويَّة في حفظ اللَّه تعالى الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ [الحجر: ٩]، فقد أكد بعض العلماء أن السُّنَّة داخلة في الذكر، وفي ذلك قال ابن حزم: (فصح أن كلام رسول اللَّه ﷺ كله في الدين وحي من عند اللَّه ، ولا شكَّ في ذلك، ولا خلاف بين أحدٍ من أهل اللغة والشريعة: في أن كل وحي نزل من عند اللَّه تعالى فهو ذكر منزل، والوحي كله محفوظ بحفط اللَّه تعالى له بيقين. . . لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول اللَّه ﷺ في الدين، ولا سبيل البتة أن يختلط به باطل موضوع اختلاطًا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين؛ لأنه لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ) (٦).

стр. 533

وما قاله ابن حزم ينطبق على السُّنَّة من حيث الجملة لا على وجه التفصيل، كما ذكر الشاطبي فيما سبق ذكره. وبالنظر لتاريخ السنة الشريفة تتجلى بعض صور ذلك الحفظ الرباني، فقد حفظ (الصحابة سُنَّة نبيهم في الصدور، ومن أمن منهم التباس السُّنَّة بالقرآن، كتب ما سمعه من رسول اللَّه بعد إذنه، وكان الرسول ﷺ قد نهى عن كتابة الأحاديث، ولا سيما إذا كتب هذا في صحيفة واحدة من القرآن، مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته ﷺ بالقرآن، وقال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار" (١). وظل الحال على هذا المنوال في عصر الخلفاء الراشدين، ولم يتغير الحال كثيرًا، فأبو بكر رضوان اللَّه عليه يجمع بعض الأحاديث، ثُمَّ يحرقها (٢)، وهذا عمر بن الخطاب لا يلبث أن يعدل عن كتابة السُّنَّة بعد أن عزم على تدوينها. . . "فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأشار عليه عامتهم بذلك، ثُمَّ عدل عن ذلك" (٣). وجاء في عصر التابعين، فمنهم من كان متشددًا في المنع. . . وما

стр. 534

تزال الأخبار عن الخلفاء بمنعه مستفيضة (١)، ثُمَّ جاءت بعدهم طبقة بدأت تستسيغ التدوين. . .، ثُمَّ جاء عهد عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ)، فأمر رسميًّا بالشروع في تدوين الحديث كما هو المشهور) (٢)، وتوافر علماء الأُمَّة على كتابة السنَّة وجمعها (٣). وقد اشتهر في القرن الثاني الإمام الزهري، (ثُمَّ شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل (الزهري). . .، ثُمَّ جاء القرن الثالث فكان أزهى عصور السُّنَّة وأسعدها بأئمة الحديث وتآليفهم العظيمة الخالدة، فقد ابتدأ التأليف في هذا القرن على طريقة المسانيد، وهي جمع ما يروى عن الصحابي في باب واحد. . . ولكنهم كانوا يمزجون فيها الصحيح بغيره، وفي ذلك من العناء ما فيه على طالب الحديث، فإنَّه لا يستطيع أن يتعرف على الصحيح منها إلَّا أن يكون من أئمة الشأن، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث، فإن لم يتيسر له بقي الحديث مجهول الحال عنده (٤). وهذا ما حدا بإمام المحدثين ودرّة السُّنَّة في عصره محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ) أن ينحو في التأليف منحًى جديدًا بأن يقتصر على الحديث الصحيح فقط دون ما عداه، فألف كتابه الجامع الصحيح

стр. 535

المشهور، وتبعه في طريقته معاصره وتلميذه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٦١ هـ) فألف صحيحه المشهور، وكان لهما فضل تمهيد الطريق أمام طالب الحديث ليصل إلى الصحيح من غير بحث وسؤال، وتبعهما بعد ذلك كثيرون، فألفت بعدهما كتب كثيرة. ثُمَّ جاء القرن الرابع فلم يزد رجاله على رجال القرن الثالث شيئًا جديدًا إلَّا قليلًا مِمَّا استدركوه عليهم، وكل صنيعهم جمع ما جمعه من سبقهم، والاعتماد على نقدهم، والإكثار من طرق الحديث. . . بهذا تَمَّ تدوين السُّنَّة وجمعها، وتمييز صحيحها من غيره، ولم يكن لعلماء القرون التالية إلَّا بعض الاستدراكات على كتب الصحاح كمستدرك أبي عبد اللَّه الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) الذي استدرك على البخاري ومسلم أحاديث يرى أنها من الصحاح متفقة مع شرطيهما مع أنهما لم يخرجاها في صحيحهما، وقد سلم له العلماء -ومن أشهرهم الذهبي- قسمًا منها وخالفوه في قسم آخره) (١). وخلاصة القول في ذلك: (أنَّ السُّنَّة حفظت زمن النبي ﷺ وصحابته في الصدور، ودُوِّن بعضها في السطور، وبعد عصر الصحابة بذل العلماء جهودًا كبيرة في التثبت من صحة الأحاديث عن طريق دراسة سند الحديث

стр. 536

ومتنه، دراسة دقيقة، ودراسة السند من العلوم التي اختصت بها الأُمَّة الإسلاميَّة (١)، وهو علم هام يتوقف عليه قبول الحديث أو رده (٢)، وبلغ من عناية السلف به اعتبروا (علم أسماء الرجال نصف علم الحديث) (٣). وإلى جانب ذلك فإن علماء الحديث طبقوا منهجًا علميًا نقديًّا شرعيًّا أفاد منه النقد التاريخي في العصر الحديث، واعترف المنصفون بأنَّ منهج علماء الحديث في نقد الرواة وبيان حالهم، وفي حفظ السُّنَّة وكتابتها، وتدوينها. . .؛ يعد تاجًا على رأس الأُمَّة الإسلاميَّة (٤)، وقد كان من ثمرات تلك الجهود أن (استقام أمر الشريعة بتوطيد دعائم السُّنَّة التي هي ثاني مصادرها التشريعية، واطمأن المسلمون إلى حديث نبيهم، فأقصي عنه الدخيل، وميَّز بين الصحيح والحسن والضعيف، وصان اللَّه شرعه من عبث

стр. 537

المفسدين، ودسّ الدَّسَّاسين، وتآمر الزَّنادقة والشعوبيين، وقطف المسلمون ثمار هذه النهضة المباركة) (١). ج- كونها مصدرًا من مصادر الأحكام وحجة على المكلفين: (اتفق علماء الأُمَّة على أن السُّنَّة بمجموعها حجّة، ومصدر من مصادر الأحكام) (٢)، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسُّنَّة وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح. فمن الكتاب آيات كثيرة جاءت تأمر الأُمَّة بطاعة الرسول ﷺ فيما يشرع لها، وتبين أنَّه مبين لما نزل عليه من القرآن، وحاكم، وقاضٍ، ومعلم يعلم الكتاب (القرآن)، والحكمة (السُّنَّة) كما فَسَّرَها الشافعي بذلك (٣). وقد جاءت تلك الآيات بصيغ عِدَّة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وجعل اللَّه تعالى محبة عباده له مرتبطة باتباع الرسول ﷺ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].

стр. 538

ومِمَّا ورد عن الرسول ﷺ في وجوب الأخذ بالسُّنَّة أحاديث كثيرة؛ لعل من ألصقها بهذا السياق ما ورد من قوله ﷺ : "لا ألفينَّ أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مِمَّا أمرتُ به، أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه" (١). وقوله ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم [لحم] الحمار الأهلي ولا أكل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" (٢)، وقد وردت لهذا الحديث روايات أخرى جاء في بعضها: "وإن ما حرم رسول اللَّه ﷺ مثل ما حرَّم اللَّه" (٣). ثُمَّ إنَّه ﷺ كان يؤى في وصاياه لأُمَّته على الالتزام بالكتاب والسُّنَّة، وكان يقول: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب اللَّه وسنتي" (٤)، ويقول: "فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي [محمد ﷺ ]، وشر الأمور محدثاتها. . . " (٥).

стр. 539

أمَّا الصحابة رضوان اللَّه عليهم فكانوا يلتزمون بالسُّنَّة في جميع شؤون حياتهم، في العقيدة، والعبادة، والخلق، والسلوك، والحياة الخاصَّة والعامَّة، على المستوى الفردي، وعلى مستوى الأُمَّة، وكانوا يحتكمون إليها. ومِمَّا ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]؛ ما قاله ابن قيم الجوزية: (وقد أجمع الناس على أن الرد إلى اللَّه إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد مماته) (١). وقال بعض المفسرين عن تفسيرها: (ثُمَّ أمر برد كل ما تنازع الناس فيه؛ من أصول الدين وفروعه، إلى اللَّه والرسول؛ أي: إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إمَّا بصريحهما، أو عمومهما، أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى، يقاس عليه ما أشبهه) (٢). وبلغ الأمر بالصحابة رضوان اللَّه عليهم في التأسي بالرسول ﷺ أنَّ أحدهم يقتفي أثره في كل شيء حفظه عنه مِمَّا يفعله ﷺ لم يكن فعله خاصًّا به ﷺ (٣)، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

стр. 540

[الأحزاب: ٢١]، وقد (استدل الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول ﷺ ، وأن الأصل أنَّ أمته أسوته في الأحكام، إلَّا ما دل الدليل الشرعي على الاختصاص به) (١). ومِمَّا أورده بعضر المفكرين عن حال علماء الأُمَّة مع السُّنَّة من حيث التمسك بها، والعمل بمقتضاها، والاحتجاج بها قوله: (إذا تتبعنا آثار السلف، وأخبار الخلف، من ابتداء عهد الراشدين إلى هذا العهد؛ لم نجد إمامًا من الأئمة المجتهدين في قلبه ذرة من الإيمان وشيء من النصيحة والإخلاص: ينكر التمسك بالسنة من حيث هي سُنَّة والاحتجاج بها، والعمل بمقتضاها، بل بالعكس من ذلك: لا نجد متمسكًا بها، مهتديًا بهديها، حاثًّا غيره على العمل بها، محذرًا من مخالفتها. . . معتبرًا لها، مكملة للكتاب شارحة له؛ راجعًا عن رأيه الذي ذهب إليه باجتهاده في كتاب أو غيره من الأدلة، إذا ما ظهر له حديث صح عنده، واعتبر في نظره، ولقد رويت هذه العبارة المشهورة "إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط"، وتواتر معناها عن الشافعي، ونقل ما يقرب منه عن كثير من المجتهدين. . . وما ذاك إلَّا لأمر عظيم الخطر، جليل الأثر، ألا وهو: أنه أصل من أصول الإسلام، وعليه مدار فهم الكتاب وثبوت الأحكام، فعلى حجية السُّنَّة انعقد إجماعهم، واتفقت كلمتهم، وتواطأت أفئدتهم) (٢)، ثُمَّ في نهاية قوله بين أن الخلاف إنَّما حدث بين الأئمة في أمرين: أولهما: الاقتناع بأن الحديث صح إسناده للنبي ﷺ أو لم يصح.

стр. 541

وثانيهما: أن هذا الحديث أيدلُّ على هذا الحكم أم لا يدلّ؟) (١). ومِمَّا يتصل بالسُّنَّة ما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة من فهم للقرآن والسُّنَّة، وتطبيق لهما في شؤون دينهم ودنياهم، والدليل على ذلك ما ورد من قوله ﷺ : "أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة، وإنْ عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين: تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢). وفي حديث آخر يحذر الرسول ﷺ فيه أمته من متابعة بني إسرائيل في التفرق، والانحراف عن المنهج الرباني المتميِّز، ويخبر بأن أمته تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النَّار إلَّا واحدة، وحينما قالوا: من هي يا رسول اللَّه؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٣). فدلَّ هذا الحديث وما قبله على اتصال سُنَّة الصحابة والخلفاء الراشدين بسنته ﷺ ، ذلك أنهم صفوة الأُمَّة وخيارها، وحملة الرسالة وصفهم عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وعنهم أجمعين بقوله: (أولئك أصحاب محمد أبرُّ هذه الأُمَّة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم اللَّه لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم فإنَّهم كانوا على الهدي المستقيم) (٤).

стр. 542

ولأنهم تلقوا العلم عن معلم البشرية ﷺ وعاصروا نزول القرآن الكريم، وشاهدوا بيان الرسول له وتطبيقه لأحكامه، فكانوا أقرب الأُمَّة فهمًا لمقاصده ومراده، وقد أجمل الإمام أحمد الحديث عن ذلك في كتاب صنَّفه في طاعة الرسول، وردَّ فيه -كما ذكر ابن قيم الجوزية- على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن الرسول ﷺ وترك الاحتجاج بها، ومِمَّا جاء فيه: (إنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه. الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدَّال على ما أراده من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب؛ فكان رسول اللَّه ﷺ هو المعبر عن كتاب اللَّه، الدَّال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم اللَّه لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا أعلم الناس برسول اللَّه ﷺ ، وبما أراد اللَّه من كتابه بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول اللَّه ﷺ ، قال جابر: ورسول اللَّه بين أظهرنا عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به) (١). وخلاصة القول: أن الأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة ربانيَّة، وقد تبين ذلك حين الحديث عن كيفية تلقيها القرآن الكريم، على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهي تتفاعل مع هديه وتوجيهاته، وأحكامه وأوامره ونواهيه، وكان قدوتها

стр. 543

في ذلك الرسول ﷺ حتى بلغت ذروة التمام والكمال، وفي ضوء المنهج الرباني، الذي تدرج في تربيتها من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى أخرى، وستبقى الأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة متميِّزة، ما تمسكت بكتاب اللَّه وسُنَّة رسوله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وما دامت على ما كان عليه ﷺ وما كان عليه أصحابه الغير الميامين، ففي ذلك الصلاح والفلاح، والخير والهدي والنور، لأنهم التزموا صراط اللَّه المستقيم، والمنهج الرباني القويم، ورسموا للأُمَّة السبيل إلى ربها (١). يقول عمر بن عبد العزيز: "سنَّ رسول اللَّه ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا الأخذ بها تصديق لكتاب اللَّه واستكمال لطاعة اللَّه، وقوة على دين اللَّه، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه اللَّه ما تولَّى، وأصلاه جهنَّم وساءت مصيرًا" (٢)، وللصحابة أقوال متقاربة حول هذا المعنى؛ كقول ابن مسعود: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (٣)، وقول حذيفة: "اتبعوا آثارنا، فإن أصبتم فقد سبقتم سبقًا بينًا، وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا" (٤). * * *

стр. 544

موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة من أبرزت ما يوضح موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة موقفهم من القرآن الكريم، والسنة النبوية وسيرة الرسول ﷺ ، وتدل نماذج من أقوالهم في ذلك على حقيقة هذا الموقف، وذلك وفق ما يأتي: أولًا: أقوالهم في مصدر القرآن الكريم مع الرد عليها. ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية مع الرد عليها. أولًا: أقوالهم في القرآن الكريم: تناول كثيرٌ من المستشرقين القرآن الكريم بالطعن والتشكيك من جوانب عدَّة؛ من حيث لفظه ومعناه، وتلاوته وأسلوبه، ونظمه وشكله، وطريق تنزيله وتدوينه، وثبوته، والأحكام المستنبطة منه، وما ورد فيه من أخبار وقصص، وكذا فيما ورد فيه من مغيبات، والأوامر والنواهي، وما يتصل بتاريخ القرآن الكريم وتفسيره، وكأنهم بعملهم هذا يرمون إلى إحداث اللغو فيه كما فعل المشركون من قبل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون﴾ [فصلت: ٢٦]. ولعل من أبرز أقوالهم في القرآن الكريم التي تبين موقفهم من خصيصة الربانية ما يتعلق بمصدر القرآن الكريم، إذ يحاول معظمهم -بشكل مباشر وغير مباشر- أن ينسبه إلى محمد ﷺ وينفي كونه وحيًا من اللَّه؛ ويبثون محاولاتهم تلك في مؤلفاتهم عن القرآن الكريم (١)، وفيما صنعوه من

стр. 545

ترجمات لمعانيه بمختلف اللغات الغربية (١)، وكذلك في الموسوعات ودوائر المعارف، ونحو ذلك من الأعمال التي أصدروها تحت مسمى البحث العلمي (٢). وإذا كانت تراجم معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية، أو الإنجليزية، أو الفرنسية، أو غيرها تعدُّ -في الغرب- السبيل إلى معرفة مصدر القرآن الكريم؛ فقد حرص المستشرقون الذين تخصصوا في هذا المجال على ترسيخ الاعتقاد لدى كل من يطلع على تلك التراجم من الغربيين بأن مؤلف القرآن الكريم هو محمد ﷺ لنفي كونه رباني المصدر؛ ومن أمثلة ذلك ما ورد في مقدمة ترجمة (جورج سيل) لمعاني القرآن الكريم بالإنجليزية الصادرة في عام ١١٤٩ هـ - ١٧٣٦ م: (أمَّا إنَّ محمدًا كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيس له فأمر لا يقبل الجدل، وإنْ كان من المرجح -مع ذلك- أن المعاونة التي حصل عليها في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة، وهذا واضح في أنَّ مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك) (٣).

стр. 546

وقد أصبحت فرية تأليف محمد ﷺ للقرآن الكريم من المسلمات لدى غالبية المستشرقين حتى العصر الراهن، وإذا كان بعضهم يورد ذلك بطريقة غير مباشرة، وبأسلوب أقل حِدَّة فإنَّهم -بالجملة- يحرصون على أن يبدو هذا الأمر في سياق ما يطلقون عليه الاستنتاجات العلمية (١). ولَمَّا كان القرآن الكريم قد اشتمل على كثير من القصص والتاريخ والعلوم والمعارف والنظم والمغيبات، وغير ذلك مِمَّا تميز به من معالم الرؤية الشاملة الدقيقة للإنسان والكون والحياة، وهذه الأمور لا يتصور معرفتها والإحاطة من محمد ﷺ ولا من قومه، فقد زعم أكثر المستشرقين -على أساس من إنكارهم المصدر الرباني، ودعواهم أن القرآن من تأليف محمد ﷺ قد اعتمد في تأليفه للقران الكريم على مصادر عِدَّة من أهمها: ١ - الكتاب المقدس، وفي ذلك يقول (ريتشارد بل) في كتابه: مقدمة القرآن: (إن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية) (٢).

стр. 547

وقال آخر: (إن النصارى العرب سائرون في معتقداتهم في الاتجاه غير الصحيح؛ ولهذا كان هناك مجال لظهور الآراء البدعيَّة المنحرفة، ولولا ذلك لما كان محمد على علم بأمثال تلك الآراء التي تنكر صلب المسيح) (١)، والذي يعنيه هذا المستشرق أن مصدر القرآن الكريم ليس ربانيًّا، وإنَّما جاء به محمد من لدنه متأثرًا بنصارى العرب؛ لأنهم ينكرون صلب المسيح ووافقهم القرآن الكريم في ذلك، وهذا يؤكد -من وجهة نظر ذلك المستشرق- أنَّ محمدًا ﷺ هو مؤلف القرآن الكريم (٢). ٢ - الاعتماد على اليهود، وهذا مبنى من وجهة النظر الاستشراقية على أمور عِدَّة، منها: أ- التشابه بين القرآن الكريم مع كتب اليهود في القصص كقصة ابني آدم وقصة هاروت وماروت وقصة موسى ﵇، ونحو ذلك (٣). ب- التشابه بين القرآن والتوراة في بعض القضايا العقدية والتشريعية. ج- التأثر والاقتباس في فواتح السور، وكذلك تقسيمه إلى سور وآيات (٤). وعن ذلك قال (لوت): (إنَّ محمدًا مدين بفكرة فواتح السور من مثل: الم، حم. . . إلخ لتأثير أجنبي) (٥)، ويرجح أنه تأثير يهودي (٦). ٣ - الاعتماد على الراهب (بحيرى)، وهذه المقولة تشكل لدى كثير

стр. 548

من المستشرقين مصدر إلهام لمحمد ﷺ ويزعمون (أنَّ محمَّدًا قد تمثل في نفسه ما سمعه من الراهب (بحيرى) في رحلته التجارية إلى الشام، وخرج على الناس يعلن دينه الجديد الذي لفقه من الدينين الكبيرين) (١). ٤ - الاعتماد على الوسط الوثني الذي عاش فيه، واستدلوا على ذلك بالآتي: أ- التشابه بين بعض آيات القرآن وبعض أشعار الجاهليين من أمثال (امرؤ القيس) في قوله: دنت الساعة وانشق القمر ... عن غزال صاد قلبي ونفر (٢) إلى قوله: بسهام من لحاظِ فاتك ... تركتني كهشيم المحتضر (٣) و (أُميَّة بن أبي الصلت): الذي وصف طوفان نوح ﵇ وغرق فرعون، وذكر الساعة وأهوالها، من مثل قوله -على حد زعمهم-: ويومٌ موعدهم أن يحشروا زمرًا ... يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر مستوثقين مع الداعي ... كأنهم رجل الجرادرمته الريح فانتشر وأبرزوا بصعيد. . جرز ... وأنزل العرش والميزان والزبر يقول خزانها ما كان عندكم ... ألم يكن جاءكم من ربكم نذر

стр. 549

قالوا بلى فتبعنا فتية. . . بطروا ... وغرَّنا طول هذا العيش والعمر (١) ب- التشابه بين عقائد الإسلام وشعائره وبين عادات الجاهليَّة وتقاليدها، وعلى هذا فالقرآن الكريم امتداد للحركة الدينية التي كانت سائدة في الوسط الوثني مثل: مناسك الحج، وتقديس الكعبة، ونحو ذلك) (٢). ٥ - ذات الرسول ﷺ وأنَّه مصدر القرآن الكريم مع تأثره بالمؤثرات السابقة مجتمعة أو متفرقة، ولكنَّه المصدر الأساس في القرآن الكريم، ثُمَّ يتفرع عن هذه المقولة اتجاهان: الأول: يرى أن محمدًا ﷺ كان مصابًا بالصرع والهلوسة أو الجنون، ومنهم من زعم أنَّه ساحر وأنَّ ما جاء به السحر (٣). الثاني: ينفي عن الرسول ﷺ كل هذه الاتهامات، ويصفه بالصدق والإخلاص، ولكنه مع ذلك يتفق وبقية المستشرقين في كون القرآن الكريم صدر عن محمد ﷺ وأنه في مصدره وليس من عند اللَّه، كما ينفي الوحي ونبوة الرسول ﷺ ، أمَّا تفسيره للقران الكريم وما جاء به الرسول ﷺ وما حققه من قيام أُمَّة وتأسيس دولة وإنشاء حضارة؛ فإنه يعزو ذلك إلى (الخيال الخلَّاق). يقول (مونتغمري وات): (من وجهة نظري هناك خيال خلَّاق متدفق

стр. 550

لدى محمد، وإنَّ معظم الأفكار الناجمة عن هذا الخيال صحيحة وعادلة، ولكن ليست كل الأفكار القرآنية صحيحة وعادلة، بل توجد على الأقل نقطة واحدة غير صحيحة، ألا وهي أن الوحي أو الخيال الخلَّاق أسمى من تصرفات الإنسان العادية باعتبارها مصدرًا لوقائع تاريخيَّة مجملة) (١). هذه بعض النماذج من مزاعم المستشرقين حول مصدر القرآن الكريم، والحقيقة أنَّ (أكثرهم يكادون يتفقون على أنَّه ليس من عند اللَّه، وعلى أن محمدًا استقى مادته من الأحبار والرهبان. . . وكان يتلقى عنهم المعلومات الدينيَّة من كتب العهدين) (٢)، وحتى أولئك المستشرقين الذين أثنوا على محمدٍ ﷺ ووصفوه بالعظمة والعبقرية والخيال الخلَّاق يلتقون مع غيرهم من المستشرقين الذين زعموا بأن محمدًا ﷺ اعتمد في تأليفه القرآن الكريم على الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، فالكلُّ ينفي ربانية المصدر بصفتها خصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، ولا يُسْتَثْنَى منهم إلَّا أفراد قلائل انفكوا عن المنهج الاستشراقي الموجَّه، واعترفوا بنبوة محمد ﷺ ورسالته وبأن الإسلام صادر عن اللَّه وبأن ربانية المصدر من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وسيتضح ذلك من خلال الردود على مزاعم المستشرقين. وقبل الرد على تلك المزاعم ألمح إلى أبرز ما ترتَّب على نفي ربانيَّة مصدر الإسلام، وكون محمد ﷺ هو الذي لفق القرآن الكريم، إذ كرس المستشرقون مجهوداتهم حهول تأليف محمد ﷺ القرآن الكريم ليترسخ

стр. 551

الاعتقاد من خلال الدراسات الاستشراقية بأنَّ الإسلام دين بشري وضعه محمد ﷺ (١)، وبالتالي جاء وصف المسلمين (بالمحمدية) أو (المحمديون) إزاء وصف النصرانية بـ (المسيحية)، ومِمَّا يترتب على ذلك أنَّه ما دام الإسلام دين محمد ومحمد بشر؛ فإنَّ الإسلام لا يستحق الانتشار ولا السيادة، ويلزم أنْ لا ينتشر لأنه وضعي ومصدره بشري، أمَّا المسيحية فهي على حد زعمهم منسوبة إلى المسيح، وهو جزء من الإله في عقيدتهم وعلى ذلك فالنصرانية دين سماوي لا بُدَّ أن يعلو وينتشر (٢). إنَّ مثل هذه المحاور التي تدور عليها دراسات المستشرقين تدلنا بما فيه الكفاية على أن تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة أحد أهدافها البارزة، ومن يدري فلعل تلك الحروب الصليبية الطاحنة التي تحاول استئصال المسلمين في بقاع شتى من العالم بكل قسوة وتعسف تنطلق من هذه العقيدة التي رسختها الدراسات الاستشراقية في أذهان صانعي القرار في الغرب، ولا سيما بعد عودة العالم عامة إلى العقيدة الدينيَّة، وارتكاز النظام العالمي الجديد عليها فيما يظهر، واللَّه أعلم. أمَّا الردود على تلك المزاعم حول مصدر القرآن الكريم فيأتي أبرزها في النقاط الآتية: ١ - يردُّ على المستشرقين بالردود القرآنية على المشركين؛ لأنَّ المستشرقين حذوا في موقفهم المعادي للقرآن حذو مشركي مكة، فقد زعموا بأنَّ الذي يعلم الرسول ﷺ عبدٌ رومي (٣)، كان يصنع السيوف في

стр. 552

مكة فردَّ عليهم المولى زعمهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وفي سورة (الفرقان) إجمال لادعاءاتهم ودحضها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ٤ - ١١]. وفي سورة (الحاقة) نفي لدعواهم، وذكرٌ لما يلزم منها لو كانت صحيحة، قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٥١]. وفي سورة (الشعراء) وصف لطريق نزوله ومصدره والمراد منه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ

стр. 553

عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ٢٠١]. وبعد بضع آيات ينفي -جَلَّ وعلا- أن تتنزل به الشياطين أو تسمعه قبل نزوله على الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]. كذلك بيَّن اللَّه -جَلَّ وعلا- أنَّ ما حدث لمحمد ﷺ من هذه التهم سنَّة جرت عليها الكفارُ مع أنبيائهم، قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٢ - ٤٣] (١). ٢ - وفيما يتعلق بالقصص القرآني؛ سواءً قصص العرب، أو اليهود، أو النصارى، وما حدث في تاريخ الجميع من انحراف وفساد وضلال وتحريف وتعطيل في مجال العقيدة أو الشريعة أو المنهج والسلوك، فكل ما ورد في القرآن الكريم لم يكن الرسول ﷺ ولا قومه على علم بحقيقته ولا يدري به، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]. وإذا كان بعض ما ورد في القرآن الكريم من قصص أهل الكتاب يتوافق مع بعض ما لديهم من بقايا الحقائق والوقائع التاريخية؛ فإنَّ القرآن الكريم قد أورد وجوهًا أخرى لذلك القصص، وعلى نحو يجهله أهل الكتاب مثل قصة مريم ﵇، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].

стр. 554

وبالجملة فإنَّ القصص في القرآن الكريم قد جاء بما هو أوسع مِمَّا يعرفه اليهود والنصارى في شتَّى بقاع العالم وما يعرفه العرب وما يعرفه الراهب (بحيرى)، وجاء في سورة أكمل وأعلى مِمَّا يعرفه جميع البشر. يقول جواد علي: (. . . التفاصيل المذكورة في القرآن وفي الحديث عن العرش والكرسي وعن اللَّه وملائكته وعن القيامة والجنّة والنار والحساب والثواب والعقاب، ونحو ذلك. . . لم ترد تفاصيله عند اليهود ولا النصارى) (١). والسؤال الذي يفرض نفسه عندئذٍ من أين أخذ محمد ﷺ كل ذلك؟! إنها النبوَّة والوحي والرسالة، إنَّه الإعجاز الذي يُعَدُّ من دلائل نبوّة المصطفى ﷺ (٢)، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٤ - ٥] إنَّه وحي اللَّه الذي اصطفى له صفوة من الخلق هم أنبياء اللَّه ورسله، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٦]. إذًا فالقرآن الكريم من الكتب السماوية التي يؤمن بها المسلمون أُنْزِلَ

стр. 555

مصدقًا لها، ومهيمنًا عليها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، صدر عن اللَّه وحده لا شريك له، وأوحى به إلى نبينا محمد ﷺ كما أوحى إلى الأنبياء من قبله، وإذا كان المستشرقون -كما قال أحد الباحثين-: (يعترفون بالوحي والأنبياء فلماذا ينكرون على محمد ﷺ ما يجيزونه لليهود والنصارى، ولماذا لا يكون الإسلام حلقة أخيرة في حلقات الأديان ولبنة متممة لذلك الصرح الشامخ. . .، أمَّا إذا كانوا ينكرون الوحي، ويجعلون الأديان على صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية البشرية؛ فإنَّ منهجهم هذا مرفوض وقاصر عن فهم طبيعة الأديان، وعندها تكون الأديان جميعًا مهدَّدَة بموجة إلحادية تعصف بكل القوى الروحية في العالم) (١). ولكن الغريب في أمر أولئك المستشرقين أنهم جعلوا ربانية المصدر للإسلام مجالًا للنقد والجدل النظري والمنهج التجريبي، ونأوا بالديانة النصرانية عن ذلك أو بعبارة أدق، (لم يحاولوا التشكيك في وحي عيسى ﵇ باسم المنهج العلمي نفسه بل صانوه، وأقاموا الدعوى على أنَّه بديهي التسليم وبعيد عن مجال الجدل العقلي النظري أو العلمي التجريبي) (٢). ويتساءل أحد المفكرين عن هذا التناقض والنظرة المتعصبة إزاء الوحي، إذ يسلمون به لعيسى ﵇ وينكرونه في حق رسولنا محمد ﷺ فيقول: (إذا كان الوحي -كأمر غير اعتيادي- يخضع للطريقة العلميَّة الحديثة، أفلا يقضي المنهج السليم أن يكون أنواع الوحي في ذلك سواء، فلِمَ يناقش نوع واحد من الوحي (الوحي المحمدي) باسم العلم ويتشكك

стр. 556

فيه، ويصان الآخر، ويقال فيه: إنه بديهي التسليم وبعيد عن مجال الجدل العقلي النظري، أو العلمي التجريبي. . والهجوم على الإسلام. . في فكرة (بشرية القرآن)، يقابله رفق ورقة في التعبير عن "المسيحية" أو عن الكنيسة) (١). ٣ - ويرد على المستشرقين بردود علماء الإسلام على النصارى وغيرهم (٢) ممن أثار شبهة بشرية القرآن الكريم (لأن المستشرقين يجترون افتراءات من سبقهم من المشركين واليهود والنصارى، وإذا كان علماء المسلمين، والذين هداهم اللَّه للإسلام من علماء أهل الكتاب بأقوالهم وكتاباتهم الصريحة قد زلزلوا تلك الشبهات من جذورها حتى غدت هشيمًا تذروه الرياح؛ فإنَّ ردودهم الشَّافية ومنهجهم العلمي ومجادلتهم الشرعيَّة من أنجع الردود على شبهات المستشرقين حول مصدر القرآن الكريم) (٣). ٤ - أمَّا قول (جورج سيل): (وهذا واضح في أنَّ مواطنيه -يعني محمدًا ﷺ لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك) مستدلًا بمجرد اعتراضهم على تأليف الرسول ﷺ للقرآن الكريم -حسب زعمه- فإنَّ المنهج العلمي يلزم (سيل) باستقصاء هذا الاعتراض ليوضح لقارئيه نهاية الدعوى التي

стр. 557

أشار إليها، وبنى عليها استنتاجاته الضَّالَّة بيد أنَّه، ومن سلك منهجه من المستشرقين -كما قال أحد الباحثين-: (يضعون الفكرة أولًا، ثُمَّ يبحثون عن أدلة تؤيدها مهما كانت واهية، ويلجؤون إلى الاعتماد على أسلوب المغالطات والأكاذيب واقتطاع النصوص والحوادث التاريخية وفقًا لأهوائهم ونزعاتهم، وهذا عكس المنهج العلمي في الاستدلال) (١). ولو التزم (سيل) بالمنهج العلمي لذكر ردّ القرآن الكريم على مشركي مكة ولكنه يعرف بعمق كيف يؤثر القرآن الكريم بقوة حجته وبيانه ويجلو الحق، فترك هذا الجانب مجافاة للمنهج العلمي الصحيح، وافْتِئاتًا على الحقيقة التاريخية في هذه الدعوى التي أثارها، وكانت نهايتها التاريخية ظهور الحق وعلو كلمة اللَّه، ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، ونزول قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقد نزلت هذه الآية بعد أن نصر اللَّه عبده وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وثبت للدنيا بأسرها بأنَّ القرآن الكريم كلام اللَّه أوحاه إلى نبي الرحمة والهدى. . . وبأنَّ اعتراضات مشركي مكة ودعواهم قد تهافتت، فنَّدَها القرآن الكريم، وكذبتها الوقائع التاريخية ولكن (سيل) وزمرته في غمرتهم لاهون. ٥ - أمَّا مقولة (لوت) عن التأثير الأجنبي في القرآن الكريم وترجيحه أن يكون التأثير يهوديًا، وأن محمدًا -كما يزعم- مدان لهذا التأثير في فواتح السور؛ من مثل (آلم. .) ونحوها فإنَّ هذا المستشرق نسي أو تناسى أن عدد السور التي افتتحت بهذه الحروف تسع وعشرون سورة، نزل منها سبع وعشرون سورة على النبي ﷺ بمكة المكرمة قبل مجاورته لليهود في

стр. 558

المدينة، ونزلت سورتان فقط، هما (البقرة، وآل عمران) بعد هجرته ﷺ إلى المدينة المنورة (١). ثُمَّ إنَّ هذا المستشرق نسي أو تناسى أن علاقة الرسول ﷺ باليهود في المدينة كانت علاقة دعوة وجهاد، ولم تكن علاقة تأثرٍ وتلمذةٍ واقتباس (٢). ٦ - أمَّا تأثير الراهب (بحيرى) على الرسول ﷺ بسبب ملاقاته إيَّاه في رحلته التجارية إلى الشام (٣)، فإنَّ ذلك مردود من الناحيتين العقليَّة والتاريخية: فمن الناحية العقليَّة كيف يُمكن الرسول ﷺ أن يحصل قدرًا من المعارف والعلوم والمغيبات والقصص في لقاءٍ عابر لا يُمكن لعقل سليم أن يتصور مثل ذلك، ولئن كانت بعض مزاعم المستشرقين في هذا الصدد تقتصر على مجرد أنَّه بثَّ في روع الرسول ﷺ أنَّه النبي المنتظر (٤)، فإنَّ

стр. 559

مجرد هذا البثّ أو الإيهام لا يكفي تفسيرًا لما جاء به الرسول ﷺ من العلم والحكمة والنبوة. ومن الناحية التاريخية؛ لم يثبت في كتب التاريخ والسيرة أنَّ أحدًا من قوم الرسول ﷺ أثار هذا الاحتجاج مع قوته لو وقع بالفعل، وإذ لم يحتج به المشركون مع شدّة عدائهم للرسول ﷺ وحاجتهم لمثل هذه الحجة كان ذلك دليلًا على إسقاط هذه الحجّة (١). ومن ناحية أخرى فإنَّ حادثة ملاقاة الرسول ﷺ للراهب (بحيرى)، قد أثير حولها كثيرٌ من التساؤلات والتشكيك في سندها التاريخي (٢)، مِمَّا دعا المستشرق (هوارت) إلى القول: (لا تسمح النصوص العربية التي عشر عليها، ونشرت وبحثت منذ ذلك الوقت بأن نرى في الدور المسند إلى هذا الراهب السوري إلَّا مجرد قصة من نسج الخيال) (٣). ولو صحت قصة الراهب (بحيرى) كما وردت في المصادر الإسلاميَّة فإنها حجة لنبوة محمد ﷺ ورسالته وليست ضدها كما فسرها بعض المستشرقين؛ لأن ما تفوه به الراهب (بحيرى) مجرد بشارة بنبوة الرسول

стр. 560

- ﷺ جرت على لسان غيره في كثير من المواقف التي ذكرت في بعض المصادر التاريخية (١). ٧ - أمَّا دعوى المستشرقين بأنَّ (الوسط الوثني) أو البيئة التي عاش فيها الرسول ﷺ كانت مصدرًا من مصادر القرآن الكريم باعتباره تشابه مع شعر بعض الشعراء الجاهليين مثل (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت)، فإنَّ الرد على هذه المزاعم من وجوه كثيرة (٢)، من أبرزها: أ- كيف يسمح المنهج العلمي للمستشرقين بقبول الأخبار والروايات التي ذكرت تلك الأشعار المشابهة لبعض آيات القرآن الكريم على لسان (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت)، وهم يشككون -بل يتجاوز أكثرهم

стр. 561

الشك إلى الجحود- فيما يتعلق بالأخبار والروايات الواردة في السيرة النبوية والسنة المطهرة مع أنَّ تلك الأخبار والروايات الواردة في أشعار (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت) أدنى إلى الشك، وأقل صحة وصدقًا. وقد تساءل بعض الباحثين عن هذا المنهج الزائغ ونقد ذلك الموقف الاستشراقي نقدًا لاذعًا إذ قال: (والغريب في أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله، أنَّهم يشكون في صحة (السيرة) نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود، فلا يرون في السيرة مصدرًا تاريخيًا صحيحًا، وإنَّما هي عندهم كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعًا طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليَمْتَاز صحيحها من منحولها: هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويعلون في هذا الموقف؛ ولكنهم يقفون من أميَّة بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن، مع أن أخبار أميَّة ليست أدنى إلى الصدق، ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة. فما سرّ هذا الاطمئنان الغريب إلى نحوه من الأخبار دون النحو الآخر؟، أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرؤوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات) (١). ب- وهذه الأشعار التي رويت عن (امرئ القيس)، و (أميَّة بن أبي الصلت) أثبت بعض الناقدين بأنها منحولة ومتكلِّفة، ونظمت في العصر الإسلامي، يقول العقاد: (وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء الخابطين في أمر العربية قبل الإسلام وعلاقتها بلغة القرآن الكريم، أنَّهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبًا واصبًا لينكروا نسبتها إلى

стр. 562

الجاهليَّة، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بإدحاض نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية) (١). وانتقد أحد المستشرقين القول بأنَّ محمدًا ﷺ تأثر بشعر (أُمَيَّة بن الصلت) وأنَّ ذلك الشعر من مصادر القرآن الكريم بقوله: (أمَّا القول بأن محمدًا قد اقتبس شيئًا من قصائد أُمَيَّة فهو زعم بعيد الاحتمال) (٢). إلَّا أنَّه سقط هو أيضًا في الدعوى الاستشراقية الدراجة في أوساط المستشرقين، وهي الزعم بأنَّ اليهودية والنصرانية هما مصدرا القرآن الكريم، وأدرج الرسول محمدًا ﷺ في زمرة المتأثرين بأهل الكتاب؛ إذ يقول: (ومحمد وأُمَيَّة وغيرهما من رجال الدين. . اقتبسوا جميعًا من مصادر واحدة) (٣). وقد عُلِّق على أقواله بردودٍ من أبرزها: • إنَّ المشركين لم يعدوا شعر أميّة بن أبي الصلت من مصادر القرآن مع شدّة عدائهم للرسول ﷺ وحاجتهم والحالة هذه لمثل هذا القادح، وإذ لم يجعلوه مصدرًا من مصادر القرآن الكريم تبين من ذلك أنَّه (٤) (لم تكن مشابهة بين شعر أُميَّة والقرآن المجيد) (٥).

стр. 563

• (إنَّ الأشعار المنسوبة إلى أُمَيَّة في أخبار القرون الأولى وما شابه ذلك ليست له، بل نحله الرواة إيَّاها. . فيها الصنعة. . وفيها ضعف المولدين. . وليس فيها قوة الجاهليين) (١). هذه أبرز الردود على مقولة المستشرقين في هذا الصدد، أمَّا ما يتعلق بمزاعمهم عن التشابه بين القرآن الكريم وبعض عادات الجاهليَّة وتقاليدها ونظمها فقد سبق الرد عليها (٢). ٨ - تناول محمد عبد اللَّه دراز جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن الكريم، وناقشها مناقشة علميَّة أظهر من خلالها زيف تلك الافتراءات وبطلانها، وقال إنَّ: (جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها، وعدم قدرتها على تقديم أيِّ احتمال لطريق طبيعي أتاح له -يقصد النبي ﷺ فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة، [وعلى الرغم من] الجهد الذهني الذي نبذ له لتضخيم معلوماته السمعية، ومعارف بيئته، فإنَّه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون. . .) (٣). ٩ - اعترف بعض الغربيين بإعجاز القرآن الكريم، وأنَّ مصدره إلهي، وقال: (لو كان محمد مؤلف القرآن فكيف استطاع في القرن السابع من

стр. 564

العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع العلوم الحديثة. . .) (١). ثُمَّ يستشهد بعلم الأجنَّة، وتطور الجنين، وأنَّ القرآن الكريم وصفها بصورة تطابق معطيات علم الأجنَّة الحديث (٢). ومع التقدير لهذا الباحث وما توصل إليه إلَّا أنَّه ينبغي ألا يَنْسَاق المسلمون وراء بريق التفسير العلمي للقران الكريم؛ لأنَّه هو الحجّة. . . وهو المهيمن على غيره من الكتب والعلوم فما وافقه من معطيات العلم ونظرياته وحقائقه فهو شاهد لها، وليست هي الفيصل في ذلك، وإنَّما تؤخذ العبرة، ويلزم الخصم بمنطقة من باب الدعوة والجدل. ١٠ - وقد اعترض بعض المستشرقين ومنهم المستشرق السويدي (توراندريه) على تلك الطريقة التي سلكها عامَّة المستشرقين في البحث ومحاولتهم أن يثبتوا بشرية القرآن الكريم، وأعلن أن جوهر النبوة لا يُمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية، وأن الإسلام لا ينكر صلاته بالديانة اليهودية والنصرانية وعقيدة الحنيفية وتقاليد العرب، ولكن لا يعني ذلك أنَّه مجرد مجموعة من هذه العناصر (٣). وعلى الرغم من كون (توراندريه) لم يرقَ في كلامه إلى الاعتراف التام بنبوة محمد ﷺ إلَّا أنَّه يقترب من بيان عقيدة الإسلام في الكتب السماوية والرسل؛ قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ

стр. 565

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وخلاصة القول: أن كل ما طرحه المستشرقون من شبهات حول مصدر القرآن الكريم لا يعدو كونه مزاعم واهية لا حظَّ لها من العلم، ولا تقوم بها أدنى حُجَّة، وليس لها سند تاريخي موثوق، وإنَّما هي تخمينات وافتراضات أساءت إلى المنهج الاستشراقي في دراسته للإسلام، وأثبتت فساده ومجانبته لحقائق الأمور ووقائع التاريخ مِمَّا جعل بعض الباحثين، يقول: (نحن نرفض -ومعنا الحق- منهج المستشرقين في دراسة الإسلام؛ لأنَّه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي؛ ولأنَّه منهج يقصر عن طبيعة الأديان السماويَّة، ويحاول أن يضعها في صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية) (١). لذلك فإنَّ معظم المستشرقين يحاول أن ينفي عن تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة خصيصة الربانية من خلال نفيهم الوحي والنبوة والرسالة، وزعمهم أنَّ القرآن الكريم من تأليف محمد ﷺ . ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية: مِمَّا ترتب على أقوالهم في القرآن الكريم، ونسبته إلى محمد ﷺ إنكار السُّنَّة النبوية، والتشكيك في السيرة، والتحامل عليهما لأسباب عدّة من أبرزها: ١ - ذلك الفارق الواضح بين أسلوب القرآن الكريم في الفصاحة والبيان والإعجاز وبين أسلوب الحديث النبوي الشريف، إذ يدلُّ دلالة واضحة على أن القرآن كلام اللَّه والحديث النبوي كلام الرسول ﷺ
следующие страницы →