← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الشك إلى الجحود- فيما يتعلق بالأخبار والروايات الواردة في السيرة النبوية والسنة المطهرة مع أنَّ تلك الأخبار والروايات الواردة في أشعار (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت) أدنى إلى الشك، وأقل صحة وصدقًا. وقد تساءل بعض الباحثين عن هذا المنهج الزائغ ونقد ذلك الموقف الاستشراقي نقدًا لاذعًا إذ قال: (والغريب في أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله، أنَّهم يشكون في صحة (السيرة) نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود، فلا يرون في السيرة مصدرًا تاريخيًا صحيحًا، وإنَّما هي عندهم كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعًا طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليَمْتَاز صحيحها من منحولها: هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويعلون في هذا الموقف؛ ولكنهم يقفون من أميَّة بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن، مع أن أخبار أميَّة ليست أدنى إلى الصدق، ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة. فما سرّ هذا الاطمئنان الغريب إلى نحوه من الأخبار دون النحو الآخر؟، أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرؤوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات) (١). ب- وهذه الأشعار التي رويت عن (امرئ القيس)، و (أميَّة بن أبي الصلت) أثبت بعض الناقدين بأنها منحولة ومتكلِّفة، ونظمت في العصر الإسلامي، يقول العقاد: (وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء الخابطين في أمر العربية قبل الإسلام وعلاقتها بلغة القرآن الكريم، أنَّهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبًا واصبًا لينكروا نسبتها إلى

стр. 562

الجاهليَّة، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بإدحاض نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية) (١). وانتقد أحد المستشرقين القول بأنَّ محمدًا ﷺ تأثر بشعر (أُمَيَّة بن الصلت) وأنَّ ذلك الشعر من مصادر القرآن الكريم بقوله: (أمَّا القول بأن محمدًا قد اقتبس شيئًا من قصائد أُمَيَّة فهو زعم بعيد الاحتمال) (٢). إلَّا أنَّه سقط هو أيضًا في الدعوى الاستشراقية الدراجة في أوساط المستشرقين، وهي الزعم بأنَّ اليهودية والنصرانية هما مصدرا القرآن الكريم، وأدرج الرسول محمدًا ﷺ في زمرة المتأثرين بأهل الكتاب؛ إذ يقول: (ومحمد وأُمَيَّة وغيرهما من رجال الدين. . اقتبسوا جميعًا من مصادر واحدة) (٣). وقد عُلِّق على أقواله بردودٍ من أبرزها: • إنَّ المشركين لم يعدوا شعر أميّة بن أبي الصلت من مصادر القرآن مع شدّة عدائهم للرسول ﷺ وحاجتهم والحالة هذه لمثل هذا القادح، وإذ لم يجعلوه مصدرًا من مصادر القرآن الكريم تبين من ذلك أنَّه (٤) (لم تكن مشابهة بين شعر أُميَّة والقرآن المجيد) (٥).

стр. 563

• (إنَّ الأشعار المنسوبة إلى أُمَيَّة في أخبار القرون الأولى وما شابه ذلك ليست له، بل نحله الرواة إيَّاها. . فيها الصنعة. . وفيها ضعف المولدين. . وليس فيها قوة الجاهليين) (١). هذه أبرز الردود على مقولة المستشرقين في هذا الصدد، أمَّا ما يتعلق بمزاعمهم عن التشابه بين القرآن الكريم وبعض عادات الجاهليَّة وتقاليدها ونظمها فقد سبق الرد عليها (٢). ٨ - تناول محمد عبد اللَّه دراز جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن الكريم، وناقشها مناقشة علميَّة أظهر من خلالها زيف تلك الافتراءات وبطلانها، وقال إنَّ: (جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها، وعدم قدرتها على تقديم أيِّ احتمال لطريق طبيعي أتاح له -يقصد النبي ﷺ فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة، [وعلى الرغم من] الجهد الذهني الذي نبذ له لتضخيم معلوماته السمعية، ومعارف بيئته، فإنَّه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون. . .) (٣). ٩ - اعترف بعض الغربيين بإعجاز القرآن الكريم، وأنَّ مصدره إلهي، وقال: (لو كان محمد مؤلف القرآن فكيف استطاع في القرن السابع من

стр. 564

العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع العلوم الحديثة. . .) (١). ثُمَّ يستشهد بعلم الأجنَّة، وتطور الجنين، وأنَّ القرآن الكريم وصفها بصورة تطابق معطيات علم الأجنَّة الحديث (٢). ومع التقدير لهذا الباحث وما توصل إليه إلَّا أنَّه ينبغي ألا يَنْسَاق المسلمون وراء بريق التفسير العلمي للقران الكريم؛ لأنَّه هو الحجّة. . . وهو المهيمن على غيره من الكتب والعلوم فما وافقه من معطيات العلم ونظرياته وحقائقه فهو شاهد لها، وليست هي الفيصل في ذلك، وإنَّما تؤخذ العبرة، ويلزم الخصم بمنطقة من باب الدعوة والجدل. ١٠ - وقد اعترض بعض المستشرقين ومنهم المستشرق السويدي (توراندريه) على تلك الطريقة التي سلكها عامَّة المستشرقين في البحث ومحاولتهم أن يثبتوا بشرية القرآن الكريم، وأعلن أن جوهر النبوة لا يُمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية، وأن الإسلام لا ينكر صلاته بالديانة اليهودية والنصرانية وعقيدة الحنيفية وتقاليد العرب، ولكن لا يعني ذلك أنَّه مجرد مجموعة من هذه العناصر (٣). وعلى الرغم من كون (توراندريه) لم يرقَ في كلامه إلى الاعتراف التام بنبوة محمد ﷺ إلَّا أنَّه يقترب من بيان عقيدة الإسلام في الكتب السماوية والرسل؛ قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ

стр. 565

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وخلاصة القول: أن كل ما طرحه المستشرقون من شبهات حول مصدر القرآن الكريم لا يعدو كونه مزاعم واهية لا حظَّ لها من العلم، ولا تقوم بها أدنى حُجَّة، وليس لها سند تاريخي موثوق، وإنَّما هي تخمينات وافتراضات أساءت إلى المنهج الاستشراقي في دراسته للإسلام، وأثبتت فساده ومجانبته لحقائق الأمور ووقائع التاريخ مِمَّا جعل بعض الباحثين، يقول: (نحن نرفض -ومعنا الحق- منهج المستشرقين في دراسة الإسلام؛ لأنَّه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي؛ ولأنَّه منهج يقصر عن طبيعة الأديان السماويَّة، ويحاول أن يضعها في صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية) (١). لذلك فإنَّ معظم المستشرقين يحاول أن ينفي عن تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة خصيصة الربانية من خلال نفيهم الوحي والنبوة والرسالة، وزعمهم أنَّ القرآن الكريم من تأليف محمد ﷺ . ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية: مِمَّا ترتب على أقوالهم في القرآن الكريم، ونسبته إلى محمد ﷺ إنكار السُّنَّة النبوية، والتشكيك في السيرة، والتحامل عليهما لأسباب عدّة من أبرزها: ١ - ذلك الفارق الواضح بين أسلوب القرآن الكريم في الفصاحة والبيان والإعجاز وبين أسلوب الحديث النبوي الشريف، إذ يدلُّ دلالة واضحة على أن القرآن كلام اللَّه والحديث النبوي كلام الرسول ﷺ

стр. 566

وكلاهما وحيٌ من عند اللَّه كما بين الرسول ﷺ بقوله: "ألا إنني أوتيتُ الكتابَ ومثله معه. . . " (١). أمَا وقد ساغ للمستشرقين أن ينسبوا القرآن الكريم إلى الرسول ﷺ فلا غرابة أن ينسبوا حديثه إلى غيره من المسلمين، وأن يعملوا ما وسعهم العمل في التشكيك في سنته وسيرته ﷺ لزعزعة مصادر الإسلام والطعن في تميز الأُمَّة الإسلاميَّة. ٢ - إنَّ السنّة النبوية تمثل أكبر عائق (لأعداء الإسلام عن تفسير القرآن بالهوى والشهوات فهي التي تحدد تفسيره وتبينه) (٢)، قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فكانت سنته ﷺ المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته للقرآن الكريم بمثابة (تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره) (٣). والسنّة شديدة الارتباط بالقرآن الكريم، يقول الشاطبي: (فالقرآن على اختصاره جامع. . وأنت تعلم أنَّ الصلاة، والزكاة، والجهاد، وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها في القرآن، إنَّما بينتها السنّة وكذلك العاديات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها) (٤)، لذلك فإنَّ الذين يحاولون إنكار السنة يريدون إزالة عرقلة السنة بينهم وبين القرآن، وإذا فعلوا ذلك تيسر لهم تأويل القرآن حسب أهوائهم وميولهم (٥). ٣ - إنَّ السنة النبوية اشتملت على نظام شامل للحياة، وحدَّدَت الطريق

стр. 567

السوي للأُمَّة الإسلاميَّة، وقدمت الحلول الجذرية لمشكلات الحياة (١)، وقد وصف بعض المستشرقين السنّة بأنها: (إطار من الفولاذ حول ذلك البناء الاجتماعي العظيم) (٢)، وهدم هذا الإطار الفولاذي لايتأتى إلَّا بإنكار صحة السنّة بأيِّ أسلوب كان، ليسهل عليهم جعل الإسلام موافقًا للأفكار الغربية، وخاضعًا لها (٣). ٤ - إنَّ مِمَّا حملهم على ركوب متن الشطط في دعواهم ضد السنة ما رأوه في الحديث النبوي (من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة وهم لا يعتقدون بنبوة الرسول ﷺ فادعوا أن هذا لا يعقل أن يصدر كله عن محمد الأمي بل هو من عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى) (٤) من تاريخ الإسلام، ولكن محاولاتهم كلها ستبوءُ بالإخفاق، وسيكونون كما قال الشاعر: كناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (٥) لأنَّ السنة محفوظة بحفظ القرآن الكريم، ولأنَّها وحي اللَّه أمَّا الأقوال الاستشراقية في الحديث النبوي الشريف التي تبين موقفهم

стр. 568

المتشكك في صحة نسبته إلى الرسول ﷺ فتأتي دراسات (جولدزيهر) معبّرة عن ذلك باعتبار دراساته في موضوع الحديث النبوي تحتل الصدارة عند المستشرقين وأنَّه (حدّدَ تحديدًا حاسمًا اتجاه وتطور البحث في هذه الدراسات) (١) من وجهة نظرهم، حتى بلغ الأمر أن تعتمد دائرة المعارف الإسلاميَّة على دراساته، وتتخذ منها مصدرًا أساسًا للكتابة عن مادة (حديث) ومِمَّا وصفته به بأنَّ (العلم مدين دينًا كبيرًا لما كتبه (GoldZiher) في هذا الموضوع) (٢)، وفيما يأتي خلاصة مركزة لأبرز مزاعمه في الحديث في النقاط الآتية: ١ - (إنَّ القسم الأعظم من الحديث كان بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والاجتماعي والتاريخي في القرن الأول والثاني من تاريخ الإسلام. ٢ - وضع أصحاب المذاهب النظرية والعملية في الإسلام أحاديث لتأييد مذاهبهم، ونسبوها إلى الرسول ﷺ وأصحابه. ٣ - إنَّ الأتقياء وضعوا أحاديث تؤيد معارضتهم للحكام. ٤ - قام الحكام بوضع الحديث كرد فعل على عمل العلماء الأتقياء لتأييد أفكارهم السياسية، ولإسكات الأتقياء) (٣). من هذه المزاعم يتبين القصد من دراسات (جولدزيهر) وزمرته من المستشرقين في الحديث الشريف، وهو نفي نسبته إلى الرسول ﷺ لزعزعة

стр. 569

الدين الإسلامي فإذا كان القرآن الكريم من تأليف محمد ﷺ كما يزعم المستشرقون -والحديث انعكاس لتطور المسلمين، وأن نسبته إلى محمد ﷺ كذب وافتراء فكيف يكون صرح الإسلام!. وهذه النوايا مكشوفة جدًّا، أمَّا ذلك المنهج فهو عار عن العلمية، ويرد على مزاعم (جولدزيهر) في الآتي: ١ - إنَّ ما زعمه من أنَّ (القسم الأعظم من الحديث ليس إلَّا بمثابة نتيجة للتطور الديني والتاريخي والاجتماعي. . .) (١)؛ ليس صحيحًا، وفيه خلط الحق بالباطل ومنهجه في ذلك هو المنهج المذموم الذي وصف اللَّه به أهل الكتاب بعامة واليهود بخاصة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]، فمقولته خلطت الحق بالباطل، وكتم (جولدزيهر) الحق وهو عالمٌ به؛ فقد تحدث عن جهود علماء الحديث في جمعه وحفظه وغربلته، والتحقق من نسبته إلى الرسول ﷺ ، وليس بخافٍ عليه ما بذله علماء الحديث في هذا المضمار (٢) (فإنَّ علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يتلقون أحاديث الرسول ﷺ بعضهم عن بعض في أمانة وضبط، وكانوا يذبون عنها أكاذيب الشيعة والخوارج والزنادقة، ومن كان على شاكلتهم في الكيد للإسلام عن طريق الحديث. وما زالوا يجاهدون صادقين في سبيل السُّنَّة حتى أسلموها إلى علماء القرن الثالث كاملة غير منقوصة، وصحيحة غير مكذوبة، عن طريق

стр. 570

الأسانيد التي تطمئن لها القلوب، ثُمَّ قام علماء القرن الثالث بدورهم في رواية السنة وحفظها وكتابتها وتدوينها حتى وصلت إلينا طاهرة نقية) (١). أمَّا الوضع مهما كان كثيرًا وهائلًا؛ فإنه كان معزولًا عن حديث المصطفى ﷺ بفضل اللَّه ثُمَّ بسبب جهود علماء الحديث، ونحن لا ننكر أنَّ هناك الكثير من الموضوعات التي نسبت إلى الرسول ﷺ ولم يكن ذلك خافيًا في عصر من العصور على علماء المسلمين (٢)، فقد طبق علماء الحديث منهجًا نقديًّا شرعيًّا أفاد منه النقد التاريخي، واعترف المنصفون بأن منهج علماء الحديث في نقد الرواة، وبيان حالهم؛ يعد تاجًا على رأس الأُمَّة الإسلاميَّة (٣). (ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة) (٤). . قيل ليحيى بن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند اللَّه ؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون النبي ﷺ خصمي، يقول لي: لِمَ لَمْ تذب الكذب عن حديثي. . .) (٥)، وكان ابن المبارك يقول: (بيننا وبين القوم القوائم) (٦)؛ يعني الإسناد، ويقول:

стр. 571

(الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء) (١). والسؤال الآن: هل يجهل (جولدزيهر) هذه الصفحات البيضاء، بل: هل بذل أتباع اليهودية أو النصرانية عشر معشار ما بذله علماء الحديث المسلمون في توثيق العهدين؛ القديم والجديد (٢). إنَّ الجواب على ذلك يأتي من خلال مقولة (وليم باركلي) فيما شاب الكتابات النصرانية من اضطراب، بسبب الحذف والإضافة ونحو ذلك، فهو يؤكد: (أن المتشابهات التي أثارتها التعاليم والإلحاقات التي أدخلت على الكتابات المسيحية بعد عيسى ﵇ والتي حولت عيسى من شخصية بشرية إلى شخصية إلهية، ظلت كتابات وإلحاقات وتعاليم قابلة للتعديل بالحذف والزيادة حتى سنة (٤٠٠) ميلادية، وهو تاريخ أول طبعة رسمية للعهد الجديد بالطبعة السريانية، المعروفة باسم (البيشيتو)، وظلت قانونية العهد الجديد مجال أخذ ورد، وحذف وإضافة، ولم تستقر على حالتها الراهنة إلَّا بعد قرار مجمع (ترنت) سنة ١٥٤٦ م، فجاء هؤلاء العلماء ليجدوا أمامهم تراثًا هشًّا غير متناسق، ضعيفًا في إسناده التاريخي، وقابلًا بذاته للشك والتفنيد) (٣). ٢ - أمَّا ما قيل من أنَّ أصحاب المذاهب النظرية والعملية قد وضعوا أحاديث لتأييد مذاهبهم ونسبوها إلى الرسول ﷺ وأصحابه، فالواقع أنَّه (ظهرت حركة الوضع في الحديث، وهدّدت هذا الأصل الكبير من أصول

стр. 572

الإسلام بالتحريف) (١)، إذ سعت الفرق الضَّالَّة للوضع ونسبته إلى الرسول ﷺ وإلى أصحابه لمآرب سياسية وشخصية (ولكن العلماء بذلوا جهودًا جبارة في تمحيص الحديث ونقده، وتمييز الصحيح من الموضوع، فكما كان الوضع في الحديث لم يوجد له مثيل في عالم العلم والأدب، كذلك الجهود التي بذلت لتنقية الصحيح، وتمييزه من الموضوع والعلوم التي اخترعت للوصول إلى هذه الغاية والوسائل التي أُخذت لم يوجد لها نظير في الدنيا، ولم يحظ تاريخ قوم ولا أُمَّة بمثل هذه العناية، فالحركة التي كادت أن تهدم السنّة قد أدت إلى نتائج إيجابيّة أثرت في إشادة صرح السنة وبناء علوم الحديث) (٢). ٣ - وأمَّا مقولة (جولدزيهر) عن الأتقياء، وأنهم وضعوا أحاديث عارضوا بها سياسة الحكام، فإنها مقولة خاطئة وموهمة، فإنَّ المستشرقين وفي مقدمتهم (جولدزيهر) يطلقون على الشيعة (العلماء الأتقياء) (٣) مع أنَّ منهم (من كانوا أداة فساد وإفساد يتظاهرون بحب آل علي ﵁ ويغالون في ذلك حتى ألهوه ووضعوا الأحاديث في تأليهه، ويضمرون في أنفسهم كيد الإسلام والمسلمين) (٤)، في حين أنَّ العلماء الأتقياء الذين خدموا السنة وحملوها هم غير أولئك؛ إنهم الذين عملوا على حفظ الأحاديث الصحيحة ونشرها، والاحتياط لها وبيان الأحاديث التى نسبت كذبًا وزورًا إلى الرسول ﷺ ، وأفتوا بعدم جواز روايتها أو نشرها من غير أن يخافوا

стр. 573

في اللَّه لومة لائم ولا سطوة ظالم، ومنهم الأئمة (الزهري، وسعيد بن المسيب "سيد التابعين"، وعامر الشعبي، وقد [عدّه] يحيى بن سعيد القطان "أول من فتش عن الإسناد"، وإبراهيم النخعي، وهو "صيرفي الحديث" والأعمش، وشعبة بن الحجاج، وحماد، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، ﵃ أجمعين) (١)، هؤلاء هم حملة الحديث الأتقياء. ٤ - أمَّا وضع الحكام للحديث كرد فعل على أولئك (الأتقياء) المزعومين؛ فإنَّه اتهام لحكام بني أُميَّة يدحضه التاريخ من ناحيتين: الأولى: لم يكن بين علماء الحديث وبني أميَّة خصومة، ولا أيُّ نوع من العداء، وإذا كان هناك عداء بين الحكام وبين الشيعة والخوارج فإنَّ علماء الحديث غير هؤلاء وهؤلاء (٢). الثانية: لم يثبت أيُّ دليل يدين حكام بني أُميَّة بوضع الحديث، ولو بُحث في دواوين السنة لما وجد من بين الأحاديث الموضوعة حديث واحد رُوي عن طريق أيِّ حاكم من حكام بني أميَّة (٣). وخلاصة القول: إنَّ مزاعم (جولدزيهر) ومن سار على نهجه من المستشرقين تأتي مؤكدة المنهج الاستشراقي المعادي للإسلام الذي انتهج أسلوب المغالطات والتلبيس، وكتمان الحق، وتحكيم الهوى، والحسد، ودس الزيف والشبهات، وهو بذلك ينتظم في تلك الحركة الباطنية التي تضرب

стр. 574

في أعماق التاريخ الإسلامي منذُ عبد اللَّه بن سبأ، وما تشعب عنه من شيعة وخوارج، ثُمَّ معتزلة وزنادقة. . . ثُمَّ تطفل على هذه المزاعم بعض أبناء المسلمين الذين قال عنهم أحد المفكرين المسلمين: (إنَّهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا بيد أنهم خطر على كياننا) (١)، وقال عنهم قبل ذلك: (وولدوا في بلادنا ولكن عقولهم وقلوبهم تربت في الغرب، ونمت أعوادهم مائلة إليه فهم أبدًا تبع لما جاء به) (٢). أمَّا السيرة النبوية فقد تناولتها دراسات المستشرقين بالبحث والتقصي حول كل جزئية من جزئياتها، فقد تكلموا عن بيئة الرسول ﷺ ولغته، وعن اسمه ونشأته، وتكلموا عن تحنثه في غار حراء، وخاضوا في سيرته قبل البعثة وبعدها، في الفترة المكية، ثُمَّ ازداد اهتمامهم بهجرته إلى المدينة وسيرته فيها، وعلاقاته بمن حوله من يهود ومنافقين ومشركين، ولم يتورعوا عن الخوض في أخص خصوصيات البيت النبوي، بل تناولوا أمهات المؤمنين، وعللوا زواج الرسول ﷺ بهن، وتكلموا عن أيام الرسول ﷺ الأخيرة (٣). وهم في ذلك كله يتذبذبون ما بين مقذع فاحش متفحش في تناوله لسيرة الرسول ﷺ كلها أو بعض جوانبها، وما بين متناقض ينصف في جانب ويتحامل في جانب آخر. ومهما يكن فإنَّ معظمهم يصدر من منطلق تجريد الرسول ﷺ من نزول

стр. 575

الوحي الإلهي عليه؛ لذلك فإنَّ الإطار الذي يدورون فيه هو الإنكار والجحود والتدليل على ذلك بألوان شتى من الأوهام والأباطيل، وقد يشيد بعضهم بعظمة الرسول ﷺ ويصفه بالعبقرية، بل يضفي عليه ملامح العبقرية وصفات العظمة ليجرده من النبوة، ويسلبه نعمة الرسالة، وليتسنى له أن ينسب الإعجاز في سيرته والتميُّز في تاريخ أمته إلى عبقريته، وليس إلى كونه نبي اللَّه ورسوله (١). * * *

стр. 576

العالمية وموقف المستشرقين منها • تمهيد. • مفهوم العالمية. • دلائل عالمية الإسلام من الكتاب والسنة، ووقائع السيرة النبوية، وأحداث التاريخ الإسلامي. • دلائل عالمية الأمَّة الإسلاميَّة، من العقيدة والنظم. • موقف المستشرقين من خصيصة العالمية.

стр. 577

تمهيد والعالميَّة خصيصة أخرى من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، إذ ليست من جنس بعينه، وإنَّما هي عامَّة جميع الناس الذين ارتضوا الإسلام دينًا، وانضموا تحت لوائه دون أن يحد هذه العالمية زمان أو مكان.

стр. 578

مفهوم العالمية ١ - مفهوم العالَمِيَّة: أ- تعريف العالميَّة لغة: نسبة إلى العَالَم، والعالم في اللغة: (الخَلْقُ كُلُّهُ، أو ما حَواهُ بَطْنُ الفَلَك) (١)، (وهو في الأصل: اسمٌ جامع لما يعلم به كالطابَع والخاتَم لما يُطْبَعُ به ويُخْتَمُ به، وجعل بناءه على هذه الصيغة لكونه كالآلة) (٢) أي: أنَّه يُستَدَلُّ به على صانعه وخالقه جلَّ وعلا، يقول الراغب الأصفهاني: (والعَالَمُ آلة على الدلالة على صانعه، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيته، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] (٣). وعن جمعه -حيث جاء على غير قياس، (ولا واحد للعَالَم من لفظه؛ لأنَّ عالَمًا جمع أشياء مختلفة) (٤) - قال الراغب: (وأمَّا جمعه فلأنَّ من كل نوع من هذه قد يسمى عالَمًا، فيقال: عالَمُ الإنسان، وعالَمُ الماء، وعالَمُ النَّار. . . وقيل: إنَّما جمع هذا الجمع لأنَّه عني به أصناف الخلائق من الملائكة والجن والإنس، دون غيرها. . . [وقيل] العالَمُ عالَمَان الكبير وهو الفلك بما فيه، والصغير وهو الإنسان) (٥). وفصَّلَ الدامغاني مادة (العالمين) في القرآن الكريم على خمسة أوجه

стр. 579

(فوجه منها: العالمين الجن والإنس. .، والثاني: العالمين عالمو الزمان. . . [كقوله تعالى]. . .: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] يعني: عالمي زمانهم. الثالث: العالمين من وُلِدَ من ولد آدم إلى قيام الساعة. . . الرابع: العالمين من كان من الخلق من بعد نوح ﵇. . . الخامس: العالمين أهل الكتاب) (١). وجاء في لسان العرب: (معنى العَالَمين: كل ما خلق اللَّه، كما قال: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٢). وهذا المعنى يلتقي مع قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، إذ قالوا: (يراد به كل موجود سوى اللَّه تعالى، فيعم جميع المخلوقات) (٤). ب- تعريف العالميَّة في الاصطلاح: يتضح مِمَّا تقدم في معنى (العالم) و (العالمين)، عموم هذين اللفظين وشمولهما لأجناس من الخلق في زمان أو مكان سواء اقتصرا على جنس بعينه، أو على زمان محدد، أو مكان معين، أو اتسع ذلك العموم والشمول لجميع أجناس المخلوقات فيدخل فيه جميع خلق اللَّه وما سوى اللَّه فهو عَالَم، واتسع لكل مكان ولكل زمان إلى قيام الساعة. لذلك فإنَّ مفهوم العالم يتأرجح حول هذه المعاني، فمن العلماء من

стр. 580

عرَّف العالم بأنَّه: (عبارة عمن يعقل؛ وهم أربع أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين) (١)، ويخرج من ذلك كل العوالم التي لا تعقل كالبهائم، والطير، ونحوهما. ومن العلماء من عرَّف العالم بأنه: (الجن والإنس) (٢) بالنظر إلى كونهم المعنيين بالرسالة والتكليف. ومن العلماء من عرَّف العالم بأنه (كل ما خلق اللَّه في الدنيا والآخرة) (٣)، وربُّ العالمين: (إله الخلق كلِّه، السموات كلهن، ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مِمَّا يعلم ومِمَّا لا يعلم) (٤). وأمَّا المفهوم العام للعالميَّة (٥) باعتبارها إحدى خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة فهو: السمة العامَّة الشاملة لهذا التميُّز وملاءمته للمكلفين في كل مكان، وصلاحيته في كل زمان؛ لأنَّه ينبثق من عقيدة الإيمان باللَّه المالك لكل شيء، ورب كل شيء، والذي أحاط بعلمه كل شيء، ويقف المكلفون إزاءه على قدم المساواة، دون النظر إلى أجناسهم، أو لغاتهم، أو أوطانهم، أو أزمانهم، ولأنه ينتهج نظامًا شرعه اللَّه . فعلى هذا يكون هذا التميُّز عامًّا شاملًا، وإذا كان المكلفون (الجن والإنس) هم المعنيين به في المقام الأول منذُ بعث إليهم الرسول الخاتم ﷺ وإلى أن تقوم الساعة، فإنَّ هذا التميُّز بملاءمته لأوضاع الحياة

стр. 581

يستوعب غيرهما من أصناف الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. قال ابن قيم الجوزية في تفسيرها: (أصح القولين في هذه الآية: أنها على عمومها، وفيها على هذا التقدير وجهان: أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أمَّا اتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة. . .) (١). وبعد أن يبين تحت هذا الوجه ما ناله أعداؤه المحاربون من هذه الرحمة، وكذلك المعاهدون قال: (وأمَّا المنافقون: فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم واحترامها، وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها، وأمَّا الأمم النائية عنه: فإنَّ اللَّه سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض، أصاب كل العالمين النفع برسالته. الوجه الثاني: أنَّه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض) (٢). ويتسع نطاق العالميَّة في الإسلاميَّة لتشتمل العناية بالعجماوات وقضايا البيئة (٣)، وجميع مشمولات الكون، والدلائل على ذلك كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، ويكفي الإشارة إلى أمرين:

стр. 582

أولهما: أن الرسول ﷺ كان يأمر بالإحسان في التعامل مع ذوات الأرواح حتى في القتل والذبح، وينهى عن العبث بها أو أنْ تتخذ هدفًا، أو تقتل صبرًا أو تحرق، فقد ورد عنه ﷺ أنه "نهى أن يقتل شيء من الدواب صبرًا" (١). والآخر: أنَّ من الثابت في سيرته ﷺ ما يحدث من شكوى بعض العجماوات إليه، وعلى سبيل المثال: القصّة التي رواها الإمام أحمد عن (الحُمَّرَة) (٢) التي جاءت: "ترف على رأس الرسول ﷺ ورؤوس أصحابه" (٣)، فسأل الرسول ﷺ أصحابه: "أيكم فجع هذه"؟ فقال رجل من القوم: أنا أصبت لها بيضًا. قال رسول اللَّه ﷺ : "اردده" (٤). وخلاصة القول: أنَّ المراد بالعَالَمِيَّة هنا ما اتسم به تميُّز الأُمَّة

стр. 583

الإسلاميَّة من السعة والشمول والصلاح والملاءمة لجميع خلق اللَّه، وأنَّ نظام الإسلام وهديه يحقق الانسجام مع حركة الكون والتاريخ والحياة؛ لأنَّه صراط اللَّه المستقيم، ودينه الخاتم حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها، أمَّا مصطلح العالميَّة بوصف أنَّها: (مذهب معاصر يدعو إلى البحث عن الحقيقة الواحدة التي تكمن وراء المظاهر المتعددة في الخلافات المذهبية) (١) فإنَّه يتعارض -على إطلاقه- مع الإسلام من حيث كون الاختلاف من سنن اللَّه في المجتمع البشري لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨]، فالصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والجاهلية والإسلام؛ صراع قدري واقعي بأدلته النقلية والعقلية، بيد أنَّ الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يحقق العالميَّة ليس من حيث قسر الخلق على السير في منهجه وإكراههم على الدين، ولكن من حيث ملاءَمتُه لطبيعة الخلق ووفاؤه بحاجاتهم فهو -كما سلف القول-: (هذا دواء لهذا المرض فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواءً لذلك المرض) (٢). * * *

стр. 584

دلائل عالمية الإسلام من الكتاب والسنة، ووقائع السيرة النبوية، وأحداث التاريخ الإسلامي توافرت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على عالميَّة الإسلام ممثلًا في رسالة محمد ﷺ وأمته، (وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. . . وفي القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن دعوة المشركين، وعُبَّاد الأوثان، وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلَّا بكلفة) (١)، وكذلك في السنَّة النبويَّة. أولًا: القرآن الكريم: جاءت في كتاب اللَّه آيات مستفيضة بصيغ متنوعة، وأساليب عديدة؛ منها: أ- بوصف رسالته ﷺ والإخبار عنها بأنَّها للناس أو كافَّة للناس؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]، فدلت الآيتان ونحوهما على عالميَّة الرسالة المحمَّدية، وهما من النصوص الصريحة على ذلك، وفي الآية الثانية جاء لفظ (كافَّة) لزيادة الدلالة في العموم، وقد قال بعض المفسرين: (في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: وما أرسلناك إلَّا للناس كافة أي عامَّة) (٢)، وقال آخر: (إلَّا رسالة عامَّة لهم فإنَّها إذا عمتهم كفتهم أن يخرج أحد منهم، أو إلَّا جامعًا لهم في البلاع، فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة) (٣)، ومهما كان تقدير الكلام وإعرابه فإنَّه دالٌّ على العموم والعالمية.

стр. 585

ووصف اللَّه الرسالة المحمديَّة بأنها رحمة للعالمين، وأنَّه ﷺ يهدي سبل السلام، وأن اللَّه أنزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا، وأخبر اللَّه بأن محمدًا ﷺ نذير للبشر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال تعالى يخاطب أهل الكتاب، ويخبرهم بأنَّهم مقصودون بدعوة محمد ﷺ وملزمون بالإيمان برسالته: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقال -أيضًا-: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَر﴾ [المدثر: ٣٦]. ب- وجاءت آيات مستفيضة فيها أمر اللَّه تعالى لمحمد ﷺ أن يبلغ الناس رسالة ربه، وأنَّه أرسل إليهم جميعًا، وأن عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه، كقولى تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقبل هذه الآية أثنى اللَّه على الذين يؤمنون بمحمد ﷺ وينصرونه ويعزرونه ويتبعون النور الذي أنزل معه وأنهم هم المفلحون؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ. . .﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية. ج- وجاء الخطاب في آيات كثيرة موجهًا إلى أهل الكتاب -بخاصة- كالآية السابقة: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ

стр. 586

وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وكقوله تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤١ - ٤٢]. وفي آيات عديدة بين اللَّه لأهل الكتاب أنهم مشمولون بدعوة محمد ﷺ وأبلغهم بمبعثه، وأنه جاءهم على فترة من الرسل يبشرهم وينذرهم، وتأتي دعوتهم للإيمان به في بعض الأحوال مقترنة بالوعيد الشديد إن لم يقبلوها، كما بين لهم جلَّ وعلا أنها مصدقة لما معهم من الكتاب، وأن محمدًا ﷺ مأمور بأن يظهر ما أخفوه من الكتاب؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]. د- وممَّا جاء في القرآن الكريم وهو يدل على عالميَّة رسالة محمد ﷺ ؛ بصفة تضرب في أعماق تاريخ البشريَّة، وتستمر عبر تاريخها المقبل إلى قيام السَّاعة في الآخرة؛ أخذ الميثاق على جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى أتباعهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وأن ينصروه وأن يأمر بعضهم بعضًا بذلك، وبين اللَّه أنه أخذ عليهم هذا الميثاق وأقروا به، وأشهدهم عليه، وأكد شهادتهم بشهادته جلَّ وعلا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].

стр. 587

قال ابن كثير في تفسيرها: (يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇ لمهما آتى اللَّه أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ، ثُمَّ جاء رسول اللَّه من بعده ليؤمنن به ولينصرنه. . . قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس ﵄: ما بعث اللَّه نبيًّا من الأنبياء إلَّا أخذ عليه الميثاق لئن بعث اللَّه محمدًا وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعثَ محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه) (١). وحيث إن نبي اللَّه ورسوله عيسى ﵇ كان آخر الأنبياء والمرسلين قبل محمد ﷺ فإنَّه قد بشَّرَ به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] (٢). ومن يتدبر الآيات التي جاءت بعد الآية التي ذُكِرَ فيها الميثاق يتبين له من منطوقها ومفهومها، ومِمَّا تدل عليه صراحة وضمنًا: أنَّ (الوفاء بهذا العهد هو الدين، فمن ابتغى سواه من الأديان والملل والنحل والمذاهب فقد ابتغى غير دين اللَّه، وهذا ما يفيده الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] (٣).

стр. 588

وقبل هذه الآية: (حكم اللَّه تعالى على المتولين الذين يعرضون عن الرسالة بالفسق) (١)، إذ قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢]، ثُمَّ بين اللَّه تعالى في تلك الآيات أنه لا يقبل من أحد غير دين الإسلام فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، (وهذه الصيغة عامَّة، فإنَّ صيغة "مَنْ" الشرطية من أبلغ صيغ العموم، فيدخل فيها أهل الكتاب وغيرهم، وسياق الكلام مع أهل الكتاب، وهذا يدل على أنَّه تعالى أراد أهل الكتاب بهذه الآية كما أراد غيرهم، بل معظم صدر سورة آل عمران: في مخاطبة أهل الكتاب ومناظرة النصارى. . وذكر اللَّه تعالى في أول السورة أن الدين عنده هو الإسلام، وأنَّ أهل الكتاب أمروا بالإسلام كما أمر به الأميون الذي لا كتاب لهم) (٢). وملحظ آخر؛ وهو أنَّ ميثاق دينهم الذي واثقتهم عليه رسل اللَّه إليهم، وواثقهم اللَّه به، وأخذ عليهم إصرهم، والإصر -كما فسَّره العلماء- هو: (العهد المؤكد الذي يُثبِّط ناقضه عن الثواب والخيرات) (٣): يأمرهم بالإيمان بمحمد ﷺ ، أي: بالدخول في دين الإسلام، وأنَّ الذين يؤمنون بمحمد ﷺ يؤمنون بجميع الرسالات ويؤمنون بجميع الأنبياء والرسل، وبهذا تتحقق للمسلمين العالميَّة الحقَّة وتكون الأُمَّة الإسلاميَّة ذات تميُّز من أهم خصائصه خصيصة العالميَّة، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]، إنه الإسلام والإسلام -فحسب- الطريق الوحيد للعالمية، والأُمَّة الإسلاميَّة

стр. 589

هي الوحيدة التي تتجلَّى فيها العالميَّة؛ لأنها تؤمن بجميع الرسالات وتقر بجميع الأنبياء والمرسلين، وتؤمن بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل على جميع أنبياء اللَّه ورسله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]. ثانيًا: وأمَّا في السنة النبوية: فقد وردت أحاديث كثيرة تبين عموم رسالته ﷺ وشمولها وعالميتها، منها الآتي: أ- قوله ﷺ : "أُعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحد من قبلي: نصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجعلت في الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت في المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامَّة" (١). والشاهد في هذا الحديث قوله ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامَّة" حيث أخبر ﷺ أنَّ مِمَّا خصَّه اللَّه به دون سائر المرسلين كونه بعث برسالة عامَّة لجميع الناس؛ لذلك فإنَّ من أهم خصائص تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة العالميَّة في الخطاب إلى جميع الناس. ب- وقال ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمَّة، يهودي، ولا نصراني، ثُمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلَّا كان من أصحاب النار" (٢).

стр. 590

والشاهد من هذا الحديث برواياته المختلفة أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة لا تقصر على قوميَّة بعينها، وإنَّما هي أُمَّة متميّزة، ومن أهم خصائص تميُّزها عالميتها، وأن هذه العالمية تمتد إلى اليهود والنصارى، ولا يسعهم الخروج عنها لكونهم أهل كتاب، وإنَّما دخلوا في عموم خطاب الإسلام، فهم ابتداءً من أمة الدعوة باعتبارهم مقصودين بدعوة الإسلام (١)، وفي هذا دلالة واضحة على عالمية الأُمَّة الإسلاميَّة. ج- وبالنظر إلى سيرة الرسول ﷺ يلحظ أنَّ عموم رسالته ﷺ وعالميتها واضح من وقت مبكر ومن الأدلة على ذلك ما تفوه به ﷺ حين الجهر بالدعوة، فقد ورد في مصادر السيرة أنه ﷺ حينما أمر بالجهر بالدعوة، ونزل عليه قول اللَّه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] جمع قومه وقال: "الحمد للَّه أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له" ثُمَّ قال: "إنَّ الرائد لا يكذبُ أهله، واللَّه لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم ولو غررت الناس ما غررتكم، واللَّه الذي لا إله إلَّا هو إني لرسول اللَّه إليكم خاصَّة وإلى الناس كافَّة. . . " (٢). د- وأخبر ﷺ بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة بل إلى الثقلين، وهو ما تواترت به أخبار السيرة، وعن ذلك يقول ابن تيمية: (فإنَّه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن رسالة محمد بن عبد اللَّه ﷺ لجميع

стр. 591

الناس؛ عربهم وعجمهم، ملوكهم وزهادهم، وعلمائهم وعامتهم، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامَّة للثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما يشرعه لأُمَّته من الدين. . .، بل لو كان الأنبياء المتقدمون أحياء لوجب عليهم متابعته وطاعته) (١). ومِمَّا يؤيد ذلك أنَّه ﷺ قال لعمر ﵁ وقد عرض عليه بمكتوب من التوراة: "والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثُمَّ اتبعتموه وتركتموني لضللتم. . . " (٢)، وفي رواية أخرى: "لو أن موسى ﷺ كان حيًّا ما وسعه إلَّا أن يتبعني" (٣). هـ - وأخبر ﷺ أمَّته، إبان حفر الخندق: بأنَّ ملكها سيبلغ ما زُوِيَ له من الأرض، وقد وردت في هذه القصَّة روايات كثيرة يذكرها المؤلفون في دلائل نبوته ﷺ (٤)، ولعل من أصح تلك الروايات ما أخرجه الإمام مسلم من حديث ثوبان ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "إنَّ اللَّه زوى لي الأرض فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وأنَّ أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض" (٥).

стр. 592

ففي هذا الحديث ذكر الرسول ﷺ أنَّ اللَّه جمع له الأرض، وأطلعه على مشارقها ومغاربها، وبشَّرَه بأن ملك أمته سيبلغ ما رآه منها، وأنه سيورث هذه الأُمَّة الإسلاميَّة ملك كسرى وقيصر، حيث فسَّر العلماء قوله ﷺ : "وأعطيت الكنزينْ الأحمر والأبيض" بأن المراد بهما الذهب والفضَّة، وفيهما رمز لملك كسرى وملك قيصر (١). و- وفي قصة إسلام (عدي بن حاتم) أورد ابن إسحاق أنَّ عديًّا قال: (بعث رسول اللَّه، وكنتُ أشد الناس له كراهة -أو من أشد الناس- فلحقت بأقصى أرض العرب، من قبل الروم، وكرهتُ مكاني أشد من كراهتي الأمر الأول، فقلتُ: لآتين هذا الرجل، فلئن كان صادقًا لا يخفى عليَّ، ولئن كان كاذبًا لا يخفى عليَّ -أو لا يضرني، شك محمد- فقدمت المدينة، فاستشرفني الناس، فقالوا: عدي بن حاتم، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم"، فقلت؛ إنَّ في دينًا، فقال: "أنا أعلم بدينك منك" (٢). ويذكر تفاصيل الحوار الذي دار بينه وبين الرسول ﷺ إلى أن قال له الرسول ﷺ : "هل أتيت الحيرة؟ " فقلتُ: لا، وقد علمت مكانها، قال: "توشك الظعينة أن تخرج من الحيرة حتى تطوف بالبيت بغير جوار، ويوشك أن تفتح كنوز كسرى بن هرمز" فقلت: كنوز كسرى بن هرمز؟ فقال: "كنوز كسرى بن هرمز -مرتين- ويوشك أن يخرج الرجل الصدقة من ماله، فلا يجد من يقبلها" قال: فقد رأيتُ الظعينة تخرج من الحيرة

стр. 593

حتى تطوف بالبيت بغير جوار، وقد كنت في أول جيش أغار على المدائن، وأيمُ اللَّه لتكونن الثالثة، إنَّه لقول رسول اللَّه ﷺ ) (١). وفي رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد جاء في قوله: "واللَّه ليُتِمَّنَّ اللَّه هذا الأمر" (٢) من حديث خَبَّاب قال: (شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا اللَّه ؟. . . قال: "قد كان الرجل فيمن كان قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل بنصفين، فما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون العظمة من لم أو عصب فما يصده ذلك عن دينه، واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من المدينة إلى حضرموت لا يخاف إلَّا اللَّه ، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (٣). ز- ومن الأحاديث الصحيحة -في ذلك أيضًا- حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن فتح القسطنطينية، وأنَّه دعا بصندوق له حلق، وأخرج منه كتابًا ثُمَّ قال: (بينما نحن حول رسول اللَّه ﷺ نكتب؛ إذ سئل رسول اللَّه: أيّ المدينتين تفتح أولًا؟ قسطنطينية أو روميَّة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "مدينة هرقل أولًا، يعني: قسطنطينية" (٤).

стр. 594

ح- ومن الأحاديث الصحيحة الدَّالة على عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة ما أخرجه الإمام مسلم أن الرسول ﷺ قال: "تغزون جزيرة العرب، فيفتحها اللَّه، ثُمَّ فارس، فيفتحها اللَّه، ثُمَّ تغزون الروم، فيفتحها اللَّه، ثُمَّ تغزون الدَّجَّال، فيفتحه اللَّه" (١). والحقيقة أنَّ ما ورد من الأحاديث الشريفة، وما تحدثت عنه مصادر السِّيرة النبويَّة الشريفة عن عالميَّة الإسلام وانتشاره من الكثرة بمكان، وقد جاء الواقع التاريخي مصدقًا لما أخبر به الرسول ﷺ ، ومؤكدًا صدق رسالته وصحة نبوته، وقد اجتهد العلماء في مؤلفاتهم في القديم والحديث لإظهار هذا الجانب وهو جانب تدعمه الآيات القرآنية الصريحة، والأحاديث النبويَّة المفسرة والشارحة والمفصلة لأمور الإسلام وشؤون أُمَّته، والوقائع التاريخية المتظافرة، ولعل فيما تقدم من إيراد الآيات والأحاديث وبعض وقائع السِّيرة ما يبرز جانب التميُّز، ولعل من المناسب -أيضًا- إيراد بعض الأحداث التاريخية الأخرى التي تؤكد هذه الخصيصة، وخلاصتها في الآتي: أ- تكونت الأُمَّة الإسلاميَّة في بداية تاريخ السيرة النبوية وظهور الإسلام في مكة المكرمة من أجناس مختلفة، فكان منها علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد وإمامهم ومعلمهم وقائدهم محمد ﷺ وهؤلاء من سادة قريش وعلية مجتمعها، وكان يقف معهم على قدم المساواة بلال الحبشي، وصهيب الرومي،

стр. 595

وسلمان الفارسي، مِمَّا يرمز إلى رابطة أخرى غير رابطة الجنس والوطن ونحوهما من الروابط الأخرى، وإنَّما قامت الأُمَّة على رابطة التقوى والإيمان باللَّه) (١). ب- ومِمَّا يؤكد مفهوم عالميَّة الإسلام: (ما قام به الرسول ﷺ ؛ من إرسال الكتب، وبعث الرسل إلى من عاصره من ملوك وحكام، غير مستند في ذلك إلى قوته الماديَّة أو منعه جيشه إذ لم يكن يملك من ذلك [إلَّا الشيء القليل]. . . ولكنه كان يبشر بدعوة الخير، منطلقًا من يقينه بضرورة أن يشع نورها في أرجاء المعمورة فيمحو ظلام النفوس. . . ويعفي على فساد الواقع. . . معتمدًا قبل كل شيء على نصر اللَّه وتأييده) (٢)، ومبلغًا رسالة ربه (٣). ج- ومِمَّا يؤكد عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة مجيء الوفود إلى الرسول ﷺ إلى المدينة، قال ابن إسحاق: (لما افتتح رسول اللَّه ﷺ مكَّة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه) (٤). وقال ابن هشام: (إنَّ ذلك في سنة تسع، وأنَّها كانت تسمى سنة الوفود) (٥)، وقد علل المؤرخون في القديم والحديث أسباب توافد العرب

стр. 596

إلى عاصمة دولة الإسلام لإشهار إسلامهم ومبايعة الرسول ﷺ ، والانضواء تحت مظلَّة الأُمَّة الإسلاميَّة وراية لا إله إلَّا اللَّه محمد رسول اللَّه، عللوا ذلك بسبب (سقوط مكة زعيمة الشرك بأيدي الفاتحين، وهزيمة التحالف الوثني الأخير في حنين [فكان ذلك] آخر ضربتين حاسمتين للوجود الوثني في جزيرة العرب، انهار بعدها جدار الكفر، وانطلقت حركة الإسلام بخفّة وسرعة، حيث أزيلت العوائق، إلى كل مكان، وأدركت القبائل العربية التي ظلت على وثنيتها ألَّا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته المتفردة بالحكم والسلطان في الجزيرة كلها، وأن عنادها وتشبثها بمواقفها السابقة فقد مبرراته بدخول مكة في الإسلام، وانتماء هوازن، أكبر القبائل الوثنية، للدين الجديد، فراحت هذه القبائل تتسابق في إرسال وفودها إلى المدينة قاعدة الإسلام، مبايعة على الإسلام أو مصالحة رسول اللَّه ﷺ ، ولكثرة هذه الوفود التي انهالت على المدينة في العام التالي لفتح مكة ومطلع الذي يليه، سماه المؤرخون "عام الوفود" (١)، (٢). وواضح أنَّ هذا يتفق مع ما ذكره ابن إسحاق مؤرخ السيرة الأول، إذ قال: (وإنَّما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول اللَّه ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، وعرفت العرب أنَّه لا طاقة لهم بحرب رسول اللَّه ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين اللَّه كما قال اللَّه : ﴿أفواجًا﴾ يضربون إليه من كل وجه) (٣).

стр. 597

وتاريخ هذه الوفود وما اشتمل عليه من معان عميقة ودلالات ذات أبعاد واسعة، فيما يتعلق بعالمية الإسلام وأمته، مِمَّا أسهب العلماء في ذكره ودراسته وتفسير أحداثه ومتعلقاتها (١)، بيد أنَّ مِمَّا ينطوي عليه بصفة خاصَّة التأكيد على عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة، فقد وسعت قبائل وشعوب، وبلدان على الرغم مِمَّا كان بينها من الاختلافات، والتناقضات؛ على صعيد المصالح، وعلى سعيد الاتجاهات الفكريَّة، والتشريعية، والسلوكيَّة، وعلى الرغم مِمَّا تتسم به علاقاتُها من صراع واقتتال وتناحر وتناجز لأتفه الأسباب، وما كانت عليه من انحطاط، وتخلف في الثقافة والحضارة، وفي العقيدة والتصور، فإنَّ الإسلام صهرها في أُمَّة واحدة وأخرجها لتكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] بما لم يشهد له التاريخ مثيلًا، فدلَّ ذلك على خصيصة العالمية، وأنها إحدى خصائص تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة. د- ومن بين تلك الوفود بخاصّة نصارى العرب ممن كان منهم في جنوب الجزيرة أو شمالها، فقد كان لهم مع رسول اللَّه ﷺ مواقف فيها الكثير من العبر، والدلائل على عالميَّة الإسلام والاعتراف بنبوة ﷺ وأنَّه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنَّه هو الذي بشرت به كتبهم، وإذا كانت قصة عدي بن حاتم تشتمل على شيء من ذلك فإنَّ هناك شواهد أخرى من أبرزها: ١ - ما حدث من وفد نجران من مجادلة الرسول ﷺ ومناظرته حول المسيح ﵇، وقد ذكر بعض المفسرين أن صدرًا من سورة آل عمران نزل بهذا الشأن (٢)، وجاءت فيه آية المباهلة، ولكنَّهم أحجموا عنها، واختاروا

стр. 598

لأنفسهم دفع الجزية، وكانوا -كما ذكر العلماء- أول من دفع الجزية في الإسلام (١)، وقصة ذلك مذكورة في كتب السيرة والتفسير وأسباب النزول. قال ابن كثير: (سورة آل عمران. . . مدنية؛ لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة. . . . .) (٢)، ثُمَّ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾ [آل عمران: ٦١]: (كان سبب نزول المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية، فأنزل اللَّه صدر هذه السورة ردًّا عليهم) (٣). وبعد أن أورد ابن كثير تفاصيل ما حدث بينهم وبين الرسول ﷺ من مناظرة وجدال قال: (فأنزل اللَّه في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة اَل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. . .) (٤)، وذكر ما كان من أمر مشورتهم فيما سمعوا من القرآن الكريم، وما وقفوا عليه من حقيقة نبوة محمد ﷺ ، وأن صاحب الرأي فيهم قال: (واللَّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أنَّ محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمت أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وأنّه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإنْ كنتم أبيتم إلَّا ألف دينكم والإقامة

стр. 599

على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم) (١). والشاهد من هذا اعتراف وفد النصارى بنبوة محمد ﷺ ، ومن المُسَلَّم به عندئذٍ الاعتراف بأصلين آخرين يتصلان بهذا الأصل؛ وهما: أنَّ محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنَّه بعث للناس كافَّة؛ لأن الاعتراف بنبوته يلزمهم أن يعترفوا بهذين الأصلين الاخرين لكون النبي لا يكذب، وهذا مِمَّا يسلمون به فلزم أن يصدقوه فيما قال من كونه آخر الأنبياء والمرسلين، وأنَّ رسالته عامَّة وشاملة (٢). ٢ - وحدث أنَّ (فروة بن عمرو الجذامي)، وكان ملك عرب الروم، وعاملًا لهم على من يليه من العرب، بعث برسوله إلى الرسول ﷺ ، معلنًا إسلامه، وأهدى للرسول ﷺ بغلة بيضاء، (وكان منزله (مَعَان) بأرض الشام، فلمَّا بلغ الروم ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فلما اجتمعت الروم لصلبه. على ماء لهم يقال له: عفراء بفلسطين قال: بلغ سراة المسلمين بأنَّني ... سلم لربِّي أعْظُمِي ومقامي ثُمَّ ضربوا عنقه، وصلبوه على ذلك الماء يرحمه اللَّه) (٣). هـ - وتوافدت القبائل مرة أخرى في حجة الوداع لملاقاة الرسول ﷺ والأخذ عنه أمور الإسلام ومناسك الحج وشعائر الدين، وقد كان أناب

стр. 600

عنه في حجَّة العام التاسع للهجرة أبا بكر الصديق، وألحق به علي بن أبي طالب ﵄ لنزول سورة (براءة) لإعلانها للناس في يوم الحج الأكبر (١)، وجاءت حَجَّة الوداع وقد علت كلمة اللَّه، واكتمل الدين، فالتقت الأُمَّة الإسلاميَّة برسولها ﷺ في سورة مثاليَّة، بعد أن أصبحت مصطبغة بعقيدة التوحيد، داخلة تحت لواء الشريعة الإسلاميَّة. يقول أحد المؤرخين عن هذه الصورة الجليَّة للأُمَّة الإسلاميَّة في حجة الوداع وعن دولة الرسول ﷺ : (حَجَّ في العام العاشر حجَّته الأخيرة على النظام الإسلامي، وحجَّ معه فيها ما يزيد على مئة ألف (٢) لم يكن من بينهم مشرك واحد، وفي الفترة التي تقع بين إعلان (البراءة من المشركين) ووفاة الرسول ﷺ طبق الرسول (أمر البراءة) بحذر شديد وكياسة سياسية بارعة، وتجنب الاصطدام بالقبائل، ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم، ويرسل معهم عند عودتهم مسلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم، والواقع أن (إعلان البراءة) بوقف الوثنيَّة نهائيًّا، أمر لا يُمكن إدراك أبعاده، إلَّا إذا نظرنا إلى المسألة من جانبها الحضاري و (الاستراتيجي) كضرورتين يرتبط بعضها ببعض، وتسوقان إلى اتخاذ إجراء حاسم كهذا. فأمَّا أولاهما: فهي أنَّ الوثنية، على خلف سائر الأديان الأخرى، تمثل الدرك الأسفل في موقف الإنسان الديني من الكون، موقف يشده إلى الحجارة، ويصده عن التقدم إلى الإمام، ويحجب عن بصيرته الرؤية الشاملة لدور الإنسان في الأرض وعلاقته بالقوى الأخرى في الوجود، ولو بقي
следующие страницы →