← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أو هزلًا، وهو كيفما كان كفر؛ فإنَّ الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأُمَّة، فإنَّ التحقيق أخو الحق والعلم، والهزل أخو الباطل والجهل) (١). وتناول ما يكره من الأقوال وما يباح منها واختلاف العلماء في ذلك، وأنَّ كل ما يلفظ به الإنسان مكتوب إمَّا له وإمَّا عليه لقوله ﷺ "كل كلام ابن آدم عليه، لا له، إلَّا ما كان من ذكر اللَّه وما والاه" (٢). ويصل إلى عبادات الجوارح فيرتبها على هذا النحو: (وأمَّا العبوديات الخمس على الجوارح: فعلى خمس وعشرين مرتبة -أيضًا- إذ الحواس خمسة، وعلى كل حاسة خمس عبوديات، فعلى السمع وجوب الإنصات،

стр. 737

والاستماع لما أوجبه اللَّه ورسوله عليه من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة في الجمعة في أصح قولي العلماء، ويحرم عليه استماع الكفر والبدع، إلَّا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة: من رده، أو الشهادة على قائله، أو زيادة قوة الإيمان والسنّة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك) (١). ويستمر في شرح هذه المراتب الخمس والعشرين في مختلف صورها وأحكامها ما بين واجب ومستحب ومكروه ومحرم وواجب إلى أن يقول (٢): (وهذه المراتب -أيضًا- مرتَّبَة على البطش باليد والمشي بالرجل، وأمثلتها لا تخفى؛ فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله: واجب، وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف، والصحيح وجوبه ليمكنه من أداء دينه، ولا يجب لإخراج الزكاة، وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل: وجوبه لدخوله في الاستطاعة، وتمكنه بذلك من أداء المناسك، والمشهور عدم وجوبه، ومن البطش الواجب: إعانة المضطر، ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم. والحرام: كقتل النفس التي حرم اللَّه قتلها، ونهب المال المعصوم، وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك) (٣). وقد تناول تفصيلات كثيرة، ألَمَّت بصور عدَّة (٤)، وقال في نهايتها: (فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء: القلب، واللسان، والسمع، والبصر، والأنف، والفم، واليد، والرجل، والفرج، والاستواء على ظهر الدَّابَّة) (٥).

стр. 738

والحقيقة أنَّ ما قام به ابن قيم الجوزية من تصنيف للعبادة، وحصر لمراتبها، وما ألحق بذلك من منازل لـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] (١)، وبالنظر للعبادة نفسها ووقتها وما يتعلق بها، كلُّ ذلك يعطي الدلالة الواضحة على شمول العبوديَّة في الإسلام، لكل ما يأتي المكلف ويذر من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وأنَّه مسؤول عن جميع تصرفاته: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وبهذا المفهوم الشامل للعبادة (عَرَفَ المسلمون الأولون معنى العبادة فكانوا عبادًا للَّه حقًّا، وكان وصف العبوديَّة جليًّا في حياتهم وجميع أعمالهم، بل كانت عاداتهم عبادات. . . إذ كانوا لا يتحركون تحركًا ولا يسكنون سكونًا إلَّا ويستشعرون رضاء اللَّه عن ذلك التحرك والسكون، حتى أصبح هذا الشعور محور تركهم، ومبعث سلوكهم، لا تشوبه شائبة، ولا يغفلون عنه لحظة، ولمَّا ضعف هذا المفهوم في نفوس من بعدهم، وخفت ذلك الشعور في تصرفاتهم، بعدوا عن حقيقة العبادة تدريجيًّا حسب بعدهم عن ذلك المحور، وانقلبت كثير من عباداتهم إلى عادات، وكان هذا التحول والبعد متنوعًا فيهم، ومتفاوتًا بينهم، فهناك من المسلمين من انحصر مفهوم العبادة عندهم في جانب من جوانب الحياة، ففصلوا بين علاقة الإنسان بربه وبين علاقته مع نفسه وغيره. . . وحصروا معنى العبادة في علاقتهم مع اللَّه، فخرجوا بذلك عن الجادة) (٢). * * *

стр. 739

روح العبادة وأسرارها سبق التعريف بالعبادة والعبوديَّة، وما تقتضيه من خضوع للَّه ومحبة له ولرسوله ﷺ ، وأنَّ تلك المحبَّة تفضي إلى متابعته ﷺ عن نيَّة وقصد، والتزام بما كان عليه من عبادة. ثُمَّ إنَّ فائدة العبادة تعود للمكلف نفسه في المقام الأول، وكذلك تنعكس آثارها على حياته وحياة الأُمَّة من حوله، وسيأتي الحديث عن هذا الجانب في نقطة أخرى، أمَّا البحث هنا فيتركز على روح العبادة وأسرارها، وإن كان من المسلمات لدى المسلمين (أن العبودية للَّه شعارها الإيمان بالغيب ولو لم تره، والطاعة لأمره ولو لم تحط بسره، وحسب المؤمن أن يعلم بالإجماع أن اللَّه غنيٌّ عن العالمين، وإذا تعبد سبحانه عباده بشيء فإنَّما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحيَّة والماديَّة، الفردية والاجتماعية، الدنيويَّة والأخرويَّة، بيد أن الإنسان المحدود قد تخفى عليه حكمة اللَّه جل علاه، وكم للَّه من أسرار خافية حتى عن أفهام الأذكياء من الناس، وكما أخفى سبحانه كثيرًا من أسرار هذا الكون عن الإنسان، أخفى عليه بعض أسرار ما شرع ليظل الإنسان في هذا وذاك متطلعًا بأشواقه وراء المجهول آملًا في الوصول، معترفًا بالقصور، وليظل دائمًا في دائرة العبوديَّة المؤمنة التي شعارها دائمًا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) (١).

стр. 740

ولذلك فإنَّ جوهر العبادة وروحها الحقيقية هي كما قال ابن تيمية: (غاية الذل للَّه بغاية المحبَّة له) (١)، وإنَّما شرعت العبادات المفروضة من صلاة وزكاة وحج وصوم ونطق بالشهادتين ونحوها من العبادات المعيَّنة بأوصافها وأوقاتها لتدريب الإنسان على تحقيق العبوديَّة الشاملة للَّه، ولتذكيره بعظمة اللَّه وسلطانه عليه (٢). وأمَّا أسرار العبادة فإنَّها من الكثرة بمكان، ومنها ما هو ظاهر جلي، ومنها ما هو خفي حتى يصل إلى ما لا يحيط بعلمه إلَّا اللَّه وفيما يأتي ذكر بعض هذه الأسرار: أولًا: أن العبادة حق للَّه على أن تكون خالصة له دون سواه، فهو المستحق للعبادة لأنَّه الخالق الرازق، الذي له الأمر كله، وإليه المصير، ومن حقيقة كونه الخالق المالك المتصرف، وما سواه عبيد له فإنَّه يستحق أن يعبد ولا يعصى، وأنْ يشكر ولا يُكفَر، وقد أمر بعبادته وجعلها الغاية من خلق الثقلين -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- (والأصل في العبادات أن تؤدى امتثالًا لأمر اللَّه، وأداء لحقوقه على العباد، وشكرًا لنعمائه التي لا تنكر. . .، والأصل فيها (كذلك) أنَّها ابتلاء لعبوديَّة الإنسان لربه) (٣).

стр. 741

قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١ - ٢]. فدلت هذه الآيات على أن العبادة حق للَّه فرضه على عباده، وفي الحديث الشريف: أنّ الرسول ﷺ قال لمعاذ بن جبل ﵁: "هل تدري ما حقُّ اللَّه على عباده؟ " (١)، فقال معاذ: اللَّه ورسوله أعلم (٢). فقال الرسول ﷺ : "حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على اللَّه أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" (٣). ثانيًا: ومن أسرار العبادة أنَّها تحقق الانسجام مع حقيقة الوجود وحقيقة المكلف، فكل الوجود قانت للَّه وعابد له بالتسخير، والمكلف من الإنس والجن عابد للَّه بالاختيار، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]، ومن رحمة اللَّه بخلقه أن جعل الفطرة تميل إلى الحق وتريده وتطلبه.

стр. 742

يقول ابن تيمية عن هذا: (والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنَّه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]) (١). وقبل ذلك بيَّن أنَّ من سر العبوديَّة للَّه إصلاح القلب من الفساد، وأنَّ ذلك لا يتحقق إلَّا بتعبئة القلب بحب اللَّه والخضوع له، ويقول: (ومن أعظم أسباب البلاء إعراض القلب عن اللَّه، فإنَّ القلب إذا ذاق طعم عبادة اللَّه والإخلاص له لم يكن عنده شيءٌ قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب، والإنسان لا يترك محبوبًا إلَّا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفًا من مكروه، فالحب الفاسد إنَّما يصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر، قال تعالى في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فاللَّه يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه للَّه، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبوديَّة للَّه والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فإنَّ الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر اللَّه، وهذا المحبوب أكبر من دفع المكروه، فإنَّ ذكر اللَّه عبادة للَّه، وعبادة القلب للَّه مقصودة لذاتها) (٢).

стр. 743

وقال -أيضًا- في مكان آخر: (إنَّ ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك) (١). ثُمَّ إنَّ انسجام المكلف مع حقائق الوجود، وشعوره بوجوده هو لا يتحقق إلَّا بعبوديته للَّه (وإذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حبًّا للَّه ازداد له عبوديَّة، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًّا وحريّة عما سواه، والقلب فقير بالذات إلى اللَّه من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلَّة الغائيّة، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلّة الفاعليَّة، فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يلتذ، ولا يسعد، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلَّا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذَّة والنعمة والسكون والطمأنينة، وهذا لا يحصل إلَّا بإعانة اللَّه له، لا يقدر على تحصيل ذلك له إلَّا اللَّه، فهو دائم مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]) (٢). * * *

стр. 744

آثار العبادة في الفرد وفي الأُمّة تبين -فيما سبق- الإطار العام للعبادة، وما يعنيه تحقيق العبوديَّة للَّه من قيام الحياة برمتها وفقًا لشرع اللَّه، وأنَّ العبادة تشمل جميع جوانب حياة المسلم إذا أراد بها وجه اللَّه، واستقام فيها على صراط اللَّه المستقيم. وتبين -أيضًا- أنَّ من أسرار العبادة شكر المنعم والاعتراف له بالجميل والثناء عليه والخضوع له والاستسلام لعظمته، ومن أسرارها -أيضًا- انسجام العبد مع فطرته ومع حقائق الوجود، فالكل قانت للَّه بالتسخير، ويتميَّز الإنسان بأنَّه مخيَّر في الإقبال على طاعة اللَّه وله الأجر والثواب، أو الإعراض وعليه تبعات ذلك من الوعيد والعذاب. ولعل -فيما سبق- كذلك ما يوضح بعض آثار العبادة على الفرد والمجتمع، ولا يتسع المجال لبيان ذلك بالتفصيل، ولذا فيقتصر هنا على أبرز آثار العبادة في معناها الخاص، وبخاصة العبادات الأربع؛ الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، على النحو الآتي: أولًا: الصلاة: وهي في اللغة: (الدعاء، والتَّبريك والتمجيد) (١)، ولها معانٍ أخرى كثيرة منها: الاستغفار، والرحمة، والتزكية، واللزوم (٢)، والصلاة في الشرع: (أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم) (٣).

стр. 745

قال الراغب الأصفهاني: (والصلاة التي هي العبادة المخصوصة، أصلها الدعاء، وسميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه) (١). وقال -أيضًا-: والصلاة من العبادات التي لم تنفك شريعة منها، وإن اختلفت صورها بحسب شرع فشرع) (٢). وقد أكَّد الإسلام على ضرورة إقام الصلاة، وجعلها عمود الإسلام، وجاءت الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة تأمر بالصلاة وتحث عليها بصيغ متنوعة، وأساليب كثيرة. منها: الأمر الصريح بإقامتها وحسن أدائها. ومنها: أمر الأهل بها. ومنها: أمر الأنبياء والمرسلين بإقامتها والصبر عليها والوصية بذلك. ومنها: مدح المقيمين لها المداومين عليها. ومنها: ذم المتساهلين بها الساهين عنها. ومنها: بيان فضلها وأهميتها والأمر بها أو الحث عليها مقترنة بالفضائل والصفات الحميدة (٣). ومن الصلاة في الإسلام ما هو فرض كالصلوات الخمس، ومنها ما هو مندوب أو سنَّة مؤكدة كالسنن الرواتب، ومنها ما هو نافلة، وقد يدخل في بعض صورها التحريم أو الكراهة (٤)، كما أنَّها عبادة توقيفيَّة لا يصح أن يزاد عليها، ولا أن ينقص منها، بل تؤدى وفقًا لما فرضه الشارع وندب إليه وأباحه، وما خرج عن ذلك فهو بدعة (٥). وللصلاة شروط وأركان وواجبات وسنن وآداب، ويشترط لها كذلك

стр. 746

الطهارة، والوضوء، وللطهارة والوضوء سنن وواجبات ومقتضيات كثيرة ومتنوعة، وكل ذلك مبسوط في كتب السنَّة والفقه وغيرها من كتب التفسير والأحكام. وعندما تؤدي الصلاة في ضوء الكتاب والسنَّة ووفقًا لما أداه الرسول ﷺ ، وهو القائل: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، فإنَّها عندئذٍ تحقق منافع جمَّة تعود بالخير على الفرد والمجتمع، ومن أهم آثار ذلك على الفرد الآتي: أ- دوام صلة العبد بربه وتجديدها، وتتمثل هذه الصلة في الأعمال والأقوال، وكذلك النيَّة والقصد؛ لأن الصلاة -كما سبق ذكر ذلك- تجمع أنواع العبادات (الاعتقادية، والقلبيَّة، واللفظية، والبدنية)، وعندما يؤدي العبد صلاته فإنَّه يغذي نفسه بذكر اللَّه وعبادته وطاعته، ويطهر نفسه من أدران الذنوب والخطايا، ويقيها من الغفلة عن اللَّه، وقد شبَّه الرسول ﷺ الصلاة في عملها هذا بنهر، يغتسل فيه العبد خمس مرات كلَّ يوم. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم، يغتسل منه كلل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ " قالوا: لا يبقى من درنه شيءٌ. قال: "فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو اللَّه بهن الخطايا" (٢). ب- وفي اتجاه المسلم إلى القبلة في صلاته رمز لتوحيد اللَّه وإفراده بالعبادة، ورمز لوحدة المسلمين العالميَّة، حيث تتكون الأُمَّة من مجموعة

стр. 747

الأفراد، فإذا التزم كلُّ فرد بهذا القصد وتلك الغاية نتج عن ذلك وحدة الأُمَّة في عقيدتها وعبادتها، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ويبلغ التسليم والذل والخضوع بالمسلم غايته للَّه تعالى في حالة السجود. يقول أحد الباحثين: (إنّ العبد وهو يقف أمام مولاه ﵎ في سجوده إنّما يبلغ الغاية في الخضوع والتذلل، وينصب أشرف أعضائه على أذلِّ شيء في الوجود. . . الأرض. . .، ويهتف بأعظم كلمة يعلن بها عظمة اللَّه وعلوه، فيقول: "سبحان ربي الأعلى"، وهنا تتفق روعة الهيئة والمكان (١)، مع روعة البيان والإعلان. وإذا سجد فك سلاسل التقليد، السلاسل التي فرضها عليه المجتمع والأعراف والعادات والآداب، فخرَّ

стр. 748

ساجدًا للَّه تعالى، يمرغ وجهه، ويعفر جبينه، وأعطى القلب زمامه، وأرسل النفس على سجيتها، فلا حجر على الخشوع، ولا ملامة على الدموع) (١). ج- ومن آثار الصلاة على المسلم أنها من أسباب استقامته، وصلاح أخلاقه، وسلامة قلبه وروحه وعقله، وقد جاء الأمر بها في القرآن الكريم مقرونًا بالبر، وبالمسلك الحسن، وبالإخلاص وبالشكر وبالأمن والرخاء، والفضل والرزق والطهارة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال تعالى في حق نساء الرسول: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. ولا غرو أن تبعث الصلاة على الاستقامة الشاملة، وهي تربط الإنسان بربه فيستشعر عظمته ومراقبته له واطلاعه عليه، وإحاطته بسره وجهره، ثُمَّ هو في موقف اختبار دائم من خلال هذه الصلاة التي هي الصلة بين العبد وربه، فلابُدَّ أن يحرص العبد على سلامتها وحسنها، وذلك يقتضي أن

стр. 749

تأخذ أثرها في شأنه كله قلبًا وقالبًا، وبالتالي فإنَّ الصلاة تضفي على المسلم (من تهذيب للأخلاق، وتقويم للسلوك. . . وانقياد لإرادة اللَّه وخشيته ومحبته سبحانه) (١) ما يصلح حياته في علاقته بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمن حوله من الأهل والأقارب والمجتمع بعامَّة. أمَّا آثار الصلاة على المجتمع فهي أكثر من أن تحصى، ويُمكن أن يذكر منها الآتي: أ- بث روح الجماعة بين المسلمين وما تقتضيه من تعاون على البر والتقوى، والتراحم، والتناصر، والتواصل، ولذلك شرعت صلاة الجماعة لقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. قال ابن كثير: (استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة) (٢). واستدلوا أيضًا بكون الصلاة في جماعة مأمور بها حتى في ساحة المعركة ومع الخوف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٢٢]، فدلَّ ذلك على أن الجماعة في حال الأمن آكد، واستدل العلماء كذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]. واستدلوا بأحاديث كثيرة؛ منها: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ فقَدَ ناسًا في بعض الصلوات فقال: "لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي

стр. 750

بالناس، ثُمَّ أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم فيُحَرَّقوا عليهم بحزم الحطب، بيوتهم" (١)، وقوله ﷺ "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٢). والأدلة في ذلك كثيرة ناقشها الفقهاء في مظانها من كتبهم (٣)، وليس القصد -هنا- بحث ذلك، وإنَّما الإشارة إلى أهميَّة أن تؤدى الصلاة في جماعة وفي المساجد والجوامع، سواء الصلوات الخمس المفروضة أو الجمعة أو صلاة العيد أو الاستسقاء أو الكسوف والخسوف، وفي ذلك كله بَثٌّ لروح الأُخُوَّة الإسلاميَّة، وما توجبه من التواصل والتواصي بالحق والتواصي بالصبر تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. ب- إظهار شعائر الإسلام وتعظيمها، وإشهار ذلك بصفة عامَّة وحيث إن الصلاة (أعظم العبادات وأشملها وأتمها فإنَّه من الواجب أن تشيع بين المسلمين، وأن يجتمعوا لها، وإذا كان في (الأُمَّة) العلماء الذين يقتدى بهم، وضعفاء يتهاونون في الصلاة لو لم يؤدوها في جماعات على رؤوس الأشهاد. فلا أنفع ولا أوفق بالمصلحة في حق هؤلاء جميعًا أن يكلفوا أن يطيعوا اللَّه على أعين الناس؛ ليتميز فاعلها من تاركها، وراغبها من الزاهد فيها، ويقتدى بعالمها، ويعلم جاهلها، وتكون طاعة اللَّه فيهم كسبيكة تعرض على طائف الناس، ينكر منها المنكر، ويعرف منها المعروف، ويرى غشَّها وخالصها، وأيضًا فلاجتماع المسلمين؛ راجين راهبين. . .

стр. 751

مُسَلِّمين، ووجوهم للَّه خاصية عجيبة في نزول البركات، وتدلي الرحمة. . . فمراد اللَّه من نصب هذه الأُمَّة أن تكون كلمة اللَّه هي العليا، وألا يكون في الأرض دينٌ أعلى من الإسلام، ولا يتصور ذلك إلَّا بأن تكون سنتهم أن يجتمع خاصتهم وعامتهم، وحاضرتهم وباديتهم، وصغيرهم وكبيرهم لما هو أعظم شعائره، وأشهر طاعاته، فلهذه المعاني انصرفت العناية التشريعية إلى شرع الجمع والجماعات، والترغيب فيها، وتغليظ النهي عن تركها) (١). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. ومن شعائر الإسلام التي تميَّزت بها الأمَّة الإسلاميَّة الأذان، وهو الإعلان عن دخول وقت الصلاة والدعوة إلى أدائها، قال عنه أحد العلماء: (الأذان مقصوده الإعلام بأوقات الصلاة تنبيهًا على أن الدين قد ظهر، وانتشر علم لوائه في الخافقين، واشتهر، وسار في الآفاق على الرؤوس فبهر، وأذل الجبابرة وقهر) (٢). وقال أيضًا: (واعلم أن الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيَّة من العقليات، والسمعيات، فأوله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال، والتنزيه عن الأضداد، وذلك بقوله: (اللَّه أكبر)، وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالَّة على ما ذكر، ثُمَّ صرح بإثبات الوحدانية، ونفي

стр. 752

ضدها من الشرك. . . في حقه ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على وظائف الدين، ثُمَّ صرح بإثبات النبوة، والشهادة بالرسالة لنبينا ﷺ ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية. . . ثُمَّ دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات التي هي حكمة الدنيا فدعاهم إلى الصلاة) (١). وبهذا يتضح تأثير الصلاة في الفرد والأُمَّة، وأنها (بمنزلة القلب من الجسد، فبصلاحها يصلح وبفسادها يفسد. . . ومن هنا كانت أول ركن عملي شرع من أركان الإسلام، وكانت أول عمل ينظر فيه من عمل المرء، فان قبلت منه نُظرَ فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل لم ينظر في شيء من عمله) (٢). ثانيًا: الزكاة: وهي في اللغة: من الفعل (زكى) ويدل على معانٍ عدَّة منها النماء والزيادة والطهر. قال ابن فارس: (والأصل في ذلك كلّه راجع إلى هذين المعنيين، وهما النماء والطهارة) (٣). وعرّفت الزكاة في الاصطلاح بتعريفات كثيرة؛ منها: (اسم لإخراج شيء مخصوص، من مال مخصوص على وجه مخصوص) (٤). ومنها: (مال مخصوص يخرج من مال أو بدن مخصوص على وجه مخصوص) (٥).

стр. 753

ومنها: (هي حق واجب في مالٍ مخصوص، لطائفة مخصوصة، وفي وقت مخصوص) (١). ومهما كانت هذه التعريفات تلم بالزكاة من حيث أحكامها ومشمولاتها ومن تجب عليه ومن تجب له ومقدارها، والأنواع التي تجري فيها إلَّا أنَّ التركيز هنا على الزكاة باعتبارها (العبادة المالية الاجتماعية المهمة، وهي الفريضة الثانية في الإسلام، قرنها القرآن بالصلاة في عشرات المواضع، وذكرها تارة بلفظ الزكاة، وطورًا بلفظ الصدقة، وأحيانًا بلفظ الإنفاق) (٢). وبلغ أمر الاهتمام بشأنها وهي قرينة الإيمان والصلاة والعمل الصالح، أن قاتل أبو بكر الصديق وهو خليفة رسول اللَّه ﷺ عليها من منع أداءها، وأقرته الأُمَّة على ذلك، وحكمت على من لم يؤدها لبيت مال المسلمين بالردَّة عن الدين، وقد رُويَ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: "واللَّه لأقاتلنّ من فرَّقَ بين الصلاة والزكاة" (٣). كما أنَّ الزكاة من العبادات المعروفة في الأديان السابقة للإسلام التي تبرز (جانب البر بالفقراء والإحسان إلى المساكين) (٤) في الأديان السماويَّة، بيد أنها في الإسلام بلغت ذروة التمام والكمال شأنها في ذلك شأن سائر أركانه وشعائره وهديه، (إنَّها ركن من أركان الإسلام، ودعامة من دعائم الإيمان، وإيتاؤها -مع إقامة الصلاة والشهادة للَّه بالوحدانية

стр. 754

ولمحمد بالرسالة- عنوان الدخول في الإسلام، واستحقاق أُخُوَّة المسلمين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، والزكاة في الإسلام ليست (تبرعًا) يتفضل به غني على فقير، أو يحسن به واجد إلى معدم، إنَّها أبعد من ذلك غورًا، وأوسع أفقًا، إنَّها جزءٌ مهم من نظام الإسلام الاقتصادي. . . الفريد، الذي عالج مشكلة الفقر، أو مشكلة المال على وجه عام، قبل أن تعرف الدنيا نظامًا عني بعلاج هذا الجانب الخطير من حياة الإنسان) (١). وإنَّ للزكاة في جميع أنواعها آثارًا حميدة تعود بالخير على الفرد والأمَّة، منها على سبيل الإيجاز الآتي: أ- تهذيب النفوس البشريَّة وتطهيرها من عوامل الأثرة والشح والبخل، وسيطرة المال بمختلف صوره على نفوس الأغنياء من جهة، وتطييب لنفوس الفقراء والمساكين والمستحقين للزكاة من الفئات الأخرى، والإسهام في إغنائهم ودفع غائلة الحاجة عنهم وما تسببه من مفاسد وانحرافات، قد تضر بسلامة الأُمَّة وأمنها، وتسبب الفوضى في المعتقدات والسلوك، وهذا واقع المجتمعات الأُخرى، أمَّا مجتمعات الأُمَّة الإسلاميَّة فإنها وبقدر ما تلتزم بشرع اللَّه، ومنه أداء الزكاة المفروضة تسهم في قيام نظام اجتماعي متوازن يتحقق فيه التضامن والتكافل والتراحم والتعاطف والإلفة والمحبَّة؛ يعطي الغني فيه الفقير من ماله الذي هو في تصوره

стр. 755

واعتقاده مال اللَّه، وهو مستخلف فيه مسؤول عنه، وأن عليه فيه حقوقًا متنوعة ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]، ابتغاء مرضاة اللَّه والفوز بثوابه، فيخرجه أداءً للواجب وبراءة للذمَّة من غير استعلاء ولا منَّة، بل عبادةً للَّه وشكرًا واستشعارًا للبركة التي يرجو أن يطرحها اللَّه في ماله، ويأخذه الفقير والمستحق بصفة مشروعة، والمنَّة في ذلك والشكر للَّه، مع الشعور بالأخوة الإسلاميَّة التي أوجبت له في مال أخيه ما يسهم في سد حاجته. يقول الماوردي عن الزكاة هي: (مواساة للفقراء، ومعونة لذوي الحاجات تكفهم عن البغضاء، وتمنعهم من التقاطع، وتبعثهم على التواصل) (١). وفي هذا السياق فإنَّ الإسلام تفرد في نظام الزكاة ونحوها من النفقة والصدقة والكرم والإيثار بآداب سامية، حيث نهى الباذل أن يلحق ما بذله شيئًا من الأذى والمنَّة ونحوهما، وذهب بعض العلماء إلى أن المنّ من كبائر الذنوب (٢). ومن الآداب التي أرشد الإسلام الفقير إليها أن يشكر اللَّه أولًا ثُمَّ يشكر من أعطاه، ويدعو له، ويثني عليه، ولا يستصغر المبذول له أو يذمه، كما أنَّ عليه ألا يأخذ إلَّا بقدر حاجته ولا يستكثر بما يعطى، وأن يعتمد على اللَّه ثُمَّ على نفسه فيجدّ ويجتهد للكسب من عمله، وهذا ما حثَّ عليه الإسلام، أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:

стр. 756

"لأنْ يأخذ أحدكم حبله ثُمَّ يغدو -أحسبه قال- إلى الجبل، فيحتطب، فيبيع، فيأكل ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس" (١). ب- الزيادة والنماء في المال المزكى، وإن كانت الزكاة في ظاهرها، تنقص المال باعتبارها أخذت بعضه، إلَّا أن الزكاة -بموعود اللَّه- سببٌ لزيادة المال ونموه ومضاعفته، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال الرسول ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "ما نقصت صدقة من مال" (٢) وأخرج الإمام أحمد عن أبي كبشة الأنماري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن. . . ما نقص مالَ عبدٍ صدقة، ولا ظلم عبد بمظلمة فيصبر إلَّا زاده اللَّه ، ولا يفتح عبدٌ بابَ مسألة إلَّا فتح اللَّه له باب فقر" (٣). ج- ومن آثار الزكاة أنها تعمل على كسر حدَّة الفوارق بين فئات المجتمع المسلم، ومع أنَّ نظام الإسلام الاقتصادي يقدر (التفاوت الفطري في الأرزاق بين الناس، وأنَّه ناشئٌ لا عن تفاوت فطري آخر في المواهب، والملكات، والقدر، والطاقات، لكن هذا التفاوت الفطري في الرزق ليس معناه أن يدع الغني يزداد غنًى، والفقير يزداد فقرًا، فتتسع الشقة بين الفريقين، ويصبح الأغنياء طبقة تعيش في أبراج من العاج، ويصبح الفقراء

стр. 757

طبقة تموت في أكواخ من البؤس والحرمان، بل تدخل الإسلام بتشريعاته القانونية، ووصاياه الروحيَّة والخلقيَّة لتقريب المسافة بين هؤلاء وأولئك، فعمل على الحد من طغيان الأغنياء، والرفع من مستوى الفقراء) (١). وتأتي الزكاة في مقدمة ما شرعه الإسلام لتحقيق هذا الهدف النبيل، وأحاطها بالترغيب والترهيب، وقرنها بالصلاة والإيمان والطهر والتزكية والفضل والنماء، وغير ذلك من المبادئ والقيم والفضائل لتؤدي وظيفتها على أكمل وجه، ويكفي كنموذج على الترغيب في أداء الزكاة وفي الإنفاق بعامة قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وأمَّا في الترهيب من التهاون فيها فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. ثالثًا: الصوم: وهو في اللغة: من الفعل صام يصوم صومًا (٢)، قال ابن فارس بأنَّه: (أصل يدل على إمساك وركود في مكان، من ذلك صوم الصائم هو: إمساكه عن مطعمه ومشربه وسائر ما مُنِعَه، ويكون الإمساك عن الكلام صومًا. . . وأمَّا الركود فيقال للقائم صائم، والصوم ركود الريح، والصوم: استواء الشمس انتصاف النهار كأنها ركدت عند تدويمها، وكذلك يقال صام النهار) (٣).

стр. 758

وعرّف الصيام أو الصوم في الشرع بتعريفات عدَّة، منها: (إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص) (١). ومنها: (إمساك عن أشياء مخصوصة، بنيَّة في زمن معين من شخص مخصوص) (٢). ومنها: (الإمساك عن جميع المفطرات من أكل وشرب ونكاح بنيَّة، وذلك طيلة النهار، أي: من الفجر وحتى غروب الشمس) (٣). وكما سبق القول بأنَّ مثل هذه التعريفات يهدف لبيان مشمولات المعرَّف من ناحية الأحكام الفقهية، وما يندرج تحتها من صور للعبادة، وتفاصيل تلك الأحكام، أمَّا المراد هنا فهو أهمية الصيام بصفته عبادة تعدُّ من أركان الإسلام ممثَّلَة في شهر رمضان المبارك، وما يلحق به من أنواع أخرى من قضاء ونذر وكفَّارة وصيام التطوع، وعلى أيِّ حال من تلك الأحوال فإنَّ الصيام وفقًا لضوابطه الشرعية وسننه وآدابه؛ ذو آثارٍ عميقة (في مجالات الحياة: كالصحة، والشعور بحاجة الآخرين، والتعود على الصبر، والتربية، وغير ذلك. . . وهو عبادة قديمة كانت موجودة في الأديان السابقة على الإسلام، يقول : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، التوراة فرضت الصيام أيامًا

стр. 759

معدودات، وكذا الإنجيل، وصام عيسى ﵇ والحواريون، وكان الوثنيون يصومون. . . ولا يزال الوثنيون في الهند يصومون إلى الآن) (١). ولمَّا جاء الإسلام أوجب صيام شهر رمضان (على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم برؤيته أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا) (٢)، ورتَّب على ذلك المغفرة ومضاعفة الأجر والرضى من اللَّه ، يقول الرسول ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" (٣) "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٤) و"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٥). وإلى جانب صيام رمضان الذي هو الركن الرابع (من أركان الإسلام المعلومة من دين اللَّه بالضرورة، وقد شهد لذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقول النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلَّا اللَّه وأنَّ محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (٦)

стр. 760

إلى غير ذلك من الأحاديث) (١). إلى جانب صيام هذه الفريضة ندب الإسلام إلى الصيام الذي قد يبلغ صيام يوم وترك يوم، عدا أيَّام العيد والتشريق، والشاهد من ذلك أنَّ الإسلام حثَّ على الصيام لما ينطوي عليه من حكم وأسرار (نعرف منها ما نعرف، ونجهل ما نجهل، ويكشف الزمن عن بعضها ما يكشف) (٢)، وقبل الكلام في آثاره على الفرد والأُمَّة ينبغي ذكر مراتب الصوم في الإسلام، وقد جعلها بعض الباحثين على ثلاث مراتب هي: المرتبة الأولى: الإمساك عن الطعام والشراب والشهوات. المرتبة الثانية: صوم الجوارح عن ارتكاب الآثام والإجرام؛ فصوم اليد: إمساكها عن الأذى، والاعتداء بها على حقوق الآخرين، وصوم الرجل: إمساكها عن المشي إلى الفساد، والذهاب بها إلى عمل الشر، وصوم اللسان: إمساكه عن كل قول يؤذي قلوب الآخرين، وصوم الأذن: إمساكها عن كل ما هو شر للفرد والمجتمع. المرتبة الثالثة: صوم القلوب وتطهيرها عن كل ما لا يناسب الإيمان، ولا يلائم الإخلاص، تطهير النفس عن التفكير في إلحاق الأذى بالآخرين، والامتناع عن تصميم أعمال الشرور والجرائم، وتطهير النفس

стр. 761

من الحقد والحسد، والأنانيَّة، والكبر، واللؤم، وروح العداء، والتفرقة، وسوء المعاشرة مع الآخرين) (١). أمَّا آثار الصيام على الفرد والمجتمع فإنَّها بقدر ما تكتسب من هذه القيم والفضائل التي شملت القلب والعقل واللسان واليد والقدم -فيما ذكر أعلاه- بقدر ما ينعكس أثر ذلك على حياة الفرد فيعيش في أمن وسعادة وطمأنينة، وعلى الأُمَّة، فتحقق عبوديتها للَّه وتلتزم صراطه المستقيم الذي يوصلها بالتقوى والسيادة والعلو، وتحقيق الخيريَّة المنوطة بها، وإلى ذلك فإنَّ من آثار الصوم في حياة الفرد والمجتمع الآتي: أ- تَرْبِيةُ الفَرْد تربية قوية تتجلى فيها العبوديَّة للَّه في نواح عدَّة، منها: (تعويده على الصبر، وهو قمة الأخلاق وروح الفضائل الإنسانية، وعلى أن يراقب الإنسان نفسه بنفسه، وأن يحاسب نفسه بنفسه قبل أن يحاسبه غيره، وفي الصوم تعويد على أن يكون ظاهر الإنسان موافقًا لباطنه، وسره مطابقًا لعلنه؛ لأن الصيام عبادة بين العبد وبين اللَّه، يمتنع الصائم سرًّا عن كل ما هو محرم عليه، كما يمتنع علنًا، ومن هذه الناحية لا تشبه عبادة أخرى في مطابقة الظاهر للباطن وموافقه السر للعلن، وفي الصوم تعود المؤمن على أن لا يعرف الذلة والاستكانة، ولا الخضوع المطلق إلَّا للَّه. وهنا نقطة جوهريَّة يجب أن ينتبه إليها المسؤولون في كل بلاد العالم؛ وهي: أنّ الوازع الديني يفعل في النفوس ما لا يفعله وازع القوة والسلطان، فإذا تعود الإنسان عن طريق الدين على أن يستمع إلى صوت ضميره، وأن يراقب نفسه بنفسه، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره،

стр. 762

فقد أمن المجتمع من بوائقه، واستراح الناس من شروره، أمَّا إذا كان الاعتماد على القوة والخوف والسجن والفصل والطرد والنفي، فإنّ الإنسان تزداد رُدودُ فعله، ويزداد غليان حقده على كل شيء، حتى على نفسه، وبذلك يتبع ألف حيلة وحيلة للتخلص من سلطان القانون، وتنفيذ ما تسول له نفسه سرًّا) (١). ب- وللصيام آثارٌ تعود بالخير والنفع على المجتمع، من أهمها: (المساواة بين الأغنياء والفقراء، فالمسلمون حين يفطرون في وقتٍ واحد، لا يتقدم أحدٌ على الآخر، يمتنعون جميعًا عن المأكل والمشرب في وقت واحد، فما ذاك إلَّا مظهر اجتماعي عظيم من مظاهر الوحدة والمساواة، ومظهر المساواة ميزة وخاصيَّة امتازت بها الأُمَّة الإسلاميَّة، وتفردت به على جميع الأمم، فليس هناك دستور ولا قانون أمر بالمساواة، ودعا إليها، وطبقها الأفراد مثل ما فعل الدين الإسلامي الحنيف، وهذا يتجلى في كثير من العبادات التي أحدها الصيام) (٢). ومن آثار الصيام على المجتمع أنَّه يشعر الأُمَّة بوحدتها حيث فرض على جميع المسلمين صيام (شهر واحد بعينه ليصوموا جميعًا لا متفرقين، وفي ذلك أيضًا الكثير من المنافع حيثُ يكون فيهم الشعور العام بأنَّهم جميعًا جماعة واحدة، تلك وسيلة ناجحة لتنشأ فيهم عاطفة التحاب والإخاء والمساواة والتعاون والوحدة) (٣).

стр. 763

ج- وللصيام آثارٌ صحيَّة ونفسية واقتصادية تعود فائدتها على الفرد وعلى المجتمع، وتحدثت عنها بعض الدراسات المتخصصة، وأثبتت أن الصيام علاوة على كونه شرع (تزكية لنفس الإنسان، وتهذيبًا لسلوكه) (١)، فإنَّه كذلك شرع (وقاية وعلاجًا ممَّا قد يصيبه من علل وآفات، في نفسه وجسده من جراء كثرة الأكل ودوامه) (٢)، ولذلك قال الرسول ﷺ فيما رُويَ عنه: "صوموا تصحُّوا" (٣)، وقال أيضًا: "الصوم جُنَّة" (٤). يقول أحد الباحثين عن أثر الصوم في الناحية الاقتصادية: (ليعلم الجميع أن الصيام مدرسة عملية للاقتصاد، وتعويد النفس الصبر، والجلد وقوة التحمل عند الأزمات والملمات، وضبط النوازع والرغبات، وكل هذا لا يريده أعداء المسلمين، فنناشد الجميع أن يفطنوا لذلك، ويحرصوا على جني ثمار صومهم بتزكية أنفسهم، وصحة أبدانهم، وتوفير وجبة طعام واحدة يقدمها المستغني عنها لإخوانه، الذين يعانون من وطأة الفقر، والتنصير في بعض بلاد المسلمين) (٥).

стр. 764

ومِمَّا يزيد الناحية الاقتصادية وضوحًا في عبادة الصيام النظر إليها من وجوهٍ عدّة منها: اقتران الصيام بالحث على الصدقة وزيادة النفقة والترغيب في إفطار الصائم، ففي الحديث الشريف: (كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان. . . كان أجود من الريح المرسلة) (١)، وورد أنه ﷺ قال: "من فطَّرَ صائمًا كان له مثل أجره غيرَ أنَّه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا" (٢)، ولا يخفى أثر هذه الأعمال في الاقتصاد بصفة أو أُخرى. رابعًا: الحج: والحُجُّ في اللغة: القصد (٣).

стр. 765

وفي الشرع: (اسم لأفعال مخصوصة) (١)، وعُرِّفَ -كذلك- بأنَّه: (قصد بيت اللَّه تعالى إقامةً للنسك) (٢)، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، والركن الخامس منها. (والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع، أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأمَّا السنة؛ فقول الرسول ﷺ : "بني الإسلام على خمس" (٣) وذكر فيها الحج. . . وأجمعت الأُمَّة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرةً واحدة) (٤). ويشتمل الحج على (مجموعة عظيمة من الأعمال البدنية، والروحية التي إذا أديت على وجهها الصحيح انتهت بالمسلم إلى الدخول في جنّة عرضها السموات والأرض أعدَّها اللَّه لعباده المتقين) (٥). كما تتمثل في الحج وشعائره جملة العبادات التي سبق بيان أنواعها؛ من عبادات اعتقادية وقلبيَّة ولفظية وبدنية وماليَّة فهو (تربية للجسم والروح معًا، وترويض لهما على طاعة اللَّه تعالى، وفي الحج إظهار العبودية. . . لأن الحاج حال إحرامه يظهر الشعث، ويتخلى عن أسباب التزين، والتمتع، وفي حال وقوفه بعرفة يبدو كعبد عصى مولاه فوقف بين يديه

стр. 766

متضرعًا حامدًا له مثنيًا عليه مستغرقًا مستقبلًا لعثراته، ولذا روي عن أم المؤمنين (عائشة) ﵂، أنَّها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبدًا من النَّار من يوم عرفة" (١)، وبالطواف حول البيت يكون الحاج بمنزلة عبد معتكف على باب مولاه، لائذ بحماه، وفي هذا ترويض للنفس، وتعويد لها على أنه ينبغي للإنسان ألا يلجأ إلَّا للَّه تعالى لا لأحد سواه مهما كان) (٢). وللحج منافع وآثار تخص الفرد وتعم الأُمَّة، ومن أبرزها الآتي: أ- منافع وآثار ينتفع بها الفرد وتؤثر في حياته بعمق وإيجابيَّة فالحج بمثابة (شحنة روحيَّة كبيرة يتزود بها المسلم، فتملأ جوانحه خشية وتقى اللَّه، وعزمًا على طاعته، وندمًا على معصيته، وتغذي فيه عاطفة الحب للَّه ولرسول اللَّه، ولمن عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وتوقظ فيه مشاعر الأُخوَّة لأبناء دينه في كل مكان، وتوقد في صدره شعلة الحماسة لدينه والغيرة على حرماته) (٣). ويؤثر الحج على أخلاق الفرد وسلوكه بعد أداء هذه الفريضة فينتقل من (حالة إلى حالة (ويظهر) بنعمة الأخلاق الفاضلة، الطاهرة الخالصة، من كل الشوائب؛ لأنّ الحاج إذا قصد الحج يتوب إلى اللَّه ويعزم على ألا

стр. 767

يعود إلى ارتكاب الذنوب، وفي هذا تكفير له عن ذنوبه إذا صدقت نيته في التوبة) (١)، روى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من حجَّ للَّه فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أُمُّه" (٢). إضافة لما تترك رحلة الحج في أعماق المسلم من ذكريات لمناسكه وشعائره ودلالاته ومقاصده، وهي كما عبَّرَ عنها بعض الباحثين: (رحلة السلام إلى أرض السلام في زمن السلام) (٣)، ويضيف إلى ذلك قوله: (إنَّ الأرض المقدسة وما لها من ذكريات، وشعائر الحج وما لها من أثر في النفس. . . كل هذا يترك أثره واضحًا في أعماق المسلم، فيعود من رحلته أصفى قلبًا، وأطهر مسلكًا، وأقوى عزيمة على الخير، وأصلب عودًا أمام مغريات الشر، وكلما كان حجه مبرورا خالصًا للَّه كان أثره في حياته المستقبلية يقينًا لا ريب فيه) (٤). ولعل مجيء فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام يعني -فيما يعنيه- بلوغ المسلم به قمَّة الاستقامة والتهذيب، وتمام العبوديَّة والتدريب كي يواجه المسلم متطلبات الدنيا والآخرة بهمَّة وعزم وإبداع مستكملًا مقومات ذلك من خلال برنامج محكم: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]. ب- أمَّا منافع الحج وآثاره على الأُمَّة فمنها: ذلك المظهر المعجز

стр. 768

لوحدة الأمَّة وعظمتها وقيمها ومثلها العليا، ويتجلَّى ذلك (عندما يقف الحجاج على صعيد واحد لابسين نوعًا واحدًا من الملابس متوجهين إلى مكان واحد، خاضعين لنظام واحد، خاشعين لرب واحد، طالبين هدفًا واحدًا، ففي هذه الحالة يشعرون بأن كلهم سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلّا بالتقوى وتحقيق مصالح البشرية) (١). ويأتي الحج من حيث اجتماع الأمَّة فيه ممثلًا لاجتماعها الأكبر في كل عام حيث (يتدرج الاجتماع بين المسلمين من اجتماع الحيِّ (الواحد) لأداء الصلوات الخمس، إلى اجتماع البلدة في الجمعة وعيد الفطر، ثُمَّ يكون الاجتماع الأكبر في عرفة حيث يجتمع الحجيج من شتّى بقاع الأرض مُلبِّين نداء أبيهم إبراهيم الخليل ﵇ (٢). وهذا الاجتماع يحقق للأُمَّة منافع شاملة، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، (فجمع بين الدين والدنيا في ركن عظيم من أركان الإسلام، وهو فرصة لاجتماع المسلمين وولاة الأمر من الحكام في مؤتمر موسع يتشاورون فيه، ويتبادلون الرأي حول قضاياهم العامَّة والخاصَّة) (٣)، ومهما كان ضعف الأُمَّة الإسلاميَّة وجور الأمم الأُخرى عليها فإنَّ الحجَّ يبرهن على قوة الأُمَّة في مواجهة كل

стр. 769

التحديات بما يعنيه من خضوع وذلَّة للَّه، وأنَّ الأُمَّة منساقة إلى العبوديَّة للَّه بدواعي الفطرة ومقتضيات السنن الإلهية في النفوس البشريَّة (١). ويأتي تبعًا لهذه العبودية التي هي المقصد الأول للحج ما تظهر به الأُمَّة في خلال الحج وشعائره من كونها (قوة سياسيَّة ضخمة) (٢)، ويتمثل ذلك كما عبَّرَ عن الحج أحد الباحثين قائلًا: (بوصفه مؤتمرًا سياسيًّا دوريًّا يجتمع فيه كل قادة الدول الإسلاميَّة، ورجال الرأي وعلماؤها في كافة أنواع المعرفة، كتابها، وملوك الصناعة فيها، وتجارها وشبابها وشيوخها، ليضعوا خطوطًا عريضة لسياسة بلادهم وتعاونها معًا عامًا بعد عام) (٣). فهو: (مؤتمر عالمي في عالم الإسلام لتوحيد أهداف المسلمين، وتوجيههم إلى مصادر الحياة الصحيحة بما يقتبسه بعضهم من بعض الثقافات، ويمد قسم منهم قسمًا آخر بالفكر الثاقب، لبلوغ السيادة في كل مجالات الحياة كي لا يركن كلٌّ نحو السراب، ولا يخضع لنزوات وشهوات نفر تنقصهم تجربة الحياة، ويفوتهم الحرص على مستقبل الأُمَّة) (٤). وممَّا ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق أنَّ بعض التفسيرات للحج تأتي من خارج واقع العبادة، فتحمل معها بعض المحظورات، كالتعبير عن الحج بأنَّه برلمان إسلامي، أو مؤتمر، كالمؤتمرات المعهودة في التصورات السياسيَّة الحديثة، أو انتهاز فرصة لرفع شعارات ذات بريق خادع أو مذاهب ضالَّة أو عقائد منحرفة تمزق وحدة الأُمَّة، وتؤثر على

стр. 770

سلامة عباداتها وشعائرها، وتحدث من البلبلة والتشويش ما يتعارض مع غايات الحج ومقاصده التي أمر اللَّه بتعظيمها، وجعل ذلك من تقوى القلوب ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. أن الحج -شأنه شأن العبادات الإسلاميَّة- محدد الغاية محدد الوسيلة، ولا يصح بحال: أن تدخل في العبادات الإسلاميَّة أي بدعة؛ لأنَّ ذلك يخرج بها من منهجها الربَّاني التوقيفي، أمَّا ما يظهر من مقاصد سياسيَّة لهذه العبادة العظيمة فإنَّ ذلك يأتي ضمنًا لما تميَّزت به العبادات الإسلاميَّة من شمول لأمور الدنيا والآخرة، بيد أنّ الحج بخاصَّة ينبغي أن يتم تطبيقه وفقًا لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. جاء في تفسيرها لدى بعض المفسرين: (والجدال. . . هو: المماراة والمنازعة، والمخاصمة، لكونها تثير الشر وتوقع العداوة، والمقصود من الحج: الذل والانكسار للَّه، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنَّه بذلك يكون مبرورًا، والمبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنَّه يتغلظ المنع عنها في الحج) (١). ج- والحج منافع يفيد منها الأفراد وتفيد منها المجتمعات الإسلاميَّة قاطبة، ويتمثل ذلك في تبادل (المنافع الماديَّة بين المسلمين جميعًا على مختلف أجناسهم وألوانهم، فالمنافع الماديَّة ليست كل مقاصد الحج بل بعض مقاصده، وهي لا تخص أهل الحجاز بل تعم جميع المسلمين. . . . روى

стр. 771

البخاري عن ابن عباس قال: "كانت عكاظ ومجنَّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهليَّة، فتأثموا أن يتَّجرُوا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، في مواسم الحج" (١)، وممَّا قبل في معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يشعر بأن ابتغاء الرزق مع ملاحظة أنه فضل من اللَّه تعالى نوع من أنواع العبادة) (٢). وتحسن الإشارة في ختام هذا إلى أن العبادة في الإسلام توقيفيَّة -كما سبق بيان ذلك-، وحق التشريع فيها مقصور على اللَّه وحده؛ (لأنَّه المتعبَّدُ، الذي خلق العباد لعبادته، وهو أعلم بما يتعبدهم به، وأخبر بما يصلح لهم من عبادات، وما يرضيه من أعمال. . . ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ولو ترك الناس وشأنهم في اختيار أنواع العبادات، لخبطوا فيها خبط عشواء، وهذا مظهر من مظاهر نعمة اللَّه في إكمال دينه، وإتمام نعمته، وحكمة إرسال رسله، وإنزال كتبه. . . وهذه الخصيصة التوقيفيَّة، متفق عليها بين العلماء جميعًا. . . وذلك عائد إلى توافر الأدلة عليها، وتضافرها على الأمر بالاتباع وذم الابتداع، من ذلك قول الرسول ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" (٣)، وقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (٤). . . . وقوله ﷺ في شأن

стр. 772

الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، وقوله -أيضًا- في شأن الحج: "لتأخذوا مناسككم" (٢). ومن هنا قال الإمام ابن تيمية ﵀: (وجماع الدين أصلان: أحدهما: ألا يعبد إلَّا اللَّه. والثاني: أن يعبد بما أمر وشرع، لا بغير ذلك من البدع) (٣). فتبين من ذلك أنَّ منهج العبادة في الإسلام محدد في منطلقه وغايته ووسيلته وأسلوبه، وأنَّ من أهداف تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة تحقيق العبوديَّة للَّه خالصة من شوائب الشرك والرياء والنفاق. يقول أحد المفكرين: (من مزايا العبادة في الإسلام أنَّها خالصة للَّه وحده، وقد أكَّدَ القرآن على حصر العبادة في اللَّه وحده فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، فكل أنواع العبادة من ذكر ودعاءٍ وصلاة وذَبيحة، إنَّما تكون للَّه، ولا تجوز لغيره، فلا يصلي إلَّا له، ولا يدعو إلَّا اللَّه، ولا يذبح إلَّا باسم اللَّه، وكل ما فيه معنى العبادة والتقديس المطلق فلا يكون إلَّا للَّه) (٤). ويستمر في بيان الألفاظ التي خصها اللَّه بذاته ولم يجعلها لغيره، وما استعمله في حق رسوله ﷺ إلى أن يقول: (ومن أجل المحافظة على هذا الأساس منع الإسلام كل ما يؤدي إلى عبادة البشر، أو يفسح المجال

стр. 773

لالتباس عبادة اللَّه بعبادة البشر؛ كتحريم الركوع والسجود لغير اللَّه، وتحريم الذبيحة التي ذكر عليها اسم غير اللَّه، أو جعلت لغير اللَّه، وتحريم الذبيحة التي ذكر عليها اسم غير اللَّه، أو جعلت لغير اللَّه، وكتحريم إشادة المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وتحريم تشييد القبور ورفعها، وكتحريم التماثيل والصور للأنبياء والصالحين والعظماء، وتحريم الحلف بغير اللَّه، والنذر لغير اللَّه) (١). كما أن العبادة في الإسلام تتسم باليسر والسهولة، والموازنة بين مطالب الروح والجسد، والدنيا والآخرة، وحررها الإسلام (من قيود الوساطة والمكان وكل مظاهر العبوديَّة (للكهنوت)، فالأرض كلها محراب كبير للمسلم، فحيثما توجه يستطيع أن يتجه بعبادته إلى اللَّه، وقد كانت هذه الخصيصة للعبادة الإسلاميَّة موضع الإعجاب العظيم، والتأثير البالغ من كثيرين من غير المسلمين، حتى من رجال الأديان (الأخرى) أنفسهم، وقد حرر الإسلام العبادة من القيود المكانية المتزمتة، ولم يشترط المكان الخالص في عبادة من عباداته إلَّا في الحج؛ لما فيه من فوائد تفوق فائدة التحرر من المكان، من التجمع العالمي للمسلمين حول أول بيت وضع للناس، وفي أرض الذكريات الإبراهيمية، والذكريات المحمديَّة، ومع اشتراط المكان لعبادة الحج، فليس فيه أي شائبة لتأثير (الكهنوت)، وليس فيه أيُّ ثغرة لتدخل الوسطاء والكهان بين المسلمين وبين اللَّه، شأنه في ذلك شأنه في سائر عبادات الإسلام) (٢).

стр. 774

وسلمت العبادات في الإسلام -لما فيها من الموازنة بين مطالب الدنيا والآخرة، والروح والجسد- مِمَّا آلت إليه العبادات لدى الأمم الأخرى من الغلو في أمور الدنيا لدى اليهود، وبلغ الأمر بالنصارى أن فرضوا على أنفسهم الرهبانيَّة، وتركوا أمور الدنيا، وبالغوا في ذلك إلى أن أفسدوا دينهم. . .؛ فأمَّا اليهود فقد جنحوا إلى الماديَّة، (ولا نكاد نجد (في اليهودية) للروحانية أثرًا، ولا نكاد نرى للآخرة مكانًا، حتى الوعد والوعيد في التوراة للمطيعين والعصاة، إنَّما يتعلقان بأمور دنيويَّة، وتكاد تستأثر بها النزعة الماديَّة الخالصة، فالخِصب والصحة والثراء وطور العمر، والنصر على الأعداء ونحوها من المكاسب الدنيويَّة الحسيَّة العاجلة، هي المثوبات التي تبشر بها التوراة، وأضداد هذه الأمور من الجدب والمرض والموت والوباء والفقر والهزيمة ونحوها للذين يعرضون عن الشريعة) (١). وأمَّا الرهبانيَّة فعلى الرغم من كونها بدأت بصفتها ردَّا على تلك النزعة الماديَّة التي اتسمت بها اليهوديَّة بعد تحريفها، وانتهجتها الرومانيَّة في حكمها وتشريعها وحضارتها، فإنَّها (تطورت فيما بعد مع الزمن، وأصبحت خاضعة إلى أنظمة متبعة وأسس معتمدة يخضع لها الراغب فيها،

стр. 775

وأصبح الرهبان يعيشون في شبه قلاع وحصون عيشًا جماعيًّا فقد الكثير من المعاني والأهداف التي وجدت الرهبانيَّة من أجلها) (١). يقول أبو الحسن العامري: (إنَّ أحق الأديان بطول البقاء، ما وجدت أحواله متوسطة بين الشدَّة واللين، ليجد كلٌّ من ذوي الطبائع المختلفة ما يصلح به حاله في معاده ومعاشه، ويستجمع له منه خير دنياه وآخرته، وكلُّ دينٍ لم يوجد على هذه الصِّفَة، بل أسس على مثال يعود بهلاك الحرث والنسل، فمن المحال أن يسمَّى هيِّنًا فاضلًا، وذلك مثل ما تمسك به رهابين النصارى من هجران المناكح، والانفراد في الصوامع، وترك طيبات الرزق) (٢). أمَّا شيخ الإسلام ابن تيميَّة فإنَّه تحدث عن توسط المسلمين بين تقصير اليهود، وغلو النصارى في مجال العقيدة والعبادة وسائر الشعائر الدينيَّة، وربط ذلك بانحرافهم عن التميُّز الذي هو صراط اللَّه المستقيم، وهو الدين الذي شرعه اللَّه، والذي من أبرز أهدافه تحقيق العبوديَّة للَّه؛ قال ﵀:
следующие страницы →