← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

العرب وتأثيرهم، وأنكر حسناتهم علماء عرفوا باستقلال أفكارهم، وكانوا بحسب الظاهر بمعزل عن الأوهام الدينيَّة، وهذا السؤال قد سألته نفسي، وأرى أن الجواب عليه غير ما أنا كاتب ذلك أن استقلال آرائنا هو في الواقع صوري أكثر مِمَّا هو حقيقي؛ ونحن لسنا أحرارًا على ما نريد في خوض بعض الموضوعات، وهذا لأن فينا أحد رجلين: الرجل الحديث الذي صاغته دروس التهذيب، وعملت البيئة الأدبية والمعنويَّة في تنشئته، والرجل القديم المجبول على الزمن بخميرة الأجداد، وبروح لا يعرف قراره يتألف من ماضٍ طويل؛ وهذا الروح اللاشعوري هو وحده الذي ينطق في معظم الرجال، ويبدو في أنفسهم بمظاهر مختلفة، يؤيد فيهم المعتقدات التي اعتقدوها، ويملي عليهم آراءهم، وتظهر هذه الآراء بالغة حدًّا عظيمًا من الحريَّة في الظاهر فتحترم) (١). ويواصل قوله: (لا جرم أن أشياع محمد كانوا خلال قرون طويلة من أخوف الأعداء الذين عرفتهم أوروبا، فكانوا بتهديدهم الغرب بسلاحهم في عهد شارل مارتيل، وفي الحروب الصليبية، وبعد استيلائهم على الآستانة، يذلوننا بمدنيتهم الساميَّة الساحقة، وإلى أمس الدابر لم ننج من تأثيراتهم، ولقد تراكمت الأوهام الموروثة المتسلطة علينا، والنقمة على الإسلام وأشياعه في عدة قرون، حتى أصبحت جزءًا من نظامنا، وكانت هذه الأوهام طبيعة متأصلة فيها، كالبغض الدوي المستتر أبدًا في أعماق قلوب النصارى لليهود، وإذا أضفنا إلى أوهامنا الموروثة في إنكار فضل المسلمين هذا الوهم الموروث أيضًا النامي في كل جيل، بفعل تربيتنا المدرسية الممقوتة، ودعوانا أن جميع العلوم والآداب الماضية أتتنا من

стр. 702

اليونان واللاتين فقط، ندرك على أيسر سبيل أن تأثير العرب البليغ في تاريخ مدنية أوروبا قد عم تجاهله) (١). ويؤكد (لوبون) (أنَّه كان للمدنية الإسلاميَّة تأثير عظيم في العالم، وتم لها هذا التأثير بفضل العرب، بل بصنع العناصر المختلفة التي دانت بالإسلام، وبنفوذهم الأدبي هذبوا الشعوب البربرية التي قضت على الإمبراطورية الرومانية، وبتأثيرهم العقلي فتحوا لأوروبا عالم المعارف العلميَّة والأدبيَّة والفلسفية، وهذا ما كانت تجهله، وعلى ذلك كان العرب ممدّنينا وأساتذتنا مدّة ستمئة سنة) (٢). وكان ثمة رد آخر خص به (غوستاف لوبون) المستشرقون (إرنست رينان) مفندًا زعمه أن الإسلام كان يقيم عائقًا حيال تقدم العلوم! ففي محاضرة ألقاها (رينان) في (السوربون) في ٢٩ آذار (مارس) ١٨٨٣ م، وضمنها فيما بعد كتابه: (الإسلام والعلم)، المطبوع في باريس سنة ١٨٨٣ م، أراد إثبات مناقضة الإسلام للعلوم، ولكنه لم يستطع أن ينكر ما اتفق للعلوم من ازدهار في البلدان الإسلاميَّة في قرون كثيرة، وبما كان لمفكري الإسلام من نفوذ دائم مارسوه في أوروبا في القرون الوسطى، ولكنه عزا ذلك التقدم والنفوذ إلى تقصير البيزنطيين في حفظ التراث العلمي، وإهمالهم له بباعث من تدينهم القائم على الجهل، فحالوا بذلك دون نفوذ الحضارة القديمة التي كانوا مؤتمنين عليها فى الغرب مباشرة. ولو كانوا حفظةً على هذه الحضارة علمًا بها وفهمًا لها وحرصًا على الاستفادة منها؛ لما كان هنالك اضطرار إلى تلك (الدورة العربيَّة) التي

стр. 703

وصل العلم اليوناني بها إلينا في القرن الثاني عشر مارًا من سورية وبغداد وقرطبة وطليطلة. وكان مِمَّا رد به (غوستاف لوبون) على رينان قوله: (أراد مسيو رينان أن يثبت -في محاضرته- عجز العرب، ولكن ترهاته كانت تنقض بما يجيء في الصفحة التي تليها. فبعد أن قال مثلًا: إن تقدم العلوم مدين للعرب وحدهم مدة ستمئة سنة؛ عاد فزعم أن الإسلام اضطهد العلم والفلسفة، وقضى على الروح في البلاد التي دانت له،. . .) (١). ويرى بعض المستشرقين بأنَّ الأمَّة الإسلاميَّة بحكم سلبيتها ورجعيتها لا تصلح إلَّا أن تقاد، وقد كان الاستشراق وراء نشر هذا المبدأ الاستعماري، وفرض التبعيَّة للحضارة الغربية عليها يقول (جيب): (إنَّ العالم الإسلامي له حق الاختيار في تحديد طبيعته في الحياة، ولكن بعد أن يتابع الفكر الغربي، ويخضع لقوانينه الوضعية) (٢).

стр. 704

وحيث إن من المستشرقين من تصدى للكتابة عن إيجابية الأُمَّة الإسلاميَّة، وأبرز جوانب الريادة والسيادة فيها، وأنصف تاريخها في الإسهام الحضاري ونشر العلم والمعرفة وتنمية الحياة البشرية على خير وجه، فقد جاءت مثل هذه الكتابات ردًا مفحمًا -باستخدام المناهج الاستشراقية نفسها- على المتحاملين على الإسلام وأمجاده وتاريخ الأمَّة الإسلاميَّة وحضارتها ويذكر هنا نموذجان (١) -فقط- من المؤلفات التي عالجت هذا الجانب: النموذج الأول: كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) (٢) لمؤلفته (زيغريد هونكة)، وقد حاز هذا الكتاب شهرة واسعة ما بين مادح له وقادح فيه؛ حيث انبرى عددٌ من النقاد الأوروبيين لمهاجمة المؤلفة وكتابها واتهامها بالتعصب

стр. 705

للعرب والتحيز لهم، وفي مقابل ذلك انبرى آخرون للدفاع عنها، وتأييد ما توصلت إليه من نتائج، وقررته من ثناء على الحضارة العربية. بينت المؤلفة في مقدمة كتابها: أنها تود: إنصاف الحضارة العربية بعد أن تعرضت لظلم الدارسين الغربيين، وأن أقصى ما اعترفوا به: (أنَّ العرب نقلوا كنوز القدامى إلى بلاد الغرب) (١)، ورأت أنَّ هذه المقولة لا تعدو أن تجعل للعرب في الواقع دور (ساعي البريد فقط)، وأنها تقلل من قدر دورهم الحضاري، وتطمس الكثير من حقائق تاريخهم. والحقيقة كما تقول المؤلفة: (أنَّ هذا الشعب رائدٌ لغيره من الشعوب في أنحاء الدنيا في غضون سبعمئة وخمسين عامًا، وحاملٌ مشعل الثقافة ردحًا جاوز عصر الإغريق الذهبي بضعفيه أكثر من أي شعب آخر، كما بينت (فضل الحضارة العربية على الإنسانية، وتميزها عن الحضارات السابقة بعدد من الصفات النبيلة) (٢)، وأوضحت: (مدى تأثُّر الحضارة الغربية بالحضارة العربية، ودورها في حفظ التراث الحضاري للإنسانية جمعاء، وإبداع العلماء في ظل هذه الحضارة في تصحيح عددٍ كبير من المفاهيم الثقافية والحضارية، وما أضافوا من إنجازات مهمَّة في خدمة الإنسانية، ظلت تُدَرَّس في أوروبا إلى عهد قريب. . .) (٣). ومِمَّا عنت به كذلك دراسة المراكز العلمية للاتصال بين الحضارتين مثل الأندلس وصقلية والبندقية وجنوب فرنسا وإيطاليا، وكذا الأحداث التاريخية التي سببت الاحتكاك الحضاري وبخاصة الحروب الصليبية (٤).

стр. 706

كما استشهدت بعدد من الدارسين الغربيين على يد العرب. . كما فصَّلت القول في أثر الحضارة العربية في تقدم كثير من المعارف والعلوم، وعرضت لأسماء بارزة من العلماء المسلمين، وما ابتكروه في شتى العلوم والمعارف. وخصت الأندلس بقسم مستقل قارنت فيه بين ما كانت عليه الأندلس في ظلِّ الحضارة العربية من نهضة علميَّة وأدبية وفنيَّة وبين ما كانت عليه أوروبا من جهالة مطبقة (١)، وأوضحت أن العرب: (حولوا الأندلس في مئتي عام حكموها من بلد جدب فقير مستعبد إلى بلد عظيم مثقف مهذب يقدس العلم والفنّ والأدب، قدَّم لأوروبا سبل الحضارة وقادها في طريق النور) (٢). وفي تصوير مظاهر الحضارة العربية الإسلاميَّة في الأندلس، وتأثيرها الكبير على الحضارة الغربية، أشارت إلى: ١ - نقل بعض أنماط الحضارة الغربية عن العرب؛ (كالزخرفة المحبَّبة إلى النفوس، التي ألقت أضواء باهرة جميلة على ذلك العالم الرتيب الذي كان يومًا من الأيام قاتِمًا كالحًا باهتًا) (٣). ٢ - نقل كثير من الكلمات العربيَّة إلى بعض اللغات الأوروبية (٤)، وكذا نقل الأرقام العربية التي تعلمتها كل الأمم المتحضرة من العرب، (ولولا تلك الأرقام لما وُجِدَ هذا الصرح الشامخ من علوم الرياضة والطبيعة والفلك، بل لما وجدت الطائرات التي تسبق الصوت، أو صواريخ الفضاء. لقد كرمنا هذا الشعب الذي منَّ علينا بذلك الفضل الذي لا يقدر، حين أطلقنا على أرقام الأعداد عندنا اسم الأرقام العربية) (٥).

стр. 707

٣ - هدية هارون الرشيد لشارلمان ذلك الرمز الحضاري الذي يدل على مهارات العرب في اختراع الساعات، وقد وصف مؤرخ القيصر (شارلمان) تلك الساعة بقوله: (نحن ما زلنا حتى يومنا هذا نقف فاغري الأفواه دهشةً وإعجابًا كلَّما رأينا ساعة كبيرة في مبنى البلدية، وما يرافق دقاتها من ظهور شخوص صغيرة متحركة، تذكرنا بما فعله العرب، في الماضي البعيد، حبًّا بالألعاب الميكانيكية وولعًا بها) (١). وفي الكلام عن تأثير الأُمَّة الإسلاميَّة في المسار الحضاري، وما أسهمت به من ثقافة وعلم ومعرفة تأكيد على خصيصة من خصائص تميزها هي خصيصة الإيجابية الخيِّرة. النموذج الثاني: كتاب (فضل الإسلام على الحضارة الغربية) الذي نقله إلى العربية حسين أحمد أمين، وهو -أصلًا- بعنوان (تأثير الإسلام في أوروبا خلال العصر الوسيط) من تأليف المستشرق مونتغمري وات (٢). انطلق مؤلف هذا الكتاب من الرغبة في إنصاف الإسلام والاعتراف للأُمَّة الإسلاميَّة بتأثيرها في شتى مجالات المعرفة وميادين الحياة، وما أسهمت به في تاريخ البشريَّة العام، وأفادت منه الحضارة الغربية. يقول المؤلف في هذا الصدد: (إنَّه من أهم واجباتنا معشر الأوروبيين الغربيين، والعالم في سبيله أن يصبح عالمًا واحدًا، أنْ نصحح هذه

стр. 708

المفاهيم الخاطئة. . وأن نعترف اعترافًا كاملًا بالدين الذي ندين به للعالم العربي والإسلامي) (١). وفي منحى المؤلف من حيث إبراز جوانب التأثير للثقافة العربية الإسلاميَّة على الحضارة الغربية ما يدل دلالة واضحة على خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة؛ وتتمثل هذه الدلالة في الإسهام الحضاري الذي نالت من خيره البشرية واستظلت بظل الحضارة الإسلاميَّة ردحًا من الزمن. ويتكون هذا الكتاب من ستة فصول، تحدث فيها المؤلف عن المسلمين في أوروبا، ومواجهة الغرب لهم، وذيله بقائمة تشتمل على كلمات إنجليزية اشتُقّت من أصل عربي. . .، وفيما ورد في بحث المؤلف من أفكار تتصل بإيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة ما يدفع بعض الشبهات المناقضة لذلك؛ كما أثارها كثيرٌ من المستشرقين الغربيين في مجمل إنتاجهم الفكري، ومن أبرز ما تناوله المؤلف في كتابه بعنوان: (المسلمون في أوروبا) وساق حديثه في نقاط عدَّة، منها: ١ - كلامه عن كثرة المؤلفات الاستشراقية التي تناولت الأوجه المختلفة لتأثير العالم الإسلامي في أوروبا خلال العصر الوسيط، ويرى أنها تفقد النظرة الشاملة إلى ذلك التأثير، ويبين أنَّه لم يعثر فيها على محاولة واحدة تتسم بالشمول، وتقوم أهمية الإسهام الإسلامي في الحضارة الأوروبية (٢). ثُمَّ أوضح أنَّه لا ينظر (إلى المسلمين باعتبارهم دخلاء على القارة الأوروبية -كما قد يفعل بعض مؤرخي أوروبا- وإنَّما باعتبارهم ممثلين

стр. 709

لحضارة ذات إنجازات عظيمة تدين لها بالفضل رقعة كبيرة من سطح الأرض، ثُمَّ فاضت ثمار هذه الإنجازات على رقعة أرض مجاورة) (١). ٢ - في نظرته لاحتكاك المسلمين بالغرب في إسبانيا عسكريًّا يشير إلى مراحل قوة الدولة الإسلاميَّة في إسبانيا ومراحل ضعفها، وما صاحب ذلك من تأثيرات إيجابية في الحضارة الغربية. ويذكر أنَّ: (مملكة غرناطة الصغيرة التي كانت تحكمها أسرة النصريين قد حققت إنجازات رائعة في ميدان الأدب العربي، وخلفت في ميدان المعمار أثرًا من أعظم ما شهدته إسبانيا الإسلاميَّة ألا وهو قصر الحمراء) (٢). ٣ - تحدث عن الجانب العسكري إبَّان وجود المسلمين في صقلية وإيطاليا، وأنَّه على الرغم من وضع حد دائم لاحتلال المسلمين إيطاليا، وأنهم أخرجوا منها، ثُمَّ خرجوا أيضًا من صقلية فإنَّ الطابع الإسلامي في مظاهر حياة بعض حكام الجزيرة التالين كان أقوى من الطابع المسيحي (٣). ٤ - تحت عنوان: الدوافع وراء التوسع العربي؛ يتحدث (مونتغمري وات) عن الجهاد فيرد على فرية انتشار الإسلام بالسيف، ويحاول إنصاف المسلمين في هذه القضية إلَّا أنَّه يدس بشكل خفي في كلامه عن هدف الجهاد عند المسلمين، إذ يقول: (رُبَّما كان القصد من الآيات القرآنية التي تحث على القتال في سبيل اللَّه أو الجهاد في سبيل اللَّه هو حض الآخرين على الانضمام إلى هذه الغزوات) (٤). ويقول أيضًا: (إنَّه إذ نَمت قوة النبي، وعظمت سلطته، وتطلعت قبائل

стр. 710

كثيرة وجماعات أصغر إلى التحالف معه، اشترط على هؤلاء اعتناق الإسلام والشهادة أنَّه نبي مرسل) (١). ولا شك أنَّ أهداف الجهاد في الإسلام أجل وأسمى مِمَّا ذكره (مونتغمري وات) (٢)، كذلك الإيمان بنبوة محمد ﷺ وأنَّه مرسل إلى الثقلين من أسس الدخول في الإسلام، ولكن (مونتغمري وات) لا يؤمن برسالة الرسول ﷺ ولا بنبوته (٣). وعلى الرغم مِمَّا في كلامه من دس مردود فإنَّه يؤكد (أنَّ تأثير العالم الإسلامي في أوروبا الغربية جاء بصورة أساسية من خلال إسبانيا، ثمَّ بدرجة أقل من خلال صقليَّة) (٤). ٥ - يفرق في كلامه عن الفتوحات الإسلاميَّة والغزوات الهمجيَّة التي كان يقوم بها الألمان والسلافيون والمجريون والإسكندنافيون، موضحًا ما بينهما من فروق، ومقررًا أنَّ الواجب يقضي برفض أيّ ميل إلى تشبيه العرب بأولئك الآخرين (٥)؛ لأن العرب أصحاب (أعظم حضارة وثقافة في تلك المنطقة الشاسعة ما بين المحيط الأطلسي وأفغانستان، وإننا لنجد شيئًا لا يكاد العقل يصدقه، وبالتالي فهو يخلب اللب حين (نرى) كيف تحولت الحضارات القديمة إلى حضارة إسلامية) (٦). وفي مقارنة لطيفة بين الحضارة اليونانية والحضارة الإسلاميَّة، حيث أوقعت الأولى (فاتحها القوي في أسرها) (٧) على حين أنَّ العرب نشروا

стр. 711

لغتهم وبعض مناحي تفكيرهم على معظم الشعوب التي دانت لهم على الرغم من أنَّهم (كانوا على مستوى حضاري وثقافي أعلى من مستوى الفاتحين) (١) وخرج من هذه المقارنة معترفًا بذلك التميُّز للأمَّة الإسلاميَّة، وأنَّ هذا التميُّز هو السر في إيجابيتها الحضارية. وعلى الرغم مِمَّا يرد في بحثه من أخطاء فقد أشاد بالثقافة الإسلاميَّة، وتحدث عن أصالتها وعن إسهام (العلماء والكتاب في إسبانيا الإسلاميَّة مساهمة جليلة في إثراء الأدب والعلم العربيين، وتلك إذًا هي الثقافة التي قدر لإسبانيا أن تعرفها وتنهل منها بعد فتح العرب والبربر لها) (٢). ٦ - تناول في موضوع آثار وجود المسلمين في أوروبا ما تحقق للأوروبيين من فنون الحياة الرغيدة في مختلف نواحي الحياة في إسبانيا في ظل الحضارة الإسلاميَّة، سواء في الملبوسات أو المأكولات أو أساليب الأناقة والتجميل والنحت وتجليد الكتب ونحت العاج وأساليب البناء والزخرفة، والآنية وصناعة الخزف، ونحو ذلك (٣). وما أدت إليه تلك الحضارة من قيام مدن لها مسميات ويحكمها النظام والإدارة والقانون، وأنَّ (ميادين الإدارة المحلية في إسبانيا الإسلاميَّة قائمة على أساس من الأفكار المستقاة من الشرق الأوسط، حيث ورث العرب تراث آلاف من سني الخبرة في مجال حياة الحضر) (٤)، كما تحدث عن امتزاج الثقافات في إسبانيا في العصر الإسلامي مؤكدًا على أنها كانت تستلهم الإسلام بصفة أساسية واستشهد بشكوى (ألفارو) -وهو مسيحي من

стр. 712

قرطبة برتبة (أسقف) (من أن شباب الطائفة المسيحية يجذبهم الشعر العربي لدرجة أنهم أغفلوا دراسة اللغة اللاتينية، وأقبلوا على دراسة العربية) (١). وعالج (مونتغمري وات) (إنجازات العرب في ميادين العلم والفلسفة) (٢) متسائلًا (إلى أيِّ حدٍّ كان العرب مجرد نقلة لما اكتشفه اليونانيون؟، وإلى أيِّ حدٍّ بلغت إنجازاتهم المبتكرة؟) (٣)، مشيرًا إلى تحيّز كثير من المستشرقين في دراستهم، مؤكدًا أنَّ ذلك التحيز كان مرتبطًا بالصورة المشوهة عن الإسلام. ويؤكد أن العرب ليسوا مجرد نقلة للفكر اليوناني، وإنَّما كانوا حملة للشعلة، مبدعين، حافظوا على العلوم التي درسوها، ثُمَّ وسعوا آفاقها، ثُمَّ بيَّن بأن الأوروبيين حينما شرعوا حوالي عام (١١٠٠ م) في الاهتمام الجدي بعلوم أعدائهم العرب وفلسفتهم كانت هذه العلوم والفلسفة في أوجها، وكان على الأوروبيين أن يتعلموا كل ما بوسعهم تعلمه من العرب قبل أن يتمكنوا هم أنفسهم من إحراز المزيد من التقدم في هذه المجالات (٤). وفي الفصل الأخير من كتابه تحدث (مونتغمري وات) عن الإسلام والوعي الأوروبي، وركَّزَ في هذا الفصل على أربع نقاط، وهي: الأولى: الفكرة الشائعة عن الإسلام، وقد سبق الحديث عنها (٥). الثانية: الصورة المناقضة لأوروبا، ومحورها أنَّ الصورة التي ألصقها

стр. 713

الأوروبيون بالإسلام هي في حقيقة الأمر صورة أوروبا الغربية، وإلى جانب ذلك ذكر المؤلف: بأنَّه ترسخ في العقليَّة الغربية التنكر الشديد للأثر الإيجابي الذي قامت به الحضارة الإسلاميَّة، واستشهد على ذلك بأقوال للمشاهير من علماء الغرب (١). الثالثة: الوضع المخالف في العالم الإسلامي، وفيها بين ما حدث للعالم الإسلامي من ضعف نتيجة الفرقة في صفوف المسلمين، وأنَّ ذلك مكن للغرب من التفوق والقيادة الحضارية فيما بعد (٢). الرابعة: مغزى الاحتكاك بالإسلام بالنسبة لأوروبا، وقد وضح في هذا أنَّ إحساس الأوروبيين بالنقص أمام الحضارة الإسلاميَّة كان سببًا لتشويه صورة الإسلام رغبة في تعويض هذا النقص (٣) من جهة، ومن جهة أخرى (كان لصورة الإسلام التي خلقها الباحثون المسيحيون في ذلك الوقت في إقناع المسيحيين الآخرين بأنَّهم في حربهم ضد المسلمين إنَّما يحاربون من أجل نصرة النور على قوى الظلام، وأنَّه حتى وإن كان المسلمون أقوياء، فإن دينهم خير من الإسلام) (٤). ويرد على ذلك ردودًا قويَّة يرتكز بعضها على نظريات علميَّة كقوله: (وبفضل ما أسهم به (فرويد) من أفكار، نعلم جيدًا أن الظلمة التي ينسبها المرء إلى أعدائه ما هي إلَّا إسقاط للظلمة الكامنة فيه هو، والتي لا يريد الاعتراف بها.

стр. 714

وعلى ذلك فإنَّه ينبغي علينا أن ننظر إلى الصورة الشائهة للإسلام باعتبارها إسقاطًا لما اكتنف عقول الأوروبيين من الجهالة. . .) (١)، وقوله -أيضًا-: (إنَّ الصورة الأوروبية للإسلام ترمز للشرور القائمة في أوروبا ذاتها) (٢). ويخلص (مونتغمري وات) في نهاية كتابه إلى القول: (لم يقتصر دور الإسلام على تعريف أوروبا الغربية بالكثير من منتجاته الماديَّة، واكتشافاته (التكنولوجية)، ولا على إثارة اهتمام الأوروبيين بالعلوم والفلسفة، بل دفع أوروبا أيضًا إلى تكوين صورة جديدة لذاتها، وقد أدَّت مواجهة الأوروبيين العدائية للإسلام إلى تهوينهم من شأن المسلمين في حضارتهم، ومبالغتهم في بيان أفضال التراث اليوناني والروماني عليها) (٣). وفي ختام هذا المطلب فإنَّ من المناسب الربط بين ما سطرته الأُمَّة الإسلاميَّة من إيجابية خيرة عادت بالنفع والخير على الإنسانية قاطبة، وسجّلها التاريخ البشري بإعزاز وإكبار، وبين إيجابية الإسلام ذاته، وأنَّ هذا الإسهام الحضاري الخيِّر كان منبثقًا عن حيويَّة الإسلام في عقيدته وشريعته ورؤيته للكون والحياة والإنسان، وفي ذلك تقول المستشرقة الإيطالية (لورا فيشيا فاغليري) في كتابها دفاع عن الإسلام: (بفضل الإسلام هزمت الوثنية في مختلف أشكالها. لقد حرَّرَ مفهوم الكون وشعائر الدين، وأعراف الحياة الاجتماعية من جميع الهولات أو المسوخ التي كانت تحط من قدرها، (وحرر) العقول الإنسانية من الهوى. لقد أدرك الإنسان آخر الأمر مكانته الرفيعة. . لقد (حرر) الروح من الهوى، (وأطلق)

стр. 715

إرادة الإنسان من القيود التي طالما أبقته موثوقًا إلى إرادة أُناس آخرين، أو إلى إرادة قوى أخرى يدعونها خفية. لقد هوى الكهان، وحفظة الألغاز المقدسة الزائفون، وسماسرة الخلاص، وجميع أولئك الذين تظاهروا بأنَّهم وسطاء بين اللَّه والإنسان والذين اعتقدوا بالتالي أن سلطتهم فوق إرادات الآخرين، لقد هوى هؤلاء كلهم عن عروشهم. إنَّ الإنسان أمسى خادم اللَّه وحده، ولم تعد تشده إلى الآخرين من الناس غير التزامات الإنسان الحر نحو الإنسان الحر، وبينا قاسى الناس في ما مضى مظالم الفروق الاجتماعية أعلن الإسلام المساواة بين البشر، لقد جُعِلَ التفاضل بين المسلمين، لا على أساس من المحتد أو أي عامل آخر غير شخصية المرء، ولكن على أساس من خوفه اللَّه وأعماله الصالحات، وصفاته الخلقية والفكرية ليس غير. . .) (١). ولعله من المسلمات والبدهيات أن يقال: إنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة كلما التزمت الإسلام، واستلهمت قيمه وتعاليمه حققت بذلك إحدى الخصائص الملازمة لتميُّزها، وهي خصيصة الإيجابية الخيِّرَة، وكلما نكصت عن تلك القيم والتعاليم ارتكست في دركات التخلف والانحطاط، وخسر العالم بانحطاطها خسائر فادحة (٢). * * *

стр. 716

دراسات فِي تميز الْأمة الإسلامية وموقف المستشرقين مِنْهُ تأليف: د. إِسْحَاق بن عبد اللَّه السَّعْدِيّ الكتاب الرابع ٤/ ٥ أهداف تميز الأمَّة الإسلاميِّة وموقف المستشرقين منها • خارطة ذهنية توضيحية. • تحقيق العبودية للَّه وموقف المستشرقين منها. • تحقيق الاستخلاف وموقف المستشرقين منها.

стр. 717

[مخطط]

стр. 718

تحقيق العبودية للَّه وموقف المستشرقين منها • تمهيد • مفهوم العبادة، ومقتضياتها. • أنواع العبادة وصورها. • روح العبادة وأسرارها. • آثار العبادة في الفرد وفي الأمَّة. • موقف المستشرقين من العبودية للَّه.

стр. 719

تمهيد تعدُّ العبادة من أهم أهداف تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، فالتميُّز بمقوماته الأساس من عقيدة وشريعة وأخُوَّة وما تقتضي من وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة، وبخصائصه التي تجليها: الربانيَّة والعالمية والوسطيَّة والإيجابيَّة الخيِّرة، إنَّما يهدف في المقام الأول إلى تحقيق العبوديَّة للَّه ؛ إذ العبادة هي الغاية من خلق الثقلين، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالعبادة للَّه: هي الهدف من خلق الخليقة، وجعلها خالصة للَّه وفقًا لما شرع، واقتداءً برسوله ﷺ ، فهي بذلك في قمة أهداف تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، الأُمَّة التي تعبد اللَّه وحده ولا تشرك به شيئًا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. ولابُدَّ هنا من توضيح مفهوم العبادة في الإسلام، وأثرها في حياة الأُمَّة في أقوالها وأفعالها، وسائر جوانب حياتها، وبيان كيف تتميَّزُ الأُمَّة الإسلاميَّة بالعبودية للَّه، ويقتضي ذلك مناقشة قضية الاتباع والابتداع والرهبانيَّة، والإشراك، ونحو ذلك من المسائل المتصلة بتميُّز الأمَّة الإسلاميَّة.

стр. 720

مفهوم العبادة، ومقتضياتها أ- العبادة في اللغة: أصلها من الفعل (عَبَد)؛ قال ابن فارس: (عَبَدَ: العين والباء والدَّال أصلان صحيحان، كأنَّهما متضادان؛ الأول. . . يدل على لين وذل، والآخر على شدَّة وغِلَظ) (١). ويقول في بيان الأصل الأول من هذين الأصلين: (فالأوَّل: العَبْدُ: وهو المملوك، والجماعة العبيد، وهم العباد، إلَّا أن العامَّة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد اللَّه، والعبيد المملوكين، يقال: هذا عبدٌ بين العُبُودَة، ولم نسمعهم يشتقو؛ منه فعلًا، ولو اشتق لقيل: (عَبُدَ)؛ أي: صار عبدًا وأقَرَّ بالعُبُودية، ولكنه أُمِيتَ الفِعْلُ فلم يستعمل، وأمَّا عَبدَ يَعْبُدُ عبادةً، فلا يقال إلَّا، لمن يعبد اللَّه تعالى) (٢). وجاء في اللسان: (العبوديَّة: الخضوع والتذلل، العابد: الموحد. . . عبد اللَّه يَعْبُدُه عبادة ومعبدًا ومعبدة: تأله له، التعبُّد: التنسك. العِبَادة: الطاعة، طريق معبد: مذلل. . .، المُعَبدُ: المُكَرَّم المَعَظَّمُ) (٣). وقال الراغب الأصفهاني: (العبوديَّة: إظهار التذلَّل، والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير، وعبادة بالاختيار، والعبد يقال على أربعة أضرب: الأول: عبد بحكم الشرع، وهو الإنسان الذي يصح بيعه وابتياعه، الثاني: عبد بالإيجاد، وذلك ليس إلَّا للَّه، الثالث: عبدٌ بالعبادة والخدمة، والناس

стр. 721

في هذا ضربان: عبد للَّه مخلص، وعبدٌ للدنيا وأغراضها، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها) (١). ب- العبادة في الاصطلاح: للعبادة في الاصطلاح تعريفات كثيرة، بعضها عام، وبعضها الآخر خاص، والعام قد يراد به خضوع المخلوقات للَّه من حيث كونها خاضعة له سبحانه كونًا وقدرًا؛ لذلك تطلق العبادة ويُراد بها: (الخضوع الشامل، والطاعة الكاملة بصفة قسريَّة من جميع المخلوقات، ويشمل ذلك الكون كلَّه بأملاكه ومشمولاته، من جمادٍ وحيوان ونبات وإنسان، فالكل خاضع للَّه، ولا يخرج عن طاعته قيد شعرة) (٢). والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] (٣). وقد تُعَرَّفُ العبادة تعريفًا عامًّا، ولكنَّه فيما يخص المكلفين، وقد عرَّفها بعض الباحثين بأنَّهَا: (عمل العبد الإرادي الموافق (لمراد) المعبود) (٤)، وعلى هذا تكون العبادة شاملة لجميع ما يقوم به المكلف من

стр. 722

عمل، فإذا وافق عمله مراد المعبود كان طاعةً وقربة، وإذا خالف مراده كان معصية. وقد جاء تعريف العبادة بصفة شاملة وواضحة في قول شيخ الإسلام ابن تيمية: (العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) (١)، ثُمَّ شرح هذا الشمول وذلك العموم وما يتناوله من أنواع العبادات؛ فقال: (فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة) (٢). وإذا كانت هذه الأنواع تشتمل على الأفعال والأقوال الظاهرة؛ فإنَّه يضيف إليها أنواعًا أُخرى من الأعمال الباطنة، ويقول: (وكذلك حب اللَّه ورسوله وخشية اللَّه، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة) (٣). أما تعريف العبادة بصفة خاصَّة فهي: (الأعمال الخاصَّة المحدَّدة (من اللَّه) التي كُلِّف العبدُ بالقيام بها كتمرين عملي له على الخضوع الكامل) (٤)،

стр. 723

ويدخل في ذلك أركان الإسلام الخمسة، والشعائر الدينيَّة التعبّديَّة مثل الأذان والجهاد، ونحو ذلك من العبادات. ج- مقتضيات العبادة في الإسلام: وبالنظر إلى معنى العبادة في اللغة، ومعناها في الاصطلاح في إطاره العام والخاص، فإنَّ للعبادة في الإسلام مقتضيات عدَّة من أهمها الآتي: أولًا: الالتزام بما شرع اللَّه ورسوله ﷺ من الأوامر والنواهي، والتحليل والتحريم؛ لأن ذلك كلَّه من مقتضى الخضوع للَّه والطاعة له ولرسوله ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]. ثانيًا: وتتضمن العبادة للَّه إلى جانب الخضوع له والذل لعظمته الحب له ولرسوله ﷺ ، وعن هذا المعنى أوضح ابن تيمية أنّ العبادة (تتضمن غاية الذل للَّه بغاية المحبَّة له) (١)، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال الرسول: ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين" (٢) وفي حديث آخر أنَّ عمر بن الخطاب ﵁،

стр. 724

قال للرسول ﷺ : "يا رسول اللَّه، واللَّه لأنت أحبّ إليَّ من كل شيء إلَّا من نفسي" فقال النبي ﷺ : "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنَّه الآن، واللَّه، لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر" (١). وتستلزم هذه المحبَّة موافقة اللَّه والرسول ﷺ فيما أحباه، وفيما أبغضاه، ولا تتحقق العبوديَّة إلَّا بذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. ثالثًا: أنَّ العبادة ترجع فائدتها للعابد من المكلفين؛ لأنّ اللَّه غنيٌّ عن العالمين لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا يضره إعراض المعرضين، وقد جاءت العبادات معلّلة بذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وفي قوله تعالى على لسان سليمان ﵇: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. وفي الحديث القدسي قال اللَّه تعالى: "يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم، كانوا على أفجر قلب واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" (٢)، أمَّا فائدة العبادة للعابد فسيأتي الحديث عنها في مكان آخر إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 725

رابعًا: أن تكون العبادة للَّه عن إرادة وقصد، أمَّا الجانب القدري الكوني فإنَّ ذلك يدخل تحت التسخير، (ولما كان الخضوع الإرادي للَّه عنوان العبادة الحقيقية من هذا الإنسان كان كافيًا أن يرافق هذا الخضوع أيَّ تصرف من تصرفات الإنسان الاختياريَّة أو الاضطرارية ليصبح هذا التصرف عبادة للَّه ؛ لأنَّه ابتغى به وجهه، وجاء وفق رضائه، ومن هنا كان بإمكان المسلم أن يجعل حياته كلها عبادة حتى عاداته وغرائزه من طعام وشراب ولباس وسكن ومتعة في هذه الحياة فهو يماثل غيره في صور هذه التصرفات، ويتميز عن غيره في حقيقتها واعتبارها. . . ففي الحديث الشريف: "وفي بضع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول اللَّه، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ" (١). كما يكفي أن يفارق هذا الخضوع الإرادي أيَّ تصرف من تصرفات الإنسان ليفقد هذا التصرف وصف العبادة، حتى ولو كان هذا التصرف صلاة أو صيامًا، أو زكاةً وحجًّا، أو غير ذلك من شعائر العبادات: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (٢)، كأن يقوم بمثل هذه

стр. 726

العبادات ولا يقصد منها العبادة، أو أن تكون من فاقد العقل) (١) أو يداخلها الرياء، والشرك، والبدعة. خامسًا: أن تكون غاية باعتبارها طاعة للَّه وانكسارًا بين يديه، وخضوعًا له، وذُلًا لعظمته وجلاله، وتكون وسيلة باعتبارها تدريبًا للخضوع للَّه ورمزًا لطاعته (٢) وطريقًا إلى العبادة بمعناها الشامل. سادسًا: أن تكون حياة المسلم، بل حياة الأُمَّة الإسلاميَّة قاطبة منضبطة بضوابط الشرع، إذْ إنَّ (الشعائر التعبديَّة الممثلة في الصلاة والصيام والصدقة والنسك جزءٌ من العبادة، وليست هي كل العبادة، والعبادة الحقَّة هي الحياة وفق النظم الإلهيَّة التي تحدد علاقة الإنسان بالإنسان في المجتمع علاوة على توجيه النيَّة للَّه وحده في الشعائر التعبديَّة) (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] حيث بينت الآية الكريمة الغاية من خلق الإنس والجن وهي العبادة. وقد استنبط أحد الباحثين من صيغة الحصر في الآية أنَّها (تحصر نشاطات البشر، والهدف من وجودهم، وتقصره على العبادة، ولمَّا كان الواقع يدل على استحالة أن يقوم الإنسان بالصلاة والصيام والحج دون أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يتزوج أو يتاجر، أو يزرع أو يصنع، وغير ذلك سائر الأعمال، وأنواع النشاط اليومي في الحياة البشرية، لما كان الأمر كذلك فإنَّه قد وجب القول بأنّ كل هذه النشاطات ضروريَّة للعبادة بمعنى الشعائر والنسك بل هي مؤديَّة لها، ومن ثُمَّ فهي عبادة من هذا الوجه ومن

стр. 727

جهة أخرى هي عبادة أيضًا في ذاتها بشرط أن يقوم بها الإنسان من خلال البناء الاجتماعي الإسلامي، ومبتغيًا بها وجه اللَّه تعالى. . . خاضعًا للَّه وسائرًا حسب نهجه وتعليماته ووصاياه وتشريعه في كل أمر. ومن ثمَّ يصبح الأكل والشرب والنوم واليقظة والذهاب والإياب والتعلم والإنتاج بأشكاله، وكل أنواع السعي على الرزق، وغير ذلك من تفصيلات الحياة اليوميَّة، عبادة يثاب عليها المرء، وذلك واضح من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وذلك هو المفهوم الحقيقي للعبادة، والذي به يتحقق تمام الخضوع، ويصبح الإنسان كفرد، وكمجتمع موحدًا للَّه إلهًا وربًّا لا إله غيره ولا ربَّ سواه) (١). * * *

стр. 728

أنواع العبادة وصورها يتضح من خلال التعريف العام للعبادة، وأنَّها (اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنية) (١)، ومن خلال ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء الأُمَّة الإسلاميَّة، من أنواع العبادة وصورها في الإسلام، أنَّ للعبادة أنواعًا كثيرة يُمكن تقسيمها وفقًا للآتي: أولًا: عبادات اعتقادية. ثانيًا: عبادات قلبيَّة. ثالثًا: عبادات لفظية. رابعًا: عبادات بدنيَّة. خامسًا: عبادات ماليَّة (٢). وقد تجمع العبادة الواحدة أكثر من نوع كما هو الحال في الصلاة، فهي تجمع بين العبادة الاعتقادية ممثلة في الإقرار للَّه بالربوبيَّة والألوهية، والأسماء والصفات، وتجتمع هذه العبادات في قراءة سورة الفاتحة، ففيها الإقرار بالربوبيَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] والألوهية في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وكذلك الأسماء والصفات، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٣ - ٤].

стр. 729

وتشتمل أيضًا على العبادة القلبيَّة، ممثلة في القصد والنيَّة عندما يقف العبد بين يدي اللَّه ليؤدي الصلاة بما فيها من خضوع وذل وخوف ورجاء، ودعاء وإنابة، واستغفار، وذكر، ونحو ذلك من العبادات القلبيَّة. وتشتمل -أيضًا- على العبادات اللفظية، وهي القراءة والذكر والدعاء وقراءة القرآن، وأمَّا البدنيَّة فتتمثل في أعمال التكبير والركوع والقيام والسجود، وغير ذلك من أركان الصلاة وواجباتها وشروطها (١). ومن العبادات الاعتقاديَّة: الإيمان باللَّه وأنَّه المتفرد بالخلق والأمر، وأنَّه الذي يملك الضرر والنفع والموت والحياة والنشور وأنَّه المستحق للعبادة دون سواه، ويدخل فيها أنواع التوحيد الأخرى وأركان الإيمان الستة وهي الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وقد جاءت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة مبينة لهذه العبادات، وجعلتها أساسًا لشعائر الدين الأخرى، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. ومن العبادات القلبيَّة: المحبَّة، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والخوف، والنيَّة، والتوبة، ونحو ذلك من المشاعر المرتبطة باللَّه كحب ما يحب وبغض ما يبغض، وما يتصل بهذه المشاعر من الولاء والبراء في طيات النفس وأعماق الشعور، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 730

أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، قال بعض المفسرين في تفسيرها: (﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ بقلوبكم ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ بجوارحكم) (١)، ثُمَّ قال: (إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا) (٢). وقال في معنى الآية: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: (دليل على الإخلاص، وأنَّه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئًا) (٣). وأمَّا التوكل فدليله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، كذلك الخوف عبادة قلبيَّة لا تصرف إلَّا للَّه تعالى؛ لأنَّه المستحق أن يخاف منه العبد؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] ولأنَّه تعالى هو كاشف الضر، وهو صاحب الفضل ومالك الخير ومسديه إلى عباده، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]. وفي الحديث الشريف قال الرسول ﷺ ، فيما رواه عبد اللَّه بن عباس ﵄: "أنَّه ركب خلف الرسول ﷺ يومًا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أنَّ الأُمَّة لو اجتمعوا

стр. 731

على أن ينفعوك لم ينفعوك إلَّا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلَّا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف" (١). ومن العبادات اللفظيَّة: التلفظ بالشهادتين، والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، والكلمة الطيِّبَة ونحو ذلك من الألفاظ التي يقصدُ بها وجه اللَّه، فتكون عبادة وفقًا لما سبق شرحه وبيانه من أنَّ كل قول يحبه اللَّه فهو عبادة، مثل إفشاء السلام ورد التحيَّة بأحسن منها أو بمثلها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطاره الشرعي وبضوابطه المعيَّنة. أمَّا التلفظ بالشهادتين فدليله قول الرسول ﷺ : "أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا اللَّه، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلَّا بحقها وحسابهم على اللَّه" (٢)، ومن هنا قال العلماء بأنَّ من نطق بكلمة التوحيد ولم يعتقدها بقلبه، وقام بأعمال الإسلام الظاهرة من صلاة ونحوها؛ عصم ماله ودمه وحسابه على اللَّه (٣). ومن العبادات البدنيَّة: الصلاة والصيام والحج ومناسكه، وكذلك

стр. 732

الجهاد في سبيل اللَّه، وقد سبق أن الصلاة تشتمل على أنواعٍ عدَّة من العبادات الاعتقادية والقلبيَّة واللفظيَّة، وكذلك البدنية، لما فيها من القيام والركوع والسجود، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]. قال ابن قيم الجوزيَّة: (أخبر تعالى أنَّه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من اجتبى الشيء يجتبيه إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المجتبون الذين اجتباهم اللَّه إليه، وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده فيبذلوا له أنفسهم، ويفردوه بالمحبَّة والعبوديَّة، ويختاروه وحده إلهًا معبودًا محبوبًا على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهنم، وجوارحهم، وقلوبهم، ومحبتهم، وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه، كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءَه، وآثرهم بذلك على من سواهم) (١). وقد أظهر ابن قيم الجوزية ﵀ في تفسيره لهذه الآية تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وربط هذا التميُّز بهدف من أهدافه وهو تحقيق العبوديَّة للَّه، وأظهر -أيضًا- مدلول العبوديَّة في الإسلام، وأنَّه يشتمل على عمل القلب واللسان والجوارح (٢).

стр. 733

أمَّا العبادات الماليَّة: فتتمثل في فريضة الزكاة، وهي قرينة الصلاة، ويأتي بعدها الوفاء بالنذر إذا كان المنذور به مالًا، لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، ومنها النفقة في سبيل اللَّه ونحوها (١). وقد قام ابن قيم الجوزيَّة بدراسة مستفيضة حصر من خلالها أنواع العبادات وصورها، وقسَّمَها على القلب واللسان والجوارح من المكلَّف، وأجرى عليها الأحكام الفقهيَّة الخمسة ما بين واجب ومستحب ومباح، ومحرم ومكروه؛ وبدأ هذه الدراسة بقوله: (ورحى العبوديَّة، وبيانها: أن العبودية منقسمة على القلب واللسان، وعلى كل منها عبوديَّة تخصه، والأحكام التي للعبوديَّة خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح) (٢). ثُمَّ شرع في بيان الأعمال القلبيَّة الواجبة والمستحبَّة مع ذكر أنواعها وصورها من إخلاص ونية وصدق وتوكل ومحبَّة وإنابة وصبر ورجاء وخوف وتحدث عن تفصيلاتها واختلاف العلماء فيما هو واجب منها ومستحب، وما اتفقوا عليه من ذلك (٣). ثُمَّ قال: (والقصد أن هذه الأعمال -واجبها ومستحبها- هي عبوديَّة القلب، فمن عطلها فقد عطل عبوديَّة الملك، وإن قام بعبوديَّة رعيته من الجوارح، والمقصود أن يكون ملك الأعضاء -وهو القلب- قائمًا بعبوديَّته للَّه سبحانه هو ورعيته) (٤). ثُم تطرَّق لما هو محرم على القلب لكي تتحقق عبوديته للَّه، فقال:

стр. 734

(أمَّا المحرمات التي عليه: فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد، والغفلة، والنفاق، وهي نوعان: كفر، ومعصية، فالكفر: كالشك، والنفاق، والشرك وتوابعها، والمعصية نوعان: كبائر، وصغائر، فالكبائر: كالرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة اللَّه، واليأس من روح اللَّه، والأمن من مكر اللَّه، والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم اللَّه من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريمًا من الزنى، وشرب الخمر، وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلَّا باجتنابها، والتوبة منها وإلَّا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدن) (١). وتناول أمورًا أخرى تعرض للقلب بعضها يصل إلى درجة الكفر كشهوة الكفر والشرك، وبعضها يكون فسقًا كشهوة البدعة، وبعضها الآخر يكون معصية (٢). ثُمَّ تحدث عن أنواع العبادات اللفظية التي يقوم بها اللسان فذكر ما هو واجب وهو النطق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزم المكلف من القرآن، والتلفظ بالأذكار الواجبة في الصلاة ونحو ذلك من رد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على نحو ما سبق ذكره، وأضاف إلى ذلك إرشاد الضال، وأداء الشهادة المتعينة، وصدق الحديث، وتعليم الجاهل، وذكر

стр. 735

من الأقوال المستحبة: تلاوة القرآن الكريم ودوام ذكر اللَّه ومذاكرة العلم النافع (١). ثُمَّ ذكر ما يحرم على اللسان النطق به بتعبير جامع، إذ قال: (وأمَّا المحرمة: فهو النطق بكل ما يبغضه اللَّه ورسوله، كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث اللَّه به رسوله، والدعاء إليها، وتحسينها، وتقويتها، وكالقذف، وسب المسلم، وأذاه بكل قول، وشهادة الزور، والقول على اللَّه بلا علم، وهو أشدها تحريمًا) (٢). ويدخل في ذلك التلفظ بألفاظ الشرك، والاستهزاء باللَّه ورسوله وآياته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وفي الحديث الشريف: قال الرسول ﷺ لرجل قال له: (ما شاء اللَّه وشئت) (٣) فقال له الرسول: "أجعلتني واللَّه عدلًا؟! بل ما شاء اللَّه وحده" (٤). وأمَّا الاستهزاء باللَّه وآياته ورسوله فقد نزل قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. قال ابن العربي في تفسيرها: (لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًّا

стр. 736

أو هزلًا، وهو كيفما كان كفر؛ فإنَّ الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأُمَّة، فإنَّ التحقيق أخو الحق والعلم، والهزل أخو الباطل والجهل) (١). وتناول ما يكره من الأقوال وما يباح منها واختلاف العلماء في ذلك، وأنَّ كل ما يلفظ به الإنسان مكتوب إمَّا له وإمَّا عليه لقوله ﷺ "كل كلام ابن آدم عليه، لا له، إلَّا ما كان من ذكر اللَّه وما والاه" (٢). ويصل إلى عبادات الجوارح فيرتبها على هذا النحو: (وأمَّا العبوديات الخمس على الجوارح: فعلى خمس وعشرين مرتبة -أيضًا- إذ الحواس خمسة، وعلى كل حاسة خمس عبوديات، فعلى السمع وجوب الإنصات،

стр. 737

والاستماع لما أوجبه اللَّه ورسوله عليه من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة في الجمعة في أصح قولي العلماء، ويحرم عليه استماع الكفر والبدع، إلَّا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة: من رده، أو الشهادة على قائله، أو زيادة قوة الإيمان والسنّة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك) (١). ويستمر في شرح هذه المراتب الخمس والعشرين في مختلف صورها وأحكامها ما بين واجب ومستحب ومكروه ومحرم وواجب إلى أن يقول (٢): (وهذه المراتب -أيضًا- مرتَّبَة على البطش باليد والمشي بالرجل، وأمثلتها لا تخفى؛ فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله: واجب، وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف، والصحيح وجوبه ليمكنه من أداء دينه، ولا يجب لإخراج الزكاة، وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل: وجوبه لدخوله في الاستطاعة، وتمكنه بذلك من أداء المناسك، والمشهور عدم وجوبه، ومن البطش الواجب: إعانة المضطر، ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم. والحرام: كقتل النفس التي حرم اللَّه قتلها، ونهب المال المعصوم، وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك) (٣). وقد تناول تفصيلات كثيرة، ألَمَّت بصور عدَّة (٤)، وقال في نهايتها: (فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء: القلب، واللسان، والسمع، والبصر، والأنف، والفم، واليد، والرجل، والفرج، والاستواء على ظهر الدَّابَّة) (٥).

стр. 738

والحقيقة أنَّ ما قام به ابن قيم الجوزية من تصنيف للعبادة، وحصر لمراتبها، وما ألحق بذلك من منازل لـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] (١)، وبالنظر للعبادة نفسها ووقتها وما يتعلق بها، كلُّ ذلك يعطي الدلالة الواضحة على شمول العبوديَّة في الإسلام، لكل ما يأتي المكلف ويذر من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وأنَّه مسؤول عن جميع تصرفاته: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وبهذا المفهوم الشامل للعبادة (عَرَفَ المسلمون الأولون معنى العبادة فكانوا عبادًا للَّه حقًّا، وكان وصف العبوديَّة جليًّا في حياتهم وجميع أعمالهم، بل كانت عاداتهم عبادات. . . إذ كانوا لا يتحركون تحركًا ولا يسكنون سكونًا إلَّا ويستشعرون رضاء اللَّه عن ذلك التحرك والسكون، حتى أصبح هذا الشعور محور تركهم، ومبعث سلوكهم، لا تشوبه شائبة، ولا يغفلون عنه لحظة، ولمَّا ضعف هذا المفهوم في نفوس من بعدهم، وخفت ذلك الشعور في تصرفاتهم، بعدوا عن حقيقة العبادة تدريجيًّا حسب بعدهم عن ذلك المحور، وانقلبت كثير من عباداتهم إلى عادات، وكان هذا التحول والبعد متنوعًا فيهم، ومتفاوتًا بينهم، فهناك من المسلمين من انحصر مفهوم العبادة عندهم في جانب من جوانب الحياة، ففصلوا بين علاقة الإنسان بربه وبين علاقته مع نفسه وغيره. . . وحصروا معنى العبادة في علاقتهم مع اللَّه، فخرجوا بذلك عن الجادة) (٢). * * *

стр. 739

روح العبادة وأسرارها سبق التعريف بالعبادة والعبوديَّة، وما تقتضيه من خضوع للَّه ومحبة له ولرسوله ﷺ ، وأنَّ تلك المحبَّة تفضي إلى متابعته ﷺ عن نيَّة وقصد، والتزام بما كان عليه من عبادة. ثُمَّ إنَّ فائدة العبادة تعود للمكلف نفسه في المقام الأول، وكذلك تنعكس آثارها على حياته وحياة الأُمَّة من حوله، وسيأتي الحديث عن هذا الجانب في نقطة أخرى، أمَّا البحث هنا فيتركز على روح العبادة وأسرارها، وإن كان من المسلمات لدى المسلمين (أن العبودية للَّه شعارها الإيمان بالغيب ولو لم تره، والطاعة لأمره ولو لم تحط بسره، وحسب المؤمن أن يعلم بالإجماع أن اللَّه غنيٌّ عن العالمين، وإذا تعبد سبحانه عباده بشيء فإنَّما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحيَّة والماديَّة، الفردية والاجتماعية، الدنيويَّة والأخرويَّة، بيد أن الإنسان المحدود قد تخفى عليه حكمة اللَّه جل علاه، وكم للَّه من أسرار خافية حتى عن أفهام الأذكياء من الناس، وكما أخفى سبحانه كثيرًا من أسرار هذا الكون عن الإنسان، أخفى عليه بعض أسرار ما شرع ليظل الإنسان في هذا وذاك متطلعًا بأشواقه وراء المجهول آملًا في الوصول، معترفًا بالقصور، وليظل دائمًا في دائرة العبوديَّة المؤمنة التي شعارها دائمًا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) (١).

стр. 740

ولذلك فإنَّ جوهر العبادة وروحها الحقيقية هي كما قال ابن تيمية: (غاية الذل للَّه بغاية المحبَّة له) (١)، وإنَّما شرعت العبادات المفروضة من صلاة وزكاة وحج وصوم ونطق بالشهادتين ونحوها من العبادات المعيَّنة بأوصافها وأوقاتها لتدريب الإنسان على تحقيق العبوديَّة الشاملة للَّه، ولتذكيره بعظمة اللَّه وسلطانه عليه (٢). وأمَّا أسرار العبادة فإنَّها من الكثرة بمكان، ومنها ما هو ظاهر جلي، ومنها ما هو خفي حتى يصل إلى ما لا يحيط بعلمه إلَّا اللَّه وفيما يأتي ذكر بعض هذه الأسرار: أولًا: أن العبادة حق للَّه على أن تكون خالصة له دون سواه، فهو المستحق للعبادة لأنَّه الخالق الرازق، الذي له الأمر كله، وإليه المصير، ومن حقيقة كونه الخالق المالك المتصرف، وما سواه عبيد له فإنَّه يستحق أن يعبد ولا يعصى، وأنْ يشكر ولا يُكفَر، وقد أمر بعبادته وجعلها الغاية من خلق الثقلين -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- (والأصل في العبادات أن تؤدى امتثالًا لأمر اللَّه، وأداء لحقوقه على العباد، وشكرًا لنعمائه التي لا تنكر. . .، والأصل فيها (كذلك) أنَّها ابتلاء لعبوديَّة الإنسان لربه) (٣).
следующие страницы →