← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وسبق ذلك وصحبه نشأة سائر علوم الثقافة الإسلاميَّة بدءًا بعلوم القرآن وتفسيره، وعلوم السنة المختلفة، وعلم الفقه وأصوله وغير ذلك (١). ٢ - حركة التعريب التي بدأت في (خلافة عبد الملك بن مروان ٦٥ - ٨٦ هـ) الذي بدأ يسك عملة عربيَّة، وكانت الدواوين والأعمال الرسميَّة تكتب باللغة الإفريقية أو الفارسيَّة أو القبطيَّة حسبما تقتضيه الظروف المحليَّة (فغيَّرَ ذلك كله إلى اللغة العربية)، وحين أصبحت العربيَّة أداة رسميَّة في الشؤون العامة كان ذلك سببًا في تعميم استعمالها لدى الناس) (٢)، إذ أصبح (لها طابعها العالمي لكونها لغة العلم والبحث والمراسلات الدوليَّة والعلاقات السياسيَّة والاقتصادية، كما كانت لغة الآداب والفنون في مختلف الثقافات التي اعتنق أهلوها الإسلام) (٣). ومِمَّا ساعد على ترسيخ اللغة العربية ونشرها حركة الترجمة التي بلغت أوجهًا في عهد (المأمون) وحققت للغة العربية في بعض جوانبها كما قال أحد المفكرين: (حضارة واحدة عالميَّة المنزع، إنسانية الرؤية وذلك لأول مرة في التاريخ، وفي ظل القرآن الكريم أصبحت العربية لغة عالميَّة، واللغة الأم لبلاد كثيرة، قد عمت المنطقة التي عرفت في ماضيها التأثير السامي فعوضت بيسر اللغات الساميَّة التي كانت شائعة فيها، عوضت

стр. 877

الأراميَّة والآشوريَّة في العراق والشام، وبقايا البونيقية في إفريقية، ووجدت في سامية البربر حسب رأي بعض المؤرخين جسرًا واصلًا، ومهادًا مكن لها في بلاد المغرب بأكملها، وسادت مصر بسبب الهجرات السابقة القديمة وقرب لغتها الحامية من اللغات السامية، أمَّا بلاد فارس فقد بقيت فيها العربية طيلة قرنين لغة الثقافة والإدارة (حتى) احتدت الشعوبية) (١). ٣ - مميِّزَات اللغة العربية الذاتية، فقد (كسبت الصراع اللغوي (الذي خاضته وهي تلازم انتشار الإسلام) بسبب عامل جوهري هو أنها لم تكن لغة مستعمر غاصب، ولا سلطان مستغل، وإنَّما كانت لغة الفطرة، لغة القلب والعقل، لغة الغيب والشهادة، لغة العدل والرحمة والمساواة والحق، ولو لم يلمس الناس حقيقة هذه المعاني وغيرها مِمَّا جاء به الإسلام، وقارنوا بينها وبين ما كانوا عليه من ظلمات وظلم ومفاسد لما أذعنوا وتشربوا الإيمان، وتوارثوه جيلًا بعد جيل) (٢).

стр. 878

وإلى جانب ذلك فإنَّها امتازت بخصائص فريدة كتب عنها كثيرٌ من الباحثين في اللغات، وكان من أبرز ما استنتجوه الآتي: أ- أنها اللغة (التامَّة الحروف، الكاملة الألفاظ، لم ينقص عنها شيء من الحروف فيشينها نقصانه، ولم يزد فيها شيءٌ فيعيبها زيادته، وإن كان لا لها فروع أخرى من الحروف فهي راجعة إلى الحروف الأصلية، وسائر اللغات فيها حروف مُوَلَّدة، وينقصُ عنها حروف أصلية) (١). وقد تحدث العقاد عن هذه الخاصيَّة بقوله: (فإذا قيس اللسان العربي بمقاييس علم الألسنة، فليس في اللغات أوفى منه بشروط اللغة في ألفاظها وقواعدها) (٢). ثُمَّ يعلل ذلك بقوله: (ويحق لنا أن نعتبر أنها أوفى اللغات جميعًا بمقياس بسيط واضح لا خلاف عليه، وهو مقياس جهاز النطق في الإنسان، فإنَّ اللغة العربية تستخدم هذا الجهاز الإنساني على أتمه وأحسنه، ولا تهمل وظيفة واحدة من وظائفه، كما يحدث ذلك في أكثر الأبجديات اللغوية. . .) (٣). واعترف بعض المستشرقين بهذه الخصيصة، إذ يقول (رينان): (من أغرب المدهشات أن تثبت تلك اللغة. . . وتصل إلى درجة الكمال وسط

стр. 879

الصحارى عند أمَّة من الرُّحَّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها) (١). ويستمر في وصف خصيصة عميقة تفردت بها لغة القرآن، فيقول: (ولم يعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة، ولا نكاد نعلم من شأنها إلَّا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعرف شبيهًا بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة) (٢).

стр. 880

ب- لا تقتصر اللغة العربية على كونها وسيلة تعبير كما تذهب إليه البحوث النظرية في الغرب التي لا تفرق بين لغة وأخرى؛ لأنها كلها وسائل تعبير وتواصل وتفاهم وإنَّما تتميَّز اللغة العربية بأنها ذات مضامين (١) علميَّة ومنهجيَّة وموضوعيَّة وحضارية، وتميَّزت في ذلك كله بالبيان والسهولة والوضوح على الرغم مِمَّا قد يبدو من صعوبة تعلمها في بادئ الأمر (٢). ويذكر الباحثون المختصون إنَّ واقعها (منحها نوعًا من التميُّز والتفرد إذ أكسبتها تجربتها الحضارية على مدى قرون ثروة هائلة من البنى، واحتبست تعابيرها في أرحامها قدرات خفيَّة على العطاء وعلى الإيحاء وعلى تنويع التعبير. . كما أكسبها انتشارها الواسع في بقاع فسيحة من الأرض وتفاعلها مع جماعات لغويَّة كثيرة ألوانًا من الغنى، تأثرًا وتأثيرًا، فهي إذًا ليست. . . اللغة الأوليَّة البدائية التي تحاول أن تصبو إلى مقاربة الحضارة أو ملاحقتها أو الاندماج فيها. . . وإنَّما هي اللغة ذات التجربة السابقة وما كان لظاهرة ما اجتماعية أو إنسانية أن تقوى على التخلي عن تجاربها السابقة، فهذه التجارب جزءٌ منها) (٣). ومن أعظم تجاربها أنَّها خالطت لغات كثر (فلم تفسد في ألفاظها ولا في اشتقاقاتها، ولا في تراكيبها وأساليبها، أو في بيانها الدقيق المشرق،

стр. 881

ولم يتعد تأثيرها بها عددًا محدودًا من الألفاظ التي تعربت استجابة لمتطلبات تطور أنماط الحياة وتنظيمها، وازدهار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعقلية والعسكرية والعمرانية في ربوع بلاد المسلمين) (١). وإذا كان من سنن اللَّه في خلقه أن تتأثر اللغة سلبًا وإيجابًا بواقع الأُمَّة فتعز بعزها وتذل بذلها؛ فإنَّ اللغة العربية خضعت لهذه السنة ردحًا من الزمن ولكن جذوتها لم تنطفئ، والسر في ذلك ارتباطها بالقرآن الكريم فحفظت بحفظه (٢) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وخلاصة القول: إنَّ (اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزُون) (٣)، واللغة العربيَّة شعار الأُمَّة الإسلاميَّة، وهي من أهم وسائل تميُّزها وهو ما أدركته الأُمَّة وسار تاريخها في ضوئه وبهدي منه. وعن هذا الجانب قال ابن تيمية: (إنَّ اللَّه أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغًا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به؛ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلَّا بضيط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين اللَّه، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم، واللسان تقارنه أمور أخرى: من العلوم، والأخلاق، فإنَّ العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه اللَّه، وفيما يكرهه، فلهذا جاءت الشريعة

стр. 882

بلزوم عادات السابقين في أقوالهم وأعمالهم، وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة) (١). وقال في مكان آخر: (اعلم أنّ اعتياد اللغة: يؤثر في العقل والخلق والدين، تاثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأُمَّة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق) (٢). لقد سبق شيخ الإسلام برؤيته هذه علماء اللغات الذين خلصوا إلى القول بأنّ اللغة ليست مجرد أداة للفكر بل هي جزء منه، ووسيلة للتميُّز والحفاظ على الذاتية والهويَّة المستقلة عن غيرها (٣). * * *

стр. 883

موقف المستشرقين من اللغة العربيَّة وإذا كانت اللغة العربية تحتل تلك المكانة في تميز الأُمَّة الإسلاميَّة (التي تناولها البحث في المطلب السابق) فقد أدرك المستشرقون أهميتها، ووقفوا على أثرها في وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة من جانب آخر، نقل عن (بوستل) قوله عن اللغة العربية: (. . . إنَّها تفيد بوصفها لغة عالميَّة في التعامل مع المغاربة والمصريين والسوريين والفرس والأتراك والتتار والهنود، وتحتوي على أدب ثري، ومن يجيدها يستطيع أن يطعن كل أعداء العقيدة النصرانية بسيف الكتاب المقدس، وأن ينقصهم بمعتقدات التي يعتقدونها، وعن طريق معرفة لغة واحدة (العربية) يستطيع المرء أن يتعامل مع العالم كله) (١)، ويتباهى (بوستل) أنَّه يقطع العالم الإسلامي من أقصى غربه إلى تخوم الصين دون حاجة إلى مترجم (٢)، وما ذلك إلَّا لأنه حذق العربية لغة العالم حينذاك. ويعترف أغلب المستشرقين بأنَّ القرآن الكريم هو سبب عالميَّة اللغة العربية، وللمثال على ذلك ما قاله (كارل بروكلمان): (بلغت العربيَّة بفضل القرآن من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أيُّ لغة أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعًا مؤمنون بأن العربية وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلاتهم) (٣).

стр. 884

ويقول (برنارد لويس): (وقد وجد الطلبة الإنكليز في الهند لدى دراستهم لغات مسلمي الهند ومدنيتهم، أن أبحاثهم وتنقيباتهم تحتم عليهم دراسة العربية التي هي أساس الثقافة الإسلاميَّة في أيِّ لغة من اللغات) (١). وانطلاقًا من هذه الحقيقة توافر فئام من المستشرقين على تعلم العربية ودراستها ودراسة علاقتها بالإسلام و (كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد، فبحثوا في فقهها، وأصواتها، ولهجاتها، ونحوها، وصرفها، وأصولها، ومعاجمها، وأطوارها، وغزارتها، ومادتها، وفلسفتها، وعلاقاتها باللغات الأخرى، وخاصة اللغات الساميَّة، ومميزاتها وعناصرها، وتاريخها، ونقوشها، وكل ما أنتجته هذه اللغة) (٢). وفيما يأتي ذكر بعض المتهمين بالدراسات اللغويَّة العربية، وذكر بعض مؤلفاتهم فيها كنماذج ترد على سبيل المثال: • (ويهان فاك: العربية (دراسات في اللغة واللهجات والأساليب). . . اهتم المؤلف في هذا الكتاب بدراسة العلاقة بين الإسلام واللغة العربية، ودرس خصائصها وارتباطها بالقرآن الكريم، وتطورها بعد وفاة الرسول ﷺ ، وحياتها في العهد الأموي، وأطوارها في العهد العباسي. . . وسيطرتها على العالم الأدبي والعلمي والفكري، ولهجاتها وفصاحتها، وظهور اللغات الدارجة، والعلاقات اللغويَّة في المحيط الإسلامي. . .، وبداية مرحلتها الحديثة بحملة نابليون، ومشكلة اللحن وأطوارها، وغيرها من المسائل) (٣). • (إسرائيل ولفنسون: تاريخ اللغات السامية. . . بحث في اللغة

стр. 885

العربية ومنزلتها بين اللغات السامية الأخرى، ثُمَّ في اللهجات العربية البائدة واللهجات العربية الباقية، مشيرًا إلى المنهج العلمي لعلماء الاستشراق في دراستهم للغة العربية وما يتعلق بها) (١). • (هنري فليش: العربيَّة الفصحى. . . درس اللغة العربية بإسهاب. . . من جوانبها الصوتيَّة والصرفيَّة والاشتقاقيَّة) (٢). • (يوسف جبرا: تاريخ دراسة اللغة العربيَّة بأوروبا، بحث في تاريخ دراسة العربية بأوروبا قديمًا وحديثًا، واهتمام علماء الاستشراق بها ومتعلقاتها) (٣). ومن المستشرقين من توافر على (المعجم العربي كشفًا وتحقيقًا ونشرًا، ودراسة) (٤)، ومنهم الآتية أسماؤهم: • (ماثيو لمسدن: نشر القاموس المحيط لمجد الدين الفيروزآبادي). • (إدوارد وليام لين: له مد القاموس، وهو معجم عربي إنجليزي. . . وقد ضمن مقدمته وصفًا لعدد غير قليل من المعاجم العربية القديمة جاء في الإيجاز والإفادة) (٥). • (وليان رايت: له جرزة الحاطب وتحفة الطالب، وهو اسم مجموعة تحتوي على: صفة السرج واللجام لابن دريد، وصفة السحاب والغيث لابن دريد أيضًا، وتلقيب القوافي لابن كيسان) (٦).

стр. 886

• (فريتس كرانكو: له بواكير المعاجم العربية حتى عصر الجوهري. . . ونشر: المأثور فيما اتفق لفظه واختلف معناه) (١). • أرثر ج. أربري: نشر تمام الفصيح لابن فارس) (٢). وكل هؤلاء المستشرقين من الإنجليز وغيرهم كثير من مختلف الجنسيات الأوروبية والأمريكية والروسية بذلوا جهودًا كبيرة في خدمة المعجم العربي في مجال التحقيق، والترجمة، والنشر (٣). ومن المستشرقين من شارك في المجمعات اللغوية العربية في كل من مصر ودمشق وبغداد وغيرها، وأسهم بجهوده في خدمة تلك المجامع (٤)، وتسلَّلَ بعض المستشرقين في هذه المجمعات لنفث سمومه وقوادحه في اللغة العربية وفقًا لقول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . ... (وداوني بالتي كانت هي الداءُ) (٥) ومهما يكن من جدية هذه الدراسات والبحوث والأعمال التي تصدّى لها أعداد كبيرة من المستشرقين، ومهما يكن لها من إيجابيات فإنَّه قد شاع من بينها شبهات أحاقت باللغة العربية، وكادت أن تقتلها بتضافر تلك

стр. 887

الدراسات الاستشراقية مع الخطط الاستعمارية والتنصيريَّة والتغريبيَّة (١) التي جندت أفرادًا من المستشرقين لإشاعة تلك الشبهات على أنَّها مِمَّا يعوق تطور اللغة العربية، وبالتالي فإنَّها عوائق في مسيرة العرب الحضاريَّة. وللمثال على ذلك ما قاله (دوفرين) في تقرير وضعه عام (١٨٨٢ م): (إنَّ أمل التقدم ضعيف في مصر طالما أن العامَّة تتعلم الفصحى العربية) (٢)، ولتحقيق تلك السياسات الرامية (لزعزعة مكانة اللغة العربية ومكانة موروثها الذي يحتفظ بمقومات المجد الأصيل، ويدخر للأجيال صورًا مشرقة من تاريخهم التي يطمع الغربيون في طمسها، وكان من المستحيل التفكير في إحلال أي لغة أجنبيَّة أو تشجيعها، ولكنه من المعقول في رأيهم التفكير في اللغات العاميَّة العربية وإعطائها فرصة للظهور على مسرح الحياة الثقافية والفكرية، ومن هذا الأمل في نفوسهم بدأت انطلاقة العاميَّة الأولى) (٣)؛ لذلك فُتحَتْ المدارس المتخصصة

стр. 888

المتشعبة عن الدراسات الاستشراقية في أكثر من بلد غربي لدراسة العاميات الدارجة في شعوب العالم الإسلامي بعامة والبلاد العربية بخاصة (١)، (وركزوا برامج تلك المدارس على التفقه في العاميات خاصة، واستمروا على هذا الحال حتَّى أصلوا دراستها في نفوس عدد كبير من العرب الذين أخذوا مبدأ الاهتمام بالعاميات على أنَّه ثقافات إقليمية، وبدؤوا بنشرها في بلادهم على الطريقة والمنهج الذي سارت عليه مدارس الاستشراق سواء بسواء) (٢). وفيما يأتي إيراد لأهم الشبهات ثُمَّ الرد عليها: ١ - قصور اللغة العربية عن التطور الحضاري وعجزها العلمي. ٢ - صعوبة نطقها وصعوبة كتابتها. ٣ - ارتفاع مستواها عن فهم الناس. ٤ - التفاوت فيها بين طريقة النطق وطريقة الكتابة (٣). وحرص المستشرقون القائلون بهذه الشبهات على أن تكون شبهاتهم

стр. 889

هذه من المسلمات، ولذلك انتقلوا من مناقشتها في أساسها والبحث العلمي فيها إلى طرح أساليب ووسائل أخرى للخروج بالعربية من تلك الأزمات التي اختلقوها، ومجمل تلك الوسائل والأساليب فيما يأتي: ١ - كتابة اللغة العربية أو العاميَّة بالحرف اللَّاتيني. ٢ - الدعوة إلى العاميَّة، وتقعيدها. ٣ - إهمال الإعراب. ٤ - الدعوة إلى تطوير اللغة والتصرف فيها (١). الرد على الشبهة الأولى: إن رمي اللغة العربية بالقصور وعدم الكفاية العلميَّة تهمة لا تتفق مع حقيقة اللغة العربية؛ لأنَّها لغة حيَّة عمليَّة لها طاقة هائلة على استيعاب المعاني الغزيرة في الكلمات القليلة (٢)، يقول الإمام الشافعي ﵁ عن هذا الجانب في اللغة العربية: (ولسان العرب أوسع الأسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غيرُ نبيٍّ) (٣). وقد أقرت هيئة الأمم المتحدة عالمية اللغة العربية، وأدرجتها في اللغات المعتمدة (كلغة سادسة لشعوب الأرض كافة، يتكلمها ما يزيد على (١٨٠) مليون من العرب، ويقدسها المسلمون؛ لأنَّهَا لغة القرآن الكريم ولغة الرسول ﷺ ) (٤).

стр. 890

ومِمَّا جاء في قرار الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة الذي اتخذته بالإجماع في دورتها الثامنة والعشرين لسنة (١٩٧٣ م): (إنَّ اللغة العربية أدت دورًا مهمًّا في الحفاظ على حضارة الإنسان وتراثه الثقافي، وفي العمل على نشرهما) (١). ولئن خرجت اللغة العربية من صراعها مع الاستشراق والاستعمار أو كادت أن تخرج بهذه النتيجة؛ فإنها في حقيقة الأمر اللغة الأولى، ويكفيها شرفًا أنَّ اللَّه اختارها لكلامه المجيد، وما أصدق ما قاله (حافظ إبراهيم) في رده على شبهات المستشرقين وتلاميذهم على لسان اللغة العربية: وسعت كتاب اللَّه لفظًا وغايةً ... وما ضقتُ عن آيٍ به وعظاتِ فكيف أضيقُ عن وصف آلةٍ ... وتنسيق أسْمَاء لمخترعاتِ أنا البحرُ في أحشائه الدر كامنٌ ... فهل سألوا الغُوَّاصَ عن صدفاتي؟ (٢) أما الاعتراف للغة العربيَّة بأنها حافظت على تراث الإنسان، وعملت على نشره، فإنَّ ذلك جزءٌ من الحقيقة، وجزؤها الآخر هو ما أسهمت به اللغة العربيَّة من صنع الحضارة الحديثة في مختلف مجالاتها، وما أضافت من ابتكارات علميَّة ومنهجيّة إضافة لتلك الوحدة السلميَّة الفذَّة بين شعوب المعمورة التي عبَّرَت عنه المستشرقة (زيغريد هونكة) بقولها: (إنَّ كل

стр. 891

الشعوب التي حكمها العرب اتحدت بفضل اللغة العربيَّة والدين الإسلامي، بتأثير قوة الشخصية العربيَّة من ناحية، وتأثير الروح الإسلاميَّة الفذَّة من ناحية أخرى، في وحدة ثقافية ذات تماسك عظيم) (١). وأمَّا تخلف الأُمَّة الإسلاميَّة عن ركب الأمم الأخرى في ميادين الصناعة والعلوم، فليس مرجعه إلى قصور في اللغة العربيَّة وعدم كفايتها العلميَّة كما يدعي خصومها من المستشرقين وغيرهم؛ بل يرجع ذلك لعوامل كثيرة. . . منها: أولًا: وهن الأمَّة. . . كما لحظ ذلك ابن حزم بقوله: (إنَّ اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنَّما يفيد لغة الأُمَّة وعلومها وأخبارها قوة دولتهم ونشاط أهلها وفراغهم، وأمَّا من تلفت دولتهم وغلب عليها عدوها، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمونٌ منهم موت الخواطر، ورُبَّمَا كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم، وبيود علومهم، وهذا موجود بالمشاهدة معروف بالعقل ضرورة) (٢). وقال أحد المفكرين المعاصرين في هذا المعنى: (الأُمَّة العزيزة تعتزُّ بلغتها، وتحرص على استقلالها كما تحرص على استقلالها العسكري والاقتصادي سواء، وتحترم قوانينها اللغويَّة وتتمسك بها) (٣). ثانيًا: ما قام به الاستعمار في سبيل الحيلولة دون ممارسة اللغة العربيَّة وتغليب لغة المحتل عليها وتشجيع اللهجات العاميَّة، حيث رسم دهاقنة

стр. 892

الاستعمار من أمثال (دنلوب) (١) سياسة التعليم على أساس الحيلولة بين اللغة العربيَّة وبين أن تصبح الأداة الثقافية لأبناء الأُمَّة الإسلاميَّة ولغة العلوم والتقنية؛ (فحلت مصطلحات أجنبية عن دينها ولغتها في جوانب: الحكم، والقضاء، والتعليم، ولغة الحياة العامَّة والسلوك، وغيرها متابعة بذلك سنّة الإبعاد عن كتب الشريعة وفقهها بتحنيط لغتها، وبذلك يستحكم الانفصام بين المسلم وتراثه ليكون رسمًا لا معنى له، وصورة لا حقيقة له) (٢). ولعل من الشواهد المعاصرة على صلاحيَّة اللغة العربيَّة لتدريس كافة العلوم؛ ما يحدث في الجامعات والمعاهد التي اتخذتها أداةً للعلم والمعرفة وأفادت منها، فعلى سبيل المثال مضى على تأسيس كلية الطب في دمشق ما يزيد على سبعين عامًا وأساتذتها يدرسون الطب باللغة العربيَّة (٣)، وقد (أغنوا خزانة الكتب العربيَّة بما لا يقل عن ثمانين مجلدًا في فروع الطب المختلفة) (٤).

стр. 893

كما أن كثيرًا من الأساتذة الذين جربوا التدريس بالعربيَّة لا في دمشق وحدها، وإنَّما في القاهرة والرياض وبغداد لم يجدوا عائقًا يذكر من اللغة ذاتها، وإذا كانوا قد اصطدموا بصعوبات فهي خارج الإطار اللغوي (١)، بل (استطاع عدد من المخلصين في هذا العصر أن يثبتوا قدرة اللغة العربيَّة على استيعاب العلوم، فوضعوا عددًا من الكتب العلميَّة تناولت شتى الموضوعات، وقدمت أمثلة لقدرة اللغة العربيَّة على التعبير عن دقائق العلوم) (٢). وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا المضمار فإنَّه ينبغي أن تتسم حركة التعريب بالصفة الشموليَّة فلا تقتصر على تعريب الحرف وتنسى مرتكز التعريب، وهي العقيدة الإسلاميَّة وليست القوميَّة العربيَّة (٣) حيث إنَّ العقيدة الإسلاميَّة هي السر في انتشار اللغة العربيَّة وسيادتها، ومن جهة

стр. 894

أخرى فإنَّه ينبغي أيضًا الاهتمام بالتعريب كأسلوب حياة، ووسيلة تميُّز يحفظ للأُمَّة شخصيتها وهويتها الذَّاتيَّة في كافَّة ميادين الحياة. الرد على الشبهة الثانية: إنَّ صعوبة النطق وصعوبة الكتابة في اللغة العربيَّة شبهة فيها كثيرٌ من التعسف؛ لأن قواعد النحو والصرف وطريقة كتابة الحرف العربي وضبطه بالشكل والإعجام من ناحية (١)، وتحقيقه في مجال الأداء الصوتي (٢) من ناحية أخرى، خُدِمَ ذلك كله بعبقرية وبراعة أظهرت تميُّز اللغة العربيَّة على سائر اللغات، وحدَّدَت دلالة الألفاظ على المعاني بغاية الدقّة، (فقد عكف علماء الأُمَّة على اللغة العربيَّة وعلومها، واستنبطوا قواعدها، ووضعوا أصول نحوها وصرفها حتى تمت الضوابط والمقاييس في غاية الوضوح والبيان مِمَّا جعلها لغةً علميَّة مكتسبة يسهل حذقها وتعلمها على أبناء اللغة العربيَّة الناشئين) (٣)، (وعلى أبناء غير العربيَّة الذين دخلوا دين الإسلام أفواجًا، فانتشرت اللغة بينهم كما لم تنتشر لغة من قبل سرعة ويسرًا، ولم يكن أبو الأسود الدؤلي، والخليل بن أحمد، وسيبويه، والمبرد، وأبو علي بن فارس، والثعالبي، وابن سيده، والزبيدي. . . وغيرهم كثير علماء في اللغة يتشدقون في المجتمعات بعلمهم، أو سعيًا لرزق صغير أو طلب لمنصب. . . بل كان كل منهم يهب حياته في خدمة

стр. 895

علم من علوم العربيَّة يتقرب به إلى اللَّه ، وهذه غايتهم الأولى! فدانت لهم العربيَّة وذلل لهم علمها) (١). وبالنظر إلى علماء التجويد فإنَّهُم كما قال أحد الباحثين: (حققوا في مجال الأداء الصوتي القرآني ظاهرة نادرة الحدوث في أيِّ لغة من لغات العالم، وإليهم يرجع الفضل في حفظ النطق العربي الفصيح سالمًا -إلى حد بعيد- من تأثيرات التطور اللغوي) (٢). أمَّا صعوبة التعلم وتدريب اللسان حتى يلين لقواعد اللغة وتصاريفها فإنَّ الصعوبة محدودة وليست عائقًا لمن أراد التعلم؛ ثُمَّ إنَّ الصعوبة أمرٌ نسبي يختلف من شخص لآخر، وتحكمه ظروف عدّة، منها ما يعود إلى المتعلم ذاته، ومنها ما يعود لغيره من معلم أو منهج تعليم (٣). الرد على الشبهة الثالثة: أمَّا ارتفاع اللغة العربيَّة عن مستوى فهم الناس فهذه شبهة مردودة من عدّة أوجه، أهمهما الآتية:

стр. 896

أ- اتصال العربيَّة بالطبيعة: فقد توصَّلَ علماء اللغة العربيَّة إلى القول: (بأنَّ أصولها الثنائية تحاكي في الغالب -كما هو الحال في بعض اللغات الأُخرى- أصوات الطبيعة بما فيها من جماد وحيوان وإنسان بدائي، ومن هنا كانت بعض كلمات أمثال: خرير الماء، وهبوب الرياح، وهدير العاصفة، ومواءُ الهر، وصهيل الجواد، ونباح الكلب، ورغاءُ الجمل) (١)، وأمثالها انعكاسًا للطبيعة، ومنبثقة عنها. ب- اتصالها المحكم بالمجتمع: (ذلك أن العرب عاشوا أسرًا محكمة الأواصر، تجتمع في أفخاذ وبطون وعشائر وقبائل، تغوص عمقًا في النسب الصريح، وتنداح اتساعًا بالتزاوج والتوالد، وهي في كل حال متماسكة يشد بعضها بعضًا. . . وعلى صورة هذا المجتمع ومثاله كان كلامهم وجرى لسانهم: الألفاظ تتوالد وبينها آصرة القربى، فالأصل هو المصدر مثل: (عِلْم)، ومنه الماضي المجرد: عَلِمَ، ومنه اسم الفاعل: عالم، واسم المفعول: معلوم، والصفة المشبهة: عليم، ووزن المبالغة: علَّامة، واسم التفضيل: أعلم، ومن فعل (جمع) يؤخذ اسما الزمان والمكان: مَجْمعَ، ومن فعل (فتح) يؤخذ اسم الآلة: مفتاح. . . وجميع هذه المشتقات متفقة في حروفها الأصلية وترتيبها ومعناها الأصلي. . .) (٢). إذًا فاللغة العربيَّة مطبوعة، وتعبر عن الفطرة، وتتفق وحقائق الأشياء، ولها جرسها الشاعري الجميل، وهي سهلة التعلم والتعليم، تامَّة في

стр. 897

ألفاظها، كاملة في حروفها، وكما قال ابن خلدون فهي: (أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد) (١). الرد على الشبهة الرابعة: أمَّا التفاوت بين النطق وطريقة الكتابة فإنَّه موجود في سائر اللغات الأخرى وواسع فيها، واللغة الإنجليزيَّة وهي تتسنم المركز الأول في سلم اللغات العالميَّة في العصر الراهن فيها ما يزيد على (٢٠٠) أصل لغوي شاذ (٢)، في حين أنَّ التفاوت بين النطق والكتابة في اللغة العربيَّة محدود في كلمات تعد على أصابع اليد الواحدة مثل (هذا، لكن، داود، عمرو، اللام الشمسية) (٣)، ولا يعد هذا التفاوت عيبًا، ولا سيما أنَّه مسموع عن العرب يحفظ ولا يقاس عليه (٤). وينبغي أن يذكر أنَّ ما يؤخذ على اللغة العربيَّة -في هذا الصدد وغيره- هو في واقع الأمر من مزاياها، فمثلًا مثنى الكلمة العربيَّة يختزل في كلمة واحدة مثل رجل مثناها: رجلان، في حين يكتب في اللغات الأخرى كلمتين (٥). خلاصة القول: إنَّ هذه الشبهات التي أظهرها بعض المستشرقين، ونظَّروا لها في دراساتهم اللغويَّة بدعم من الدوائر المعادية للإسلام، وبخاصة الاستعمار والصهيونية وقبلهما التنصير، لا ترتكز على أساس ولا يوجد لها مبرر من حيث منطلق الشبهة في أساسها، ولذلك فإنَّ ما رتبوا

стр. 898

عليها من حلول تمثلت في الدعوة إلى الكتابة بالحرف اللاتيني والعاميَّة. . . وغيرهما مِمَّا سبق ذكره كل ذلك يسقط بسقوط شبهاتهم، ويكفي هنا الإلماح لأبرز الأهداف من تلك الحلول فيما يأتي: ١ - إهمال القرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف لغة وأصلًا وتشريعًا (١). ٢ - هجر لتراث المسلمين، واجتثاث لوجودهم الفكري والثقافي (٢). ذلك أنَّ المستشرقين العاملين في خدمة الدوائر المعاديَّة للأُمَّة الإسلاميَّة أدركوا (قوة ارتباطها بالدين والثقافة الإسلاميَّة. . .) (٣)، وأنها من أقوى أسباب الوحدة الإسلاميَّة، وهو ما عبَّرَ عنه المستشرق الإنجليزي (جيب) بقوله: (إنَّ من أهم مظاهرها الحروف العربيَّة التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي واللغة العربيَّة التي هي لغته الثقافية الوحيدة، والاشتراك في الكلمات والاصطلاحات العربيَّة الأصل) (٤)، وعملوا من أجل ذلك على إثارة الشبهات في حياض اللغة العربيَّة، ودعوا إلى الكتابة بالحرف اللاتيني حينًا وإلى العاميَّة حينًا آخر، أو الجمع بينهما أو تطوير اللغة سواء بإهمال الإعراب، أو التصرف فيها وتطويرها على نحو مِمَّا حدث للغة اللَّاتينيَّة، وذلك كله يهدف لما سبق ذكره.

стр. 899

وقد نبه الرافعي إلى حملة الاستعمار على اللغة العربيَّة بقوله: (لا جرم كانت لغة الأُمَّة هي الهدف الأول للمستعمرين؛ فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلَّا من لغته، إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضية، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر؛ حتى إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على الأخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء) (١). ومِمَّا يؤكد اضطلاع الاستشراق بالأهداف الاستعمارية في إطار اللغة العربيَّة، وإسهام المستشرقين فيما فرضه الاستعمار من دعوات مضللة هدمت اللغة العربيَّة، وعملت على انحسارها من أرجاء العالم، واستبدلتها بالحروف اللاتينية أو اللغات واللهجات المحليَّة ما أبداه المستشرق الألماني (كامغماير) من سرور حينما رأى غياب السمت الإسلامي، وذهاب اللغة العربيَّة والحرف العربي من تركيا، فقال في شماتة واضحة (٢): (إنَّ قراءة القرآن العربي، وكتب الشريعة الإسلاميَّة قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينيَّة بالحروف العربيَّة) (٣). * * *

стр. 900

وسيلة تاريخ الإسلام وحضارته وموقف المستشرقين منه • تمهيد. • الالتزام بالإسلام والاعتزاز به. • الوعي الثقافي الشامل. • التعاون والتكامل. • الدعوة والجهاد. • موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته.

стр. 901

تمهيد منذُ شرع الرسول ﷺ في بناء الأُمَّة الإسلاميَّة، وتكوين حقيقتها المثلى، ونموذجها الفريد على أساس من عقيدة التوحيد وشريعة اللَّه، والمنهج الإلهي للحياة بما يتسم به من مفاهيم متميِّزة، وقيم عالية، منذُ بدء انبثاق هذا النور في بطحاء مكة مهبط الوحي نشأ للإسلام والمسلمين تاريخ مميز بالغ التفرد يختلف عمَّا ظهر في حياة البشر من تواريخ في النشوء والتطور، وولدت في تلك الفترة كذلك حضارة جاءت على غير مثال سابق؛ من حيث أصالة الأُسس، وقوة الجذور، وروح الحياة المتجددة ذات التأثير الفاعل في حياة البشرية وحركتها وآمالها وأهدافها، لقد بدأ هذا التاريخ، ونشأت هذه الحضارة في دنيا الواقع، وبصورة فعليَّة ملموسة، وبوقائع ذات أبعاد ضخمة في حاضر الإسلام ومستقبله منذُ قدم الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة، وبدأت الجهود تبذل بقوة ومثابرة وصبر على تكوين هذه الأُمَّة الإسلاميَّة ذات التميُّز الفريد في مسارها التاريخي، وبنائها الحضاري، وكل ما يؤكد ذاتيتها وشخصيتها وهويتها من تفرد واستقلال عن سواها من الأمم الأُخرى.

стр. 902

الالتزام بالإسلام والاعتزاز به يعد الالتزام بالإسلام والاعتزاز به من أهم وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ فإنَّ ذلك من أظهر ما يدعو لتميزها، فالقدوة الصالحة تحقق هذا التميُّز من خلال الالتزام بالإسلام والاعتزاز به، انطلاقًا من جعل مفاهيم الأُمَّة ومناهجها ومواقفها أساسًا لهذا الاعتزاز، وعناية به، وحرصًا عليه، وهذا ما طبقه الرسول ﷺ ، وسار عليه أصحابه والتابعون لهم بإحسان؛ فقد كان الرسول اللَّه ﷺ يحرص على أن تكون الأُمَّة الإسلاميَّة ذات تميُّز في التزامها، بما يؤكد ذاتيتها، كما تدل على ذلك نماذج كثيرة في حياة المسلمين؛ تتضح في الآتي: أ- في المفاهيم. ب- في المناهج. ج- في المواقف. أ- أمَّا في المفاهيم فإنَّ النماذج على ذلك في حياة الأُمَّة كثيرة جدًّا، منها تلك الحقبة التي كان الرسول ﷺ فيها بين ظهراني الأمة أو الحقب التي تلت ذلك، فقد جاء الإسلام و (العرب على إرث في جاهليتها من إرث آبائهم في لغاتهم ونسائهم وقرابينهم، فلما جاء اللَّه جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت. . . فكان مِمَّا جاء في الإسلام: ذكر المؤمن والمسلم والكافر، وأنَّ العرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق، ثمَّ زادت الشريعة شرائط وأوصافًا، بها سُمّي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا،

стр. 903

وكذلك الإسلام والمسلم، إنَّما عرفت منه إسلام الشيء، ثُمَّ جاء في الشرع من أوصافه ما جاء، وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلَّا الغطاء والستر. فأمَّا المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع، ولم يعرفوا في الفسق إلَّا قولهم (فسقت الرطبة) إذا خرجت من قشرها، وجاء الشرع بأنَّ الفسق: الإفحاش في الخروج عن طاعة اللَّه جلَّ ثناؤُه. ومِمَّا جاء في الشرع: الصلاة، وأصله في لغتهم الدعاء، وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود، وإن لم يكن على هذه الهيئة (كما بينه الرسول ﷺ وطبقه وأمر أمته أن تفعل فيه كفعله). . . والذي عرفوه منه. . . (طأطأ وانحنى)، وهذا وإن كان كذا فإن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد، والمواقيت، والتحريم للصلاة، والتحليل منها. وكذلك الصيام: وأصله عندهم الإمساك. . . ثُمَّ زادت الشريعة النيَّة، وحظرت الأكل والمباشرة، وغير ذلك من شرائع الصوم. وكذلك الحج لم يكن عندهم غير القصد، وسبر الجراح. . .، ثُمَّ زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائره. وكذلك الزكاة، لم تكن العرب تعرفها إلَّا من ناحية النماء، وزاد الشرع ما زاده. . .، وعلى هذا سائر (أمور) العمرة والجهاد، وسائر أبواب الفقه) (١).

стр. 904

يتضح من هذا أنّ الإسلام رسَّخ مفاهيم، وحدَّد مصطلحات في مجال العقيدة والعبادة والشعائر الأخرى، وما يتصل بذلك من مفاهيم ومصطلحات في مجال المعاملات وسائر العلاقات والسلوك والأخلاق، وكل ذلك يرتكز على عقيدة التوحيد، ويهدف إلى إخلاص العبادة للَّه، وهو مع ذلك من وسائل تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة (١). ولشيخ الإسلام ابن تيمية رؤية شاملة فيما يتعلق بمفاهيم الإسلام سواء في مجال العقيدة أو العبادة أو غيرهما مِمَّا يتصل بحياة الأُمَّة، وما كان منها قد حدده الرسول ﷺ ، وما ترك أمره للأُمَّة؛ فقام الصحابة الكرام بتحديد بعضه، وتُركَ بعضُه الآخر للأُمَّة الإسلاميَّة عبر تاريخها. وعن ذلك قال: (الأسماء التي علق اللَّه بها الأحكام في الكتاب والسنّة منها: ما عرف حده ومسماه بالشرع، فقد بينه اللَّه ورسوله: كاسم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والإيمان، والكفر، والنفاق، ومنه ما يعرف حده باللغة: كالشمس والقمر، والسماء والأرض، والبر والبحر، ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس، وعرفهم فيتنوع بحسب عاداتهم، كاسم البيع، والنكاح، والقبض، والدرهم، والدينار، ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد، ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة، بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس؛ فما كان من النوع الأول فقد بينه اللَّه ورسوله، وما كان من الثاني والثالث فالصحابة والتابعون، المخاطبون بالكتاب والسنة، قد عرفوا المراد به، لمعرفتهم

стр. 905

بمسماه المحدود في اللغة أو المطلق في عرف الناس وعاداتهم من غير حدٍّ شرعي ولا لغوي، وبهذا يحصل التفقه في الكتاب والسنة. . .) (١). إنَّ هذه الرؤية لشيخ الإسلام إزاء مفاهيم الأُمَّة الإسلامية تؤكد أصالة تلك المفاهيم وارتكازها على الحق، وأثرها في تحقيق تميُّز الأُمَّة، وهذا واضح في قوله: (فالصحابة كانوا يعلمون ما جاء به الرسول. . . وبيان ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانًا من مقاييس الكُفَّار؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، أخبر سبحانه أنَّ الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلَّا جاءه اللَّه بالحق، وجاءه من البيان والدليل، وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرًا وكشفًا وإيضاحًا للحق من قياسهم) (٢). أمَّا عن أثر المفاهيم في تميُّز الأُمَّة فيشير إليها بقوله: (ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات، فإذا كان عدو المسلمين -في تحصنهم وتسلحهم- على صفة غير الصفة التي كان عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجهه الشريعة، التي مبناها على تحري ما هو للَّه أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة) (٣). وإذا كانت مفاهيم الأُمَّة الإسلاميَّة تنبثق من عقيدة التوحيد، وتلتزم بشريعة الإسلام وبسنة المصطفى ﷺ وفهم الصحابة والتابعين ومن سار

стр. 906

على نهجهم من سلف الأُمَّة الصالح، وهي بذلك وسيلة من وسائل تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها كلِّه، فإنَّ الإسلام أكد على أهميَّة سلامة هذه المفاهيم من اللبس والاختلاط في معناها بما قد يحمل معنى فاسدًا أو يكون وسيلة إلى محرم (١)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، حيث نهى عن استخدام لفظ (راعنا)، التي يقصد بها في الأصل ما تعنيه كلمة ("راعيت الأمر": نظرت إلام يصير، ورعيت النجوم: رقبتها) (٢)، وكان سبب النهي عن استخدامها اختلاط معناها بما يدل عليه لفظ "رعن" من (هوج واضطراب) (٣)؛ ولأنَّها (كلمة كانت اليهود تنساب بها وهو من الأرعن؛ قرأها "راعنًا" منونة فتأويلها: لا تقولوا حمقًا من القول؛ لأنه يكون كلامًا أرعن: أي مضطربًا أهوج) (٤). يقول ابن قيم الجوزية في تفسيرها: (نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب، يقصدون فعلًا من الرعونة، فنُهيَ المسلمون عن قولها سدًّا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما قصده المسلمون) (٥). إنَّ هذا الحدث التاريخي يكشف عن أهميَّة المفاهيم كوسائل ينبغي

стр. 907

على الأُمَّة الإسلاميَّة أن تدرك خطورتها من ناحيتين؛ أولهما: باعتبارها وسيلة يستخدمها أعداء الأُمَّة في الكيد لها، ويربطونها بمقاصدهم الشريرة ولو على الصعيد النفسي على أقل تقدير، وأخراهما: باعتبارها وسيلة من وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، ويتضح هذا الأمر بجلاء إذا أُنْعِمَ النظرُ فيما جاء قبل تلك الآية وما جاء بعدها، فالآيات السابقة كانت تضع (المسلمين وجهًا لوجه أمام الهدف الحقيقي لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. . . إنَّه تحويل المسلمين عن دينهم إلى دين أهل الكتاب ولن يرضوا عن النبي ﷺ حتى يتبع ملتهم، وإلَّا فهي الحرب والكيد والدس إلى النهاية، وهذه هي حقيقة المعركة التي تكمن وراء الأباطيل والأضاليل، وتتخفَّى خلف الحجج والأسباب المقنعة) (١). وتأتي الآيات بعدها فتبين ما خصَّ اللَّه به الأُمَّة الإسلاميَّة من الفضل والرحمة، وترسخ اليقين في اللَّه في نفوس المسلمين، وأنَّ له ملك السموات والأرض، وهو وليهم ونصيرهم، وذلك تعليلًا -واللَّه أعلم- لما حدث من نسخ سواء في الآيات القرآنية أو الأحكام والشعائر الدينيَّة، وبخاصة حادثة تحويل القبلة التي اهتبل اليهود فرصتها للتشكيك في عقيدة المسلمين، وتابعهم المشركون وسائر أهل الكتاب، وجاءت الآيات -المشار إليها- لتحذر المسلمين مِمَّا وقع فيه اليهود مع نبيهم موسى ﵇ من مُساءلة أدت بهم إلى الجحود والانحراف عن حقيقة التميُّز الذي ألزمهم اللَّه به، وأنَّهم إذ لم يحققوه وسلبهم اللَّه إياه وسلب غيرهم من أهل الكتاب والمشركين، واختار له المسلمين ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]، طفحت نفوس كثير من أهل الكتاب بالحسد الذي تحول إلى إرادة وعمل لصرف المسلمين عن دينهم إلى الكفر، كما جاء

стр. 908

ذلك في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]، ومِمَّا يلحظ في كثير من آيات الذكر الحكيم أنَّها: تجمع (بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر. . . وكلاهما كافر بالرسالة الأخير فهما على قدم سواء من هذه الناحية، وكلاهما يضمر للمؤمنين الحقد والضغن، ولا يود لهم الخير، وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين، هو أن يختارهم اللَّه لهذا الخير، وينزل عليهم هذا القرآن، ويحبونهم بهذه النعمة، ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض، وهي الأمانة الكبرى في الوجود. . . وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة، وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه، وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل، وفي التقرير الذي سبقه عمّا يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد، وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها -ويقودها- اليهود، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين. . .) (١). ومِمَّا ينبغي ذكره في سياق الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في نطاق المفاهيم، أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة تعي ما كان منها موروثًا بشريًّا عامًّا تأخذ به أيُّ أُمَّة من الأمم، فهي بقدر حرصها على تأصيل مفاهيمها وتميُّزها فيما يتصل بعقيدتها وشريعتها وشعائرها وما يتصل بسلوك أفرادها ومجتمعاتها وآدابهم، فإنَّها لا ترد المفاهيم المتأصلة بمجهود الأمم الأُخرى في نطاق العلم التجريبي ونحوه، وقد تصدى لبيان ذلك بعض علماء الأُمَّة. وعلى سبيل المثال ما بيَّنه ابن تيمية في قوله: (. . فإنَّ ذكر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل "الطب" و"الحساب" المحض التي يذكرون فيها ذلك،

стр. 909

وكتب من أخذ عنهم، مثل محمد بن زكريا الرازي، وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا، فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم، ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض، كما عامل النبي يهود خيبر، وكما استأجر النبي ﷺ ، هو وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرين (ابن أريقط) -رجلًا من بني الدِّيل- هاديًا خريتًا، والخريت الماهر بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابهما، ووعداه غار ثور صبح ثالثة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول اللَّه ﷺ ، مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم، وكلُّ هذا في الصحيحين (١)، وكان أبو طالب ينصر النبي ﷺ ويذب عنه مع شركه، وهذا كثير) (٢). ب- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في المناهج (٣)، وهذا جانب آخر رصده التاريخ للأُمَّة الإسلاميَّة، وانطلقت من خلاله حضارتها، وكان الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في مناهج الأُمَّة من أهم وسائل تميُّزها،

стр. 910

و (المناهج الإسلاميَّة المختلفة ترتكز على قاعدة إيمانية، تمد جذورها إلى أعماق الحياة الإنسانية جميعها، تتغلغل في العقيدة، وتسري في الأخلاق، وتختلط بالمادة، وتظهر في شؤون الحياة، ولا ريب أن المجتمع السلم له غاية في الحياة، كما له مثل وقيم وأخلاق ومقاييس في المجتمع، وأهداف خاصَّة، ومزاج نفسي منبعث من عقائده وموروثاته، كما أنَّه ينظر إلى كل شيء بمنظار معين، ينظر إلى الإنسان برؤية وينظر إلى الحيوان برؤية أخرى، وإلى الجماد بغير ذلك، ثمَّ يركز على الإنسان، في حياته وسلوكه وفي غايته، وفي هدفه، فيحرر طاقاته كلها فطريَّة وعمليَّة، من الظنون والأوهام والخرافات والأهواء، كما يخلصه من الجهل والعبوديَّة لغير اللَّه، ومن سلطان الاستبداد والطغيان والشهوات، ثُمَّ وجه الإسلام الفكر البشري إلى ما ينفعه، وصرفه عما يهلكه ويبدد طاقاته بغير نفع أو فائدة، أبعده عن البحث وراء الطبيعة (عالم الغيب) وقدَّم له منهجًا كاملًا يرضي أشواقه النفسية، وحاجاته الروحية، وذلك حتى يفرغ لمهمته في بناء الحياة، وتعمير الكون، وتحقيق العدل والإخاء الإنساني) (١). وقد اصطبغت مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في سائر تاريخها، ومجمل حضارتها بهذه السمات، وكانت ثمارًا يانعة لمقومات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من عقيدة صافية نقية ترتكز على التوحيد الخالص والإيمان العميق باللَّه وأسمائه وصفاته وفقًا لما جاء به الرسول ﷺ عن ربه، ومن شريعة غراء منبثقة عن تلك العقيدة ومماثلة لها في إخلاص التوحيد والعبادة للَّه، وما اتصف به تميُّز الأُمَّة من خصائص كثيرة من أبرزها ربانية المصدر، وعالميَّة الرسالة، ووسطية المنهج، إلى جانب فاعليتها الحضاريَّة الخيِّرَة، وما يتصل بذلك من أهداف يأتي في مقدمتها تحقيق العبودية للَّه، وتحقيق

стр. 911

الاستخلاف في الأرض بإقامة دين اللَّه، وحيث إنَّ استقصاء مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانب حياتها المختلفة لا يتأتى في مساحة ضيقة كما هو حال هذه المفردة، فإنني أتناول منها -على سبيل المثال- الآتي: أولًا: المناهج النقلية وعمادها الوحي، بقسميه القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد اعتنت الأُمَّة الإسلاميَّة عناية لم يسبق لها مثيل في المحافظة على نص القرآن الكريم ونص السنة النبويّة، واعتمدت لتحقيق ذلك مناهج بارعة، جرى الحديث عنها فيما سبق (١). ثانيًا: المناهج العقليَّة، وهي منبثقة من المناهج النقليَّة، حيث أسس القرآن الكريم قواعدها، وضبط منطلقاتها، وربطها بأخلاقه ومثله ومبادئه وقيمه، وسار علماء الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها وحضارتها في ضوء الكتاب والسنّة فكان الاجتهاد، وكان القياس، وكان الإجماع، والاستحسان والاستصحاب، والعرف والعادة، وسد الذرائع، والاستقراء، وكل ذلك ونحوه حقق للأُمَّة الإسلاميَّة بخاصَّة والبشرية بعامّة الكثير من المصالح سواء ما كان منها في إطار الضرورة، أو الحاجيّة، أو التحسينيَّة، ودفع عنها الكثير من المفاسد والأضرار، وذلك بقدر ما تلتزم الأُمَّة بالإسلام وتعتز به، وتسلك مناهجه وتتقيد بمفاهيمه. وبالجملة -فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة قد سلكت في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، وفي الفقه وأصوله، وفي علوم اللغة والتاريخ

стр. 912

والحضارة، مناهج لم تسبق لمثلها، (ولقد جهد السلف الصالح بدءًا من الصحابة رضوان اللَّه عليهم، ومن تبعهم، كل جهدهم لينالوا المراتب السنية، فضربوا أكباد الإبل في فجاج الأرض، شرقًا وغربًا بهمم عالية، ونفوس سخيَّة راضية، بحثًا عن العلم، وتحصيلًا للمعرفة، فأثمر صنيعهم هذا أطيب الثمار، وترك في المجتمع الإسلامي كلِّه أبلغ الآثار من توحيد لصفوف الأُمَّة، وترسيخ لمبادئها، وصون لأطرافها، ونشر لمراكز العلم في أقطارها، قاصيها ودانيها، وتنافس بين هذه الأقطار في مراقي الخير هذه، وانتشار لصحيح الأفكار، وجليل المؤلفات، خلال زمن يسير في جميع البلاد، وغير ذلك من مظاهر القوة العلمية ما يستحق أن يوضع تحت الدرس والتأمل للعبرة والاستلهام) (١). أمَّا ما يخص مناهج المسلمين في مختلف العلوم، وسبقهم إلى المنهج العلمي الحديث فمرده إلى حقيقة تاريخية تبين أنَّ علماء الأُمَّة الإسلاميَّة كانوا الرواد في وضع هذه المناهج وتطويرها، فلقد (ترجم سلفنا الصالح هذه المعاني في عصور ازدهار الحضارة الإسلاميَّة إلى حقائق ومناهج علمية سديدة لا زالت آثارها قائمة بيننا، نغترف من مناهلها الصافية، لا ينقصها التخطيط السليم، والأصالة الفكريَّة، والأسلوب السلس الواضح في مختلف ميادين الفكر والمعرفة. ويعجب المرء وهو يعالج موضوع كتابة البحوث العلمية ومناهجها الحديثة أن يجد في مصادر تراثنا المبكر دروسًا علميَّة قائمة؛ لكل قواعد ومناهج كتابة البحث العلمي على الأصول الحديثة، حتى بالنسبة للعلوم التي (تحتاج إلى دقة وتحديد في المضمون والصياغة) كالفقه وأصول الفقه، فكلاهما له طابعه وملامحه وصعوباته النابعة من طبيعة الموضوعات

стр. 913

التي يعالجها، والكتابة فيهما تختلف تمامًا عن الكتابة حتى في المواد الشرعية الأُخرى، فضلًا عن البحث في علوم العربيَّة والموضوعات الأدبية، ولكن على الرغم من كل هذا فقد طوعها العلماء المسلمون -في عصور الإسلام المبكرة- للمنهج العلمي السليم شكلًا وموضوعًا وأسلوبًا) (١). ويدلل على صحة هذا مثالان من تأليف الشافعي ﵀ في كتاب (الرسالة) وفي كتاب (الأم)، فقد كان ﵀ (يعالج أصعب الموضوعات وأصعب العلوم بطريقة علميَّة موضوعيَّة، ويضع منهج البحث، والخطَّة التي سيسير عليها بحيث تحقق التصور الكامل لجوانب الموضوع في مقدمة الكتاب، وجعل للكتاب محورًا هو مدار كل البحوث التي يعرضها في أسلوب الأديب، وبيان الحكيم) (٢). وكانت هذه الطريقة هي المتبعة من علماء الأُمَّة في (جملة المصادر الإسلاميَّة في كل العلوم دون استثناء في عصور ازدهار الفكر الإسلامي، وقد كانت الناحيَّة المنهجية والموضوعيَّة أمرًا ضروري الاعتبار، فالمؤلف يلتزم منهجًا معينًا يشرحه في مقدمة الكتاب، ويذكر السبل التي سلكها لإثبات فكرته، كما يلتزم أن يكون البحث في إطار الموضوع دون استطراد، وفي كل هذا لا يغفل ذكر المصادر التي اعتمدها في تكوين كتابه) (٣). وهكذا فقد (كان العلماء المسلمون في هذا أحرص من أيِّ أُمَّة

стр. 914

أخرى، فكانوا يعتمدون السند قبل تدوين العلوم، وأصبح للكتب سندٌ حتى بعد التدوين، بالإضافة إلى تعيين المصادر. . .) (١). ويؤكد بعض المستشرقين فكرة أصالة مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ومن أمثلة ذلك ما أكده (فرانتز روزنثال) في مواضع كثيرة من كتابه (مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي) (٢)، وإن كان يحاول في مواطن أخرى، أنْ يركز على سبق المسلمين في مجال البحث العلمي، وتفوق منهجهم في بعض العلوم، ومثال ذلك قوله: (أمَّا علماء الحديث والفقه فقد كانا يستندان في الدرجة الأولى على الدِّقَّة والأمانة في ذكر المصدر المأخوذ عنه؛ لأنّ الأسانيد هي جزءٌ من مادة البحث، وكل علم آخر له علاقة مباشرة بهذين العلمين -الحديث والفقه- تأثر إلى حدٍّ بعيد بالأسلوب المتبع في درسهما ومعالجتها، مثال ذلك كتب التراجم التي نشأت بدافع تدعيم علمي الحديث والفقه، أو لتكون في عون المحدث والفقه. . .) (٣)، وعلى أي حال فإنَّ في قوله ما يؤكد اتسام مناهج المسلمين العلميَّة بالموضوعية والمنهجية والأمانة والدِّقَّة، وأن ذلك كان خدمة لعلوم الشريعة، ولم يغفل ذكر امتداد هذه المنهجيَّة إلى علوم أخرى وبخاصة علم التاريخ، وفي ذلك يقول: (أمَّ أصحاب الكتب التاريخية فإنهم كانوا شديدي الحرص على ذكر المصادر التي يأخذون عنها) (٤)، ويستشهد على ذلك بالسبكي والسيوطي، وأنهما شددا على هذه الناحية،

стр. 915

ولكنه حين يعرض تطبيقات العلماء في هذه الناحيَّة المنهجيّة يجانبه أسلوب الباحث الموضوعي الرصين (١). أمَّا المنهج التجريبي فإنَّ قصب السبق فيه راجع للمسلمين كعمود الصبح (٢)، ومن الحق أَنْ يقال: (إنَّ أعظم ما يُمكن أن يفخر به العلم الإسلامي في عصر ازدهاره، هو أنّه أضاف بالتدريج إلى مفهوم العلم معنى جديدًا، لم يكن يلقى اهتمامًا عند اليونانيين، وهو استخدام العلم في كشف أسرار العالم الطبيعي (وما يردده كثير من الباحثين من التعبير الغربي)؛ "قهر الإنسان للمادة، والسيطرة عليها"، واستخدام المسلمون الرياضة في حل المشكلات الواقعية التي تواجه الإنسان، وبرعوا في علوم المادة، واخترعوا علومًا مساعدة لذلك، فمثلًا برعوا في استخدام الأرقام، ووضع أسس علم الحساب، الذي يُمكن تطبيقه في حياة الناس اليوميَّة، وكان اختراعهم للجبر، وتفوقهم في الهندسة التحليلية، وابتكارهم لحساب المثلثات، إيذانًا بعصر جديد، تستخدم فيه الرياضة للتعبير عن قوانين العالم الطبيعي، وعلى هذا فقد وضحت على يد العلماء الإسلاميين أصول المنهج التجريبي، بما يقتضيه من ملاحظات دقيقة دائبة، ومن تسجيل منظم لهذه الملاحظات، ثُمَّ وضع الفروض لتفسيرها، وإجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض) (٣).
следующие страницы →