← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الاستخلاف في الأرض بإقامة دين اللَّه، وحيث إنَّ استقصاء مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانب حياتها المختلفة لا يتأتى في مساحة ضيقة كما هو حال هذه المفردة، فإنني أتناول منها -على سبيل المثال- الآتي: أولًا: المناهج النقلية وعمادها الوحي، بقسميه القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد اعتنت الأُمَّة الإسلاميَّة عناية لم يسبق لها مثيل في المحافظة على نص القرآن الكريم ونص السنة النبويّة، واعتمدت لتحقيق ذلك مناهج بارعة، جرى الحديث عنها فيما سبق (١). ثانيًا: المناهج العقليَّة، وهي منبثقة من المناهج النقليَّة، حيث أسس القرآن الكريم قواعدها، وضبط منطلقاتها، وربطها بأخلاقه ومثله ومبادئه وقيمه، وسار علماء الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها وحضارتها في ضوء الكتاب والسنّة فكان الاجتهاد، وكان القياس، وكان الإجماع، والاستحسان والاستصحاب، والعرف والعادة، وسد الذرائع، والاستقراء، وكل ذلك ونحوه حقق للأُمَّة الإسلاميَّة بخاصَّة والبشرية بعامّة الكثير من المصالح سواء ما كان منها في إطار الضرورة، أو الحاجيّة، أو التحسينيَّة، ودفع عنها الكثير من المفاسد والأضرار، وذلك بقدر ما تلتزم الأُمَّة بالإسلام وتعتز به، وتسلك مناهجه وتتقيد بمفاهيمه. وبالجملة -فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة قد سلكت في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، وفي الفقه وأصوله، وفي علوم اللغة والتاريخ

стр. 912

والحضارة، مناهج لم تسبق لمثلها، (ولقد جهد السلف الصالح بدءًا من الصحابة رضوان اللَّه عليهم، ومن تبعهم، كل جهدهم لينالوا المراتب السنية، فضربوا أكباد الإبل في فجاج الأرض، شرقًا وغربًا بهمم عالية، ونفوس سخيَّة راضية، بحثًا عن العلم، وتحصيلًا للمعرفة، فأثمر صنيعهم هذا أطيب الثمار، وترك في المجتمع الإسلامي كلِّه أبلغ الآثار من توحيد لصفوف الأُمَّة، وترسيخ لمبادئها، وصون لأطرافها، ونشر لمراكز العلم في أقطارها، قاصيها ودانيها، وتنافس بين هذه الأقطار في مراقي الخير هذه، وانتشار لصحيح الأفكار، وجليل المؤلفات، خلال زمن يسير في جميع البلاد، وغير ذلك من مظاهر القوة العلمية ما يستحق أن يوضع تحت الدرس والتأمل للعبرة والاستلهام) (١). أمَّا ما يخص مناهج المسلمين في مختلف العلوم، وسبقهم إلى المنهج العلمي الحديث فمرده إلى حقيقة تاريخية تبين أنَّ علماء الأُمَّة الإسلاميَّة كانوا الرواد في وضع هذه المناهج وتطويرها، فلقد (ترجم سلفنا الصالح هذه المعاني في عصور ازدهار الحضارة الإسلاميَّة إلى حقائق ومناهج علمية سديدة لا زالت آثارها قائمة بيننا، نغترف من مناهلها الصافية، لا ينقصها التخطيط السليم، والأصالة الفكريَّة، والأسلوب السلس الواضح في مختلف ميادين الفكر والمعرفة. ويعجب المرء وهو يعالج موضوع كتابة البحوث العلمية ومناهجها الحديثة أن يجد في مصادر تراثنا المبكر دروسًا علميَّة قائمة؛ لكل قواعد ومناهج كتابة البحث العلمي على الأصول الحديثة، حتى بالنسبة للعلوم التي (تحتاج إلى دقة وتحديد في المضمون والصياغة) كالفقه وأصول الفقه، فكلاهما له طابعه وملامحه وصعوباته النابعة من طبيعة الموضوعات

стр. 913

التي يعالجها، والكتابة فيهما تختلف تمامًا عن الكتابة حتى في المواد الشرعية الأُخرى، فضلًا عن البحث في علوم العربيَّة والموضوعات الأدبية، ولكن على الرغم من كل هذا فقد طوعها العلماء المسلمون -في عصور الإسلام المبكرة- للمنهج العلمي السليم شكلًا وموضوعًا وأسلوبًا) (١). ويدلل على صحة هذا مثالان من تأليف الشافعي ﵀ في كتاب (الرسالة) وفي كتاب (الأم)، فقد كان ﵀ (يعالج أصعب الموضوعات وأصعب العلوم بطريقة علميَّة موضوعيَّة، ويضع منهج البحث، والخطَّة التي سيسير عليها بحيث تحقق التصور الكامل لجوانب الموضوع في مقدمة الكتاب، وجعل للكتاب محورًا هو مدار كل البحوث التي يعرضها في أسلوب الأديب، وبيان الحكيم) (٢). وكانت هذه الطريقة هي المتبعة من علماء الأُمَّة في (جملة المصادر الإسلاميَّة في كل العلوم دون استثناء في عصور ازدهار الفكر الإسلامي، وقد كانت الناحيَّة المنهجية والموضوعيَّة أمرًا ضروري الاعتبار، فالمؤلف يلتزم منهجًا معينًا يشرحه في مقدمة الكتاب، ويذكر السبل التي سلكها لإثبات فكرته، كما يلتزم أن يكون البحث في إطار الموضوع دون استطراد، وفي كل هذا لا يغفل ذكر المصادر التي اعتمدها في تكوين كتابه) (٣). وهكذا فقد (كان العلماء المسلمون في هذا أحرص من أيِّ أُمَّة

стр. 914

أخرى، فكانوا يعتمدون السند قبل تدوين العلوم، وأصبح للكتب سندٌ حتى بعد التدوين، بالإضافة إلى تعيين المصادر. . .) (١). ويؤكد بعض المستشرقين فكرة أصالة مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ومن أمثلة ذلك ما أكده (فرانتز روزنثال) في مواضع كثيرة من كتابه (مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي) (٢)، وإن كان يحاول في مواطن أخرى، أنْ يركز على سبق المسلمين في مجال البحث العلمي، وتفوق منهجهم في بعض العلوم، ومثال ذلك قوله: (أمَّا علماء الحديث والفقه فقد كانا يستندان في الدرجة الأولى على الدِّقَّة والأمانة في ذكر المصدر المأخوذ عنه؛ لأنّ الأسانيد هي جزءٌ من مادة البحث، وكل علم آخر له علاقة مباشرة بهذين العلمين -الحديث والفقه- تأثر إلى حدٍّ بعيد بالأسلوب المتبع في درسهما ومعالجتها، مثال ذلك كتب التراجم التي نشأت بدافع تدعيم علمي الحديث والفقه، أو لتكون في عون المحدث والفقه. . .) (٣)، وعلى أي حال فإنَّ في قوله ما يؤكد اتسام مناهج المسلمين العلميَّة بالموضوعية والمنهجية والأمانة والدِّقَّة، وأن ذلك كان خدمة لعلوم الشريعة، ولم يغفل ذكر امتداد هذه المنهجيَّة إلى علوم أخرى وبخاصة علم التاريخ، وفي ذلك يقول: (أمَّ أصحاب الكتب التاريخية فإنهم كانوا شديدي الحرص على ذكر المصادر التي يأخذون عنها) (٤)، ويستشهد على ذلك بالسبكي والسيوطي، وأنهما شددا على هذه الناحية،

стр. 915

ولكنه حين يعرض تطبيقات العلماء في هذه الناحيَّة المنهجيّة يجانبه أسلوب الباحث الموضوعي الرصين (١). أمَّا المنهج التجريبي فإنَّ قصب السبق فيه راجع للمسلمين كعمود الصبح (٢)، ومن الحق أَنْ يقال: (إنَّ أعظم ما يُمكن أن يفخر به العلم الإسلامي في عصر ازدهاره، هو أنّه أضاف بالتدريج إلى مفهوم العلم معنى جديدًا، لم يكن يلقى اهتمامًا عند اليونانيين، وهو استخدام العلم في كشف أسرار العالم الطبيعي (وما يردده كثير من الباحثين من التعبير الغربي)؛ "قهر الإنسان للمادة، والسيطرة عليها"، واستخدام المسلمون الرياضة في حل المشكلات الواقعية التي تواجه الإنسان، وبرعوا في علوم المادة، واخترعوا علومًا مساعدة لذلك، فمثلًا برعوا في استخدام الأرقام، ووضع أسس علم الحساب، الذي يُمكن تطبيقه في حياة الناس اليوميَّة، وكان اختراعهم للجبر، وتفوقهم في الهندسة التحليلية، وابتكارهم لحساب المثلثات، إيذانًا بعصر جديد، تستخدم فيه الرياضة للتعبير عن قوانين العالم الطبيعي، وعلى هذا فقد وضحت على يد العلماء الإسلاميين أصول المنهج التجريبي، بما يقتضيه من ملاحظات دقيقة دائبة، ومن تسجيل منظم لهذه الملاحظات، ثُمَّ وضع الفروض لتفسيرها، وإجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض) (٣).

стр. 916

وكان هذا المنهج نتيجة طبيعيَّة لمنطلقات الإسلام وقيمه حيث إنّ الإسلام فتح المجال للعقل والفكر، وحثَّ على النظر في الكون والحياة وما يحكم ذلك من سنن وأسباب ومسببات. ومِمَّا ينبغي التركيز عليه في هذا المجال أن: (النقلة المنهجيَّة التي أتيح للعقل المسلم أن يتحقق بها، وأن يتشكل وفق مقولاتها ومعطياتها، امتدت باتجاهات ثلاثة: ١ - السببيَّة: فمن خلال التمعن في نسيج كتاب اللَّه نجد كيف منحت آياته البينات العقل المسلم رؤية تركيبيَّة للكون والحياة والإنسان والوجود، تربط بين الأسباب والمسببات. ٢ - القانونية التاريخيَّة: ولأول مرَّة في تاريخ الفكر يكشف الغطاء أمام العقل البشري عن حقيقة منهجيَّة على درجة كبيرة من الخطورة: إنَّ التاريخ البشري لا يتحول فوضى، وعلى غير هدف، وإنَّما تحكمه سنن ونواميس كتلك التي تحكم الكون والعالم والحياة والأشياء سواء بسواء، وإن الوقائع التاريخية لا تتعلق بالصدفة، وإنَّما من خلال شروط خاصة تمنحها هذه الصفة أو تلك، وتوجهها صوب هذا المصير أو ذاك. ٣ - منهج البحث الحسي (التجريبي): يُمكن القول هنا بأنه لا الكشف عن السببية، ولا القانونية التاريخية يعدل الكسب المعرف القيم الذي أحرزه العقل المسلم خصوصًا، والعقل البشري عمومًا، والذي تمثل بمنهج البحث الحسي (التجريبي) الذي كشف النقاب عنه، ونظَّمه، وأكَّده،

стр. 917

ودعا إليه كتاب اللَّه. . لقد دعا القرآن الناس إلى التبصر بحقيقة وجودهم، وارتباطاتهم الكونية عن طريق (النظر الحسي) إلى ما حولهم، ابتداءً من مواقع أقدامهم وانتهاءً بآفاق النفس والكون) (١). جـ- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به من خلال المواقف ، وهذا جانب آخر له أهميته في تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، ولا سيما أن التاريخ أصبح في العصر الراهن من أهم الوسائل التي تستخدم التوجيه الشعوب وتربيتها كما استعان به أصحاب المذاهب الفكريَّة في فلسفة مذاهبهم وتأييدها وإيجاد سند تاريخي لها، بل إنَّ الأوروبيين ينظرون له نظرة تقديس وإجلال، ويطلبون منه تفسير الوجود وتعليل النشأة الإنسانية. . . ودراسة التاريخ الإسلامي وبالأخص السيرة النبويَّة، وتاريخ الخلفاء الراشدين، والفتوحات الإسلاميَّة، وسير العلماء والمجاهدين، والقادة من سلفنا الصالح) (٢)، تسهم في تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، لأنها بمثابة النماذج للقدوة الصالحة في حياة الأُمَّة من خلال مواقفهم الملتزمة بالإسلام والمنبثقة من الاعتزاز به. وتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة ينطوي على صفحات ناصعة لتلك المواقف، وهي من الكثرة بمكان، ولا يُمكن الإحاطة بها، ويقتصر هنا على ذكر موقفين -فقط- بصفتها من النماذج التي توضح بجلاء الالتزام بالإسلام

стр. 918

والاعتزاز به في أيّ موقف تاريخي حاسم. . .، وأول هذه المواقف ذلك الموقف الحازم الذي وقفه الرسول ﷺ من مساومات قريش التي طالبوه من خلالها بالتخلي عن دعوتهم إلى الإسلام على أن يغدقوا عليه من الأموال ما يغنيه، وإذا كانت له رغبة في الرئاسة نصبوه لرئاستهم، وإذا كان ما يحس به مسًا من الجنون طلبوا له العلاج، فكان موقف الرسول ﷺ زهدًا وترفعًا في كل ما عرضوا، سواء بما كان في مقالهم من جدٍّ أو سخرية، وكذا ما حمل الإغراء بالثراء والجاه، أو التلميح بالمجابهة والقسر (١)، وكان التزامه ﷺ بالإسلام مرتكزًا على أنَّه رسالة ودين ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. وقد سجلت مصادر السيرة هذا الموقف؛ حيث اتفقت قريش على أن يفاوض عتبة بن ربيعة الرسول ﷺ على أمور لعله يقبل بعضها فيعطونه ويكف عن دعوتهم إلى الإسلام: (فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا بن أخي، إنَّك منَّا حيث قد علمت من السِّطة (الشرف) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنَّك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به ما مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تعبل منها بعضها. . .، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "قل يا أبا الوليد، أسمع"، قال: يا بن أخي، إن كنت إنَّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا (ما يظهر للناس من الجن) تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك

стр. 919

الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنَّه رُبَّمَا غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه؛ أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللَّه ﷺ يستمع منه؛ قال: "أقد فرغت يا أبا الوليد فاستمع مني"، قال: أفعل؛ فقال: بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ. . .﴾ [فصلت: ١ - ٥]، ثمَّ مضى رسول اللَّه ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلمَّا سمعها منه عتبة: أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثُمَّ انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى السجدة منها (١)، فسجد ثُمَّ قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فانت وذاك" (٢). والشاهد من هذا الموقف أن الرسول ﷺ ارتفع فوق مساومات قريش ملتزمًا بما جاءه من الحق الذي كان مصدر اعتزازه أنَّه مبينًا لا يملك لنفسه ولا لقريش أو غيرهم نفعًا ولا ضرًّا، وإنَّما يتبع ما يوحى إليه، ويمضي فيما أمره ربه حتى تعلو كلمة الحق، وفي موقف آخر قال ﷺ لعمه أبي طالب حين أتعبته قريش وهي تنهاه عن مناصرة ابن أخيه، فجاء إلى الرسول ﷺ يطلب منه الإبقاء عليه وعلى نفسه وألَّا يحمله ما لا يطيق (٣) (كما جاء في الخبر)، فقال له الرسول ﷺ : "يا عمِّ، واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه، أو أهلك فيه ما تركته" (٤).

стр. 920

بهذا رسم المصطفى ﷺ منهج الالتزام بالإسلام والاعتزاز به، وكان موقفه ذلك أحسن أسوة لأمته إلى أن يأتي أمر اللَّه، قد سار الصحابة الكرام على هذا، ففي موقف آخر لجعفر بن أبي طالب (١) بين يدي النجاشي، ما يؤكد هذا التوجه الحاسم الواضح الذي ينبثق من الاعتزاز بالإسلام الذي هو دين اللَّه الحق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد. وخلاصة هذا الموقف؛ أن جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين في الحبشة في جوار النجاشي، تعرضوا لكيد قريش؛ إذ أرسلت اثنين من دهاتها لاسترجاعهم ورسموا لذلك خطّة ماكرة على أن يسلمهم النجاشي من عنده من المهاجرين دون أن يكلمهم لئلا يتأثر بما عندهم من الحق، ولكن النجاشي أبي إلَّا أن يسمع جواب المهاجرين عنده على دعوى قريش فأرسل إليهم (فلمَّا جاءهم رسوله اجتمعوا، ثُمَّ قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قال: نقول واللَّه ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما كان، فلمَّا جاؤوا، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله سألهم؛ فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟. . فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث اللَّه

стр. 921

إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللَّه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد اللَّه وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والصيام. . . (وعدَّدَ عليه أمور الإسلام، ثُمَّ قال:) فصدقناه وآمنَّا به، واتبعناه على ما جاء به من اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده، لا نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه تعالى، وأن نستحلّ من الخبائث، فلمَّا قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيُّها الملك. . . فقال له النجاشي: هل معك مِمَّا جاءبه عن اللَّه من شيء؟. . . فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ؛. . . فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾. . . فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم، ثُمَّ قال النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به عيسى. ليخرج من مشكاة واحدة؛ انطلقا [والضمير يعود للاثنين اللذين أرسلتهما قريش]، فلا واللَّه لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون) (١). وإذا كان هذا الموقف في حد ذاته كافيًا في الدلالة على التزام بالإسلام والاعتزاز به في موقف حرج، وفي ظل خطة ماكرة صنعتها قريش وأحكمت خطواتها، إلَّا أن الخبر لا ينتهي هنا والموقف له بقية تؤكد صرامة المسلم

стр. 922

وشدة اعتزازه بإسلامه والتزامه به، وهو موقف يعكس تميز الأُمَّة الإسلاميَّة ممثلًا في جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة. أمَّا بقية الخبر ومن ثَمَّ تمام الموقف فإنَّ عمرو بن العاص -وهو أحد رسولي قريش- لم يفقد الأمل، ولَمْ يخشع قلبه في هذا المقام لما سمع من الحق بل قال: (واللَّه لآتينَّه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم. . . ثُمَّ غدا عليه من الغد، فقال: أيُّها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عمَّا يقولون فيه، فأرسل إليهم ليسألهم عنه. . .، فاجتمع القوم [المهاجرون من المسلمين في الحبشة]، ثُمَّ قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول واللَّه ما قاله اللَّه، وما جاءنا به كائنًا في ذلك ما هو كائن. . .، فلمَّا دخلوا عليه، قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟. . . قال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد ﷺ ، هو عبد اللَّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. . . فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثُمَّ قال: واللَّه ما عدا عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العود) (١). وتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة مملوء بمثل هذه المواقف، وقد سبق ذكر موقف أبي بكر الصديق ﵁ في مواجهة حركة الردَّة، بقتال المرتدين وكيف أنَّه التزم الإسلام، واعتز به في أحلك المواقف، وعلى الرغم من الأخطار المحدقة بالأُمَّة، فقد سار السلف الصالح ومن تبعهم من الأُمَّة

стр. 923

الإسلاميَّة على هذا المنهج (١)، وكانت مواقفهم التاريخيَّة وما أنتجته من حضارة رائدة، من أعظم وسائل تميّز الأمَّة الإسلامية، وفي هذا ما يؤكد على أن هذا (الدين والاستمساك به وإقامة دعائمه، أساس ومصدر لكل قوة، وهو السياج لحفظ كل حق من مال وأرض وحريّة وكرامة، ومن أجل هذا كان واجب الدعاة إلى الإسلام والمجاهدين في سبيله أن يجندوا كلّ إمكاناتهم لحماية الدين ومبادئه، وأن يجعلوا من الوطن والأرض والمال والحياة وسائل لحفظ العقيدة وترسيخها، حتى إذا اقتضى الأمر بذل ذلك كله في سبيلها وجب بذله؛ ذلك أن الدين إذا فقد أو غلب عليه، لم يغنِ ما وراءه من الوطن والمال والأرض، بل سرعان ما يذهب كل ذلك أيضًا، أمَّا إذا قوي شأن الدين، وقامت في المجتمع دعائمه، ورسخت في الأفئدة عقيدته، فإنَّ كل ما كان قد ذهب في سبيله من مال وأرض ووطن يعود أقوى من ذي قبل حيث يحرسه سياج من الكرامة والقوة والبصيرة. . . ولقد جرت سنة اللَّه في الكون على مر التاريخ أن تكون القوى المعنويَّة هي الحافظة للمكاسب والقوى المادَّية، فكلما كانت الأُمَّة غنيَّة في خلقها وعقيدتها السليمة ومبادئها الاجتماعية الصحيحة؛ فإن سلطانها المادي يغدو أكثر تمسكًا، وأرسخ بقاءً، وأمنع جانبًا) (٢). * * *

стр. 924

الوعي الثقافي الشامل يعد الوعي الثقافي الشامل من أهم وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ الوعي أولًا بالثقافة الإسلاميَّة من حيث شمولها وكمالها وأصالتها، والتميُّز في مصادرها، وتطبيقاتها، ومدلولاتها وظلالها الواسعة المتكاملة التي تتناول جميع جوانب الحياة، والوعي من جهة أخرى بالثقافات الأخرى والتي تختلف في مصادرها، ومقوماتها، وأهدافها عن الثقافة الإسلاميَّة، وقيمها ونظرتها للكون والإنسان والحياة، وتختلف كذلك عنها في المنابع الأولى، والغايات والمقاصد. فأمَّا الوعي بالثقافة الإسلاميَّة فإنَّه من أهم وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ لأنَّه يعني معرفة شخصية الأُمَّة، ويحدد ملامح هويتها، ويبرز ذاتيتها الخاصَّة، وعلى الرغم مِمَّا يثار حول معنى (الثقافة) واستخداماته في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة ومصادر علومها ومعارفها، وأنَّه لم يعرف على النحو الذي يعرف به في العصر الحديث بصفته مصطلحًا أصيلًا، أو أنَّه قد نقل عن مصطلح أجنبي. . .، فإنَّ المصادر الإسلاميَّة تشتمل على (الثقافة) في مصادر اللغة العربيَّة، وفي مصادر العلوم الشرعيَّة. وعلى سبيل المثال ما أورده أبو نعيم الأصفهاني في مقدمة كتابه (دلائل النبوة) إذ قال: (ثُمَّ إنَّ هذه النبوة. . . لا تتم إلَّا بخصائص أربعة يهبها اللَّه لهم، كما أنَّ إزالة علل العقول لا تتم إلَّا بالسلامة من آفات أربعة، يعصم منها) (١).

стр. 925

وبعد أن يرتب كمال الخصائص الأربعة بانتفاء الآفات الأربعة، يذكر تلك الخصائص قائلًا: (فالمواهب الأربعة؛ أولها: الفضيلة النوعيَّة، وثانيها: الفضيلة الإكرامية، وثالثها: الإمداد بالهداية، ورابعها: التثقيف عند الزَّلة) (١)، فدلَّ رابعها على مكانة الثقافة في تحصين شخصية الأُمَّة، وكمال المحافظة على ذاتيتها وهويتها. وهذا ما قرَّره أبو نعيم الأصفهاني؛ فهو بعد أن يذكر الآفات الأربع التي يعصم اللَّه منها الأولياء. . يشرع في شرح المواهب الأربعة إلى أن يقول في معنى التثقيف عند الزَّلة: (يثقفه بها صيانة لمحله، وحفاظًا لحراسته، واستقامته، علمًا منه بأنَّ من ينته عن فلتاته أوشك أن يألفه ويعتاده، فاللَّه لطيف بعباده، الوافي لأوليائه بالنصر، والتأييد، ولا يعدم وافده وصفيه المرشّح لحمل النبوة؛ التنبيه والتثقيف، وإليه يرجع قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، وقوله لداود ﵇: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢]، وقوله لسليمان ﵇: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤]. وقوله لمحمد ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وقوله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥]، فهذه الخصائص الأربعة لا تنال بالاكتساب والاجتهاد؛ لأنَّها موهبة إلهية، وأثرة علويَّة، حكمها معلقة بتدبير من له الخلق والأمر، ولا يظهرها إلَّا في أخص الأزمنة، وأحق الأمكنة، إحساس الحاجة الكليَّة، وإطباق الدهماء على الضلال من البريَّة، وكلها أعلى من أن تفوز به العقول الجزئية، أو تحصلها المساعي المكتسبة، وإليه يرجع قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ

стр. 926

يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقوله: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وقوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (١). إنَّ هذا التأصيل لعلم الثقافة الإسلاميَّة ينصب على جانب مصدرها، وأنها جزءٌ من علم النبوة له حقله ومجاله، وقد وجد من الأُمَّة الإسلاميَّة العناية التامَّة عبر تاريخها، وعلى الرغم من ذلك ذهب بعض الباحثين إلى القول بأنَّ (الثقافة مفقودة في أغلب المعاجم الكبرى، وهي تفيد العمل بالسيف، وِحذْقُ الشيء، والفطنة) (٢)، ويواصل قوله عن تعريف المعاجم لها بأنها (العلوم والمعارف والفنون والآداب التي يطلب الحذق بها) (٣). ثُمَّ يستخلص من ذلك أنَّ (التعريفات القديمة تفيد بصفات أخلاقيَّة، والتعريفات الحديثة تفيد باكتساب المعارف العامَّة، مِمَّا لا يحيط بمفهوم الثقافة المجازي الحديث، وما له من صلة بمفاهيم أخرى أساسيَّة) (٤). ولتجلية هذا الأمر يتناول البحث هنا ناحيتين: الناحية الأولى: مفهوم الثقافة؛ هل هي (مصطلح عربي في أصله ومعناه ومبناه؟ أم هو ترجمة لمفهوم أجنبي) (٥)، وقد تصدى للإجابة على ذلك كثير من علماء الأُمَّة ومفكريها، وأثبتوا بأنَّ (الثقافة): (كلمة عربيَّة

стр. 927

أصيلة، ولها وجود مستمر في اللغة العربيَّة، وإن كانت دلالاتها تتراوح بين المعاني الحسيَّة المادية والمعنويَّة من جهة، وبين الحقيقة والمجاز والتخصيص من جهة أخرى، وفقًا لظروف الزمن، وملابسات الاستعمال، ووجهات النظر في التفسير والتحديد) (١). فهي في أصلها اللغوي ترجع إلى الفعل (ثَقُفَ) على وزن (كَرُم) و (ثَقِفَ)، على وزن (فَرِحَ)، ولها في الحالتين دلالتان: إحداهما حسيَّة ماديَّة، وثانيتهما معنويَّة (٢). وواضح مِمَّا تقدم أنَّ الفعل بصورتيه المذكورتين (ثَقُفَ) بضم القاف، و (ثَقِفَ) بكسرها فعل لازم، وقد يأتي هذا الفعل متعدّيًا ولكن على وزن واحد فقط هو (ثَقِفَ) بكسر القاف (يَثْقَفُ) بفتحها؛ (كسَمِعَ، يَسْمَعُ)، وهو في هذه الحالة ذو دلالات عدَّة لكنها جميعًا دلالات معنويَّة لا ماديَّة، فمن معانيه: إدراك أوصاف الشيء أو الظفر به، وعلى هذا المعنى الأخير جاء قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ومن معانيه في هذه الحالة -أيضًا- (وهو المراد في سياق المفهوم) حذق الأمور والبراعة فيها يقال مثلًا: ثَقِفَ الرجل العلم والصناعة ثقافة، أي: حذقهما وبرع فيهما، وللفعل من هذه المادة ذاتها صورة أُخرى هي صورة التضعيف (ثقَّف)؛ فيقال: ثَقَّفَ الشيء، أو الرمح تثقيفًا؛ بمعنى: أقام المعوج منه وسوّاه، وهو في الأصل ذو معنًى مادي، ثُمَّ توسِّع فيه بالتوليد الدلالي لينتظم المعنى والمعاني (غير) المادية -أيضًا -كما في: ثقَّف الغلام: أي أدَّبه وهذّبه

стр. 928

وعلمه (١)، وهكذا فإذا كان لكلمة الثقافة بهذا البناء بصورتها تلك دلالتان عامتان في أصل الاستعمال، إحداهما: مادية، والأخرى: معنويَّة؛ فإن بين الدلالتين صلة ونسبًا من نوع ما، إنهما تشتركان في مطلق المعنى وجوهره (٢). وهذا التأصيل لمعنى (الثقافة) في اللغة العربيَّة، يؤكد (بأنَّ كلمة (ثقافة) بوصفها مصطلحًا فنيًّا ذا مفهوم خاص لما يُعْرف اليوم ليس ترجمة لكلمة، أو مصطلح أجنبي، أو تعريبًا لمفهوم أجنبي كما يدعي بعض الدارسين غير العارفين بأصول العربيَّة) (٣)، فقد استخدمت في تراث المفكرين القدماء من العرب والمسلمين بمفهومها العام، ثُمَّ أصاب ذلك المفهوم بمرور الزمن التخصيص وتضييق المجال، ومع ذلك فإنَّه لا زال محافظًا على دلالته الجوهريَّة في جوانبها الماديَّة والمعنويَّة، المنقول منها والمنقول إليها، وأنَّ هناك قدرًا مشتركًا في المعنى الأساس على إطلاقه، الذي يعني الصقل والتهذيب، وجعل الإنسان أو الشيء سويًّا لا اعوجاج في عمله أو سلوكه (٤).

стр. 929

الناحية الثانية: الثقافة الإسلاميَّة بصفتها من أنجع الوسائل في تحقيق تميز الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها وحضارتها، ذلك أن الثقافة الإسلاميَّة ذات أصالة، (ودعامة الأصالة الثقافية للأمَّة الإسلامية هي "الفهم الصحيح لكتاب اللَّه وسنّة رسوله ﷺ ، والتفقه في الدين، واستيعاب التاريخ الإسلامي، وحل المشكلات المعاصرة للمجتمع الإسلامي من خلال تحكيم شرع اللَّه ﵎ تحكيمًا كاملًا من غير تأويل تمليه الأهواء، أو تحمل عليه نزعة الانهزام الفكري والنفسي أمام التيارات المعادية الطاغية. . . . ولا تتحقق هذه الأصالة إلَّا بالإحاطة الشاملة بالإسلام عقيدة وعبادة وتشريعًا وخلقًا) (١). وأمَّا الوعي بالثقافات الأُخرى، فإنَّ الثقافة الإسلاميَّة في بعض جوانبها (تتعرض لكافة أشكال التفاعل والتأثير المتبادل، فالثقافة تشكل هويَّة زمنيَّة لحياة الأُمَّة. . وتحمي الأُمَّة من عوامل التذوب والتشكيك والاختراق (٢) وهي ثقافة ذات إيجابيَّة ونزعة إنسانية فريدة طالما افْتُقِدَت في غيرها من الثقافات الأُخرى. يقول أحد المفكرين: (إنَّ المعنى الإنساني للثقافة الإسلاميَّة واضح في كل جوانبها؛ لأنَّها ثقافة منبثقة عن المفاهيم والمثل الإنسانية العليا، في أوسع آفاقها، وأسمى أهدافها) (٣)، ويؤكد في صدد حديثه عن رعاية الثقافة الإسلاميَّة للوحدة الأنسانية والمثل العليا أنَّ المعنيين بدراسة الثقافات البشريَّة افتقدوا هذا المعنى في تلك الثقافات مستشهدًا ببعض

стр. 930

أقوال الباحثين الذين شاركوا في المؤتمر العام لليونسكو، ونشرت في كتاب (أصالة الثقافات)، وما دعا إليه بعضهم من (إنشاء نظام إيجابي عالمي يلبي مطامح الشعوب. . . مشيرًا إلى أن على هذا النظام أن يعدل طبائع الشعوب وأوضاعها وعاداتها، مستندًا في ذلك إلى المكتسبات العقليَّة والخلقية، ومبتكرات الأفراد -في الإطار العالمي طبعًا- في ميدان الفكر والعمل والتعبير) (١)، وأنَّ البيان المشترك لمجموعة الخبراء المجتمعين صدر بدعوة من اليونسكو لدراسة المشكلات الناشئة عن الاتصالات والعلاقات بين الحضارات في العالم الراهن (٢)، وقد جاء فيه (إنَّ جامعة عالميَّة في المثل العليا والتطلعات تنبجس ببطء، ويُمكن أن تكون أساسًا للمنظمات السياسية، والمبادلات الاقتصادية الدولية، فإذا توصلت الأمم إلى أن تتفاهم، حل الثقة محل الخوف والتوترات، وأصبح من الممكن -في إطار قيم مفهومة ودوافع معروفة- أن يتوصل التعاون الاقتصادي، والاتفاق السياسي إلى نهاية موفقة حقيقية، أمَّا إذا أغفل هذا الإطار الثقافي، أو حطمته سرعة التبدلات التي تهدد التطور، وتكييف القيم، فإنَّ التقدم المادي والمصالح الخاصّة تكون معرضةً هي الأخرى للخطر) (٣). وينتهي البيان بالتأكيد على النزعة الإنسانية لذلك الإطار الثقافي فيقول: (إنَّ مشكلة التفاهم الدولي هي مشكلة علاقات بين الثقافات، فمن هذه العلاقات بين الثقافات يجب أن ينبثق مجتمع عالمي جديد، قوامه التفاهم

стр. 931

والاحترام المتبادل، وهذا المجتمع يجب أن يأخذ صورة نزعة إنسانية جديدة، يتحقق فيه الشمول بالاعتراف بقيم مشتركة تحت شعار تنوع الثقافات) (١). وبالنظر لتاريخ الإسلام وحضارته يتبين أن الثقافة الإسلاميَّة سابقة إلى الدعوة لهذه النزعة الإنسانية التي تدعو إلى احترام الإنسان من حيث هو إنسان، واحترام كل ما يتصل به من الأشياء والأحياء، ولا أدل على ذلك من قول الرسول ﷺ في حلف الفضول (٢)، فقد رُوي أنَّه قال: "لقد شهدت في دار (عبد اللَّه بن جدعان) حِلْفًا، ما أحبُّ أنّ لي به حمر النعم، ولو أُدْعَى به في الإسلام لأجبت" (٣)، وما رُوي عنه ﷺ في حادثة وضع الحجر

стр. 932

في مكانه من بناء الكعبة حيث (إنَّ القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثُمَّ بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتحالفوا؛ وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثُمَّ تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعَقَة الدّم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليالٍ أو خمسًا، ثُمَّ إنَّهم اجتمعوا في المسجد، وتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض أهل الرواية: أنَّ أبا أميَّة بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذٍ أسنّ قريش كلها، قال: يا معشر قريش: اجعلوا بينكم -فيما تختلفون فيه- أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا؛ فكان أول داخل عليهم رسول اللَّه ﷺ ، فلمَّا رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ : هَلُمَّ إليَّ ثوبًا، فأُتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثمَّ قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثُمَّ ارفعوه جميعًا، ففعلوا، حتى بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثُمَّ بنى عليه) (١). إن الثقافة الإسلاميَّة بصفتها سمة ذاتيَّة وموهبة ربانية من جهة، وبصفتها سمات مكتسبة من جهة أخرى، تصدر في هذا وذاك عن ذلك

стр. 933

الحذق والذكاء والتوفيق الذي اتسم به موقف الرسول ﷺ وهو يتصدَّى لحل مشكلة وضع الحجر الأسود في مكانه من بناء الكعبة، وقد كان حلًا موفقًا يصدر عن عبقرية وموهبة ربانيَّة عصم اللَّه بها الدماء والحرمات، تصدر الثقافة الإسلاميَّة -أيضًا- عن ذلك القول النزيه الطاهر من المصطفى ﷺ في حلف الفضول ما يرمز إليه من دعوة الثقافة الإسلاميَّة إلى السلام الشامل العام المرتكز على الحق والخير والفضيلة ذلك أن قريشًا عندما اجتمعت (تعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلَّا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول) (١)، وقد جاء في بعض الأحاديث تفسير هذا الاسم بأنَّه انبثق من كونهم (تحالفوا أن تردّ الفضول على أهلها، وألا يَعُزَّ ظالمٌ مظلومًا) (٢) لذلك سمّي (حلف الفضول). وستبقى الثقافة الإسلاميَّة الرائدة في هذه القيم السامقة، ولن يتأتى لغيرها من الثقافات الأُخرى ما يتأتى لها في هذا المضار، وما ذلك إلَّا لأنها في وحدتها (المترابطة المتناسقة ترتكز من وجهة نظر الإسلام على أساس منطقي قوي وهو: أن الحقائق لا يُمكن أن تكون متناقضة، ولَمَّا كان الإسلام قد قدَّم للبشرية الحقائق كاملة، وحسم بذلك كل المنازعات

стр. 934

والخلافات التي ثارت حول كثير من قضايا الإنسان والكون والحياة، فإنَّه قد أرسى دعامة الوحدة الفكرية والروحيَّة على قاعدة المنهج الرباني الذي هدم الخرافات والأوهام والتناقضات، برد الأمر في هذه القضايا إلى اللَّه ، ومن هنا لم يستطع أعداء الإسلام أن ينفذوا إلى كيانه الاعتقادي والفكري والروحي والتشريعي، المرتكز على الوحدة الدينية الأصليَّة، التي تستجيب لها القلوب، وتنشرح لها الصدور، وتتفاعل العقول، ليهدموه جملة، بل لجؤوا إلى أسلوب التفريق والتمزيق. . . تفريق المسلمين إلى شيع وطوائف وأحزاب، وتمزيق وحدة عقيدتهم ونظامهم بإثارة الشبهات، ونشر الافتراءات، وتشويه حقيقة الإسلام) (١). أمَّا الثقافات الأخرى فإنها في مسارها العام وفي مجملها ثقافات مرتكزة (على النظرات البشريَّة والفلسفات المحدودة، المرتبطة بقيود الزمان والمكان، والخاضعة لمؤثرات البيئات والظروف، والمتأثرة بالأزمات النفسية والهزات الاجتماعيَّة، وما ينجم عنها من ردود الفعل التي يبعدها عن العمق والصدق والاتزان. . . إن هذه الثقافات -وهذا حالها- إنَّما تعيش في الحقيقة خارج دائرة الوجدان الإنساني في أصالته ونقائه، فهي بعيدة كل البعد عن أيّ نزعة تحفظ للإنسان مكانته الرفيعة التي أكرمه اللَّه بها، ولا تملك إلَّا أن تسوق الإنسان بنزعة القوة التي تسيطر بها عليه سيطرة تسلب بها حريته، أو نزعة الخديعة التي تسلبه بها كرامته، أو بهما معًا، كما هو حال كثير من الأمم والشعوب في ظل هذه الفلسفات الماديَّة المنحرفة التي استطاعت أن تتخذ من السلطة منطلقًا لممارسة نزعة القوة والخديعة في آن واحد) (٢).

стр. 935

وخلاصة القول: إنَّ الوعي الثقافي الشامل بشقيه الوعي بالثقافة الإسلاميَّة ومنهجها الرباني ونزعتها الإنسانية ورسالتها العالميَّة، وما تتسم به من الدعوة إلى الخير والسلام والفضيلة، ومكافحة الشر والفتنة والرذيلة، والوعي بالثقافات الأُخرى مقارنة بالثقافة الإسلاميَّة وما يُمكن أن يرفض منها، وما يقبل، وما يُمكن اعتباره جسورًا للتواصل بين المسلمين وغيرهم في جوانب المعطيات المكتسبة من الثقافة. إنَّ الوعي الشامل بذلك كله يعد من أنجع الوسائل لتحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة. * * *

стр. 936

التعاون والتكامل التعاون والتكامل؛ بوصفه وسيلة من وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلامية وقيام حضارتها، وقد سبق تناول التعاون، وأنَّه من مقتضيات الأُخُوَّة الإسلامية ووحدة الأُمَّة، وتبين أنّ التعاون إنَّما يكون على البر والتقوى، وليس على الإثم والعدوان، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وبهذا تحقق الأُمَّة الإسلاميَّة تميزها بأنَّها أُمَّة تنطلق من الخير وتعمل من أجله، وتلتزم في أقوالها وأفعالها بتقوى اللَّه، وكلما التزمت بهذا المبدأ كانت آثارها في التاريخ والحضارة غايةً في الإبداع والتنمية الراشدة. فبالتعاون على البر والتقوى تنهض الأُمَّة الإسلاميَّة بحمل رسالتها وأداء أمانتها في الحياة، وقد أثبت الواقع التاريخي والحضارة الإسلاميَّة (أنَّ المسلمين كانوا في حياتهم الاجتماعية مثالًا حيًا. . . حينما كان الإسلام قوة حيَّة فاعلة في قلوبهم وعقولهم، يستلهمونه في صياغة حياتهم، وفي إقامة العلاقات بينهم، وكان هذا من أعظم أسباب قوتهم القاهرة التي تفوقوا بها على غيرهم، على الرغم مِمَّا كان يملك من آلة الحرب الضخمة، والثروة الوفيرة، والخبرة العريقة التي كان المسلمون يفتقدونها، لقد كانوا كما وصفهم اللَّه تعالى بنيانًا مرصوصًا متلاحمًا ليس فيه ثغرات، بينما كان عدوهم بناءً منهارًا تتخلله الثغرات الناجمة عن فساد تركيبه الاجتماعي، الناشئ عن امتهان كرامة الإنسان فيه، نتيجة اعتبار تلك الكرامة رهينة أمور غير إنسانية، هكذا كانوا، ولكنهم حين تخلوا عن هدى اللَّه، ولم يعد الإسلام هو الذي يقرب بينهم تخلت عنهم قوتهم، وغلبهم

стр. 937

على أرضهم وأنفسهم غيرهم؛ لأنَّ سبب القوة فارقهم. إنَّ القوة شيءٌ ينبع من داخل النفس الإنسانية، وما الأموال، والأسلحة، والمؤسسات إلَّا وسائل تستخدم لتحويل تلك القوة إلى إنجازات عسكرية أو حضاريَّة، أمَّا الوسائل نفسها فلا تعطي الإنسان قوة يفقدها في داخل نفسه، إنَّ القفزات الحضارية. . العظمى في تاريخ كل أُمَّة ليست ناشئة من وجود قوة مادَّية طارئة كانت تفتقدها تلك الأُمَّة، وإنَّما هي ناشئة من روح أتدب، في أعماق الكثرة العظمى من أبناء تلك الأمَّة، فتحولها من مجرد كميَّة بشريَّة هائلة إلى قوة فاعلة في التاريخ، وكان الإسلام هو الروح التي غيرت العرب وغيرهم تغييرًا نوعيًا، فجعلت منهم -بعد أن كانوا كميَّة مهملة في تاريخ منطقتهم والعالم- قوة عالميَّة فريدة في تاريخ البشرية كله؛ بانية، هادية، مشعة، مصلحة) (١). وعن هذا التحول الذي تحقق للأُمَّة الإسلاميَّة -بفضل اللَّه الذي رضي لها الإسلام دينًا وأكمله وأتمَّ به نعمته عليها- يقول جواد علي: (وعندي أنَّ الإسلام، هو الذي صيَّر قريشًا المذكورة في الكتب، وهو الذي سودها على العرب وجعل لها المكانة الأولى. . .، ولولا الإسلام، لكانت مكة قرية من القرى، لبعض أسرها ثراء حصلت عليه بفضل نشاطها، وتقرب رجالها إلى سادات القبائل، وحكام العراق، وبلاد الشام، واليمن، وبفضل دعوة رجال قريش القبائل المحيطة لحج البيت، والتقرب إلى الأصنام التي كدسوها فيه وحوله. . .) (٢). ومن هنا يُمكن القول: إنَّ تعاون الأُمَّة الإسلاميَّة وتكاملها لا مناص

стр. 938

له من أن ينبع من (إحساس المسلمين العميق بوحدتهم السياسيَّة الجامعة رغم انقسامهم عمليًّا إلى دول وممالك، ورغم عمليات التقسيم والتجزئة التي فرضت عليهم، لقد كان المسلمون عشية اصطدامهم مع الغرب الاستعماري الحديث موزعين بين خمس دول رئيسة هي: الإمبراطوية المغوليَّة في الهند، والدولة الصفويَّة في فارس، والدولة المملوكيَّة في مصر والحجاز والشام، والدولة العثمانية في تركيا وآسيا الصغرى، والدولة السعدية في المغرب، وعلى الرغم من ذلك فقد كان إحساس المسلمين بوحدتهم الجامعة أقوى من أن تحده هذه التقسيمات السياسيَّة التي تقوم على أساس الصراع على السلطة بين الحكام، ذلك الصراع الذي كان من أعظم أسباب شقاء هذه الأُمَّة وضعفها، لكن هذا الصراع بكل آثاره السيئة لم يقضِ على إحساس المسلمين بوحدتهم، وأكبر دليل على ذلك أنَّه ما أن يتهدد العالم الإسلامي خطر خارجي داهم حتى تراهم جميعًا يتنادون للتوحيد أمام هذا الخطر، متجاوزين ما بينهم من خلافات) (١). وستبقى مجالات التعاون ومقتضيات التكامل مفتوحة الأبواب بين شعوب الأُمَّة الإسلاميَّة ودولها على تباعد أقطارها، وتنوع دولها، وستجد الأُمَّة من الوسائل والأساليب الحضاريَّة المعاصرة ما يعزز ذلك التعاون والتكامل كلَّما التزمت بهدي الإسلام وشرعه شريطة أن يكون تعاونها منبثقًا من مفهوم البر والتقوى، وسيكون ذلك من أعظم ما يحقق للأُمَّة تميُّزها، ويتيح لها الفاعليَّة الخيِّرَة في التاريخ والحضارة، ولعل من النماذج الحيَّة في العصر الراهن ما تشهده الأُمَّة الإسلاميَّة من دعوات إلى التضامن الإسلامي، وغيرها من الأعمال والروابط التي يتحقق من خلالها التعاون

стр. 939

والتكامل بأساليب عصريَّة، ووسائل متحضرة، مثل عقد مؤتمرات الفقه الإسلامي وما تقدمه من حلول لمشكلات الأُمَّة الإسلاميَّة المعاصرة، بل ومشكلات الإنسانية بعامَّة، ومثل رابطة العالم الإسلامي، ونحو ذلك من الأعمال التي تؤكد فاعليَّة الأُمَّة الإسلاميَّة في التاريخ والحضارة، وتثبت قدرتها على العطاء للإنسان قاطبة (١). * * *

стр. 940

الدعوة والجهاد الدعوة والجهاد؛ باعتبارهما من أنجع الوسائل في تحقيق تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وهما جناحا انتشار الإسلام، ونشوء تاريخه وحضارته، فالأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة دعوة وجهاد، ولها منهجها المتميِّز في تطبيق هذين المبدأين اللذين أعطيا تاريخ الإسلام وحضارته طابعه الفريد، وبهما تحقق تميُّز الأُمَّة، فالدعوة إعلام بذاتية الأُمَّة، والجهاد تأكيد لها ودفاع عن وجودها من عدوان غيرها أو جعلها بالقهر والاستبداد تحت نير سيادة أمم أخرى. أمَّا الدعوة فإنها تنبثق من قول الحق : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (١)، (فهو إعلان تشمل مساحته الزمنية جميع الأجيال، ومساحته المكانية تسع العالم كلَّه. . .، ومسلك النبي ﷺ وأصحابه من بعده، وإجماع المسلمين في كل مكان يدل على عالميَّة هذه الدعوة. . ويترتب على ذلك. . مواصلة نشر الدعوة وإبلاغها للناس. . .، ولما كانت الدعوة الإسلاميَّة دعوة عالميَّة في الزمان والمكان جاءت أنظمتها شاملة لجميع شؤون الحياة، ومتطلبات المجتمعات في كل زمان ومكان، فهي تشمل أمور العقيدة، والعبادة وما يتفرغ عنهما من أنظمة للحياة) (٢). ولأنَّ الإسلام هو دين اللَّه المختار لجميع المكلفين، وهو الدين

стр. 941

الخاتم إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ولا يقبل اللَّه من مكلف دينًا سواه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ولأنَّ دَعوة الإسلام ترتكز على عقيدة التوحيد الخالص للَّه وتحقيق العبوديَّة له، بما يتوافق مع الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها؛ فقد (دعا اللَّه ﵎ الناس جميعًا -في غير إكراه- إلى اتباعها؛ لأنها دعت إلى عقيدة التوحيد التي دعا إليها الرسل، وفاصلوا أقوامهم عليها، فوضح للناس جميعًا منذُ خلق آدم أبي البشر أن جميع ما أنزله، هو في حقيقته كتاب واحد ورسالة واحدة، تلخصت كلها في القرآن الكريم، فلا مدعاة للاختلاف بينهم إذا صدقوا العزم، وأخلصوا القصد، ونبذوا البغي والعصبيَّة، في هذا يقول جلَّ شأنه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. . .، إنَّ الحق ﵎ لم يترك عباده هملًا دون أن يبين لهم ما يتقون، فما دام قد بين لعباده أنَّه قد ضمن لهم الرزق في حياتهم الدنيا، فلا بدّ أن يتضمن كتابه له ما يضرهم، وما ينفعهم في مسار حياتهم المتعددة الجوانب، في شتّى صورها بدءًا من واجب الفرد إلى نظام الأُسرة مرورًا بشرائع الأمَّة. .، ثُمَّ بعد ذلك لا يقف جهد النظام الإسلامي عند هذا الهدف وإنَّما يبني أحكامه على وحدة شاملة لجميع أهل الأرض أعلنها اللَّه تعالى في كتابه. .، فشمول الرسالة المحمديَّة للنظام يحكم الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، فضلًا عما يدعو اللَّه إليه من وحدة أهل الأرض جميعًا تحت راية الإسلام، لا يستهدف علوًّا في الأرض ولا فسادًا، وإنَّما يستهدف تمكين سلطان الدين في الأرض. .، ثُمَّ يظل نداء اللَّه للمؤمنين والمؤمنات يعلو بخصوصية ما ميَّزهم

стр. 942

اللَّه به على طوائف البشر جميعًا، وبما حققه المؤمنون أنفسهم من إدراك عملي لجوهر رسالة التوحيد في الأرض) (١). والدعوة إلى هذا الحق وإلى صراط اللَّه المستقيم جوهر رسالة الرسول ﷺ للناس كافة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقد حمل الرسول ﷺ عبءَ الرسالة فبلغ عن ربه، واستفرغ في ذلك جهده، والدّارس لسيرته الشريفة يقف على حقيقة أنَّه ﷺ كان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن في (جميع الأماكن والأزمان والأحوال، ودعا جميع أصناف الناس، كما استخدم جميع الأساليب والوسائل المشروعة المتاحة له. . .، ويدعو فوق الجبل، وفي المسجد، والطريق، والسوق، وفي منازل الناس في المواسم، وحتى في المقبرة، كما يقوم بالدعوة في الحضر والسفر، وفي الأمن والقتال، وفي صحته ومرضه، وحينما كان يزور أو يزار، وكان يوجه دعوته إلى من أحبوه، ومن أبغضوه، وآذوه، ومن استمعوا إلى دعوته، ومن أعرضوا عنها، وبعث ﵇: الرسائل والرسل إلى الملوك والرؤساء ممن لم يتمكن من الذهاب إليهم بنفسه، واستمر ﵊ في أداء هذه المهمَّة الجليلة مشمرًا عن ساعديه، باذلًا كل ما في وسعه، حتى لحق بالرفيق الأعلى. . وما أكثر المواقف في سيرته المطهرة التي يتجلّى فيها حرصه الشديد على إخراج البشرية من الظلمات إلى النور، وإبعادهم عن

стр. 943

كل ما يعرضهم لغضب الرب وعذابه) (١)، وسلك الصحابة الكرام وسلف الأُمَّة الصالح هذا المسلك متأسين برسولهم ﷺ ، فقد (حفظ تاريخ الدعوة الإِسلاميَّة المشرق مواقف السلف من هذه الأُمَّة من الصحابة ومن بعدهم ﵃، وهي تدل على تحمسهم البالغ للدعوة الإِسلاميَّة، وحرصهم الشديد على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتعليمهم الكتاب والحكمة. . كانوا يبدؤون بدعوة الأعداء إلى الإِسلام قبل القتال معهم، كما كانوا يحثونهم على قبوله، ويفرحون عند استجابتهم لذلك، ويتأسفون ويحزنون لإعراضهم عنه. . بل كان الدعاة والمعلمون يُبْعَثُون إلى البلاد المفتوحة لنشر الإِسلام، وتفقيه الناس أمور دينهم) (٢). والدعوة على هذا النحو تسهم في تحقيق تميُّز الأُمَّة الإِسلاميَّة وهو ما اتسم به تاريخ الإِسلام وحضارته، وقد شهد بذلك بعض المنصفين من الغربيين مثل (سير توماس أرنولد) الذي ألف كتابًا وأسماه (الدعوة إلى الإِسلام)، وقال فيه: (إنَّ الذي دفع المسلمين إلى أن يحملوا رسالة الإِسلام معهم إلى شعوب البلاد التي دخلوها، وجعلهم ينشدون لدينهم بحق مكانًا بين ما نسميه أديان الرسالة لهي حماسة من ذلك النوع، من أجل صدق عقيدتهم، وليس موضوع هذا الكتاب، إلَّا صورة من تاريخ ظهور هذه الحماسة في تبليغ الدعوة، ودواعي وألوان نشاطها) (٣).

стр. 944

وقال -أيضًا-: (يرجع انتشار هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض إلى أسباب شتى: اجتماعية وسياسيَّة ودينيّة، على أن هناك عاملًا من أقوى العوامل الفعَّالة التي أدت إلى هذه النتيجة العظيمة، تلك هي الأعمال المطردة التي قام بها دعاة المسلمين، ووقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام متخذين من هدي الرسول ﷺ مثلًا أعلى، وقدوة صالحة) (١). ويلفت (توماس أرنولد) النظر إلى جهود التجار المسلمين والحجاج العائدين من مكة المكرمة، وطلبة العلم في نشر الدعوة إلى الإسلام، قائلًا: (وحيثما شق الإسلام طريقه نجد هناك الداعي المسلم حاملًا الدليل لعقائد هذا الدين؛ فالتاجر سواء أكان من العرب أم (الفلبي) أم (المندنجو) يجمع بين نشر الدعوة وبيع سلعته، وإن مهنته وحدها لتصله صلة وثيقة مباشرة بأولئك الذين يريد أن يحولهم إلى الإسلام، والحاج الذي عاد من مكة مليئًا بالحماسة من أجل نشر العقيدة الإِسلاميَّة التي وقف عليها كل جهوده متنقلًا من مكان إلى آخر، وطالب العلم الذي يلقى تكريمًا باعتباره رجل علم تفقه في الدين والشريعة الإِسلاميَّة) (٢). ويربط باحث آخر من الغربيين وهو (لوثروب ستودارد) بين نهضة الدعوة إلى الإسلام في العصر الحديث وبين بداية انتشارها فيقول: (لا شيءَ أدلَّ على هذه النهضة الإِسلاميَّة الحديثة "الكبرى" من هذه اليقظة الروحانية الدينيَّة التبشيرية، الناشئة والمنتشرة خلال مئة السنة الأخيرة، ولا غرابة في ذلك، فقد كان الإسلام على الدوام دين هداية الناس، وإخراجهم

стр. 945

من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، هذا التاريخ شاهد حق على ما قام به المبشرون المسلمون في أول عهد الإسلام من الأعمال الجليلة التي لم يقم بمثلها غيرهم من المبشرين، ولا ننسى أن روح التبشير ونشر الدعوة في سبيل الرسالة لم تبرح حيّة على الدوام، على انحطاط الممالك الإسلاميَّة وتدنيها، فلذلك ما انفك الإسلام طيلة القرون الوسطى ينتشر في الهند والصين، وبينما كانت الرسالة المحمديَّة تنتشر في نائي تلك الأصقاع، كان الترك ينشرونها، ويرفعون أعلامها في شبه جزيرة البلقان، وبين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، كان المبشرون المسلمون يفتحون بلاد غربي إفريقية، وجزائر الهند الهولندية، وجزائر الفليبين فتحًا دينيًا مبينًا) (١). وبعد أن يذكر ما حدث للدعوة الإسلاميَّة من خمود في أعقاب ذلك، ثُمَّ ما حدث لها في العصر الحديث من يقظة أشار إلى حقيقة لازمت الدعوة إلى الإسلام، فيقول: (وعند اعتبار شأن انتشار الإسلام هذا الانتشار، يجب أن تعلم العلم اليقين أنّ كل مسلم هو بغريزته وفطرته مبشر بدينه، ناشر له بين الشعوب غير المسلمة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وعلى ذلك إن نشر الرسالة المحمديَّة لم يقم به رجال التبشير وحدهم. . بل شاركهم فيه جماعات عديدة من السياح والتجار والحجاج على اختلاف أجناسهم، ولا يؤخذن من هذا أن لم يقم في المسلمين مبشرون (دعاة) ارتشفوا كؤوس الحمام في سبيل الدعوة الإسلاميَّة، فعديد المبشرين الذين هم على هذا الطراز كثير. .، وقد اعترف عدد كبير الغربيين بهذا الأمر، فقد قال أحد الإنكليز -في هذا الصدد- منذ عشرين سنة: "والإسلام يفوز في أواسط إفريقية فوزًا عظيمًا حيث الوثنيَّة تختفي من أمامه اختفاء الظلام

стр. 946

من فلول الصباح، وحيث الدعوة النصرانية باتت كأنها خرافة من الخرافات"، وقال مبشر بروستنتي فرنسي: "ما برح الإسلام (يتقدم) منذ نشوئه حتى اليوم فلم يعثر في سبيله إلَّا القليل، وما زال يسير في جهات الأرض حتى بلغ قلب إفريقية مذلّلًا أشق المصاعب، ومجتازًا أشد الصعاب، غير واهن العزم، فالإِسلام حقًّا لا يرهب في سبيله شيئًا، وهو لا ينظر إلى النصرانية، منازعته الشديدة، نظرة المقت والازدراء، فلهذا هو حقيق بالظفر والنصر، إذ بينما كان النصارى يحلمون بفتح إفريقية في نومهم، فتح المسلمون جميع بقاع القارة في يقظتهم") (١). أمَّا الجهاد فله مفهوم واسع، يقول الراغب الأصفهاني: (الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] , وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٢]. . . والمجاهدة تكون باليد واللسان) (٢). وبهذا يتبين أنَّ الجهاد يبدأ من داخل المؤمن كي ينتصر على أهوائه وشهواته ويجاهد نزغات الشيطان ووسوسته، ليستقيم على صراط اللَّه المستقيم، وبذلك يكون فردًا صالحًا في مجموع الأُمَّة، ثُمَّ يرقى إلى إدراك مهمته في الحياة، وواجبه في نشر الدعوة والدفاع عنها، وبذلك يندرج في الأُمَّة الإسلاميَّة، ثُمَّ إنّ هذه الأُمَّة مضطرة إلى الجهاد للمحافظة على

стр. 947

ذاتيتها والدفاع عن وجودها والاضطلاع برسالة ربها في نشر دينه وإعلاء كلمته، وللجهاد في الإسلام معنى حضاري فريد؛ (فالجهاد يعكس مفهوم الأمن الإِسلامي الذي يركز على إيصال الرسالة وتبليغها إلى الآخرين بغية توفير الأمن الفكري والمادي والنفسي لبقاء النوع البشري ورقيه، ذلك أن مصدر الخطر على بقاء النوع البشري ورقيه -حسب التصور الإِسلامي- يكمن في (القيم) التي تَكْفُرُ -أي: تَحْجُبُ وتُخْفِي- قوانين الخلق في النشأة والمصير، وتقتصر على نوازع التمتع بالحياة وشهواتها، ومن هذا -الكفر- تتشوه جميع أشكال الاعتقاد والشعور والممارسات في ميادين السلوك والاجتماع والعلاقات، حتى إذا ظهر أهل الكفر في الأرض أشاعوا الفتن، والمظالم السياسيَّة، والمفاسد الاجتماعية، وردوا شبكة العلاقات الاجتماعية إلى عهود الغاب والهمجيَّة والتخلف، ولذلك كان طلب بذل النفس لمحاربة قيم الكفر ومؤسساته وممثليه، وبذل المال لنشر قيم الرسالة الإسلاميَّة وإقامة مؤسساتها والإنفاق على العاملين والدارسين فيها حتى يتحقق التفوق للقيم الإسلاميَّة فيشيع السلام ويكون الدين كله للَّه، وهذا المفهوم الإِسلامي للأمن والسلام يختلف تمام الاختلاف عن مفهوم الأمن القومي الذي ترفع لواءه المجتمعات المعاصرة، وتتخذ ذريعة لممارسة مختلف أشكال العدوان ضد بعضها. .) (١). ويختلف مفهوم الجهاد في الإسلام -كذلك- تمام الاختلاف عن المفاهيم القديمة والحديثة، فهو مختلف عن مفهوم الغزو لدى العرب قبل الإسلام، ويختلف عن مفهوم الحرب المقدسة لدى الغرب (٢)، وإنَّما هو

стр. 948

(بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب وأكبر وطر للمسلم طاعة اللَّه ورضوانه، والخضوع لحكمه، والاستسلام لأوامره، وذلك يحتاج إلى جهاد طويل وشاق ضد كل ما يزاحم ذلك من عقيدة، وتربية، وأخلاق، وأغراض، وهوى، وكل ما ينافس في حكم اللَّه وعبادته من آلهة في الأنفس والآفاق، فإذا حصل ذلك للمسلم وجب عليه أن يجاهد لتنفيذ حكم اللَّه، وأوامره في العالم من حوله، وعلي بني جنسه، فريضة من اللَّه، وشفقة على خلق اللَّه؛ ولأنَّ الطاعة الانفراديَّة قد تصعب وتمتنع أحيانًا بغير ذلك، وذلك ما يسميه القرآن (الفتنة)، ومعلوم أنَّ العالم كله بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان، خاضع لمشيئة اللَّه وأحكامه التكوينيَّة، وقوانينه الطبيعية ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] , ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] فيتعين أن جهاد المسلم إنَّما هو لتنفيذ شريعته التي جاء بها الأنبياء، وإعلاء كلمته ونفاذ أحكامه، فلا حكم إلَّا للَّه، ولا أمر إلَّا له، وهذا الجهاد مستمر ماضٍ إلى يوم القيامة، وله أنواع وأشكال لا يأتي عليها الحصر، منها القتال، وقد يكون أشرف أنواعه، وغايته أن لا تبقى في الدنيا قوتان متساويتان متنافستان، تتجاذبان الأهواء والأنفس ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ومن مقتضيات هذا الجهاد أن يكون الإنسان عارفًا بالإِسلام الذي يجاهد لأجله، وبالكفر والجاهلية التي يجاهد ضدها، يعرف الإسلام معرفة صحيحة ويعرف الكفر والجاهلية معرفة دقيقة، فلا تخدعه المظاهر، ولا تغره الألوان، ولا يجب على كل مسلم أن تكون معرفته دقيقة بالكفر والجاهلية، ومظاهرهما، وأشكالهما وألوانهما, ولكن على من (يتولى زمام الدعوة إلى الإسلام)، أو يتولى قيادة الجيش الإِسلامي ضد الكفر

стр. 949

والجاهلية، أن تكون معرفته بالكفر والجاهلية فوق معرفة عامة المسلمين وأوساطهم، كذلك يجب أن يكون استعدادهم كاملًا وقوتهم تامَّة، يقارعون الحديد بالحديد، بل بأقوى من الحديد، ويقابلون الريح بالإعصار، ويواجهون الكفر وأهله بكل ما يقدرون عليه. . .، وبكل ما اكتشفه الإنسان ووصل إليه العلم في ذلك العصر، من سلاح وجهاز، واستعداد حربي لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (١). ومن خلال القيام بدراسة الدعوة والجهاد باعتبارهما من وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة يظهر الترابط بينهما، ويتجلَّى مفهوم الجهاد، وتحديد مظاهره، وفي ضوء هذا فإنَّه: (لا يكون الجهاد أصيلًا شاملًا ما لم تتابع التربية وظيفتها في تأصيل معناه وتبيان مظاهره، وتفصيلها حسب متطلبات الزمان والمكان، والذي يقرر عمل التربية في هذا المجال ثلاثة عوامل؛ الأول: درجة تطور البشرية، والثاني: نوع التحديات القائمة في الداخل والخارج، والثالث: نسخ المظهر الجهادي، أو رفع النسخ عنه، وانطلاقًا من هذه العوامل الثلاثة ينقسم ظاهر الجهاد إلى ثلاثة مظاهر رئيسية يندرج تحت كل منهما تطبيقات عملية لا حصر لها ولا نهاية؛ وهذه المظاهر الرئيسية هي: ١ - الجهاد التربوي: يستهدف الجهاد التربوي تزكية الإنسان المسلم من منزلة -الخضوع للغرائز والدوافع- الآنية المؤقتة التي تبقيه حبيس الشهوات والانفعالات الفردية التلقائية والارتقاء به إلى منزلة -تحقيق الذَّات- التي يحقق الإنسان عندها إنسانيته، فيسترشد بتفكيره وعقله وخبراته المنظمة عن الخالق والكون والإنسان والحياة.

стр. 950

٢ - الجهاد التنظيمي: وغاية هذا الجهاد تنظيم (وسع) الأُمَّة -حسب التعبير القرآني- أي: طاقاتها وقدراتها المعنوية والماديَّة والبشرية، والتنسيق بينها بما يكفل حشدها وتكاملها -دون هدر أو نقص- لتحقيق أهداف الرسالة. ٣ الجهاد العسكري: وغاية هذا الجهاد هو إزالة العوائق التي تحول دون الحفاظ على بقاء النوع البشري ورقيه، حين لا تنجح أشكال الجهاد التربوي والتنظيمي في تحقيق هذه الغاية وحدها، ويتجلى اقتران هذا النوع من الجهاد بالرسالة الإسلاميَّة من خلال الضوابط العقيديَّة والأخلاقية التي تحكمه وتوجهه بحيث لا يخرج لحظة واحدة عن غايات الرسالة وأهدافها، وحين تتحقق أهداف الرسالة دون قتال يتوقف الجهاد القتالي ويصير ممنوعًا) (١). وبالنظر لمنطلقات الجهاد وغاياته ومظاهره، وضوابطه الشرعيَّة ومجالاته ووسائله، يتبين أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة مجاهدة لتحقيق مراد اللَّه في نفسها أولًا وقبل كل شيء، ثُمَّ لنشر دعوة الإسلام إلى الخلق كافَّة، ثُمَّ يأتي الدفاع عن وجود الأُمَّة، ونشر الدعوة، والاضطلاع يحمل الرسالة لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى؛ ولأنَّ حكمة اللَّه اقتضت أن لا يستجيب جميع الناس لصوت الحق، ولا يلتزم أكثرهم بالإِسلام، بل ينبري لدعوة الإسلام في كل زمان أعداء ألداء، وخصومٌ جائرون، فإنَّ مجاهدة هؤلاء تكون من المبادئ الإسلاميَّة والمجاهدة تكون
следующие страницы →