غيرهم في العادات والتقاليد، بدءًا بالآداب العامَّة والأعياد، والشعائر الظاهرة، وانتهاءً بالملابس، والمظاهر العامَّة على صعيد الأفراد والمجتمع، فإنَّ ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، وأقوال العلماء، وما درج عليه سلف الأُمَّة الصالح، مستفيض جدًّا، (سبق تناول طرف منه) (١)، ولكن المستشرقين دخلوا في هذه الجوانب بأساليب شتى حتى لا تكاد أي جزئية من جزئيات مظاهر حياة المسلمين الاجتماعية، وتقاليدها وعاداتها، وأنماط سلوك المسلمين في أوضاعهم العامَّة والخاصَّة وسائر أحوالهم تخلو من تدخل المستشرقين فيها بالطعن والتشويه والذم والافتراء، وكل ما يتسم في عمومه بالحقد والعداء، وهم لا يفتؤون دائمًا من محاولة توجيه ذلك كله بما يضعف من شأن هذه الأُمَّة، والاستهانة بها، ويذهب تَمَيُّزَها، ومِمَّا لا يخفى أن الاستشراق في مساره العام وفي قمَّة ازدهاره الذي امتد إلى نهاية النصف الأول من القرن العشرين (كان يترجم المؤلفات الإسلاميَّة ليقدمها إلى مفكريه الماديين، و (الإكليروسيين) ممهدًا لهم بها طريق مناقشة تلك المترجمات على ضوء الوقائع الفكرية والدينية والتاريخية التي يعيشونها، (بهدف) النيل منها بمناقشات تبدو في مظهر موضوعي، وكان هذا الاستشراق يكتب في كل المجالات الإسلاميَّة ابتداءً من التوحيد باللَّه، وانتهاء بالملابس والأزياء في الشعوب الإسلاميَّة، ولكنه يحاول في كل ما يكتب أن يدس ويشكك ويشوه، فالثوب العربي، والعباءة العربيَّة هي في نظره من معوقات الحضارة التي لا تساعد على العمل الجاد المضني، والصناعي، والتجاري) (٢).
стр. 982
ثُمَّ إنَّهم من ناحية أخرى يتخذون أسلوب (الاستطالة على التراث الإسلامي، وقيمه الدينية، والعلمية، والأدبية، وذلك بدعوى إعادتها إلى جذور تتصل بتراثهم هم!. .، وبهذه الاستطالة المتجنية على الحقائق، مزق الغرب خوفه من تأثير الفكر الإسلامي عليه، ونال من المقومات الحضارية والدينية والإِسلامية. . . ومن خلال هذه الاستطالة المتجنية التي أضعفت التأثير الإسلامي على القوى الزمنية بدؤوا تأثيرهم على الفكر القومي في الشعوب الإسلاميَّة، ساعدهم على ذلك النمو الظافر الذي حققته الحضارة الحاليَّة في كل المجالات، بعيدًا عن الإطار الروحي والديني وتأثيرهما. .) (١).
وكان من نتائج هذه الاستطالة على التراث الإسلامي ما يأتي:
أ- تغير العادات الإسلاميَّة في كثير من الشعوب الإسلاميَّة (وانزواء الحكم بالأحكام الشرعية واستبدالها بأحكام القانون الوضعي، واختفاء الزي الإسلامي الذي كان سائدًا، حتى في بعض الشعوب العربيَّة،. . . ففي شمال إفريقية العربيَّة كادت اللغة العربيَّة أن تندثر لولا اليقظة العربيَّة الأخيرة، كما أن التقاليد الإسلاميَّة على المستوى العام والخاص انحسرت تمامًا في كثير من الأصقاع العربيَّة في الشرق، ففي مصر والشام تفشى السفور كل تفش، والأحكام الشرعية لا تطبق كما يجب في كثير من القضايا، كما أن كثيرًا من المنكرات تمارس علنًا، ويحميها القانون، المهم أن الفكر القومي في الشعوب الإسلاميَّة كان له نصيب من النجاح، ولم يتحقق هذا النجاح إلَّا بعد تلك الاستطالة المتجنية على التراث الإسلامي، التي كان للاستشراق والمستشرقين دور فعال فيها) (٢).
стр. 983
ب - الادعاء بأن الإسلام لا يحدث تميُّزًا في العادات والتقاليد تنبع من أصالته وجدّته، وإنَّما يتلون هو نفسه بعادات الشعوب وتقاليدها، وهو ادعاء تشتمل عليه بعض دراسات (هاملتون حبيب) في تاريخ الإسلام وحضارته وهي دراسات يُمكن القول فيها إنها: (تخفي وراءها الكثير من الآفات الفكرية، فنراه مثلًا في الفصل الأول من كتابه (دراسات في حضارة الإسلام) يقول: "فقد ظهرت للإسلام ملامح مختلفة في مختلف الأزمنة والأمكنة بتأثير المحليَّة الجغرافية، والاجتماعية، والسياسية فيه، وبقوة استجابته لها, ولنمثل على ذلك بما تَمَّ في الغرب، أعني في شمال غربي إفريقية، وفي إسبانيا أثناء العصور الوسطى؛ ففي تلك المناطق اتخذ الإسلام لنفسه خصائص فارقة على الرغم من الصلة الوثيقة بين تلك المناطق وقلب العالم الإسلامي في غريب آسيا، وعلى الرغم من أنَّ الثقافة فيها كانت فرعًا من الثقافة السائدة في قلب العالم الإسلامي، وكان لبعض تلك الخصائص الفارقة أثرها في الإسلام نفسه في غربي آسيا" (١).
بهذا النوع من التعبير يتناول في تفسيره التاريخ الإسلامي، الكثير من الإساءات إلى الإسلام نفسه. . فهو حينما يجعل الاستجابة للعوامل المحليَّة الجغرافية والاجتماعية والسياسية، من خصائص الإسلام، يسلب الإسلام، عوامل التأثير الكامنة فيه التي يواجه بها التحديات الاجتماعية والسياسية والعوامل المحليَّة الأخرى) (٢).
ومِمَّا لا شك فيه أنَّ العوامل التي ذكرها (حبيب) تتفاعل مع معطيات الإسلام، ولكنها هي التي تستجيب لما يحدثه الإسلام فيها من تغيير ومن تهذيب وصقل حتى تصطبغ بصبغة الدين، وتسير في صراط اللَّه المستقيم،
стр. 984
والفرق بين تفسير (حبيب) لتاريخ الإسلام وحضارته، وبخاصَّة فيما يتعلق بالعادات والتقاليد وبين ما حدث فعلًا، كبيرٌ جدًا حيثُ يتحقق في الآخر تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة على سعيد العادات والتقاليد لاحتكامها إلى شريعة الإسلام وهديه، ولا يتحقق ذلك فيما ذهب إليه (حبيب) من تفسير بل يتحقق به العكس تمامًا (١).
ج- وحاول بعض المستشرقين في كلامهم عن حجاب المرأة المسلمة إبرازه بمظهر لا يتفق مع حقيقته، وما يرمز إليه من الطهر والعفاف، والبعد عن مواطن الفتنة والريبة والزلل؛ فهذا (المستشرق الهولندي (سنوك هورغرونية). . . يدعي: (أن الرابطة الزوجيَّة عند المسلمين غير متينة، وإلَّا لما وضعت على النساء القيود وفرض الحجاب والعزلة عليهن، وأن المرأة غير المتزوجة سواء كانت عزباء أم بكرًا تعتبر عبئًا ثقيلًا على أهلها وأقاربها ما لم يكونوا أثرياء. . . ولذلك فإنَّ امرأة مثل هذه تتشبث بأن تكون شريكة مؤقتة لرجل من الرجال في حياته، وبذلك تحصل على معيشة مجانيَّة لنفسها، عدا نوع من المهر الذي يتفق عليه إذا كانت أحوال الرجل المالية تساعد على ذلك. .، وحتى بعض النساء الثريات يتمنين لو يحصلن على مثل هذا الزوج بالمقاولة ليتخلصن من استغلال أقاربهن لهن) (٢)، ويقول في مكان آخر: (إنَّ الغربي بينما يجد صعوبة في الافتراق عن خليلته، فإنَّ علاقة الزواج المستديم، والحب الصادق بين الأزواج بعيدة كل البعد عن تفكير الرجل المسلم) (٣).
стр. 985
ويلاحظ أنّه دليل على عدم متانة الرابطة الزوجيَّة عند المسلمين بقيود الحجاب والعزلة. . .، وفاته أن يدرك مدى الآفات الاجتماعية التي تنشأ من الاختلاط، والسفور، ومدى ما في هذا الاختلاط من تجريح لرجولة الرجل، وابتذال لعاطفة المرأة. .، إنَّ المآسي التي يعيشها الكثير من المجتمعات التي أباحت اختلاط الجنسين بمقارنتها بمآسي المجتمعات التي تفرض الحجاب، تعطي دليلًا مزودًا بأرقام إحصائية على فعالية الحجاب، وحدِّه لكثير من المآسي. . . إنَّ الإسلام يوم نادى بالحجاب أوثق به الرابطة الزوجيَّة، بإبعادها عن مواطن الشك والريبة، ومهاوي الزلل، ثُمَّ أعطى النفس المؤمنة بواعث الاطمئنان، والاستقرار، ودلل بالحجاب إحاطته بكوامن النفس البشريَّة، ومدى ضعفها في المواقف الزاخرة بالعواطف المثيرة. . وما يقال عن الحجاب يقال عن الطلاق (١) في الإسلام، فإنَّه دعامة من الدعائم التي تزيد المجتمع الإسلامي تماسكًا، فالزواج المستديم الذي لا طلاق فيه كان بذرة من بذرات الانهيار الأسري في مجتمعاته؛ لذلك سنت بعض مجتمعات أوروبا الطلاق واعترفت به، ولم يكن الطلاق عاملًا مؤثرًا في الحب الصادق بين الأزواج، بل كان علاجًا حاسمًا لكثير من المشكلات الأسرية، وباترًا لها) (٢).
стр. 986
٣ - الجانب السياسي والحضاري من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة:
انطلق المستشرقون في دراستهم للجانب السياسي من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة من منطلقات غير علميَّة، من أهمها الآتي:
١ - إنكار نبوة الرسول محمد ﷺ , وإرجاع ما جاء به إلى أصول يهودية ونصرانيَّة وغيرهما، وبناءً على ذلك أنكروا أن يكون الإسلام وحيًا من عند اللَّه، وأن تكون الأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة ربانية، وبالتالي فإنَّ تفسير تاريخ الإسلام وحضارته يتم عند معظمهم من خلال منظور مادي مجرد بدعوى العلمية والمنهجية (١)، وقد ترتب على ذلك إنكار كثير من أسس السيرة النبوية الشريفة، والتقليل من شأن الرسول ﷺ ، وتناول شخصيته -فيما كانت الدراسات (اللاهوتية) تفرغ عليه الأساطير والخرافات، وأقذع الشتائم وأشنع السباب، وكأنَّه من رجال السياسة أو الحكام العسكريين أو عباقرة الإنسانية، و (مهما كان المستشرق ملتزمًا بقواعد البحث التاريخي وأصوله، فإَّنه من خلال رؤيته الخارجية وتغربه يمارس نوعًا من الهدم
стр. 987
والتجريح في كيان السيرة ونسيجها، فيصطدم بذلك الحس الديني، ويرتطم بالبداهات الثابتة، وهو من خلال منظوره العقلي والوضعي، يسعى إلى فصل الروح عن جسد السيرة، ويعاملها كما لو كانت حقلًا ماديًّا للتجارب والاستنتاجات وإثبات القدرة على الجدل. . إن البحث في السيرة بوجه خاص، يستلزم أكثر من أيِّ مسألة أخرى في التاريخ البشري؛ شرطين من شروطه الأساسية: التأثير الجمالي الذي يُمكنه من أداء وظيفته الوجدانية، والمقومات العلميَّة التي تمكنه من أداء وظيفته الحيويَّة. إنَّ هذين الشرطين اللذين يُمكن أن يوفرهما منهج متماسك سليم يقوم على أسس علميَّة موضوعيَّة لا يخضع لتحزب أو ميل أو هوى. وقد كانت مناهج البحث الغربي (الاستشراقي) في السيرة تفتقر إلى أحد هذين الشرطين) أو كليهما معًا. وكانت النتيجة أبحاثًا تحمل اسم السيرة، وتتحدث عن حياة الرسول ﷺ ، وتحلل حقائق الرسالة، ولكنها -يقينًا- تحمل وجهًا وملامح وقسمات مستمدة من عجينة أخرى غير مادة السيرة، وروح أخرى غير روح النبوة ومواصفات أخرى غير مواصفات الرسالة. . إنَّ نتائجها تنحرف عن العلم؛ لأنها تصدر عن الهوى. . وتسعى لأن تخضع حقائق السيرة لمقاييس تؤدي إلى نسخ كل ما هو جميل، وتزييف كل ما هو أصيل، وتميل بالقيم المشعَّة إلى أن تفقد إشعاعها، وترتمي في الظلمة، أو تؤول إلى البشاعة) (١).
ب- وتناول المستشرقون -المعادون للإسلام- عهد الخلفاء الراشدين وعهد الخلافة الأمويَّة، والخلافة العباسية وما بعد ذلك إلى العصر الحديث، في ضوء مناهج بحثيَّة زائفة أظهرت تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة السياسي في صورة مزيَّفة اعتمدت على تراث الزنادقة والشعوبيين وسائر الفرق المنشقة
стр. 988
على الأُمَّة الإسلاميَّة، كما أنَّ كثيرًا من تلك الدراسات اهتمت بالنزعات العرقية والقبليَّة وفسرت بها تاريخ الإسلام السياسي، كما اتهمت الحضارة الإسلاميَّة بأنها اصطبغت بالأفكار (الهلينستية)، والآراء الهنديَّة وفلسفة الأفلاطونيَّة الجديدة.
يقول بعض الباحثين: (كان للشعوبيَّة والعصبيَّة أثر في وضع الأخبار التاريخية، والحكايات، والقصص الراميَّة إلى تشويه التاريخ الإسلامي، وإلى إعلاء طائفة على طائفة، أو أهل بلد على آخر، أو جنس على جنس، وإبعاد الميزان الشرعي في التفاضل، وهو ميزان التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، كما أن الفرق المنحرفة استغلت القُصَّاص، وانتشارهم وجهل معظمهم، وقلة علمهم بالسنة، وانحراف طائفة منهم تبتغي العيش والكسب، فنشروا بينهم أكاذيبهم، وحكايتهم، وقصصهم الموضوعة، فتلفقها هؤلاء القصاص دون وعي وإدراك ونشروها بين العامة، وانتشرت عن طريقهم كثير من الأحاديث الموضوعة المنسوبة كذبًا إلى النبي ﷺ ، وعدد لا يحصى من الأخبار والأقوال المكذوبة على الصحابة والتابعين، وعلماء الإسلام، مِمَّا يسيء لهم، ويشوه تاريخهم وسيرتهم. . . وقد تلفقت هذه الأكاذيب والتحريفات (طائفة) من المستشرقين، فوجدوا فيها ضالتهم، وأخذوا يعملون على إبرازها، والتركيز عليها، مع ما أضافوه إليها -بدافع من عصبيتهم وكرههم للمسلمين- من أكاذيب وافتراءات كاختراع حوادث لا أصل لها، أو التفسير المغرض للحوادث التاريخية بقصد التشويه أو التفسير الخاطئ تبعًا للتصور والاعتقاد الذي يدينون به) (١).
стр. 989
وقد نتج عن ذلك أن فسرت الخلافة الراشدة بدءًا بحروب الردة وانتهاءً بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ومن بعده علي بن أبي طالب، وقبلهما عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين، وما تلا ذلك من افتراق الأُمَّة، وكأنه نتيجة لنزعات قبليَّة وعرقيَّة، ولرغبات النفوس وشهواتها.
وعن ذلك يقول (بروكلمان): (بيد أنه لَمْ تلبث أن اجتاحت بلاد العرب بأكملها روح الردَّة، ولم يكن للدوافع الدينيَّة في ذلك دور يذكر، وإنَّما أريد -فقط- التخلص من سلطة حكومة المدينة غير المريحة) (١).
ويقول مفسرًا مقتل مالك بن نويرة: (وعندما ظهر خالد بن الوليد في منطقة تميم، وجد الطاعة في كل مكان تقريبًا إلَّا أن مالكًا بن نويرة، سيد يربوع الذي انفصل عن المدينة عقب وفاة محمد مباشرة ظلَّ مؤمنًا بسجاح، بيد أنه عندما حاصره خالد بفصائله، عرض هو أيضًا استسلامه، ومع ذلك سمح خالد بفصائله، عرض هو أيضًا استسلامه، ومع ذلك سمح خالد بالقضاء عليه (بقتله) مع رجال آخرين، وذلك لأنه اشتهى زوجته الجميلة كما يروى) (٢).
ويقول (بروكلمان) عن عثمان بن عفان ﵁: (وقد يكون أصله (الأرستقراطي) هذا، الذي عادل عند النبي نقص كفاءته الشخصية) (٣)،
стр. 990
ويقول أيضًا: (وليس من شك أيضًا أن أعضاء المجلس -كبار الصحابة- آثَرُوا اختياره رغبة منهم في أن يروا على رأس المسلمين رجلًا يستطيعون توجيهه والتعامل معه في سهولة ويسر) (١).
وعلى هذا المنوال يفسر (بروكلمان) ونحوه من المستشرقين تاريخ الإسلام في جانبه السياسي بما يشوه صورة الأُمَّة الإسلاميَّة، ويخفي تميُّزها في جميع جوانب حياتها السياسية والحضارية والاجتماعية. وقد تصدى بعض الباحثين للرد على مزاعم (بروكلمان) ومقارنتها بمزاعم (فيليب حتي) والرد عليهما (٢)، وتوصل إلى أنهما اتفقا على ذكر القضايا الآتية:
• (أن سبب خروج أم المؤمنين عائشة ﵂ في معركة الجمل كان من أجل التشفي بعلي بن أبي طالب.
• اتهام الحسن بن علي بأنه تنازل عن الخلافة مقابل رشوة قدَّمها له معاوية.
• اتهام عبد الملك بن مروان ببناء بيت المقدس لتحويل الحجاج إليه.
• مسألة العباسة وجعفر البرمكي.
• اتهام بعض خلفاء بني أميَّة وبني العباس بالمجون.
• جعل الناحية الاقتصادية هي الدافع الأساسي للفتوحات الإِسلامية) (٣).
стр. 991
ومِمَّا درج عليه المستشرقون في تفسير التاريخ الإسلامي في جانبه السياسي أن بعضهم أبرز (تاريخ الفرق الضالة، ومحمد إلى تضخيم أدوارها، وتصويرها بصورة المصلح المظلوم، وبأنَّ المؤرخين المسلمين، قد تحاملوا عليها، فالقرامطة، والإسماعيلية، والرافضة الإمامية، والفاطمية، والزنج، وإخوان الصفا، والخوارج، كلهم في نظرهم واعتبارهم دعاة إصلاح وعدالة وحريَّة ومساواة، وثوراتهم كانت ثورات إصلاح للظلم والجور) (١).
وأظهر بعض المستشرقين تاريخ الخلافة الأمويَّة من خلال (النزعة القبلية، وشعر النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، ولم يرَ من تاريخ الدولة العباسية كله غير دور الموالي من الفرس، وغير السباق بين العناصر المختلفة، وبداية التنافس والطموح) (٢)، وتؤكد الحقيقة التاريخية أنَّ (تاريخ بني أميَّة كما يراه الثقات من أهل العلم هو تاريخ تثبيت دولة الإسلام، وذلك على الرغم مِمَّا ارتبط بهذا التاريخ من أحداث مؤلمة لها ظروفها وملابساتها التاريخية الخاصة، التي يجب أن تفهم في ضوئها) (٣).
وقد قال عنها ابن خلدون: (وكذلك عهد معاوية إلى يزيد خوفًا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أميَّة لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه مع أن ظنهم كان به صالحًا، ولا يرتاب
стр. 992
أحد في ذلك، ولا يُظَنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما يُدَّعى عليه من الفسق، حاشا اللَّه لمعاوية من ذلك، وكذلك كان مروان بن الحكم وابنه، وإن كانوا ملوكًا، لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل البطالة والبغي، وإنَّما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم إلَّا في ضرورة تحملهم على بعضها، مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل قصد، يشهد لذلك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء، وما علم السلف من أحوالهم ومقاصدهم، فقد احتج مالك في الموطأ بعمل عبد الملك، وأمَّا مروان فكان من الطبقة الأولى من التابعين وعدالتهم معروفة) (١).
ويقول عن العباسيين: (كانوا من العدالة بمكان، وصرَّفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصالح والطالح، ثُمَّ أفضى الأمر إلى بنيهم فأُعطوا الملك والترف حقه وانغمسوا في الدنيا وباطلها، ونبذوا الدين وراءهم ظهريًّا، فتأذن اللَّه بحربهم، وانتزاع الأمر من أيدي العرب) (٢).
ومِمَّا يذكر في هذا المقام أنَّ الدراسات الاستشراقية في مجال تاريخ
стр. 993
الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها قد بلغت من التنوع حدًّا يصل بها إلى درجة التعقيد، من حيث طبيعة الموضوع وأسلوب معالجته، إذ إلا يُمكن حصره وتصنيفه في سهولة ويسر، لاختلاف هوية المستشرقين، وخلفيتهم البيئية والفكرية التي ينطلقون منها في دراساتهم، فالمستشرقون اللاهوتيون -مثلًا- يختلفون في ذلك عن المستشرقين العلمانيين، وإذا كان الاستشراق من الظاهر تيارًا عامًّا فإنَّ وراء هذا العموم مدارس متنوعة، وتقاليد متعددة، وتوجهات شتى تختلف فيما بينها بقدر اختلاف مصالحها واحتكاكها بالعالم الإسلامي. . .، كما يرجع ما تتصف به من تعقيد في كثير من الدراسات إلى تنوع منطلقات المعالجة، وأهدافها، وما تحرص على أن لا تحيد عنه من المسلك الاستشراقي المعهود، ومناهجه الخاصَّة (١)؛ وعلى أيِّ حالة فإنَّه مهما اختلفت المنطلقات والأهداف فإنَّ القدر المشترك بين معظم الدراسات الاستشراقية لتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها هو محاولتها نفي التميُّز عنها، واتخاذ أسلوب التشكيك في عقيدتها وشريعتها وأمجادها التاريخية والحضارية (٢)، ومن المعروف أنَّهم نسبوا القرآن الكريم إلى الرسول ﷺ ، وقالوا إنه من تأليفه، وألصقوا الحديث النبوي بتطور المجتمع الإسلامي في عصوره الأولى، وشككوا في نسبته إلى الرسول ﷺ ونسبوا عمل المسلمين واجتهادهم في الفقه الإسلامي إلى
стр. 994
القانون الروماني، كما شوهوا تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانبه السياسية والاجتماعية، ونالوا من حضارته الفريدة.
يقول (جولد زيهر): (إنَّ نمو الإسلام مصطبغ نوعًا بالأفكار (الهلينستية)، ونظامه الفقهي الدقيق يشعر بأثر القانون الروماني، ونظامه السياسي كما تكون في عصر الخلفاء العباسيين يدل على عمل الأفكار والنظريات السياسية الفارسية) (١).
ويخلص إلى القول: (وهذا الطابع العام يحمله الإسلام مطبوعًا على جبهته منذُ ولادته، فمحمد مؤسسه لم يبشر بجديد من الأفكار، كما لم يمدنا أيضًا بجديد فيما يتصل بعلاقة الإنسان بما هو فوق حسه وشعوره وباللانهاية، لكن هذا وذاك لا ينقصان من القيمة النسبية لطرافته الدينية) (٢).
رابعًا: استخلاص موازين البحث عند المستشرقين:
يمكن تلخيص موازين البحث عند المستشرقين بما يأتي (٣):
- تحكيم الهوى ونزعات العداء للإسلام والمسلمين، والتعصب الأعمى للنصرانية، وللشعوب والأمم المنتمية إليها.
- وضع الفكرة مقدمًا ثم البحث عما يؤيدها مهما كانت ضعيفة واهية،
стр. 995
وكثيرًا ما يعمدون إلى أسلوب المغالطات والأكاذيب، وبتر النصوص أو التشكيك بها، أو الأخذ بالواهي منها.
- تفسير النصوص والأحداث والوقائع والنيات والغايات تفسيرات لا تتفق مع دلالاتها وأماراتها الحقيقية، ولا مع النتائج التي أثبتها تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة.
- تضخيم بعض الأخطاء اليسيرة والتركيز عليها، وتحليلها والاستنتاج منها نتائج تتنافى وتاريخ المسلمين، وما يحفل به من صور رائعة مشرقة.
- تجميع الهفوات التي لا تخلو منها أُمَّة مهما عظمت، ووضعها في صورة واحدة، وتقديمها على أنها هي صورة تاريخ المسلمين.
- تصيد الشبهات التي يلتبس وجه الحق فيها على كثير من الناس، ولا يستبين لهم ما لم يمتحنوها بالتجارب الطويلة، والتشبث بإثارة الانتقادات حولها، اتباعًا لأهواء النفوس وشهواتها في إطارٍ من استغلال شعارات براقة المظهر تخدع من لا يعرف الحقائق.
- اعتماد ما يوافق هواهم من كل خبر ضعيف، ورأي مردود شاذ، وقول ساقط لا سند له من عقل، ولا نقل صحيح.
- رفض الحق بالنفي المجرد، الذي لا يدعمه دليل صحيح مقبول في المنهج العلمي السليم.
- تفسير التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلاميَّة بالمنظار الغربي الذي يفسرون به التاريخ الغربي والحضارة الغربية، مع تباين كلٍّ من التاريخين والحضارتين عقيدة ونظامًا، وبيئة ودوافع تباينًا كليًّا.
- استنباط القواعد الكلية العامّة من الحوادث الفرديّة الجزئية التي لا يصح منطقيًّا تعميمها.
- الاعتماد على الوهم المجرد لتفسير الأمور والوقائع.
стр. 996
- قياس المؤمن المسلم الذي يخشى اللَّه على الذين لا تردعهم روادع دين ولا خلق، وتفسيرهم لسلوك المسلمين أفرادًا وجماعات بأنه مدفوع بأغراض شخصية، ونوازع نفسية دنيوية، وليس أثرًا لدافع ابتغاء مرضاة اللَّه وثواب الآخرة) (١).
- (يعطي الاستشراق نفسه في دراسته للإسلام دور بمثل الاتهام والقاضي في الوقت نفسه) (٢).
- (يخلط الاستشراق كثيرًا بين الإسلام بوصفه دينًا وتعاليم ثابتة في القرآن والسنة الصحيحة وبين الوضع المتردي في العالم الإسلامي) (٣)، ويحرص على إسقاط عمل المسلمين المخالف لتعاليم الإسلام على الإسلام نفسه، ويعد ذلك حجة على الإسلام، في حين أن الإسلام حجة على المسلمين وليس العكس (٤).
- (يستثمر الاستشراق الفرقة بين المسليين، ويظهر تاريخ الفرق الضالّة، ويمجد المنشقين عن الإسلام وأمته من فرق قديمة وحديثة، ويعرضهم وكأنهم أصحاب فكر متحرر، ويهتم بإظهار كل شاذ وغريب) (٥).
ومِمَّا يلحظ على كثيبر من دراسات المستشرقين فيما يخص تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بصفة خاصَّة ما يأتي:
стр. 997
- إهمال جوانب المخالفة إذا كانت دليلًا على التميُّز في إطار العقيدة والشريعة والقيم الأخلاقية والنظم، أو في إطار الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها.
- اصطياد جوانب المشابهة والموافقة بهدف نفي التميُّز عن الأُمَّة الإسلاميَّة، وإهمال ما تدل عليه تلك المشابهة أو الموافقة من وحدة الفطرة أو المسلمات العقليَّة والمنطقية، ونحو ذلك مِمَّا يعد في الحقيقة قدرًا مشتركًا بين الشعوب والأمم، وإنَّما تنظر معظم الدراسات الاستشراقية لجوانب المشابهة والموافقة بين الأُمَّة الإسلاميَّة وغيرها من الأمم الأخرى نظرةً ذات نزعة عاطفيَّة معادية.
- إهمال أسباب المشابهة والموافقة بين الأُمَّة الإسلاميَّة وغيرها من الأمم الأخرى، وإغفالها إذا كان ذلك لا يخدم الفكرة التي تسعى الدراسات الاستشراقية لتقريرها (١).
* * *
стр. 998
مبحث ختامي
• تقويم الحركة الاستشراقية، ومنهج الإسلام في مواجهتها.
• أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين، ووسائلها.
• الخاتمة.
стр. 999
تقويم الحركة الاستشراقية ومنهج الإسلام في مواجهتها
من خلال استعراض تاريخ الاستشراق في جذوره الضاربة في أعماق تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب والإحاطة بعوامل نشأته وتطوره وازدهاره وعلائقه، ومظاهر نشاطه وحاضره ومستقبله، وما أثاره من شبهات حول تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وموقف المستشرقين من مقومات هذا التميُّز، وخصائصه، وأهدافه، ووسائل تحقيقه؛ يُمكن تقويم الحركة الاستشراقية فيما يأتي:
أولًا: إنَّها حركة فكرية هائلة متشعبة شملت مناطق واسعة جدًّا من العالم، وركزت على العالم الإسلامي بخاصة، ووجهت اهتمامها نحو الإسلام واللغة العربيَّة -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- كما قامت بدراسة جوانب من حياة الأُمَّة الإسلاميَّة، وبخاصة منها العقدية والفكرية والاجتماعية والسياسية والتاريخية، فهي متعددة المجالات متنوعة في دوافعها وأهدافها، متأثرة بالمراحل التي قطعتها، والأطوار التي مرت بها، ومختلفة في النتائج التي وصلت إليها، (وقد ساهم في تلك الحركة آلاف من المستشرقين، عبر العصور التاريخيَّة المختلفة، وكانت جهودهم متفاوتة مختلفة في صورها) (١)، ووسائلها، وتبعًا لذلك جاءت كتابات المستشرقين عن الإسلام؛ (تتراوح بين الجهل التام، والمعرفة الموجهة، بين الإسفاف
стр. 1000
الشنيع، والموضوعيَّة النسبيَّة، بين الافتراء والإنصاف، بين الاستعلاء والنزاهة، بين الفحش الصارخ، والتسامح العاقل) (١).
أمَّا ما نتج عن هذه الدراسات المتنوعة الشاملة التي تولتها الحركة الاستشراقية فقد كان بالغ الأثر على ذاتية الأُمَّة الإسلاميَّة المتميزة، ولا سيما بعدما اتضح مدى تحامل المنهج الاستشراقي على الإسلام وأمته ومجافاته للحقيقة التاريخية، وما ينطوي عليه ذلك من أخطار أجملها أحد المفكرين في قوله: (إن هذا الاستشراق. . . كان أداة بشعة لتصوير الإسلام وتزييفه لمنع عبوره إلى الحياة الأوروبية، وكان منطلق ومخطط الغزو الفكري في بلاد الإسلام، استطاع أن يخترق حياة المسلمين ويشوه أمام أجيالهم -التي تربت في ظل ثقافة الخمود والجمود- الإسلام بكل معانيه من خلال الاحتكاك الحضاري بالمسلمين في القرن الأخير، ولا سيما في مرحلته الأخيرة التي اختفى فيها وراء براقع العلمية والموضوعية والحياد، فاستطاع في هذه المرة أن يقوم بمنع تسرب الإسلام الحق إلى حياة الثقافية الجديدة، سواء عن طريق الإعلام العام، أم المؤسسات الثقافية في البلاد الغربية، أو المراكز والمدارس والجامعات في البلاد الإسلاميَّة) (٢).
ثم (إنَّ الاستشراق قام بدور تضليلي تاريخي ضخم في حياة المسلمين وتاريخهم وثقافتهم ودينهم، ولقد تغلغلت الكتابة الاستشراقية المتعددة الجوانب في حياة الأُمَّة خلال قرن كامل بحيث نفذت إلى كل جزئية من جزئياتها, لا يدرك خطرها إلَّا العالم الخبير الموازن بين حقائق الإسلام وأوضاعه الحضارية وبين مزاعم المستشرقين ودراستهم لهما) (٣).
стр. 1001
ثانيًا: إنَّها حركة موجهة ارتبطت في مسارها العام بالتنصير وبالاستعمار، كما ارتبطت بالصهيونية العالمية، وانطبعت بالروح المعادية للأُمَّة الإسلاميَّة وتاريخها, لتحقيق هدف هذه القوى المعادية للإسلام والمسلمين في تشويه الإسلام، ودفع العالم الإسلامي إلى مزيد من الضعف والتخلف.
وعلى هذا فإنَّ أعمال المستشرقين تحتاج إلى مواجهة دقيقة عميقة بأساليب مجدية، ووسائل فاعلة، ومنهج محكم يحيط بأبعاد القضية، ويناقشها بروح علمية موضوعية.
إن المنهج المطلوب في مواجهة المستشرقين تصحيحيًا وتقويمًا هو منهج الإسلام في مجادلة أهل الكتاب وغيرهم ممن كان يثير الشبهات على هدي الإسلام وتعاليمه، وهو منهج بين واضح، وقد وردت آيات عديدة في القرآن العظيم تبين آداب الحوار والجدل والمناقشة، ثمّ طبق الرسول ﷺ بأفعاله وأقواله ومواقفه ذلك المنهج، وسار سلف الأُمَّة عليه، والتزم الخلف الصالح به، وهو منهج يقوم على أسس رصينة تحقق النزاهة والموضوعية والقوة والأصالة والعدل والإحسان والعفو والصفح. . ولعل من أهم هذه الأسس:
١ - بيان الحق والدعوة إليه. . قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
٢ - إدراك السنن الإلهية في النفس والكون والحياة وتلافي الاصطدام بها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩] ,
стр. 1002
وقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] , وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
٣ - مناقشة الأديان والعقائد والملل والنحل والمذاهب المختلفة مناقشة موضوعية نزيهة تكشف ما فيها من وجوه الزلل والزيف والبطلان، وتبين الحق في ذلك كله.
ومن الأمثلة على ذلك أن اللَّه قد أشار إلى مقالة الملاحدة، والذين ينكرون البعث واليوم الآخر في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤] , وفي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٤ - ٣٧].
وعند تأمل هذا الطرح والمناقشة التي أعقبته تظهر عبارات ﴿تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] ﴿تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، وقد ذيلت بأسئلة لطيفة متدرجة من مقدمة إلى نتيجة، وهي ترتقي بالفكر والوجدان، وفيها احترام لعقلية المجادل والنزول معه إلى ما يعقله ويدركه وتذكيره بلوازم ذلك، ثمّ السمو به إلى التقوى، وإيقاظ شعوره ووجدانه وهمته للزوم الحق والخير، وتحذيره من مغبة الكذب على اللَّه ووصفه بما هو منزه عنه، حيث قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٠ - ٩٢].
ولعل في هذا الأسلوب، وما أدى إليه من نتائج وأحكام صورة
стр. 1003
واضحة جليلة على المنهج القرآني الجدلي، وما يتسم به من نزاهة وقوة في البيان والأصالة.
٤ - التزام الأدب والجدال بالتي هي أحسن؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ذكر في تفسير هذه الآية: (ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب إذا كانت عن غير بصيرة من المجادل أو بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا إلَّا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين الكلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه ورد الباطل وتهجينه بأقرب طريق موصل لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة، وحب العلو، بل يكون القصد: بيان الحق، وهداية الخلق) (١)، أمَّا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فقد جاء في تفسير ذلك: (إلَّا الذين ظلموا من أهل الكتاب، بأن ظهر من قصد المجادل منهم وحاله، أنَّه لا إرادة له في الحق، وإنَّما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله؛ وإن المقصود منها ضائع) (٢).
٥ - أخذ الحيطة والحذر من أهل الكتاب مع الالتزام بآداب المجادلة معهم، والتنبه لما قد يلجؤون إليه من:
أ- التحريف: قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].
ب- التلبيس والكتمان: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١].
ج- المخادعة: قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
стр. 1004
د- الحسد: قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] , وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].
هـ - التعصب لما هم عليه من الباطل: قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠].
و- تزكية النفس وادعاء التفوق: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] , وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨].
٦ - النهي عن موالاتهم، والإعلان لهم بأنّا مسلمون، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وقال تعالى: ﴿. . . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
٧ - الإشادة بفئة من أهل الكتاب عرفت الحق فآمنت به، وتعاطفت معه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].
هذه أهم أسس المنهج في المجادلة بعامة، ومجادلة أهل الكتاب بخاصة، وقد طبقه الرسول ﷺ مع المجادلين، ورسخه في الواقع، وسار السلف الصالح عليه، و (اهتم العلماء المسلمون -بتأثير مباشر من القرآن
стр. 1005
والسنة- اهتمامًا بالغًا بدراسة أديان الأمم وعقائدها وطقوسها، وعقدوا لذلك كتبًا مفردًا أو فصولًا مطولة في مصنفاتهم كالمسعودي وابن خلدون) (١)، وابن حزم، والجويني، وابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، والقرطبي، ثُمَّ برزت في العصر الحديث مؤلفات تُعْنَى بهذا الجانب مثل مؤلفات رحمة اللَّه الهندي وأبي زهرة وغيرهما.
ومِمَّا انتهجه علماء الأُمَّة الإسلاميَّة في الاحتجاج على الطوائف التي أثارت بعض الشبهات على عقائد الإسلام؛ أنَّهم كانوا يردون على بعضهم بما قال بعضهم الآخر، ويحتجون بما تورده طائفة من الحق أو ما هو أقرب إليه على الطائفة الأُخرى، حتى تضيق دائرة الخلاف ويُجتَلَى الحق من خلال تحرير محل النزاع، وعن هذا يقول ابن تيمية: (ومِمَّا ينبغي -أيضًا- أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنّة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنَّما خالف السنَّة في أمور دقيقة، ومن يكون قد ردَّ على
стр. 1006
غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنّة منه، فيكون محمودًا فيما ردَّه من الباطل، وقال من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في ردِّه بحيث جحد بعض الحق، وقال بعض الباطل، فيكون قد ردَّ بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، وردَّ باطلًا بباطل أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنَّة والجماعة) (١).
ويُمكن أن يفيد علماء الأُمَّة الإسلاميَّة من هذه الركيزة المنهجيَّة -التي ألمح إليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على بعض المستشرقين بما قاله بعضهم الآخر، وفيما رُدَّ به على المستشرقين من غيرهم.
وخلاصة القول: إنَّ منهج الإسلام في مواجهة الاستشراق والمستشرقين من علماء الأُمَّة الإسلاميَّة وباحثيها ومفكريها محدد المعالم، راسخ الأسس، واضح السمات، ملائم للتطبيق، يكشف الزيف، ويهدم الباطل للتي هي أقوم.
* * *
стр. 1007
أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين ووسائلها
بعد الإلمام بطبيعة المنهج الاستشراقي في دراسة الإسلام وأمَّته وأنه يهدف بطرق مباشرة وغير مباشرة إلى طمس معالم هويّة الأُمَّة الإسلاميَّة، والتشكيك في عقيدة الإسلام وشريعته وتاريخه وحضارته وتراثه، والنيل من ذاتيتها المتميزة واستقلالها (١)، فإنَّ التصدي لهذا الفكر المغازي يحتاج إلى مواجهة تعتمد على الآتي:
أولًا: الثقة في اللَّه قبل كل شيء، وإخلاص النية له ثم تحديد الهدف من اتخاذ أي أسلوب أو التذرع بأي وسيلة لمكافحة هذا الفكر المغازي والتصدي له أو لغيره من الأخطار المحدقة بالأُمَّة. .
وأن يكون الهدف هو إعلاء كلمة اللَّه، والانتصار له تعالى لتكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٠].
ثانيًا: الاعتصام بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وهذا شرط جوهري لمواجهة الاستشراق وغيره من الأخطار التي تهدد يتميز الأُمَّة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال الرسول ﷺ : "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما كتاب اللَّه وسنة نبيه" (٢).
стр. 1008
إذا تحقق هذا وذاك نهضت الأُمَّة الإسلاميَّة من كبوتها، وحققت بذلك تميز شخصيتها، وتفرد ذاتيتها؛ لأنها بذلك تحدد هدفها في الحياة، وترتكز على عقيدة قوية سليمة واضحة، وتنطلق في مسيرتها على جادة بينة في منهج محدد مرسوم مستقيم؛ وهو صراط اللَّه المستقيم؛ الذي فسَّرَهُ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ حينما سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية، بقوله: (تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة) (١).
بهذا التمسك وعلى ذلك المنهج سادت الأُمَّة الإسلاميَّة، وانتصرت، وقادت البشرية ردحًا من الزمان. . (وإذا جدّد المسلمون في هذا العصر سيرة سلفهم الصالح عادوا أقوياء بقوة الإسلام، أعزاء بعزته، منتصرين باتباع كتابه وسنته) (٢).
ثالثًا: إدراك واقع الأُمَّة. . . وأنها في حالة ضعف شديد، وهذا الضعف حدث واشتدّ بسبب بعد المسلمين عن كتاب اللَّه وعن سنة رسوله ﷺ ، وليس بسبب تمسكهم بهما كما يصور ذلك أعداؤها ومنهم عامة المستشرقين. . . وهذا الضعف الذي تعاني منه الأُمَّة الإسلاميَّة شكّل مناخًا ملائمًا وبيئة خصبة لنشوء قوًى وتيارات تعادي عقيدة الإسلام وشريعته وتاريخه وحضارته، (ولا بُدَّ لنا أن نعترف بأن الاستشراق يستمد قوته من
стр. 1009
ضعفنا ووجوده نفسه مشروط بعجز العالم الإسلامي عن معرفة ذاته، فالاستشراق في حد ذاته دليل وصاية فكرية، ويوم يعي العالم الإسلامي ذاته وينهض من عجزه. . . سيجد الاستشراق نفسه في أزمة وخاصة الاستشراق المشتغل بالإِسلام، ويومها لن يجد الجمهور الذي يخاطبه لا في أوروبا ولا في العالم الإسلامي) (١).
رابعًا: إذا كان ما قام به الاستشراق في القديم وما يقوم به في الحاضر يعدُّ جزءًا مهمًّا في الصراع الفكري ضد وجود الأُمَّة الإسلاميَّة وتميزها؛ (لما يسهم به في صياغة التصورات الغربية عن العالَم الإسلامي، معبرًا عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما) (٢)، فإن هذا الصراع الفكري المرير ضد الأُمَّة الإسلاميَّة والمعركة التي فرضت عليها يُعَدّ أشد وطأة، وأقوى أثرًا، وأعظم فتكًا من أيِّ معركة حربية مهما كان حجمها؛ لأن هذه المعركة معركة أفكار (٣) حول إثبات الذات وتميزها.
ويتساءل بعض الباحثين: (هل نحن حريصون حقًّا على الحفاظ على هويتنا وعقائدنا وتراثنا واستقلالية شخصيتنا الإسلاميَّة أم لا؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب فنحن إذًا أصحاب قضية مصيرية من أجل إثبات الذات. . . قضية صراع حضاري مرير، والاستشراق طرف في هذه القضية) (٤).
والحربُ على الإسلام وأمته في هذا المجال حربٌ عقديَّة فكرية لها
стр. 1010
منطقها ووسائلها وأساليبها، ومِمَّا تتمثل به البحوث والدراسات، والتراجم المختلفة لمعاني القرآن الكريم، وإنجاز المعاجم اللغوية، والموسوعات المتنوعة في التاريخ والاجتماع والعقائد والمذاهب والحضارة، وذلك إلى جانب تأسيس المعاهد والجمعيات وإصدار المجلات وعقد المؤتمرات ونحو ذلك من الأعمال العلمية والتعليمية والإعلامية (١) التي تظهر في أحيان كثيرة بالمظهر الحضاري والرقي الفكري، بينما هي في الحقيقة تكيد للأُمّة الإسلاميَّة، وتقوم بتفريغ شخصيتها من مضامينها الصحيحة وتحاول إعادة صياغتها وفق أهدافها -كما وصف إدوارد سعيد مكانة الاستشراق في الثقافة الغربية، وأنها استطاعت (عن طريقه أن تتدبر الشرق- بل حتى أن تنتجه سياسيًّا، واجتماعيًّا، وعسكريًّا، وعقائديًّا، وعلميًّا، وتخيليًّا في مرحلة ما بعد عصر التنوير) (٢)، وسواء بلغ الاستشراق هذا الهدف أو لم يبلغه فلا أقل من كونه أصبح يشكل ما يشبه الوصاية الفكرية على الأُمَّة الإسلاميَّة وأوضاعها العامة والخاصة.
إنَّ التصدي لهذا الواقع يستوجب إعداد الوسائل والأساليب المناسبة لمواجهة هذا التحدي، والتصدي لخطره، وقد اجتهد كثير من الباحثين في طرح ما يقابل التحدي الاستشراقي بمثله، بل ويتغلب عليه. . ومن أبرز الوسائل والأساليب ما يأتي:
١ - إعداد موسوعة للرد على المستشرقين.
٢ - إعداد دائرة معارف إسلامية جديدة.
٣ - إنجاز ترجمة إسلامية لمعاني القرآن الكريم.
٤ - تأسيس مؤسسة إسلامية علمية عالمية.
стр. 1011
٥ - تكوين جهاز عالمي للدعوة الإسلاميَّة.
٦ - إنشاء دار نشر إسلامية عالمية.
٧ - العمل على تنقية التراث الإسلامي.
٨ - الحضور الإسلامي في الغرب.
٩ - الحوار مع المستشرقين المعتدلين) (١).
وهناك أطروحات كثيرة أخرى من أبرزها:
١ - فتح معاهد للدراسات الاستشراقية في الجامعات الإسلاميَّة تعني بما صدر عن المستشرقين تصنيفًا ودراسة ونقدًا.
٢ - عقد مؤتمرات لمناقشة الأعمال المنجزة في هذا الصدد ورصد النتائج وتبادل التجارب والخبرات. . ثم الاتفاق على جمع النتائج ونشرها من لدن لجان متخصصة في سلسلة علمية مفصلة تتحول عبر السنين إلى موسوعة كاملة في الرد على المستشرقين.
٣ - توجيه بعض الرسائل الجامعية في الأقسام الدراسات العليا في الأقسام الإسلاميَّة والإنسانية نحو دراسة آثار المستشرقين.
٤ - تدريس الاستشراق ومناهجه وتراثه وآثاره في الأقسام العلمية في الجامعات) (٢).
ويأتي بعد ذلك تساؤل عما إذا كان ذلك في الإطار النظري فحسب، أو تجاوز هذا الإطار إلى التطبيق العملي؟
والجواب على هذا بأن هناك أعمالًا جماعية وأخرى فردية بذلت في مواجهة الاستشراق وأعمال المستشرقين يُمكن الإلماح إلى بعضها على سبيل الإجمال والإيجاز سواء ما كان منها على المستوى الفردي أو
стр. 1012
المستوى الجماعي من خلال المؤسسات العلمية والمراكز والهيئات المتخصصة في العالم الإسلامي.
أولًا: قام على المستوى الفردي (كثيرٌ من علماء الأُمَّة ومفكريها وبعض الباحثين والدّارسين بالتصدي للاستشراق، ومناقشة منهجه في دراسة الإسلام وبيان مخاطره وخياناته العلمية. . والكشف عن مقدماته ونتائجه الفاسدة) (١).
ومن أبرز هؤلاء العلماء والمفكرين والباحثين: (محمد رشيد رضا، والأمير شكيب أرسلان، ومصطفى الرافعي، وعباس محمود العقاد، ومصطفى السباعي، وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، ومالك بن نبي، ومحمد البهي، ومحمد الغزالي، ومحمد محمد حسين، وأنور الجندي، ومحمود شاكر وغيرهم) (٢).
كما توجد مخطوطة عن المستشرقين وأعمالهم لمحب الدين الخطيب في حوزة ابنه ذكرها أحمد سمايلوفتش (أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلاميَّة بكلية الدراسات الإسلاميَّة بيوغسلافيا) (٣)، ذكر بأنّه اطلع عليها، وقال عن مؤلفها: (. . حاول أن يسجل كل ما يتعلق بالاستشراق، مبتدئًا بمطبوعات شرقية في أوروبا، الجمعيات الاستشراقية المختلفة، مؤتمرات المستشرقين، مشاهير المستشرقين، دائرة المعارف الإسلاميَّة، مجلّات الاستشراق المختلفة، مطابع العربيَّة في أوروبا، المكتبات الأوروبية التي تحتوي على المؤلفات العربيَّة، وما إلى ذلك مما يبدو لنا أنه كان ينوي
стр. 1013
التأليف في هذا الموضوع، علاوة على ما يؤكد دقة تتبعه لأعمال المستشرقين المختلفة، وما كان يصدره علماؤه الكبار في الشرق والغرب على السواء) (١).
ثانيًا: وأمَّا على المستوى الجماعي من خلال المؤسسات العلمية والهيئات ومراكز البحث في العالم الإسلامي، فهناك على سبيل المثال لا الحصر الآتي:
١ - ما قامت به الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، بالتنسيق مع الأمانة العامة لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة المنورة، من إعداد تراجم لمعاني القرآن الكريم بأكثر من لغة (الإِنجليزية، الفرنسية، وغيرها) وتَمَّ إنجاز عددٍ من التراجم في مقدمتها الإِنجليزية والفرنسية، ومما يجدر ذكره هنا تلك العناية الفائقة بالترجمة بدءًا بتشكيل لجان متخصصة لتدارس التراجم السابقة واختيار أدق التعابير وأنسبها للتعبير عن معاني القرآن الكريم وألطف الألفاظ في اللغات المترجم إليها، ومما يدل على التأدب مع كتاب اللَّه والدّقة في التعبير، كتابة العنوان على النحو الآتي: (القرآن الكريم وترجمة معانيه إلى اللغة. .) إلى اللغة التي ترجمت إليها، فنص القرآن مكتوب بتمامه ثمّ تأتي الترجمة لمعانيه على الحواشي. . غير أن إخراج الترجمة الفرنسية فيما يبدو لي أكثر إبداعًا حيث جاء نص القرآن الكريم وفقًا لمصحف المدينة المنورة وجاءت الترجمة في الصفحة المقابلة، وهذا يحفظ لرسم المصحف كمال العناية والرعاية. . وحبذا لو أخضعت الترجمة أيضًا لترتيب صفحات مصحف المدينة فتبقى الصفحة اليمنى في المصحف هي الصفحة اليمنى في الترجمة، والصفحة اليسرى في الترجمة هي الصفحة
стр. 1014
اليسرى في الترجمة لئلا يختل تصور الصفحات على من يعتمد على التصور في حفظه للقرآن، وحفظ مواقع الآيات من الصفحات.
ومِمَّا لا شك فيه أنَّ إنجاز ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغات العالمية الحيّة بدءًا بالإِنجليزية والفرنسية. . بأيدٍ أمينة وقلوب مؤمنة محبة للَّه ورسوله ولكتابه ولأُمَّة الإسلام، وتعمل بعقول واعية مدركة. . من شأنه أن يكافح سموم الاستشراق، ويصد عاديته على الأُمَّة الإسلاميَّة وعلى دستور حياتها الذي جاء رحمة للعالمين كما يكشف بصورة علمية سوء عمل المستشرقين في ترجماتهم المنتشرة لدى الأوروبيين لما فيها من باطل، وتزوير وافتراء، يرمي إلى صرف غير المسلمين بعامة والأوروبيين بخاصة عن قبول الإسلام، وليبقى هؤلاء على كراهيتهم له وحقدهم عليه، فقد أسهمت (هذه الترجمات في صنع سد منيع لمنع عبور الإسلام إلى غير المسلمين بعامة والأوروبيين بخاصة، وعن طريقها دبت كراهية الإسلام والمسلمين في دماء الشعوب الأوروبية) (١).
٢ - تعنى كثير من الجامعات في العالم الإسلامي بدراسات المستشرقين ومناهجهم، ولعل جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلاميَّة من أبرز المهتمين بما صدر عن المستشرقين بروح متميزة، ومن أبرز ما عملت الآتي:
أ- أنشات وحدة خاصة لدراسات المستشرقين في مركز البحوث بالرياض.
ب- أنشأت قسمًا دراسيًّا خاصًّا بالاستشراق في كلية الدعوة والإعلام بالمدينة المنورة (٢).
стр. 1015
ج- قررت تدريس الاستشراق في بعض مستويات الدراسة الجامعية في بعض الكليات.
د- تسجيل بعض الرسائل العلمية في مرحلتي (الماجستير والدكتوراه) في أقسام عديدة من كليات الجامعة (١).
٣ - نظمت أكاديمية (دار المنصفين) بالتعاون مع (ندوة العلماء لكهنؤ) في الهند ندوةً علمية بعنوان (الإسلام والمستشرقون) وقد عقدت الندوة ما بين (٢٦ - ٢٨ ربيع الآخر من عام ١٤٠٢ هـ الموافق ٢١ - ٢٣ فبراير ١٩٨٢ م) شارك فيها عدد من العلماء والباحثين المسلمين ووفد إليها مندوبون عن بعض الجامعات الإسلاميَّة ومراكز البحث والهيئات العلمية في أرجاء العالم الإسلامي. . وقد صدرت أعمال هذه الندوة في كتاب بعنوان: (الإسلام والمستشرقون) تأليف: نخبة من العلماء، وصدرت طبعته الأولى عام ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
٤ - في إطار التعاون المشترك بين المنظمة العربيَّة للتربية والثقافة والعلوم ومكتب التربية العربي لدول الخليج، وبمناسبة احتفائهما بحلول القرن الخامس عشر الهجري وقع اختيارهما على معالجة موضوع الاستشراق. . وشكلت لهذا الغرض لجنة استكتبت عددًا من العلماء المسلمين للكتابة عن مناهج المستشرقين ونقدها.
وقد صدر هذا العمل في كتاب يقع في جزأين بعنوان: (مناهج المستشرقين في الدراسات العربيَّة الإسلاميَّة) وصدرت طبعته الأولى عام ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
стр. 1016
٥ - أصدرت بعض المجلات أعدادًا متخصصة عن الاستشراق والمستشرقين، منها على سبيل المثال:
أ- عدد خاص عن الاستشراق أصدرته مجلة عالم الكتب وأسهمت في نشره جامعة الإِمام. . وهو العدد الأول من المجلد الخامس المصادر في رجب ١٤٠٤ هـ إبريل ١٩٨٤ م.
ب- وصدر عدد خاص عن الاستشراق وهو العدد السادس من المجلد الخامس عشر من مجلة عالم الكتب -أيضًا- في جمادى الأولى والآخرة ١٤١٥ هـ/ نوفمبر - ديسمبر ١٩٩٤ م.
ج- حمل العدد السنوي المتخصص من مجلة المنهل لعام ١٤٠٩ هـ عنوان: (الاستشراق والمستشرقون) وهو العدد ٤٧١١، السنة [٥٥] المجلد [٥٠] عن رمضان وشوال عام ١٤٠٩ هـ - إبريل مايو ١٩٨٩ م.
* * *
стр. 1017
الخاتمة
تتضمن هذه الخاتمة خلاصة لأهم ما في هذه الرسالة من موضوعات فكريَّة، ونتائج، وتوصيات؛ مِمَّا خلص إليه البحث في تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة والدراسة النقديَّة لموقف المستشرقين منه، وذلك على النحو الآتي:
١ - في ضوء الدراسة التأصيلية لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة، تبين الآتي:
أولًا: اشتمال مفهوم يتميز الأُمَّة الإسلاميَّة على ما اختصت به من دون سائر الأُمم، وتحقق هذا المفهوم بمدلوله العلمي فيها، وبمعطياته المتنوعة، على نحوٍ متفرد من حيث وحدة المصدر والاتجاه، وشمول الرؤية، وكمال النظم بحيث صبغها بصبغته، وميَّزها بطابعه، فكانت أُمَّةً وسطًا.
ثانيًا: ارتكاز تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة على القرآن الكريم والسنة المطهرة، على ضوءِ فهم السلف الصالح لهما، وتحقيق ذلك في حياة الأُمَّة عبر عصورها.
ثالثًا: استفاضة الأدلة على منزلة التميُّز وضرورته، وأنَّه من سنن اللَّه مِمَّا يؤكد أنَّ تَمَيُّز هذه الأمَّة قدرًا إلهيًّا، واختيارًا ربانيًّا، وتكريمًا من العليم الخبير، ويبين عظم المسؤولية في تحقيقه.
رابعًا: أنَّ ضرورة التميُّز أساس في إبراز ذاتيَّة الأُمَّة، وإظهار سمتها وسماتها, ولا سيما مع تقدم الزمان، وتقدم وسائل الاتصال، وتداخل الثقافات، وتلاقي الأمم بمناهجها المختلفة، وثقافاتها المتنوعة، وسيرورة
стр. 1018
البشريَّة نحو العالمية في نظمها وقيمها وتصوراتها، فالتميُّز ضرورة للأمَّة الإسلاميَّة؛ ليكون ضمانة لها من الضياع، أو التراجع، أو التفريط.
خامسًا: إنَّ تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بمقوماته وخصائصه وأهدافه ووسائله، تَمَيُّز فريد لا يعني -بحال- الانغلاق في دوائر الذاتيَّة الضيقة، أو الإقليمية المحدودة، أو العنصرية المقيتة، بل هو تَمَيُّز يعلي من قيمة الفرد، ويهتم بمصلحة المجتمع، وسيادة الأُمَّة لارتكازه على ما يأتي:
أ- عقيدة التوحيد ؛ التي فطر اللَّه الناس عليها، فهي بذلك: عقيدة سهلة المأخذ، واضحة بينة بيضاء نقية، تعرض قضايا الوجود، وحقائق عالم الغيب وعالم الشهادة، بأسلوب حي مؤثر، يجعل للإيمان أثره العميق في نفس الفرد، وفي استقامة سلوكه، وفي الجماعة ونظام حياتها، وبذلك يتحقق تَمَيُّز الأُمَّة بهذه العقيدة الفذَّة الأصلية، دون غيرها من عقائد الأمم التي داخلها الشرك، والشك، والهوى، والآراء الفاسدة، والأفكار الرديئة، فصارت بذلك أسوأ نماذج التعقيد والتناقض.
ب- الشريعة الإسلاميَّة الغراء ، المنبثقة من عقيدة التوحيد، التي تربط الأُمَّة بمنظومة من القيم والنظم، تلازم هذه العقيدة ملازمة محكمة، وتعمد على مصادر جعلتها صالحة لكل زمان ومكان وإنسان، لما اشتملت عليه من أحكام تجلب المصالح، وتدفع المفاسد، وتنطوي على مرونة تمكنها من احتواء المستجدات، وربطها بالقواعد المقررة والأصول الثابتة، وفقا لضوابط شرعيَّة دقيقة.
ج- الأخُوَّة الإسلاميَّة ووحدة الأمَّة ؛ فهي أُخُوَّة توجبها عقيدة الإسلام، وشريعته، وتربط شبكة العلاقات الاجتماعية بأواصر قويَّة، قوامها الحق والخير والإحسان, والتعاون على البر والتقوى، ومكافحة الشر والرذيلة والفتن.
стр. 1019
وعلى أساس من هذه الأُخُوَّة تحققت وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة على أوسع نطاق، وكانت بما تفردت به من ارتكازها على التقوى ميزانًا للكرامة، والتفاضل، والتنافس، ونمو البر والإحسان, وشيوع العفو والتسامح؛ والوحدة النموذجيَّة الراسخة، التي أقامت صروح الحق والعدل في أرجاء المعمورة، كما تشهد بذلك حضارتها الزاهرة.
د- الخصائص التي تفرد بها تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة؛ وأهمها:
• الربانية: فمصدر التميُّز كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، فهو ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨].
• العالَمِيَّة: التي تقتضيها ربانيَّة الإسلام من حيث هو خطاب لكافة البشر، ومنهج شامل مستجيب لحاجاتهم في إطار عالمي لجميع الناس الذين ارتضوا الإسلام دينًا، وانضموا تحت لوائه، دون قيد بزمان أو مكان.
• الوسطيَّة: التي هي سمة الأُمَّة الإسلاميَّة، ودليل تحققها بالحق والخير ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
• الإيجابيَّة الخيِّرة: ومظهرها السبق إلى الخير والصلاح والإصلاح، والمسارعة إلى الحق والعدل والبر والإحسان وكل عمل صالح يراد به وجه اللَّه فهو سبق مبرأ مِمَّا يضر بالآخرين، أو بالكون، بل ينجسم مع سنن اللَّه في الكون والأنفس والحياة.
هـ - أهداف تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة المتمثلة في تحقيق العبوديَّة للَّه، التي هي الغاية من خلق الثقلين، وجعلها خالصة للَّه رب العالمين، وفقًا لما شرع، واقتداء برسوله ﷺ .
ويهدف كذلك لتحقيق الاستخلاف بإقامة دين اللَّه في الأرض، بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان باللَّه، ولا يتأتى
стр. 1020
هذا إلَّا بتحقيق الهدف الذي سبق؛ لأن الأُمَّة إذا لَمْ تحقق عبوديتها الخالصة للَّه فقدت سيادتها وعزتها.
و- وسائل تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة التي يتحقق من خلالها، والتي تسهم في بناء الشخصية الإسلاميَّة للفرد والأُمَّة.
• تأتي اللغة العربيَّة في مقدمتها، فهي شعار الأُمَّة، وهي من أهم وسائل تَمَيُّزها؛ لأنَّها اللسان الذي أُنْزِلَ به القرآن الكريم، وبلَّغ به الرسول الكريم ﷺ رسالة ربه، وهو السبيل لفهم نصوص الدين، والطريق إلى معرفته، ومعرفة نهج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وتأثيرها عظيم في العقل والخلق والسلوك والدين.
• ثُمَّ يأتي تاريخ الإسلام وحضارته؛ حيث نشأ هذا التاريخ من انبثاق النور في بطحاء مكة المكرمة، متواصلًا مع تاريخ النبوات السابقة، ومتميِّزًا في نشأته وتطوره، وجاءت حضارة الإسلام على غير مثال سابق؛ من حيث أصالة الأسس، وقوة الجذور، وروح الحياة المتجددة، ذات التأثير الفاعل في حياة البشريَّة، وحركتها وآمالها وأهدافها، وبدأ هذا التاريخ؛ ونشأت هذه الحضارة في دنيا الواقع بصورة فعليَّة ملموسة، وبوقائع ذات أبعاد ضخمة في حاضر الإسلام ومستقبله.
وإذا كان مِمَّا اتسم به تاريخ هذه الأُمَّة تفرده واستقلاله عن تواريخ الأُمم الأخرى، فإنَّ مرد ذلك جملة من المقومات التي استندت إليها حياة المسلمين، ومنها:
• الالتزام بالإِسلام، والاعتزاز به.
• الوعي الشامل بالثقافة الإسلاميَّة، وما يخالفها من الثقافات الأُخرى.
• الدعوة والجهاد.