من فلول الصباح، وحيث الدعوة النصرانية باتت كأنها خرافة من الخرافات"، وقال مبشر بروستنتي فرنسي: "ما برح الإسلام (يتقدم) منذ نشوئه حتى اليوم فلم يعثر في سبيله إلَّا القليل، وما زال يسير في جهات الأرض حتى بلغ قلب إفريقية مذلّلًا أشق المصاعب، ومجتازًا أشد الصعاب، غير واهن العزم، فالإِسلام حقًّا لا يرهب في سبيله شيئًا، وهو لا ينظر إلى النصرانية، منازعته الشديدة، نظرة المقت والازدراء، فلهذا هو حقيق بالظفر والنصر، إذ بينما كان النصارى يحلمون بفتح إفريقية في نومهم، فتح المسلمون جميع بقاع القارة في يقظتهم") (١).
أمَّا الجهاد فله مفهوم واسع، يقول الراغب الأصفهاني: (الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] , وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٢]. . . والمجاهدة تكون باليد واللسان) (٢).
وبهذا يتبين أنَّ الجهاد يبدأ من داخل المؤمن كي ينتصر على أهوائه وشهواته ويجاهد نزغات الشيطان ووسوسته، ليستقيم على صراط اللَّه المستقيم، وبذلك يكون فردًا صالحًا في مجموع الأُمَّة، ثُمَّ يرقى إلى إدراك مهمته في الحياة، وواجبه في نشر الدعوة والدفاع عنها، وبذلك يندرج في الأُمَّة الإسلاميَّة، ثُمَّ إنّ هذه الأُمَّة مضطرة إلى الجهاد للمحافظة على
стр. 947
ذاتيتها والدفاع عن وجودها والاضطلاع برسالة ربها في نشر دينه وإعلاء كلمته، وللجهاد في الإسلام معنى حضاري فريد؛ (فالجهاد يعكس مفهوم الأمن الإِسلامي الذي يركز على إيصال الرسالة وتبليغها إلى الآخرين بغية توفير الأمن الفكري والمادي والنفسي لبقاء النوع البشري ورقيه، ذلك أن مصدر الخطر على بقاء النوع البشري ورقيه -حسب التصور الإِسلامي- يكمن في (القيم) التي تَكْفُرُ -أي: تَحْجُبُ وتُخْفِي- قوانين الخلق في النشأة والمصير، وتقتصر على نوازع التمتع بالحياة وشهواتها، ومن هذا -الكفر- تتشوه جميع أشكال الاعتقاد والشعور والممارسات في ميادين السلوك والاجتماع والعلاقات، حتى إذا ظهر أهل الكفر في الأرض أشاعوا الفتن، والمظالم السياسيَّة، والمفاسد الاجتماعية، وردوا شبكة العلاقات الاجتماعية إلى عهود الغاب والهمجيَّة والتخلف، ولذلك كان طلب بذل النفس لمحاربة قيم الكفر ومؤسساته وممثليه، وبذل المال لنشر قيم الرسالة الإسلاميَّة وإقامة مؤسساتها والإنفاق على العاملين والدارسين فيها حتى يتحقق التفوق للقيم الإسلاميَّة فيشيع السلام ويكون الدين كله للَّه، وهذا المفهوم الإِسلامي للأمن والسلام يختلف تمام الاختلاف عن مفهوم الأمن القومي الذي ترفع لواءه المجتمعات المعاصرة، وتتخذ ذريعة لممارسة مختلف أشكال العدوان ضد بعضها. .) (١).
ويختلف مفهوم الجهاد في الإسلام -كذلك- تمام الاختلاف عن المفاهيم القديمة والحديثة، فهو مختلف عن مفهوم الغزو لدى العرب قبل الإسلام، ويختلف عن مفهوم الحرب المقدسة لدى الغرب (٢)، وإنَّما هو
стр. 948
(بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب وأكبر وطر للمسلم طاعة اللَّه ورضوانه، والخضوع لحكمه، والاستسلام لأوامره، وذلك يحتاج إلى جهاد طويل وشاق ضد كل ما يزاحم ذلك من عقيدة، وتربية، وأخلاق، وأغراض، وهوى، وكل ما ينافس في حكم اللَّه وعبادته من آلهة في الأنفس والآفاق، فإذا حصل ذلك للمسلم وجب عليه أن يجاهد لتنفيذ حكم اللَّه، وأوامره في العالم من حوله، وعلي بني جنسه، فريضة من اللَّه، وشفقة على خلق اللَّه؛ ولأنَّ الطاعة الانفراديَّة قد تصعب وتمتنع أحيانًا بغير ذلك، وذلك ما يسميه القرآن (الفتنة)، ومعلوم أنَّ العالم كله بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان، خاضع لمشيئة اللَّه وأحكامه التكوينيَّة، وقوانينه الطبيعية ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] , ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] فيتعين أن جهاد المسلم إنَّما هو لتنفيذ شريعته التي جاء بها الأنبياء، وإعلاء كلمته ونفاذ أحكامه، فلا حكم إلَّا للَّه، ولا أمر إلَّا له، وهذا الجهاد مستمر ماضٍ إلى يوم القيامة، وله أنواع وأشكال لا يأتي عليها الحصر، منها القتال، وقد يكون أشرف أنواعه، وغايته أن لا تبقى في الدنيا قوتان متساويتان متنافستان، تتجاذبان الأهواء والأنفس ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣].
ومن مقتضيات هذا الجهاد أن يكون الإنسان عارفًا بالإِسلام الذي يجاهد لأجله، وبالكفر والجاهلية التي يجاهد ضدها، يعرف الإسلام معرفة صحيحة ويعرف الكفر والجاهلية معرفة دقيقة، فلا تخدعه المظاهر، ولا تغره الألوان، ولا يجب على كل مسلم أن تكون معرفته دقيقة بالكفر والجاهلية، ومظاهرهما، وأشكالهما وألوانهما, ولكن على من (يتولى زمام الدعوة إلى الإسلام)، أو يتولى قيادة الجيش الإِسلامي ضد الكفر
стр. 949
والجاهلية، أن تكون معرفته بالكفر والجاهلية فوق معرفة عامة المسلمين وأوساطهم، كذلك يجب أن يكون استعدادهم كاملًا وقوتهم تامَّة، يقارعون الحديد بالحديد، بل بأقوى من الحديد، ويقابلون الريح بالإعصار، ويواجهون الكفر وأهله بكل ما يقدرون عليه. . .، وبكل ما اكتشفه الإنسان ووصل إليه العلم في ذلك العصر، من سلاح وجهاز، واستعداد حربي لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (١).
ومن خلال القيام بدراسة الدعوة والجهاد باعتبارهما من وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة يظهر الترابط بينهما، ويتجلَّى مفهوم الجهاد، وتحديد مظاهره، وفي ضوء هذا فإنَّه: (لا يكون الجهاد أصيلًا شاملًا ما لم تتابع التربية وظيفتها في تأصيل معناه وتبيان مظاهره، وتفصيلها حسب متطلبات الزمان والمكان، والذي يقرر عمل التربية في هذا المجال ثلاثة عوامل؛ الأول: درجة تطور البشرية، والثاني: نوع التحديات القائمة في الداخل والخارج، والثالث: نسخ المظهر الجهادي، أو رفع النسخ عنه، وانطلاقًا من هذه العوامل الثلاثة ينقسم ظاهر الجهاد إلى ثلاثة مظاهر رئيسية يندرج تحت كل منهما تطبيقات عملية لا حصر لها ولا نهاية؛ وهذه المظاهر الرئيسية هي:
١ - الجهاد التربوي: يستهدف الجهاد التربوي تزكية الإنسان المسلم من منزلة -الخضوع للغرائز والدوافع- الآنية المؤقتة التي تبقيه حبيس الشهوات والانفعالات الفردية التلقائية والارتقاء به إلى منزلة -تحقيق الذَّات- التي يحقق الإنسان عندها إنسانيته، فيسترشد بتفكيره وعقله وخبراته المنظمة عن الخالق والكون والإنسان والحياة.
стр. 950
٢ - الجهاد التنظيمي: وغاية هذا الجهاد تنظيم (وسع) الأُمَّة -حسب التعبير القرآني- أي: طاقاتها وقدراتها المعنوية والماديَّة والبشرية، والتنسيق بينها بما يكفل حشدها وتكاملها -دون هدر أو نقص- لتحقيق أهداف الرسالة.
٣ الجهاد العسكري: وغاية هذا الجهاد هو إزالة العوائق التي تحول دون الحفاظ على بقاء النوع البشري ورقيه، حين لا تنجح أشكال الجهاد التربوي والتنظيمي في تحقيق هذه الغاية وحدها، ويتجلى اقتران هذا النوع من الجهاد بالرسالة الإسلاميَّة من خلال الضوابط العقيديَّة والأخلاقية التي تحكمه وتوجهه بحيث لا يخرج لحظة واحدة عن غايات الرسالة وأهدافها، وحين تتحقق أهداف الرسالة دون قتال يتوقف الجهاد القتالي ويصير ممنوعًا) (١).
وبالنظر لمنطلقات الجهاد وغاياته ومظاهره، وضوابطه الشرعيَّة ومجالاته ووسائله، يتبين أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة مجاهدة لتحقيق مراد اللَّه في نفسها أولًا وقبل كل شيء، ثُمَّ لنشر دعوة الإسلام إلى الخلق كافَّة، ثُمَّ يأتي الدفاع عن وجود الأُمَّة، ونشر الدعوة، والاضطلاع يحمل الرسالة لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى؛ ولأنَّ حكمة اللَّه اقتضت أن لا يستجيب جميع الناس لصوت الحق، ولا يلتزم أكثرهم بالإِسلام، بل ينبري لدعوة الإسلام في كل زمان أعداء ألداء، وخصومٌ جائرون، فإنَّ مجاهدة هؤلاء تكون من المبادئ الإسلاميَّة والمجاهدة تكون
стр. 951
في صور كثيرة، منها: الصبر على آذاهم وتقوى اللَّه في ذلك لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] , ومنها المجادلة بالتي هي أحسن وبخاصة مع أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقد تنتهي المجادلة معهم بالمباهلة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
ومن صور الجهاد المصابرة والمرابطة لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
قال ابن قيم الجوزية في تفسيرها: (والمصابرة: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنَّها مفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة. . . والمرابطة: وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة. . فالمرابطة كما أنَّها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان. .، وسمّي المرابط مرابطًا: لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع، ثُمَّ قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها: مرابط. . .) (١).
وقال في موضع آخر: (وجماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به هو تقوى اللَّه تعالى، فلا ينتفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلَّا بالتقوى) (٢).
وقد تصل مجاهدة الأُمَّة الإسلاميَّة لغيرها من الأمم إلى درجة القتال وعندها فإنَّ للإسلام منهجًا متميزًا لم يشهد له التاريخ مثيلًا، من حيث
стр. 952
الضوابط الشرعيَّة لإعلان الحرب والقتال، وما شرعه الإسلام في التعامل مع أهل الكتاب -ومن ألحقه علماء الأُمَّة الإسلاميَّة بهم- إذا لم يستجيبوا لدعوة الإسلام، فإنهم يخيرون بين دفع الجزية أو القتال، فإذا اختاروا الجزية فإنها تؤخذ منهم لاعتبارات عدّة، وإلى جانب ذلك فإنَّ لأسلوب أخذها في الإسلام أخلاقًا ساميَّة (سبق ذكر مجملها)، وإذا أبوا إلَّا القتال فإنَّ للقتال والحرب في الإسلام منهجًا فريدًا يُمكن تلخيص مرتكزاته في الآتي:
١ - أن يكون لإعلاء كلمة اللَّه، يقول أبو الحسن العامري: (لسنا نشك أنَّ الوقائع الحربيَّة بين أصناف الخليقة لن تقع إلَّا على جهات ثلاث، هي: الجهاد، والفتنة، والتصعلك، فأمَّا الجهاد: فهو الذي يتولاه عمَّار البلاد، وساسة العباد، من الدفاع عن الدين، وصيانة للمراتب، وأما الفتنة: فهو ما يقع بين طبقات الأمم من الهَيَجِ والقتال: لتعصب بلدي، أو تعصب نسبي، وأمَّا التصعلك: فهو ما يقصد به من انتهاب المال، واستلاب الأملاك، فالنوع الأول نتيجة القوة التمييزية، وهو محمود عند ذوي الألباب، وأمَّا النوعان الآخران فأحدهما نتيجة القوة الغضبيَّة، والآخر نتيجة القوة الشهويَّة، وكلاهما مذمومان عند ذوي الألباب) (١).
стр. 953
ويصف أبو الحسن العامري الجهاد القتالي في الإسلام ممثلًا في الرسول ﷺ فيقول: (ونحن متى تتبعنا حال محمد ﷺ في حروبه ووقائعه وجدناه جاعلًا لقصارى غرضه من الثبات القوي في مصافِّ القتال كلمة يبذلها خصمه قريبة من الإقرار بوحدانية من له الخلق والأمر، والتصديق بما أرسل إليه من عنده ﷻ حتى إذا وجدها منه أغمد سيفه، وأوجب على نفسه حمايته) (١).
ب- أن لا يكون اعتداءً ولا تجاوزًا، وكون القتال في سبيل اللَّه لإعلاء كلمة اللَّه، وإظهار الحق، وإزهاق الباطل، فإنَّ أيَّ مظنَّة للظلم أو التجاوز أو التعسف في استعمال الحق، ونحو ذلك مِمَّا لا يتفق مع غاية القتال وأخلاق الإسلام فيه، كل ذلك لا يجيزه الإسلام ولا يرضاه، بل نهى عنه وحرَّمه.
وقد استنتج بعض الباحثين من ذلك أمرين؛ أحدهما: أنَّ القتال في الإسلام (ليس للإجبار على اعتناق الإسلام. . .) (٢).
والآخر: أنَّه (ليس عقابًا على الكفر. . . الذي ولد عليه صاحبه ونشأ عليه. . وصاحبه لم يسبق له الدخول في الإسلام (أمَّا) الكفر الطارئ على
стр. 954
صاحبه بعد الدخول في الإسلام. . . فيه حدّ الردَّة كما ورد في السنة وعمل الخلفاء الراشدين مع إجماعهم عليه. . .) (١).
وفي هذا ما يؤكد سماحة الإسلام في أمر الجهاد، ومن أبرز ذلك هذان الأمران:
الأول: إنَّه لَمْ يكن من مشروعية القتال في الإسلام حمل الناس بالقوة المسلحة على اعتناق الدين؛ لأن في القرآن العظيم نصًا واضحًا وصريحًا ومحكمًا يمنع من هذا الهدف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
الثاني: أن لا يكون عقابًا على الكفر الأصلي الذي ولد عليه صاحبه ونشأ، فالكفر أعظم الذنوب، ومع ذلك فالأمر فيه موكول إلى اللَّه سبحانه يعاقب عليه في الآخرة بالخلود في النَّار، أمَّا في الدنيا فليس لأحد أن يعاقب صاحب الكفر الأصلي بالقتال عليه أو القتل، ودم الكافر كفرًا أصليًّا مصون كماله وعرضه، إلَّا إذا حارب المسلمين أو انضم لمن يحاربهم، فيكون هو الذي أهدر دم نفسه) (٢).
ج- للقتال في الإسلام ضوابط وأخلاق تكفل السلام للبشرية قاطبة، بل تجعل السلام هو السائد، وهو المأمور بالجنوح إليه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] فالسلام في الإسلام يحقق (احترام النوع الإنساني لإنسانيته، وذلك عام لكل الناس: أفرادًا، وأسرة، وجماعات، ومجتمعات إنسانية عالميَّة في إطار الكرامة، والمساواة والعزَّة، وإرادة الخير والحق. . وشامل لكل أحوال الإنسان، فهو لا يعني مجرد الكف عن الحرب بأيِّ ثمن، ولو كانت هناك حرب نفسية داخل
стр. 955
الإنسان، أو جحيم لا يطاق داخل الأسرة، أو مهما يقع في الأرض من ظلم وفساد، ومهما يلحق العباد من لأواء وشدة وضنك، وإنَّما يمتد ليشمل هذه المراحل كلها، وتلك الأحوال كلها، في خطوات متدرجة تدرجًا منطقيًا متوازنًا) (١).
ومن هنا يتضح (أنَّ الإسلام يبدأ محاولة السلام أولًا في ضمير الفرد، ثُمَّ في محيط الأسرة، ثُمَّ في وسط الجماعة، وأخيرًا يحاول في الميدان الدولي بين الأمم والشعوب. . . وإنَّه ليسير في تحقيق هذه الغاية الأخيرة في طريق طويل يعبر فيه عن سلام الضمير إلى سلام البيت إلى سلام المجتمع إلى سلام العالم في نهاية المطاف) (٢).
ولعل تحية الإسلام وهي (السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته)؛ التي يتبادر بها المسلمون عند لقائهم، وعند وداعهم، مِمَّا يدل على نزعة السلام على الأُمَّة الإسلاميَّة، حتى لقد بلغ الأمر بالآداب الإسلاميَّة أن لو فرقت بين اثنين شجرة أو شاخص أو نحوهما، وهما في طريق ما أن يبادر أحدهما الآخر بالسلام حال لقائهما في ذلك الطريق، وقبل ذلك وبعده مسمَّى (الإسلام) ذاته فهو يتضمن السلام والمسالمة.
أمَّا حالة القتال والحرب فهي حالة طارئة ومقيدة بشروط دقيقة، ولها ضوابط وأخلاق تكفل الرحمة بالخلق من إنسان وحيوان وما يحيط بهما من موجودات البيئة الفطريَّة (٣)، ومن هذه الضوابط ما يأتي:
стр. 956
أولًا: (ضوابط قبل بدء القتال، ومنها: أن لا يقاتل العدو إلَّا إذا سُدَّت كل الطرق أمام التوصل إلى عقد اتفاق سلمي. . .، ومنها: ألا نبدأهم بالقتال حتى يبدؤونا هم به مع أخذ الحذر الدقيق منهم. . . ومنها: أنه إذا كان بيننا وبين العدو عهد بعدم الاعتداء، وبدرت (منه) بوادر قويَّة على خيانة العهد وجب علينا أن نعلمه بنقض العهد من جانبنا قبل أن نقاتله. . .
الثاني: ضوابط أثناء القتال، أن يكون مقصورًا على من قاتلنا فعلًا، أو عزم على قتالنا يقينًا، أو ظنًا قويًّا تؤيده قرائن الأحوال الواردة من العدو. . وأن لا يكون اعتداءً وتجاوزًا من جانبنا كقتل الشيوخ والنساء والذرية، والضعفاء، والرهبان المعتزلين في خلواتهم أو بيوتهم. . . وحظر ضرب الأهداف المدنية -كما هو معروف في الفقه الدولي الحديث- أي: أنَّ الجيش المسلم حين يخوض حربًا واجبة شرعًا، فعليه أن يقتصر حربه على قتال من حمل السلاح من العدو وجابهنا به، أو شارك فيه بأي لون من ألوان المشاركة كالتخطيط، ونقل المؤن والعتاد والجنود إلى ميدان القتال، أو المؤسسات الحربية، ومركز القيادات وإصدار الأوامر وتدبير شؤون القتال، أمَّا النساء والأطفال وكبار السنن ورجال الدين والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في أديرتهم ومعابدهم، ولم تكن لهم صلة بأمور الحرب الدائرة، وكذلك الزروع والماشية والمؤسسات المدنية كمخازن المياه والتموين الغذائي للمدنيين، والطرق غير الحربية ومراكز الطاقة الحيويَّة المتصلة بحياة العامَّة اليوميَّة، والمدارس والمعاهد والجامعات والمستشفيات المدنية، فهذه كلها لا يتعرض لها بسوء أخذًا بسنة صاحب الرسالة ﷺ وخلفائه الراشدين، والاعتداء عليها داخل في الاعتداء المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] هذا ما يرجحه كثير من الفقهاء، ولكنه مشروط بشرط عادل ومنهم وهو: أن لا يعتدي علينا العدو بضرب هذه
стр. 957
الأهداف لدينا، فإذا اعتدى العدو علينا بضرب مثل هذه الأهداف جاز لنا ضرب ما تصل إليه أيدينا من منشآته كذلك؛ أخذًا بمبدأ المعاملة بالمثل لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (١).
ومن الضوابط الأخلاقية أثناء القتال (عدم المثلة بقتلى الأعداء. . . لأنها عمل حقير، ولا تليق بكرامة الإنسان مسلمًا كان أو غير مسلم. . والاستجابة إلى كف القتال إذا طلب العدو ذلك شريطة ألا يكون مخادعًا. . .) (٢).
أمَّا الضوابط التي تكون بعد القتال فتتعلق بالأسرى وكيفية التعامل معهم على نحو ما ذكر الفقهاء في ذلك (٣)، وما يجب على المسلمين بعد القتال مع إحراز النصر من (الالتزام الكامل بمنهج اللَّه من التواضع، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصر اللَّه واتباع هديه في كل شؤون الحياة الخاصة والعامة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. . . إن النصر والتمكين في الأرض من أجلّ النعم على المسلمين بعد الإيمان باللَّه، وشكر هذه النعم يكون بطاعة اللَّه ورسوله، لا بالسعي في الأرض فسادًا، والطغيان على عباد اللَّه. . . وفي هذا الإطار المحكم من التوجيه الإسلامي الخلقي جرت معارك المسلمين مع أعدائهم) (٤).
* * *
стр. 958
موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته
تَمَيَّز تاريخ الإسلام وحضارته بالتوازن بين الروح والمادَّة، والربط بين عالم الغيب والشهادة، ولذلك فإنَّ تفسير هذا التاريخ وحضارته لا يتأتى بتلك المناهج التي درج عليها بعض المستشرقين في تفسير التاريخ بعامة، وتاريخ الإسلام وحضارته بخاصَّة، فقد تجنَّى أولئك المستشرقون -في عامة دراساتهم- على ثوابت التاريخ الإسلامي، وفسروه تفسيرًا ماديًّا، أو قوميًّا، وكأنهم إزاء تاريخ الغرب وحضارته الماديَّة، بل درج بعضهم على تطبيق المنهج المعكوس في حق تاريخ الإسلام وحضارته (١)، فإذا كان يدرس تاريخ الديانة النصرانية في جوانبها الروحيَّة في طور تاريخي يركز على جانب الروح، طبَّق في حق تاريخ الإسلام وحضارته عكس هذا المنهج بما يظهر أنّ الإسلام ذو نزعة مادَّة شهوانية، وإذا حدث في طور آخر التركيز على الجانب المادي في بناء الحضارة، ودراسة مقوماتها، أبرز الإسلام وكأنَّه ذو نزعة روحية -فحسب- ولا يحفل بالجانب المادي في بناء الحضارة وتفسير التاريخ (٢).
стр. 959
وقد نتج عن هذه المناهج القاصرة عن تفسير تاريخ الإسلام وحضارته تفسيرًا يتفق مع حقائقه، وما يصدر عنه من مبادئ وقيم، وأخلاق ومثل؛ نتج عن هذه المناهج مصادرة بطولات المسلمين، واستلاب حضارتهم، وتزييف تاريخ الإسلام وحضارته في معظم ما أنجزه المستشرقون من دراسات وصفيَّة أو نقدية لهذا التاريخ وحضارته (١).
وفي ضوء ما سلف بيانه -من دوافع الاستشراق ومظاهر نشاطه، وعلاقاته بدوائر العداء للإسلام- يتضح أن منهج المستشرقين في دراساتهم لتاريخ الإسلام وحضارته قد تأثر بالظروف التاريخية التي عاشها المستشرقون في مختلف مراحل حركتهم الاستشراقية وأطوارها.
ويتأكد أنَّ ذلك المنهج كان خاضعًا في مساره العام للكنيسة والتنصير ثمّ للاستعمار، ووقع في وقت مبكر في براثن الحركة الصهيونية، وانطلق كذلك من منطلقات عقدية وسياسية واقتصادية كان لها تأثير في مسار ذلك المنهج، وكانت سببًا في تجريمه ليس من قبل المفكرين المسلمين فحسب بل ومن المنصفين في الغرب ذاته وإن كان بعضهم يفرق بين الاستشراق اللاهوتي والاستشراق العلمي، ولكن مهما اختلف المنحى وتغير الأسلوب فإنَّ المنهج الاستشراقي لم يسلم أبدًا من كونه مجافيًا لما يقتضيه المنهج العلمي الصحيح من موضوعية وإنصاف وبعد عن التعصب ونوازع الأهواء.
ولمزيد الإيضاح والاستدلال يجري الحديث عن المنهج الاستشراقي في دراسة تاريخ الإسلام وحضارته في النقاط الآتية:
أولًا: نقد بعض المستشرقين للمنهج الاستشراقي:
درج المستشرقين في الأعم الأغلب على نقد من سبقهم من
стр. 960
المستشرقين بعامة ومستشرقي العصور الوسطى بخاصة، ومما يتناوله هذا النقد منهج أولئك المستشرقين في كثير مما تركوا من دراسات تتسم بالقصور في البحث أو عدم الاستيعاب أو مجانبته الصواب. . ومن ذلك ما يتصل بتاريخ الإسلام وحضارته، ويطلقون على ذلك مسمى الاستشراق اللّاهوتي، ومن النماذج التي تذكر في هذا الموضوع من آراء المستشرقين الناقدين ما يأتي:
أ- يقول أحد المستشرقين: (حقيقة إن العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق كبير، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعًا ما، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للمسيحية لا يُمكن أن يكون فيه خير، وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلَّا لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل، وكانوا يتلقفون بنهم كل الأخبار التي تلوح مسيئة إلى النبي العربي أو دين الإسلام) (١).
ب- ويقول مستشرق آخر: (. . . توجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين، وهذا واقع مؤلم لا بد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة) (٢).
стр. 961
ج- ويقول (ساذرن) عن المنهج الاستشراقي في العصور الوسطى ويطلق عليها اسم عصر الجهالة: (إن الشيء الوحيد الذي يجب أن لا نتوقع وجوده في تلك العصور هو الروح المتحررة الأكاديمية، أو البحث الإنساني الذي يتميز به الكثير من البحوث التي تناولت الإسلام في المئة سنة الأخيرة) (١).
د- ويقول (مونتجمري وات): (منذُ القرن الثامن عشر جد الباحثون من أجل تقديم الصورة المشوهة التي تولدت في أوروبا للإسلام، ولكن رغم الجهد العلمي المبذول فإنَّ آثار الموقف المجافي للحقيقة والتي ولدتها كتابات القرون الوسطى في أوروبا لا زالت قائمة، فالبحوث والدراسات الموضوعية لم تقدر بعد على اجتثاثها كليّا) (٢).
هـ - ويقول مستشرق آخر: (على الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكتاب المسيحيين من الإسلام؛ فإنهم لم يتمكنوا أن يتجردوا كليًّا عنها كما يتوهمون) (٣).
و- وعن رسوخ النزعة المعادية للإسلام في صفوف المستشرقين وعبر طبقاتهم يقول أحد المستشرقين: (ولقد قامت في صفوفهم في السنوات الأخيرة محاولة إيجابية تحاول النفاذ بصدق وإخلاص إلى أعماق الفكر الديني للمسلمين، بدل السطحية الفاضحة التي صبغت دراساتهم السابقة، ولكن (على الرغم) من ذلك فإنّ التأثر بالأحكام التي صدرت مسبقًا على
стр. 962
الإسلام والتي اتخذت (صورة تقليد منهجي) في الغرب لا زال قويًّا في بحوثهم ولا يُمكن (إغفالها) في أيّة دراسة لهم عن الإسلام) (١).
ز- ويقول مستشرق آخر: (لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين، ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية) (٢).
هذه نماذج للنقد الذي وجهه بعض المستشرقين للمنهج الاستشراقي في دراسته للإسلام، وهي تبين في جلاء إخفاق ذلك المنهج ومجافاته للمنهج العلمي الرصين، ولعل سائلًا يسأل، ألم يصحح هذا المنهج على أيدي هؤلاء الناقدين من المستشرقين؟.
ولعل الجواب على هذا السؤال ما قاله أحد الباحثين: (إنَّ الدارس المتصف بشيء من العلمية الحيادية ليدهش إذا دفع بأنفه في خضم الدراسات الاستشراقية المعاصرة في الإسلام وما يتصل به عندهم. . وهكذا يبدو أن ازدياد المعرفة لم يقطع سوى خطوات محدودة لتبديد ما تراكم عبر القرون من موروثات متراكمة في نفسية المستشرق. . إنهم لم يحاولوا بالرغم من معرفتهم هذه أن يتخطوا الحواجز النفسية المتراكمة حتى يطلعوا بجديد لم يقله أجدادهم. . فإن الباحث يردد الآراء المعروفة والصور المألوفة بمشاعر المغير على ما لا يملك، والفخور بالاكتشاف الجديد، وهو بعد ذلك يلبس القديم ثوبًا جديدًا يشف عن طويته) (٣).
ثانيًا: نقد بعض المفكرين والباحثين من العرب والمسلمين للمنهج الاستشراقي:
توافر عدد من المفكرين والباحثين من العرب والمسلمين على نقد
стр. 963
الاستشراق ودراسة تاريخه في جذوره البعيدة، وحاضره المشاهد، وعلائقه وصلاته، ووصل بعضهم إلى نتائج حاسمة في الحكم على منهجه (وبيان أخطائه وخياناته العلميّة، والكشف عن مقدماته ونتائجه الفاسدة، إلّا أن هذه الدراسات وإن لم ترتفع بعد إلى المستوى الذي يستطيع إلحاق الهزيمة النهائية بعالم الاستشراق؛ فقد كان له أثر لا ينكر في توجيه الأنظار بصورة عامَّة إلى منهجه الفاسد في دراسة الإسلام وحضارته وتاريخه وفضح نوازعه السيئة والكشف عن أهدافه، وتعد هذه الدراسات النقدية بداية طيبة لعمل كبير في هذا المضمار؛ لأن دراسات المستشرقين -كما سبق- من الكثرة والتنوع والذكاء في المعالجة بحيث تحتاج إلى جهود) (١) كبيرة جدًّا.
من أولئك الباحثين: مصطفى السباعي، وعمر فروخ، وعبد اللطيف الطيباوي، ومالك بن نبي، وإدوار سعيد، ومحمود حمدي زقزوق، ومحسن عبد الحميد، وعماد الدين خليل، ومحمد البهي، وقاسم السامرائي، ومحمد عبد اللَّه مليباري، وعلي النملة، وآخرون.
وفيما يأتي نماذج من تلك النتائج التي خلص إليها هؤلاء الباحثون:
أ- لعل من أبرز تلك الدراسات في نقد المنهج الاستشراقي الدراسة التي أنجزها (إدوارد سعيد) وقال عنها محسن عبد الحميد: (من بين عشرات الكتب والدراسات والمقالات التي قرأتها حول الاستشراق. . الدراسة النفسية التي كتبها الدكتور إدوارد سعيد حول الاستشراق بمنهج علمي حيادي صارم) (٢).
فتعد دراسة (إدوارد سعيد) عن الاستشراق كما ذكر محسن عبد
стр. 964
الحميد ذات (منهج علمي حيادي وثائقي صارم) في تعرية المنهج الاستشراقي، وكشف زيفه، وربطه بالعنصرية الغربية (١) ضد الشرق بعامة، والإسلام والمسلمين والعرب بصفة خاصة.
ومما ذكره في ذلك أن المستشرقين انتهجوا في دراستهم للإسلام منهجًا يستجيب للمراحل التاريخية التي مرَّ بها الغرب في علاقته بالشرق والإسلام (٢)، وأنهم عمدوا إلى تطبيق المقاييس النصرانية على الدين الإسلامي (٣).
وبعبارة مجملة فإنَّ كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق (الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء) (٤) كان بمثابة الإعلان عن هزيمة المنهج الاستشراقي هزيمة علميَّة منهجية (٥)، فقد دلَّل مؤلفه بطرق شتى على أن مهمة الاستشراق في تاريخه الطويل هي إنتاج العالم الإسلامي إنتاجًا آخر من شأنه تحقيق تبعيته للغرب ودوام انقياده لفكره وحضارته وثقافته (٦). . . ويتضح ذلك في كثير مما أورده في هذا الجانب مثل ما يأتي:
- (لقد استجاب الاستشراق للثقافة التي أنتجته -الثقافة الغربية- أكثر مما استجاب لموضوعه المزعوم) (٧).
стр. 965
- (إذا كان جوهر الاستشراق هو التمييز الذي يستحيل اجتثاثه بين الفوقية الغربية والدونية الشرقية، فإنَّ علينا أن نكون على استعداد لنلاحظ كيف أن الاستشراق في تناميه وفي تاريخه اللاحق قد عمَّق هذا التميُّز، بل أعطاه أيضًا صلابة وثباتًا) (١).
- يعد كتاب (بارتلمي ديربيلو: المكتبة الشرقية، الذي طبع عام ١٦٩٧ م، بعد وفاته مع مقدمة لأنطوان غالان، المرجع الرئيسي السائد في أوروبا حتى أوائل القرن التاسع عشر. . . وقد قسم هذا الكتاب التاريخ إلى نوعين: مقدس، ومدنس) (٢)، وكان اليهود والمسيحيون في (النوع الأول، والمسلمون في النوع الثاني) (٣)، ويعدُّ هذا الكتاب -كما ذكر بعض المؤرخين- (الأب الأول لدائرة المعارف الإسلاميَّة الحديثة) (٤).
- (لقد كان أحد الضوابط المقيدة التي أثرت على المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام ينبع من عملية قياسية، ما دام المسيح هو أساس العقيدة المسيحية، فقد افترض -بطريقة خاطئة تمامًا- أن محمدًا كان للإسلام ما كان المسيح للمسيحية، ومن ثمّ إطلاق التسمية "المحمدية" على الإسلام) (٥)، وإنّ مما يترتب على هذا الخطأ العلمي والمنهجي الذي وضحَّه (إدوارد سعيد) هو نسبة النصرانية إلى الإله، وعلى هذا تكون ديانة سماوية؛ لأن المسيح جزءٌ -في معتقداتهم- من الإله، فالنصرانية بناءً على هذا تعد ديانة إلهية سماوية، أمَّا عندما ينسب الإسلام إلى محمد ﷺ فليس
стр. 966
يعني ذلك في مفهومهم إلَّا أن الإسلام دين بشري من صنع محمد وليس من عند اللَّه.
ومن أبرز ما ترمي إليه هذه المغالطة أن الدين الجدير بالنشر والعلو والسيادة هو الدين السماوي، وهو -في تصورهم- النصرانية (المسيحية) وليس الإسلام، وقد أصبح هذا التلبيس والخلط الذي يعمد إليه المنهج الاستشراقي، ويستثمره الغرب بمثابة منهج تربوي مؤثر في الأجيال الغربية، يقول (مورشى بوكاي): (لا أنكر تأثير التعاليم التي تلقيتها في شبابي، حيث لم تكن الأغلبية تتحدث عن الإسلام وإنّما عن المحمديين، لتأكيد الإشارة إلى أن (هذا) الدين أسسه رجل، وبالتالي فهو ليس بدين سماوي فلا قيمة له عند اللَّه، وكان أن أظل محتفظًا كالكثيرين بتلك الأفكار الخاطئة عن الإسلام، وهي شديدة الانتشار) (١).
- يقول إدوارد سعيد -أيضًا-: (والمستشرق إلى حد بعيد يزود مجتمعه بتمثيلات للشرق:
١ - تحمل طابعه المميز الخاص.
٢ - توضح تصوره لما يُمكن للشرق أو ينبغي له أن يكون.
٣ - تتحدى تحديًا واعيًا وجهة نظر إنسان آخر إلى الشرق.
٤ - تزود الإنشاء الاستشراقي بما يبدو، في تلك اللحظة، بأمسّ الحاجة إليه.
٥ - تستجيب لمتطلبات معينة ثقافية، ومهنية، وقومية، وسياسية، واقتصادية تفرضها الحقبة التاريخية) (٢).
стр. 967
ب- وفي دراسة محمود حمدي زقزوق للاستشراق في كتابه: (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) بيان لما في المنهج الاستشراقي من الانحرافات عندما يدرس تاريخ الإسلام وحضارته بصفة خاصة، (في حين أنهم عندما يكتبون عن ديانات وضعية مثل البوذية والهندوكية وغيرهما يكونون موضوعيين في عرضهم لهذه الأديان، فالإِسلام فقط من بين كل الديانات التي ظهرت في الشرق والغرب هو الذي يهاجم، والمسلمون فقط من بين الشرقيين جميعًا هم الذين يوصمون بشتى الأوصاف الدنيئة) (١).
وتحت عنوان: منهج المستشرقين ناقش مقولة (رودي بارت) في المنهج الاستشراقي، ومما جاء فيها: (. . . ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون أن نعمل فيه النظر، بل نقيم وزنًا فحسب لما يثبت أمام النقد التاريخي. . . أو يبدو وكأنه يثبت أمامه، ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه وعلى المؤلفات العربيَّة التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن) (٢)، وعقبت الدراسة على هذه المقولة بما ذكره أحد المفكرين في مناقشته المنهج الاستشراقي وعمل المستشرقين إذ قال: (فالقوم يدرسون العلوم الإسلاميَّة العربيَّة، ويضعون نظريات ويكونون آراء في أثناء ما يقومون به من دراسات، ويهتمون بتقديم أدلة وأسانيد لهذه الآراء والنظريات، يستمدونها من المراجع الإسلاميَّة نفسها، وهذا العمل
стр. 968
في ظاهره عمل سليم، ولكن الفحص الدقيق أثبت أن كثيرًا منه مصنوع، وكثيرًا ما يكون الدافع إليه الرغبة في التجريح، وتوهين العقيدة الدينية والشريعة الإسلاميَّة) (١).
وأورد في مناقشته مثالًا يبين تحامل المنهج الاستشراقي على الإسلام وتاريخه بما يخالف المنهج العلمي في المنطلق والغاية والمثال هو منهج (جاستون فييت) في كتابه (مجد الإسلام) وفيه يعرض تاريخ الإسلام من خلال (صفحات مختارة من أقوال المؤرخين والكتاب المعاصرين لكل فترة من فترات هذا التاريخ) (٢).
والكتاب ينضح بالحقد والطعن في تاريخ الإسلام وحضارته؛ (لأن (جاستون فييت) اختار-فقط- النصوص التي تتفق مع الاتجاه الذي اختاره هو سلفًا، وهو اتجاه يتسم بالعداء والكراهية للإسلام والمسلمين) (٣).
وتؤكد دراسة محمود حمدي زقزوق عدم صلة هذا المنهج بالمنهج العلمي النزيه، فالواقع أنه (ليس من العلم في شيء، وإنَّما هو انحراف عن المنهج العلمي السليم. . وهذا الانحراف طابع الكثير من الدراسات الاستشراقية حول الإسلام) (٤).
стр. 969
إنَّ المتأمل في مقولة (بارت) وما كتبه (جاستون فييت) في كتابه (مجد الإسلام) لا يسعه إلَّا أن يسجل على المنهج الاستشراقي مأخذين في غاية الأهمية:
أحدهما: إنّ المنهج النقدي الذي يذكر (بارت) بأن المستشرقين يطبقونه على تاريخ الغرب وعلومه لا يصلح أن يطبق على الإسلام وتاريخه؛ لاختلاف المنطلقات والغايات، ومصادر المعرفة، وتباين البيئات.
والآخر: إنّ ما عمد إليه (جاستون فييت) في كتابه (مجد الإسلام) يعد منهجًا اختياريًّا انتقائيًّا تحكمه الأهواء والأغراض والمصالح، وهذا لا يمت إلى المنهج العلمي بصلة، وقد درج على مثل هذا المنهج الزائغ كثيرٌ من المستشرقين، كما أشار إلى ذلك (رودنسون) في قوله: (ولم ير المستشرقون في الشرق إلَّا ما كانوا يريدون رؤيته، فاهتموا كثيرًا بالأشياء الصغيرة والغريبة) (١)، وقال أيضًا: (حين كان الغربيون يذهبون إلى الشرق كانت تلك (أي: صورة المشوهة للشرق) هي الصورة التي يبحثون عنها، فينتقون ما يرونه بعناية، ويتجاهلون كل ما لا تنسجم مع الصورة التي كونوها سابقًا) (٢).
ويصل الباحث في نهاية دراسته لما يتصف به المنهج الاستشراقي إلى القول: (إنَّ الإسلام الذي يعوضه هؤلاء المستشرقون -المتحاملون على الإسلام- في كتبهم هو إسلام من اختراعهم، وهو بالطبع ليس الإسلام الذي ندين به، كما أن محمدًا الذي يصورونه في مؤلفاتهم ليس هو محمد الذي نؤمن برسالته، وإنَّما هو شخص آخر من نسج خيالهم، وهكذا يُمكن القول بأن الاستشراق -في دراسته للإسلام- ليس علمًا بأي مقياس
стр. 970
علمي، وإنَّما هو عبارة عن إيديولوجية خاصة يراد من خلالها ترويج تصورات معينة عن الإسلام، بصرف النظر عما إذا كانت هذه التصورات قائمة على حقائق، أو مرتكزة على أوهام وافتراءات) (١).
وفي موضع آخر يقول: (نحن نرفض -ومعنا الحق- منهج المستشرقين في دراسة الإسلام؛ لأنه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي؛ ولأنّه منهج يقصر عن فهم طبيعة الأديان السماوية، ويحاول أن يضعها في سعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية) (٢).
ج- وإذا كانت دراسة إدوارد سعيد قد تناولت الاستشراق بشكل شمولي، وكشفت أن (الاستشراق كان -جوهريًا- مذهبًا سياسيًّا مورس إراديًّا على الشرق. .) (٣) فإن دراسة محمود حمدي زقزوق في تناولها منهج المستشرقين وتاريخهم خلصت إلى هذه النتيجة نفسها، وهي أن الاستشراق في حقيقته لم ينفصل عن مبادئ السياسة الغربية وأهدافها على اختلاف نزعاتها ومذاهبها، وتؤكد هذه الحقيقة جُلُّ الدراسات التي تناولت منهج المستشرقين في كتابة التاريخ الإسلامي أو كتابة السنة النبوية أو سيرة
стр. 971
المصطفى ﷺ ونحو ذلك من الدراسات في كل ما يتعلق بالإِسلام والمسلمين، ويكشف ذلك كثير من الدراسات التي ركزت على نقد منهجية مستشرق بعينه أو صنف من المستشرقين حسب جنسياتهم، أو فتراتهم التاريخية، أو انتماءاتهم العقيدية والسياسية، فهذه الدراسات على اختلاف موضوعاتها ودارسيها من المستشرقين تبين قدرًا مشتركًا من منهجهم حينما يكتبون عن الإسلام وعلومه وتاريخ أمته يتفق مع ما توصل إليه الناقدون من العرب والمسلمين.
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عماد الدين خليل في نقده لمنهج المستشرق البريطاني المعاصر (مونتكمري وات) في دراسة السيرة النبوية، فهو يقول: (نعم. . ثمة فرق بين مستشرق وآخر. . . ونحن إذا قارنا (وات) بـ (لامانس) مثلًا أو حتى بـ (فلهوزن)، وجدنا هوة واسعة تفصل بين الرجلين. . يقترب أولهما حتى ليبدو أشد إخلاصًا لمقولات السيرة من أبناء المسلمين أنفسهم. . ويبَعد ثانيهما حتى ليبدو شتامًا لعانًا وليس باحثًا جادًّا يستحق الاحترام، ومع ذلك فهو فرق في الدرجة وليس في النوع) (١).
ويبدو أن الناقد اختار (مونتغمري وات) في بحثه؛ لأنه -كما يرى- أكثر المستشرقين حيادية (٢)، فقد خلص مع ذلك إلى النتيجة الآتية: (فإذا بنا نقف على بعض جوانب الخلل في منهج العمل. . نزعة نقدية مبالغ فيها تصل إلى حد النفي الكيفي، وإثارة الشك حتى في بعض المسلمات، تقابلها نزعة افتراضية تثبت بصيغة الجزم والتأكيد ما هو مشكوك بوقوعه
стр. 972
أساسًا. . . وإسقاط للتأثيرات البيئية المعاصرة، وإعمال للمنطق الوضعي في واقعة تكاد تستعصي على مقولات البيئة وتعليلات العقل الخالص) (١).
ثالثًا: نماذج لأهم القضايا التي تطرقت إليها دراسات المستشرقين لتاريخ الإسلام وحضارته:
تناول البحث في النقطتين السابقتين الإطار العام لمناهج المستشرقين في دراسة تاريخ الإسلام وحضارته، ويتناول البحث هنا بعض ما ركز عليه المستشرقون -المعادون للإسلام- في دراستهم للتاريخ من نماذج لما شوهوه وزيفوه وعرضوه بطريقة لا تتفق وتَميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ إدراكًا منهم أنّ (للتاريخ أهميَّة عظمى في بناء الأمم، والمحافظة على هويتها وشخصيتها، بل على قوتها، وقدرتها على الشموخ، والاستطالة، والاستمرار، فهو جذور الأُمَّة التي تضرب بها في الأعماق، فلا تعصف بها الأنواء ولا تزلزلها الأعاصير، ولا يفتنها الأعداء. . وهو ذاكرة الأُمَّة. . بها تعي الأُمَّة ماضيها، وتفسر حاضرها، وتستشرف مستقبلها) (٢).
ومن أهم القضايا التي تطرقت إليها دراسات المستشرقين في هذا الإطار الآتي:
١ - الدعوة والجهاد .
٢ - العادات والتقاليد.
٣ - الجانب السياسي والحضاري من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة.
١ - الدعوة والجهاد:
فأمَّا الدعوة والجهاد، فتتأرجح دراسات المستشرقين في هذا المجال
стр. 973
من مجالات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بين مسلكين متعارضين، يصدران معًا عن نوايا سيئة، ومقاصد ماكرة؛ فمن نماذج أحد المسلكين أنَّ معظم كتابات المستشرقين تركز على انتشار الإسلام بالسيف، وتروج دوائر العداء للإسلام لهذه المقولة خشية أن يجتاح الإسلام العالم -كما يظنون-، ولتبرير ما ينادون به، ويحرصون عليه من القضاء على المسلمين بالقوة وجعلهم ضعفاء عاجزين لا يقدرون على مواجهة أي قوة تعاديهم، أو تتربص بهم.
ومِمَّا يدل على المسلك الثاني؛ المخالف للمسلك الأول: محاولتهم مداهنة المسلمين، وتحذيرهم بإظهار الكتابات أن الإسلام انتشر بالدعوة والقدوة الحسنة وقوة الأخلاق الإسلاميَّة، وهذه الكتابات -أيضًا- كانت تخدم دوائر العداء للإسلام، بشكل آخر، وقد ثبت أنَّ الاستعمار كان يؤيد مثل هذه الدراسات من أجل كبح جماح المسلمين من مجاهدته، وليستسلموا للواقع المفروض، ولئلا يعودوا لروح الجهاد التي تُعَدّ وسيلة لتحقيق تميُّز الأُمة بأنَّها ذات رسالة، وأنها شاهدة على الناس، وأنَّ مهمتها أن يكون الدين كله للَّه، وعن طريق الجهاد يُمكنها تبليغ دعوة ربها، وبه تستطيع إزالة العوائق وتحطيم الحواجز، وهي في هذا وذاك مرتبطة بقيم الحق والعدل والرحمة والإحسان.
أمّا دعوى انتشار الإسلام بالسيف فهي دعوى قديمة (١) جدّدها المستشرقون المعادون للإسلام، و (جاءت الكتب والمؤلفات والبحوث الحديثة التي صدرت في الغرب عن الإسلام -باستثناء قلّة مِمَّا كتبه
стр. 974
المنصفون- لا تختلف في روحها ومادتها ونظرتها إلى الإسلام، عمَّا كتبه السابقون. . يقول (بيكر) في موسوعة تاريخ (كمبردج) عن العصور الوسطى ما نصه: (نظرت العصور الوسطى إلى القطيعة بين أوروبا المسيحية والشرق الإسلامي من زاوية واحدة، تعبر عن وجهة نظر كنسية؛ استهدفت حجب الحقيقة التاريخية، وإسدال ستار مظلم عليها، وأوضح ما يعبر عن وجهة النظر هذه -التي ما زالت سائدة بين المثقفين اليوم- تلك المعلومة التي ما زالت حيَّة قائمة على الوجه الآتي: خرجت جموع العرب تحت تأثير الحماسة التي بعثها فيهم نبيهم، لينقضوا على الشعوب المسيحيَّة، ويفرضوا عليها الدخول في الإسلام بحد السيف، وهكذا انفرط عقد الحضارة القديمة، وتمزقت أوروبا، وحلت حضارة جديدة تعهدها العرب محل الحضارة المسيحية السابقة، وبذلك وقفت البلاد الشرقية والغربية على طرفي نقيض وجهًا لوجهه). . . .) (١).
والحقيقة أنَّ الفتوحات الإسلاميَّة وانتشار الإسلام بالصورة التي حدثت في تاريخ البشرية، وكانت على غير مثال سابق بهرت الغرب في تاريخه القديم والحديث، وكانوا مشدودين إلى ذلك بدوافع وأهداف مختلفة (سبق ذكرها)، وفي هذا السياق توافر عدد كبير من المستشرقين
стр. 975
لدراسة هذه الظاهرة التاريخيَّة وتحليلها، وصنفوا [مؤلفات عديدة عن تاريخ سكان البلدان التي فتحها المسلمون، فدرسوا أحوالها السياسية والإدارية والاجتماعية، لتفسير بعض شؤون الفتح، كما درسوا ثقافاتها لتبيان الصلات بينها وبين ما أخذه الفاتحون عنها، وقد تناولوا الفتح جملة وتفصيلًا من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية حتى الشرق الأقصى، وإفريقية، والأندلس، وفرنسا، وإيطاليا، وصقليَّة، وقد درسوا أثر ذلك الفتح في الحملات الصليبيَّة، والإمبراطوريَّة المغولية، والسلطنة العثمانية، وطرق التجارة؛ ومن الذين كتبوا في هذا الموضوع (بيكر): "تاريخ العصر الوسيط)، و (كيتاني): (حوليات الإسلام)، وقد أنفق على ثلاث بعثات إلى مواقع الفتح لرسمها جغرافيًّا (وطبوغرافيًّا)، وجمع المصادر من اللاتينية، والسريانية، والعربيَّة، ومنهم (دغوية): (فتح سورية) و (ميادنيكوف): (فلسطين منذ الفتح العربي حتى الحروب الصليبية)، و (بتلر) في: (فتح العرب لمصر)، كما كتب (فلهوزن) عن: (الفتوح في إيران)، و (لوران) عن: (الفتوح في أرمينيَّة)، و (بارتولد)، عن: (الفتوح في آسيا الوسطى)، و (جاتو)، عن (الفتوح في إفريقية والأندلس)، و (جون جلوب): (الفتوحات العربيَّة الكبرى)، وكتب (فايل)، "تاريخ الشعوب الإسلاميَّة من النبي محمد ﷺ إلى سليم الأول (العثماني)، و (بروكلمان): (تاريخ الشعوب الإسلاميَّة)، تناول فيه تاريخ المسلمين منذ أقدم العصور إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى. . .، كما كتب (برنارد لويس): (العرب في التاريخ)، و (لو لفريد كانتويل سميث): (الإسلام في التاريخ الحديث)، و (هاملتون حبيب، وآخرون): (الشرق الأدنى الإسلامي)] (١).
стр. 976
ومِمَّا لا ريب فيه أنَّ المناهج التي سلكها هؤلاء المستشرقون في كتاباتهم عن تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها متنوعة من حيث أساليب المعالجة والتناول، ومن حيث المنطلقات والغايات، ومهما يكن الأمر في ذلك فإنَّ القدر المشترك بين تلك الدراسات كما أظهره الباحثون يُمكن أن يلخص في جانبين، هما:
أ- تبدأ الدراسات التاريخية لدى هؤلاء المستشرقين (في كثير من الأحيان بالافتراض التقليدي أن الإسلام يتكون من ألوان مختلفة من التأثيرات الأجنبية التي لو دققت فسوف تفسر. . . ذلك السر الغامض الذي ينسبه الغربيون إلى الإسلام) (١).
وهذا ينفي تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من حيث مقومات تميزها وخصائصه، ويفسر الفتوحات الإسلاميَّة وانتشار الإسلام، (تفسيرًا ماديًّا يُبْنَى على الدوافع الاقتصادية أو الاجتماعية، ويتجاهل الدافع الديني على الرغم كان أهميته وخصوصيته في التاريخ الإسلامي، ولم يسلم من ذلك المعتدلون منهم. . . والقول في الإسلام بما هو (منه) براء، مثل ادعاء بعضهم أن الإسلام، انتشر بعد السيف، وعدم تسامح المسلمين) (٢).
ب- يحاول هؤلاء المستشرقون ردّ الفتوحات الإسلاميَّة وانتشار الإسلام إضافة إلى ما يزعمونه من (روح الاعتداء التي كانت سمة من
стр. 977
سمات البدو من الأعراب -على حد تعبيرهم- إلى الانحلال الاجتماعي الذي كانت تعاني منه المجتمعات التي قبلت الإسلام وما كان يسود الجيوش الإسلاميَّة من حالة نفسية، أو العوامل التاريخية التي استمرت تعمل منذ وقت طويل؛ مثل: عواقب الصراع بين الإمبراطوريات الساسانية والبيزنطية، أو عدم الاستقرار الداخلي لمملكة القوط في إسبانية) (١).
أمَّا إبراز جانب الدعوة في الإسلام فقد جاء بوضوح شديد في كتاب (الدعوة إلى الإسلام: لسير توماس آرنولد)، وقد أنصف الإسلام في كثير من القضايا التي ناقشها، وأثبت أنَّ الإسلام انتشر بالدعوة، وأن عقيدته (تلتزم التسامح وحريَّة الحياة الدينيَّة لجميع أتباع الديانات الأخرى، أولئك الذين يؤدون الجزية كفاء حمايتهم، وعلى الرغم من أن صفحات التاريخ الإسلامي قد تلوثت بدماء كثير من الاضطهادات القاسية!!، (فقد) ظل الكفار، على وجه الإجمال، ينعمون في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لم نكن نجد لها مثيلًا في أوروبا حتى عصور حديثة جدًّا، وإن التحويل إلى الإسلام (عن) طريق الإكراه محرم، طبقًا لتعاليم القرآن: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] , ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٩٩، ١٠٠] وإن مجرد وجود كثير جدًّا من الفرق والجماعات المسيحية في الأقطار التي ظلت قرونًا في ظل الحكم الإسلامي، لدليل ثابت على ذلك التسامح، الذي نعم به هؤلاء المسيحيون، كما يدل على أنَّ الاضطهادات التي كانوا يَدَّعُون معاناتها
стр. 978
بأيدي الطغاة والمتعصبين، إنَّما كانت ناتجة من بعض ظروف خاصَّة وإقليمية، أكثر من أن تكون منبعثة عن مبدأ مقرر من التعصب) (١).
وعلى الرغم من ذلك فإنَّ المناخ الفكري الذي ظهر فيه كتاب (الدعوة إلى الإسلام لسير توماس أرنولد)، يؤكد أنَّ إظهار جانب الدعوة في انتشار الإسلام، وإضعاف جانب الجهاد، كان يحقق للمستعمرين أهدافًا ضد الأُمَّة الإسلاميَّة، وينال من سيادتها وهويتها المتميِّزة، فقد ظهر هذا الكتاب (في سنة ١٨٩٦ م،. . . . وقبل ذلك بثماني سنوات، كان قد ترك (كمبردج) ليشغل منصبًا في الكلية الإِنجليزية الإسلاميَّة في عليكرة. . . وكانت قد تأسست حديثًا. . . وهنا وضع خطّة هذا الكتاب. . . وقد أوتي (أرنولد) موهبة لا تنكر، وكان مِمَّا جرى عليه في معظم أيام حياته، جمعه بين التوافر على الأعمال الإدارية والغيرة على البحث) (٢)، وبغض النظر عن نيَّة (أرنولد) إن كانت حسنة أو غير حسنة فإنَّ المناخ الفكري لظهور كتابه صاحب (مظهرًا فكريًّا تبناه الإِنجليز لمصلحة الاستعمار الغربي) (٣).
وقد تحدث المفكرون والباحثون عن علاقة الاستشراق بالاستعمار وعلاقتهما بالقاديانية والأحمدية، وأنهما (غرس غرسته الحكومة الإِنجليزية) (٤) -كما نقل عن القادياني-؛ وأنَّه (كتب ذلك في التماسه الذي قدمه إلى حاكم مقاطعة البنجاب الإِنجليزي في ١٤ فبراير سنة ١٨٩٨ م، وجاء نصه في كتاب: (تبليغ رسالته) من المجلد السابع لمير قاسم علي
стр. 979
القادياني، وقد ذكر في مؤلفاته بكل صراحة ما يدين به للحكومة الإِنجليزية من الولاء والوفاء، وما قدم لها من خدمة مشكورة، وترجمته: "لقد قضيتُ معظم عمري في تأييد الحكومة الإِنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإِنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضه إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربيَّة، ومصر، والشام، وكابل". . . . وبقيت طائفة القاديانية في عهد مؤسسها وبعده معتزلة جميع الحركات الوطنيَّة، وحركة التحرير والجلاء في شبه القارة الهندية، واتخذت موقف الصمت إزاء كل ما أصاب العالم الإسلامي من رزايا ونكبات على يد المستعمرين الأوروبيين وعلى رأسهم الإِنجليز، واشتغلت وشغلت الناس بإثارة المجادلات حول موت السيد المسيح وحياته ونزوله، ونبوة ميرزا غلام أحمد ونحو ذلك، مِمَّا لا اتصال له بالحياة العامَّة، وقضايا الأُمَّة الإسلاميَّة) (١).
ومِمَّا يؤكد هذا الاتجاه الاستشراقي الذي أظهر جانب الدعوة والتسامح، ومبدأ طاعة ولاة الأمر في الإسلام، في وقت ترزح فيه كثير من أوطان المسلمين تحت نير الاستعمار الغربي، وما يهدف إليه ويعمل عليه من السيطرة على الأُمَّة الإسلاميَّة، والنيل من سيادتها، وتَمَيُّز شخصيتها، ما أورده بعض الكتاب عن رحلة مستشرق فرنسي أعلن إسلامه، ودخل مكة في هيئة معتمر، إبَّان الاستعمار الفرنسي للجزائر، وكان من مقاصده -كما ذكر-: (. . . أن يتحقق من صحة فتوى إطاعة الجزائريين للسلطات الفرنسية) (٢)، وقد نسب نقل هذه الفتوى إلى المفتي المالكي محمد عابد
стр. 980
ابن الشيخ حسين مفتي المالكية بمكة المكرمة، وادعى المستشرق الفرنسي (جيل جيرفيه - كورتلمان) أنَّ هدفه من رحلته التحقق من هذه الفتوى (١)، وأشار الباحث الذي روى خبر تلك الرحلة أن (كورتلمان)؛ (في لقائه مع كبار رجال الدين إنَّما كان يؤدي مهمة رسمية، إذ أنه عند عودته إلى فرنسا بعد أداء فريضة العمرة والتجول في أرض الحجاز منح وسام (جوقة الشرق)، وجاء في الأسباب الموجبة منحه الوسام، أنه كلف بمهمة رسمية في شبه الجزيرة العربيَّة، تمكن من تأديتها برغم الظروف الصعبة بفضل شجاعته وفطنته، وأنَّه عاد من رحلته إلى مكة بوثائق ومعلومات هامَّة، فما هي هذه المعلومات والوثائق؟ هنا تكشف الوثائق في المحفوظات الرسمية الفرنسية أن الحاكم الفرنسي العام في الجزائر تلقى من الكاتب تقريرًا يؤكد أن الفتوى التي حملها الحاج (عقلي) في العام ١٨٩٣ م، هي فتوى حقيقية غير مزيفة) (٢).
٢ - العادات والتقاليد:
إذا كان من وسائل تحقيق تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ النهي عن تقليد
стр. 981
غيرهم في العادات والتقاليد، بدءًا بالآداب العامَّة والأعياد، والشعائر الظاهرة، وانتهاءً بالملابس، والمظاهر العامَّة على صعيد الأفراد والمجتمع، فإنَّ ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، وأقوال العلماء، وما درج عليه سلف الأُمَّة الصالح، مستفيض جدًّا، (سبق تناول طرف منه) (١)، ولكن المستشرقين دخلوا في هذه الجوانب بأساليب شتى حتى لا تكاد أي جزئية من جزئيات مظاهر حياة المسلمين الاجتماعية، وتقاليدها وعاداتها، وأنماط سلوك المسلمين في أوضاعهم العامَّة والخاصَّة وسائر أحوالهم تخلو من تدخل المستشرقين فيها بالطعن والتشويه والذم والافتراء، وكل ما يتسم في عمومه بالحقد والعداء، وهم لا يفتؤون دائمًا من محاولة توجيه ذلك كله بما يضعف من شأن هذه الأُمَّة، والاستهانة بها، ويذهب تَمَيُّزَها، ومِمَّا لا يخفى أن الاستشراق في مساره العام وفي قمَّة ازدهاره الذي امتد إلى نهاية النصف الأول من القرن العشرين (كان يترجم المؤلفات الإسلاميَّة ليقدمها إلى مفكريه الماديين، و (الإكليروسيين) ممهدًا لهم بها طريق مناقشة تلك المترجمات على ضوء الوقائع الفكرية والدينية والتاريخية التي يعيشونها، (بهدف) النيل منها بمناقشات تبدو في مظهر موضوعي، وكان هذا الاستشراق يكتب في كل المجالات الإسلاميَّة ابتداءً من التوحيد باللَّه، وانتهاء بالملابس والأزياء في الشعوب الإسلاميَّة، ولكنه يحاول في كل ما يكتب أن يدس ويشكك ويشوه، فالثوب العربي، والعباءة العربيَّة هي في نظره من معوقات الحضارة التي لا تساعد على العمل الجاد المضني، والصناعي، والتجاري) (٢).
стр. 982
ثُمَّ إنَّهم من ناحية أخرى يتخذون أسلوب (الاستطالة على التراث الإسلامي، وقيمه الدينية، والعلمية، والأدبية، وذلك بدعوى إعادتها إلى جذور تتصل بتراثهم هم!. .، وبهذه الاستطالة المتجنية على الحقائق، مزق الغرب خوفه من تأثير الفكر الإسلامي عليه، ونال من المقومات الحضارية والدينية والإِسلامية. . . ومن خلال هذه الاستطالة المتجنية التي أضعفت التأثير الإسلامي على القوى الزمنية بدؤوا تأثيرهم على الفكر القومي في الشعوب الإسلاميَّة، ساعدهم على ذلك النمو الظافر الذي حققته الحضارة الحاليَّة في كل المجالات، بعيدًا عن الإطار الروحي والديني وتأثيرهما. .) (١).
وكان من نتائج هذه الاستطالة على التراث الإسلامي ما يأتي:
أ- تغير العادات الإسلاميَّة في كثير من الشعوب الإسلاميَّة (وانزواء الحكم بالأحكام الشرعية واستبدالها بأحكام القانون الوضعي، واختفاء الزي الإسلامي الذي كان سائدًا، حتى في بعض الشعوب العربيَّة،. . . ففي شمال إفريقية العربيَّة كادت اللغة العربيَّة أن تندثر لولا اليقظة العربيَّة الأخيرة، كما أن التقاليد الإسلاميَّة على المستوى العام والخاص انحسرت تمامًا في كثير من الأصقاع العربيَّة في الشرق، ففي مصر والشام تفشى السفور كل تفش، والأحكام الشرعية لا تطبق كما يجب في كثير من القضايا، كما أن كثيرًا من المنكرات تمارس علنًا، ويحميها القانون، المهم أن الفكر القومي في الشعوب الإسلاميَّة كان له نصيب من النجاح، ولم يتحقق هذا النجاح إلَّا بعد تلك الاستطالة المتجنية على التراث الإسلامي، التي كان للاستشراق والمستشرقين دور فعال فيها) (٢).
стр. 983
ب - الادعاء بأن الإسلام لا يحدث تميُّزًا في العادات والتقاليد تنبع من أصالته وجدّته، وإنَّما يتلون هو نفسه بعادات الشعوب وتقاليدها، وهو ادعاء تشتمل عليه بعض دراسات (هاملتون حبيب) في تاريخ الإسلام وحضارته وهي دراسات يُمكن القول فيها إنها: (تخفي وراءها الكثير من الآفات الفكرية، فنراه مثلًا في الفصل الأول من كتابه (دراسات في حضارة الإسلام) يقول: "فقد ظهرت للإسلام ملامح مختلفة في مختلف الأزمنة والأمكنة بتأثير المحليَّة الجغرافية، والاجتماعية، والسياسية فيه، وبقوة استجابته لها, ولنمثل على ذلك بما تَمَّ في الغرب، أعني في شمال غربي إفريقية، وفي إسبانيا أثناء العصور الوسطى؛ ففي تلك المناطق اتخذ الإسلام لنفسه خصائص فارقة على الرغم من الصلة الوثيقة بين تلك المناطق وقلب العالم الإسلامي في غريب آسيا، وعلى الرغم من أنَّ الثقافة فيها كانت فرعًا من الثقافة السائدة في قلب العالم الإسلامي، وكان لبعض تلك الخصائص الفارقة أثرها في الإسلام نفسه في غربي آسيا" (١).
بهذا النوع من التعبير يتناول في تفسيره التاريخ الإسلامي، الكثير من الإساءات إلى الإسلام نفسه. . فهو حينما يجعل الاستجابة للعوامل المحليَّة الجغرافية والاجتماعية والسياسية، من خصائص الإسلام، يسلب الإسلام، عوامل التأثير الكامنة فيه التي يواجه بها التحديات الاجتماعية والسياسية والعوامل المحليَّة الأخرى) (٢).
ومِمَّا لا شك فيه أنَّ العوامل التي ذكرها (حبيب) تتفاعل مع معطيات الإسلام، ولكنها هي التي تستجيب لما يحدثه الإسلام فيها من تغيير ومن تهذيب وصقل حتى تصطبغ بصبغة الدين، وتسير في صراط اللَّه المستقيم،
стр. 984
والفرق بين تفسير (حبيب) لتاريخ الإسلام وحضارته، وبخاصَّة فيما يتعلق بالعادات والتقاليد وبين ما حدث فعلًا، كبيرٌ جدًا حيثُ يتحقق في الآخر تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة على سعيد العادات والتقاليد لاحتكامها إلى شريعة الإسلام وهديه، ولا يتحقق ذلك فيما ذهب إليه (حبيب) من تفسير بل يتحقق به العكس تمامًا (١).
ج- وحاول بعض المستشرقين في كلامهم عن حجاب المرأة المسلمة إبرازه بمظهر لا يتفق مع حقيقته، وما يرمز إليه من الطهر والعفاف، والبعد عن مواطن الفتنة والريبة والزلل؛ فهذا (المستشرق الهولندي (سنوك هورغرونية). . . يدعي: (أن الرابطة الزوجيَّة عند المسلمين غير متينة، وإلَّا لما وضعت على النساء القيود وفرض الحجاب والعزلة عليهن، وأن المرأة غير المتزوجة سواء كانت عزباء أم بكرًا تعتبر عبئًا ثقيلًا على أهلها وأقاربها ما لم يكونوا أثرياء. . . ولذلك فإنَّ امرأة مثل هذه تتشبث بأن تكون شريكة مؤقتة لرجل من الرجال في حياته، وبذلك تحصل على معيشة مجانيَّة لنفسها، عدا نوع من المهر الذي يتفق عليه إذا كانت أحوال الرجل المالية تساعد على ذلك. .، وحتى بعض النساء الثريات يتمنين لو يحصلن على مثل هذا الزوج بالمقاولة ليتخلصن من استغلال أقاربهن لهن) (٢)، ويقول في مكان آخر: (إنَّ الغربي بينما يجد صعوبة في الافتراق عن خليلته، فإنَّ علاقة الزواج المستديم، والحب الصادق بين الأزواج بعيدة كل البعد عن تفكير الرجل المسلم) (٣).
стр. 985
ويلاحظ أنّه دليل على عدم متانة الرابطة الزوجيَّة عند المسلمين بقيود الحجاب والعزلة. . .، وفاته أن يدرك مدى الآفات الاجتماعية التي تنشأ من الاختلاط، والسفور، ومدى ما في هذا الاختلاط من تجريح لرجولة الرجل، وابتذال لعاطفة المرأة. .، إنَّ المآسي التي يعيشها الكثير من المجتمعات التي أباحت اختلاط الجنسين بمقارنتها بمآسي المجتمعات التي تفرض الحجاب، تعطي دليلًا مزودًا بأرقام إحصائية على فعالية الحجاب، وحدِّه لكثير من المآسي. . . إنَّ الإسلام يوم نادى بالحجاب أوثق به الرابطة الزوجيَّة، بإبعادها عن مواطن الشك والريبة، ومهاوي الزلل، ثُمَّ أعطى النفس المؤمنة بواعث الاطمئنان، والاستقرار، ودلل بالحجاب إحاطته بكوامن النفس البشريَّة، ومدى ضعفها في المواقف الزاخرة بالعواطف المثيرة. . وما يقال عن الحجاب يقال عن الطلاق (١) في الإسلام، فإنَّه دعامة من الدعائم التي تزيد المجتمع الإسلامي تماسكًا، فالزواج المستديم الذي لا طلاق فيه كان بذرة من بذرات الانهيار الأسري في مجتمعاته؛ لذلك سنت بعض مجتمعات أوروبا الطلاق واعترفت به، ولم يكن الطلاق عاملًا مؤثرًا في الحب الصادق بين الأزواج، بل كان علاجًا حاسمًا لكثير من المشكلات الأسرية، وباترًا لها) (٢).