وإن لم تظهر سلمنا بالأمر، وهذا سبق أن أشرنا إليه، وذلك أن العلة قد تكون ظاهرة وقد تكون أمراً لا تظهر مناسبته فلأجل هذا نسلّم للحُكْم، وإن لم تظهر لنا الحكمة، فالعلة قد تتفق هى والحكمة، وقد تكون الحكمة شيئاً آخر غير العلة، ولأجل هذا اختلف العلماء هل يعلّل بالحكمة أو لا يعلل؟. منهم من قال إنه لا يعلل بالحكمة، ومنه من قال إنه يعلل بها، ومنهم من قال إنها إذا كانت منضبطة غير خفية وغير منتشرة علل بها، وهذا هو الأصح من أقوال الأصوليين، ولهذا تجد الفقيه قد يختار بعض الأقوال في المسائل بناءً على ظهور العلة ووضوحها.
ومما يذكره أهل العلم - أيضاً - في هذا الباب: هل العلة تكون قطعية أم ظنية؟.
أكثر العلماء على أن دلالة العلة على الحكم ظنية، لكن كلما كان الحكم مناسباً للعلة كما كانت أكثر رجحاناً حتى ينتهي إلى القطع، فإذا كانت العلة مناسبة نقطع بأن العلة مقطوع بها، فمثلاً تحريم الخمر كل ما خامر العقل فهو مسكر.
فتعليق التحريم بما خامر العقل وغطّاه فهو مناسبة ظاهرة في تحريم كل مسكر.
стр. 282
القاعدة التاسعة والخمسون الفكرة إذا كانت بعد النفي أو الاستفهام أو الشرط تفيد العموم
فكل نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فنسأل: هل يوجد أحد؟ فنقول: لا أحد موجودًا، أو ما أحد قائماً، فإنه في هذه الحال يفيد العموم، عموم كل من كان سئل عنه، وأنه ليس موجودًا أو قائماً، سواءً باشرت الأداة نفس النكرة أو باشرت معمولها، "ما أحد قام": هذه باشرت النكرة، "ما قام أحد": هذه باشرت معمولها، لأن العامل من خبر لا النافية هو "قام".
وكذلك النكرة بعد النهي، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الْتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) والفعل في معنى النكرة، فلا يجوز قتل أي نفس إلا بالحق، وكذلك النهي عن قربان الزنا.
وكذلك النكرة إذا كانت في سياق الاستفهام فإنها - أيضاً - للعموم كما قال تعالى: ﴿هلْ تعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢)، وكذلك قولك: هل رأيت أحداً؟ وما أشبه ذلك فإنه يفيد العموم.
كذلك النكرة في سياق الشرط كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحَاً فَلِنَفْسِهِ﴾ (٣)،
стр. 283
وقول القائل: من فاز فأعطه جائزة، فهذه أدلة كلها تفيد العموم.
وقد اختلف العلماء في دلالتها على العموم، فتختلف قوتها في العموم ودلالتها على القطع بالعموم، أو أنها ظاهرة في العموم.
стр. 284
القاعدة الستون (من)، و (ما) و (أي)، و (متى)، و (أل)، والمفرد المضاف يدل كل واحد منها على العموم
فـ (من) إن كانت شرطية فهى عامة، ومنهم من يحكي الإجماع على عمومها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) فهذه عامة، فكل متوكل فالله حسيبه، وكل متق فإن الله يجعل له مخرجاً.
وكذلك إذا كانت استفهامية فإنها عامة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّون﴾ (٣).
كذلك إذا كانت موصولة فإنها عامة كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٤).
كذلك في ما إذا كانت شرطية فإنها تكون للعموم كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ (٥)، فهذه تفيد العموم، فإن كل خير يقدم فإن الله يجازي عبده عليه.
стр. 285
وكذلك إذا كانت استفهامية مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تلْكَ بِيمِينكَ يَا مُوسَى﴾ (١).
وكذلك إذا كانت موصولة فإنها تفيد العموم كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢)، وفي قوله ﵊: "على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه" (٣) يعنى الذي أخذت، فالأدلة من الكتاب والسنة تدل على أنها تفيد العموم، لكن لا شك أنها تختلف درجاتها، فإذا كانت شرطية فهي أقوى في العموم من كونها استفهامية، أو إذا كانت موصولة، وكذلك إذا كانت شرطية فإنه تفيد العموم كقوله تعالى: ﴿أيَّمَا تَدْعُو﴾ (٤).
وكذلك إذا كانت استفهامية كما في قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ (٥)، كذلك (متى) لزمان مبهم، فنقول مثلاً لإنسان: متى تذهب اذهب، أو متى تقم أقم فإنها تفيد العموم.
وكذلك (ال) إذا كانت غير عهدية سواء كانت دخلت على جمع أم مفرد فإنها تفيد العموم.
стр. 286
وكذلك المفرد المضاف كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١) فيشمل أي نعمة من نعمه .
وسواء كانت مضافة إلى اسم ظاهر أو إلى ضمير فنقول مثلاً: أدِّبْ ولدك، فإنه يشمل جميع أولاده بإضافتها إلى الضمير.
هذه جملة ما أشار إليه من القواعد ﵀، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.