أثر الماء - أي البلل - موجودًا فإنه يتم وضوءه.
ومنهم من قال إنه يجب عليه أن يعيد وضوءه؛ لأن هذا الانفصال في العرف كثير فيما يتعلق بالوضوء؛ لأن جميع الوضوء لا يستغرق ولا ربع هذه المدة، فعليه أن يعيد الوضوء، لكن الأظهر أن العبرة بنشاف العضو الذي قبله.
ومنها - أيضًا - الصلاة إذا سلّم من الرباعية ناسيًا ركعة ثم بعد ذلك تذكر، فهل نقول له يأتى بالركعة ثم يسجد للسهو بعد السلام؟ هذه فيها خلاف بين أهل العلم في مسألة الفصل ومقدار الفصل، كثير من أهل العلم يقول إن كان الفصل يسيرًا فإنه يأتى بركعة ثم يسجد للسهو بعد السلام، والانفصال اليسير يقولون ما دام في مصلاه أو في المسجد أو عند باب المسجد أو إذا كان عند باب بيته إذا كان بجوار المسجد، فعلى هذا يرجع إن كان هناك جماعة أو ليصلي في بيته فيصلى ركعة ثم يسجد للسهو بعد السلام، كما فعل ﵊ في حديث عمران بن حصين في صلاة العصر كما في صحيح مسلم (١) لما سلَّم عن ثلاث ثم خرج من المسجد فلحق به الخرباق فأبلغه فرجع ﵊ فصلى ركعة، لكن إذا لم يتذكر إلا بعد أن أحدث أو نام ثم تذكر فهذا عند جماهير أهل العلم أنه لا يصح البناء عليه، وعليه أن يعيد الصلاة كاملة، فهذه المسائل تنبني على خلاف أهل العلم في تحديد مقدار الفصل
стр. 247
اليسير، والطواف أيضًا إذا تخللته صلاة مكتوبة.
مثاله: إنسان يطوف طواف فرض أو طوف سنة ثم حضرت صلاة مكتوبة أو صلاة جنازة فإنه يصلي، وإن قلنا إنه يجب الموالاة بين الأشواط لأنه يجوز الفصل بين الأشواط إذا كان الفصل يسيرًا، فإذا صلى المكتوبة أو صلى الجنازة فهذا فصل يسير وعليه أن يتم طوافه، وكذلك لو وقف يسلم على إنسان ويتحدث معه فإن هذا الفصل يسير، وإنْ قلنا إنَّ الموالاة بين الأشواط مستحبة فإن الفصل لا يضر سواء كان الفصل يسيرًا أم طويلًا، أيضًا في العقود، بين إيجاب العقود وقبولها.
مثاله: إنسان باع بيتًا لإنسان فقال: بعتك هذا البيت، والمشتري لم يقل قبلت أو رضيت بل سكت وجعل يتحدث مع صاحبه في حديث آخر أو انشغل بشيء، إن كان الانشغال يسيرًا ثم قال قبلت، فإن العقد صحيح، أما إذا كان الانفصال طويلًا فإن العقد لا يلزم، أو كان الانشغال بكلام أجنبى كما قاله بعض أهل العلم، لأن ظاهر حاله الرغبة عن البيع، فإذا تبين أنه لا يريد البيع كان في حكم الانفصال الكثير أو في حكم الانصراف عن البيع فلا يكون قبوله بعد ذلك مثبتًا للعقد فلابد من عقد ثان.
كذلك مما يجب الوصل فيه والاتصال قراءة الفاتحة وغيرها في الصلاة إلا إذا كان الانفصال يسيرًا، فلو انشغل بعطاس أو بحة في الحق منعته من الوصل فإن هذا الانفصال لا يعتبر، لكن إذا كان الانفصال طويلًا فإنه يجب عليه أن يعيدها إلا إذا
стр. 248
كان الانفصال لعذر، مثل إنسان يقرأ الفاتحة فشرع الإمام بالقراءة، فإذا أراد أن يستمع إليه، ثم بعد ذلك يتم الفاتحة فلا بأس.
стр. 249
القاعدة التاسعة والأربعون الحوائح الأصلية للإنسان لا تُعَدّ مالاً فاضلاً
وهذا من رحمة الله وإن كان يستغنى عنها بعض الوقت فلا يلزم بيعها وينفق على من تجب عليه نفقته.
فجميع ما يكون عنده من فرش وأوانٍ أو مملوك أو كتب أو سيارة فإنه لا يلزم ببيعها ويصرفها فيما وجب عليه من دين، أو نفقة واجبة عليه؛ لأن هذه حوائج أصلية، وبعضها ضروري وبعضها حاجى، ففى هذه الحال لا تكون فاضلاً فلا يُلزم ببيعها، وهذا مثل ما ذكره أهل العلم في مسألة الغني، فإن الإنسان قد يكون غنياً في باب وفقيرًا في باب، فقد يكون الإنسان غنياً في باب دفع الزكاة، فقيراً في باب أخذها.
مثاله: إنسان فقير وعنده نصاب من الدراهم أو أكثر، وحال عليه الحول، فإنه يجب عليه أن يدفع زكاة هذه الدراهم، ويجوز له أن يأخذ الزكاة.
مثاله - أيضاً -: زكاة الفطر إذا وجد زائداً عن قوته وقوت من يعول يوم العيد وليلة العيد فإنه على قول جماهير أهل العلم يجب عليه أن يخرج الزائد.
وهكذا - أيضاً - في مسألة السؤال، قد لا يجوز السؤال وإن كان فقيراً في باب إعطاء الزكاة، وفي باب أخذها إذا كان يجد قوت يومه وليلته، وكلما مضى يوم وجد قوته ولا يجد على الدوام فهذا لا يجوز له السؤال؛ لما جاء من
стр. 250
الأدلة في النهي عن السؤال في بعضها، إذا وجد ما يغدِّيه ويعشِّيه (١)، وهذا هو الصحيح في باب السؤال، لأن باب السؤال أشد من باب أخذ الزكاة لأجل شدة السؤال لأن الأصل في السؤال التحريم.
المقصود أن الحوائج الأصلية للإنسان لا تعتبر مالاً فاضلاً، فالإنسان إذا كان عليه دين وعنده فُرُش لا نقول له بغ هذه الفرش وأبقِ فراشاً واحداً تجلس عليه، وإذا كان عنده أوانٍ لا نقول له بعْ هذه الأوانى وأبقِ الضروري منها، وكذلك لو كان عنده سيارة لا نقول له بع السيارة، ويمكنك أن تمشى على قدميك وسدِّد دَينك، لأن هذه حوائج أصلية، وعلى صاحب الدين أن ينظر المعسر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)، ويجب الإنظار ولا يجوز حبسه ولا ملازمته.
стр. 251
وكذلك إذا وجب عليه الحج وليس عنده مال وعنده هذه الأشياء التى سبق ذكرها فلا نقول له بعْ هذه الأشياء لأن وجود مثل هذه الأشياء لا يجعله مستطيعاً؛ لأن هذه حوائج أصلية فلا يلزمه بيعها، المقصود أن هذه الأشياء لا تؤخذ من الإنسان لأنها أمور حاجية، ومع كثرة الاحتياج إليها تنزل منزلة الضرورة، فلا يجوز مطالبته وإن كان عليه دين لله أو للآدميين.
стр. 252
القاعدة الخمسون يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً
لأن التابع أيسر من المستقل، فهو داخل في ضمنه وفي حكمه، وقد تمنع أشياء على سبيل الاستقلال، وتجوز على سبيل التبع، مثل ما ذكره أهل العلم في أبواب البيع في الجهالة، فيجوز أن يبيع السيارة بجميع ما فيها وإن كان فيها أشياء لا تعلم، لكن لو أفرد شيئا من السيارة لا يرى ولا يعلم، ويقول بعتك هذا الشيء بالسعر الفلانى وهو لا يعلمه لم يصح البيع للجهالة، كذلك يجوز له أن يبيع البيت بجملته وإن كان يجهل أساساته، كذلك يبيع هذه الناقة بحملها لكن لا يجوز أن يبيع الحمل ويقول بعتك حمل هذه الناقة.
كذلك مما ذكره أهل العلم شهادة النساء بالولادة فإنها تثبت بشهادتهن الولادة والنسب تبعا لا استقلالا؛ لأن النسب لا يثبت بشهادة النساء استقلالا، فلو أنه كان مجهول النسب فشهدت مجموعة من النساء امرأة أو امرأتان أو أكثر أن هذا الولد ولد فلان وأن النسب له وهو مجهول النسب مثلا فإنه لا يثبت النسب لأنه لابد من شهادة الرجال في هذا.
كذلك مسألة الرضاع فإنها تثبت بشهادة المرأة على الصحيح، وينفسخ النكاح، وإن كان النكاح لا ينفسخ استقلالا بشهادة النساء وكذلك - أيضا - لو أخبرنا شخص بغروب الشمس جاز الفطر وإن كان هلال شوال لا يثبت بخبر
стр. 253
الواحد والفطر وإثبات يوم العيد ووجوب الفطر في ذلك اليوم لا يثبت بخبر الواحد لكن يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
كذلك مسألة الصلاة فإنها لا تجوز النيابة فيها أي من يصلى عن فلان، لكن لو حجّ عن إنسان حي أو ميت جاز له أن يصلى ركعتى الطواف وتدخل ركعتا الطواف تبعاً لا استقلالاً.
كذلك ذكاة الجنين ذكاة أمه، فيحل بذكاة أمه إذا خرج ميتاً ولا يحتاج إلى ذكاة، أما لو خرج حياً فإنه لا يحل إلا بالذكاة.
стр. 254
القاعدة الحادية والخمسون الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة
هذه القاعدة كثير من مسائلها داخل تحت قاعدة "إنما الأمور بمقاصدها"، لقوله: ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" (١). فالمقصود في العقود معتبرة على الصحيح ويدخل تحت هذه القاعدة الحيل في باب العقود فإنه إذا قصد بيع ربا، بطل على الصحيح، فإذا عَقَدَ عَقْدِ عِينة وأظهره عقدًا صحيحاً - والقصد هو ثبوت دراهم بدراهم - فإنه يكون بيع عِينة، كذلك فيما يتعلق بالتبرعات مثل ما ذكره أهل العلم في الهدية وفي القرض.
مثاله: إنسان أقرض إنساناً قرضاً فصار المقترض يهدي للمقرض، في هذه الحال ننظر في هذه الهدية، فنقول هل كنت تهدي له من قبل؟ قال: لا، لكنه أقرضني فأهدى له من باب الإحسان إليه، نقول له: هذا لا يجوز، لأن قصده بالهدية المكافأة على القرض؛ لأن القرض من المصالح العامة وجاءت النصوص بفضله فلا يجوز أن يسلك به مسلك المعاوضات فيتخذ تجارة فيبطل المقصود الشرعى من القرض الذي هو إحسان وطلب الأجر من الله فتصرفه أنت بأن تثيبه على القرض فلا يجوز، لكن هل يجوز أن يهديه؟ وهل يجوز للمقرض أن يقبل الهدية بنية الإثابة؟ هذا موضع خلاف، فإذا كان مثلاً أهدى إليه بنية الهدية
стр. 255
وكل منهم يعلم الحكم وذلك سوف يرد عليه ويعلم أنه سوف يرد عليه وأنه سوف يقبل فالأمر أيسر.
أما إذا كان قصده الإحسان إليه بهديته سواء رد له أم لم يرد له فهذا لا يهدى له، ولو أهدى له وجب عليه أن يرد مقابل هديته وإلا يطرح عنه من القرض مقدار ما أخذ، فلو أنه أقرضه ألف ريال ثم دعاه إلى وليمة، قلنا له: لماذا دعوته إلى هذه الوليمة؟، قال: أكرمته لأنه أقرضني، نقول: هذا لا يجوز إلا بنية حسابه من القرض، فإذا جاء وقت السداد نقول لا تأخذ قرضك كاملاً، اخصم قيمة هذه الوليمة فإذا صارت قيمة هذه الوليمة ثلاث مائة ريال، نقول: عليك أن تأخذ سبع مائة ريال.
ومن ضمن هذا - أيضاً - هدايا العمال الذين يُبعثون لقبض الصدقات، فهذه كما يروى عنه ﵊ أنه قال: "هدايا العمّال غلول" (١)، فلا يجوز لهم قبول الهدايا لأنهم عمال، كما قال ﵊ في
стр. 256
حديث ابن اللُّتبيَّة: "هلاّ جلس في بيت أبيه وأمه، ينظر أيُهدى إليه شيء؟ "، وفي لفظ: "أفلا قعد في بيت أبيه وأمه" (١).
المقصود أن ما أهدي له إلا أنه عامل الصدقة، فيقصد بالهدية أموراً ممنوعة من تخفيف الأخذ عليهم أو مسامحتهم أو ما أشبه ذلك لأجل هذا لا يجوز.
ومن ذلك أيضاً هبة المرأة لزوجها إذا وهبت زوجها شيئاً من المال، أو كان عليه بعض الصداق فأسقطت عنه بعضه، وكان قصدها بذلك إحسان العشرة والتحبب إلى زوجها خشية أن يفارقها، ولكن استمر في سوء العشرة فإنه لا يجوز الأخذ مقابل إحسان العشرة؛ لأنه يجب عليه إحسان العشرة، لكن لو فرض أن هذا وقع وقد أعطته مالًا مقداره عشرة آلاف لأجل أن تبقى معه، ثم بعد ذلك طلقها فإنه يجب عليه أن يرجع المال الذي أخذه؛ لأن قصدها في هذا أن تبقى معه.
فالمقصود معتبرة وهكذا في العقود إذا أكره إنسان عليها فإن العقد لا يصح، وكذلك يدخل فيها مسألة عقود الأيمان، فإنها معتبرة، ومسألة الأيمان فيها مسائل كثيرة لكن القصد فيها معتبر، فإذا حلف بالطلاق أو العتاق أو بالظِّهار أو بالحرام وكان قصده المنع والحث فالصواب أن هذا يعتبر يمينًا؛ لأن النية معتبرة في
стр. 257
مثل هذا، فلو قال: علىَّ الحرام أن لا أفعل هذا، وقصده منع نفسه من فعل هذا الشيء، أو قال: علىَّ الحرام أن لا أزور فلانًا، وقصد منع نفسه عن الزيارة، أو قال: عليَّ الطلاق إن لم أفعل هذا، أو عليّ الطلاق إن لم أزر فلانًا، أو حلف بالعتاق أو بالظهار، فالصواب في هذه المسائل كلها أنها كفارة يمين، وحكى إجماع الصحابة على هذا وجاءت أدلة في هذا معروفة ذكرها أهل العلم، لكن المقصود منه في هذه القاعدة أن القصد معتبر فيكون عليه كفارة يمين ولا يقع به شيء.
стр. 258
القاعدة الثانية والخمسون إذا قويت القرائن قُدّمت على الأصل
بحثُ القرائن بحثٌ طويلٌ عند أهل العلم، وذكروا فيه مسائل كثيرة، وجاء ما يدل أن القرائن معتبرة، وقد تكون القرائن قوية، وقد تكون متوسطة، وقد تكون ضعيفة، فتارة يُعمل بها وتارة لا يُلتفت إليها، وتارة تتأيد ببعض القواعد فتقوى فيعمل بها، لأن الأقوال تختلف دلالاتها لأجل الحال، فالقرائن يعمل بها في مسائل كثيرة في أبواب الفقه.
منه أيضاً في مسألة إقرار المكرَه أو المحبوس إذا أقر ثم بعد ذلك أنكر عند القاضى أو الحاكم، فإذا قيل له: أنت أقررت قبل ذلك، فقال: نعم أقررت، ولكنى أقررت مكرهاً، وفيه قرائن تدل على إكراهه من السجن أو آثار الضرب، فهذا إقرار باطل ولا يلتفت إليه، لأن الأحوال لها دلالاتها، فلهذا نبطل هذا الإقرار الذي هو أعظم أبواب الإثبات، لأن الإقرار هو الذي يثبت به الحق وهو أعظم من البينة من جهة ثبوت الحق، لأن البينة قد تكون شهادة زور، وقد يكونون شهدوا بأمر توهّموه وفي باطن الأمر ليس بصحيح، ويحكم بها لكن الإقرار لا يحتمل شيئاً من هذا.
كذلك في مسألة الهدية، أهل العلم ذكروا الهدية التي تراد للثواب والأصل أن الغالب في الهدية أن يقصد بها التودّد والمحبة، ويؤجر الإنسان عليها بحسب نوع
стр. 259
الهدية، وبحسب القصد من الهدية، وبحسب المهدى إليه، فقد تكون الهدية من باب التقرب لإنسان لأجل أمر يتعلق بأمور الشرع، وقد تكون من أجل التحبب ولأجل صلة الرحم ولأجل القرابة، وقد تكون لأجل الأنس والصداقة، وقد يشوبها نوع من البر إذا كانت هدية لإنسان محتاج إليها فتقرب من باب الصدقة، ويكون القصد هو الإحسان إلى المهدى إليه، فقد تكون إحساناً، وقد تكون تودّداً، ثم بحسب ما يصحب الهدية من حسن البشر وطلاقة الوجه وتصغيرها وأنها لا شيء، فالهدية تعتريها أشياء كثيرة، فبحسب القرائن التي تصحبها تختلف أحكامها، فالغالب فيها أنه يقصد فيها الثواب، وأن صاحبها يريد الإحسان وقد يريد مع ذلك الأجر والثواب من الله .
وقد يراد بالهدية الثواب، مثل إنسان فقير يهدي إلى إنسان غنى، وليس من عادته أن يهدي إلى عامة الناس، ولكن يهدي إلى خصوص أناس أغنياء عرف منهم البذل فهذا في الغالب يريد بهديته أكثر منها، فإذا علم ذلك فإنه لا يجوز أخذها إلا بنية الإثابة، فالمقصود في هذا معتبرة، ولأجل هذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن حكم مثل هذه الهدية حكم البيع، فتأخذ شروط البيع، لكن عند آخرين أنها هدية لابد أن يرد مثلها، ولهذا ثبت في سنن أبي داود والترمذي والنسائى بإسناد صحيح عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رجلاً أهدى النبى ﵊ هدية، فرد عليه النبى ﵊ شيئاً من الإبل، فكأن الرجل غضب ويريد أكثر، فخطب الناس ﵊ -
стр. 260
أو حدثهم فقال: "لقد هممت أن لا أقبل إلا هدية قرشي أو أنصاري" (١) فذكر أربعة أصناف؛ لأنهم هم الذين يقنعون ولا يغضبون، وهذا يبيّن أن الهدية للثواب لا بأس بها، ولهذا كان من سنته ﵊ أنه يقبل الهدية ويثيب عليها.
وكذلك في مسألة القرائن التي ذهب بعض أهل العلم إليها، مثاله: إذا اختلف اثنان في متاع أو شيء من الأملاك فإذا اختلف خياط ونجار وهم في محل واحد أو بيت واحد ففي الغالب أن الإبرة والمقص وما أشبه ذلك تكون للخياط، وآلات الضرب والمطرقة والمسامير والمنشار وما أشبه ذلك تكون للنجار، هذا هو الأقرب.
стр. 261
وكذلك إذا اختلف الرجل وزوجته في متاع البيت فإننا نعطي المرأة ما يناسبها ويختص بها، ونعطي الرجل ما يناسبه من الأمور التى تكون له، فهذه قرائن يعمل بها.
وقال بعض أهل العلم: إن هذه القرائن لا يُعمل بها ولا يُلتفت إليها، بل لا بد من شيء يبين ما يملك كل منهم، وأنه لا يحكم بطرق الحكم الأخرى من القرعة أو القسمة أو ما أشبه ذلك، لكن العمل بالقرائن أقرب وأقوى لأنها نوع من الأدلة، فيعمل بها، وهذا كله إذا لم يكن هنالك بيّنة، أما إذا كانت هناك بينة فإنه يؤخذ بها، والحمد لله.
стр. 262
القاعدة الثالثة والخمسون إذا تبين فساد العقد بطل ما بُني عليه، وإن فسخ فسخاً اختيارياً لم تبطل العقود الطارئة قبل الفسخ
بطلان العقد يكون بأشياء كثيرة، قد يكون ببطلان الثمن مثل أن يكون الثمن ميتة أو دماً أو في نفس العقد، مثل أن يقول: أبيعك سيارتي بشرط أن تبيعنى سيارتك، أو يقول: لا أبيعك سيارتي إلا بشرط أن تبيعنى بيتك، أو بشرط أن تأجرني سيارتك، فهذا عقد باطل عند أهل العلم، فلا يُستباح به الملك، ولا يثبت به شيء، في هذه الحال يجب إرجاع كل مال لصاحبه، لأن العقد باطل ولا يصحح، فلو قال نصححه ونبطل هذا الشرط، نقول: الشرط الباطل لا يصحح عند أهل العلم، وهناك بعض الشروط المنهى عنها قد يصح العقد معها بإبطالها وإلغائها لا إبطال أصل العقد عند بعض أهل العلم على خلف، لكن الذي في ركن العقد وصلبه يبطل العقد، فإذا أبطل العقد لهما أن يتبايعا بعد ذلك، لكن لو أنهما لم يتبايعا وأخذ المشتري الأرض ثم باعها أو وهبها أو وقفها فإن البيع الثاني باطل؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، ويجب إبطال جميع هذه العقود، ويعاد المبيع إلى البائع الأول ويلغى ما بعد ذلك، ثم بعد ذلك إذا أبطلت تلك العقود لهم أن يستأنفوه مرة ثانية.
أما لو مضى العقد صحيحاً مثل: إنسان اشترى سيارة أو بيتاً أو متاعاً ثم باعه
стр. 263
لإنسان آخر، ثم بعد ذلك فسخ العقد لسبب من الأسباب فإننا في هذه الحال لا نبطل العقود التي بعدها، للبائع أن يرجع في السلعة وللمشتري أن يرجع في الثمن الأول، لكنه لما بيع وذهب، ليس هناك حاجة لأن نبطل العقد الثانى لذلك المشتري الثاني من المشتري الأول، ونرجع العقد حتى يعود إلى صاحبه، نقول نرجع في مثل المثلى وقيمة القيمي، فنقول للمشتري الأول إن كان له مثل عليك أن تشتري مثله وترجعه إلى صاحبك الأول وهو يرجع لك قيمة المبيع، وإن لم يكن مثلياً تقدّر قيمته ثم بعد ذلك ترجع أبها في الثمن الذي اشتريته به، وهذه تدخل فيها مسائل أخرى تتعلق في أبواب الغصب.
ومسألة الغصب ذكرها أهل العلم وقالوا: هل تبطل جميع العقود التى بنيت على الغصب؟، فلو أن إنساناً غصب شيئاً ثم باعه لإنسان ثم باعه المشتري لإنسان آخر ثم انتقل من إنسان لإنسان، فهذه المسألة فيها خلف، وذكروا أنها تمضى العقود ولا يمكن إبطال تلك العقود لصعوبة ذلك، ولأنها يترتب عليها أمور قد لا يمكن تحصيلها لكن يصلح الأمر على وجه لا يكون في ظلم للمغصوب منه وذلك ببذل بدل المغصوب أو بغير ذلك مما يكون إصلاحاً للأمر، والله أعلم.
أما في هذه العقود التى هى باطلة من أصلها إن كانت موجودة ولم تتلف وجب إرجاعها بخلاف المفسوخة وليست باطلة، وهى وإن كانت موجودة ومعروفة عند فلان واشتراها لا يجب إرجاعها بل يرجع في مثل المثلي وقيمة القيمى.
стр. 264
القاعدة الرابعة والخمسون العبرة في المعاملات بما في نفس الأمر
مثاله: إنسان باع أرضاً يظنها أرضه أو باع بيتاً يظنه بيته، أو باع سيارة يظنها سيارته، فهل نقول إن العقد صحيح لأنه تم بشروطه في الظاهر؟.
نقول: إن العبرة بما نفس الأمر، فهذه الأرض أو السيارة التى باعها، هل هي له أو ليست له؟ فإن كانت ليست له فإنه لا يصح.
وبالعكس لو باع شيئاً وهو يظن أنه لا يملكه ثم بعد ذلك تبين أنه يملكه فإن العقد صحيح؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، وهذا من يُسر المعاملات، حيث بُنيت على ما في نفس الأمر.
стр. 265
القاعدة الخامسة والخمسون لا عذر لمن أقرّ
هذه القاعدة رويت في حديث أنه ﵊ قال: "لا عذر لمن أقرّ" (١)، لكن هذا الحديث لا يصح ولا أصل له كما قاله جمع من حفاظ الحديث، لكن هذه القاعدة دلت عليها أدلة كثيرة أجمع العلماء عليها في صحة الإقرار، وكلمة "لا عذر لمن أقر" قد ينازع في صحتها على التفصيل وذلك إن ظاهرها أن كل مقر بصرف النظر عن صفة إقراره أنه لا عذر له.
وهذا فيه تفصيل في مسائله ليس على إطلاقه، بل بعض المقرين يعذر لسبب من الأسباب وظاهر هذه القاعدة العموم؛ لأنها نكرة في سياق النفى فتشمل كل مقر، فقد يقال إن في عمومها نظراً فلهذا لا تصح على إطلاقها، أما هي من حيث الجملة فثابتة بالكتاب والسنة والإجماع،
وقد صحت الأخبار عنه ﵊ أنه أقام الحدود على المقرين، كما رجم ماعزاً والغامدية (٢)، وكذلك قطع يد الذي سرق بعد
стр. 266
إقراره (١)، لقوله تعالى: ﴿وَلملِلْ الذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ (٢) إذ لا يملل إلا عن إقرار ولا يكتب للذي عليه من الحق إلا بعد إقراره، ولأجل هذا نسب الإملاء إليه فدل على أنه كان معترفاً مقراً وهذا محل إجماع.
стр. 267
وأيضاً من جهة المعقول أن الذي يقر بالشئ مع توافر شروط الإقرار لا يكون مقراً إلا بما هو حق عليه وواجب عليه، ولا يمكن أن يقر بشيء يضرُّ به ويجلب الضرر عليه وهذا الحق الذي يُطالب به غير ثابت عليه، فالإقرار هو أقوى البينات كما قال أهل العلم، لأن تلك البينات يعتريها ما يعتريها بخلاف الإقرار فإنه منْ نفس مَنْ عليه الحق أو من يطالب، ولهذا الحاكم والقاضى لا يطلب شيئاً قبله، فإذا ادعى إنسان على إنسان شيئاً فإن القاضي لا يقول للمدّعى أين الشهود؟ بل يقول للمدّعَى عليه أتقر بها؟، فإذا أقر ثبت الحق.
والإقرار لغة: هو الاعتراف، واصطلاحاً: هو الإخبار عن ثبوت للغير على المخبر أى على المقِر.
وقد ذكر العلماء شروطاً للإقرار منها ما هو محل خلاف، ومنها ما هو محل اتفاق.
فمن شروط الإقرار، العقل، البلوغ، عدم التهمة، ومنها أن يكون الحق المقر به معلوماً، فلو أقر بشيء مبهم وجب عليه أن يبين الحق الذي عليه وثبت من حيث الجملة، لكن لا يصح حتى يبين ما عليه من الحق.
стр. 268
القاعدة السادسة والخمسون يقوم الوارث مقام مورّثه في كل شيء
الحقوق التي تكون للمورث على أقسام، وقد اختلف العلماء في كثير من مسائلها كما هو الشاهد في كثير من القواعد التى سبقت، لكنْ كثيرٌ من أحكامها مما قال به أهل العلم قاطبة، واتفقوا عليها.
والحقوق قد تكون أموالًا يورثها، وقد تكون ديونًا عليه، وقد تكون حقوقاً معنوية تتعلق بالميت كحد القذف فالوارث يقوم مقام مورثه في كل شيء، ولهذا هذه القاعدة ظاهرها يدخل فيها كل شيء؛ لأن العلماء اختلفوا في بعض الأشياء، والمصنف ﵀ اختار ما اختاره جمع من أهل العلم في هذه القاعدة أنه يقوم مقامه في كل شيء لعموم الأدلة التى جاءت، منها قوله: "ومن ترك مالاً فهو لورثته" (١)، وهذا عام في كل حق، والحقوق أقسام:
القسم الأول: ما ثبت لجميع الورثة، فإذا عفى بعض الورثة ثبت الحق للباقين، ولا يسقط بإسقاط أحدهم من ذلك حد القذف.
مثاله: لو أن إنساناً قذف إنساناً ثم مات، فهل للورثة المطالبة بهذا الحد؟.
стр. 269
هو ثابت من حيث الجملة لكن فيه تفصيل، هل تشترط المطالبة من المقذوف قبل وفاته أو لا تشترط؟ هذا سوف نشير إليه في نقطة آتية إن شاء الله.
فحد القذف لو تنازل عنه بعض الورثة فإن للباقين أن يستوفوا، لأن هذه معرّة على الميت وقذف له فلا تذهب المعرّة فتلحق الورثة أو يصيبهم شيء من هذا، فإذا أراد أحدهم دفعها عن مورثهم فإن له ذلك ولا نقول إنه يتجزأ، فإذا كان الورثة اثنين فلا نقول إذا تنازل أحدهم أنه يجلد أربعين جلدة؛ لأنه تنازل شريكه في الإرث بل يقام الحد كله لأنه لا تزول المعرة إلا بإقامة جميع الحد.
القسم الثاني: ما ثبت لجميع الورثة على سبيل الاشتراك ولأحدهم التنازل عن حقه وهو المال الذي يورثه فإن لبعض الورثة أن يتنازل عن حصته من المال.
القسم الثالث: ما ثبت لجميع الورثة على الاشتراك، فإذا عفى بعضهم سقط حق الباقين، وهو القصاص على خلاف في تفاصيله، فإذا قُتل مثلاً ثم بعد ذلك ورثه الورثة فإذا عفى بعضهم سقط القصاص إن شاءوا إلى دية أو إلى عفو عام.
القسم الرابع: ما ثبت على سبيل الاشتراك، فإذا عفى بعضهم يوفَّر للباقين نصيبهم كحق الشُّفعة، فإذا شفع في أرض أو عقار أو ما أشبه ذلك ثم مات فعفى بعضهم عن الشفعة فإن للباقين أن يشفعوا، هذه هى الحقوق التي تورث من الميت.
وهذه الحقوق تنقسم إلى قسمين:
стр. 270
الأولى: حق في حياته فبقي بعد وفاته كالدين الذي كحد القذف وحد القصاص، فالحد الذي نوعان:
النوع الأولى: الحقوق التى ليست مالية، أو أنها من حقوق المالكين كالقصاص والقذف والشفعة والشرط، فالقصاص والقذف ليست من الحقوق المالية.
النوع الثاني: حقوق من حقوق المالكين، فهو يملك طلبها ويملك إثباتها وهي من نفسها ليست حقوقاً مالية كحق الشفعة، وحق الشرط، فحق الشفعة يملك به التنازل عن الشفعة أو إقامته، وحق الشرط يملك به إمضاء البيع من عدمه.
فهذه الحقوق هل تثبت للورثة إذا مات مورثهم على الإطلاق أو لا تثبت حتى يطالب بها؟.
مثاله: لو أن إنساناً توفي وله حد قذف، أو إنساناً قتل إنساناً آخر فمات، أو اشترى سلعة واشترط الخيار خمسة أيام فمات في مدة خيار الشرط، أو مات ولم يستوفِ حد القذف، أو له حق قصاص قتله إنسان عمداً فمات، فهل للورثة أن يقوموا مقام مورثهم في المطالبة بهذه الحقوق؛ أم يشترط أن يكون المورِّث قد طالب بها أو أوصى بالمطالبة بها؟.
القول الأولى: وهو المشهور من المذهب أنه يشترط المطالبة بها من المورّث، فلو مات ولم يطالب بها فإنه لا تثبت لهم حق المطالبة، قالوا لأنها حقوق ليست مالية، ولا من حقوق المالكين فلا تثبت إلا بمطالبة المورث.
стр. 271
القول الثاني: وهو الأظهر أنها تثبت للورثة ولو لم يطالب المورث بها لعموم الأدلة في إثبات الحق كما قال ﵊: "ومن ترك مالاً فهو لورثته".
النوع الثاني: من الحقوق التي له، حقوق أمروك ثابتة متعلقة بالأملاك، وهي تتضمن مالًا، فهذه متعلقة بالمال، مثل أن يكون له دين على إنسان وفيه رهن ودين على إنسان، وفيه إنسان ضامن للدين ومات ولم يستوفِ الدين حتى الآن فهذه الحقوق متعلقة بالأموال التي ورثها وهي الديون التى له، فهل إذا مات يثبت الرهن ويبقى كما هو؟ أو نقول: يبطل الرهن بموته؟.
وهل إذا مات يبقى ضمان الدين على الضامن؟ أو نقول إنه لا يثبت ويبطل بموته ولا يلزم الضامن الوفاء؟ وكذلك الكفيل إذا لم يأتِ فهل يلزم الكفيل إحضار المكفول؛ فنقول: هذه التوثقات تبقى كما هي ولا تبطل بموتِ من له الحق، ولو لم يطالب بها لأنها حقوق متعلقة بالمال الموروث عنه وهى تثبت مالاً، ففى هذه الحالة نقول: هى ثابتة لهم ويبقى الدين الذي له بالرهن ويبقى الدين الذي له بالكفيل، وكذلك الدين الذي بالضمان، فلا تبطل هذه الحقوق ولو لم يُطالب بها.
القسم الثاني: من الحقوق حق عليه، فإذا مات وعليه حقوق هذا ليس فيه إشكال؛ لأنه يجب على الورثة تنفيذ وإحضار تلك الحقوق، فمن مات وعليه دين وجب وفاء هذا الدين سواء كان هذا الدين ديناً لله أو ديناً للآدميين، فمن مات وقد وجب عليه الحج ولم يحج وجب على الورثة أن يخرجوا من التركة إن كان منها
стр. 272
شيء يكفى ويُحَج عنه، أو أوصى بوصية فإنه يجب تنفيذها من الثلث بعد قضاء الدين إن كان عليه، أو عليه كفارة مالية فإنه يجب تنفيذها.
стр. 273
القاعدة السابعة والخمسون يجب حمل كلام الناطقين على مرادهم كما أمكن في العقود والفسوخ والإقرارات وغيرها
كلام الناطقين لا شك أنه يكون أحياناً صريحاً في المراد، وأحياناً صريحاً في غيره، وأحياناً محتمل، وكلام الناطقين يختلف بحسب النية وبحسب القرائن، وهذا سبقت الإشارة إلى شيء منه، لكن حمله على مراده هو الواجب، وكذلك كلام الله فإنه يجب حمله على مراده، فلا يجوز حمله على ظاهر ظهر لنا أن الناطق لا يريده، أو أنه يريد خلافه فيجب حمل كلام الناطقين في العقود والإقرارات، وكذلك الواقفين والموصين، وما أشبه ذلك، كلها يجب حملها على مراده، فمن حملها على الظاهر المطلق الذي يظهر أن الناطق لم يرده اضطرب عليه كلام الناس ولم ينضبط، فهذا جار في كلام الناس، وكلام الله وكلام رسول الله ﵊.
وكلام الناطقين ومرادهم ونياتهم على أقسام:
القسم الأول: أن تظهر مطابقة القصد للفظ مطابقة تامة، وأن يعرف أن الظاهر مطابق للقصد تماماً، وهذا يختلف، وقد يكون درجات يصل في بعض الأحيان إلى درجة القطع واليقين أنه أراد ذلك الشيء، وهذا هو الأصل في كلام الله وكلام رسول الله ﵊.
стр. 274
وكلما كانت الأمور أعظم التى يتكلم بها الشارع كلما كان وضوح القصد أظهر وأبين، ولهذا تجد أن النصوص في أسماء الله وصفاته فيها من الوضوح والبيان في الدلالة على معانيها الغاية من ذلك والبيان التام الذي لا فوقه بيان في إثبات أسمائه تعالى وصفاته، ولهذا تجد من ضل عن هذه لا يضل إلا عن بدعة أو مرض أو ضلال والعياذ بالله؛ لوضوح النصوص وأنها غاية في تمام البيان والفصاحة والبلاغة في المراد منها.
من ذلك قوله ﵊: "أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته. . . " (١) هذا من أوضح المراد في رؤيته وأنه يراه أهل الجنة في الجنة، فلو أراد إنسان أن يثبت الرؤية بطريق لم يستطيع أن يثبتها بطريق أوضح من هذا الطريق فليس فوق هذا اللفظ شيء يوضح مراده في إثبات المعنى الذي قصد إليه.
القسم الثاني: ما يظهر أن المتكلم لم يرد معناه ولم يقصد إليه، عكس القسم الذي قبله، وهذا على ثلاثة أنواع:
النوع الأولى: أن لا يكون مريداً لمقتضاه مطلقاً: ككلام المكره.
مثاله: إنسان أكره على إقرار أو على عقد من العقود فباع بيته مكرهاً بالتهديد أو بالضرب، أو إنسان نائم فتكلم بكلام فصار يبيع ويشتري ويعقد العقود وهو
стр. 275
نائم، أو السكران، فهذا نقطع أنّه لم يرد ما نطق به، بل نطق لكونه مكرهاً أو مغلوباً على عقله لكونه سكراناً أو مغمى عليه، أو لكونه مسلوب العقل، فهو إما مسلوب العقل كالمجنون أو محجوب العقل كالنائم، أو مغلوب العقل كالمغمى عليه، فهؤلاء كلهم تصرفاتهم غير معتبرة.
النوع الثاني: أن يكون مريداً لخلافه كالمورّي الملغِز الذي يأتي بألغار ولها ظاهر لكنه في باطن الأمر يريد خلافه.
مثال: إنسان سُئل: هل عندك فلان؟ قال: لا، فهذا ظاهره أنه ليس موجودًا عنده في البيت، لكنه لم يقصد ذلك بل قصد أنه ليس موجودًا أمامه، أو ليس موجودًا بجانبه، أو ليس موجودًا في المجلس، فهذا يريد خلف ظاهر الأمر.
النوع الثالث: ما هو ظاهر في المراد ويحتمل غيره، وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلاف، فهل يعتبر الظاهر أم يعتبر القصد؟.
والصحيح أنه يعتبر القصد، وعلى هذا أدلة الشرع وهذا جار في أشياء كثيرة، مثاله: في عقد العينة من باع سيارة بمائة ألف ريال إلى أجل على إنسان، ثم اشتراها منه بثمانين ألف ريال، ثم دفعها إليه، فهذا ظاهره أنه بيع لكنه في الباطن قصدوا دراهم بدراهم، وإلا فإن السيارة مستعارة، وكما قيل حرف معناه في غيره وليس مقصوداً، كما قال ابن عباس: دراهم بدراهم بينهما حريرة، فبعض أهل العلم قال: إن هذا الظاهر معتبر، وإن كان محتملاً لغيره فهو
стр. 276
ظاهر في المراد، وأنه بيع صحيح كما هو مذهب الشافعي ﵀، وإن كان يقول إن كانوا قاصدين للربا فهم يأثمون، لكن يصحح العقد بمقتضى الظاهر؛ لأن الظاهر من عقود المسلمين السلامة والصحة.
لكن الصواب أنه يجب إبطاله، ولهذا نهى عنه ﵊ في حديث ابن عمر ﵄ (١)، وهو داخل في عموم النصوص في كونه ربا.
стр. 277
ومثله أيضاً المحلل الذي تزوج امرأة ليحلّها، وجرى العقد في الظاهر أنه نكاح صحيح، ولم يشترطوا في العقد أن يحلها بل اتفقوا قبل ذلك، فهل يعتبر الظاهر وهو أن العقد تم بشروطه في الظاهر؟
والصحيح أنه يعتبر القصد، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، ويكاد يقطع به، ولذلك أبطل الصحابة نكاح المحلل للأدلة في هذا منها حديث ابن مسعود أنه ﵊ قال: "لعنَ الله المحلّل والمحلل له" (٢).
стр. 278
فلذلك يجب حمله على القصد، وهكذا في سائر العقود التي لها قصود خاصة، وهذا جار في أشياء كثيرة، وقد فصّل هذا العلاّمة ابن القيم ﵀، وذكر هذا التقسيم وبسطه بسطاً حسناً، وقد ذكر أمثلة مهمة ينبغى لطالب العلم مراجعتها، وذكر هذا في إعلام الموقعين - المجلد الثالث.
стр. 279
القاعدة الثامنة والخمسون الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً
هذه القاعدة وما يتلوها هى قواعد أصولية، وذكرها المؤلف هنا استطراداً، فكأنه أراد ﵀ أن يختم هذه القواعد بقواعد أصولية، وهذه القاعدة يذكرها أهل العلم في مسالك العلة لكن يعبرون عنها بالدوران، فالعلة لها مسالك منها الإجماع والنص والمناسبة، ومنها أيضاً الدوران ويسمونها الطرد والعكس.
العلّة: هي ما ترتب الحكم على وصف وجوداً وعدماً.
فكلما وُجدت العلة وُجد الحكم، وكلما انتفت العلة انتفى الحكم، وقد تكون العلة واضحة، وقد تكون غير واضحة، أو قد لا تظهر المناسبة فيها، ولأجل هذا يعللونها بالدوران؛ لأنه قد تظهر المناسبة وقد لا تظهر، أما إذا كانت المناسبة ظاهرة فهو تعليل بالعلة مع زيادة الوصف المناسب فهو أقوى، فإذا كانت العلة مناسبة للحكم كان ربط الحكم بها أقوى وأتم، أما إذا لم تظهر العلة تماماً لكن عقلناها من جهة الانتفاء والثبوت، أي ثبوتها مع الحكم وانتفائها مع انتفاء الحكم، فكلما دار الحكم مع علته عقلنا أنه مقصود للشرع، وكان هذا تعليلاً للحكم من جهة وجودها مع وجوده، وانتفائه مع انتفائها، وإن لم تظهر المناسبة.
وقد ذكر العلماء ضوابط كثيرة لأجل أن يصح التعليل بها:
منها أن تكون العلة وصفاً ظاهرًا منضبطاً، فلو كانت العلة غير منضبطة لا
стр. 280
نعلل بها، من ذلك مثلاً قصر الصلاة علّته السفر، فكلما وجد السفر كما شرع القصر، وكلما انتفى السفر كما انتفى القصر، كذلك الفطر في رمضان فإنه يشرع لعلل منها السفر، فكلما وجد السفر كما شرع الفطر، وإذا وجد المرض شرع الفطر، لكن يختلف هل هذا سفر وهل هذا مرض، لكن الأصل أنه كما وجد سفر كان الفطر جائزًا، فالسفر علته منضبطة لا تختلف وليست خفية، بل هو وصف ظاهر وواضح، فهذه القاعدة ذكرها أهل العلم، لكن يختلفون في بعض مسائلها لانتفاء الحكم أحياناً، فقد توجد العلة ولا يوجد الحكم فيحتاج للنظر في سبب الانخرام، فهذه مسائل أخرى ذكرها أهل العلم، وبعضهم أثبت الحكم مطلقاً إذا كان سبب عدم وجود الحكم لمانع أو شرط إلى غير ذلك.
أما إذا كان لغير سبب فإن هذا يدل على بطلانها؛ لأن تَخَلُّف الحكم عن العلّة وعن الوصف بدون سبب مما يدل على بطلانها وعدم صحتها.
وذكر المصنف ﵀ في الشرح قال: "وهي قاعدة عظيمة واسعة تحيط أو تكاد تحيط بالأحكام الشرعية، وعلة الحكم هي الحكمة الشرعية في سبب الأمر أو النهي عنه أو الإباحة، والله سبحانه حكيم، له الحكمة .
وهذه الحكمة التي ذكرها علماء الأصول أنها غير العلة، فالحكمة هي الأمر الذي من أجله شرع الحكم، وقد تُعقل وقد لا تُعقل، أما العلة فهي الوصف الظاهر المنضبط الذي كلما وُجِدَ وُجِدَ عنده الحكم، فالأحكام تعلق على عللها لا على أحكامها؛ لأن الحِكَم قد تظهر لنا وقد لا تظهر، فإن ظهرت لنا فالحمد لله،
стр. 281
وإن لم تظهر سلمنا بالأمر، وهذا سبق أن أشرنا إليه، وذلك أن العلة قد تكون ظاهرة وقد تكون أمراً لا تظهر مناسبته فلأجل هذا نسلّم للحُكْم، وإن لم تظهر لنا الحكمة، فالعلة قد تتفق هى والحكمة، وقد تكون الحكمة شيئاً آخر غير العلة، ولأجل هذا اختلف العلماء هل يعلّل بالحكمة أو لا يعلل؟. منهم من قال إنه لا يعلل بالحكمة، ومنه من قال إنه يعلل بها، ومنهم من قال إنها إذا كانت منضبطة غير خفية وغير منتشرة علل بها، وهذا هو الأصح من أقوال الأصوليين، ولهذا تجد الفقيه قد يختار بعض الأقوال في المسائل بناءً على ظهور العلة ووضوحها.
ومما يذكره أهل العلم - أيضاً - في هذا الباب: هل العلة تكون قطعية أم ظنية؟.
أكثر العلماء على أن دلالة العلة على الحكم ظنية، لكن كلما كان الحكم مناسباً للعلة كما كانت أكثر رجحاناً حتى ينتهي إلى القطع، فإذا كانت العلة مناسبة نقطع بأن العلة مقطوع بها، فمثلاً تحريم الخمر كل ما خامر العقل فهو مسكر.
فتعليق التحريم بما خامر العقل وغطّاه فهو مناسبة ظاهرة في تحريم كل مسكر.
стр. 282
القاعدة التاسعة والخمسون الفكرة إذا كانت بعد النفي أو الاستفهام أو الشرط تفيد العموم
فكل نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فنسأل: هل يوجد أحد؟ فنقول: لا أحد موجودًا، أو ما أحد قائماً، فإنه في هذه الحال يفيد العموم، عموم كل من كان سئل عنه، وأنه ليس موجودًا أو قائماً، سواءً باشرت الأداة نفس النكرة أو باشرت معمولها، "ما أحد قام": هذه باشرت النكرة، "ما قام أحد": هذه باشرت معمولها، لأن العامل من خبر لا النافية هو "قام".
وكذلك النكرة بعد النهي، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الْتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) والفعل في معنى النكرة، فلا يجوز قتل أي نفس إلا بالحق، وكذلك النهي عن قربان الزنا.
وكذلك النكرة إذا كانت في سياق الاستفهام فإنها - أيضاً - للعموم كما قال تعالى: ﴿هلْ تعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢)، وكذلك قولك: هل رأيت أحداً؟ وما أشبه ذلك فإنه يفيد العموم.
كذلك النكرة في سياق الشرط كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحَاً فَلِنَفْسِهِ﴾ (٣)،
стр. 283
وقول القائل: من فاز فأعطه جائزة، فهذه أدلة كلها تفيد العموم.
وقد اختلف العلماء في دلالتها على العموم، فتختلف قوتها في العموم ودلالتها على القطع بالعموم، أو أنها ظاهرة في العموم.
стр. 284
القاعدة الستون (من)، و (ما) و (أي)، و (متى)، و (أل)، والمفرد المضاف يدل كل واحد منها على العموم
فـ (من) إن كانت شرطية فهى عامة، ومنهم من يحكي الإجماع على عمومها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) فهذه عامة، فكل متوكل فالله حسيبه، وكل متق فإن الله يجعل له مخرجاً.
وكذلك إذا كانت استفهامية فإنها عامة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّون﴾ (٣).
كذلك إذا كانت موصولة فإنها عامة كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٤).
كذلك في ما إذا كانت شرطية فإنها تكون للعموم كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ (٥)، فهذه تفيد العموم، فإن كل خير يقدم فإن الله يجازي عبده عليه.
стр. 285
وكذلك إذا كانت استفهامية مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تلْكَ بِيمِينكَ يَا مُوسَى﴾ (١).
وكذلك إذا كانت موصولة فإنها تفيد العموم كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢)، وفي قوله ﵊: "على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه" (٣) يعنى الذي أخذت، فالأدلة من الكتاب والسنة تدل على أنها تفيد العموم، لكن لا شك أنها تختلف درجاتها، فإذا كانت شرطية فهي أقوى في العموم من كونها استفهامية، أو إذا كانت موصولة، وكذلك إذا كانت شرطية فإنه تفيد العموم كقوله تعالى: ﴿أيَّمَا تَدْعُو﴾ (٤).
وكذلك إذا كانت استفهامية كما في قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ (٥)، كذلك (متى) لزمان مبهم، فنقول مثلاً لإنسان: متى تذهب اذهب، أو متى تقم أقم فإنها تفيد العموم.
وكذلك (ال) إذا كانت غير عهدية سواء كانت دخلت على جمع أم مفرد فإنها تفيد العموم.