← Каваид фикха

Каваид фикха · id 16820

شرح القواعد السعدية

عبد المحسن الزامل

Полный текст (286 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح القواعد السعدية شرح فضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل اعتنى بها وخرج أحاديثها عبد الرحمن بن سليمان العبيد أيمن بن سعود العنقري دار أطلس

стр. 2

شَرْح القَواعِد السَّعدِيَّة

стр. 3

(ح) دَار أطلس للنشر والتوزيع، ١٤٢٢ هـ فهرسة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر الزامل، عبد المحسن بن عبد الله شرح الْقَوَاعِد السعدية - الرياض ٣٠٠ ص، ١٧؛ ٢٤ سم ردمك: ٥ - ٧ - ٩١٣٧ - ٩٩٦٠ ١ - أصُول الْفِقْه ... أ - العنوان ديوي ٢٥١.٦ ... ٠٢٨٥/ ٢٢ رقم الْإِيدَاع: ٠٢٨٥/ ٢٢ ردمك: ٥ - ٧ - ٩١٣٧ - ٩٩٦٠ حُقوقُ الطَّبع محْفُوظَة للِنَّاشِر الطَّبَعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دَارُ أَطْلَس لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض: ١١٣٦٢ ص. ب: ١٦٢ هَاتِف: ٤٢٦٦٩٦٣ - ٤٢٦٦١٠٤ فاكس: ٤٢٥٧٩٠٦ الْموقع الالكتروني: www.dar-atlas.com الْبَرِيد الالكتروني: info@dar-atlas.com

стр. 4

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قام الأخوان الكريمان كلّ من الشيخ/ عبد الرحمن ابن سليمان العُبيد والشيخ أيمن بن سعود العنقري بالعناية بكتاب "شرح القواعد السعدية" والذي أصله دروس أقيمت في مسجد شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ وذلك عام ١٤١٥ هـ، فكان من أخينا عبد الرحمن العبيد لاجتهاد في تفريغه من الأشرطة المسجلة من الإذن له في حذف ما يرى حذفه مناسباً فاجتهد في ذلك، جزاه الله خيراً. ثم كان من أخينا أيمن العنقري العناية به من جهة التخريج لأحاديثه، جزاه الله خيرًا. وقبل ذلك قرأه عليَّ أخونا عبد الرحمن بعد تفريغه، فكان مني النظر في بعض المواضع أثناء القراءة، فزدتُ فيه ونقصت ما يحتاج إلى ذلك. أسأل الله سبحانه أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، آمين، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كتبه عبد المحسن بن عبد الله الزامل ١٥/ ١١/ ١٤٢١ هـ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد وفقنا الله تعالى ويسَّرَ لنا الاعتناء بدروس شيخنا الشيخ/ عبد المحسن بن عبد الله الزامل - حفظه الله -، وقمنا بإخراج شرح شيخنا على كتاب "القواعد والأصول الجامعة للشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ والذي كان بمسجد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بمدينة الرياض في الدورة العلمية في صيف عام ١٤١٥ هـ. وسيلي هذا الشرح - بإذن الله - ما تيسَّر من شروحات بعض المتون العلمية لفضيلة شيخنا - وفقه الله -. أعاننا الله تعالى على إخراجها وطبعها. هذا، ونسأله سبحانه أن يجزيه خير الجزاء وكلَّ من أسهم في إخراج هذا الكتاب المبارك، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه عبد الرحمن بن سليمان بن محمد العبيّد وأيمن بن سعود بن عبد العزيز العنقري ص. ب ٧٤ ضرماء ١١٩٢٣ ... ص. ب ٤٤٦ الرياض ١١٣٩١

стр. 6

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أما بعد: ففي هذا الكتاب نتناول علماً مهماً من العلوم التى اجتهد العلماء في سائر المذاهب بتحصيله وكتابته وتدوينه، وهو علمُ قواعد الفقه. وهذا العلمُ من أهم العلوم، ومن ضَبَطَ الأصول في قواعد الفقه وجملة مما يتفرع عنها فإن مسائل الفقه تنضبط عليه، ويَحسُن فهمُه، ويَحسُن إدراكه، ويكون سبباً في أن يحصل له مَلَكة في الفقه يستطيع أن يُلحق المسائل بنظائرها وأشباهها وأمثالها، وهذا يُعينَه على ضَبْطِ مسائل كثيرة، ويحفظ عليه وقتاً كثيراً في تتبع المسائل، فتكون لديه مَلَكَةٌ في معرفة المسائل إذا وردت عليه في سائر أبواب الفقه، فلا يحتاج إلى تتبع كل مسألة؛ بل إذا عرف الأصول في القواعد المبنية على الأدلة الصحيحة فإنه ينضبط قوله وتنضبط فتواه وهذا ليس معناه أن لا يوجد مسألة إلا وهى مُدْرَجَةٌ تحت قاعدة من القواعد التي ذكرها أهل العلم، بل هذه لها استثناءات، وقد تكون بعض القواعد خرج منها كثير من المسائل بأدلة، وقد تكون بعض القواعد مبنية على دليل ضعيف أو استنباط لا يَصحّ إلى غير ذلك. وكتابنا هذا هو شرح القواعد والأصول الجامعة، وهو لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ وهذا الكتاب مُبَسَّطٌ جداً ومُيَسَّرٌ، وعباراته واضحة.

стр. 7

وكتب القواعد كثيرة، وما من مذهب من المذاهب إلا وفيه جملة من كتب القواعد، منها البسيط، ومنها الوسيط، ومنها المختصر. فمنهم من يطيل في التخريج جداً، ومنهم من يختصر جداً، فإذا ذكر القاعدة لا يذكر تحتها شيئاً من الأمثلة أو يذكر مثالاً، ولا يوضح القاعدة ولا يبيّنها. وهذا الكتاب بناه مؤلفه ﵀ على ستين قاعدة، فيذكر القاعدة مختصرة ثم يُتْبعُهَا بشرح مُيسَّر، ونحن نشرح هذه القواعد التى ذكرها فنأخذ القاعدة ثم نشير إليها بشيء مما يقتضيه المقام. وهذه القواعد التى جمعها ﵀ غالبها مأخوذ من كلام شيخ الإسلام ﵀ والعلاّمة ابن القيم، وكذلك من قواعد ابن رجب وغيرها من كتب القواعد. وسوف نشير في البداية إلى جملة مهمة ومختصرة تتعلق بعلم القواعد: * أولاً: تعريف القاعدة: القاعدة معناها لغة: الأساس، وهي أصل الشيء الذي يُبنى عليه، حسياً كان أم معنوياً. فالحسي: كقواعد البيت وهي أركانه التى يُبنى عليها. والمعنوي: كقواعد الدين، أي أسس الدين. واصطلاحاً: اختلف فيه كثيراً، في خصوص قواعد الفقه قيل: إنها حكم أغلبي

стр. 8

ينطبق على معظم جزئياتها. . هذا تعريف من تعريفات قواعد الفقه. ونحن نعرف أن غالب الحدود لا تنضبط تماماً بل يَرِدُ عليها أشياء ليست منها، ويخرج منها أشياء هي منها، فعلى هذا قولهم: إن القاعدة هي حكم أغلبي فهذا تعريف عام يشمل القواعد في الفقه وغير الفقه، ولأجل هذا عبَّر غيرهم مكان هذا التعريف فقال: هي حكم كلي يدخل فيه جميع جزئياته. . لكن التعريف الأول أقرب لأن كثيراً من القواعد يحصل لها استثناءات. * ثانياً: يذكر العلماء في باب القواعد ما يسمى الضابط، فهل هو ومسمى القاعدة واحد أو بينهما فرق ؟ طريقة جمهور من يصنف في قواعد الفقه لا يفرقون بحسب التَّتَبع، فتجدهم يذكرون كتب القواعد ويقولون قاعدة، فيذكرون قاعدة كُليّة في أبواب الفقه كلها أو في أكثرها، أو يذكرون قاعدة في باب واحد، وهي إذا كانت في باب واحد فإنها تكون ضابطاً، ومع هذا هم يسمونه قاعدة، وهذا يقع كثيراً في قواعد الحافظ ابن رجب ﵀، وكذلك كتاب الفروق للقرافي، وغيرهم ممن كتب في قواعد الفقه، فتجدهم لا يفرقون بين القاعدة والضابط. بل بعضهم قد يذكر ضوابط كثيرة، وقلَّ أن يذكر قاعدة ويسميه كتاب القواعد، أو قواعد الفقه، أو عبارة نحو هذا، فلهذا تجدهم لا يفرقون، وكثير منهم فرّق من جهة الاصطلاح، لكن من جهة العمل والتطبيق لا يفرقون، فكثير منهم يقولون: إن القاعدة تكون في جميع أبواب الفقه أو في أكثرها، فمثلاً قاعدة

стр. 9

"اليقين لا يزول بالشك"، وقاعدة "العادة محكِّمة"، وقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وقاعدة "المشقة تجلب التيسر"، وقاعدة "الأمور بمقاصدها"، هذه قواعد كُليّة في أبواب الفقه كلها أو في أغلبها، هذه هي التي تسمى قواعد، أما إذا كان في باب خاص من أبواب الفقه فإنه في الغالب يسمى ضابطاً، ويسمى ضابطاً لأننا قصدنا إلى مسائل هذا الباب فضبطناها بضابط معين، ثم رتبنا لها عبارات تضبطها، فمثلاً يقولون: كل كفارة سببها المعصية فهي على الفور، ككفارة الجماع في نهار رمضان عمداً، وكفارة الظهار، فهذه خاصة في باب الكفارات، فلذلك هذا لا يسمى قاعدة بل يسمى ضابطاً، وإن سُمّيَ قاعدة فلا حرج، لا مُشاحة في الاصطلاح كما يقولون. لكن تسميته ضابطاً أضبط عند كثير من أهل العلم في قواعد الفقه، ثم الضوابط تختلف بحسب الخلاف في المذاهب، مثلاً حينما نقول في باب سجود السهو: كل زيادة في الصلاة فمحل السجود بعد السلام، وكل نقص قبل السلام، فهذا ضابط في باب سجود السهو (١) وإن سمَّيته قاعدة فلا بأس، مثلاً في أبواب المياه: الماء طهور ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، فهذا ضابط في أبواب المياه، لكن التغير يختلف، بعضهم يجعله إذا تغيّر بشيء من الطهور يسلبه وصف الطهورية. إذن الضابط يختلف بحسب اختلاف المذاهب، وكذلك القاعدة كما سيأتي - إن شاء الله -، مثلاً فيما ذكرنا قَبْلُ في باب سجود السهو حينما قلنا كل زيادة في

стр. 10

الصلاة فإن سجودها بعد السلام، فهذا يختلف، فبعضهم لا يسلِّم بهذا الضابط في مسمى الزيادة. وهناك ضابط آخر في باب سجود السهو وهو أقرب من جهة الدليل وهو قولهم: كل سجود في الصلاة فهو قبل السلام إلا ما كان مبنياً على غلبة الظن، أو سلّم في صلب الصلاة، هذا فيما يتعلق في الفرق بين القاعدة والضابط الفقهي. * ثالثاً: الأشباه والنظائر هل هي مختلفة، أو معناها واحد ؟: هناك كتاب اسمه الأشباه والنظائر للسبكي، وللسيوطى، ولابن نُجيم الحنفي، ففي هذا الباب عندنا ثلاث كلمات: الأشباه والنظائر و الأمثال . الأمثال: هي المسائل المتشابهة من كل وجه، مثل ما نقول: هذا الكتاب مثل هذا الكتاب، هذا الثوب مثل هذا الثوب أي أنه مثله من جميع الوجوه. الأشباه: هى المسائل المتشابهة في أكثر الوجوه، فإذا كان عندنا مسألتان مشتبهتان من ثلاثة أوجه، وتختلفان من وجهين كانت من الأشباه؛ لأن وجوه الاتفاق أكثر من وجوه الاختلاف. ومن هذا ما يسمونه قياس الأشباه، أو قياس الشبه، على الخلاف في صحته وفساده ومدى حجّيته، ومعناه أن يختلف في الشيء هل يلحق بهذا الشيء أو يلحق بهذا الشيء، فإذا أشبه هذا الشيء في أكثر المسائل ألحق به، فمن الأمثلة التي ذكروها في هذا: المملوك هل يلحق بالمال أو بالحر؟ فهو من جهة أنه يباع

стр. 11

ويشترى يُشبه الحيوان في مسائل، ومن جهة أنه مُتعبَّد ومكلّف يُشبه الحر. النظائر: هي المسائل التي يكون بينها شبه في أقل الوجوه، فهذا نظير هذا يعني أنه مثله في وجه من الوجوه. * رابعاً: ال قواعد الأصول ية و القواعد الفقهية: أحكام الشرع مدارها على أصلين: قواعد الأصول، وقواعد الفقه. * قواعد الأصول: هي المسائل التي تحتها أنواع من الأدلة الفقهية، وهذه عبارات يختلف فيها ويختلف في بيانها، وهي وإن كانت واضحة، لكن يختلف في الفرق بينها وبين القواعد الفقهية، وكثير منهم لم يفرق بينها بفرق واضح، لكن هي من جهة التطبيق تختلف. * ف القواعد الأصولية: هي التي يندرج تحتها أنواع من الأدلة، مثل قولنا الأمر للوجوب، النهي للتحريم، المبَيَّن مقدم على المُجمل، الخاص يقضي على العام، النص مقدم على الظاهر، الظاهر مقدّم على المُؤوَّل، وما أشبه ذلك من قواعد الأصول التى هى أنواع من الأدلة يُحكم بها، فيقال هذا للوجوب، هذا للتحريم، هذا خاص، هذا عام، وما أشبه ذلك. * القواعد الفقهية: هي المسائل التي يندرج تحتها أحكام فقهية، فإذا نظرت مثلاً إلى قولنا "الأمور بمقاصدها" فرق بينه وبين قولك "الأمر للوجوب"، "الأمور بمقاصدها" يندرج تحتها أنواع من المسائل الفقهية، فمن أخرج مالاً وأعطاه

стр. 12

رجلاً، إن كان أعطاه إياه بنية الزكاة أجزأ عنه، وإن كان أعطاه للهبة لم يكن للزكاة، وإن كان قضاء دين لم يكن للزكاة ولم يكن هبة. . وهكذا في الصلاة: فمن صلى الظهر بنية الظهر كانت ظهراً ومن صلى العصر بنية العصر كانت عصراً. . وهكذا في مسائل كثيرة، فهذه تدخل فيها جميع أبواب الفقه أو غالب أبواب الفقه. أما قواعد الأصول فيندرج تحتها الأدلة مثل ما نقول: "الأمر للوجوب" فهل نستفيد من قولنا الأمر للوجوب حكماً فقهياً عملياً؟، لا نستفيد من هذا حكماً فقهياً عملياً إلا بواسطة دليل خاص. أما قولنا "الأمور بمقاصدها"، أو "اليقين لا يزول بالشك"، فهذا نستفيد منه أحكاماً فقهية، فمن صلى ثم لما فرغ شك في صلاته فصلاته صحيحة، ومن توضأ ثم بعد ذلك شك هل انتقض وضوءه أم لم ينتقض؟ نقول: وضوءه صحيح. * خامساً: كيف تصاغ القواعد الفقهية: القواعد الفقهية تختلف، منها ما هو نص دليل، ومنها ما هو مستنبط من الدليل، وهذا أيضاً فيه تفصيل، لكن هذا من جهة القواعد الصحيحة التي تُقبَل ويُحتَج بها، مثلاً قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" هذه أصلها حديث ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار" (١)، وهذه أعلى أنواع

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 14

القواعد وأقواها؛ لأنها من قوله ﵊، كذلك قاعدة "الخراج بالضمان"، وهذا نصّ حديث ثبت عنه ﵊ أنه قال: "الخراج بالضمان" (١)، هذا هو النوع الأول الذي هو نص دليل.

стр. 15

النوع الثاني: القواعد المستنبطة: والاستنباط في هذه الباب واسع، قد يكون الاستنباط قوياً وقد يكون ضعيفاً، لكن الأصل أنها مستنبطة، مثلاً قاعدة "اليقين

стр. 16

لا يزول بالشك" هذه قاعدة مستنبطة من حديثين عن النبي ﵊ من حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، ومن حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، ففي حديث عبد الله بن زيد أنه قال: شكى إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (١)، وجاء معناه - أيضاً - في حديث أبي هريرة ﵁، فصاغ أهل العلم من هذا الباب قاعدة وهي قولنا "اليقين لا يزول بالشك" وهو استنباط صحيح وواضح، وهي قاعدة متفق عليها. * سادسًا: كم عدد القواعد ؟: اختلف أهل العلم في عددها، منهم من جعلها بالمئات، ومنهم من ردّها إلى قاعدة واحدة، وهذا الاختلاف في الحقيقة ليس اختلافاً معنوياً، مثلاً: العز بن عبد السلام ﵀ ردّ الشريعة كلها إلى تحصيل المصالح، فهذه القاعدة عنده هي الأصل في هذا الباب وتجمع القواعد كلها، فالشريعة جاءت بتحصيل المصالح ودرء المفاسد، ويقول: إن تحصيل المصالح لا يحصل إلا بدرء المفاسد، فإذا وجدت المفاسد لم تحصل المصالح فهو راجع إلى تحصيل المصالح، وبعضهم

стр. 17

جعلها أربعاً: (١) اليقين لا يزول بالشك. (٢) العادة محكِّمة. (٣) المشقّة تجلب التيسير. (٤) لا ضرر ولا ضرار. وهذا اعتمده السُّبكى في كتابه الأشباه والنظائر، وبعضهم زاد قاعدة "الأمور بمقاصدها"، والذين يجعلونها أربعاً يقولون إن هذه القاعدة وهي الأمور بمقاصدها داخلة في واحدة من هذه القواعد، وكذلك من جعلها خمساً أو أربعاً أو واحدة لا ينكر تلك القواعد لكنه يقول إنها داخلة ضمن تلك القواعد وأنها مستخلصة منها، ولأجل هذا يذكرون هذه القواعد الكلية ويفرّعون عليها قواعد عظيمة وكثيرة كما هو مُدَوّن في كتبهم. وهذه القواعد الخمس التى سبق ذكرها وهي "اليقين لا يزول بالشك"، "المشقة تجلب التيسر"، "لا ضرر ولا ضرار"،"الأمور بمقاصدها، أو إنما الأعمال بالنيات"، "العادة محكَّمة"، هذه قواعد مقطوع بها ومتفق عليها، ويِلحق بها قواعد كلية متفق عليها، لكن يختلف في تفاريع بعض المسائل، هل تدخل في هذه القاعدة أو لا تدخل؟. أما أصل هذه القواعد فمتفق عليها، وهي الأصل في هذا الباب وهي هذه القواعد الخمس، ويلحق بها قواعد كثيرة متفق عليها مثل قولهم "الاجتهاد لا ينقض

стр. 18

باجتهاد" وما أشبه ذلك، ثم قد يكون دليلها نص حديث عن النبى ﷺ مثل قولهم "الخراج بالضمان" فهذا نص حديث عن النبى ﵊ وما جاء في هذا المعنى من أدلة هى كالقواعد في هذا الباب، بل هي قواعد في بابها. وقد يكون دليلها عمل الصحابة - رضى الله عنهم - فمثلاً قولهم "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد" هذا ذكر أهل العلم أنه محل اتفاق من الصحابة ﵃، وأن عمر - رضى الله عنه - قضى في المشركة بمشاركة الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم (١)، قال أهل العلم إنَّ فِعْلَ عمر - رضى الله عنه - وموافقة

стр. 19

الصحابة له يدل على اتفاق في هذه القاعدة، ولو تأملت لوجدت قواعد أخرى جاءت عن الصحابة ﵃ تشبهها في هذا الباب. النوع الثالث: قواعد موضع خلاف. النوع الرابع: قواعد ضعيفة لا دليل عليها. إذن تكون القواعد في هذا الباب على أربعة أقسام: القسم الأول: ما كان نص دليل، فهذا له الرتبة الأولى من القوة. القسم الثاني: ما كان مستنبطاً، أو كان عن اجتهاد الصحابة ﵃. القسم الثالث: ما كان موضع خلاف، فهذه قد تُقبل أحياناً وقد لا تُقبل بحسب قوة الدليل وضعفه. القسم الرابع: قواعد فقهية مذهبية بُنيت على قول مذهبي، فهذه لا تُقبل لأنها قواعد مذهبية تخالف الدليل؛ لأنها تُصاغ وفق المسائل في المذهب دون النظر إلى الدليل. * سابعاً: القاعدة هل يُحتج بها أو لا يُحتج بها ؟: أي هل هى دليل أم ليست دليلاً؟، إذا نظرنا إلى ما سبق تبين أنها تختلف، فمنها ما هو دليل ويحتج بها، ومنها ما هو مستنبط، فإذا كانت مستنبطة استنباطاً

стр. 20

صحيحاً فهي حجة - أيضاً - أما إذا كانت القاعدة مبنية على قول مذهبي فإنها لا تُقبل. * ثامناً: إذا خالف الحاكم أو القاضي القاعدة، هل يقبل حكمه أو لا يُقبل ؟ ذكر القَرَافي أن الحاكم والقاضي إذا خالف القاعدة فإنه لا يُقبل حكمه ويرد حكمه، قال: ما معناه: "إن المخالف للقاعدة الفقهية. مخالفة لما أتُّفق عليه، أو لما أجمع عليه، أو مخالفة للدليل فجعل القاعدة دليلاً"، وهذا فيه تفصيل حسب ما ذكر قبل. فإن كانت المخالفة للقاعدة لأجل دليل فإن هذا الحكم أو الفتيا لا تُرد، مثلاً: عندنا "اليقين لا يزول بالشك" هذه قاعدة وأصل في أن جميع مسائلها تندرج تحتها، والأصل بقاء ما كان على ما كان وما أشبه ذلك، فإذا جاءت مسألة من المسائل وقلنا بها على خلاف هذا الأصل، في هذه الحالة ننظر إن كانت مُخالفتنا لهذا الأصل وهو اليقين لأجل دليل آخر عَمِلنا به وإن لم يكن هنالك دليل فإن هذا القول يُردُّ ويعمل بالقاعدة المبنية على الدليل الصحيح، ويكون هذا الدليل مخرجاً لهذه المسألة من عموم القاعدة التى هى أصل في هذا الباب.

стр. 21

القواعد الفقهية القاعدة الأولى الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة هذه القاعدة محل إجماع من أهل العلم قاطبة، بل هي كما قال كثير من أهل العلم إن الشريعة ترجع إليها وأن ما سواها من القواعد مأخوذ منها ومتفرع عليها وقال بعض أهل العلم إن الشريعة ترجع إلى جلب المصالح لأنه لا يمكن أن تُجلب المصالح إلا إذا دُرئت المفاسد. دلّ على هذه القاعدة أدلة كثيرة من القرآن والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (١). فهذه الآية يدل أولها على تحصيل المصالح في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ وآخرها يدل على درء المفاسد في قوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. أما الأحاديث النبوية فيمكن أن يستدل لذلك بحديث: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (٢)، وفي لفظ: "لأتمم صالح الأخلاق".

стр. 22

وكذلك ثبت في الصحيحين أن النبى ﷺ قال: "إنما مَثَلي ومَثَل الأنبياء قبلي كمَثَلِ رجل بنى داراً إلا موضع لَبِنة، فجعل الناس يطوفون في هذه الدار فيقولون: ما أحسن هذا لولا موضع اللَّبِنة، فأنا تلك اللَبِنة" (١). ففى هذا الحديث إشارة إلى أنه أتى بجميع المصالح والأخلاق الحسنة التي جاء بها الرسل قبله - عليهم الصلاة والسلام -، وأنه كمّل هذا النقص كما جاء في الحديث "لأتمم مكارم الأخلاق"، وأنه جاء آمراً بما جاءت به تلك الرسالات من الخير والإحسان والعدل وجاء ليتم ذلك. وإذا تأمّلتَ هذه القاعدة وجدتها تشتمل على أربعة أقسام في صياغتها وهي: ١ - الأمر بالمصلحة الخالصة.

стр. 23

٢ - الأمر بالمصلحة الراجحة. ٣ - النهي عن المفسدة الخالصة. ٤ - النهي عن المفسدة الراجحة. فمثال المصالح الخالصة: الإيمان بالله ورجاءه وتوحيده، والإخلاص له، هذه مصالح خالصة مقصودة بالذات أصالة، لم تقصد تبعاً. ومثال المصالح الراجحة: الجهاد في سبيل الله حيث إن فيه إعلاء الدين وتثبيته، ودحر الكفر وأهله؛ لأنه ليس مقصوداً أصالة، فقتل الكفار وسبيهم أمورٌ ليست مقصودة بالذات، إنما المقصود ما يترتب عليها من إعلاء دين الله، ولأجل هذا قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (١) فجعله مكروهاً للنفوس وغير محبب لها، لكن لما يترتب عليه من المصالح العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة كان مكتوباً وكان واجباً. ومثال المفاسد الخالصة: الشرك فهو أكبر الكبائر وأكبر الذنوب فهو مفسدة خالصة ليست فيه أي مصلحة أو منفعة فهو مفسدة خالصة من جهة حكم الشرع، وإن كان أصحابه من جهة العادة ومن جهة ما يكسبون ما يحصل لهم بالشرك قد يكون لهم شيء من المنافع لكنها من جهة الشرع مفاسد خالصة. كذلك السحر عند بعض أهل العلم هو مفسدة خالصة، وإن كان قد يحصل

стр. 24

للساحر شيء من المنافع في الدنيا لكنها غير معتبرة من جهة الشرع. ومثال المفاسد الراجحة: شرب الخمر واللعب بالميسر، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١). فأشار سبحانه إلى أن فيهما منافع لكنها إذا قيست مصالحها من التجارة بها وما يحصل من نشوة النفوس بشرب الخمر إلى جانب ما يتولد ويترتب عليها من المفاسد تكون تلك المصلحة مرجوحة ولا قيمة لها، فلا أثر، لكن هي من هذه الجهة ليست كمفسدة الشرك بل هى أقل. والمسألة الثانية في هذه القاعدة: هل هناك مفسدة خالصة ومصلحة خالصة؟. ظاهر كلام كثير من المصنفين في أبواب القواعد وظاهر كلام كثير من أهل العلم أن من المفاسد مفاسد خالصة وأن من المصالح مصالح خالصة. وذهب آخرون إلى أنه ليس في الوجود مفاسد خالصة، كما أنه ليست في الوجود مفاسد راجحة، وقالوا إن ما ذكر من كون الشرك مفسدة خالصة فإنه ليس بصحيح؛ لأنه لو كان مفسدة خالصة من كل وجه لم تمل إليه النفوس، ولم تشرك كثير من النفوس وتتبع الشرك. وكذلك السحر فلو كان مفسدة خالصة من كل وجه فإنه تنفر منه الطباع ولا تقبله.

стр. 25

وكذلك قالوا في مسألة أعمال الإيمان من التوحيد والصلاة والصيام وأعمال البِّر من الذكر وما أشبه ذلك، التي ذكروا أنها مصالح خالصة وأنها لا مفسدة فيها بوجه من الوجوه. قال كثير من أهل العلم إنه ليست مصالح خالصة من كل وجه بل هى مصالح راجحة، وقالوا: إن ما يقترن بالعبادات وما يسبقها من الاستعداد لها من المشقة والتعب وإن كان يسيراً في التقدير فإنه نوع مشقة ونوع تعب يسلبها مسمى الخلوص في باب المصلحة، فإن هذا لا شك أن فيه تعباً ومشقةً، وإن كانت يسيرة، وإن كان الذي يأتي بالعبادة، وتتروض نفسه بالعبادة يحبها ويأنس بها لكن مع ذلك لابد أن يكون هناك شيء من المشقة، ولأجل هذا قال ﵊: "حُفّت الجنة بالمكاره" (١). فجعل الأعمال الصالحة جميعها مكاره، وقال في حديث أبي هريرة: "فذلكم الرباط" (٢) عندما ذكر إسباغ الوضوء على المكاره أي في المكروهات في الأحوال

стр. 26

التي تكرهها النفس ويشق عليها كشدة البرد والحر، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١) فجعل في الخير كما هو في الشر، وهذا لا يكون في المصلحة الخالصة. وتوسَّط آخرون كابن القيم في مفتاح دار السعادة فقال:" إنْ أريد بالمفسدة المشقة فإنه ليس في الوجود مصلحة خالصة، وإن أريد أن في نفس هذه المصالح وهي العبادة من صلاة وذكر وما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة الخالصة أريد أن في نفس العبادة مفسدة فليس بصحيح، وإن أريد أنه قد يقارنها ويسبقها شيء من المشاق فلا حرج أن تسمى، فإذا سميت مفاسد بهذا الاعتبار فلا بأس فهي مشاق". وقالوا: إن المصالح الخالصة لا تكون إلا في دار القرار في الجنة لأولياء الله، وإلا لو كانت مصالح خالصة في الدنيا لم يكن هناك فرق بين أهل الدنيا في نعيمهم بعبادتهم لله ، وفي نعيمهم في دار الجنة والكرامة، فإن المصالح الخالصة لا تكون إلا في تلك الدار. وكذلك المفاسد الخالصة هي لمن وجب عليه الخلود من الكفار في النار لا تكون إلا في تلك الدار في جهنم. المسألة الثالثة في هذه القاعدة: هل هناك قسم خامس وهو ما تساوت مصلحته ومفسدته؟ ظاهر كلام كثير من أهل العلم أن القسمة رباعية كما سبق، وأنه ليس هناك

стр. 27

مفاسد تقابلها مصالح مساوية، وأن المفسدة تقابل المصلحة من كل وجه من الوجوه، بل لابد إذا وجد مصلحة ومفسدة لابد أن تترجح إحداهما على الأخرى. ولا يليق بحكمته - سبحانه - أن يوجد في الكون شيء يتقابل تقابلاً تاماً مصلحته موافقة لمفسدته في كل شيء، أو مقابلة لها بل لابد أن يغلب أحدهما الآخر فهذا هو ظاهر الأدلة التى ذكرها أهل العلم في هذا الباب. المسألة الرابعة في هذه القاعدة: المصالح على ثلاث مراتب. ١ - مصالح في الدرجة العليا وهى الأفضل في المصالح. ٢ - مصالح في الدرجة التى بعدها وهي مصالح فاضلة. ٣ - مصالح متوسطة. فالشرع جاء بهذه الأنواع من المصالح كما جاء بما هو في الدرجة العليا من المصالح وهي المصالح الأفضل، وكذلك جاء بالمصالح التي بعدها وهي المصالح الفاضلة، وكذلك جاء بالمصالح التي تكون أدنى من ذلك فهى أفضل ومتوسط وفاضل. ودلَّ عليها حدث النبى ﷺ : أنه سُئل أي العمل أفضل؟. قال: "إيمانٌ بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟. قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: ثم ماذا؟. قال: "حجٌ مبرور" (١).

стр. 28

فرتّبها إلى ثلاث مراتب، فجعل الإيمان بالله أعظم المصالح وأفضلها وأعظمها لما يكون فيه من توحيد الله والإقرار له والعبودية له، وما يكون في القلب من الخوف والخشية والتوكل من أعمال القلوب العظيمة التي لا يَعْدِلُها شيء. ثم ذكر بعد ذلك الجهاد في سبيل الله الذي هو مقصود بالتتبع ليس مقصوداً بالذات، ولأنه يترتب عليه من إعلاء كلمة الله، وقمع الكفر وأهله فجعله بعد ذلك، ثم ذكر بعد ذلك الحج؛ لأن مصلحته تكون لنفس الحاج، ولمن وجب عليه الحج فليست مصلحته كمصلحة الجهاد في سبيل الله، وتحت هذه المراتب رُتَبٌ كثيرة. فالأفضل من المصالح تحته رُتب كثيرة، والمتوسط والأفضل كذلك، فما كان في أدنى الرتب من الأفضل كان قريباً من المتوسط حتى يكون متوسطاً. وما كان الأعلى من المصالح المتوسطة يصل إلى رتبة الأدنى من المصالح الأفضل، كما أن ما كان في رتبةٍ أنزل في الفاضل قد يصل إلى درجة المستحب أو إلى درجةٍ أقل من ذلك، وما كان في الدرجة العليا يصل إلى درجة الأدنى من المتوسط منها، فهذه تختلف رتبها وتختلف بحسب اختلاف مصالحها وبحسب تعدِّيها. فإذا نظرت إلى العبادات وجدتها تختلف، فالصلاة هي أفضل الأعمال البدنية، والزكاة هى أفضل الأعمال المالية، وهكذا، إذا نظرت إلى هذه الأعمال فالمقصود أن تحتها رُتباً كثيرة. كذلك المفاسد مراتب، فيها الأكبر، وهو الشرك بالله ، وهو

стр. 29

أعظم المفاسد وأقبحها لأنه إبطال للتوحيد، وهذا ضد ما خلق الله له الخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). وهو ضد ما أحبه من عباده، فعمد هذ المشرك إلى أقبح الأعمال وأكبر الكبائر فارتكبه فهو في أقبح الرتب من جهة المفاسد، ولهذا في حديث ابن مسعود في الصحيحين أنه ﵊ سُئل أي الذنب أعظم؟. قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" قيل: ثم أي؟. قال: "أن تقتُل ولدَك خشية أن يَطعَم معك". قيل: ثم أي؟. قال: "أن تُزَاني بحليلة جارك" (٢). فرتَّب المفاسد ﵊ إلى ثلاث مراتب، فجعل الشرك بالله أشد مفسدة، وهو أكبرها، ثم يتلوه بعد ذلك قتل الابن خشية أن يطعم معه؛ لأن فيه قتل للنفس بغير حق، ولأن فيه قطيعة للرحم، فجعله في الرتبة الثانية بعد الشرك بالله، ثم ذكر بعد ذلك الزنا، وذكر نوعاً خاصاً من الزنا وهو الزنا بحليلة الجار، فالجار له حقه من الاحترام والتوقير وحفظ فراشه وصيانته ومعاونته على الأعمال الصالحة وحفظ حقوقه الواجبة والمستحبة، فتعمد هذا إلى الزنا بحليلة جاره، فكان من أعظم أنواع الزنا.

стр. 30

المسألة الخامسة في هذه القاعدة: التعارض بين الحسنات: وهو بحثٌ عظيمٌ، متعلقٌ بتحقيق المصالح الخالصة، أو المصالح الراجحة على حسب تلك الحسنة، فالتعارض بين الحسنات يحصل كثيراً، فأيهما يقدم؟. إذا كان هناك حسنتان لا نستطيع أن نفعل إحداهما إلا بترك الأخرى، إما أن تفعل إحداهما، أو تتركهما جميعاً، ولا يستطيع الجمع بينهما، فماذا يُقدم؟. يقدم أكملهما وأعظمهما، وهذا هو الأصل في تعارض الحسنات. مثال ذلك: الواجب والمستحب. . وفرض العين مع فرض الكفاية. مثال الواجب والمستحب: إنسانٌ عليه دين حالّ، ومن المعلوم أن سداد الدين واجب إذا كان حالاً وطلبه صاحبه، بل ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجب ولو لم يطلبه، وهذا هو الأصح إذا اتفقا على وقت محدد، وإذا طلبه تأكّد الوجوب. فالمقصود أنه إذا كان عليه هذا الدَّين الحالّ وهو يريد الصدقة ففى هذه الحالة عندنا حسنة واجبة وحسنة مستحبة، ولا يمكن الجمع بينهما، فإن تصدّق ضيع الواجب وهو سداد الدين، وإن سدد الدين لم يكن عنده شيء يتصدق به، فأيهما يقدّم؟. لا شك أنه يقدم الواجب خاصة أنه من حقوق العباد التي يجب العنابة بها وعدم التفريط بها، فيسدّد هذا الدين الذي عليه ولا يتصدق. وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لو تصدّقه فإن صدقته مردودة عليه، ولا

стр. 31

يجوز له ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أعظم من ذلك، فلو كان عليه دَينٌ واجبٌ ووقف شيئاً من ماله، لا يصح وقفه؛ بل يجب إبطال هذا الوقف ولا يجب تضييع أموال الناس بحجة طلب هذا العمل الخيري من المصالح كوقف ونحوه، وهو اختيار تقي الدين ابن تيمية، وظاهر اختيار البخاري - رحمهما الله -. فالمقصود أنه يجب عليه أن يقدم هذا الواجب، ولا شك أن الواجب من حيث الأصل أنه أعظم أجراً من المستحب. مثال آخر: إنسان يريد الصدقة لكن لا يستطع الجمع بينها وبين النفقة على من تحت يده، فإذا تصدق فرَّطَ في نفقة أولاده وأهله، فيقدم النفقة الواجبة على صدقة التطوع. والرتبة الثانية: التعارض بين واجب وواجب: فيقدّم أشدهما وأقواهما يا الوجوب. مثال ذلك: إنسانٌ نذر حجة هذا العام، وعليه حجة الإسلام. ذهب بعض أهل العلم إلى أن حجة الإسلام آكد، فعلى هذا يحج، وإذا حج كانت عن حجة الإسلام، والعام الذي بعده يحج حجة النذر. وقال آخرون: النذر آكد، وهم الشافعية والمالكية، وقال آخرون: إنه يحج

стр. 32

حجة واحد تجزئه عن حجة الإسلام وحجة النذر، وعلى هذا القول الأخير لا تعارض. والرتبة الثالثة: التعارض بين فرض العين وفرض الكفاية: ومثاله: إذا أراد الجهاد في سبيل الله ولم يتعين عليه الجهاد، ووالداه يمنعانه منه، فيقدم برّ والديه على الجهاد لما في حديث ابن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ سُئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة في وقتها". قيل: ثم أي؟. قال: "بر الوالدين". قيل: ثم أي؟. قال: "الجهاد في سبيل الله" (١)، فقدّم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، وفي حديث أبى هريرة - رضى الله عنه - أنه ﷺ قدّم الجهاد على الحج (٢). فتلخص أن بر الوالدين مقدم على الحج والجهاد جميعاً، فإذا كان مقدماً على الجهاد فإنه يُقدم على الحج من باب أولى، وإذا كانا يحتاجان إليه لخدمة أو نفقة تأكد الوجوب، فهذه الأمور يكون تحتها رتب كثيرة. مثال للتعارض بين الحسنات الواجبة: إنسان أراد أن يصلي العصر وتذكر أنه لم يصل الفجر، وقد حضرت صلاة

стр. 33

العصر، أيهما يقدّم؟. في هذه المسألة خلاف كثير، فإذا تضايق الوقت ولم يَبْقَ من وقت العصر إلا مقدار أربع ركعات يُقدم العصر لأنها في وقتها، ولأن تقديم الفجر يؤدي إلى تفويت صلاتين وحق الوقت لهذه الحاضرة التى ضاق وقتها، فكان آكد من جهة الوجوب فيقدم هذه الحسنة الواجبة على تلك لأنه لا يمكن الجمع بينهما. أما إذا كان في الوقت سعة ففيه خلاف، فمن قال: إنه يجب الترتيب فلا تعارض، ومن قال: إنه يجب تقديم الحاضرة، يأتى التعارض. فالمقصود أن هذه المسائل تُتأمل وتُنظر ويتبين في بعضها بحسب الخلاف، ثم يكون القول الأظهر ما يؤيده الدليل، وهذا فيما يتعلق في التعارض بين الحسنات. التعارض بين السيئات: وهو يأتي في دفع المفاسد الخالصة ودفع المفاسد الراجحة، إذا كان هناك مفسدتان لا يمكنه التخلص من إحداهما إلا بارتكاب الأخرى، فلابد من ارتكاب إحدى المفسدتين، في هذه الحال يرتكب أخفهما مفسدة عكس الحسنة، يقدم أعظمهما مصلحة ويترك أقلهما مصلحة. مثاله: قطع يد السارق وجلد الزاني، إقامة الحدّ عليهما فيه ضرر عليهما، لكن ترك إقامة الحدّ عليهما يترتب عليه مفاسد أعظم من الشر وفساد العقول وقتل النفوس وما أشبه ذلك ما يربو على مفسدة ذلك القطع والجلد، فتحتمل هذه المفاسد وترتكب لأجل دفع مفاسد هي أعظم منها.

стр. 34

مثال آخر: لو أن امرأة في بلاد الكفر أرادت الهجرة وليس لها محرم، فهجرتها بلا محرم مفسدة، فقد يحصل لها شر وفساد، ولكنْ بقاؤها في بلاد الكفر يفتنونها عن دينها مفسدة أعظم، ولأجل هذا نقول لها تهاجر بل يجب عليها الهجرة، وإن كانت بلا محرم، حتى ذكر بعضهم الاتفاق عليه، فترتكب هذه المفاسد الصغار في سبيل دفع تلك المفاسد الكبار، وهذا أصل عظيم من أصول الشرع. وقد أورد أهل العلم إشكالاً في هذه المسألة وقالوا: إنه ليس على كل حال، وممن أورده العز بن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام) وقال ما معناه: إنه لو حاصر بلادَ المسلمين عدوٌّ من أعدائهم، وضايقوهم وقالوا: نحن لا نذهب ونترككم حتى تعطونا شخصاً فدية لأجل ترككم. قال أهل العلم في هذه المسألة: إنه لا يجوز ارتكاب هذه المفسدة، وإن كانت صغيرة في جنب تلك المفسدة الكبيرة. وأورد أيضاً مثالاً في قوم ركبوا البحر، وثقل حمل السفينة ولا تستقر على الماء إلا أن يرمى بعضهم في البحر لكي يخف وزنها ويسلم باقي الركاب، فهذه أجمع أهل العلم على أنه لا يُلقى أحد منهم وإن كان عدم الإلقاء يؤدي إلى غرق من في السفينة جميعهم. وأجاب العز بن عبد السلام ما معناه: إن من المصالح والمفاسد ما هو من الأمور التعبدية التى لا تُعقَل فهذه منها ما يجب الانقياد والتسليم لها، وإن لم تُعقل حكمتها.

стр. 35

وذكر ابن القيم ﵀ جواباً آخر أوضحَ من هذا، وقال: إن النفوس مستوية في العصمة فلا يجوز إهدار عصمة أحد مقابل إبقاء واحد من الناس أو جماعة، لكن الأصل في هذا كما قلنا إن المفاسد الكبيرة تدفع في سبيل ارتكاب المفاسد الصغيرة، وما أورد على القاعدة لا يخرجها لوضوح الجواب عليه من كلام أهل العلم. ومن ذلك أيضاً: لو تترس العدو بالمسلمين، وقالوا هل يجوز قتل المسلمين الذين تترس بهم الكفار أم لا يجوز؟ والأظهر - والله أعلم - كما ذكر جمع من أهل العلم أن في هذا تفصيلاً فيقال: أولاً: إذا كان في عدم قتلهم ضررٌ على المسلمين يُخشَى أن يُغزَى المسلمون ويدخل عليهم العدو جاز قتلهم؛ لأنه دفع ضرر متحقق. ثانياً: إذا كان قتلهم لأجل تحصيل مصلحة الجهاد، وليس فيه ضرر على المسلمين، فإنه يقدم عصمة من تترس بهم الكفار. مسألة أخرى: التلازم بين الحسنات والسيئات: المعنى: أنه لا يمكن أن تفعل حسنة إلا بارتكاب السيئة ولا يمكن أن تترك السيئة إلا باجتناب الحسنة، إما أن تتركهما جميعاً أو تفعلهما جميعاً، وهذا البحث من أهم مباحث التعارض بين الحسنات والسيئات، ومن أهم المباحث المتعلقة بتعارض المصالح والمفاسد والترجيح بينهما.

стр. 36

مثاله: أكلُ الميتة في حال المخمصة لا بأس به؛ لأنه إذا اضطر الإنسان إلى [. . .] (*) الميتة، فالأكل منها في هذه الحال فيه مصلحة، ولأن فيه دفع هذه الحال [. . .] (*) وترك الأكل مفسدة، فلا يمكن التخلص من المخمصة إلا بالأكل من الميتة، وإذا أراد أن يتجنب تلك المفسدة فإنه لابد أن يتجنب الأكل فلابد أن يفعلها جميعاً أو يتركها جميعاً، وهذه لها أقسام: تارة يقدم فعل الحسنة، وتارة تفعل الحسنة، ولا ترتكب السيئة، وتارة ترتكب هذه السيئة، وإن تركنا تلك الحسنة حسب حالاتها، فالأكل من الميتة في حال المخمصة مصلحة أعظم من تلك المفسدة. عكسها: الدواء الخبيث، لو أن إنساناً أراد التداوي بالخمر، وإن كان في شربه مصلحة لكن تحقيق هذه المصلحة يجلب معه مفسدة عظيمة فتترك تلك الحسنة لأجل اجتناب تلك المفسدة. ومن الأمثلة - أيضاً -: لو أن إنساناً يعمل في مكان، وفي وجوده في هذا المكان مصالح من الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويواجه أموراً يضيق صدره منها ويكرهها ولا يستطيع دفعها، فهذه - والله أعلم - لا يمكن أن يجاب عنه بجواب عام يكون قاعدة في هذا، بل هذا يختلف بحسب المكان الذي يوجد فيه، وبحسب الشخص نفسه، وبحسب ما يترتب على بقائه من الأعمال الصالحة، وما يحصل فيه من الأمور المنكرة، فقد يكون الجواب لشخص بالبقاء، وقد يكون لآخر عليه أن يترك ويهجر هذا المكان إلا للضرورة. والله أعلم.

стр. 37

القاعدة الثانية الوسائل لها أحكام المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام والمكروهات تابعة لها ووسيلة المباح مباح، ويتفرع عليها الأعمال ومكملاتها تابعة لها هذه القاعدة أصل عظيم من أصول الشرع وهي عامة في جميع الأعمال فتشمل جميع أحكام الشرع التكليفية. المراد بالوسائل: الطرق التى يتوسل بها ويتوصل بها إلى أمور أخرى، هي مقصودة في نفسها، والوسائل ليست مقصودة إنما هي طرق إلى هذه المقاصد، فعندنا الوسيلة حسب القصد، فإن كان القصد واجباً كانت الوسيلة واجبة، وهكذا في المحرم والمستحب والمباح والمكروه، وقد جاء الشرع بإيجاب الطرق والوسائل إلى الأمور الواجبة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. مثاله: الصلاة في المساجد جماعة واجبة، ولا يتوصل إليها إلا بالسعي إليها، فيكون السعي إليها واجباً مهما كانت الوسيلة سواء كان ماشياً أو راكباً، وإذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة عليه أن يقوم إن كان قادراً ويصلي حتى يتحقق وجود هذا الواجب وهو الصلاة، وقِسْ على ذلك. وهكذا المستحب: فالوسيلة إلى المستحب مستحبة، فمن قصد المسجد لصلاة نافلة أو قراءة قرآن أو حضور حلقةِ علمٍ فالسعي إليها مستحب ومطلوب، وفي المباحات أيضاً في أمور الإنسان في معاشه، فمن خرج من بيته لأجل طلب العيش فخروجه من بيته يكون مباحاً في أصله لكن إذا ضم إليه نية أخرى فإنه يترقى إلى

стр. 38

درجة أعلى وهي درجة الاستحباب بحسب نيته فيما خرج له، فطلب الرزق أمر مشروع فيكون خروجه أمراً مشروعاً. وهكذا في المكروهات والمحرمات، فالوسائل لها أحكام المقاصد، والشرع جاء بسد الوسائل وبفتحها، فالوسائل المحرمة يجب سدها، والمكروهة يستحب سدها، والواجبة يجب فتحها، والمستحبة يستحب فتحها، والمباحة يباح الأخذ بها أو تركها، هذه هى المسألة الأولى في هذه القاعدة. المسألة الثانية: كلّما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، هذا هو الأصل، فمن لم يجب عليه الحج لا يجب عليه قصد مكة؛ لأن المقصود نفسه ليس واجباً، فالوسيلة ليست واجبة لكن يبقى اعتبار استحبابها، فإذا سقط اعتبار وجوب الوسيلة بقى استحباب السير إليها، لكن ليس بواجب، كذلك في سائر الأحكام الأخرى كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فمن لم يجب عليه هذا الشيء لم تجب عليه وسيلته، وكذلك إذا لم يستحب هذا الشيء لم تستحب وسيلته. مسألة: قالوا: إنه تعتبر الوسيلة والمقصود غير موجود، ذكروا في هذا حلق المحرِم لرأسه إذا كان أصلع الرأس، أو كان قد جزَّه فلم يَبْقَ فيه شيء ورمي الجمرة فإنه يحصل له التحلل الأول إلا النساء، فعلى هذا هل يشرع له إمرار الموسى على رأسه مع أن المقصود وهو الشعر غير موجود، قالوا: إنه يستحب إمرار الموسى، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعاً. لو نظرنا إلى هذه القاعدة وهي: الوسائل لها أحكام المقاصد فإمرار الموسى

стр. 39

على رأسه وسيلة إلى التحلل، والتحلل من حلق الرأس واجب، والحلق نسك على الصحيح والشعر غير موجود، فعلى قول الجمهور إذا رمى الجمرة وهو أصلع وفي نيته إزالة ما على رأسه فإنه يحصل له التحلل الأول، وقول مالك إنه يحصل برمى الجمرة، وقالوا: إنه يشرع له أن يمر الموسى على رأسه، وهذا مشكل على هذه القاعدة، لكن يمكن أن يقال إن كان في المسألة خلاف، وأن بعض أهل العلم قالوا إن إمرار الموسى وآلة الحلاق ليس له معنى، يمكن أن يكون هذا القول أقوى وإن كان في المسألة إجماع على الاستحباب كما حكاه بعضهم، يمكن أن يقال إن أمور الحج أمور تعبدية أو في كثير منها يغلب عليها التعبد، ويجب الانقياد وهذا منها. والله أعلم. المسألة الثالثة: وسيلة المحرم محرم: فإذا قلنا الوسيلة محرّمة لأن المقصود أمرٌ محرَّمٌ، مثل قطع الطريق، أو ذهب ليشرب الخمر، أو مشى بقصد النميمة، أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم، والواجب واجب، والمستحب مستحب، فإذا كان هذا فإنه في حال الوجوب يثاب الإنسان على الوسيلة والقصد جميعاً. وكما قلنا في المحرم الوسيلة إليه محرمة، لكن في بعض الأحوال قد يستثنى منها مسائل، فقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة، وهذا إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، بل قد تكون الوسيلة إلى المحرم واجبة، وهذه قد تستثنى من القاعدة كما قلنا، لكن تستثنى بأدلة. مثاله: إنسان ظالم قصد أن يأخذ مال إنسان ظلماً فجاء آخر يريد الإصلاح ويريد دفع الظلم وقال: أنا أعطيك من مالي هذا مبلغاً معيناً ولا تأخذ من ماله شيئاً.

стр. 40

فتمكين الظالم من هذا المال محرم عليه، ولا يجوز للظالم أن يأخذه، لأن هذه الوسيلة القصد منها دفع بعض المال إليه لأجل أن يترك بقية المال والأصل أن تكون محرمة، لكن هذه الوسيلة ليست محرمة وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة بحسب الحال التى يدفع بها هذا الظالم. مسألة: الشرع سدَّ الطرق المؤدية إلى المحرم، فما كان طريقاً إلى محرم فيجب سدّه، ولا يجوز فتحه، لأنه مناقض لمقصود الشرع في تحليل الحرام بفتح الطرق المؤدية إليه، وقد تؤدي إلى مسألة الذرائع إلى الأمور المحرمة، وقد تكون واضحة، وقد تكون خفية جداً، وقد يكون فيها اختلاف، فالذرائع وسائلها ثلاث: وسيلة هي حرام بالإجماع: ويجب سدها ولا يجوز فتحها مثل حفر الآبار في طرق المسلمين ووضع الأذى فيها. وسيلة أجمع أهل العلم على حلها وعدم تحريمها: مثل زراعة العنب، فلا يمنع لتوهم اتخاذه خمراً. ووسيلة مختلف فيها: وهي التي ظاهرها تفضي إلى مباح وتتخذ وسيلة إلى أمر محرم. مثاله: إنسانٌ عقد على امرأة لكي يحللها لزوجها الذي حَرُمت عليه بالطلاق ثلاثاً، فعقد عليها وأظهر عقداً في ظاهره ليس عقد تحليل ومن نيته أن يحللها، وقال بعض أهل العلم إن الذرائع إلى الأمور المباحة إذا كانت تفضى إلى أمر محرم واتخذت ذريعة مباحة وسيلة إليه فإنه لا يجوز وهو حرام فهناك أمور تفضى إلى المحرم مباشرة فهذه حرام، وهناك ذرائع إلى أمور محرمة ولا تفضى إليه مباشرة
следующие страницы →