← Каваид фикха

Каваид фикха · id 16820

شرح القواعد السعدية

عبد المحسن الزامل

Полный текст (286 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مثاله: أكلُ الميتة في حال المخمصة لا بأس به؛ لأنه إذا اضطر الإنسان إلى [. . .] (*) الميتة، فالأكل منها في هذه الحال فيه مصلحة، ولأن فيه دفع هذه الحال [. . .] (*) وترك الأكل مفسدة، فلا يمكن التخلص من المخمصة إلا بالأكل من الميتة، وإذا أراد أن يتجنب تلك المفسدة فإنه لابد أن يتجنب الأكل فلابد أن يفعلها جميعاً أو يتركها جميعاً، وهذه لها أقسام: تارة يقدم فعل الحسنة، وتارة تفعل الحسنة، ولا ترتكب السيئة، وتارة ترتكب هذه السيئة، وإن تركنا تلك الحسنة حسب حالاتها، فالأكل من الميتة في حال المخمصة مصلحة أعظم من تلك المفسدة. عكسها: الدواء الخبيث، لو أن إنساناً أراد التداوي بالخمر، وإن كان في شربه مصلحة لكن تحقيق هذه المصلحة يجلب معه مفسدة عظيمة فتترك تلك الحسنة لأجل اجتناب تلك المفسدة. ومن الأمثلة - أيضاً -: لو أن إنساناً يعمل في مكان، وفي وجوده في هذا المكان مصالح من الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويواجه أموراً يضيق صدره منها ويكرهها ولا يستطيع دفعها، فهذه - والله أعلم - لا يمكن أن يجاب عنه بجواب عام يكون قاعدة في هذا، بل هذا يختلف بحسب المكان الذي يوجد فيه، وبحسب الشخص نفسه، وبحسب ما يترتب على بقائه من الأعمال الصالحة، وما يحصل فيه من الأمور المنكرة، فقد يكون الجواب لشخص بالبقاء، وقد يكون لآخر عليه أن يترك ويهجر هذا المكان إلا للضرورة. والله أعلم.

стр. 37

القاعدة الثانية الوسائل لها أحكام المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام والمكروهات تابعة لها ووسيلة المباح مباح، ويتفرع عليها الأعمال ومكملاتها تابعة لها هذه القاعدة أصل عظيم من أصول الشرع وهي عامة في جميع الأعمال فتشمل جميع أحكام الشرع التكليفية. المراد بالوسائل: الطرق التى يتوسل بها ويتوصل بها إلى أمور أخرى، هي مقصودة في نفسها، والوسائل ليست مقصودة إنما هي طرق إلى هذه المقاصد، فعندنا الوسيلة حسب القصد، فإن كان القصد واجباً كانت الوسيلة واجبة، وهكذا في المحرم والمستحب والمباح والمكروه، وقد جاء الشرع بإيجاب الطرق والوسائل إلى الأمور الواجبة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. مثاله: الصلاة في المساجد جماعة واجبة، ولا يتوصل إليها إلا بالسعي إليها، فيكون السعي إليها واجباً مهما كانت الوسيلة سواء كان ماشياً أو راكباً، وإذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة عليه أن يقوم إن كان قادراً ويصلي حتى يتحقق وجود هذا الواجب وهو الصلاة، وقِسْ على ذلك. وهكذا المستحب: فالوسيلة إلى المستحب مستحبة، فمن قصد المسجد لصلاة نافلة أو قراءة قرآن أو حضور حلقةِ علمٍ فالسعي إليها مستحب ومطلوب، وفي المباحات أيضاً في أمور الإنسان في معاشه، فمن خرج من بيته لأجل طلب العيش فخروجه من بيته يكون مباحاً في أصله لكن إذا ضم إليه نية أخرى فإنه يترقى إلى

стр. 38

درجة أعلى وهي درجة الاستحباب بحسب نيته فيما خرج له، فطلب الرزق أمر مشروع فيكون خروجه أمراً مشروعاً. وهكذا في المكروهات والمحرمات، فالوسائل لها أحكام المقاصد، والشرع جاء بسد الوسائل وبفتحها، فالوسائل المحرمة يجب سدها، والمكروهة يستحب سدها، والواجبة يجب فتحها، والمستحبة يستحب فتحها، والمباحة يباح الأخذ بها أو تركها، هذه هى المسألة الأولى في هذه القاعدة. المسألة الثانية: كلّما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، هذا هو الأصل، فمن لم يجب عليه الحج لا يجب عليه قصد مكة؛ لأن المقصود نفسه ليس واجباً، فالوسيلة ليست واجبة لكن يبقى اعتبار استحبابها، فإذا سقط اعتبار وجوب الوسيلة بقى استحباب السير إليها، لكن ليس بواجب، كذلك في سائر الأحكام الأخرى كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فمن لم يجب عليه هذا الشيء لم تجب عليه وسيلته، وكذلك إذا لم يستحب هذا الشيء لم تستحب وسيلته. مسألة: قالوا: إنه تعتبر الوسيلة والمقصود غير موجود، ذكروا في هذا حلق المحرِم لرأسه إذا كان أصلع الرأس، أو كان قد جزَّه فلم يَبْقَ فيه شيء ورمي الجمرة فإنه يحصل له التحلل الأول إلا النساء، فعلى هذا هل يشرع له إمرار الموسى على رأسه مع أن المقصود وهو الشعر غير موجود، قالوا: إنه يستحب إمرار الموسى، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعاً. لو نظرنا إلى هذه القاعدة وهي: الوسائل لها أحكام المقاصد فإمرار الموسى

стр. 39

على رأسه وسيلة إلى التحلل، والتحلل من حلق الرأس واجب، والحلق نسك على الصحيح والشعر غير موجود، فعلى قول الجمهور إذا رمى الجمرة وهو أصلع وفي نيته إزالة ما على رأسه فإنه يحصل له التحلل الأول، وقول مالك إنه يحصل برمى الجمرة، وقالوا: إنه يشرع له أن يمر الموسى على رأسه، وهذا مشكل على هذه القاعدة، لكن يمكن أن يقال إن كان في المسألة خلاف، وأن بعض أهل العلم قالوا إن إمرار الموسى وآلة الحلاق ليس له معنى، يمكن أن يكون هذا القول أقوى وإن كان في المسألة إجماع على الاستحباب كما حكاه بعضهم، يمكن أن يقال إن أمور الحج أمور تعبدية أو في كثير منها يغلب عليها التعبد، ويجب الانقياد وهذا منها. والله أعلم. المسألة الثالثة: وسيلة المحرم محرم: فإذا قلنا الوسيلة محرّمة لأن المقصود أمرٌ محرَّمٌ، مثل قطع الطريق، أو ذهب ليشرب الخمر، أو مشى بقصد النميمة، أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم، والواجب واجب، والمستحب مستحب، فإذا كان هذا فإنه في حال الوجوب يثاب الإنسان على الوسيلة والقصد جميعاً. وكما قلنا في المحرم الوسيلة إليه محرمة، لكن في بعض الأحوال قد يستثنى منها مسائل، فقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة، وهذا إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، بل قد تكون الوسيلة إلى المحرم واجبة، وهذه قد تستثنى من القاعدة كما قلنا، لكن تستثنى بأدلة. مثاله: إنسان ظالم قصد أن يأخذ مال إنسان ظلماً فجاء آخر يريد الإصلاح ويريد دفع الظلم وقال: أنا أعطيك من مالي هذا مبلغاً معيناً ولا تأخذ من ماله شيئاً.

стр. 40

فتمكين الظالم من هذا المال محرم عليه، ولا يجوز للظالم أن يأخذه، لأن هذه الوسيلة القصد منها دفع بعض المال إليه لأجل أن يترك بقية المال والأصل أن تكون محرمة، لكن هذه الوسيلة ليست محرمة وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة بحسب الحال التى يدفع بها هذا الظالم. مسألة: الشرع سدَّ الطرق المؤدية إلى المحرم، فما كان طريقاً إلى محرم فيجب سدّه، ولا يجوز فتحه، لأنه مناقض لمقصود الشرع في تحليل الحرام بفتح الطرق المؤدية إليه، وقد تؤدي إلى مسألة الذرائع إلى الأمور المحرمة، وقد تكون واضحة، وقد تكون خفية جداً، وقد يكون فيها اختلاف، فالذرائع وسائلها ثلاث: وسيلة هي حرام بالإجماع: ويجب سدها ولا يجوز فتحها مثل حفر الآبار في طرق المسلمين ووضع الأذى فيها. وسيلة أجمع أهل العلم على حلها وعدم تحريمها: مثل زراعة العنب، فلا يمنع لتوهم اتخاذه خمراً. ووسيلة مختلف فيها: وهي التي ظاهرها تفضي إلى مباح وتتخذ وسيلة إلى أمر محرم. مثاله: إنسانٌ عقد على امرأة لكي يحللها لزوجها الذي حَرُمت عليه بالطلاق ثلاثاً، فعقد عليها وأظهر عقداً في ظاهره ليس عقد تحليل ومن نيته أن يحللها، وقال بعض أهل العلم إن الذرائع إلى الأمور المباحة إذا كانت تفضى إلى أمر محرم واتخذت ذريعة مباحة وسيلة إليه فإنه لا يجوز وهو حرام فهناك أمور تفضى إلى المحرم مباشرة فهذه حرام، وهناك ذرائع إلى أمور محرمة ولا تفضى إليه مباشرة

стр. 41

وهي في الظاهر مباحة فهي أيضاً محرمة. مسألة أخرى: المقاصد أعلى من الوسائل وأعظم رتبة وأجراً، لأنه إذا سقط المقصود سقطت الوسيلة، وإذا سقط المتبوع سقط التابع. مثاله: قصد الصلاة واجب، والصلاة واجبة، لكن وجوب الصلاة آكد وأعظم أجراً، لأنها هي القصد وهذا وسيلة إليها. المسألة الأخيرة: يقول المصنف ﵀: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وهذه سبقت الإشارة إليها، لكن فيها مسألة أخرى: فالصلاة واجبة والسعي إليها واجب، والزكاة واجبة، لكن لا تجب إلا بشروط وأسباب، فالنصاب سبب والحول شرط، فهل يجب تحصيل السبب وتحصيل الشرط؟ كل هذ لا يجب، إذن هناك فرق بين أمر يجب على المكلف، وأمر لا يجب على المكلف، فيصاغ بقاعدة أخرى فيقال: [ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب].

стр. 42

القاعدة الثالثة المشقة تجلب التيسير هذه قاعدة متفق عليها بين أهل العلم، وهى قاعدة عظيمة ولها فروع كثيرة، وجاءت الأدلة إلى مشروعية هذا الحكم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، وقال ﵊: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٥)، وقالت عائشة - رضى الله عنها -: "ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما" (٦). فما كان خارج الاستطاعة فهو مشقة، وقد يكون في غير مقدور الشخص، فيكون غير مطلوب، وأخبر عليه - الصلاة والسلام - في عدة أخبار من حديث عائشة، ومن حديث ابن عباس - رضى الله عنهم -:"أن أحبَّ الدين

стр. 43

الحنيفية السمحة" (١)، فهى حنيفية في التوحيد سمحة في العمل، وقاله ﵊: "إن خير دينكم أيسره" (٢) إلى غير ذلك من الأدلة التى جاءت في تقرير هذا الأصل.

стр. 44

فالمشقة تجلب التيسر، ويُعبَّر عنها أيضاً بلفظ آخر: "إذا ضاق الأمر اتسع" فكلما وُجد حَرَجٌ ومشقةٌ جاء التيسير والترخيص والتسهيل في هذه الشريعة في سائر أحكامها، بل شرع الله سبحانه تعالى أموراً تعين على تحقيق هذه العبارة، بل إنه لا قوام للإنسان ولا حياة له إلا بهذه الشريعة فرخص ويسَّر فيها سبحانه وبحمده، فله الحمد والشكر على ذلك لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه . والعبادات والأحكام قد يكون فيها شيء من المشاق كما قلنا، والمشاق أنواع: ١) مشاق لا تنفك عنها العبادة وهي مشقة يسيرة جداً، بل لا يمكن تحصيل ما أمر به الشارع إلا بهذه الأمور، فالصلاة مثلاً قد يقترن بها أمور، وقد يكون فيها شيء من المشقة مثل الوضوء فلابد من القصد إليه، ولابد من إمرار الماء على أعضاء الوضوء، وقد يكون فيه شيء من الحرّ أو شيء من البرد، فهذه مشاق لا تنفك عنها العبادة. الصوم فيه شيء من المشقة من الانقطاع عن الطعام والشراب إلى غير ذلك فهذه مشاق لا تعتبر، ولا يجوز إسقاط التكاليف لأجل هذه المشاق. ٢) مشاق تنفك عنها العبادات غالباً ، وهذه على أقسام: أ) مشقة عظيمة جداً: مثل من أراد قصد الصلاة وكان في طريقه سبع وخشى أن يفترسه، أو خشي من إنسان أن يقتله فهذا لا شك أن القصد إليها ليس بواجب؛ لأنها مشقة عظيمة، فأسقط الشارع هذا الوجوب لأجل هذه المشقة. فهذه المشقة تنفك عنها العبادات، والإنسان يَسْلَم فيها في الغالب، لكن لو

стр. 45

وجدت اعتبرت هذه، ولا يجب هذا الحكم الذي كُلِّف به الإنسان؛ لأنه في هذه الحال غير واجب. ب) مشقة يسيرة جداً: تنفك عنه العبادات غالباً، مثل أدنى مرض، فإن هذه لا تمنع وجوب الصوم ولا تمنع وجوب الحج. ج) مشقة وسط: فهذه لا ترتفع وتصل إلى درجة تلك المشاق العظيمة فتلحق بها مثل: الوحل وشدة المطر، فإنه في هذه الحال يشرع الجمع بين الصلاتين في المسجد بين الظهرين على الأظهر والعشاءين أيضاً، وقد تكون مشقة يسيرة تلحق بأدنى المشاق. إذن القسم الأول المشقة العظيمة وتقابلها المشقة اليسيرة جداً. المشقة الوسط يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام: أ/ قسم قد يصل إلى الدرجة الدنيا من المشاق فيلحق بها فلا يعتبر. ب/ قسم قد يصل إلى الدرجة العليا من المشاق اليسيرة فيلحق بها فيعتبر. ج/ قسم اختلف العلماء فيه هل يلحق بالمشاق اليسيرة أو يلحق بالمشاق العظيمة. المقصود أن هذه هي أنواع المشاق التي تعرض للعبادات والتى لا تعرض لها. وخفف الله فيما شرع في مواضع كثيرة في الشرع. فأنواع التخفيف كثيرة لأجل المشقة: ١ - القصر للمسافر. ٢ - تخفيف إبدال، مثل: إذا شق عليه الغسل أو الوضوء له أن يتيمم.

стр. 46

٣ - تخفيف تغيير، مثل: صلاة الخوف، فإن تغيير هيئتها لأجل مراعاة حال - المقاتلين في سبيل الله. ٤ - تخفيف إسقاط: كإسقاط الحج على غير القادر، وإسقاط الجمعة عن المريض والنساء والمسافر. ٥ - تخفيف ترخيص، مثل: من غصّ ولم يكن عنده ماء، فخشي على نفسه من الهلاك جاز له شرب الخمر لدفع ذلك. ٦ - تخفيف جمع: وهو جمع الصلاتين لأجل المطر وغيرها من الأعذار. ٧ - تخفيف تقديم، مثل: جمع الصلاة "العصر مع الظهر" و"العشاء مع المغرب" لأجل ما يعرض للإنسان من مشقة كالمرض أو لحاجته إلى الجمع كالمسافر ونحوهم. ٨ - تخفيف تأخير، مثل: تأخير صلاة المغرب مع العشاء للمسافر إذا كان أيسر له، والظهر مع العصر تأخيراً. مسألة: كان الرسول ﷺ يقوم الليل حتى تتفطّر قدماه (١)، وكان يقرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة (٢)، وفي رواية الأنعام، وثبت أنه قام ليلة كاملة (٣)، فالأخبار عن السلف الصالح من الصيام والقيام أمر متواتر. قد اختلف أهل العلم في الجواب عن مثل هذا، منهم من قال إن هذه

стр. 47

الأخبار عن التابعين والصحابة لا تقابل بما جاء به ﵊ بالأمر بالتيسير على النفس وعدم الشدة عليها، وقد صح عنه ﵊ أنه أنكر على عبد الله بن عمرو - رضى الله عنهما - أن يصوم شيئاً من الأيام، والذي يظهر - والله أعلم - كما قال بعض أهل العلم أنه ﵊ ارتاحت نفسه إلى العبادة، فكانت هى راحته واطمئنانه في الصلاة فيأنس بها، أما غيره من الناس فليس مثله، وليس شبيهاً له ﵊ فإذا حمل نفسه على الشدة فلا يستطيع، ثم هو ﵊ لم يكن يقطع الليل كله بالصوم في هذا الشيء، ولا يقطع الدهر كله بل قال عن إفطار يومين وصيام يوم أو إفطار يوم وصيام يومين، وجاء أنه قال: "لَوَدِدتُ أني طُوِّقتُ هذا". وهكذا ما جاء عن بعض السلف لعلهم ارتاحت نفوسهم إلى هذا فأحبوه، فإذا هذا يختلف بحسب اختلاف النفوس، فمن كانت نفسه قد تتأذى وتؤدي به إلى الملل فلا يشرع له مثل هذا، ثم إن كان يؤدي إلى مخالفة السنة في قطع الليل مثلاً بالصلاة، وقطع الدهر كله بالصوم، لاشك أنه منهي عنه، وما جاء من هذه الشدة عنه ﵊ وعن بعض خواص الصحابة، فإنهم قد أنِسَتْ نفوسهم لهذا الشيء، ومن ذلك ما جاء عن عثمان ﵁ أنه ختم القرآن في ليلة، وقيل أنه قرأه في ركعة ﵁. اهـ.

стр. 48

القاعدة الرابعة الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة هذه القاعدة التى أشار إليها المصنف ﵀ أنه لا يجب شيء على المكلّف إلا باستطاعته، محل إجماع من أهل العلم كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وقال ﵊: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)، وقال : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣). فالاستطاعة لابد منها في جميع الأعمال، وذكر الاستطاعة الخاصة بالحج، لأنه ليس كغيره من العبادات؛ ولأن له استطاعة خاصة تتعلق به، بخلاف غيره من العبادات، أما الحج فله استطاعة خاصة على خلاف بين أهل العلم في تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية جاء في عدة أخبار من حديث ابن عمر وأنس وغيرهما أنه فسرها عليه - الصلاة والسلام - بالزاد والراحلة (٤)، من أجل هذا

стр. 49

نص عليها ، فلا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة، وفي الاستطاعة بحث يتعلق بباب القدر يذكره أهل العلم، وأهل السنة على أن

стр. 50

الاستطاعة المصححة للأمر والنهى داخلة تحت قدرة المكلف، أما الاستطاعة، التي يكون معها الفعل فلا تكون إلا بإعانة الله ، على كلام مذكور لأهل العلم، في هذا الباب في الرد على الجبرية وعلى الأشاعرة في تفسيرهم للاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة. فجميع الواجبات الشرعية لا تجب في حال العجز، والله من رحمته خفف وجوب ما أوجبه، وجعل المكلف غير مأمور به إذا كان غير مستطيع في حديث عمران بن حصين "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك" (١) وفي لفظ عند النسائي: "صل مستلقيًا"، والمراد بالاستطاعة ألا يكون عليه مشقة.

стр. 51

فمن رحمته أن المصلي إذا كان لا يستطيع أن يصلى قائمًا صلى جالسًا. المعنى: أنه إذا كان في قيامه مشقة صلى قاعدًا، فإذا كان في قعوده مشقة صلى على جنبه، وإن كان على جنبه يشق عليه صلى مستلقيًا، وليس المراد بعدم الاستطاعة عدم القدرة البتة، فقد تكون له القدرة على الصلاة قائمًا لكن يشق عليه أو يتأخر البرء في الغالب من هذا المرض أو يزيد، فهذا غير مستطيع لأنه في هذه الحالة يشق عليه، فلهذا ينتقل من حال إلى حال، وهكذا في الحج كما أشرنا فهناك أشياء شرط للوجوب إذا استطاعها، وهناك ما يكون شرطًا للأداء، لا يكون واجبًا عليه أداءُ ذلك في هذه الحال بل يكون واجبًا باقيًا في ذمته، ففى حال الصوم إذا كان مريضًا أو مسافرًا لا يجب عليه الصوم في هذه الحال، بل إذا كان مسافرًا وشق عليه الصوم فإن له أن أن يفطر ويكون وجوب القضاء بعد ذلك، وكذلك الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، إلى غير ذلك من رخص الشرع إذا تتبعتها وجدتها مقرونة بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز نفىٌ لجنس الوجوب مع حال العجز، ولا حرام مع الضرورة، وهذه القاعدة ستأتي إن شاء الله أيضًا، وهي أن الضرورات تبيح المحظورات، فإذا أضطُر الإنسان إلى شيء فإنه لا يكون حرامًا عليه فإن أضطُر إلى الميتة جاز أكلها على تفصيل في أحكام الأكل منها "فلا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة" فليس في هذه الحال أنه لا يوصف بالحرمة

стр. 52

ولا يكون محرمًا بل إذا احتاج إلى التّرخص قد يكون التّرخص واجبًا وقد يكون غيرِ واجب، وأهل العلم يقولون كما هو معروف ومشهور "الضرورات تبيح المحظورات" ويقيدونها بشرط أن يكون المحظور أنقص من الضرورة. هذا لابد منه يعني ليست الضرورات تبيح المحظورات على الإطلاق لكن بشرط أن يكون المحظور أنقص من الضرورة. مثاله: لو أنّ إنسانًا أُجبر وهُدّد أن يقتل إنسانًا، قيل: أُقتل هذا الرجل وإلا قتلناك، في هذا الحالة لا يجوز له أن يقتل ذلك الإنسان، فهذا المحظور ليس أنقص، إما أن يكون مساويًا، أو أكثر ضرورة من ضرورته، فكيف يجوز أن يستبقي نفسه، وأن يفدي نفسه بقتل أخيه المسلم؟ ولهذا اختلف فيما إذا كان المعصوم غير مسلم كذمى، لكن إذا كان مسلمًا فهو محل اتفاق لا يجوز له ذلك؛ لأنه لا يجوز له أن يستبقي نفسه وأن يفدي نفسه بقتل أخيه المسلم؛ لأن هذه الضرورة أقل من الضرورة التي أجبر عليها إما مساوية لما هُدد به أو أعظم أو هذا المحظور الذي سينتهك يكون أعظم فيشترط أن تكون أنقص منها, ولأجل هذا اختلف لو أجبر على الزنا هل يكون مضطرًا؟ فيه خلاف بين أهل العلم، وهل يتصور الإكراه على الزنا؟ إلى غير ذلك، فلابد أن تكون الضرورة أنقص منها، لكن لو أجبر مثلًا على شرب الخمر، أو أجبر على كلمة الكفر، أو أجبر على أكل لحم محرم كلحم الخنزير هذا له أن يأكل من هذا المحرم، وله أن يشرب من هذا المحرم؛ لأن الضرر المترتب على ترك الإقدام على الأكل أو الشرب أعظم من الضرر

стр. 53

المترتب على الأكل أو الشرب المحرم، فهذه القاعدة أصل عظيم أنه: لا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة. وتحت هذه القاعدة قواعد أخرى ذكرها أهل العلم في هذا الباب. بقى أيضًا فيما يتعلق بكلمة الوجوب هذا فيه إشكال، ولا أدري عن قوله "الوجوب" لأن الوجوب لا يتعلق بالاستطاعة لأنه خارجٌ عن قدرة المكلف فإن له شروطًا وأسبابًا فلا يوصف هذا الشيء بأنه محل وجوب في حق المكلف. مثاله: وجوب الصلاة له سبب وهو زوال الشمس، فلا يدخل تحت قدرة المكلف أصلًا، فالعبارة موضع نظر في كلمة الوجوب، وسبق - أيضًا - في القاعدة التي تعرضنا لها في الوسائل وأنها تأخذ أحكام المقاصد، وأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، لكن المراد في مسألة الوجوب أنه لا يلزمه أن يؤدي هذا الفعل، وأن يكون واجبًا عليه إلا بقدرته واستطاعته ليس المراد بالوجوب الذي ليس إلى المكلف سبيل إليه. مثلًا: وجود النصاب في حال الزكاة، ووجود الحول في الزكاة الذي هو شرط لها أو النصاب الذي هو سبب لها، وما أشبه ذلك من ما يكون محل الوجوب وهو غير داخل تحت قدرة المكلف أصلًا، فيما يتعلق بالعجز والقدرة فالمكلف تجاه الأمر والنهي وتجاه ما أمر به له أحوال: الحالة الأولى: أن يكون قادرًا ببدنه قادرًا على ما أمر به: مثل الصحيح الذي ليس بمريض، المستطيع للوضوء وللغسل، إنسانٌ سليمٌ

стр. 54

صحيح الجسم يستطيع أن يتوضأ هذا حكمه واضح يجب عليه أن يصلى كما أمر بالوضوء الشرعي أو الغسل لقدرته على امتثال ما أمر به. ومثله أيضًا: القادر على الصوم، والقادر على الحج، وما أشبه ذلك يقابله مريض عاجز عن الآلة التي يؤمر بها، مثل إنسان مريض عادم للماء فإنه ينتقل إلى البدل، وهذا والحمد لله محل إجماع لأنه عاجز بأمرين: ١ - ببدنه ٢ - الآلة التي أمر بها. الحالة الثانية: قادر ببدنه عاجز عن الآلة المأمور بها: إنسان صحيح الجسم ليس مريضًا لكنه عادم للماء، هذا أيضًا كالحالة التي قبلها ولا يؤمر بتحصيله لأنه في هذه الحالة غير مكلف به؛ لأنه غير واجد لما أمر به، فله أن ينتقل إلى البدل كما قلنا في الحالة الأولى. الحالة الثالثة: عاجز ببدنه، قادر على الآلة التي أمر بها: هذه الحالة مثل إنسان ضعيف البدن لا يستطيع الركوب للحج مثلًا، أو مريض بمرض في الغالب لا يرجى برؤه، هذا إذا كان قادرًا بماله فإنه يلزمه الحج في ماله على الصحيح من قولي العلماء، كما هو قول جمهور أهل العلم؛ لأن الأدلة الواردة في هذا الباب صحيحة وصريحة، قال: "حج عن أبيك واعتمر" (١)، وحديث

стр. 55

المرأة التي جاءت فقالت: إن أبي لا يستطيع الركوب ولا الظعن (١)، إلى غير ذلك من الأخبار التي جاءت في هذا الباب، وفي لفظ: "إن أمي"، وفي بعضها: "إن أختي" على خلاف هل هو حديث واحد أو أحاديث، المقصود أنه يلزمه أن يحج عن نفسه وأن يخرج شيئًا من المال ولو مات كان دَينًا في تركته يجب إخراجه. مثاله: الكبير الذي لا يستطيع الصوم لكن يستطيع إخراج الكفارة، هذا يلزمه أن يخرج الكفارة عن كل يوم مسكينًا على الخلاف في القدر المخرج، والقول الأظهر أنه يخرج نصف صاع، أو يطعم مسكينًا يغديه أو يعشيه، أو يملّكه هذا القدر من القوت، وإن كان طَبْخُهُ له وإعطاؤه له مطبوخًا أبلغ له في إكرامه، إلا أن يُؤثِرَ الفقيُر ذلك، لكن لا يلزم أن يجيبه إلى هذا، فالمقصود أنه في هذه الحالة يلزمه أن يُكفِّر.

стр. 56

ومثاله: إنسانٌ لا يستطيع الجهاد كما ذكر أهل العلم أن جنس الجهاد واجب على الصحيح، لكن قد يكون واجبًا بالبدن بأن يباشر القتال بنفسه، وقد يكون الجهاد باللسان، وقد يكون الجهاد بالكتابة إلى غير ذلك على حسب أنواع الجهاد التي جاءت بها الأدلة، ذكر هذه الأنواع العلاّمة ابن القيم ﵀ وهي واضحة من جهة الأدلة. بقي في هذه الأقسام الأربعة ما إذا كان قادرًا على بعض الواجب المأمور به، هل يكون مستطيعًا أو غير مستطيع، إنسان قادر على بعض الواجب المأمور به مثل إنسان عليه غسل جنابة وعنده من الماء شيء يكفيه لنصف بدنه وليس قادرًا على جميع الواجب المأمور به فهذا يمكن أن يكون قسمًا خامسًا، فهذا هل هو كالعادم للماء؟ أو كالواجد له؟ محل خلاف. ذهب بعض أهل العلم إلى أنه في حكم الواجد، فإذا كان عنده ما يكفيه لغسل بدنه أو بعضِهِ، أو عنده شيء يكفي لغسل بعض أعضائه، مثل من عنده ماء يكفيه للمضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليد اليمنى، أي ليس عنده إلا هذا الماء والباقي ليس واجدًا له، أو يستبقيه لشربه وحاجته، فهذا هل يكون في حكم الواجد أم حكم العادم؟. قيل: هذا، وقيل: هذا، والأظهر في مسألة الجنب أنه في حكم الواجد، فإذا وجد بعض ما يكفيه فعليه أن يغسل بدنه بما يجده من الماء، وهذا والله أعلم لأن غسل بعض البدن في الجنابة عبادة، ويخفف الجنابة ولهذا أمر عليه - الصلاة والسلام -

стр. 57

الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ (١)، وإذا أراد أن يُعاودَ الجماع أو أن يأكل، أو أن يشرب، يشرع له أن يتوضأ تخفيفًا للجنابة؛ لأن هذا الجزء المفعول والمعمول هو عبادة، ويخفف الجنابة، ولهذا ثبت عن كثير من الصحابة أنهم أجازوا للجنب إذا توضأ أن يمكث في المسجد، ولم يجعلوه كالجنب من كل وجه، بل جعلوه كأنه مرتبة بين المرتبتين، فليس كالجنب الذي لم يغسل شيئًا، وليس كالمتطهر تمامًا، وهذا واضح من جهة الأدلة التي جاءت بالأمر للجنب أن يتوضأ، ولهذا لا تشترط الموالاة في الجنابة، فإذا غسل بعض بدنه زال منه حكم الجنابة فيما غسل، فهل الوضوء كالغسل في هذه المسألة؟. موضع خلاف. ذهب بعض أهل العلم إلى هذا العموم في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٢)؛ لأنها نكرة في سياق النفى، والنكرة في سياق النفي عامة، وهذا واجد للماء، وقال بعض أهل العلم: لا يشرع أن يتوضأ بل هو في حكم عادم الماء، وقالوا: إنه فرق بينما جزءه عبادة، وبين الذين ليس جزءه عبادة، فالذي جزءه عبادة فإنه

стр. 58

يستعمل الماء، والذي ليس جزءه عبادة فإنه لا يستعمل الماء، وقالوا: تخفيف الجنابة بالوضوء أو بغسل بعض الأعضاء عبادة، ولهذا أمر ﵊ الجنب أن يتوضأ فكان عبادة، أما غسل بعض أعضاء الوضوء فليس جزء عبادة، ولم يأتِ في الشرع أنه جزء عبادة، لكن ورد في حديث علي ﵁ أنه توضّأ وضوءًا خفيفًا لم يغسل جميع الأعضاء، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث (١)، فهو في بعض الأعضاء لكنه لمن لم يحدث فما ليس جزءه جزء عبادة لا يصح الإتيان به. مثاله: لو أن إنسانًا في رمضان عليه كفارة في الصيام فيقول أنا أستطيع أن أصوم نصف اليوم بدون أي مشقة ولا يحصل لي أي شيء فهل يلزمه الصوم؟.

стр. 59

نقول: ليس صيام نصف يوم عبادة ولا جزء عبادة، فيكون في حكم غير القادر، وهكذا الذي يستطيع أن يغسل بعض أعضائه ليس عليه شيء، وهذا موضع خلاف كما قلنا في مسألة الجنب واضح، وفي مسألة الوضوء محل نظر - والله أعلم -. هذه المسائل التي هى موضع اجتهاد يخرج من خلاف أهل العلم بفعل ما أوجبه بعض العلماء واجتناب ما نهى عنه بعض العلماء، وهذا في المسائل الاجتهادية أو المسائل الخلافية التي يكون الخلاف فيها قويًا حيث لا تظهر السنة ظهورًا بيِّنًا، أما مع ظهور الدليل عند وجود الخلاف فإن الاحتياط هو الأخذ بالدليل، ولا يُحتاط للقول المخالف؛ لأن الاحتياط الصحيح يكون باتباع السنة، أما مع ضعف الخلاف ومخالفته للدليل فلا يلتفت إلى هذا الخلاف، ولا يقال يشرع الاحتياط له. وقد قرر الإِمام البخاري مسألة الخروج من الخلاف في صحيحه ذكر مسألة كشف الفخذ، وذكر حديث أنس ﵁ لما أجرى في زقاق خيبر وحسر عن فخذه فقال: حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط؛ ليخرج من اختلافهم (١). والله أعلم.

стр. 60

القاعدة الخامسة الشريعة مبنية على أصلين: ١ - الإخلاص لله. ٢ - المتابعة لرسول الله ﷺ . هذان الأصلان محل إجماع من أهل العلم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١)، وقال ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" (٢)، وقال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣)، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤). ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ يعني صوابًا على السنة، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أن يكون خالصًا يريد به وجه الله .

стр. 61

وهذان الأصلان - والحمد لله - محل إجماع كما قلنا، ودلت عليهما الأدلة، والقاعدة واضحة، وأنه يجب الاتباع في الظاهر والباطن، فهذه القاعدة مبينة على أصلين: ١ - الاتباع في الظاهر. ٢ - الاتباع في الباطن. ولا يصح أحد الأصلين دون الآخر، فمن اتبع باطنًا بأن أخلص عمله لله لكنه عمل على بدعة أو على طريقة منحرفة فعمله مردود عليه "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (١)، وقد بَيَّنَ ﵊ كما قلنا في حديث "إنما الأعمال بالنيات" (٢) الأعمال الباطنة المتعلقة باعتقادات القلوب وأعمالها، وأنه يجب أن تكون خالصة لله ، وحديث "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" الأعمال الظاهرة وأنه يجب أن تكون صوابًا، فاشتمل هذا الأصل الأعمال الباطنة بأن تكون خالصة لله ، والأعمال الظاهرة أن تكون صوابًا، والعمل مثلًا كالصلاة، فإنه يجب عليه أن يصلي لله ، يعني أن يقصد بهذه الصلاة وجه الله ، وأن يحج يقصد وجه الله ، ويخرج زكاة ماله يقصد وجهه ، ويصوم مخلصًا لله ، والصوم في أصله لا رياء فيه لكن يكون الرياء فيما إذا أخبر أنه صائم على جهة الرياء، أما الصوم من جهة إيقاعه ونيته

стр. 62

فلا رياء فيه، قال في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا جزئ به" (١)، لا يكون الرياء في نفس نية الصوم؛ لأنه لا يُطَّلَع عليه لكن يكون الرياء بأن يخبر بأنه صائم على جهة المراءاة، أما إذا أخبر على غير جهة الرياء فلا بأس. فالمقصود أنه لا يصح العمل إلا بهذين الشرطين، فمن صلى صلاة على الوجه المطلوب ولم يبتدع فيها بدعة من جهة الظاهر، لكنه غير مخلص في الباطن فعمله باطل مردود عليه على تفصيل لأهل العلم في مسألة الرياء، إذا كان في أصل العمل أو حدث بعد ذلك، هذا هو الأصل في هذه القاعدة وأنه لا بد من المتابعة، وأن يكون العمل خالصًا لله وهذا في سائر أحكام الشرع، وعلى هذا تكون جميع الاعتقادات وجميع الأعمال التي جاء بها المبتدعون مردودة وباطلة، وجميع البدع المتعلقة بأعمال القلوب والبدع المتعلقة بأعمال الجوارح تكون باطلة مردودة، ومن هذه البدع التي جاءت به الفرق الضالة من جهمية ومعتزلة ومرجئة، وهكذا ما حدث من الفرق بعد ذلك التي هي: مخالفة للشرع ومصادمة له تكون أعمالها باطلة ومردودة لمناقضتها الشرع ظاهرًا وباطنًا، هذا هو الأصل فيما يتعلق بهذه، وهذا فيما يكون مأمورًا به منهيًا عنه؛ لأنه هو محل الأمر والنهي ومحل التحريم والإيجاب.

стр. 63

القاعدة السادسة الأصل في العبادات الحظر، فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرّم إلا ما حرَمه الله ورسوله ﷺ - هذه قاعدة عظيمة وواضحة - والحمد لله - وهو أن الأصل في العبادات الحظر والمنع، وفيها شيء من القاعدة التي قبلها من جهة أن من تعبّد عبادة على غير ما جاء به الشرع فهي مردودة على صاحبها "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (١) فهذا الأصل العظيم في العبادات محل إجماع أهل العلم، وأنه لا يجوز أن يشرع عبادة فيقال هذا واجب، أو هذا مستحب، والعبادات هي ما يكون محل وجوب، أو محل استحباب هذه هي العبادات كل ما أمر به وجوبًا أو استحبابًا فهو عبادة، وما لا فلا. المباحات في أصلها ليست عبادة، لكن تكون عبادة بالنية، فتنقلب المباحات إلى عبادات بالنية، فمن قصد وجه الله بهذه العبادات فإنه يكون متعبدًا له ، ومأجورًا بنيته هذه، وهو واضح في عمل الإنسان في أمور كثيرة يمكن أن تنقلب فيها المباحات إلى عبادات، الإنسان قد يصل رحمه مثلًا على جهة العادة، خشية أن يقولوا ما زارنا فلان فيكون أمرًا مباحًا لا له ولا عليه لم يقصد وجه الله ، لكن إذا كان قد يقطع رحمه لو لم يخشَ

стр. 64

ذلك قد يكون بهذه النية ارتكب أمرًا ممنوعًا، فالإنسان إذا وصل رحمه بمجرد هذه النية في أصلها لا له ولا عليه، فيقلبها إلى عبادة بأن ينوي وجه الله ببره لأقاربه وصلة الأرحام، ينوي بذلك تحصيل الأجر الذي جاء في بر الأقارب وصلة الأرحام، وكذلك زيارة صديقه وزميله إذا نوى بها مجرد المؤانسة والمداعبة معه مثلًا، وقد يخشى أن يجد عليه في نفسه، هذا يكون مباحًا إذا وصله؛ وإن زاره معتقدًا مشروعية زيارة إخوانه، وأنه يحتسب الأجر في ذلك كان مأجورًا بذلك، كذلك أمور كثيرة في مسألة تربية الإنسان لأولاده وأبنائه إذا نوى وجه الله وقصد أن يصلحهم، وأن يكونوا على طريقة مستقيمة كان مأجورًا في ذلك، والإنسان ينفق النفقة ويخرجها على أهله وهي واجبة عليه يؤجر على هذه النية، ويكون واجبًا عليه، ويؤجر أجر الواجب، لكن إذا نوى مع ذلك ما جاء من الأدلة في فضل النفقة على الأهل يُؤجر أجرين: أصل الوجوب من جهة الموجب، وزيادة عليه من جهة نيته التي نوى بها وجه الله سبحان وتعالى، بأن يحتسبها، كما جاء في الحديث عن أبي مسعود ﵁ في الرجل ينفق على أهله يحتسبها له بها صدقة (١) إلى غير ذلك، فالمباحات ننقلب عبادات بالنية، الإنسان ينام وينوي بنومه التَقَوِّي على عبادة الله، فإذا نوى بهذه النية إجمام النفس على هذا الأمور المشروعة انقلبت المباحات إلى عبادات، فالوسائل لها أحكام المقاصد؛

стр. 65

لأنه نوى نية صالحة "إنما الأعمال بالنيات" (١). فالأصل في العبادات الحظر بمعنى المنع، فجميع العبادات المتعلقة بالأقوال والأفعال لا يجوز أن يشرع شيء منها إلا بدليل، فلا يجوز أن يقول هذا واجب إلا بدليل، فإذا قال هذا واجب، هذا مستحب، نقول: ما الدليل عليه؟، ولو قال إنسان: يشرع صيام الاثنين، نقول: ما الدليل عليه؟، ولو قال: يشرع صلاة أربع ركعات قبل الظهر وبعدها، نقول: ما الدليل عليه؟، وهكذا. هذا هو الأصل في العبادات، ولهذا كان بعض الصحابة ﵃ يقتدي بالنّبى ﵊ في كل أعماله ويقول إنه يقتدي بالنبي ﵊ وأن هذا من باب التعبد لله ، وكان ابن عمر ﵁ يصلي في الموضع الذي كان يصلي فيه النبي ﵊، وكان إذا سافر إلى مكة لحج أو لعمرة، أو إلى غير ذلك كان يبول تحت شجرة ويقول: كان النبي ﵊ يبول تحتها، فهل هذا من الأمور التعبدية التي يشرع فعلها أم لا؟. هذا موضع خلاف، ذهب ابن عمر ﵁ إلى هذا، وجمهور الصحابة إلى أن هذا ليس موضع عبادة، وأنه ليس محل اقتداء في مثل هذه الأمور، وليس المراد في مسألة الاقتداء؛ الاقتداء في أفعاله من حيث الجملة، هذه

стр. 66

مسألة أخرى ذكرها العلماء في الأصول في باب السنة في باب الاقتداء بأفعاله، فموضوع الاقتداء بأفعاله ﵊ طويل، وإن كان الأظهر عند كثير من أهل العلم أن الفعل إذا ظهر فيه وجه القربة كان محلًا للاقتداء، وإن لم يظهر فيه وجه القربة فلا بأس بالتأسى به ﵊ من حيث الجملة، لكن الكلام في أنه يتبعه في أفعاله التي هي محض جبلة، والتي لا يظهر فيها وجه القربة، فهذه جمهور الصحابة ﵃ كما قلنا يقولون إنه لا يُشرع الاقتداء به في هذه الحال، وقد خالف ابنَ عمرَ ﵄ أبوه وقد ثبت عنه ﵁ أنه كان في سفره فالتفت يومًا فرأى أناسًا يصلون تحت شجرة، فقال: ما هذا؟ قالوا: أناس يزعمون أن النبي ﷺ صلى تحتها، فقال: أتريدون أن تتخذوا أثر نبيكم مسجدًا؟، أو كما قال ﵁، فأمر بقطعها سندًا للباب، وسدًا للذريعة التي قد تفضي إلى الغلو، ثم تفضي إلى الابتداع والشرك، فلهذا يكون الصواب مع من خالف ابن عمر ﵁. فالسنة أن تفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، هذا هو محل الاقتداء، معنى هذا حينما تصلى في هذا المكان لأن النبي ﵊ صلى فيه, ننظر هل صلى ﵊ في هذا المكان قصدًا أم اتفاقًا؟ نقول: إنما صلى اتفاقًا، أي أنه جلس في هذا المكان وصلى فيه، وهكذا فأنت عندما تذهب إلى هذه الشجرة تصلى تحتها صليت قصدًا، والنبى - عليه الصلاة

стр. 67

والسلام - لم يصل تحتها قصدًا، فأنت في الحقيقة فعلت الفعل. على غير الوجه الذي فعل، فلا تكون متّبعًا إذا صليت عندها، بل قد يكون وسيلة إلى شيء من الغلو يؤدي إلى الابتداع، ولهذا كان الصواب كما قلنا ما كان عليه جمهور الصحابة ﵃، واتفق عليه العلماء بعد ذلك وأنه ليس محلًا للإتّساء في مثل هذه الأشياء. فالأمور التعبدية لا يعقل معناها على التفصيل، وإن عُقلت على الإجمال، ولأجل هذا سُمى ما أمر به على جهة الوجوب أو الاستحباب عبادة لأجل هذا المعنى، فصلاة الظهر مثلًا نفعلها من جهة الإجمال، لكن لماذا أربعًا؟ لماذا إذا زالت الشمس؟. . الله أعلم، ولماذا تكون الظهر سرية، والمغرب جهرية؟، لا نعقلها، وهناك أنواع من العبادات لا تُعقل إجمالًا ولا تفصيلًا، كتقبيل الحجر الأسود، ولذلك قال عمر ﵁ كما في الصحيحين عندما قبَّل الحجر: والله إني أعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبِّلك ما قبّلتك (١). وكذلك الطواف والسعى لماذا على هذه الصفة؟. . الله أعلم، وإن كان في الجملة يُعقل من جهة أن هذه الأمور لإقامة ذكر الله كما في سنن أبى داود بإسناد صحيح أنه ﵊ قال: "إنما جعل الطواف بالبيت

стр. 68

والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" (١). والغالب في الحج أن باب التعبد فيها أظهر. وما معنى: الأمور التعبدية: أي إذا قيل هذا أمر تعبدّي؟ معناه: أننا لا نعقل حكمته، ليس المعنى أنه ليس في نفس الأمر حكمة، الله حكيم في أفعاله، فما يأمر به لحكمة، وما ينهى عنه لحكمة، لكن المراد أنه ليس هناك حكمة تُعقل، أما في نفس الأمر هناك حكم عظيمة قد تظهر بعد ذلك لأهل الإيمان. يقول المصنف ﵀: "والأصل في العادات الإباحة، فلا يُحرّم منها إلا ما حرّمه الله ورسوله ﷺ ". هذا هو الأصل في العادات، فالأصل في المآكل والمشارب وأفعال الإنسان العادية كتنقله وما أشبه ذلك الأصل فيها الإباحة، فلا يقال هذا حرام إلا بدليل، عكس الأمور التعبدية، فما سوى الأمر التعبدية الأصل فيها الإباحة والحِلّ، ولا نقول لأي شيء أقدم عليه ما الدليل؟ لأن الأصل الإباحة، وألحَقَ كثير من أهل العلم في هذه مسألة الشروط والعقود في البيع والشراء، وقالوا: إن الأصل فيها

стр. 69

الإباحة، وقال آخرون: إن الأصل فيها المنع، والصواب في مسألة الشروط والعقود والبيوع فها الحل لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١)، والصواب أن الآية عامة ليست مجملة كما قاله جمع من أهل العلم، فلذلك يجوز أن يشرط ما شاء إلا ما حرم الله ورسوله، وليس معنى ذلك أن يأتي إنسان جاهل بأمور البيع فيشترط ما شاء، هذا لا يجوز، المعنى أنه يقدم على شيء لا يعلم تحريمه، أما أنه يقدم على شيء لا يعلم حله ولا تحريمه فلا يجوز له ذلك؛ لأنه قد يقدم على شيء محرم، ولهذا نص أهل العلم أنه يجب على من أراد أن يعمل عملًا من الأمور أن يعلم أحكامه على الجملة، وليس على التفصيل، ومما يتعلق بهذا الأصل ما يذكره جمع من أهل العلم أن الأصل في الأعيان المنتفع بها يذكرون مبحثًا في باب الأصول، وكثير منهم يذكرونه في باب التحسين والتقبيح، والأصل في الأعيان قبل البعثة هل هو الإباحة أم التحريم؟ يعني أفعال الإنسان من ذهابه وإيابه وأكله وشربه قبل البعثة (٢)، فكثير من أهل العلم يقولون ذكر هذه المسألة لا فائدة فيها؛ لأن الشرع قد جاء وبيَّنَ ما يحرم وما يباح، لكن يستفاد من هذه القاعدة في مسألة المأكولات والمشروبات، فلو كان هناك نوع من الطيور مثلًا، ولم يأت نص في تحريمه ولا تحليله هل نقول هذا الطير حلال أم حرام؟. فمن قال إن الأصل فيها التحريم قال: إنه لا يجوز أن يقال إن هذا الصيد حلال

стр. 70

لأنه لم يأتِ دليل على حِلِّه، والصواب كما قلنا: أن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الرسول ﵊ حرّم أشياء إما لخبثها، أو لكونها سامة، أو ضارة، أو لكونها ذات ناب، أو ذات مخلب، وكذلك في الأشربة، أحلّ منها ما أحلّ، وحرّم منها ما حرّم ﵊ فالأصل فيما سواها الحِلّ، ولا يحُرّم إلا بدليل. وقال بعضهم: إن من فائدة هذه القاعدة أنه لو أن إنسانًا نشأ في بلاد غير المسلمين، ولم يتمكن من الاتصال بهم ومعرفة الأحكام، هل الأصل فيما عندهم من الأعيان الحل، وأنه يجوز له أن يُقدم على هذه الأشياء، أم لا يجوز حتى يسأل لأن الأصل فيها التحريم؟ فهذه أمور تُستفاد من هذه القاعدة. اهـ.

стр. 71

القاعدة السابعة التكليف وهو البلوغ، والعقل شرط لوجوب العبادات، والتمييز شرط لصحتها إلا الحج والعمرة، ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد، ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك هذه القاعدة كما قال المصنف ﵀ التكليف وهو البلوغ، والعقل شرط لوجوب العبادات. أولًا: قال المصنف ﵀ "التكليف هو البلوغ والعقل" كأنه يريد أن تعريف التكليف، وأن حد التكليف هو البلوغ والعقل، وهذا قد يكون تعريفًا للشيء بشرطه، أو بلازمه؛ لأن التكليف ليس هو البلوغ والعقل، وقد اختلف أهل العلم في معناه، قيل: هو إلزام خطاب الشرع، أو ما جاء من الشرع بالأمر والنهي، وقيل: هو إلزام مقتضى خطاب الشرع، وهذا صححه جمع من علماء الأصول، وقالوا إنه أقرب التعاريف وأحسنها وأسلمها من الاعتراض، والانتقاض هو إلزام مقتضى خطاب الشرع وخطاب الشرع أمر ونهي وإباحة، فهذا التعريف يشمل جميع الأحكام الخمسة فهو يدخل فيه الأمر وهو الوجوب والاستحباب، فما كان واجبًا فهو مأمور به، وما كان مستحبًا فهو مأمور به، والنهى ما كان حرامًا فهو منهيٌ عنه، وما كان مكروهًا فهو منهي عنه، والمباح أيضًا هو أن يُخيّر المكلف بين الإقدام على الفعل والترك، والمعنى أنه يعتقد إباحة ذلك الشيء وهذا هو خطاب الشرع، وأنه ليس بحرام ترك الإقدام عليه فهذا هو

стр. 72

معنى التكليف. أما البلوغ والعقل فهما شرطان للتكليف، وهما ليسا التكليف، بل هما شرطان للتكليف. وقد يقول قائل: إن المباح ليس لازمًا، وإنما اللازم هما الأمر إن كان على جهة الوجوب أو الاستحباب، والنهى إن كان على جهة التحريم أو الكراهة، أما المباح فهو مخير بين الفعل والترك، فكيف نقول إن التكليف هو إلزام مقتضى خطاب الشرع والمباح ليس لازمًا؟ نقول كما قال كثير من أهل العلم: إن المراد هنا هو اعتقاد أنه مباح، وهذا الاعتقاد هو الإلزام المذكور في حد التكليف؛ لأنه لا يجوز أن تعتقد أن المباح يجب فعله، أو يجب تركه، فهذا هو المراد من إلزام مقتضى خطاب الشرع. فمن رحمة الله أنه لم يوجب التكاليف الشرعية على كل إنسان بل جعل لها علامات تدل عليها، وجعل لها وقتًا يكون المأمور قابلًا للفعل وقابلًا للترك، أي قابلًا لخطاب الشرع من جهة الفعل ومن جهة الترك، فيختلف حال الإنسان في حال الصغر بل يختلف حينما كان جَنينًا في بطن أمه، ثم بعد ذلك إذا وُلد وهو صغير، ثم إذا بلغ سن التمييز، ثم إذا بلغ الحُلم، فهذا له أحوال، فمن رحمة الله أن جعل التكليف له علامات محدّدة، بها يلزم التكليف، قبل ذلك لا حرج عليه لأنه غير ملزم بخطاب الشرع، هذا من حيث العموم،

стр. 73

ولهذا جَعَلَ البلوغ والعقلَ شرطين للتكليف، فلابد من هذين الشرطين: أن يكون له قدرة في بدنه وقدرة في عقله، البلوغ يتعلق بقدرة البدن، والعقل يتعلق بقدرة الفهم، فقبل هذين الشرطين هو غير مكلف، فلابد من هاتين القدرتين، أي لابد من اجتماعهما حتى يكون مكلفًا. والإنسان إذا كان صغيرًا ولم يكن مُتهيئًا لخطاب الشرع فإنه غير قابل للأمر والنهي؛ لأنه لا يفهم خطاب الشرع، ولو فرض أنه فهم فإنه لا يقدر لضعفه وعدم قدرة بدنه، لكنهما في الغالب متلازمان، وقد ينفك أحدهما عن الآخر في حق المعتوه مثلًا، فإنه قد يكون قوي البدن لكنه غير قادر على الفهم، وكذلك المجنون من باب أولى، والمراد بالخطاب هنا أن يكون مخاطبًا بالأحكام التكليفية لا الأحكام الوضعية، والأحكام التكليفة هي: الوجوب والتحريم والإباحة والاستحباب والكراهة. أما الأحكام الوضعية فهي: الأسباب والشروط والموانع وغيرها، فهذه أمور معلقة على أسباب وعلى شروط وعلى موانع، فمتى ما وُجدت ربط الشرع أحكامه على أسبابها، فمثلًا: الصبي إذا كان عنده مال فإنه تجب فيه الزكاة، وكذلك المجنون على الصحيح من قولي العلماء، كما هو قول جمهور أهل العلم. فإذا بلغ التكليف وكان عاقلًا غير معتوه ولا مجنون في هذه الحال يكون مكلفًا، ويكون لديه أهلية الأداء الكامل، فيعلق به حكم الشرع من جهة التكليف، فيكون مأمورًا منهيًا ولديه أهلية تامة للأداء، ولديه استعداد للإلزام

стр. 74

والالتزام، ويتعلق به جميع أحكام الشرع. هذه المسألة الأولى المتعلقة بأهلية المكلف حتى يبلغ الأهلية التامة. يقول المصنف ﵀: "البلوغ": البلوغ له علامات بها يكون مكلفًا مع الشرط الآخر، وهما متلازمان، وأول علامات البلوغ: ١ - الاحتلام: وهو محل إجماع من أهل العلم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (١)، وجاء في هذا عدة أخبار منها "لا يُتْمَ بعد احتلام" (٢)،

стр. 75

وقالت عائشة ﵂: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" (١). ويثبت البلوغ بإقراره أو بالبينة بشرط أن يكون في وقت الإمكان، فلو ادعى
следующие страницы →