← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 16822

المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في خزائن الكتب بالمدينة، وهو في نحو خمسين كراسة كبار، حذا فيه حذو حواشيه على الكتب الستة (١). وقال العلامة الشبيخ عبد الحي الكتاني المراكشي: له حاشية على مسند الإمام أحمد، عندي منها الربع الأول، لا يستغني عنها مطالعه أو قارئه (٢). وقد تضمنت هذه الحاشية -أو الشرح- تعليقات لطيفة اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إليه القارئ والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإعراب. وتعتبر من جملة الكتب التي اعتمد عليها في التعليقات المثبتة في التحقيق الأخير للمسند الصادر عن مؤسسة الرسالة. ٣٠ - نفثات الصدر المُكْمَد وقرّة عين السعد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني (١١١٤ هـ - ١١٨٩ ه ـ): وهو العلامة المتفنن محمد بن أحمد بن سالم، السفاريني (٣). طبع هذا الكتاب في دمشق سنة (١٣٨٥ هـ) بعناية الأستاذ الفاضل الشيخ عبد القادر الأرناؤوط. ٣١ - ذيل القول المسدد، لمحمد صبغة الله المدراسي: وهو تعليق على "القول المسدد" كتبه مؤلفه سنة (١٢٨١ هـ) وطبع بحيدر آباد الدكن سنة (١٣١٩ هـ) مع الطبعة الأولى لـ: "القول المسدد". ٣٢ - الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي (ت ١٣٧٨ ه ـ): وهو الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي. ويتمثل عمله في: - حذف الأسانيد إلا نادراً لحاجة البيان لحال بعض الرواة. - جمع المكرر في موضع واحد، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات والتمييز بينها. - تقسيم الكتاب إلى سبعة أقسام: التوحيد وأصول الدين - الفقه - التفسير - الترغيب - الترهيب - التاريخ - أحوال الآخرة وما يتقدم ذلك من الفتن.

стр. 142

وتحت كل قسم من هذه الأقسام السبعة تندرج جملة من الكتب، كل كتاب يحتوي على جملة من الأبواب. - وضع الأحاديث الطوال في أول الباب الذي يليق بها. - تجزئة الحديث الواحد على عدة أبواب إذا كان يتضمن عدة أحكام. والكتاب مطبوع في أربعة وعشرين جزءًا. وتوفي الشيخ الساعاتي ﵀ سنة (١٣٧٨ هـ) عند بلوغه منتصف الجزء المذكور (١)، فقام شيخنا الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري ﵀، بإخراج بقية الجزء الثاني والعشرين، ثم توقف لانشغاله بأمور أخرى، فتكونت لجنة من أبناء الشيخ الساعاتي، وهم: عبد الرحمن ومحمد وجمال، لإتمام الجزأين الأخيرين. وله أيضًا: ٣٣ - بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني: ألف هذا الكتاب تتمة للسابق، وذلك أنه: - ذكر الأسانيد التي وإن قد حذفها في "الفتح". - حل الألفاظ الغريبة بضبط لفظها وشرح معناها. - بيّن حال الحديث مع ذكر من أخرجه من الأئمة أصحاب الأصول، وغيرهم، معتمدًا في الرموز على مصطلحات السيوطي في "الجامع الكبير". - بيّن فقه الحديث، وذكر من ذهب إليه من الأئمة، مع إضافة شواهد وفوائد. - نبّه إلى الأحاديث التي أوردها مقطعة في الأصل، دفعًا لتوهم أن متن الحديث كامل، مع إيراد المتن بكامله عند الحاجة. - نبّه على الأحاديث التي ادُّعي فيها الوضع، وكتب بإزاء كل حديث منها رد الحافظ ابن حجر على دعوى الوضع. ٣٤ - تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر للمسند: عمل الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ في "المسند" عملًا علميًا يستحق كل شكر وتقدير أجزل الله له المثوية في العقبى. وجاءت فكرة عمله في "المسند" في أوائل شبابه لما هُدي إلى حب السنة النبوية المطهرة،

стр. 143

ومالت رغبته إلى الإشتغال بعلومها والتعمق في الفقه في فنونها، والتنقيب عن روائعها ونفائس كتبها. فاطلع في جملة ما اطلع على"المسند" الذي كان من ضمن ما تحتوي عليه مكتبة أبيه، فوجده بحرًا لا ساحل له، ونورًا يستضاء به، لكن لا تنقاد شوارده، ولا تنال فوائده، ولا تلتقط درره المكنونة فيه إلا بعد تعب وعناء، لا يدركه إلا من حفظه واستَظهره على الغيب وهيهات .. قال: فشُغفت به وشُغلت، ورأيت أن خير ما تخدم به علوم الحديث أن يوفق رجل لتقريب هذا المسند الأعظم للناس، حتى تعم فائدته، وحتى يكون للناس إمامًا، وتمنيت أن أكون ذلك الرجل (١). وتتلخص فكرة عمل الشيخ شاكر في المسند بما يلي: أولاً: وضع فهارس لفظية للكتاب، كفهارس الأعلام، والقبائل، والبلدان، وغير ذلك. ثانيًا: وضع فهارس علمية للأبواب والمسائل والموضوعات التي تعرف بعناوين مشهورة في كتب الفقه والعقيدة والآداب والأخلاق والسير وغير ذلك. ولا ريب أن تخريج مثل هذه الفهارس لكتاب مثل "المسند" يستغرق عمرًا طويلاً وجهدًا مضنيًا متواصلاً، وقد فتق الله سبحانه في ذهن الشيخ فكرة العمل بالأرقام، وذلك بأن يقوم بترقيم أحاديث "المسند" من أوله إلى آخره على ما هو عليه، بحيث يصبح كل حديث معروفًا برقم عددي خاص به يكون عَلمًا عليه ويسهل للباحث الرجوع إليه، وتبنى عليه الفهارس كلها مهما تنوعت وتعددت (٢). وقسم الفهارس اللفظية إلى خمسة أقسام: الأول: فهوس الصحابة رواة الأحاديث مرتب على حروف العجم. فإن أبهم الصحابي وضع اسم التابعي الراوي عنه على الترتيب نفسه. الثاني: فهرس الجرح والتعديل. وهو يتناول الرواة الذين تكلم فيهم الإمام أحمد أو

стр. 144

ابنه عبد الله في "المسند". وهم قليل. بالإضافة إلى الرواة الذين تكلم عليهم الشيخ شاكر في نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها. الثالث: فهرس الأعلام الواردة في متون الأحاديث. الرابع: فهرس الأماكن الواردة في متون الأحاديث. الخامس: فهرس لغريب الحديث. وأما الفهارس العلمية فهي الأصل والمقصود من هذا العمل العظيم. وقد خرّج الشيخ تلك الفهارس من فهارس كتب السنة وكتب الفقه والسير والأخلاق، وصاغ من مجموع ما تحصل عنده عناوين جديدة مقاربة للموضوعات الشرعية المختلفة، وفي ذلك يقول: وقد قرأت من أجل هذا الفهرس كل فهارس كتب السنة، وكتب الفقه، وكتب السير، وكتب الأخلاق التي يُسِّر لي الحصول عليها، ثم ضممت كل شبْه إلى شبْهه، وكل شَكْل إلى شكله، وتخيرت في ترتييها أقرب الطرق إلى عقل المحدِّث والفقيه. بعد أن قسمتها إلى كنب جاوزت الأريعين، فيها أكثر من ألف باب. وكلما رأيت بابًا فيه شيء من العموم كثرت أرقام أحاديثه، اجتهدت في تقسيمه إلى معان فرعية، ليُحصر أقرب العاني إلكتابعضها في أرقام يسهل على القارئ الرجوع إليها (١). وقد استفاد الشيخ من منهج الإمام البخاري وصنيعه في "صحيحه"؛ وذلك أن الإمام البخاري يكرر الحديث الواحد أو يُقطِّعه على عدة مواضع بحسب ما يرى فيه من علاقة بين ذلك الحديث وذلك الباب. ولئن كان الإمام البخاري ينهج نهج التكرار والتقطيع انسجامًا مع زمانه، فإن الشيخ شاكرًا استفاد من الأرقام التي رقم بها الأحاديث بحيث أراحته من كل ذلك؛ من تقطيع الحديث ومن تكراره. رَقْم الحديث يوضع في كل باب، وفي كل معنى يدل عليه، أو يصلح للإستشهاد به فيه، دون تكلف ولا مشقة (٢).

стр. 145

وكان الشيخ في أول الأمر لا يرى نفسه أهلاً للقيام بنقد الأسانيد، وتمييز الأحاديث وييان درجاتها. ولكنه بعدما واجهته صعوبة اشتباه بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، وألجأته إلى مراجعة دواوين الحديث وكتب الرجال، ويعد أن أشار عليه أحد أصدقائه الخُلَّص بأهمية هذا العمل وفائدته، بعد ذلك شرح الله صدره لهذا العمل، فأقدم عليه واستعان بالله. فجاءت الأحاديث التي عمل فيها مبيَّنة الدرجة؛ فإن كان الحديث صحيحًا ذكره كذلك، وإن كان ضعيفًا بين سبب ضعفه، وإن كان في إسناده رجل مختلف في توثيقه وتضعيفه اجتهد فيه رأيه على ما وسعه علمه، وذكر مارآه (١). ويعتبر فهرس الجرح والتعديل-وهو الفهرس الثاني من الفهارس اللفظية- كاشفًا بأسماء الرجال الذين تكلم عليهم وهاديًا إلى الموضع الذي يوجد فيه ذلك الكلام، لأن عادته أن لا يتكلم على الرجل الواحد إلا مرة واحدة. وفي النتائج التي توصل إليها من عمله القيم الجليل قال: وإني أرجو أن تكون دعوة الذهبي أُجيبت بما صنعت، وأسال الله سبحانه الهدى والسداد، والعصمة والتوفيق. وما أبغي أن أتمدح بعملي أو أفخر به، ولكني أستطيع أن أقول: إن في بعض ما حققت من الأسانيد قد حللت مشاهل، وبينتُ دقائق، وصححت أخطاء، فاتت على كثير من أئمة الحديث السابقين، لا تقصيرًا منهم، ولا اجتهادًا مني، ولكن هذا الديوان السامي-كما سماه الحافظ الذهبي- وإن مفتاحًا لما أُغلق، ومنارًا يهتدى به في الظلمات، وكان للناس إمامًا، حين وُفق رجل لخدمته، وحين حققت أحاديثه تحقيقًا مفصلاً (٢). ويُعتبر عمل الشيخ أحمد شاكر ﵀ مقربًا للمسند وميسرًا للإستفادة منه لولا أن المنية عاجلته (ت ١٣٧٧ هـ) قبل تحقيق الأمنية وإتمام المسند، فلم يخرج منه إلا ما يقارب ربع الكناب، كما أنه لم يكمل عمله في سنن الترمذي أيضًا.

стр. 146

٣٥ - الموسوعة الحديثية الكبرى: إن آخر الأعمال العلمية المنجزة حول "المسند" هو التحقيق الذي قامت به "مؤسسة الرسالة" العامرة؛ ضمن "الموسوعة الحديثية الكبرى". وهو مشروع قد اعتزمت هذه المؤسسة الميمونة بعون الله وتوفيقه على أن تتولى إصداره، مبتدئة بـ: "مسند الإمام أحمد"، وتالية ببقية الدواوين الأخرى، كالصحيحين والسنن الأريعة، وغيرها من كتب السنة المسندة مما دونه المحدثون الثقات خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى؛ ما طبع منها وما لم يطبع، متبعة في ذلك أمثل مناهج التحقيق الذي يعتمد على الأصول الخطية المتقنة الموثقة، وضبط النص وترقيمه، وسلامته من التحريف والتصحيف، ووضع الفهارس الميسِّرة للإفادة منها بأقرب الطرق. وقد نشأت هذه الفكرة لدى موسسة الرسالة خطوة جديدة على الطريق الأصيل، والمنهج الإسلامي الواضح الذي سلكته في العناية بالتحقيق والطباعة والنشر للكتب النافعة والهادفة إلى إصلاح الأمة، وبما أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأنه إنما صلح أول هذه الأمة بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه الخالية عن شوائب التشويه والتغيير، والدس والوضع، فقد رأت أن الطريق إلى صلاح آخر هذه الأمة ونهضتها والسبيل إلى إيجاد وعي إسلامي صحيح لدى أبنائها، بعيد عن الأهواء العاصفة، إنما يتمثل في إخراج أحاديث رسول الله ﷺ ضمن إطار موسوعة حديثية كبرى تنتظم كتب السنة. ويعتبر "المسند" أول كتاب في طريق تحقيق هذا المشروع الجليل، وباكورة السعد في إنجاز هذه الموسوعة المنشودة. وقد عهدت مؤسسة الرسالة في القيام بمثل هذا العمل ذي الأهمية والخطورة من حيث إنه يتطلب كفاية واقتدارًا وصرفة بالصناعة الحديثية وطول مراسها، عهدت بذلك إلى ثلة من الأساتذة الذين لهم باع في هذا الشأن. ولم يكن "المسند" ليحتل الصدارة في السعي في إنجاز هذه الموسوعة اعتباطًا، ولا وقع عليه الإختيار بضربة لازب، بل إن لتقديمه على غيره ما يبرره من الأسباب، ذلك أنه ما

стр. 147

من حديث -غالبًا- إلا وله أصل في هذا "السند" فعليه مدار السُّنة، وهو يكاد يستوعبها، ويالتالي فالقيام بتحقيقه سيوفر كثيرًا من الجهود في القيام بتحقيق كتب السنة الأخرى. أضف إلى ذلك أن الهيكل الذي يتم وفقه صنع هذه المعلمة الحديثية الكبرى يقوم على جمع حديث كل صحابي على حدة على طريقة أصحاب المسانيد، لأن ذلك يحقق الإستقراء التام، وهذا ما يساعد عليه المسند الحنبلي غاية المساعدة. وتتمثل الجهود التي صُبَّت في هذا العمل الجليل في ثمانية أمور: - توثيق النص بالمقابلة بين النسخ الخطية والمقارنة مع المطبوعة. - ضبط النص ضبطا قريبًا من التمام. -التنبيه على الملاحظات المتعلقة بالسقط والتحريف والتصحيف في المطبوع. - تخريج أحاديث الكتاب من "الصحاح" و"السنن" و"المسانيد" و"المعاجم"، وغيرها من المظان بقدر ما تيسر، مع محاولة الإستيعاب والتقصي، مع الإحالة على مواضع تكرر الحديث بلفظه أو بمعناه في المسند نفسه. - الحكم على أسانيد الأحاديث. - التعليق على بعض المواضع بما يستدعيه المقام من تفسير لفظ غريب، أو توضيح معنى مستغلق. - ترقيم الأحاديث مع ترميز المكررات، وزيادات عبد الله ابن الإمام، ووجاداته، وما رواه عن أبيه وعن شيخ أبيه أو غيره. - صناعة فهارس لشيوخ أحمد وابنه عبد الله، والصحابة، والرواة، والأحاديث. نسأل الله أن يجزل المثوبة لكل من أسهم في هذا المشروع العلمي الكبير، إنه سميع قريب مجيب.

стр. 148

دعوى كون الإمام أحمد محدثًا غير فقيهٍ والرَّد عليها: لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل، وكان يقول: إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن لذلك، وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات، كالطحاوي، والدَّبّوسي، والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي، والفراهي الحنفي في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه "الدلائل"، والغزالي في "الوجيز"، وأبو البركات النسفي في "الوافي"، ولم يذكره ابن قتيبة في "المعارف"، وذكره المقدسي في "أحسن التقاسيم" في أصحاب الحديث فقط، مع ذكره داودَ الظاهريَّ في الفقهاء، كما لم يذكره ابن عبد البر في كتابه "الإنتقاء". واعتبره كثير من المتقدمين، كالإمام الترمذي في جامعه (١). ومن العلماء الذين ذكروه في كتب الإختلاف: الإمام أبو عبد الله المروزي في كتابه "اختلاف العلماء"، فهو يذكر الأئمة الأريعة، ومنهم أحمد، ويذكر غيرهم من أصحاب المذاهب والأقوال، وعنايته بقول أحمد ورأيه واستدلاله واضح لمن يتصفح كتابه، وكذلك ذكره الشيرازي في "طبقات الفقهاء". ودعوى أن أحمد ﵀ محدث وليس فقيها أثارت كلامًا حول فقه الإمام أحمد ومذهبه، مما جعل بعض العلماء يضعه دون الإمامة في الفقه، ولا يذكر مذهبه ورأيه ضمن مذاهب الفقهاء. وكثيرًا ما يطالع الإنسان الكتب التي تعتني بذكر الخلاف، ومذاهب الأئمة، فلا يرى ذكرًا للإمام أحمد أو الحنابلة. وقد نقل عن القاضي عياض أنه قال في "المدارك" عن الإمام أحمد: إنه دون الإمامة في الفقه وجودة النظر في مأخذه (٢).

стр. 149

هذه خلاصة هذه الدعوى، فما دوافعها وأسبابها؟ والجواب عن ذلك يتلخص في النقط التالية (١): ا- المعروف أن الإمام أحمد اتجه أول حياته لدراسة الفقه، وتتلمذ على الإمام أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة ﵀، ثم انصرف عن هذه الدراسة ولم تعجبه، لأنها تتعلق تعلقًا قويًا بالرأي. وبعد إنقطاعه عنها اتجه إلى الحديث والمحدثين، والتقى بهُشيم بن بشير الواسطي، ثم تابع لقاءاته بالمحدثين، بل إن الروايات تنقل: أنه لم يلتفت إلى المسائل التي حفظها من الإمام أبي يوسف أولاً، بل ركز جهده على الحديث، وقضى جل حياته في جمعه، ومتابعته، والإعتماد عليه، والبعد عن الرأي، وتتبع الأثر ما وجده. ٢ - هذه النزعة والإرتباط بالحديث والمحدثين أضفى عليه ﵀ صفة المحدث أكثر من أي صفة أخرى، وذمه للرأي والتأويل ومن يعتمد على أقوال الرجال وتفريعاتهم مع إمكانه أخذ الحق من مصدره الأساسي أبعده - في زعم من قال بأنه ليس فقيهًا- عن الفقه والرأي. فقد ذكر القاضي عياض ﵀ في الفصل الذي عقده لترجيح مذهب مالك على غيره، ووجوب تقليد المذاهب التي نشأت في العالم الإسلامي واتباعها، وتكلم عن أصحابها، وبين ميزة كل منها، وقال عن أحمد وداود: كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث، ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه، لكن لا تسلم لهما الإمامة في الفقه، ولا جودة النظر في مأخذه، ولم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلهما مع المفهوم من الحديث. ٣ - ثبت عنه في أكثر من موضع أنه كان ينهى أصحابه عن أن يكتبوا عنه شيئًا وخاصة في مسائله وفتاواه، وهذا وارد في أكثر من موضع في ترجمته، وفيما كتب عنه. بل قد صرح في بعض المناسبات أنه لما سمع أحد أصحابه يحدث عنه بالمسائل التي أفتى فيها وينشرها في خراسان، جمع عددًا من أصحابه، وقال: أشهدكم أني رجعت عنها، وكان يكره أن يُتخذ كلامه دينًا وشرعًا (٢).

стр. 150

٤ - وثبت أيضًا أنه لم يصنف أو يدون شيئًا كبيرًا في الأصول، ولا في الفقه، مع أنه في عصر ازدهر فيه التأليف، ودونت فيه العلوم، وأسست فيه المذاهب، وجل ما ألف في مذهبه، إنما هو من عمل أصحابه الذين جاؤوا من بعده. فهذه الأمور، وما ماثلها قد تكون هي التي دعت الطبري ﵀ وغيره إلى اعتبار أحمد محدثًا وليس فقيهًا. ونحن هنا نورد من الأدلة الواقعية ما يثبت أنه من أعظم الفقهاء، ومن أقواهم في الإستنباط والإجتهاد، وأن مذهبه ليس بعيدًا عن الإجتهاد، خلافاً لما ظن ابن خلدون ﵀ (١). وقلة أتباع المذهب ليس مقياسًا في كون المذهب قريبًا من الإجتهاد أو بعيدًا عنه. فانتشار المذاهب وكثرة أتباعها لهما أسباب وظروف ودواعٍ كثيرةٌ غير ذلك. وفيما يلي بيان أن النقط السابقة ليست داعية إلى اعتبار اللإمام أحمد محدثًا وليس فقيهًا، كما توهم بعضهم، وفيه أدلة واقعية وتاريخية على إثبات فقه اللإمام أحمد وحسن استنباطه: ١ - لا يُماري أحد في تفوق اللإمام أحمد في الحديث، ونزعته الشديدة للأثر والتمسك به، ولكن ذلك لم يكن سببًا في كونه غير فقيه، فإن الحديث هو أصل الفقه. وتوفر النصوص وأقوال السلف لدى اللإمام أحمد أغناه عن القول في كثير من المسائل بالرأي المجرد، وتطرق الخطأ إلى الرأي المجرد أكثر وأقوى من تطرقه إلى المنقول، وكم من سلف الأمة وعلمائها منذ عهد رسول الله ﷺ من جعل الحديث أصل فتواه، ومع ذلك يُعد من أعظم الفقهاء، واللإمام مالك ﵀ ممن اعتمد على النصوص واللآثار واهتم بها، وبنى فقهه عليها. والأمة كلها متفقة على أن خير مناهج القرون في الإستنباط هو منهاج صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان، وهو من الأسس التي بنى أحمد عليها مذهبه. والرجوع إلى أصل الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، والإعتصام بذلك آمن مزلة من

стр. 151

الإنسياق في الرأي، والتفريع بموجبه بناء على قواعد. وإن كانت قعدت على أساس من النصوص، إلا أنه قد تفوت من قعّدوها نصوصٌ أخرى، لو اطلعوا عليها ما قالوا بمقتض القواعد. والخلاصة: أن أحمد إمام في الحديث، وقد اتفق على هذا، ولكن إمامته فيه لا تنفي عنه صفة الفقه، بل فقهه فقه أثر وسنة. وهذه النزعة مما امتاز بها مذهبه، ووضحت في أصوله. ٢ - ذمه للرأي، ولتقليد الرجال، محمول على معارضة النصوص بذلك، كما يتضح عند الكلام على رأيه في القياس، ورأيه في الإجتهاد، وتقديمه النصوص على ذلك كله، وذلك لا يخصه وحده، بل أئمة المذاهب المعتبرة كلهم ينهون عن تقليدهم، ويوجبون عند ظهور الحجة من قول رسول الله ﷺ أن يضرب بقولهم عرض الحائط. ٣ - نهيه أصحابَه عن أن يكتبوا عنه مسائله وفتاواه ثابتٌ عنه، ولكن الهدف منه أن لا يشغلهم ويصرفَهم عن كلام رسول الله ﷺ وصحابته. لأنه رأى بعض الناس صرفتهم خلافات المذاهب، وتقليد الناس عن تعرف الحق من مصدره، وعن النظر في سنة رسول الله ﷺ -وهو يرى أن مرتبة الرأي تأتي بعد ذلك كله، وعند الضرورة، ومع ذلك فقد ثبت عنه آخر حياته أنه أجاز لأصحابه أن يكتبوا عنه، بعد أن خبر أحاديث رسول الله ﷺ ووثق مما يقول، ويعد محاولات أيضًا من أصحابه. من ذلك ما حدث من عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، وهو من أجلِّ أصحاب الإمام أحمد، ومن أكثرهم ملازمة له، وسؤالاً، ونقلاً لمسائله، قال عن نفسه فيما ذكره أبو بكر الخلال: "صحبت أبا عبد الله على الملازمة من سنة خمس ومئتين إلى سنة سبع وعشرين" (١). وقال أيضًا: "سألت أبا عبد الله عن مسائل فكتبتها، فقال: أيَّ شيء تكتب يا أبا

стр. 152

الحسن؟ فلولا الحياءُ منك، ما تركتك تكتبها، وإنه عليَّ لشديد، والحديث أحبُّ إليَّ منها، قلت: إنما تطيب نفسي في الحمل عنك، إنك تعلم أنه منذ مضى رسول الله ﷺ قد لزم أصحابَه قوم، ثم لم يزل يكون للرجل أصحاب يلزمونه، ويكتبون، قال: من كتب؟ قلت: أبو هريرة، قال: وكان عبد الله بن عمرو يكتب، ولم أكتب، فحفظ وضيعت، فقال لي: فهذا الحديث، فقلت له: فما المسائل إلا الحديث، ومن الحديث تشتق" (١). فهذا يدل على أنه أخيرًا لم يُشدد في الكتابة عنه، وقد قال الخلال: "إن عند الميموني من مسائل أبي عبد الله نحو ستةَ عشر جزءًا" (٢) وغيره من الأصحاب كتب عن أحمد، حتى لقد روي أنه كان يأمر من يكتب عنه أن يقرأ عليه ليصحح له إن كان فيه خطأ. ومن ذلك أن إسحاق بن منصور الكوسج،-وهو أحد الأصحاب الذين نقلوا عن أحمد- لما سمع أن أحمد رجع عن بعض المسائل التي كتبها عنه، جاء بها إليه، وقرأها عليه. قال حسان بن محمد: "سمعت مشايخنا يذكرون أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمدَ ابنَ حنبل رجع عن تلك المسائل التي علقها عنه، قال: فجمع إسحاق بن منصور تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راجلاً إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيًا وأعجب بذلك أحمد من شأنه" (٣). والأمثلة والحوادث في ذلك كثيرة من أصحابه ﵀، مذكورة في تراجمهم، وما كتب عنهم. ٤ - كونه لم يصنف في الفقه ولا في الأصول، ليس سببًا أيضًا في كونه غير فقيه، فقد كان يكره التصنيف في ذلك، وليس كل أصحاب المذاهب الفقهية مصنفين، والمذهب

стр. 153

يتأسس بطريقة صاحبه في الفتاوي والإستنباط، وقد تقدمت الإشارة إلى أن بعض أصحابه دوّنوا عنه "المسائل"، في حياته، ومنهم من استقصاها بعد مماته، وكانوا يتناقلونها بالسند المتسلسل، ويطبقون فيها ما يطبقونه في الحديث، من اشتراط العدالة والثقة والضبط والحفظ، حتى تصل إلى أحمد، وكون الإمام لم يصنف في الفقه والأصول لا يُؤثر على منزلته الفقهية، ما دامت رواياته وأقواله محفوظة متداولة بين الناس، ولم يتوجه الإنكار إليها ولا الشك فيها من أحد. قال الشيخ أبو زهرة: "ومهما يُثر من الغبار حول المرويات الفقهيات عن أحمد، فإن الأجيال قد توارثت تلك المجموعة الفقهية المنسوبة إليه، وتدارسها الناس، وتكون من مجموعها الفقه الحنبلي، وضبطت بقواعد جامعة، وتكون منها منطق فقهي على حد تعبير بعض أصحاب أحمد" (١).

стр. 154

الفصل الثاني في أدوار المذهب ومواطن انتشاره الدور الأول: النشأة والتأسيس (١٦٤ هـ - ٣٠٠ هـ) الدور الثاني: النقل والنمو (٣٠٠ هـ - ٤٠٣ هـ) الدور الثالث: الإنتشار - الإزدهار - الإستقرار (٤٠٣ هـ - العصر الحاضر)

стр. 155

الدور الأول النشأة والتأسيس وفيه تمهيد، ومبحثان: - المبحث الأول: وصف عام لأصحاب الإمام أحمد. - المبحث الثاني: التعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمد.

стр. 156

تَمْهِيدْ رسمنا الدور الأول من أدوار تاريخ المذهب الحنبلي، بالدور النشأة والتأسيس" للعلم بأن هذا المذهب قد نشأ وتأسس بصورة تدريجية على مدى هذا الدور. ويتحدد الإطار الزمني لهذا الدور بحياة الإمام أحمد ﵀ وحياة أصحابه وتلامذته، إذ إن التأسيس قام على جهود الإمام في التأصيل والتكوين، وجهود أصحابه في الحفظ والتسجيل، وذلك من أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث. وأما الإطار المكاني لهذا الدور فهو عاصمة الخلافة الإسلامية، أو مدينة السلام والعلم والعلماء: بغداد، وهذا في الفترة التي كان الإمام أحمد يجلس فيها للفتوى والتعليم، ويرحل الناس إليه، ويسمعون منهء. لكن بعض أصحابه تفرقوا من بعده في الأمصار، ورجعوا إلى بلدانهم التي كانوا قد جاءوا منها، فتوسع بذلك الإطار المكاني حتى طال أصبهان، ومرو، والجزيرة، والشام، وغيرها، حتى إن الخلاَّل (٣١١ هـ) لما جمع علم أحمد بن حنبل تعب كثيرًا في الرحلة إلى بقية هؤلاء الأصحاب المنتشرين في مناطق متعددة. وينبغي أن ندخل إلى هذا الدور بتحديد مميزاته العامة، من أجل رسم الإطار الإجتماعي والثقافي والسياسي، الذي سُجلت فيه أعمال التأسيس، وجهود النشأة الأولى. ولكننا اكتفينا بما وضعناه بين يدي القارئ الكريم في المدخل إلى دراسة سيرة الإمام أحمد، ففيه الكفاية فيما نظن. ثم إن منهج الدراسة يتطلب أن نستعرض حياة الإمام أحمد وجهوده المباركلة أولاً، ونُثني بحياة أصحابه وجهودهم، إلا أننا لما فصلنا سيرة الإمام بفصل مستقل؛ نظرًا لأهميتها، وإن علينا أن نقتصر على دراسة حياة أصحابه من خلال: ١ - الوصف العام لأصحاب الإمام أحمد وتصنيفهم.

стр. 157

٢ - التعريف بأصحابه الذين سمعوا منه ورووا فقهه، وييان جهودهم في تأسيس المذهب. وتناولنا ذلك في مطلبين: الأول: وفيه تصنيف رواة المسائل إلى مكثرين ومقلّين، ثم جرد أسمائهم مع تمييز المقل عن المكثر. الثاني: التعريف بأشهر رواة المسائل، وقد اقتصرنا على ما يخدم البحث من جوانب تراجمهم، مع التركيز على الجهود التي بذلها كل واحد منهم في بناء المذهب الحنبلي، سواء برواية المسائل عن أحمد، أو بالتأليف، أو بالتعليم، أو غير ذلك. والله الموفق وهو يهدي السبيل.

стр. 158

المبحث الأول وصف عام لأصحاب الإمام أحمد كلمة "الأصحاب" في السير والتراجم لها معنيان: الأول: أنها تعني الصحبة الحقيقية في اللغة، وهي الملازمة، سواء قلَّت أم كثرت. ويهذا الإعتبار يكتسب كل مسلم حصل له شيء من ذلك مع رسول الله ﷺ الشرفَ بأن يلقب "صحابيًا" مع ما لذلك من الفضل والمزايا. ولكن العرف خصص دلالة الصحبة في غير صحابة رسول الله ﷺ بمن كثرت ملازمته (١). الثاني: أنها تعني الصحبة المباشرة وغير المباشرة، وهي الصحبة المعنوية التي تعني الملازمة للمصحوب بالعناية والهمة. فأصحاب الإمام أحمد بالمعنى الأول، هم تلامذته الذين رووا عنه العلم على مراتبهم وأصنافهم. وهم المعنيون ببحثنا هذا؛ في نطاق الدور الأول من أدوار المذهب، والذي مثله الإمام وأصحابه الذين تلقوا عنه الفقه. وأما أصحابه بالمعنى الثاني، فهم الفقهاء المجتهدون في سلك هذا المذهب، سواء أكانوا من أصحاب التخريج أم من أصحاب الترجيح أم ممن لهم اختيارات تفردوا بالذهاب إليها، ولو خرجوا عن المذهب في ذلك، وهم موزعون على عدة طبقات موزعة على العصور. والذين ترجموا في الطبقات ليسوا كلهم من هذا القبيل، بل قد اعتاد المتأخرون من مقلدة المذاهب أن يذكروا في الطبقات المذهبية كل من له عناية وعمل في المذهب، ولو لم يسلك في عمله أي مسلك اجتهادي. وسنصنف تلاميذ الإمام أحمد ثلاثة أصناف:

стр. 159

الأول: الذين رووا عنه الحديث فقط. الثاني: الذين رووا عنه الفقه إلى جانب الحديث. الثالث: الخواص من رواة الفقه الذين عليهم العمدة في نقل المذهب إلى دور التدوين. • الصنف الأول من الرواة عن أحمد: وهم الذين رووا عنه الحديث فقط، وربما سمعوا منه الفقه والمسائل، لكنهم لم يُعرفوا بحمله للناس، والعناية بتدوينه. وهؤلاء عددهم كثير جدًا، قد أحصى منهم أصحاب التراجم عددًا لا بأس به، ويقي الآخرون لا نعرف عنهم شيئًا. قال الحسين بن إسماعيل: "سمعت أبى يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السَّمت" (١). فقد حظي الإمام أحمد بشيوخ كُثر، كما حظي بتلاميذ كثُر، وليس ذلك إلا لما حباه الله وأولاه من العناية والرعاية، فكرمه بنفس زكية طيية، مسجاة بأخلاق عالية، وعقل حصيف راجح، فيه النباهة والنجابة والفهم، وذاكرة حافظة نادرة يقضى منها العجب. ثم إن الله سبحانه قد بسط له القبول في الأرض، وكنب له المحبة في قلوب العباد (٢). • الصنف الثاني من الرواة عن أحمد: وهم الذين رووا الفقه عنه إلى جانب الحديث، وعددهم أيضًا كثير، وقد حاول العليمي أن يحصيهم (٣) في "المنهج الأحمد" فذكر (٥٧٨) ترجمة، ثم قال: "وقد انتهى ذكر أسماء أصحاب الإمام أحمد ﵃، وهم الطبقة الأولى الذين عاصروه، وتفقهوا عليه، ورووا عنه، وعدتهم خمسمائة وثمانية وسبعون (٥٧٨)

стр. 160

نفسًا، فمنهم جماعة كانوا على مذهبه في الأصول والفروع، وأخذوا عنه الفقه، ونقل عنهم إلى من بعدهم إلى أن وصل إلينا". ثم قال: "فلنذكر أسماء من اشتهر من أعيانهم سردًا، ليتميزوا عن غيرهم ممن صحب الإمام أحمد، وروى عنه وقرأ عليه الحديث وغيره، فأقول، وبالله التوفيق: أصحاب الإمام أحمد من الفقهاء المشهورين، مئة وثلاثة وثلاثون نفسًا، كما تقدم التنبيه عليه في ترجمة الإمام، وهم:" وذكر أسماءهم (١). ثم قال: "هؤلاء هم الحنبليون من أصحاب الإمام أحمد ممن ذُكرت تراجمهم في هذا الكتاب، فمنهم المقل عنه، ومنهم المكثر، وهم أيضًا متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد والنقل عنه، والضبط والحفظ، وقد تقدم في تراجمهم ما يدل على ذلك" (٢). وقد ذكرهم المرداوي في آخر "الإنصاف" كما تقدم ذكره في بحث: الرواية عن أحمد (٣). • الصنف الثالث من الرواة عن أحمد: وهم خواص المصنف السابق وخلاصتهم، فهم المكثرون، ورواة "المسائل"، وأولو الأيدي البيضاء في وضع اللبنات الأولى في بناء البيت الحنبلي، بما حفظوا لنا من مسائل أجاب عنها الإمام أحمد في الفقه أو الحديث، أو العقيدة أو الزهد، أو غير ذلك من علوم الدين التي لم تكن قد تمايزت آنذاك، بل قد حفظوا لنا المسائل التي توقف، فيها الإمام فلم يجب بشيء؛ لتكون كالشهادة المفصلة الدالة على تورعه رحمه الذ فيما ليس له به علم، كما حفظوا لنا المسائل التي قال فيها: لا أدري، وكذلك المسائل التي حلف عليها، وإن كانت هذه الأواخر من جمع المتأخرين. وكان من هؤلاء جماعة ريما تفردوا بتوجيه مسائل الأئمة الآخرين من فقهاء الأمصار، ليعرفوا فيها رأي الإمام المبجل وجواب إمام السنة. فقد كان حنبل بن إسحاق وأحمد بن الفرج يسألانه عن مسائل مالك وأهل المدينة. وكان الميموني يسأله عن مسائل الأوزاعي وأصحابه. وكان الشالنجي يسأله عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه.

стр. 161

وكان إسحاق بن منصور وغيره يسألونه عن مسائل سفيان الثوري وغيره (١). ولا ريب أن جل صفات الإمام أحمد قد انعكست على أصحابه وتلامذته والملازمين له منهم على وجه الخصوص، شأن كل إمام وأصحابه، فقد كانوا أئمة في الزهد والورع والمحافظة على مذهب السلف والإقتداء بهم، والحرص الشديد على السنة في الإعتقاد والعمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولقد كانوا يحفظون فضل إمامهم، وورعه، حتى إنهم تركوا بعض الأشياء المباحة أحيانًا، لما يعلمون من أنها لا تليق بمقام إمامهم. فقد أسند ابن الجوزي إلى الأثرم، أنه قال: "ريما يترك أصحاب أحمد ابن حنبل أشياء ليس لها تبعة عند الله، مخافة أن يُعبَّروا بأحمد بن حنبل" (٢). وقال ابن عقيل (٥١٣ هـ) فيهم كلمة جامعة أحسن فيها وأجاد، قمينة بأن تسجل في خاتمة هذا المبحث: قال ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة": قرأت بخط الحافظ أبي محمد البرزالي، قال: قرأت بخط الحافظ ضياء الدين المقدسي، قال: كتب بعضهم إلى أبي الوفاء ابن عقيل يقول: صف لي أصحاب الإمام أحمد على ما عرفت من الإنصاف. فكتب إليه يقول: "هم قوم خُشُن، تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجدّ، وقل عندهم الهزل، وعقلت نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجًا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل دققوا في الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا: الله أعلم بما فيها، من خشية باريها، ولم أحفظ على أحد منهم تشبيها، إنما غلبت عليهم الشناعة؛ لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار. والله يعلم أنني لا أعتقد في الإسلام طائفة مُحِقة، خالية من البدع، سوى من سلك هذا الطريق، والسلام" (٣).

стр. 162

المبحث الثاني في التعريف بأصحابه الذين سمعوا منه ورووا فقهه تصنيف رواة المسائل عن الإمام أحمد: ذكرنا في الفصل السابق أن أصحاب الإمام أحمد الذين رووا عنه الفقه بمعناه الواسع، أي "فقه الدين" ينقسمون إلى قسمين: مكثرين ومقلين. وعدد الجميع حسب إحصاء المرداوي (١٣١) نفسًا، والمكثرون منهم (٣٣) نفسًا. ونذكر هنا أسماءهم مجردة مرتبة على حروف المعجم، مع وضع حرف "م" قبل اسم المكثرين الذين سنفرد لبعضهم تراجم موجزة في المبحث اللاحق إن شاء الله. ١ - إبراهيم بن اسحاق النَّيسابوري ٢ - (م) إبراهيم بن إسحاق الحَربي ٣ - إبراهيم بن الحارث الطَّرَسُوسِي ٤ - إبراهيم بن زياد الصَّائغ ٥ - إبراهيم بن عبد الله الدَّينَوَري ٦ - إبراهيم بن محمد بن الحارث ٧ - إبراهيم بن هاشم البَغَوي ٨ - (م) إبراهيم بن هانئ النَّيْسابوري ٩ - إبراهيم بن يعقوب الجَوْزجاني ١٠ - أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي

стр. 163

١١ - أحمد بن إبراهيم الكوفي ١٢ - أحمد بن أبي خَيْثمَة ١٣ - أحمد بن أبي عَبْدَة الهمداني ١٤ - أحمد بن أصْرم المُزَني ١٥ - أحمد بن بشر بن سعيد ١٦ - أحمد بن جعفر الوكيعي ١٧ - أحمد بن حسن الترمذي ١٨ - (م) أحمد بن حُميد المُشْكاني، أبو طالب ١٩ - أحمد بن سعد بن إبراهيم الزُّهْري ٢٠ - أحمد بن سعيد الدَّارمي ٢١ - أحمد بن صالح المصَري ٢٢ - أحمد بن الفُرات ٢٣ - أحمد بن القاسم ٢٤ - (م) أحمد بن محمد، أبو بكر المَرُّوذي ٢٥ - (م) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم ٢٦ - أحمد بن محمد الصائغ، أبو الحارث ٢٧ - (م) أحمد بن محمد الكحَّال ٢٨ - (م) أحمد بن محمد المَرْوزَي، أبو الحارث ٢٩ - أحمد بن محمد، أبو بكر ٣٠ - أحمد بن محمد المقري ٣١ - أحمد بن محمد، أبو العباس البُرَائي ٣٢ - أحمد بن محمد المزني ٣٣ - أحمد بن مُلاعِب بن حَيَّان ٣٤ - أحمد بن منصور الرَّمادي ٣٥ - أحمد بن منيع

стр. 164

٣٦ - أحمد بن نصر، أبو حامد الخَفّاف ٣٧ - أحمد بن نَصر الخُزاعي ٣٨ - أحمد بن هاشم الأنطاكي ٣٩ - أحمد بن يحيى الحلواني ٤٠ - أحمد بن يحيى ثعلب ٤١ - (م) إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري ٤٢ - إسحاق بن إبراهيم البغوي ٤٣ - إسحاق بن الجراح ٤٤ - إسحاق بن الحسن بن مَيمون ٤٥ - إسحاق بن حَنبل، عم الإمام أحمد ٤٦ - (م) اسحاق بن منصور الكَوْسج ٤٧ - (م) إسماعيل بن سعيد الشَّالَنجِي ٤٨ - (م) إسماعيل بن عبد الله، أبو اَلنضر العِجلي ٤٩ - أيوب بن إسحاق بن إبراهيم ٥٠ - بدر بن أبي بدر، أبو بكر المغازلي ٥١ - (م) بشر بن موسى الأسَدي ٥٢ - (م) بكر بن محمد بن الحكم النَّسائي ٥٣ - جعفر بن محمد النَّسائي ٥٤ - جعفر بن محمد الصائغ ٥٥ - حُبيش بن سِنْدي ٥٦ - (م) حرب بن اسماعيل الكِرْماني ٥٧ - (م) الحسن بن ثواب ٥٨ - (م) الحسن بن زياد ٥٩ - الحسن بن الصباح ٦٠ - الحسن بن عبد العزيز المعروف بالجَروي

стр. 165

٦١ - الحسن بن علي الإسكافي ٦٢ - الحسن بن محمد الأنماطي ٦٣ - الحسين بن إسحاق الخِرَقي ٦٤ - حنبل بن إسحاق بن حنبل ٦٥ - (م) خطاب بن بشر بن مَطر ٦٦ - زياد بن أيوب بن زياد ٦٧ - زياد بن يحيى بن عبد الملك بن مروان ٦٨ - زياد بن يحيى الناقد ٦٩ - سلمة بن شَبيب ٧٠ - (م) سليمان بن الأشعث، أبو داود صاحب السنن ٧١ - (م) سِنْدي، أبو بكر الخواتيمي ٧٢ - (م) صالح بن الإمام أحمد ٧٣ - طاهر بن محمد ٧٤ - عباس بن محمد الدُّورِي ٧٥ - عبد الرحمن بن عَمْرو، أبو زُرعة الدمشقي ٧٦ - عبد الرحمن، أبو الفضل المتطبب ٧٧ - عبد الكريم بن الهيثم القطان ٧٨ - (م) عبد الله بن الإمام أحمد ٧٩ - عبد الله بن أحمد بن عبيد الله ٨٠ - عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، صاحب التصانيف ٨١ - (م) عبد الله، المعروف بلقب "فُوْرَان" ٨٢ - عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ٨٣ - (م) عبد الملك بن عبد الحميد الميموني ٨٤ - عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق ٨٥ - عبدوس بن مالك العطار

стр. 166

٨٦ - عُبيد بن سعيد السَّرْخَسي ٨٧ - عبيد الله بن عبد الكريم، أبو زُرعة الرازي ٨٨ - عبيد الله بن محمد الفقيه المروزي ٨٩ - عصْمة بن أبي عصْمة ٩٠ - علي بن أحمد الأنماطي ٩١ - علي بن أحمد ابن بنت معاوية ٩٢ - علي بن الحسن بن زياد ٩٣ - علي بن الحسن المصري ٩٤ - علي بن سعيد بن جرير النَّسَوي ٩٥ - علي بن عبد الصمد الطيالسي ٩٦ - (م) الفرج بن الصباح البُرْزاطي ٩٧ - (م) الفضل بن زياد القطان ٩٨ - (م) مُثَنَّى بن جامع الأنباري ٩٩ - (م) محمد بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجِي ١٠٠ - محمد بن إدريس، أبو حاتم الرازي ١٠١ - محمد بن إسماعيل التِّرمذي ١٥٢ - محمد بن حبيب أبو عبد الله البَزّار ١٠٣ - محمد بن بشر بن مطر ١٠٤ - محمد بن الحسن بن هارون ١٠٥ - (م) محمد بن الحكم، أبو بكر النسائي ١٠٦ - محمد بن حَمّاد بن بكر المقري ١٠٧ - محمد بن داود المِصِّيصي ١٠٨ - محمد بن عبد الرحيم المعروف بصاعقة ١٠٩ - محمد بن عبد العزيز البيوردي ١١٠ - محمد بن عبد الله مُطَيِّن

стр. 167

١١١ - محمد بن علي الجُرجاني ١١٢ - محمد بن ماهان النيسابوري ١١٣ - محمد بن موسى بن أبي موسى ١١٤ - (م) محمد بن موسى بن مُشَيْش ١١٥ - محمد بن هارون الحمال ١١٦ - محمد بن هُبَيرة البغوي ١١٧ - (م) محمد بن يحيى المتطبب الكَحّال ١١٨ - محمد بن يزيد الطَّرسوسي ١١٩ - موسى بن عيسى الجَصّاص ١٢٠ - موسى بن هارون الحمال ١٢١ - مُهَنَّا بن يحيى الشامي ١٢٢ - ميمون بن الأصبغ ١٢٣ - (م) هارون بن عبد الله الحمال ١٢٤ - هارون المُسْتمَلي ١٢٥ - يحيى بن زكريا المرّوذي ١٢٦ - (م) يحيى بن يَزْداد، أبو الصَّقر ١٢٧ - يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي ١٢٨ - (م) يعقوب بن إسحاق بن بُخْتان ١٢٩ - يعقوب بن العباس الهاشمي ١٣٠ - يوسف بن موسى العطار الحربي ١٣١ - يوسف بن موسى بن راشد

стр. 168

التعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمد ١ - إبراهيم الحَرْبي (١٩٨ هـ - ٢٨٥ ه ـ): هو إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي. سمع من أبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وعبد الله بن صالح العجلي. ونقل عن الإمام أحمد مسائل وصفها المرداوي بأنها كانت كثيرة جدًا حسانًا جيادًا. وقد أورد ابن أبي يعلى نماذج منها، وهذا واضح فيمن طالت ملازمته، وكأن إبراهيم الحربي فرغ نفسه في أول العمر للحديث، ثم تفرغ للفقه، فجاء بنيانه كاملًا. ووصفه ابن أبي يعلى بقوله: "كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث" (١). لازم إبراهيمُ الإمامَ أحمدَ نحوًا من عشرين سنة، وأخذ عنه حديثه وفقهه، ولذلك كان يقول لأصحابه: "كل شيء أقول لكم: هذا قول أصحاب الحديث، فهو قول أحمد ابن حنبل، وهو ألقى في قلوبنا مذ كنا غلمانًا اتباع حديث رسول الله ﷺ ، وأقاويل الصحابة، والإقتداء بالتابعين" (١). ومع ملازمته الإمام أحمد لم يَفُتْه إمام الورع بشر بن الحارث الحافي، وإمام اللغة أبو عبيد القاسم بن سلام، فهؤلاء كانوا يملأون عينيه، حتى قال عنهم: "رأيت رجالات الدنيا فلم أر مثل ثلاثة: رأيت أحمد بن حنبل، يعجز النساء أن يلدن مثله. ورأيت بشر بن الحارث؛ من قرنه إلى قدمه مملوءًا عقلًا، ورأيت أبا عبيد كأنه جبل نفخ فيه علم" (١)). وعاش إبراهيم بعد الإمام أحمد أكثر من أربعين سنة، مما يدل على أنه أفاد كثيرًا، ونشر علم الإمام أحمد في الطبقة الثانية بغزارة.

стр. 169

مؤلفاته: "غريب الحديث"، "دلائل النبوة"، "كتاب الحمام"، "سجود القرآن"، "ذم الغيبة"، "النهي عن الكذب"، "المناسك". وغير ذلك من المصنفات الكثيرة، وقد استوفى الكلام عليها الدكتور سليمان العايد في مقدمة تحقيق القسم الذي نشره من "غريب الحديث". نماذج من مسائله: أ- قال إبراهيم: سئل أحمد عن الرجل يختم القرآن في شهر رمضان في الصلاة، أيدعو قائمًا في الصلاة؟ أم يركع ويسلم ويدعو بعد السلام؟ فقال: لا، بل يدعو في الصلاة، وهو قائم بعد الختمة. قيل له: فيدعو في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: نعم. ب- قال إبراهيم: وسئل أحمد عن رجل صلى في جماعة، أيؤمَّ بتلك الصلاة؟ قال: لا، ومن صلى خلفه يعيد. قيل له: فحديث معاذ؟ قال: فيه اضطراب، وإذا ثبت فله معنى دقيق، لا يجوز مثله اليوم (١). ٢ - إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (٢١٨ هـ - ٢٨٥ ه ـ): هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري الأصل، البغدادي المولد والنشأة والوفاة. وأبوه إبراهيم من المكثرين للرواية عن الإمام أحمد أيضًا، بل ييتهم كله بيت علم ورواية، فقد كان عمه وإخوته من أهل الفضل والتعبد والرواية. وكان له ولأبيه اختصاص بالإمام أحمد، فقد خدمه وهو ابن تسع سنين، ولازمه إلى أن مات، واختفى الإمام أحمد عندهم أيام الواثق بالله. ويظهر أثر هذه الصلة الوثيقة بشكل واضح جلي من خلال "مسائله" التي رواها عنه، فقد كان الإمام أحمد يأتي إلى دارهم، ويأكل عندهم، وينبسط في منزلهم. نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة في ستة أجزاء (٢)، وقد طبعت في مجلد.

стр. 170

نماذج من مسائله: أ - سألت أبا عبد الله، عمن يقرأ بقراءة عبد الله-أي ابن مسعود- أيصلَّى خلفه؟ ويحتج بقراءته (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله) (فجعلهم كالصوف المنفوش)؟ قال: لا يصلى خلفه (١). ب - وسألت أبا عبد الله عن الرجل يفجر بالمرأة، ثم يتزوجها؟ قال: لا يتزوجها حتى يعلم أنها قد تابت؛ لأنه لا يدري لعلها تعلق عليه ولدًا من غيره. قلت: وما عِلمُه أنها قد تابت؟ قال: يريدها على ما كان أرادها عليه، فإن امتنعت فهي تائبة، يتزوجها، وإن طاوعته فلا يتزوجها (٢). ٣ - أحمد بن حُميد (أبو طالب) (؟ - ٢٤٤ ه ـ): هو أحمد بن حُميد، أبو طالب، المُشْكاني، نسبة إلى مُشْكان قرية من نواحي همذان. صحب أحمد قديمًا ولازمه حتى مات، وكان الإمام أحمد يكرمه ويقدمه، وكان رجلاً صالحًا فقيرًا صبورًا على الفقر. روى أبو طالب المسائل عن الإمام أحمد، فأكثر الرواية عنه، وله أفراد تفرد بها، ولكنه لموته المبكر إثر الإمام أحمد لم يتلق عنه رواية هذه "المسائل" إلا الكبار من رجال الطبقة الثانية (٣).

стр. 171

نماذج من مسائله: أ - قال أبو طالب: سألت أحمد عن الخفاش يكون في المسجد يبول، فيصيب الرجل؟ فقال: أرجو أن لا يضره. قلت: إن كان كثيرًا، نجس؟ قال: ما أدري. قلت: أليس البول قليله وكثيره يغسل؟ قال: ذاك بول الإنسان. قلت: هذا لا يؤكل لحمه، يغسل؟ قال: إن كان كثيرًا يغسل. ب - وقال أبو طالب: سمعت أحمد يقول: إذا أخذ شعره، إن شاء مسح على رأسه، وإن شاء لم يمسح. قلت: لا يكون مثل العمامة؟ قال: لا، العمامة يمسح عليها، والخف يمسح عليه، فإذا خلع أعاد، والشعر إذا مس بالرأس يصيبه الماء، ويبلغ أصول الشعر، فإذا أخذ الشعر، فالماء قد أصاب ما بقي من شعره، وليس هو مثل العمامة والخف (١). ٤ - أحمد المرّوذي (؟ - ٢٧٥ ه ـ): هو أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر، المروذي، كانت أمه مرّوذية وأبوه خوارزميًا. وهو المقدم من أصحاب الإمام أحمد، لورعه وفضله، وكان الإمام يأنس به وينبسط إليه، وهو الذي تولى إغماضه يوم مات، وغسله. وقد روى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة. وهو الذي روى كتاب "الورع" عن الإمام أحمد، وقد نقل الخطيب البغدادي تكذيب رواية كتاب "الورع" عن غيره، وقد طعن فيه بعض الناس. فقال عبد الوهاب الوراق رادا على طعنهم: "أبو بكر ثقة صدوق، لا يشك في هذا، إنما يحملهم على هذا الحسد" (٢). وقد كان أحمد يثق به الثقة كلها، يثق بنقله، كما يثق بورعه وعقله، حتى إنه كان يقول: كل ما قلتَ على لساني فأنا قلته (٣).

стр. 172

نماذج من مسائله: أ - قال أبو بكر: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش؟ فصححها، وقال: قد تلقتها الأمة بالقبول، وتُمَرُّ الأخبار كما جاءت. ب - وقال أبو بكر: سئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل -وأنا أسمع- عن الحقنة؟ فقال: أكرهها، لأنها تشبه اللواط (١). جـ - وقال أبو بكر: سئل أحمد: أمرُّ في الطريق، فأسمع الإقامة، ترى أن أصلي؟ فقال: قد كنت أُسهِّل، فأما إذ كثرت البدع فلا تصل إلا خلف من تعرف (٢). ٥ - أحمد الأثرم (؟ - ٢٧٣ ه ـ): هو أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر، الأثرم، الطائي -ويقال: الكلبي- الإسكافي. جليل القدر، حافظ، سمع حرميّ بن حفص، وعفان بن مسلم، وأبا بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن مسلمة (٣) القعنبي؛ تلميذ مالك بن أنس، وعددًا لا بأس به من طبقة شيوخ البخاري، وأخرج له النسائي في "السنن". ويعتبر الأثرم من المعمرين، فقد ولد في خلافة هارون الرشيد، وكان قد انصرف في أول حياته إلى الحديث، ثم لازم الإمام أحمد فتفقه عليه، ونقل عنه مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا. وكان معه تيقظ عجيب، حتى نسبهُ يحيى بن معين، ويحيي بن أيوب المقابري، فقالا: أحد أبوي الأثرم جني! وكان الأثرم عالمًا بمؤلفات أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) لأنه لازمه مدة طويلة.

стр. 173

مؤلفاته: كتاب "السنن" في الفقه الممزوج بالحديث، وكتاب "التاريخ"، وكتاب "العلل"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ" في الحديث (١). قال الذهبي: ووقع لنا جزء من البيوع من "سننه" (٢). وله رسالة إلى أهل الثغر أورد منها ابن أبي يعلى حوالي أربع صفحات (٣). نماذج من مسائله: أ - قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فضل وَضوء المرأة؟ قال: إذا خَلتْ به فلا يتوضأ منه، إنما رخص النبي ﷺ أن يتوضآ جميعًا. ب - وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسح على العمامة، قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم. قال أبو عبد الله: [ثبت] من خمسة وجوه عن النبي ﷺ . جـ - وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الوضوء من القيء؟ فقال: نعم، يتوضأ. قلت له: على إيجاب الوضوء؟ قال: نعم، واحتج بحديث ثوبان: "أنا صببت لرسول الله وضوءه" (٤). ٦ - إسحاق الكَوْسَج (١٧٠ هـ - ٢٥١ ه ـ): هو إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب، الكوسج، المروزي (٥). شارك الإمام أحمد في بعض شيوخه؛ كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، والنضر ابن شميل، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وعفان بن مسلم. وحدث عنه أصحاب الكتب الستة ما عدا أبا داود، وله "مسند" يروى عنه. ومن هنا يتبين أن إسحاق الكوسج وكان يغلب عليه جانب الحديث، لكنه مع ذلك دوّن "مسائل الإمام أحمد" في حياته وضم إليها "مسائل إسحاق بن راهويه"، وصار يمليها على

стр. 174

الناس بخراسان، فأنكر الإمام أحمد ذلك، وأشهد على رجوعه عنها كلها، لكن -كما تقدم- عاد بها إليه فأقره عليها، وأعجب به (١). وفقه أحمد في "سنن الترمذي" بالإضافة إلى فقه إسحاق بن راهويه يروى من طريق إسحاق الكوسج، كما صرح بذلك الترمذي في آخركتابه، فلذلك يجب التنبه إلى أنه لا يكون قول الإمام أحمد دائمًا معتمدًا في الترمذي، فقد يكون الصحيح من النقل أو الراجح من الروايات خلافه. وقد طبع من مسائل إسحاق الكوسج "الطهارة" و"الصلاة" و"الصيام" و"المعاملات". نماذج من مسائله: أ - قال إسحاق: قلت لأحمد: إذا نوى الصوم بالنهار، وأن يصوم غدًا من قضاء شهر رمضان، ثم لم ينوه من الليل؟ قال: قد تقدمت منه النية، لا بأس به، إلا أن يكون قد فسخ النية بعد ذلك. ب - وقال إسحاق: وسألت أحمد عن الرجل يعرض عليه الإسلام عند الموت، يقر، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أيرثه وارثه المسلم؟ قال: نعم، ومن يقول غير هذا؟! هؤلاء في مذهبهم لا ينبغي أن يكون هذا، ولكن العجب أن لا يوافقوا. جـ - وقال إسحاق: قلت لأحمد: الرجل يأتي أهله، وليس له شهوة النساء، أيؤجر على ذلك؟ قال: إي والله، يحتسب الولد. قلت: إن لم يرد الولد، إلا أن يقول: هذه امرأة شابة؟ قال: لِمَ لا يؤجر؟ (٢). ٧ - حرب الكرماني (؟ - ٢٨٠ ه ـ): هو حرب بن إسماعيل بن خلف، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، الحنظلي، الكرماني.

стр. 175

رحل وطلب العلم، وأخذ عن أبي الوليد الطيالسي، وأبي بكر الحميدي، وأبي عبيد، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن راهويه. وقد ابتدأ حياته سالكًا مسلك المتزهدين الذي ساد في ذلك العصر، ولذلك تأخر في لقاء أحمد، فلم يلقه إلا في سنن متقدمة، فقد نقل عنه ابن أبي يعلى أن أبا بكر الخلّالَ سأله عن سبب تأخره في لقاء أحمد ﵁، فأجاب: كنت أتصوف قديمًا، فلم أتقدم في السماع (١). وكانت بينه وبين المرّوذي مودّة، وقد أنزله في بيته لما جاء للقاء أحمد، وقد حث المروذيُّ الخلال على السفر إليه والسماع منه، ونقل مسائل أحمد عنه. ومعلوم أن الخلّال كان يجمع "المسائل" من مدونيها وسامعيها قبل أن يحررها في كتابه الكبير "الجامع لمسائل الإمام أحمد". وقد نقل الكرماني عن الإمام أحمد فقهًا كثيرًا، ولكنه لم يسمع عنه كل ما أذاع عنه، حتى إن الخلّال قال: إنه حفظ أربعة آلاف مسألة عن أحمد وإسحاق بن راهويه قبل أن يلقاهما. قال الذهبي في وصف مسائله: "مسائل حرب" من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين. نماذج من مسائله: أ - قال حرب: قلت لأحمد: أنصلي خلف رجل يقدم عليا على أبي بكر وعمر؟ قال: لا تصل خلف هذا. ب - وقال حرب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين. جـ - وقال حرب: سمعت أحمد يكره الإمالة مثل ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وقال: أكره الخفض الشديد والإدغام (٢).

стр. 176

٨ - حنبل بن إسحاق (؟ - ٢٧٣ ه ـ): هو حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي، الشيباني، ابن عم الإمام أحمد. ولد حنبل قبل المائتين، فهو من كبار أصحاب أحمد في السن والرواية، وسمع الحديث من محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان بن حرب، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، والحميدي، وأبي الوليد الطيالسي، وخلقٍ كثيرٍ من طبقة شيوخ البخاري، وبعض شيوخ أحمد. يُعدّ حنبل ثالث ثلاثة ممن اختصهم الإمام أحمد بإسماعهم "المسند" في بيته، والإثنان الآخران هما ولداه: عبد الله وصالح. قال عن نفسه: "جمعنا عمي، لي، ولصالح، ولعبد الله، وقرأ علينا "المسند". وما سمعه منه -يعني تامًا- غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمئة وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة" (١). ولحنبل مسائل كثيرة رواها عن أحمد، والعجب أن المرداوي لم يذكره في زمرة المكثرين. وقد وصف الخلّال تلك "المسائل"، فقال عنها: "قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية، وأغرب بغير شيء، وإذا نظرت في "مسائله" شبهتها في حسنها وإشباعها، وجودتها بمسائل الأثرم" (٢). مؤلفاته: كتاب "الفتن"، وكناب "المحنة"، وكتاب "التاريخ". وله جزء حديثي. بالإضافة إلى كتاب "المسائل" عن الإمام أحمد. نماذج من مسائله: أ - قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلمًا، والقرآن كلام الله غيرمخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه .

стр. 177

ب - وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: قال النبي ﷺ : "يضع قدمه" نؤمن به، ولا نرد على رسول الله ﷺ ما قال، بل نؤمن بالله ويما جاء به الرسول. قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١). جـ - وقال حنبل: وسمعت أبا عبد الله، وسأله رجل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: يروى عن رسول الله ﷺ من غير وجه، وعن أصحابه أنهم فعلوه: إذا افتتح، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. قلت له: فبين السجدتين؟ قال: لا. قلت: فإذا أراد أن ينحط ساجدًا؟ قال: لا، فقال له عباس العنبري: يا أبا عبد الله، أليس يروى عن النبي ﷺ أنه فعله؟ قال: هذه الأحاديث أقوى وأكثر (٢). ٩ - سليمان بن الاشعث أبو داود (٢٠٢ هـ - ٢٧٥ ه ـ): هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق، أبو داود، الأزدي، السجستاني. وهو أحد أصحاب الكتب الستة المصنفة في الأصول الحديثية التي أجمع عليها أهل الإسلام. وهو ممن رحل، وطوف، وجمع، وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والبصريين. وترجمته في طبقات المحدثين مشهورة حافلة، ولذلك سنوجز الكلام فيه على ما يتعلق بالفقه والرواية عن الإمام أحمد، وعلاقته به. ألف الإمام السجستاني كتاب "السنن"، وهو كتاب يصنف في كتب "أحاديث الأحكام"، وبالتالي يكون قد رتب أبو داود أدلة الفقه الحنبلي، بل أدلة الفقه الإسلامي ومهدها للفقهاء على اختلاف المذاهب، حتى إن الغزالي اعتبره كافيًا لطالب الإجتهاد في خصوص المعرفة بالسنة (٣)، قال الخطابي في مقدمة "معالم السنن": "اعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود ﵀ كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من

стр. 178

كافة الناس، فصار حكمًا بين فرق الناس، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلٍ منه ورد ومنه شرب، وعليه مُعوَّل أهل العراق وأهل مصر وبلاد الغرب، وكثير من أقطار الأرض" (١). ويشتمل كتاب السنن على: - (٣٥) كتابًا، كلها مبوية ما عدا ثلاثة أبواب. - (١٨٧١) بابًا. - (٥٢٧٤) حديثًا. وقد ذكر في رسالته إلى أهل مكة أن كتابه يشتمل على (٤٨٠٠) حديث، وقد حرّر الشيخ محيى الدين عبد الحميد سبب هذا الإختلاف، وأنه يرجع إلى اختلاف في النسخ، بالإضافة إلى مراعاة التكرار في الأسانيد والمتون (٢). قال الخلّال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، ويصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورِع مقدم، سمع منه أحمد بن حنبل حديثًا واحدًا، كان أبو داود يذكره (٣). وقال الذهبي: أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وساله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول. وكان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضايق الكلام (٤). مؤلفاته: "السنن" (مطبوع)، و"المراسيل" (مطبوع)، و"الزهد" (مخطوط في خزانة القرويين بفاس رقم ٨٠/ ١٣٣)، "البعث"، و"تسمية الإخوة"، وهما رسالتان، و"سؤالات أبي داود للإمام أحمد" في الجرح والتعديل (مطبوع) (٥). بالإضافة إلى

стр. 179

كتاب "المسائل" في الفقه عن الإمام أحمد. نماذج من مسائله: أ - قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه فكلِّمه، وإلا فألحقه به. قال ابن مسعود: "المرءُ بِخِدْنِه". ب - وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب "ملك" أو "مالك" يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: "مالك"، أكثر ما جاء في الحديث (١). جـ - وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل ﵁؛ سثل عن المُعْتمِّ تحت الحنك؟ فقال: ما نعرف العمامة تحت الحنك. قال أبو داود: ورأيت أحمد يعتمُّ بعمامة بيضاء يجعلها تحت الحنك، ورأيت أحمد يعتم على قلنسوة (٢). و"مسائل الإمام أحمد" برواية أبي داود مطبوع في مطبعة المنار بمصر (١٣٥٣ هـ)، وقد قدم له العلامة الشيخ محمد رشيد رضا. ١٠ - صالح بن الإمام أحمد (٢٠٣ هـ - ٢٦٦ ه ـ): وهو أكبر أولاد الإمام أحمد، يكنى أبا الفضل. سمع من والده، وأبي الوليد الطيالسي، وعفان بن مسلم، وإبراهيم بن أبي سويد، وعلي بن المديني، وطبقتهم. وروى عنه ابنه زهير، وأبو القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبو الحسن بن المنادي، وأبو بكر الخلّال. وتولى قضاء أصبهان، وتوفي بها، وكان قد تولى القضاء بطرسوس قبل ذلك. وكان أحمد معنيًا بتربيته، حفيًا بأن يكون من الزهاد مثله، وكانت طريقته في تهذيبه أمثل الطرق، وهي التربية بالأسوة الحسنة، وقد حظي صالح بذلك؛ لأنه كان ابنه الوحيد مدة عشر سنين قبل أن يولد عبد الله.

стр. 180

وكان الإمام أحمد إذا زاره رجل من ذوي التقى والورع أحضر ابنه صالحًا هذا ليراه، فقد قال صالح في ذلك: "كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد أو رجل صالح متقشف، لأنظر إليه، يحب أن أكون مثلهم" (١). وكان صالح رجلاً سخيًا جدا، وكان كثير العيال، فدخل عليه الدَّين، وكان ذلك سببًا في قبوله ولاية القضاء، وفي قلة روايته عن أبيه، على أنه روى عنه الكثير بالنظر إلى بقية الأصحاب. وقد روى صالح عن أبيه كثيرًا من الفقه والحديث. قال الخلال: سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، ومن المواضع يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جياد (٢). وقد طبع الموجود من "المسائل" برواية صالح عن أَبيه وتوجد منه مخطوطة بدار الكتب الصرية برتم ٢١٦٨ ب. نماذج من مسائله: أ - قال صالح: قلت -لأبي-: رجلٌ أسلف رجلاً دراهمَ في بُرٍّ، فلما حل الأجل لم يكن عنده بُرٌّ، فقال: قَوم البُرَّ دراهمَ، وخذ بالدراهم شعيرًا؟ قال: لا يأخذ منه شعيرًا إلاَّ مثلَ كيل البُرِّ أو أنقص، لا يأخذ منه زيادة (٣). ب - قال صالح: قلت -لأبي-: رجل يدفع أرضه إلى الأكّار على الثلث والريع؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب الأرض، والبقرُ والحديدُ والعمل من الأكّار. أذهب فيه مذهب المضارية (٤). ب - قال صالح: قلت- لأبي-: رجل رهن رهنًا، وأخذ مالاً، فلمّا حلّ الأجل لم يأته بماله والْتَوى عليه، كيف يصنع بالرهن؟ قال: يكون عنده باقيًا على حاله إلاَّ أن يوكله ببيعه (٥).
следующие страницы →