٨ - حنبل بن إسحاق (؟ - ٢٧٣ ه ـ):
هو حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي، الشيباني، ابن عم الإمام أحمد.
ولد حنبل قبل المائتين، فهو من كبار أصحاب أحمد في السن والرواية، وسمع الحديث من محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان بن حرب، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، والحميدي، وأبي الوليد الطيالسي، وخلقٍ كثيرٍ من طبقة شيوخ البخاري، وبعض شيوخ أحمد.
يُعدّ حنبل ثالث ثلاثة ممن اختصهم الإمام أحمد بإسماعهم "المسند" في بيته، والإثنان الآخران هما ولداه: عبد الله وصالح.
قال عن نفسه: "جمعنا عمي، لي، ولصالح، ولعبد الله، وقرأ علينا "المسند". وما سمعه منه -يعني تامًا- غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمئة وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة" (١).
ولحنبل مسائل كثيرة رواها عن أحمد، والعجب أن المرداوي لم يذكره في زمرة المكثرين.
وقد وصف الخلّال تلك "المسائل"، فقال عنها: "قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية، وأغرب بغير شيء، وإذا نظرت في "مسائله" شبهتها في حسنها وإشباعها، وجودتها بمسائل الأثرم" (٢).
مؤلفاته:
كتاب "الفتن"، وكناب "المحنة"، وكتاب "التاريخ". وله جزء حديثي. بالإضافة إلى كتاب "المسائل" عن الإمام أحمد.
نماذج من مسائله:
أ - قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلمًا، والقرآن كلام الله غيرمخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه .
стр. 177
ب - وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: قال النبي ﷺ : "يضع قدمه" نؤمن به، ولا نرد على رسول الله ﷺ ما قال، بل نؤمن بالله ويما جاء به الرسول. قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١).
جـ - وقال حنبل: وسمعت أبا عبد الله، وسأله رجل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: يروى عن رسول الله ﷺ من غير وجه، وعن أصحابه أنهم فعلوه: إذا افتتح، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. قلت له: فبين السجدتين؟ قال: لا. قلت: فإذا أراد أن ينحط ساجدًا؟ قال: لا، فقال له عباس العنبري: يا أبا عبد الله، أليس يروى عن النبي ﷺ أنه فعله؟ قال: هذه الأحاديث أقوى وأكثر (٢).
٩ - سليمان بن الاشعث أبو داود (٢٠٢ هـ - ٢٧٥ ه ـ):
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق، أبو داود، الأزدي، السجستاني.
وهو أحد أصحاب الكتب الستة المصنفة في الأصول الحديثية التي أجمع عليها أهل الإسلام.
وهو ممن رحل، وطوف، وجمع، وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والبصريين. وترجمته في طبقات المحدثين مشهورة حافلة، ولذلك سنوجز الكلام فيه على ما يتعلق بالفقه والرواية عن الإمام أحمد، وعلاقته به.
ألف الإمام السجستاني كتاب "السنن"، وهو كتاب يصنف في كتب "أحاديث الأحكام"، وبالتالي يكون قد رتب أبو داود أدلة الفقه الحنبلي، بل أدلة الفقه الإسلامي ومهدها للفقهاء على اختلاف المذاهب، حتى إن الغزالي اعتبره كافيًا لطالب الإجتهاد في خصوص المعرفة بالسنة (٣)،
قال الخطابي في مقدمة "معالم السنن": "اعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود ﵀ كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من
стр. 178
كافة الناس، فصار حكمًا بين فرق الناس، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلٍ منه ورد ومنه شرب، وعليه مُعوَّل أهل العراق وأهل مصر وبلاد الغرب، وكثير من أقطار الأرض" (١).
ويشتمل كتاب السنن على:
- (٣٥) كتابًا، كلها مبوية ما عدا ثلاثة أبواب.
- (١٨٧١) بابًا.
- (٥٢٧٤) حديثًا.
وقد ذكر في رسالته إلى أهل مكة أن كتابه يشتمل على (٤٨٠٠) حديث، وقد حرّر الشيخ محيى الدين عبد الحميد سبب هذا الإختلاف، وأنه يرجع إلى اختلاف في النسخ، بالإضافة إلى مراعاة التكرار في الأسانيد والمتون (٢).
قال الخلّال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، ويصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورِع مقدم، سمع منه أحمد بن حنبل حديثًا واحدًا، كان أبو داود يذكره (٣).
وقال الذهبي: أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وساله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول. وكان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضايق الكلام (٤).
مؤلفاته:
"السنن" (مطبوع)، و"المراسيل" (مطبوع)، و"الزهد" (مخطوط في خزانة القرويين بفاس رقم ٨٠/ ١٣٣)، "البعث"، و"تسمية الإخوة"، وهما رسالتان، و"سؤالات أبي داود للإمام أحمد" في الجرح والتعديل (مطبوع) (٥). بالإضافة إلى
стр. 179
كتاب "المسائل" في الفقه عن الإمام أحمد.
نماذج من مسائله:
أ - قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه فكلِّمه، وإلا فألحقه به. قال ابن مسعود: "المرءُ بِخِدْنِه".
ب - وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب "ملك" أو "مالك" يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: "مالك"، أكثر ما جاء في الحديث (١).
جـ - وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل ﵁؛ سثل عن المُعْتمِّ تحت الحنك؟ فقال: ما نعرف العمامة تحت الحنك. قال أبو داود: ورأيت أحمد يعتمُّ بعمامة بيضاء يجعلها تحت الحنك، ورأيت أحمد يعتم على قلنسوة (٢).
و"مسائل الإمام أحمد" برواية أبي داود مطبوع في مطبعة المنار بمصر (١٣٥٣ هـ)، وقد قدم له العلامة الشيخ محمد رشيد رضا.
١٠ - صالح بن الإمام أحمد (٢٠٣ هـ - ٢٦٦ ه ـ):
وهو أكبر أولاد الإمام أحمد، يكنى أبا الفضل.
سمع من والده، وأبي الوليد الطيالسي، وعفان بن مسلم، وإبراهيم بن أبي سويد، وعلي بن المديني، وطبقتهم. وروى عنه ابنه زهير، وأبو القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبو الحسن بن المنادي، وأبو بكر الخلّال.
وتولى قضاء أصبهان، وتوفي بها، وكان قد تولى القضاء بطرسوس قبل ذلك.
وكان أحمد معنيًا بتربيته، حفيًا بأن يكون من الزهاد مثله، وكانت طريقته في تهذيبه أمثل الطرق، وهي التربية بالأسوة الحسنة، وقد حظي صالح بذلك؛ لأنه كان ابنه الوحيد مدة عشر سنين قبل أن يولد عبد الله.
стр. 180
وكان الإمام أحمد إذا زاره رجل من ذوي التقى والورع أحضر ابنه صالحًا هذا ليراه، فقد قال صالح في ذلك: "كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد أو رجل صالح متقشف، لأنظر إليه، يحب أن أكون مثلهم" (١).
وكان صالح رجلاً سخيًا جدا، وكان كثير العيال، فدخل عليه الدَّين، وكان ذلك سببًا في قبوله ولاية القضاء، وفي قلة روايته عن أبيه، على أنه روى عنه الكثير بالنظر إلى بقية الأصحاب.
وقد روى صالح عن أبيه كثيرًا من الفقه والحديث. قال الخلال: سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، ومن المواضع يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جياد (٢).
وقد طبع الموجود من "المسائل" برواية صالح عن أَبيه وتوجد منه مخطوطة بدار الكتب الصرية برتم ٢١٦٨ ب.
نماذج من مسائله:
أ - قال صالح: قلت -لأبي-: رجلٌ أسلف رجلاً دراهمَ في بُرٍّ، فلما حل الأجل لم يكن عنده بُرٌّ، فقال: قَوم البُرَّ دراهمَ، وخذ بالدراهم شعيرًا؟ قال: لا يأخذ منه شعيرًا إلاَّ مثلَ كيل البُرِّ أو أنقص، لا يأخذ منه زيادة (٣).
ب - قال صالح: قلت -لأبي-: رجل يدفع أرضه إلى الأكّار على الثلث والريع؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب الأرض، والبقرُ والحديدُ والعمل من الأكّار. أذهب فيه مذهب المضارية (٤).
ب - قال صالح: قلت- لأبي-: رجل رهن رهنًا، وأخذ مالاً، فلمّا حلّ الأجل لم يأته بماله والْتَوى عليه، كيف يصنع بالرهن؟ قال: يكون عنده باقيًا على حاله إلاَّ أن يوكله ببيعه (٥).
стр. 181
١١ - عبد الله بن الإمام أحمد (٢١٣ هـ - ٢٩٠ ه ـ):
يكنى أبا عبد الرحمن، وأمه ريحانة، تزوجها الإمام أحمد بعد وفاة عباسة أم صالح أخيه.
كان عبد الله رجلاً صالحاً، صادق اللهجة، كثير الحياء، شغوفًا بالحديث، سالكًا مسلك أبيه. قال الحافظ ابن عَدِيّ:
"نبل عبد الله بأبيه، وله في نفسه محل في العلم، أحيا علم أبيه من "مسنده" الذي قرأه عليه أبوه، خصوصاً قبل أن يقرأه على غيره، ومما سأل أباه عن رواة الحديث، فأخبره به ما لم يسأله غيره، ولم يكتب عن أحد، إلا مَن أَمَره أبوه أن يكتب عنه" (١).
فكان عبد الله أروى الناس عن أبيه على الإطلاق، وسمع معظم تصانيفه وحديثه، وسمع من عبد الأعلى بن حماد، وكامل بن طلحة، ويحيى بن معين، وأبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، وشيبان بن فروخ، وكثير من الشيوخ قد أتى الذهبي على معظمهم سردًا، ثم قال: "وسائر هؤلاء حدث عنهم في "مسند" أبيه سوى بعض الأحمدين" (٢).
وقد طال عمر عبد الله بعد أبيه نحوًا من خمسين سنة، مع عنايته البالغة بنشر الحديث والعلم، فلذلك روى عنه الأكابر والأصاغر من رجال الطبقة الثانية، وتلقوا عنه مصنفاته ومصنفات أييه.
قال أبو الحسين بن المنادي: "لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أَبيه من عبد الله بن أحضد، لأنه سمع منه "المسند"، وهو ثلاثون ألفًا، و"التفسير" وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، سمع منه ثلاثين ألفًا، والباقي وجادة، وسمع "الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"حديث شعبة" و"المقدم والمؤخر في كتاب الله" و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير"، و"الصغير"، وغير ذلك من التصانيف، و"حديث الشيوخ".
قال: "وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث،
والأسماء والكنى، والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن
стр. 182
أسلافهم الإقرار له بذلك، حتى إن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة، وزيادة السماع للحديث على أبيه" (١).
وقال الخلال في قصة جمعه لعلوم الإمام أحمد: "فلما قدمت من كرمان سألني عبد الله عن حرب، وعما عنده من المسائل والأحكام والعلل. وجعل يسألني عما جمعت من مسائل أبي عبد الله. فقال لي: أنت أحوج إلى ديوان، يعني لكثرتها" (٢).
قال ابن أبي يعلى (٢): فوقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة، يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام، فأما العلل، فقد جود عنه، وجاء عنه بما لم يجئ به غيره. اهـ.
مؤلفاته:
"زوائد المسند" وهو ممزوج مع "المسند"، و"زوائد كتاب الزهد" ممزوج أيضًا مع الأصل، و"السنة"، و"الرد على الجهمية". قال الذهبي: في مجلد، و"الجمل" (٣).
و"مسائل الإمام أحمد" برواية عبد الله، وهو مطبوع في المكتب الإسلامي.
نماذج من مسائله:
أ - قال عبد الله: سألت أبي عن ماء الطّهور إذا تطهر به، فأصاب ذلك الماءُ خفَّه أو نعله، ينبغي أن يغسل ذلك أم لا؟ قال: لا يغسل ولا يلتفت إلى شيء من ذلك (٤).
ب - وقال عبد الله: سألت أبي عن رجل سَهَا في الركعة الثانية، فقام، فذكر مِنْ بعد قيامه أنه قد سها؟ فقال: يمضي على صلاته، ويسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، وإن هو جلس فأرجو أن لا يكون بذلك بأس (٥).
جـ - وقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يبيع ثمرة أرضه، يستثني كرًا أو كُرّين؟ فقال: أرجو ليس به بأس (٦).
стр. 183
وقال أبي: حديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان". قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهولاء كفار.
١٢ - عبد لله بن محمد (فوران) (- ٢٥٦ ه ـ):
هو عبد الله بن محمد بن المهاجر، أبو محمد، الملقب بـ "فوران".
روى الحديث عن شعيب بن حرب، ووكيع، وأبي معاوية الضرير، وإسحاق بن سليمان الرازي، وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن الإمام، وأبو القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، وغيرهم.
وكان فوران من خواص أصحاب الإمام أحمد، الذين يقدمهم، ويأنس بهم، ويخلو معهم، وكان يستقرض منه، وقد ذكره الإمام أحمد في وصيته، وأقر له بدين له عليه أوصى بقضائه، ولكن فوران لم يأخذ ذلك الدين وأحله منه. نقل فوران عن الإمام أحمد أشياء كثيرة (١).
ومسائل فوران مفرقة مبثوثة في كتب الفقه الحنبلي القديمة.
نموذج من مسائله:
قال فوران: سمعت أحمد يقول: إذا اختلط المال، وكان فيه حلال وحرام، فالزهري ومكحول قالا: إذا اختلط الحلال والحرام، نكل هذا عندي من مال السلطان، كما قال علي ﵀: "بيت المال يدخله الخبيث والطيب". فمال السلطان يدخله الحلال والحرام، فيوصل إلى الرجل، يكل منه، فأما إذا كان حلالاً وحرامًا من ميراث، أو أفاد رجل مالاً حرامًا وحلالاً، فإنه يرد على أصحابه، فإن لم يعرفهم ولم يقدر عليهم تصدق به، فإن لم يعلم كم الحلال والحرام، يتصدق بقدر ما يرى أن فيه من الحرام، ويأكل الباقي (٢).
١٣ - عبد الملك الميموني (- ٢٧٤ ه ـ):
هو عبد الملك بن عبد الحميد، أبو الحسن، الميموني، الرقي. والميموني نسبة إلى جده الثاني ميمون بن مهران، شيخ الجزيرة.
стр. 184
سمع من ابن علية، وأبي معاوية الضرير، وعلي بن عاصم، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون. فهو من علية أصحاب الإمام أحمد بهذه المشاركة المباركة في شيوخه.
وكان عبد الملك الميموني عالم الرقة ومفتيها فى زمانه. وذكره الخلّال، فقال في وصفه: "الإمام في أصحاب أحمد، جليل القدر، كان سنة يوم مات دون المائة، فقيه البدن، كان أحمد يكرمه، ويفعل معه مالا يفعله مع غيره. وقال لي: صحبت أبا عبد الله على الملازمة من سنة (٢٠٥ هـ) إلى سنة (٢٢٧ هـ). قال: وكنت بعد ذلك أخرج وأقدم عليه الوقت بعد الوقت. قال: فكان أبو عبد الله يضرب لي مثَل ابن جريج في عطاء، من كثرة ما أسأله، ويقول لي: ما أصنع بأحد ما أصنع بك" (١).
وقوله: "فقيه البدن" اصطلاح وإن شائعًا آنذاك يستعمل في معنى "الفقه" بمعناه العهود عندنا، ففقيه البدن هو العالم بأحكام البدن، ليقع ذلك في مقابل "فقيه القلب"، و"فقيه النفس":
فالأول: من يتمتع بجودة القريحة وشدة الفهم والغوص على المعاني، سواء في فقه الأحكام أم في غيرها.
والثاني: من يتقن دقائق علم السلوك والتزكية.
ويفيدنا كلام الخلّال السابق: أن الميموني من أكثر اللازمين للإمام أحمد، وأن ملازمته قد طالت عقدين من الزمان، مع إلحاحه في الأسئلة والإستفتاء، فيكون ذلك قد أكسبه تفوقًا في المعرفة بمذهب الإمام أحمد وعلمه، وأن روايته للمسائل يُقَدَّر فيها أن تكون حافلة، كما يُقَدَّر فيها أن يكون فيها المرجوع عنه كثيرًا، فإن انقطاع اللازمة للإمام أحمد فيما بين (٢٢٧ - ٢٤١ هـ) جدير بأن يفوِّت على الميموني كثيرًا مما رجع عنه الإمام أحمد وخالفه إلى غيره.
فهل هذه التوقعات صحيحة في واقع الأمر؟
فأما الكثرة، فنعم، فقد قال الخلّال في ذلك: "وعنده عن أبي عبد الله مسائل كثيرة، في ستة عشر جزءًا، منها جزءان كبيران بخط جليل، مائة ورقة إن شاء الله، أو نحو ذلك، لم يسمعه منه أحد غيري فيما علمت من مسائل لم يشركه فيها أحد، كبار جياد تجوز الحد في عظمتها وقدرها وجلالتها"!! (١).
стр. 185
وأما وقوع المرجوع عنه بكثرة نسبيًا في رواية الميموني، فلا نستطيع أن نحكم في ذلك بشيء، إلا أن ولوع الميموني بالإمام أحمد له سببه، فقد كان من أعلام الرقة، وقد كان فقه الإمام الأوزاعي نقل إليها، فكان الميموني أراد أن يجمع بين المعرفة بفقه الأوزاعي وفقه الإمام أحمد، فكان يعرض عليه مسائل الأوزاعي وأصحابه (١) ليجيبه فيها، على غرار ما كان يصنع أسد بن الفرات مع ابن القاسم، فقد جاء بمسائل "المدونة" من العراق، وعليها أجوية الحنفية، فعرضها على ابن القاسم ليجيبه بمذهب مالك فيها.
ولعل هذا هو السبب في حرص الميموني على تدوين "مسائل الإمام أحمد" في أثناء حياته، وقد أنكره عليه الإمام، لكن الميموني راجعه في ذلك حتى أقنعه (٢).
وعلى أية حال، فالميموني يعد في زمرة السبعة الذين كان يظلهم اسم "الجماعة" على اعتبار أنهم في المرتبة الأولى من ناقلي الفقه الحنبلي عن الإمام أحمد ﵀. فقد قال النجدي في حاشيته على "منتهى الإرادات" ما نصه: "وحيث أطلق الجماعة، فالمراد بهم: عبد الله بن الإمام، وأخوه صالح، وحنبل ابن عم الإمام، وأبو بكر المرّوذي، وإبراهيم الحري، وأبو طالب، والميموني" (٣).
ولم يكتب لمسائل الميموني أن تصل إلينا في مجموع مخطوط، بل هي مبثوثة في كتب المذهب التي تعنى بالنقل.
نماذج من مسائله:
أ - قال الميموني: قلت لأحمد: اجتمع عيدان في يوم، أيكفي أحدهما من الآخر؟ قال: أما الإمام فيجمعهما جميعًا، ومن شاء ذهب في الآخر، ومن شاء قعد.
ب - وقال الميموني: قلت لأحمد: من قتل نفسه يصلي عليه الإمام؟ قال: لا يصلي الإمام على من قتل نفسه، ولا على من غل. قلت: فالمسلمون؟ قال: يصلون عليهما.
جـ - وقال الميموني: قلت لأحمد: تحج المرأة من مكة إلى منى بغير محرم؟ قال: لا يعجبني، قلت: لم؟ قال: لأن مذهبنا لا تسافر امرأة سفرًا إلا مع ذي محرم (٤).
стр. 186
١٤ - مُهَنّا بن يحيى الشامي:
هو مُهنّا بن يحيى، أبو عبد الله، السلمي، الشامي.
حدث عن بقية بن الوليد، وسمرة بن رييعة، ومكي بن إبراهيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق الصنعاني.
وروى عنه حمدان الوراق، وابراهيم النيسابوري، وعبد الله بن الإمام أحمد، وسهل التستري.
ويعتبر مُهنّا من أكبر أصحاب الإمام أحمد، وأكثرهم ملازمة له، وإلحاحًا عليه في المسائل، فإنه قال عن نفسه: لزمت أبا عبد الله ثلاثًا وأربعين سنة.
ورحل معه إلى عبد الرزاق الصنعاني، ولازم أحمد إلى أن مات، وكان أبو عبد الله يكرمه، ويعرف له حق الصحبة.
وكان مُهنّا يسأل أبا عبد الله ويلح عليه حتى يضجره في بعض الأحيان، فكان في ذلك أشبه بابن جريج مع شيخه عطاء.
وكانت هذه الملازمة الطويلة والإلحاح الدائب قد فَوَّق مُهنّا على بقية أقرانه وأناف به على اليفاع. فقد حصل كثيرًا من العلم والأدب، وغير ذلك.
قال مُهنَّا:
"صحبت أبا عبد الله، فتعلمت منه العلم، والأدب، واكتسبت به مالًا. قال عبد الله: قلت له: فيف اكتسبت به مالًا؟ قال: فقال: وُلي أبو موسى الأنصاري على الصدقات، فكتب العلماءَ، فمضوا وأخذوا. قال: وجاء إلى أبي عبد الله، فعرض عليه في القول، فحرج منه، فلما كان بعد ذلك ضقت، فجئت إلى أبي عبد الله، فقلت له: اكتب لي إلى أبي موسى في الغارمين، فلم يفعل، وقال: لو بقي الإنسان على كذا وكذا -لشيء يذكره- ما كان ينبغي له أن يفعل هذا. قال: فسكت عنه مدة. قال: ثم عاودته الكلام، فسكت عني. قال: فسكت عنه مدة، قال: ثم عاودته الكلام، فقال: لن أفعل، ولا أفعل. قال: فلما قال: لا أفعل، علمت أنه لا يفعل، فسكت عنه مدة، ثم أتيته، فقلت: يا أبا عبد الله لي عليك حقوق: حق الجوار، وحق الصحبة. وجعلت أذكر له حقوقي عليه. وقد قلتَ: لا أفعل، فأكتب عن لسانك كتابًا؟ قال: فقال لي: افعل، أنت أعلم. قال: فكتبت عن لسانه، فلما جئت بالكتاب إلى أبي موسى أنكره، وقال: أحمد لا يكتب في مثل هذا، فهذا خطه؟ قال: فحدثته بالقصة، فقلت: إن شئت
стр. 187
قبلت، وإن شئت وجهت إليه وسألته. قال: واختبرني، وكتب لي إلى البصرة بأريعة آلاف، قال: وأحسب قال: كتب لي مرة أخرى. قال: فاشتريت وبعت. قال عبد الله: وكان ينسى، قال: فاكتسبت نحوًا من ثلاثين ألفًا" (١) ا. هـ.
وروى مُهّا كثيرًا من المسائل في الفقه والحديث وعلله وأصوله ورجاله، وغير ذلك من علوم الشريعة المطهرة. وكانت مسائله من الكثرة بحيث كان يفخر بها، ووصفها ابن أبي يعلى بأنها كانت أكثر من أن تحد لكثرتها. حتى إن عبد الله ابن الإمام تتلمذ عليه وأخذ عنه مسائل كئيرة جيادًا لم يسمعها عبد الله من أبيه، بل ولم تكن عند غير مُهنّا بن يحيى، وقد حددت ببضعة عشر جزءًا. وهى مبثوثة في متفرقات الكتب لا توجد في مجموع مخطوط فيما نعلم.
نماذج من مسائله:
أ - قال مُهنَّا: سألت أحمد عن رجل مات وترك كتبًا كثيرة من كتب الرأي، وترك عليه دينًا. فقلت له: فأي شيء يصنع بالكتب؟ قال: تدفن.
ب - وقال مُهنّا: سألت أحمد عن الرجل يحفظ الشيء، ويكون في الكتاب شيء، أيهما أحب إليك؟ قال: الكتاب.
جـ - وقال مُهنّا: سألت أحمد عن رجل يجد في كتابه الشيء، فيقول له الناس خلاف ما في كتابه؟ قال: يقول في كتابي كذا وكذا، ويقول الناس: كذا (٢).
د- وقال مُهنّا: سألت أبا عبد الله عن رجل يختن ابنه لسبعة أيام؟ فكرهه، وقال: هذا فعل اليهود، وقال لي أحمد بن حنبل: كان الحسن يكره أن يختن الرجل ابنه لسبعة أيام.
قال الخلّال: إن ذلك قديم، والعمل على ما رواه حنبل وغيره (٣).
* * *
стр. 188
الدور الثاني
النقل والنمو
وفيه: تمهيد، ومبحثان:
- الأول: مميزات هذا الدور
- الثاني: أشهر علماء هذا الدور
стр. 189
تَمْهِيدْ
رسمنا هذا الدور بعنوان "دور النقل والنمو". وهو دور يترتب فوق "دور التأسيس والتدوين" مباشرة، فالمذاهب الفقهية على اختلافها دونت بعد نشأتها، ثم نقلت وأخذت تنمو قليلًا قليلًا، وتتكامل مع الزمان، وفي أعقاب هذا الدور أخذت عبارات النقل ومصطلحاته تلوح في الأفق، وأخذت الروايات والوجوه تتمايز قوة وضعفا، وصحة وسقمًا، من حيث انتسابها إلى الإمام المجتهد وأصحابه. فهناك الصحيح، والأصح، والضعيف، والشاذ، والمنكر من الأقوال والوجوه.
والنقل للفقه مسؤولية صعبة وأمانة ذات حمل ثقيل، إذ تعتبر طرق النقل والرواية مظنة للخطأ والغلط والإلتباس، بل والكذب في بعض الأحيان، فكان لابد من ضبط قواعد نقل الفقه وروايته، لئلا يضيع بين تلك الأخطاء والأغلوطات والأوهام التي تعرض للرواة عادة، وقد عالج منها نقاد الحديث وصيارفته من قبل معالجة لا تخفى.
وفي مجمل هذه القواعد والشروط اللازمة في نَقَلَة الفقه الإسلامي على وجه العموم ننقل إليك كلام الجويني بحرفه لما فيه من النفائس. فقد قال ﵀:
"لا يستقل بنقل مسائل الفقه من يعتمد الحفظ، ولا يرجع إلى كيس وفطنة وفقه طبع. فإن تصوير مسائلها أولًا، وإيراد صورها على وجوهها لا يقوم بها إلا فقيه. ثم نقل المذاهب بعد استتمام التصوير لا يتأتى إلا من مرموق في الفقه خبير، فلا ينزل نقل مسائل الفقه منزلة نقل الأخبار والأقاصيص والآثار. وإن فُرض النقل في الجليات من واثقٍ بحفظه، موثوق به في أمانته، لم يمكن فرض نقل الخفيات من غير استقلال بالدراية.
فإذا وضح ما حاولناه من صفة الناقل، فالقول بعد ذلك فيما على المستفتين. فإذا وقعت واقعة، فلا يخلو إما أن يصادف النقلة فيها جوابًا من الأئمة الماضين، وإما أن لا يجدوا فيها بعينها جوابًا. فإن وجدوا فيها مذهب الأئمة منصوصًا عليه نقلوه واتبعه المستفتون".
стр. 190
ثم قال: "قد تقدم أن نقل الفقه يستدعي كيسًا وفطنة وحُظوة بالغة في الفقه. ثم الفقيه الناقل يُفرض على وجهين:
أحدهما: أن يكون في الفقه على مبلغ يتأتى منه بسببه نقل المذاهب في الجليات والخفايا، تصويرًا وتحريرًا، وتقريراً، ولا يكون في فن الفقه بحيث يَسْتَدُّله قياسُ غير المنصوص عليه على المنصوص. فإن كان كذلك، اعتُمد فيما نقل ... " (١).
فراوية الفقه ليس كراوية الأخبار، بحيث يكتفى فيه بالعدالة مع الضبط، بل لابد من الفقاهة، ولابد من الدراية بمسالك الإجتهاد التي اختطها الأئمة المنقول عنهم، وذلك يتطلب قدرًا من الفهم والمراس، والمعرفة بالمعاني، والقواعد، وطرق الإستدلال، ومناهج الإستنباط.
والنقل الذي نتحدث عنه كما يكون في الرواية والحكاية لمذهب الإمام المجتهد، كذلك يكون في عملية التخريج والإثراء والزيادة على المنصوصات بالوجوه والأقوال المخرجة المختلفة.
فكلمة "النقل" لها مدلولها بهذا المعنى الثاني على وجه الخصوص، ولذلك فهي قريبة من كلمة "التخريج" في المعنى والمضمون إلا أن بينهما فرقًا. أوضحه الشيخ عبد القادر بدران بقوله:
"واعلم أيضاً أن بين التخريج والنقل فرقًا، من حيث إن الأول أعم من الثاني؛ لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام أو الشرع أو العقل؛ لأن حاصل معناه: بناء فرع على أصل جامع مشترك، كتخريجنا على تفريق الصفقة فروعًا كثيرة، وعلى قاعدة "تكليف مالا يطاق" أيضًا فروعًا كثيرة في أصول الفقة، وفروعه، وقد جعل فقهاؤنا ذلك كأنه فن مستقل، فألف فيه الحافظ ابن رجب كتابه المسمى بـ"القواعد الفقهية" وألف بعده في ذلك ابن اللحام، لكنهما لم يتجازوا في التخريج القواعد الكلية الأصولية.
وأما النقل: فهو أن ينقل النص عن الإمام، ثم يُخرج عليه فروعًا، فيجعل كلام الإمام أصلًا وما يخرجه فرعًا، وذلك الأصل مختص بنصوص الإمام، فظهر الفرق يينهما" (٢).
стр. 191
هذا، ونحاول في دراسة هذا الدور أن نبرز مميراته العامة فيما يتعلق بتصوير الخريطة السياسية للعالم الإسلامي، تتلوها الخريطة الإجتماعية، ثم الخريطة الثقافية التي لها علاقة قوية جدًا ببحثنا في البحث الذي يليه، والذي قد خُصص لبيان الأعمال المهمة التي قام بها رجال هذا الدور، في الجمع والإختصار، وعَمَلِ الشروح والتآليف الجزئية المفردة، والكتابة في أصول الفقه الحنبلي. ولابد أن نعرف بأبرز هؤلاء الرجال الذين قامت على عواتقهم هذه الجهود والأعمال الناقلة للمذهب والمنمية لشجرته الباركة. والله ولي توفيقنا وعليه التكلان.
стр. 192
المبحث الأول
مميزات هذا الدور
يعتبر القرن الرابع من أبرز قرون الدولة الإسلامية في السياسة والإجتماع والثقافة.
فالدولة العباسية كانت قد قطعت أكثر من مائة وسبعين سنة في مطالع هذا القرن، ويالتالي تكون تجربتها في السياسة والحكم والإدارة قد بلغت حد النضج، على الرغم من الفتن الداخلية ومنازعة الدول المنشقة عنها لها في أطراف العالم الإسلامي.
وتتبين خريطة العالم الإسلامي السياسية على وجه التقريب في هذه الحقبة الزمنية واضحة في انقسام الخلافة الإسلامية إلى ثلاث دول:
فنجد بلاد الأندلس قد خلصت للأمويين منذ الأيام الأولى التالية لسقوط دولتهم في المشرق، وقد استقلت استقلالًا تامًا عن بغداد، وتَسمَّى أميرها بأمير المؤمنين.
وتكونت دولة الفاطميين (العُبيديين) في تونس على أنقاض الأغالبة وأخذت تمتد في ناحية المشرق طامعة في الوصول إلى العاصمة العباسية، فامتدت على رقعة واسعة من المغرب الأقصى والجزائر ومصر والحرمين والشام، وزاحمت بني العباس حتى في العراق، وبني أمية في الأندلس التي كانت قد عظمت جدًا في آخر القرن الثالث والرابع.
فصارت الخلافة الإسلامية في القرن الرابع يدعيها ثلاث دول عظمى: بنو أمية في الأندلس، والفاطميون الروافض في المغرب ومصر والحجاز والشام، وبنو العباس فيما وراء ذلك (١).
وقد كانت سُلطة الدولة العباسية في هذا القرن قد انتقلت إلى بني بُوَيه بالفعل، وان كانت عباسية بالإسم، وهم جماعة من الفرس حكموا العراق وجنوي فارس زهاء قرن
стр. 193
ونيف، فكان من الطبعي أن يصاب العربي في عهدهم بنكسة، وأن تكون الغلبة للقومية الفارسية، وأن يسود المذهب الشيعي، ويتوغل في شرق الخلافة العباسية المفككة وغربها، وأن يؤدي ذلك إلى صراع عنيف بين السنِّيين الذين كان يساندهم الأتراك، ويين الروافض الذين كان يساندهم البويهيون.
وكان هؤلاء البويهيون على ما لهم من مزايا معروفين بالسطوة والجبروت والقسوة، حتى امتلأ تاريخهم بأخبار الويلات والمآسي التي حلت بالناس من جراء الفوضى التي سادت أيام حكمهم.
ويذكر كثير من المؤرخين أن الخلافة العباسية فقدت هيبتها، وضعف شأنها في العهد البويهي، وأن الخليفة أصبح عبارة عن رمز ديني ليس له من السلطة سوى الإسم فقط، أما السلطة الفعلية في الدولة فكانت في يد الأمير البويهي.
وفي الحقيقة لم يكن بنو بويه هم السبب المباشر لضعف الخلافة العباسية وفقدانها لهيبتها، فالأحداث التاريخية تثبت أن الخليفة العباسي والخلافة العباسية فقدا ما كان لهما من نفوذ وهيبة في عهد ازدياد نفوذ الأتراك قبل قيام الدولة البويهية، حيث أصبح القواد الأتراك، هم المسيطرين فعلًا على مقاليد الأمور في الدولة، وبلغ من نفوذهم المتزايد أن الخلفاء الأريعة الذين تعاقبوا على الخلافة بعد المتوكل على الله في الفترة ما بين (٢٤٧ هـ) و (٢٥٦ هـ) وهم المنتصر بالله، والمستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله، فقدوا جميعاً حياتهم بسبب ذلك النفوذ المتزايد يومًا بعد يوم. وكانت النتيجة الحتمية لذلك، هي أن الخليفة أصبح ألعوبة في يد القواد الأتراك، كما كان عاجزًا تمامًا عن عمل أي شيء يتعلق بالخلافة إلا بعد أخذ موافقتهم (١).
هذا من الناحية السياسية.
أما من الناحية الإجتماعية، فقد كان وضع المجتمع صورة منعكسة للحالة السياسية على مرآة الزمان والتاريخ، إذ لا ينفك المجتمع عن التأثر والتأثير في السياسة التي تحكمه وتقود زمام الأمور فيه.
стр. 194
فقد كانت بغداد مسرحًا للفوض وفقدان الإستقرار، وكان من أبرز مظاهر هذا الاضطراب تباعد في الطبقات الشعبية، وفشو الإستغلال والترف والبذخ في الطبقات العليا على حساب الطبقات الدنيا حتى أصبح الناس كما يقول مسكويه:"بين هارب جال، إلى مظلوم صابر، إلى مستريح لتسليم ضيعته إلى المُقْطَع ليأمن شره ويوائقه" (١).
وقد ازداد الحال سوءًا لكثرة الضرائب واشتداد وطأة الإقطاعات، وفرض الرسوم، واشتطاط عمال البويهين من جند وقواد ومتصرفين في تحصيل الأموال، واحتكار قوت الفقراء، والإعتداء على الناس، ومصادرتهم حتى ثارت الطبقة الفقيرة أكثر من مرة وخاصة في عهدي عضد الدولة، وصمصام الدولة.
وقال المقدسي يصف حال العراق سنة (٣٧٥ هـ):"إنه ييت الفتن والغلاء، وهو في كل يوم إلى الوراء، ومن الجور والضرائب في جهد وبلاء" (٢).
وأما الناحية الثقافية، فقد كانت على العكس من ذلك، قد ازدهرت وذهبت بعيداً في الإنتاج والإبداع. فقد كان الوزراء البويهيون يعنون عناية واضحة بالعلم والأدب، بل كان كثير منهم من جملة العلماء والأدباء الكبار، وكانت مجالسهم تضم كبار العلماء والأدباء، فيحوطونهم بالرعاية مما يشجعهم على تأليف الكتب، ونظم الأشعار في مدحهم والإشادة بفضلهم.
وفد كانت الري وأصفهان من مراكز الثقافة والعلم في شرق الدولة الإسلامية، ويخاصة في عهد البويهين، وقد تقدمت الحركة العلمية في الري بعد أن استقر فيها الوزير البويهى أبو الفضل ابن العميد، الذي تشبه بالبرامكة أيام الرشيد، ففتح بابه للعلماء والأدباء والشعراء، وكان هو الآخر أديباً عالمًا يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل: إن الكتابة بدئت بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وسمي بـ"الجاحظ الثاني"لمكانته الأدبية الرفيعة. وكان متبحراً في علوم الهندسة والمنطق والفلسفة. إلى جانب ذلك فقد أنشأ مكتبة عظيمة وعين أحد العلماء خازناً لها، وهو مسكويه (٣).
стр. 195
والوزير الصاحب ابن عباد، هو الآخر يعد من أشهر رجال الأدب في عصره، فقد وصفه ابن النديم بأنه كان "أو حد زمانه وفريد عصره في البلاغة والفصاحة والشعر" (١). وقد تعمق في دراسة العلوم الشرعية واللسانية والأدبية. وكان كثير الإحسان إلى رجال العلم والأدب، دؤوياً على عقد مجالس علمية وأديية لهم، ويذكر ابن خلكان أنه اجتمع عنده من الشعراء مالم يجتمع عند الفقهاء والأدباء والعلماء، مما ساعد على انتعاش الحركة العلمية والأدبية (٢).
وإذا راجعت كتب الوفيات من الفقهاء والمحدثين والأدباء ومشاهير الأعلام على مدى هذا القرن، فإنك تجد أكثرهم مراوزة أو رازيين أو أصفهانيين أو همذانيين، مما يدل على غزر العلوم هناك ونفاق سوقها في تلك البلدان.
ويصف الشيخ محمد بن الحسن الحجوي ﵀ حالة الفقه العامة في هذا الطور. فيقول: "تطور الفقه في طور الكهولة من مبدأ المائة الثالثة إلى منتهى الرابعة، إذ وقف في قوته ولم يزد قوة، ومال إلى القهقرى، ولكن لم يسرع إليه الهرم، ولا وصل إلى طور الإنحلال، بل حفظ قوته الأصلية زمن قرنين بسبب ما ظهر فيه من الحفاظ والمجتهدين الكبار والتآليف العظام.
وفي هذا العصر اختلط فيه المجتهدون بغيرهم، فكان يوجد أهل الإجتهاد الطلق، ولكن غلب التقليد في العلماء، ورضحوا به خطة لهم، ولا يزال في هذا العصر يزيد التقليد وينقص الإجتهاد إلى المائة الرابعة، إذ أصبح كثير من علمائها راضين بخطة التقليد، عالة على فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن خنبل، وأضرابهم ممن كانت مذاهبهم متداولة إذ ذاك. وانساقوا إلى اتخاذ أصول تلك المذاهب دوائر حصرت كل طائفة نفسها بداخلها لا تعدوها، وأصبحت أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة نصوص الكتاب والسنة لا يعدونها، ويذلك نشأت سدود بين الأمة ويين نصوص الشريعة، ضخمت شيئاً فشيئًا إلى أن تنوسيت السنة،
стр. 196
ووقع البعد من الكتاب بازدياد تأخر اللغة، وأصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء وأقوالهم، لا أقوال النبي ﷺ " (١).
وهذا الذي صوره الحجوي، وإن كان طابعاً عاماً، إلا أنه ليس كلياً، فقد ظهر في هذا القرن كوكبة من أعظم الفقهاء، وهم وإن صُنفوا في طبقات أحد المذاهب إلا أنهم كانوا يجتهدون ويأنفون من التقليد، كأبي القاسم الداركي الشافعي البغدادي وأحمد بن ميسر المالكي القرطبي، وأبي جعفر الطحاوي الحنفي.
فقد قال الخطيب البغدادي في ترجمة الداركي: "كان عبد العزيز بن عبد الله الداركي إذا جاءته مسألة يُستفتى فيها تفكر طويلاً ثم أفتى فيها، وربما كانت فتواه خلاف مذهب الشافعي وأبي حنيفة ﵄، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ -بكذا وكذا، والأخذ بالحديث عن رسول الله ﷺ -أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة ﵄ إذا خالفاه" (٢).
وقال ابن فرحون في ترجمة أحمد بن ميسر: "مشاور في الأحكام يميل إلى النظر والحجة، ربما أفتى بمذهب مالك حفظاً حسناً واعتنى بكتب الشافعي، وكان يميل إليه، وكان إذا استفتي ربما يقول: أما مذهب أهل بلدنا فكذا، وأما الذي أراه فكذا" (٣).
وعلى الرغم من أن الفقه نزل من درجة الإجتهاد المطلق إلى درجة الإجتهاد المذهبي والتقليد البحت، فإن العلوم الإسلامية الأخرى قد ازدهرت وتكاملت، وبلغت حد النضج في هذا القرن على وجه الخصوص، وذلك كعلوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم اللغة، والأصول والجدل والمناظرة. كل تلك الفنون الخادمة للفقه، والمغذية لأدلته ورسم مناهجه وقواعده، كانت قد مهدت الطريق إلى التدوين
стр. 197
والترتيب رالجمع والتنقيح، وتقسيم الفقه إلى أقسام متعددة، وجعل كل قسم يختص بجانب من جوانبه، كفقه الأدلة وفقه الخلاف وفقه الروايات والأقوال المتعددة المروية عن الإمام الواحد.
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد هو اكتشاف المسلمين لأوراق الكاغد أو الكاغيط في زمن الدولة العباسية على يد الفضل بن يحيى البرمكي، ولا ريب كان ذلك الاختراع من أعظم التسهيلات لنشر العلم وتدوينه، ولذلك كانت المائة الثالثة الهجرية متميزة بظهور الدواوين الكبار في الإسلام في مختلف العلوم والمعارف. وكانت قد اتخذت عدة مصانع للكاغد في بغداد والشام ومصر وفاس والأندلس في شاطبة وبلنسية وطليطلة، ومنها انتقلت صناعته إلى أوربا في حدود القرن الخامس الهجري (١).
стр. 198
المبحث الثاني
أشهر علماء هذا الدور وأبرز أعمالهم
أشهر علماء هذا الدور
ينتظم هذا الدور أحفاد الإمام أحمد في التلمذة ورواية العلم، فمن دونهم، إلى خاتمة المتقدمين وشيخ الشيوخ الحسن بن حامد ﵀ (ت ٤٠٣ هـ).
وقد ذكر ابن الجوزي منهم عددًا كثيرًا في "المناقب" واستقصاهم القاضي ابن أبي يعلى في "الطبقات".
وسنعرّف بأشهرهم متتبعين في ذلك سير الزمن وترتيب الطبقات:
١ - الخلال (٣١١ ه ـ):
أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر، الشهير بالخلال.
نشأ في بغداد وعاش فيها إلى أن مات. والخلّال نسبة إلى بيع الخل فيما يبدو، ويشاركه في هذه النسبة جماعة من أصحاب أحمد وغيره، لكن لشهرته وعظم شأنه عند الحنابلة أصبحت هذه النسبة عَلمًا عليه بالغلبة عند الإطلاق.
سمع الخلال من الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، ومحمد بن عوف الحمصي، ومن في طبقتهم ويعدهم، وصحب أبو بكر المروذي إلى أن مات.
ورحل إلى فارس والشام والجزيرة يتطلب فقه الإمام أحمد وفتاويه وأجوبته، وكان فقه الإمام أحمد إذ ذاك لا يزال مفرقًا في دواوين أصحابه: رواة السائل، وكان كثير منهم قد رحل إليه من بلدان مختلفة ثم رجعوا إلى أوطانهم أساتذة معلمين، وهناك من كان ببغداد، كالمروذي وعبد الله بن الإمام أحمد.
стр. 199
ولماكان قصد الحلال هو جمع علم الإمام أحمد وتدوينه في كتاب مصنف، كان لابد من الرحلة والتقصي في البلدان. ولم يقتصر على الرواة الكبار للمسائل، ولا على طبقة واحدة، بل تتبع الرواة على اختلافهم في الكثرة والقلة، والمباشرين والذين رووا بواسطة، وهكذا.
قال ابن أبي يعلى: "سمع منهم مسائل أحمد، ورحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد، وسماعها ممن سمعها من أحمد، وممن سمعها ممن سمعها من أحمد، فنال منها، وسبق إلى ما لم يسبقه إليه سابق، ولم يلحقه بعده لاحق، وكان شيوخ المذهب يشهدون له بالفضل والتقدم" (١).
وقال ابن الجوزي: "صرف عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتبا، منها كتاب "الجامع" نحو من مائتي جزء، ولم يقاريه أحد من أصحاب أحمد في ذلك" (٢).
وهذا يدل على حجم ذلك الديوان العظيم الذي أطلق عليه اسم "الجامع لعلوم أحمد" تارة، و"جامع الرواية عن أحمد" تارة، و"الجامع في الفقه من كلام الإمام أحمد" تارة ثالثة. فهو نحو من مائتي جزء في كلام ابن الجوزي السابق، وقال الذهبي وابن القيم (٣): يكون عشرين مجلدًا أو أكثر. ولا معارضة بين ذلك، لأن المتقدمين كانوا يطلقون على الكراس، وعلى ما يقرب من الكراسين جزءًا، وأما السفر -أو المجلد- فهو ما جمع عدة أجزاء (٤).
• مصنفات الخلّال:
صنف الخلال إلى جانب "الجامع" كتبًا أخرى، منها: "العلل"، و"السنة"، و"الطبقات" يعني طبقات أصحاب الإمام أحمد، و"العلم"، و"تفسير الغريب"، و"الأدب"، و"أخلاق أحمد"، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، و"الحث على التجارة" (٥).
стр. 200
٢ - ابن المنادي (٢٥٦ هـ - ٣٣٦ ه ـ):
أحمد بن جعفر بن محمد، أبو الحسين، البغدادي المولد والنشأة والوفاة.
سمع جده محمدًا، وأباه جعفرًا، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعباس الدوري، وزكريا بن يحيى المروذي، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. لكنه اختص بكثرة الرواية عن عبد الله بن الإمام أحمد، فلئن كان الخلال اختص بالمروذي، وروى ما عنده، فقد اختص ابن المنادي بعبد الله.
وكان ﵀ ثقة أمينًا ثبتًا صدوقًا ورعًا، حجة فيما يرويه، محصلًا لما يحكيه. وكان من المصنفين المكثرين، حتى قالوا: إن مصنفاته بلغت نحوًا من أربعمائة مصنف، قال ابن الجوزي: ولا يوجد في كلامه حشو، بل هو نقي الكلام جمع بين الرواية والدراية (١).
ومع كثرة هذه التصانيف، فإن الناس لم يسمعوا منها إلا أقلَّها، والسبب في ذلك على ما قاله الخطيب البغدادي، هو أنه كان صُلْب الدين، شرس الأخلاق (٢).
ويعد ابن المنادي، بالإضافة إلى روايته الفقه عن أحمد، من الحفاظ للحديث، ومن القراء واللغويين، فلذلك نجده مترجمًا في طبقات علماء هذه الفنون. قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضاً، وروى الحروف سماعًا عن الحسن بن العباس، وأبي أيوب الضبي، وإدريس بن عبد الكريم، والفضل بن مخلد الدقاق .. ثم قال: مقرئ جليل، غاية في الإتقان، فصيح اللسان، عالم بالآثار، نهاية في علم العربية، صاحب سنة، ثقة مأمون (٣).
وكان ابن المنادي من المشاركين في الفقه الممارسين له، المستقلين بالفهم داخل الذهب الحنبلي، حتى إنه كانت له اختيارات، منها:
إيجاب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وتنجيس أسآر جوارح الطيور، وتحريم الوضوء من آنية الذهب والفضة مع الحكم بصحة الطهارة (٤).
стр. 201
٣ - أبو بكر النجاد (٢٥٣ هـ - ٣٤٨ ه ـ):
أحمد بن سلمان بن الحسن، أبو بكر النجاد، البغدادي.
العالم الناسك الورع، الحافظ، الفقيه المفتي. كان له في جامع المنصور حلقتان قبل الصلاة للفتوى على مذهب الإمام أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث.
وقد اتسعت رواياته، وانتشرت أحاديثه ومصنفاته.
سمع الحسن بن مكرم، ويحيى بن أبي طالب، وأحمد بن ملاعب، وأبا داود السجستاني، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن الإمام، وغيرهم.
وكان النجاد إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق البابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته، وكان يملي في حلقة عبد الله بن الإمام، وفيها كان يملي تلميذه من بعده ابن مالك (١) (أبو بكر القطيعي).
وهذا يدل على التوارث الذي أخذ يتناسق على الدهر في رواية الفقه الحنبلي وعلومه في مدينة السلام.
صنف النجاد كتاباً كبيرًا في السنن (٢)، كان محدثاً معدودًا في الحفاظ، حتى كان تلامذته يفرحون به ويقايسونه بابن صاعد. قال أبو الحسن بن رَزقُوَيهْ: النجاد ابن صَاعدنا. وهو يعني -كما قال الخطيب البغدادي: "أن النجاد في كثرة حديثه، واتساع طرقه، وعظم رواياته، وأصناف فوائده، لمن سمع منه، كيحيى بن صاعد لأصحابه، إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته في الحديث" (٣).
وصنف أبو بكر النجاد كتابًا كبيرًا في "الخلاف"، قال ابن الجوزي: نحو مائتي جزء (٤).
стр. 202
وهذا يعني أنه يقع بحدود عشرين مجلدًا بتقديرنا الحالي. وفقه الخلاف هو الفقه المقارن بين إمامين أو مجموعة من الأئمة المجتهدين، وقد ألف فيه العلماء من مختلف المذاهب من لدن الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) في كتابه "الأم" إلى قرون متأخرة، وللغزالي فيه كتاب "المآخذ"، ولأبي بكر بن العربي المالكي كتاب "التلخيص" جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي الحنفي كتاب "التعليقة"، ولابن القصار من شيوخ المالكية "عيون الأدلة"، وقد جمع ابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً في كل مسألة منه ما ينبني عليها من الخلافيات (١).
وأما الحنابلة فلهم الباع الطويل في هذا الفن، حتى إن تصنيفاتهم بلغت فيه نحوًا من خمسين عنوانًا في الخلاف العالي فقط، وهو الخلاف خارج المذهب الحنبلي، فضلًا عن الخلاف المذهبي الممثل بالروايات والوجوه والإحتمالات والإختيارات وغير ذلك.
٤ - الخِرَقي (٣٣٤ ه ـ):
عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم، الخرقي، نسبة إلى بيع الخِرَق، البغداري المولد الدمشقي الوفاة (٢).
أحد أئمة الذهب الحنبلي، كان عالمًا بارعًا فيه، ذا دين وورع.
تلقى العلم على تلامذة المرّوذي وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني الإمام
أحمد.
صنف الخرقي عدة مصنفات، لكن حظه منها في الإنتشار كان كحظ ابن المناري من قبله، فلم ينتشر منها إلا "المختصر" الشهير، والسبب في ذلك: أنه خرج من بغدار -مدينة السلام- لما ظهر سب الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب، ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد (٣).
стр. 203
وظهور سب الصحابة في مدينة السلام يدل على مدى الضعف الذي آلت إليه الخلافة في تلك السنوات العجاف، فقد كانت الخلافة مهددة من داخلها بالعُبيديين الروافض من جهة مصر والشام، وظهور حركلة القرامطة في نواحي الكوفة، وأخذت تعيث فسادًا حتى وصلت إلى المسجد الحرام فأعملت سيف القتل ويد النهب في الحجيج حتى طال ذلك أميرَ مكة: ابن محارب، وقلعوا باب الكعبة المشرفة وأخذوا الحجر الأسود (١).
وكانت مهددة من خارجها بدولة الروم التي كانت تنقض على بعض الأطراف من حين إلى آخر.
ويعتبر الخرقي أستاذًا لجماعة من كبار شيوخ المذهب، منهم: أبو عبد الله ابن بطة العكبري، وأبو الحسين بن سمعون، وغيرهما.
توفي الخرقي بدمشق في سنة ٣٣٤ هـ، وسبب موته أنه أنكر منكرًا بدمشق فضُرب، فكان موته بذلك. -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.
٥ - الآجُرّي (٣٦٠ ه ـ):
محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر، الآجري نسبة إلى قرية من قرى بغداد على أحد الأقوال.
من أكابر الأصحاب، سمع خلقًا كثيرًا، وكان ثقة، عالمًا، فقيهًا، دَيِّنًا، حجّة، صدوقًا.
له تصانيف كثيرة، أكثرها في الحديث والفقه، منها كتاب "الأريعين حديثًا" وهي مشهورة به، و"النصيحة" في الفقه ينقل عنه ابن مفلح في "الفروع" اختيارات حسنة، وكتاب "الشريعة وفي السنة"، وكتاب "الرؤية" و"الغرباء" و"آداب العلماء"، و"مسألة الطائفين"، و"التهجد"، وغير ذلك (٢).
стр. 204
ويعتبر الآجري من أصحاب الإختيارات في المذهب الحنبلي، لعلو كعبه فيه، فقد ذكر ابن الزاغوني (ت ٥٢٧ هـ) في كتابه "الواضح في الفقه" عن أحمد أن الجد كالأب يحجب الإخوة، وهي اختيار أبي حفص العكبري، وأبي بكر الآجري. وعادة صاحب "الواضح" أن لا يذكر فيه إلا اختيارات الأصحاب (١). وقد أورد ابن مفلح اختيارات كثيرة له.
توفي الأجرّي بمكة المكرمة ﵀ ورضي عنه.
٦ - غلام الخلَّال (٢٨٥ هـ - ٣٧٦٣ ه ـ):
عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر، الشهير بغلام الخلال.
كان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة.
أخذ العلم عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، وجعفر الفريابي، والحسين بن عبد الله الخرقي، وأبي بكر بن أبي داود، وجماعة آخرين من طبقتهم.
وتفقه به كثير من شيوخ المذهب الحنبلي، مثل أبي إسحاق بن شَاقْلَا، وأبي عبد القه ابن بطة، وأبي الحسن التميمي، وأبوي حفص: العكبري والبرمكي، وخاتمة متقدمي الذهب: الحسن بن حامد، حدث عنه بمسائل الأثرم، وصالح، وعبد الله، وغير ذلك.
ويعتبر عبد العزيز تلميذًا خاصًا لأبي بكر الخلال جامع المذهب الحنبلي، حتى عرف به بهذا اللقب: "غلام الخلال". وهذا يدل على أنه كان من أقرب الناس إلى ذلك الديوان العظيم "جامع الرواية عن أحمد" ومستوعبًا لمضمونه.
ولهذا سهل عليه التصنيف في المذهب والتفقه فيه. قال الذهبي: ومن نظر في كتابه "الشافي" عرف محله من العلم لولا ما بشَّعه بِغَضِّ بعض الأئمة، مع أنه ثقة فيما ينقله (٢).
ومن مصنفاته عدا "الشافي": "المقنع" نحو مائة جزء، و"زاد المسافر"، و"الخلاف مع الشافي" و"مختصر السنة"، و"تفسير القرآن"، و"القولين"، و"التنبيه"، وغير ذلك.
стр. 205
وكان غلام الخلال معظمًا في النفوس، متقدمًا عند الدولة، بارعًا في مذهب الإمام أحمد. وهو معدود من نظراء الخرقي وأترابه، إذ كلاهما قد عمل في المذهب ترجيحًا واختصارًا واختيارًا. ولذلك وقع بينهما الخلاف في بعض المسائل وتقرير ما هو مذهب الإمام أحمد فيها.
قال عبد العزيز: خالفني الخرقي في مختصره في ستين مسألة. قال ابن أبي يعلى: ولم يسمها، فتتبعت أنا اختلافهما فوجدته في ثمانية وتسعين مسألة. ثم أوردها بالتفصيل والتعليق والتحقيق في كتابه "الطبقات" (١).
وكان عبد العزيز متفوقًا في الفهم، مستقلًا في الإختيار، تبعًا لما ترجح عنده من النقل أو الدليل، فلذلك نجده يخالف شيخه في كثير من اختياراته (٢). بل قال: سمع مني الخلال نحوًا من عشرين مسألة، وأثبتها في كتابه (٣).
٧ - ابن بَطة العُكْبَري (٣٠٤ هـ - ٣٨٧ ه ـ):
عُبيد الله بن محمد بن محمد، أبو عبد الله، العكبَري، البغدادي، الشهير بابن بطة.
أخذ العلم عن الخرقي، وغلام الخلال، وابن صاعد، وجماعة من طبقتهم.
وصحبه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبَوَا حفص: العكبَري والبرمكي، وأبو عبد الله الحسن بن حامد، وأبو علي بن شهاب، وأبو إسحاق البرمكي.
نشأ ابن بطة محبًا للعلم في أسرة علمية، فقد كان لأبيه ببغداد شركاء، فأشار أحدهم على أبيه بأن يبعثه إلى بغداد ليسمع الحديث، وقدكان صغيرًا، وتكفل بأخذه والعناية به نيابة عن أبيه، فحظي بمجلس ابن منيع، فسمع عنه معجمه في عشرة أيام تقريبًا.
ثم إنه سافر بعد ذلك إلى أمصار الإسلام: البصرة، ودمشق، وحمص، وأردبيل، ومكة، والثغور المختلفة، ولقي العلماء وأخذ عنهم علومًا جمة، ثم ما لبث أن رجع إلى عكبرا، ولزم بيته، وتفرغ للتصنيف وإفادة الناس، وكان أمّارًا بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيَّره.
стр. 206
وكان ابن بطة طويل اليد، متضلعاً في رواية الحديث والدفاع عن عقيدة السلف، فقد ألف في ذلك "السنن" والإبانتين "الكبرى" و"الصغرى". ولم يغفل جانب الفقه والتصدي لإفتاء الناس، وإرشادهم فيما يشكل عليهم من أموردينهم، فقد أولى ذلك عناية خاصة، ووجّه إليه همته منذ وقت مبكر، حتى ليقال: إنه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، ولهذا يرد اسمه في بعض المصادر مقرونًا بوصف: الفقيه.
وقد صنف في عدد من المسائل الفقهية، بحيث بلغت مصنفاته في هذا الشأن خمسة وعشرين مضنفاً من مجموع خمسة وثلاثين.
فلا غرو أن نجده مشاركاً في تكوين الإختيارات والترجيحات في المذهب
الحنبلي.
مؤلفاته:
مؤلفاته كثيرة، حتى إنها لتنوف على المائة، ذكر منها ابن أبي يعلى (١٩) عنوانًا، منها: "الإبانة الكبرى". و"الإبانة الصغرى" و"السنن"، و"المناسك"، و"الإمام ضامن"، وغير ذلك (١).
٨ - ابن المُسْلِم (٣٨٧ ه ـ):
عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص، العكبري، الشهير بابن المُسْلِم.
سمع من أبي علي الصواف، وأبي بكر النجاد، وأبي محمد بن موسى، وغيرهم.
ورحل إلى الكوفة والبصرة وغيرهما من البلدان، وسمع من شيوخهما. وصحب من فقهاء الحنابلة: عمو بن بدر المغازلي، وأبا بكر عبد العزيز، وأبا إسحاق بن شَاقْلَا، وأكثر ملازمة ابن بطة العكبري.
ومعرفة ابن المسلم بالمذهب الحنبلي معرفة عالية، وقد صنف فيه تصانيف عديدة، منها: "المقنع"، و"شرح الخرفي"، و"الخلاف بين أحمد ومالك"، و"رؤوس المسائل"، و"الآداب" (٢).
стр. 207
وله اختيارات في مسائل خلافية فقهية وأصولية، منها: أن كل سُنة سنَّها رسول الله ﷺ لأمته فبأمر الله، واحتج لذلك بما رواه بإسناده إلى أبي نضلة، قال: أصاب الناس على عهد رسول الله ﷺ سَنَة، فقالوا: يارسول الله سعّر لنا، فقال: "لا يسألني الله
عن سُنّة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله بها" (١). وبقوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
٩ - الحسن بن حامد (٤٠٣ ه ـ):
الحسن بن حامد بن علي، أبو عبد الله، البغدادي.
إمام الحنابلة في زمانه، ومدرسهم، ومفتيهم، ويعد واسطة العقد الحنبلي بين المتقدمين والمتأخرين.
فقد روى العلم عن أبي بكر القطيعي، وأبي بكر النجاد، وأبي بكر الشافعي، وأحمد ابن سالم الخُتَلي، ويعتبر أكبر تلامذة أبي بكر عبد العزيز، غلام الخلال.
وتفقه عليه القاضي أبو يعلى الفراء، وجماعة آخرون.
وصنف كتبًا كثيرة في علوم مختلفة، منها (٢): "الجامع في الذهب" نحو أربعمائة جزء و"تهذيب الأجوبة"، و"شرح الخرقي"، و"شرح أصول الدين"، و"شرح أصول الفقه".
وقد نقل ابن أبي يعلى في "الطبقات" مقدمة ابن حامد في كتابه "الجامع في النصب"، وسنثبتها بين يدي القارئ لما فيها من الفائدة في الكشف عن طييعة التصنيف الفقهي في ذلك الوقت.
قال ابن حامد: "اعلم أن الذي يشتمل عليه كتابنا هذا من الكتب والرواية المأخوذة، من حيث نقل الحديث والسماع، منها: كتاب الأثرم، وصالح، وعبد الله، وابن منصور، وابن إبراهيم، وأبو داود، والميموني، والمروذي، وأبو الحارث، وأبو طالب، وحنبل، وعلي بن سعيد، ومُهنا، وأبو النضر، وأبو الصقر، ويعقوب بن بختان،
стр. 208
وإبراهيم بن هانئ، وحَمْد بن علي، وجعفر بن محمد النسائي، وعبد الكريم بن
الهيثم ... وكتاب الخرقي.
فأما كتاب الأثرم، فقرأته على:
أحمد بن سَالم الختلي (١)، قال: حدثنا أبو حفص، عمر الشرابي، قال: حدثنا الأثرم، عن أبي عبد الله.
وعبد العزيز بن جعفر عن أحمد بن محمد بن خلف القاضي، عن الأثرم عنه".
وساق الأسانيد (٢) إلى الإمام الأحمد في أصول كتاب "الجامع" التي هي "السائل" بالإضافة إلى "مختصر الخرقي"، وهي أسانيد جياد تحصر طرق الرواية للفقه الحنبلي من لدن إمامه (٢٤١ هـ) إلى خاتمة علمائه المتقدمين الحسن بن حامد (٤٠٣ هـ).
ثم إن ابن حامد علق على الروايات المختلفة التي وقعت له ولمن قبله عن الإمام أحمد، بأنه يجب تقبلها كلها ما دام أصحابها "أثباتًا فيما نقلوه، أمناء فيما دونوه، وواجب تقبل كل ما نقلوه، وإعطاء كل رواية حظها على موجبها، ولا تُعَل رواية وإن انفردت، ولا تنفى عنه، وان غربت، ولا ينسب إليه في مسألة رجوع إلا ما وجد ذلك عنه نصّاً بالصريح، وإن نقل "كنت أقول به وتركناه"،وإن عَرِيَ عن حد الصريح في الترك والرجوع أقر على موجبه، واعتبر حال الدليل فيه لإعتقاده؛ بمثابة ما اشتهر من روايته" (٣).
وكان ابن حامد زاهداً، ورعاً محتاطاً، ينسخ الكتب ولقتات من أجرة النسخ، فسمي لأجل ماكثر ذلك منه: ابن حامد الوراق. وكان كثير الحج، فعوتب في كثرة سفره وحجه مع كبر سنه، فقال: لعل الدرهم الزيف يخرج مع الدراهم الجيدة (٤).
стр. 209
توفي ابن حامد شهيدًا سنة (٤٠٣ هـ) راجعًا من مكة، وهو في طريقه إلى العراق، في منزلة "واقصة" قرب الفرعاء، وهي على طريق حاجّ الكوفة، وبينها وبين "تيماء" نحو (١٥٠) كيلو مترًا، وكان ذلك ضحية عصابة لصوص من الأعراب (١).
وبهذا نكون قد تعرفنا على عدد غير حاصر لعلماء المذهب الذين دونوه وصنفوا فيه وهذبوا مسائله في مدة قرن من الزمان تقريبًا، وهو القرن الرابع، وهو أهم القرون الزمنية في أعمال المذهب الحنبلي.
стр. 210
أبرز أعمال علماء هذا الدور
عرّفنا فيما سبق بأبرز الرجال الذين خدموا الذهب في هذا الدور، ومن خلال ذلك التعريف نستطيع أن نستخلص أهم الأعمال العلمية التي قام بها أولئك الأئمة، وما هي مميزاتهما العامة، وكيف كانت حجر الأساس لمن أتى بعدهم.
ولئن كان على عاتق أصحاب الإمام الأولين أمانة حفظ تلك المسموعات، وتدوين تلك المسائل للأجيال اللاحقة، فإن على عاتق الذين جاءوا من بعدهم رسالة الجمع لتلك المدونات والمسموعات غير المدونة أيضاً، بالإضافة إلى التصنيف لها وصبها في قالب منهجي مرتب على غرار ما عرف من أساليب الكتابة في المذاهب الأخرى التي كانت تعتبر تجربة سابقة يعول عليها الحنابلة من حيث الشكل، وينسجون على منوالها فقههم الواسع المتشعب.
وتلك الأعمال تتطلب جهودًا في عملية النقل والرواية، كما تتطلب جهوداً في التبويب والترتيب، كما أن عليهم أن يختصروا الطوال ويهذبوا المختلطات، ويوضحوا المشكلات، ويكتبوا أصول فقه المذهب، وغير ذلك.
ومن خلال تتبع المصنفات التي مرت في ثنايا تراجم رجال هذا الدور يمكننا أن نقسم التأليف فيه إلى الأقسام التالية:
١ - جمع مسائل الرواية عن أحمد.
٢ - الإختصار الفقهي.
٣ - شروح المختصرات.
٤ - التآليف الجزئية المفردة.
٥ - الكتابة في أصول الفقه الحنبلي.
стр. 211
أولاً - الجمع للمسائل
لكل مذهب من المذاهب الفقهية المدونة المتبعة عملية جمع، مر بها في مرحلة من تاريخه، مع الإختلاف الملحوظ بين مذهب وآخر.
فالمذهب الحنفي، جمعه محمد بن الحسن الشيباني في تلك الكتب التي سميت فيما بعدبـ "ظاهر الرواية"، ولخصها الحاكم الشهيد في كتابه "الكافي".
والمذهب المالكي كان في بدايته عبارة عن مجموعة من الأسمعة المدونة بأيدي أصحاب الإمام، كابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وابن نافع، وغيرهم، فجاء محمد العتبي الأندلسي فجمع هذه الأسمعة وألفها في كتاب "المستخرجة من الأسمعة" وهي المعروفة عند المالكية بـ "العتبية". كما اختصر أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم ما انتهى إليه من تلك الأسمعة والكتب في "المختصر الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير"، وكان هو عمدة علماء المالكية البصريين. ثم جاء ابن أبي زيد القيرواني (٣٨٦ هـ) فاختصركتاب " المدونة" لسحنون، وألف كتاب "النوادر والزيادات على ما في المدونة من الأمهات"، فجمع في هذا الكتاب النصوص والمسائل المروية عن المذهب (١) في غير "المدونة" وذلك كـ"ـالعتبية"، و"الواضحة"، و"المبسوط"، و"الموازية"، و"المجموعة"، و"كتب ابن سحنون". وبالتالي يعتبر أبو عبد الله محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب الفضل في جمع المذهب المالكي وتقريبه لمن أتى بعده، فسهل الإختصار، وسهل الترجيح، وسهلت المقارنة. وأما المذهب الشافعي، فإنه لم يبدأ متفرقًا حتى يحتاج إلى جمع وتحرير، لأن الإمام الشافعي كتب فقهه بيده، فاختصر المزني ذلك الفقه، وكذلك فعل البويطي، وعمل الفقهاء من بعدهم تعليقات وشروحًا على مختصر المزني خاصة، وهكذا انتقل المذهب الشافعي إلى الطبقات اللاحقة سهلًا وميسرًا من أول يوم.
стр. 212
ونستطيع أن نقول: إن المذهب الحنبلي يشبه في عملية تأسيسه وتدوينه، ثم جمعه وتحريره، مذهب الإمام مالك؛ إمام دار الهجرة.
ويعتبر أبو بكر الخلال ﵀ جامع المذهب الحنبلي بحق، كما تقدم في ترجمته، فإنه جمع كتب"المسائل" وفحص رواياتها، ورتبها على أبواب العلم، وأخرجها في كتابه المَعْلَمي الكبير "جامع الروايات عن أحمد"، فلفت بهذا الأنظار، وصار مطلبًا لعلماء الأمصار، ومن هنا بدأ ظهور الإنتساب إلى الإمام، وبرز في مذهبه المشايخ الكبار، وأصبحت أصول المذهب، وخطوطه العريضة، ومصطلحاته الدقيقة، وآثاره النفيسة، محل درس وتدريس، واستقراء وتأليف، وتقريب وتلقين.
ونظرًا لوجود المذهب متفرقًا في مرويات الأصحاب المختلفة المتفاوتة في الكمية، فإن من العذر لإبن قتية (٢٧٦ هـ)، في عدم عد الإمام أحمد من الفقهاء في كتابه "المعارف"، أن نقول: إنه لو عاش حتى اطلع على جامع الخلال لكان الشأن غير الشأن، بل وكذلك يقال في الإعتذار عن ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ).
فكان "الجامع" هو الأصل في الروايات المنقولة عن أحمد ﵀ حيث تناوله المجتهدون من أصحابه بالترجيح والإختيار لما نقل من الروايات (١).
ويعتبر جامع الخلال كتابًا يحتوي على عناوين كبيرة تختلف عن العناوين التي نجدها في فهارس الكتب الفقهية المعتادة، فنجد من تلك العناوين مثلًا: كتاب الوقوف، وكتاب الترجل، وكتاب أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض، وكتاب أحكام النساء (٢) .. وهكذا. وهذا يدل على أنه لم يستوعب "المسائل" فقط، بل أفرغ مصنفات الإمام أحمد فيه. ومع هذا فقد قال ابن تيمية ﵀: وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه (٣).
стр. 213
ثانياً - الإختصار الفقهي
والإختصار تقليل الشيء، فقد يكون اختصار الكتاب بتقليل مسائله، وقد يكون بتقليل ألفاظه مع تأدية المعنى، ومن ذلك قول النبي ﷺ : "أوتيتُ جوامع الكلم، واختصر لى الكلام اختصاراً" (١).
ومن ذلك مختصرات الطرق، قال ابن قدامة المقدسي: وفائدة الإختصار التقريب والتسهيل على من أراد تعلمه وحفظه، فإن الكلام يختصر ليحفظ، ويطول ليفهم (٢).
ويعتبر ابن خلدون (٣) الإختصار في مختلف العلوم عملاً مخلًا بالتعليم وذاهبًا بفوائده المودعة في مطولاته ومبسوطاته، وذلك للأسباب التالية:
أ - الخلط على المبتدئين بتحفيظهم هذه المتون، وفيها من المسائل والبحوث التي لا يجوز إلقاؤها على الطالب إلا في نهاية المراحل التعليمية.
ب - تزاحم المعاني المفرغة في قالب الألفاظ العويصة التي صيغت بها المختصرات.
ج - عدم جدوى المختصرات في تحصيل الملكة، لإنعدام الإحالات، والتكرار، وغبر ذلك.
وعند التحقيق في تاريخ الإختصار الفقهي على الخصوص نجد أن ما أنحى به ابن خلدون إنما يتجه على تلك الإختصارات التي درج عليها الناس وألِفُوها في العصر الذي عاشه، وقبله ويعده، حيث شحنت المختصرات بالمصطلحات والألفاظ الفنية الطاغية على حلاوة الفقه ونضارته. أما الإختصارات التي قام بها علماء المذاهب المتقدمون، فهي بعيدة عن تلك المغامز، لأن فيها كثيرًا من الجهود في الجمع والتهذيب والصياغة والترتيب الفني البديع مع قلة المصطلحات. وهذا ما ينطبق على"مختصر الطحاوي" و"مختصر القدوري" في الفقه
стр. 214
الحنفي، و"مختصر ابن عبد الحكم"، و"مختصر ماليس في المختصر" لإبن شعبان، و"مختصر الوقار" في الفقه المالكي. و"مختصر المزني"، و"مختصر البويطي" في الفقه الشافعي. و"مختصر الخرقي" في الفقه الحنبلي.
هذا، وقد وقع الإختصار الفقهي للمذهب الحنبلي خلال هذا الدوركما وقع الجمع، فيكون المذهب الأحمدي قد سار سيراً طبعياً في عمليتي جمعه واختصاره في مدة زمنية لم تتجاوز القرن منذ وفاة الإمام أحمد. وكما تفرد الخلال (٣١١ هـ) بجمع المذهب، كذلك تفرد الخرقي (٣٣٤ هـ) باختصاره في هذا الدور.
ويعد "مختصر الخرقي" أول متن وُضع في الفقه الحنبلي المجرد، وضعه صاحبه على طريقة مختصر المزني (١)، واقتصر فيه على المعتمد من المذهب، وهذا يعني أنه في كل مسألة يقتصر على رواية واحدة من مجموع الروايات، ويعقدها على أنها المذهب. فيقول في كتاب الطهارة مثلاً: "وإذا كان معه في السفر إناءان: نجس وطاهر، واشتبها عليه أراقهما وتيمم" (٢). فجزم بالإراقة، مع أن صاحب "المحرر" قال: "وهل يلزمه إعدام الطهور بخلط أو إراقة أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه، وهو المذهب" (٣).
ويعتبر مختصر الخرقي وحيدًا في زمانه، صغيراً من حيث الحجم، لم تتجاوز مسائله (٢٣٠٠) مسألة (٤)، ولهذا سهل حفظه، وبنى عليه المشايخ، وجعلوه عمدتهم قراءةً إقراءً، وحفظاً، وشرحاً، بل عمدة لدى طبقات علماء المذهب الكبرى الثلاث، وهم: المتقدمون، والمتوسطون، والمتأخرون (٥). وكان واسعَ الشُّهْرَةِ عندهم مثنياً عليه أحسن
стр. 215
الثناء، حتى قال ابن البناء في مقدمة شرحه له: "وكان بعض شيوخنا يقول: ثلاثة مختصرات في ثلاثة علوم لا أعرف لها نظيرًا: "الفصيح"لثعلب، و"اللمع" لإبن جني، وكتاب "المختصر" للخرقي، ما اشتغل بها أحد وفهمها كما ينبغي إلا أفلح وأنجح" (١).
ويعتبر مختصر الخرقي غير منتسب لكتاب قبله على خلاف ما هي العادة في أن تكون المختصرات تهذيبات وتصحيحات وتصغيرات لأمهات قبلها، فمختصر الخرقي، هو مختصر لفقه الإمام أحمد نفسه (٢)، وخلاصة اجتهاده، كما أن "الرسالة" لإبن أبي زيد القيرواني (٣٨٦ هـ) تعد اختصارًا لفقه الإمام مالك بن أنس، و"مختصر المزني" يعد اختصارًا لعلم الشافعي.
ثالثا - شروح المختصرات
لم يشتهر في هذا الدور من المختصرات إلا "مختصر الخرقي" المتقدم، وبالتالي لا نجد من شروح المختصرات إلا ما شرح به المختصر المذكور.
فمن تلك الشروح: شرح المصنف نفسه على ما تذكره بعض المصادر، فقد قال ابن مفلح في مباحث النية في الصيام من كتاب "الفروع" ما نصه: " ... وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر" (٣).
وشرحه أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المعروف بـ"ابن شاقْلا" (٣٦٩ هـ)، فقد قال أبو يعلى في كتاب"العُدّة" في أصول الفقه: "وذكر أبو إسحاق في جزء وقع إلي من شرح الخرقى، فقال: "أصحابنا على وجهين، فمنهم من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذلك" (٤).
وشرحه ابن المسلم: أبو حفص عمر بن إبراهيم العكبري (٣٨٧ هـ).