كما أن شيخ الإسلام ابن تيمية جلى السياسة الشرعية، والأحكام السلطانية في مباحث رائعة بثها في مصنفاته ورسائله وفتاويه، وقد جمع الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، من فتاوي شيخ الإسلام قسماً كبيراً رسمه بعنوان "الخلافة والملك وقتال أهل البغي" (١).
ويقسم ابن تيمية الحكام إلى قسمين: خلفاء النبوة، وملوك. ويستدل بحديث رسول الله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكاً عضوضاً". والأولون، وهم خلفاء النبوة هم الذين استوفوا شروط الخلافة، وأن ذلك لم يتحقق إلا في الخلفاء الراشدين، ثم تحولت الخلافة من بعدهم إلى ملك، على أن ذلك لا يقدح في شرعيتهم، وجواز تسميتهم "خلفاء" وإن كانوا ملوكاً، ولم يكونوا خلفاء الأنبياء. واستدل على ذلك بحديث الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر". قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم". فقوله: "تكثر" دليل على من سوى الراشدين، فإنهم لم يكونوا كثيراً (٢).
ويقرر ﵀ أيضاً: أن الميزان المحكم في تقويم أعمال الناس -ومنهم الملوك- إنما هو الموازنة بين مجموع حسناتهم ومجموع سيئاتهم، فمن ترجحت حسناته على سيئاته كان مقبولاً مرضياً.
ولما كانت مصالح الملك وحسنات الإمامة والخلافة لا تتحقق في الغالب إلا ببعض المفاسد والسيئات، كان لابد من عدم الإلتفات إلى تلك المفاسد والسيئات المرجوحة في جانب المصالح والحسنات (٣)، فهناك من الخلفاء من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأمن السبل، وجهاد العدو، وقسمة المال، إلا بحظوظ منهي عنها، من الإستئثار ببعض المال، والرياسة على الناس، والمحاباة في القسم، وغير ذلك من الشهوات ... فهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر
стр. 352
سيئاً، وحكم الشريعة: أنهم لايؤذن لهم فيما فعلوه من السيئات، ولا يؤمرون به، ولا يجعل حظ أنفسهم عذراً لهم في فعلهم، إذا لم تكن الشريعة عذرتهم، لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات، ويحضون على ذلك، ويرغبون فيه، وإن علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة، كما يؤمر الأمراء بالجهاد، وإن علم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم، الذي تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد (١).
• الموقف العملي:
والموقف العملي من السلطة السياسية القائمة يوضحه جماعة من كبار علماء الحنابلة الذين كانت لهم أصداء وأيام مشهورة في الحياة الإجتماعية والسياسية الواسعة، فضلاً عن جهودهم ومآثرهم الجليلة في إثراء الفقه، وبلورة أصوله وسائر العلوم الشرعية الأخرى.
ومن أولئك الكبار:
القاضي أبو يعلى:
فقد كان ﵀ ورعاً نزيها عفيفاً زاهداً، لا ترنو عينه إلى ما عند الخلفاء والأمراء من أعراض الدنيا الزائلة، بل لا يشغل نفسه أصلاً بذلك، ولا يفكر فيه.
وهذا يظهر جليا في شروطه على الخليفة القائم بأمر الله، عندما عرض عليه القضاء، فقد نفّذ ما اشترطه فعلاً، وكان يكره الأمراء الظَّلَمة ويقاطعهم، ويأمر تلامذته بمقاطعتهم (١).
وعلى الرغم من أنه كان قد استُقضي لدى الخليفة القائم بأمر الله في الدماء والفروج والأموال بحريم دار الخلافة، إلا أن ذلك لم يؤثر عليه في علمه ورأيه ومواقفه، فلم يكن بالذي يقف في صف العباسيين في النقمة على الأمويين الذين كانت لا تزال لهم بقية في الأندلس في ذلك الوقت، خصوصاً وأن الدولة العباسية في ذلك الوقت كانت في يد الأمراء البويهيين الذين كانوا يميلون إلى الشيعة والرافضة.
ومما يؤيد هذا في القاضي أبي يعلى، أنه قد صنف كتابا سماه "تبرئة معاوية" دافع فيه عن معاوية ﵁، ورد الشبهات والإفتراءات التي وجهها خصومه إليه، ويعضهم
стр. 353
كان من بني العباس. فدل ذلك على أنه كان جريئاً إذ صنف هذا الكتاب في قلب العاصمة العباسية، وإن تصنيفه هذا لدليل على أنه عاش مستقلاً في تفكيره، عزيزاً في نفسه، رافعاً هامته، لا يخاف في الله لومة لائم.
ومنهم:
أبو الوفاء ابن عقيل:
فقد سجل مواقف سياسية رائعة، وهو تلميذ القاضي أبي يعلى.
فقد كان ابن عقيل عظيم المكانة عند الخلفاء والملوك، وكان جريئاً في الإنكار بلسانه وقلمه لما يراه من المنكرات التي يقع فيها الأمراء فضلا عن العامة. فقد كتب رسالة بعث بها إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير، وكانت شديدة اللهجة، لما ظهرت المنكرات في بناء سور بغداد على يديه (١).
وكتب رسالة أخرى إلى السلطان جلال الدولة "ملكشاه" ينقذه من براثن الباطنية، الذين أفسدوا عقيدته، ودعوه إلى إنكار الصانع، وجاء في مقدمة تلك الرسالة:
أيها الملك، اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس، فإذا فقدوه جحدوه، وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة، وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولا يمكننا جحدها، لقيام دلالة العقل على إثباتها (٢).
ومع هذا لم ينزع يداً من طاعة، ولا خرج عن الجماعة، وكانت له قيمة كبيرة عند الخلفاء، فقد تولى غسل الخليفة المستظهر بالله، ولما تولى المسترشد بالله بايعه ابن عقيل على شرطه الخاص، وقد قال في ذلك:
ولما تولى المسترشد تلقاني ثلاثة من المستخدمين، يقول كل واحد منهم: قد طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فلما صرتُ بالحضرة، وقال لي قاضي القضاة -وهو قائم بين يديه- طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ثم مددت يدي، فبسط لي يده الشريفة،
стр. 354
فصافحته بعد السلام، وبايعت، فقلت: أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله، وسنة الخلفاء الراشدين، ما أطاق واستطاع، وعلى الطاعة مني (١).
ومنهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية:
فقد عاش حالة سياسية جد حرجة، عاشتها أمتنا الإسلامية في تلك الأيام، فقد انقسم المسلمون إلى دويلات وحوزات ملوك ينظر بعضهم إلى بعض نظر العدو المفترس، ثم جاءت هجمة التتار الساحقة فكسرت الشوكة واستباحت البيضة وعاثت فساداً في بغداد، ثم الشام، وإن خير وصف لتلك الحال القاتمة ما ذكره ابن الأثير في أول غارات التتار، إذ قال:
لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر، فمنهم من أقبلوا من المشرق، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها خروج الفرنج -لعنهم الله- من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وامتلاكهم ثغرها، أي دمياط، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوا لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم، ومنها أن السيف بينهم مسلول والفتنة قائمة (٢).
هذا كلام ابن الأثير، الذي كان يؤرخ لتلك الأيام العصيبة عن مشاهدة ومعاينة ومعاصرة، فالإسلام قد هوجم من ثلاث جهات: من شرقه بالتتار، ومن غربه بالصليبين، ومن داخله بالعداوة المستحكمة بين الأمراء والفرق، وموالاة أهل الذمة للأعداء أياً كان لونهم (٣).
وقد ذكرنا فيما مضى أن أسرة الشيخ ﵀ قد انتقلت من حرَّان مهاجرة إلى دمشق بسبب غارة التتار على بلادهم.
وإننا لنجد لشيخ الإسلام مواقف جليلة مع أمراء عصره وبلده، ومع التتار المحتلين
стр. 355
الغاشمين على السواء. وكانت تلك المواقف قد أثمرتها شجاعته النادرة، وجرأته في الحق التي امتحن بسببها عدة مرات في الشام ومصر، وفَوقَّت إليه سهام النقد من أعدائه وخصومه، كما قال الشاعر (١):
حَسَدوا الفتى إذ لم ينالوا سَعْيَه ... فالقومُ أعداءٌ له وخصومُ
كضرائرِ الحسناءِ قُلْنَ لوجهِهَا ... حسداً وبَغْياً إنه لدَميمُ
فمن مواقفه مع بعض حكام عصره:
أنه بلغه في سنة ٦٩٣ هـ أن نصرانياً سب الرسول ﷺ ، وآوى إلى أحد العلويين، فحماه من غضب العامة، فثارت حمية الشيخ وغيرته على سيد الخلق، فاصطحب معه شيخ دار الحديث، وذهب إلى نائب السلطنة بدمشق (٢)، فكلماه في ذلك، فأرسل إلى النصراني، فحضر ومعه بدوي، فأغلظ القول للعامة المتجمعين، فحصبوهما بالحجارة، فأوذي الشيخ وصاحبه من قبل النائب بدعوى التحريض على ذلك.
وانتهت القصة بإسلام ذلك النصراني، واعتذر نائب السلطنة من الشيخين، وبهذه المناسبة ألف الشيخ كتابه المشهور "الصارم المسلول على ساب الرسول" (٣).
فهذه القصة تدل على أن الشيخ لم يكن قابعاً في زوايا التدريس والتعليم، غافلاً عن شؤون المجتمع، بل كان حارساً للرأي العام الإسلامي، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ملتزماً في ذلك ضوابط الشرع وحدوده من تبليغ أولي الأمر ما يحدث في سلطتهم مما هو من مسؤولياتهم، ولا يخشى في ذلك لومة لائم.
ولما غزا التتار الشام سنة ٦٩٩ وهزموا عساكر الناصر بن قلاوون، وشتتوهم شذَر مذَر، بعد أن أبلى الجميع بلاء حسناً، فولى جند مصر والشام الأدبار، واجتازوا دمشق إلى مصر لائذين بالفرار، ومعهم أعيان العلماء والقضاة والوجهاء، حتى صار البلد شاغراً من الحكام والكبار (٤).
стр. 356
لما استولت تلك الحالة المأساوية الذاعرة على الشام جمع ابن تيمية جماعة من الأعيان، واتفق معهم على ضبط الأمور، وأن يذهب على رأس وفد منهم يخاطبون قائد التتار (قازان) في الإمتناع عن دخول دمشق. قال ابن كثير: وكلمه الشيخ تقي الدين كلاماً قوياً شديداً، فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، ولله الحمد (١).
ويروي لنا بعض أصحابه صورة من ذلك اللقاء، فيقول:
كنت حاضراً مع الشيخ، فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل، ويرفع صوته، ويقرب منه ... والسلطان مع ذلك مقبل عليه، مصغ لا يقول، شاخص إليه، لا يعرض عنه، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله في قلبه من الهيبة والمحبة سأل: من هذا الشيخ؟ إني لم أر مثله، ولا أَثبَتَ قلباً منه، ولا أَوْقَع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقياداً لأحد منه، فأُخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل (٢).
وكان لذلك اللقاء أثره في دمشق إلى حين، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، إلا أن الأمور تغيرت بعد ذلك بسبب همجية التتار وإيغالهم في الفساد والتخريب، ففعلوا في دمشق الأفاعيل المنكرة الشهيرة (٣)، مما أثار غيرة ابن تيمية على الإسلام وأهله، فصار يحث على القتال قولاً وفعلاً، وأصدر بذلك عدة فتاوى مطولة في شأن التتار، والحكم فيهم، بعد أن علم من حالهم الداخلية أنهم ينتسبون إلى الإسلام بالإسم فقط (٤).
وقد استمرت جهود ابن تيمية في تلك الأيام قوية، لأن العامة رأوا فيه ناصرهم، وولاة الأمور رأوا فيه قوة لهم، وقد استمر على درسه يلقيه، ولم يكن طالب منصب يبتغيه (٥)، بل استمر مبتعداً عن المناصب، ولكن كان يؤخذ رأيه في تولية المناصب العلمية آنذاك، فإنه لما توفي ابن دقيق العيد سنة ٧٠٢ هـ، وكان شيخاً لدار الحديث، أشار ابن تيمية بتعيين الشيخ كمال الدين الشريشي في محله، كما أشار بتعيين من اختارهم للخطابة ولرياسة المدارس المختلفة (٦).
стр. 357
فكان في الجملة -كما وصفه ابن رجب - قد أعلى اللهُ منارَهُ، وجَبَل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالباً، وعلى طاعته، وأحيا به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتار والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأبّ النفاق، وأبدى صفحته (١).
* * *
стр. 358
المبحث السادس
أضواء على الإجتهاد عند فقهاء الحنابلة
يتميز مذهب الإمام أحمد عن بقية المذاهب الأخرى بأنه دُوِّنَ، وحُرِّرَ، ونُقّحَ، في فترة زمنية شملت عدة طبقات من أصحابه، لذلك نجد هذا المذهب غنيًا بالمجتهدين الذين عاشوا في القرون: السادس والسابع والثامن، فضلاً عن المتقدمين، وذلك من أمثال: أبي الخطاب، وابن عقيل، وابن الجوزي، وموفق الدين ابن قدامة المقدسي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم (١).
فهؤلاء أثروا المذهب بالتأليف والترجيح للروايات، والإستدلال عليها، والتفريع والتخريج.
والسبب في تمدد عمل التدوين والتحرير والتنقيح على مدى تلك الفترة الطويلة التي كان لها فضلٌ كبير في توفر عدد كبير من المجتهدين في هذا المذهب الجليل، السبب في ذلك يعود إلى نشأة المذهب في ذاته، وكيفية تكوّنه في أيامه الأولى.
وفحوى ذلك: أن الإمام أحمد كان لا يرضى لنفسه ولا لأحدٍ من تلامذته أن يُدوّن كلامه، بل كان يفضّل أن لا تُدون آراء الرجال، وأن الإكتفاء بتدوين السنة بما فيها من المرفوع والآثار الموقوفة على الصحابة، بالإضافة إلى اجتهادات التابعين، كان يرى أن ذلك يُغني عن آراء الرجال الذين جاءوا من بعدهم. فكان من شأن موقف الإمام أحمد هذا أن اختلفت الرواية في نقل فتاويه واجتهاداته وسائر آرائه اختلافاً أدى إلى تميز هذا المذهب بتعدد الأقوال المنصوصة، ونما المذهب فيما بعد في طي هذا التعدد، بالإضافة إلى الوجوه المخرجة للأصحاب، الأمر الذي أتاح لمجتهدي الترجيح والإختيار مجالاً رحباً في توظيف آلة الإجتهاد وإعمال النظر والتحقيق. وتلك كانت سمة من سمات المذهب الحنبلي وفّرت مساحة اجتهادية أمام فقهاء المذهب في مختلف طبقاتهم.
стр. 359
بالإضافة إلى ذلك، فإن الأقوال القديمة للإمام أحمد، وهي الأقوال المرجوع عنها، لم يكن الأصحاب ليتصرفوا بشأنها بالطرح والنسيان، ولم يعاملوها معاملة المنسوخ، بل وضعوها على بساط البحث والنظر، لتشكل آراء أخرى منسوبة إلى مَن قال بها من أصحاب الوجوه، وفي ذلك يقول الطوفي:
قيل: قد كان القياس أن لا تُدون تلك الأقوال -يعني الأقوال القديمة المرجوع عنها- وهو أقرب إلى ضبط الشرع، إذ ما لا عمل عليه لا حاجة إليه، فتدوينه تعب محض، لكنها دُونت لفائدة أخرى، وهي التنبيه على مدارك الأحكام واختلاف القرائح والآراء، وأن تلك الأقوال قد أدى إليها اجتهاد المجتهدين في وقت من الأوقات، وذلك مؤثر في تقريب الترقي إلى رتبة الإجتهاد المطلق أو المقيد، فإن المتأخر إذا نظر إلى مآخذ المتقدمين نظر فيها، وقابل بينها، فاستخرج منها فوائد، وربما ظهر له من مجموعها ترجيح بعضها، وذلك من المطالب المهمة، فهذه فائدة تدوين الأقوال القديمة عن الأئمة، وهي عامة.
وَثَمَّ فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله، وذلك أن بعض الأئمة، كالشافعي ونحوه نصُّوا على الصحيح من مذهبهم، إذ العمل من مذهب الشافعي على القول الجديد، وهو الذي قاله بمصر، وصنف فيه كتاب الأم ونحوه. ويقال: إنه لم يبقَ من مذهبه شيء لم ينص على الصحيح منه إلا سبع عشرة مسألة، تعارضت فيها الأدلة، واختُرم قبل أن يحقق النظر فيها، بخلاف الإمام أحمد ونحوه، فإنه كان لا يرى تدوين الرأي، بل همه الحديث وجمعه، وما يتعلق به، وإنما نَقَلَ المنصوصَ عنه أصحابُه تلقياً من فيه، من أجوبته في سؤالاته وفتاويه، فكل من روى منهم عنه شيئاً دونه، وعُرِف به، كمسائل أبي داود، وحرب الكرماني، ومسائل حنبل، وابنيه صالح، وعبد الله، وإسحاق بن منصور، والَمرُّوذِي، وغيرهم ممن ذكرهم أبو بكر في أول "زاد المسافر" وهم كثير، وروى عنه أكثر منهم، ثم انتدب لجمع ذلك أبو بكر الخلَّال في "جامعه الكبير"، ثم تلميذه أبو بكر في "زاد المسافر"، فحوى الكتابان علماً جمّاً من علم الإمام أحمد ﵁، من غير أن يُعلم منه في آخر حياته الإخبار بصحيح مذهبه في تلك الفروع، غير أن الخلَّال يقول في بعض المسائل: هذا قولٌ قديمٌ
стр. 360
لأحمد رجع عنه، لكن ذلك يسير بالنسبة إلى ما لم يُعلم حاله منها، ونحن لا يصح لنا أن نَجْزم بمذهب إمام حتى نعلم أنه آخر ما دونه من تصانيفه ومات عنه، أو أنه نص عليه ساعة موت، ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب أحمد، والتصحيح الذي فيه، إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده، كإبن حامد، والقاضي وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي -رحمة الله عليهم أجمعين-، لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا، لا يحصل الوثوق من تصحيحهم لذهب أحمد، كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعاً، فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء، وبلغ من العلم درجتهم أو قاربهم، جاز له أن يتصرف في الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرفهم، ويُصحح منها ما أدى اجتهاده إليه، وافقهم أو خالفهم، وعمل بذلك وأفتى. وفي عصرنا من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحرّاني حرسه الله تعالى، فإنه لا يتوقف في الفُتيا على ما صححه الأصحاب في المذهب، بل يعمل ويفتي بما قام عليه الدليل عنده، فتكون هذه فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله لتدوين النصوص ونقلها، والله تعالى أعلم بالصواب (١). اهـ.
فهذه السعة الإجتهادية انعكست صورتها على آراء المجتهد شيخ الإسلام أحمد ابن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (٧٢٨ هـ) فيما عُرف بـ "اختيارات ابن تيمية".
стр. 361
اختيارات ابن تيمية
• تعريف "الإختيارات ":
كلمة اختيار كلمة تتردد في كتب الفقه والأصول تردداً اصطلاحياً خاصّاً، وجمعها "اختيارات"، فهي من لغة الفقهاء واصطلاحاتهم، ومدلولها اللغوي واضح لا يحتاج إلى تفسير.
وجاءت هذه الكلمة متكررة في تراجم كثير من مجتهدي المذهب المترجَمين في "طبقات ابن أبي يعلى" (٥٢٦ هـ)، فإنه كثيراً ما يصف المترجَم بقوله: له الإختيارات في المسائل المشكلات، أو: له الإختيارات في المذهب، أو ما يشبه ذلك.
فالاختيار يعني: الإنتقاء من الخلاف المذهبي، بناء على اجتهاد في الترجيح للقول أو الرواية أو الوجه الذي يختاره الفقيه المنتسب. وقد يخرج الإختيار بصاحبه عن المذهب كلية لا يقتضيه الدليل.
والإختيار قد يكون مطلقاً بحيث لا يتقيد بأحد المجتهدين في المذهب، بل يتخير الفقيه من أقوالهم وتخريجاتهم، أو من الروايات المختلفة المروية عن الإمام ما يؤيده الدليل وتساعده الأصول، ويفتي به.
وقد يكون الإختيار مقيداً بالخلاف مع أحد المجتهدين، كاختيارات غلام الخلَّال التي خالف فيها شيخه الخلال، واختياراته التي خالف فيها شيخه الخرقي، فاختياراته هذه ليست مطلقة، بل هي مقيدة بما قرره الخلَّال أو الخرقي مذهباً للإمام أحمد ﵀.
فإذا تبين هذا، فالاختيارات المعروفة في الفقه الحنبلي ترجع في مجموعها إلى هذين القسمين:
إما اختيارات مطلقة، كما هي اختيارات شيخ الإسلام التي نتحدث عنها. وإما اختيارات مقيدة شاعت كثيراً في الأدوار التي كان المذهب يتكامل فيها، ويتنسق، ويُحرر.
• التأليف في الإختيارات:
ألف علماء الحنابلة عدة كتب في فن الإختيارات الفقهية تأليف تدل على السعة الإجتهادية التي تميز بها فقهاء هذا المذهب، ومارسوها في الصناعة الفقهية. فمن ذلك:
стр. 362
١ - الإختيارات، لبهاء الدين المقدسي. (٦٢٤ هـ)
٢ - اختيارات ابن تيمية، جمع برهان الدين ابن القيم (٧٦٧ هـ).
٣ - اختيارات ابن تيمية، جمع محمد بن أبي بكر العلائي. (١٠٥١ هـ)
٤ - اختيارات ابن تيمية، جمع علاء الدين ابن اللحام (٨٠٣ هـ).
٥ - الإختيار في بيع العقار، ليوسف بن عبد الهادي (٩٠٩ هـ).
٦ - المختارات الجلية من المسائل الفقهية، للشيخ عبد الرحمن السعدي (١٣٧٦ هـ) صاحب "الفتاوي السعدية".
٧ - اختيارات ابن قدامة صاحب المغني، لعبد العزيز الغامدي.
٨ - اختيارات ابن القيم الفقهية في العبادات، لعبد العزيز الغامدي.
٩ - اختيارات ابن القيم الفقهية في المعاملات، لعبد العزيز الغامدي.
ونجد جملة وافرة من الإختيارات والتفردات في طي كتب التراجم، خصوصاً طبقات ابن أبي يعلى، وابن رجب الحنبلي، مما يمكن أن يُجمع منه كتاب حافل.
• اختيارات ابن تيمية ومميزاتها:
أولاً: نماذج منها (١):
يرى ﵀:
أ - ارتفاع الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، وبالمتغير بطاهر، وبماءٍ خلت به امرأة لطهارة، وبالمستعمل في رفع الحدث (٢).
ب - جواز المسح على النعلين والقدمين -أي معهما- وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين (٣).
جـ - المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه (٤).
د - جواز المسح على اللفائف ونحوها (٤).
стр. 363
هـ - جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور .. وكذا خائف فوات الجمعة والعيدين وهو محدث (١).
و- المرأة إذا لم يمكنها الإغتسال في البيت أو شق عليها النزول إلى الحمام، وتكرره أنها تتيمم وتصلي (١).
ز - لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، ولا لسن الإياس من الحيض. وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها (٢).
حـ - تارك الصلاة عمداً لا يجب عليه القضاء ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل (٣).
ط - يجوز القصر في قصير السفر وطويله (٤). وأن سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة (٥).
ثانياً: مميزاتها:
تتميز اختيارات ابن تيمية بكونها لا تتقيد بالمذهب الحنبلي على ما هو الغالب في الإختيارات، ولكنها آراء مختارة من الفقه الإسلامي الواسع الرحيب من غير تقيد بمذهب من بينها، يتخير منها ولا يتقيد، إلا أنه يميل إلى المذهب الحنبلي في الغالب (٦).
فاختيارات شيخ الإسلام تدل على مدى قدرته الواسعة في الإجتهاد، مع مراعاة الموافقة لفقهاء الصحابة أو التابعين أو الأئمة المجتهدين الذين جاءوا من بعدهم، ولو كان ذلك خارج نطاق المذاهب الأربعة ما دام الدليل هو السائق إليه، وما دامت المسألة خلافية يصح فيها الإجتهاد، ولم تنحسم بإجماع يعتد به وتحرم مخالفته.
وهذه نماذج من تلك الإختيارات الخارجة عن نطاق المذاهب الأربعة:
ففي الطهارة يقول: وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان (٧).
стр. 364
فأنت تلاحظ أنه في هذه المسألة خالف أئمة المذاهب الأربعة، لكن وافق أربعة من غيرهم.
ويقول في باب المسح على الخفين: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري (١).
فقد وافق الحسن البصري من فقهاء التابعين، واستعمل في ذلك القياس على عدم وجوب الإعادة لمسح الرأس بعد الحلق، وهو قول الجمهور، والصحيح من مذهب الإمام أحمد.
ويقول في كتاب البيع: وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، فلو باع جارية، وشرط على المشتري: إن باعها فهو أحق بها بالثمن، صح البيع والشرط، ونقل عن ابن مسعود ﵁ (٢).
هذه نماذج من اختياراته التي لم يتقيد فيها بالمذاهب الأربعة. وإذا كان كذلك، فكونه يختار ما يتوافق مع بعض المذاهب الأربعة من باب أولى.
وهذه بعض الأمثلة:
ففي الطهارة يقول: والأحداث اللازمة، كدم الإستحاضة، وسلس البول، لا تنقض الوضوء مالم يوجد المعتاد. وهو مذهب مالك (٣).
ويقول في باب الحيض: ويجوز للحائض قراءة القرآن، بخلاف الجنب، وهو مذهب مالك. وحُكي رواية عن أحمد (٤).
وفي البيع يقول: وإن اصطرفا ديناً في ذمتهما جاز، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة، ومالك، خلافاً لما نص عليه أحمد (٥).
стр. 365
• الأسس التي ترتكز عليها اختيارات شيخ الإسلام:
بعدما تبين أن اختيارات ابن تيمية هي اختيارات من الخلاف داخل المذهب الحنبلي في الكثير منها، والقليل الباقي هو اختيار من الخلاف العالي -أي الخلاف خارج المذهب الواحد- في نطاق المذاهب الأربعة، أو خارج نطاقها، بعد معرفة ذلك نحاول أن نكشف عن الأسس والمنطلقات التي بنى عليها ابن تيمية اختياراته. ولا شك أن تلك الأسس والمنطلقات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنزلة ابن تيمية في مراتب المجتهدين، ثم في منهجه في الفتوى وأصوله في التصرف بشأنها.
• مرتبة ابن تيمية في طبقات المجتهدين:
درج المتأخرون من علماء الأصول على ترتيب المجتهدين في عدة مراتب، وقسموهم إلى طبقات متعددة، بعضها فوق بعض. قال ابن بدران في "المدخل":
جعل بعض المتأخرين أقسام المجتهدين على خمس مراتب، وممن علمناه جنح إلى هذا التقسيم أبو عمرو ابن الصلاح، وابن حمدان من أصحابنا في كتابه "أدب المفتي" وتلاهما شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، فإنه نقل في "مسودة الأصول" كلام ابن الصلاح ولم يتعقبه، وتبعهم العلامة الفتوحي في آخر كتابه "شرح المنتهى" الفقهي (١).
وخلاصة هذه المراتب حسبما في آخر "الإنصاف" للمرداوي:
أن المجتهدين ينقسمون إلى قسمين:
- القسم الأول: المجتهد المطلق، وهو الذي اجتمعت فيه شروط الإجتهاد التي ذكرها ابن قدامة في "المقنع" في شروط القاضي، لدى قوله: "والمجتهد من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵇ والحقيقة والمجاز ... " (٢) الخ. إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة، وأحكام الحوادث منها، ولا يتقيد بمذهب أحد.
стр. 366
- القسم الثاني: المجتهد المقيد، وهو المجتهد في مذهب إمامه، أو إمام غيره، وأحواله أربعة:
الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكنه سلك طريقه في الإجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيراً منه على أهله، فوجده صواباً، وأولى من غيره، وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عالماً بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادراً على التخريج والإستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه. وهذه مرتبة أصحاب الوجوه والطرق في المذاهب.
الحالة الثالثة: أن لا يبلغ به رتبة أئمة المذهب من أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره، ونصرته، يصور، ويحرر، ويمهد ويقوي، ويزيف، ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك.
وهذه صفة المتأخرين الذي رتبوا المذاهب، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب، ونقله وفهمه، فهو حجة في نقل المذهب وفتواه به، على أنه مخبر ناقل، لا مجتهد مستنبط، ولا يجتهد إلا في المسائل التي تتشابه مع المنصوصات بغير كبير تأمل ولا فكر. وكذلك المسائل التي يعلم أنها تندرج تحت ضابط من الضوابط الفقهية (١).
إذا تبين هذا، فأين يرتب شيخ الإسلام؟ لا شك أن فتاويه التي أفتى بها على خلاف مذهب الإمام أحمد تدل على أنه إما مجتهد مطلق، وإما مجتهد مقيد من الدرجة الأولى. وقد عده المرداوي في "الإنصاف" (٢) مجتهداً مطلقاً، فقال: قد ألحق طائفة من أصحابنا المتأخرين بأصحاب هذا القسم -يعني القسم الأول- الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمة الله عليه- وتصرفاته في فتاويه، وتصانيفه تدل على ذلك. ا. هـ.
стр. 367
ومعنى ذلك: أن شيخ الإسلام يستقل بأصول في الإجتهاد والفتوى عن الأئمة الأربعة، ومنهم الإمام أحمد، ولكن تلك الأصول التي استقل بها تتشابه إلى حد بعيد مع أصول الإمام أحمد.
ويذهب الشيخ محمد أبو زهرة إلى القول بأن شيخ الإسلام معدود في المجتهدين المنتسبين، أي: إنه عنده مجتهد ضمن المذهب الحنبلي. فقال: ولقد غالى فيه بعضهم فادعى أنه من أصحاب الإجتهاد المطلق الذي لم ينتسب إلى مذهب من المذاهب، وعلى ذلك يكون القول المعتدل الذي لا مغالاة فيه ولا شطط، ولا بخس ولا وكس: إنه مجتهد منتسب (١).
وكلام الشيخ ﵀ غير مسلم لعدة أسباب، منها:
أولاً: أنه اعتبر من وصفه بالإجتهاد المطلق مغالين فيه، وأنهم يقعون على الطرف النقيض من أولئك الذين ينزلون به عن درجات الإجتهاد كلية لسبب العداوة والخصومة، ونحن لا نستطيع أن نتعرف على عالم من علماء المسلمين الذين غبروا إلا من خلال تلك الكتب التي عرّفت به أو الآثار التي تركها ووصلت إلينا، ولا يجوز لنا أن نعتبر كلامهم مغالاة أو اشتطاطاً إلا إذا تبين ذلك بوضوح.
وقد تقدم أن المرداوي يعتبره من المجتهدين على الإطلاق، وهو من علماء المذهب المحققين، الذين لا يطلقون الكلام جزافاً ولا مبالغة.
ووصفه ابن رجب في "الطبقات" (٢) بأنه: الإمام الفقيه المجتهد المحدث ... إلخ. وعادته ﵀ أن لا يصف كبار الحنابلة بوصف "المجتهد" فضلاً عن صغارهم، فدل ذلك أنه يعتبره مجتهداً مطلقا.
وقال الذهبي فيه: وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة ... إلى أن قال: وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده (٣).
стр. 368
وقال في موضع آخر: وإن عُد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق (١)، وقال البرزالي-وهو تلميذه-: وبلغ رتبة الإجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين (٢)، ولا ريب أنه يعني بذلك المجتهد المطلق، لأن شروط المجتهدين التي نص عليها الأصوليون والفقهاء هي الشروط التي تؤهل الفقيه إلى رتبة الإجتهاد المطلق.
فهذه الشهادات، وغيرها مما تركناه، تدل على أنه كان مجتهداً مطلقاً في نظر أولئك الذين يعرفونه عن قرب، ويشهدون على المعاينة، أو النقل القريب. وبالتالي لا يعتبر التوسط بين هؤلاء وبين أولئك الذين ظلموه ويخسوه حقه عدالة في القول وصواباً في الحكم وتجانفاً عن الغلو.
ثانياً: أن كثيراً ممن ترجم له وصفه بأنه كامل المعرفة بالقرآن وعلومه، والحديث وفنونه، واللغة ومباحثها، والأصلين، وغير ذلك مما يعده الأصوليون في الشروط المطلوبة في المجتهد. وإذا كان الذي يحفظ أحاديث الأحكام بالإضافة إلى الدراية بعلوم السنة محصلاً لشرط الإجتهاد المطلق في ذلك، فكيف برجل قيل فيه: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث (٣)؟!!
بل قد صرح الكمال ابن الزملكاني باستكمال شروط الإجتهاد لدى ابن تيمية، فقال: اجتمعت فيه شروط الإجتهاد على وجهها (٤).
ثالثاً: إن الشيخ أبا زهرة نفسه يقرر استقلال شيخ الإسلام بأصول يتميز بها عن غيره في الإجتهاد، فيقول مثلاً: إنه بلا شك من حيث أدوات الإجتهاد، والمدارك الفقهية، ومن حيث علمه بالسنة واللغة ومناهج التفسير، وفهمه للقرآن، وأصول السنة وإحاطته بالحديث دراية ورواية، يوضع في الدرجة الأولى من الإجتهاد المطلق (٥). لكنه مع ذلك لم يجعله مجتهداً مستقلاً، لكونه يدور في فلك المذهب الحنبلي في نتائج الإجتهاد، حيث يتفق غالباً مع مذهب أحمد، ولو في بعض الروايات التي نُقلت عنه.
стр. 369
وهذا لا حجة فيه، لَما عَلمنا من أن الروايات عديدة في مذهب الإمام أحمد، حتى إننا لو اعتبرنا تلك الروايات مذهباً له على إطلاقها دون إعمال قواعد الترجيح والإعتماد والتمييز، إذاً لإستغرق مذهبه الخلافَ الموجودَ بين الصحابة والتابعين، ولم يبق من تفردات الإمام أحمد المطلقة عن بقية المذاهب إلا النادر الذي لا يلتفت إليه عادة.
ولا شك في أن شيخ الإسلام وليد المدرسة الحنبلية، وأنه من أتقن الناس معرفة بمذهب إمام السنة أصولاً وفروعاً، فهذا لا يجادل فيه أحد، ولا مجادلة في أن تفردات ابن تيمية عن المذهب الحنبلي قليلة. وكذلك عن المذاهب الأربعة هي أقل، ولكن ذلك لا يمنع من صحة ما ترجح، لأن الإنسان مهما اجتهد في الأزمنة المتأخرة، فإنه لابد أن ينتهي إلى ما يوافق أحد المذاهب الأربعة، ولو في قول مرجوح، أو في وجه من الوجوه، أو في إحدى الروايات التي لم يعتمدها المتأخرون. وذلك لا يعد مانعاً من أن يبلغ العالم من المتأخرين ما بلغه المتقدمون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
• منهج ابن تيمية في الفتوى والإجتهاد:
ويسلك شيخ الإسلام في منهاجه العام في الإجتهاد والفتوى مسلك الإمام أحمد، وأصوله العامة، لأنها أصح الأصول في نظره، كما أنه يضيف إلى ذلك أصول أهل المدينة وعلى رأسهم إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀، وهو يعتبر أصولهم راجحة على أصول غيرهم، وأنها تتشابه في الجملة مع أصول الإمام أحمد.
هذا ما يلحظ من خلال تفحص فتاويه ومباحثه المتعلقة بالمذاهب، فقد قال بصدد ترجيح أصول الإمام أحمد ما نصه:
"ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع، وأحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره، ولا يوجد له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحاً، كقوله بجواز فسخ الإفراد والقِران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة ... وأما ما يسميه بعض الناس مفردة لكونه انفرد بها
стр. 370
عن أبي حنيفة والشافعي، مع أن قول مالك فيها موافق لقول أحمد أو قريب منه .... فهذه غالبها يكون قول مالك وأحمد أرجح من القول الآخر، وما يترجح فيها القول الآخر يكون مما اختلف فيه قول أحمد، وهذا: كإبطال الحيل المسقطة للزكاة والشفعة، ونحو ذلك الحيل المبيحة للربا والفواحش ونحو ذلك، وكاعتبار المقاصد والنيات في العقود، والرجوع في الأيمان إلى سبب اليمين، وما هيجها مع نية الحالف، وكإقامة الحدود على أهل الجنايات، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون يقيمونها، كما كانوا يقيمون الحد على الشارب بالرائحة والقيء ونحو ذلك، وكاعتبار العرف في الشروط، وجعل الشرط العرفي كالشرط اللفظي، والإكتفاء في العقود المطلقة بما يعرفه الناس، وإن ما عده الناس بيعا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، وما عدوه وقفاً فهو وقف، لا يعتبر في ذلك لفظ معين، ومثل هذا كثير" (١).
فأنت تلمس من خلال هذا، أن شيخ الإسلام يفضل المذهبين ويقارب بينهما، لأنهما يعتمدان جميعاً في الأصول الإجتهادية ما يلي:
- الإعتداد بسد الذرائع وإبطال الحيل التي تؤدي إلى هدم مقاصد الشارع.
- الإعتبار للمعاني والمقاصد في العقود وعدم التركيز على الألفاظ المعبرة عنها.
- إعمال السياسة الشرعية في تنفيذ الحدود والزجر عن الجرائم.
- الإعتبار للعرف في الشروط وألفاظ العقود وغير ذلك مما لا يتناقض مع نصوص الشرع.
وقد حُفظ في فتاويه ﵀ كلام مطول نحو مائة صفحة تحت عنوان: "صحة أصول أهل المدينة" (٢).
وهذه بعض المقتطفات المهمة منه:
"مذهب أهل المدينة النيوية -دار السنة ودار الهجرة ودار النصرة ... - مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين، وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقا وغرباً، في الأصول والفروع ... وفي القرون التي أثنى عليها رسول الله ﷺ ، كان مذهب
стр. 371
أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن، فإنهم كانوا يتأسون بأثر رسول الله ﷺ أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية واتباعها ... ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة ... فأما الأعصار الثلاثة المفضلة، فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين، كما خرج من سائر الأمصار ... وهذا باب يطول تتبعه، ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم لطال الكلام. إذا تبين ذلك، فلا ريب عند أحد من أن مالكا ﵁ أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه ...
وأما الحديث فأكثره نجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين، وإنما تركه طائفة من أصحابه، كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. وأهل المدينة رووا عن مالك الرفع، موافقاً للحديث الصحيح الذي رواه ... إذ قلَّ من سنة إلا وله قول يوافقها، بخلاف كثير من مذهب أهل الكوفة، فإنهم كثيراً ما يخالفون السنة، وإن لم يتعمدوا ذلك.
ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما". اهـ.
ثم ساق شيخ الإسلام في آخر البحث أمثلة كثيرة مما ذهب إليه أهل المدينة في العبادات والمعاملات والجنايات، وانتصر إليه بالحجة والدليل والنظر إلى مقاصد الشريعة وحكمة التكليف، وهو في ذلك كله ينظر بالمنظور الحنبلي، ويزن بميزانه، مما يدل في النهاية أن ابن تيمية ﵀ جمع بين أصول الحنابلة وأصول أهل المدينة، وجعلها منهاجاً يسير عليه في الفتوى والإجتهاد والترجيح بين أقوال العلماء في الكليات والجزئيات.
стр. 372
الفصل الرابع
أبرز مؤلفات المذهب الحنبلي
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف.
المبحث الثاني: في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.
المبحث الثالث: في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب.
стр. 373
تَمْهِيدْ
تعتبر مكتبة المذهب الحنبلي ثروة هائلة في الفقه الإسلامي، في أصوله وفروعه، وقد تكونت هذه المكتبة عبر الأدوار التي مر بها هذا المذهب في تاريخه وتطوره.
وكما سبق تركز المذهب الحنبلي في بغداد، ثم في الشام (دمشق - بعلبك - نابلس) ثم في مصر، ثم في المملكة العريية السعودية، فقد كانت المكتبة الحنبلية هي الأخرى تتبع ذلك التركز والتوضع في تطورها، وتكاملها.
ولا يخفى أن الإمام أحمد ﵀ كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على الرأي في أول أمره، كما مرَّ في سيرته، وذلك يستلزم بالحتم والتأكيد كراهة التأليف في الفقه وأصوله، لأن الفقه فيما عدا منصوصات الكتاب والسنة، إنما هو الرأي والقياس والإجتهاد.
ومن هنا، فإن فقه الإمام المبجل حُفظ ودون بواسطة جهود أولئك التلاميذ الذين كانوا يحيطون به، ويسمعون منه الأجوبة عن الأسئلة التي كانوا يسألونه إياها، أو يُسأل عنها بحضرتهم، فمنهم من دونها مباشرة، ومنهم من حفظها واستودعها ذاكرته، حتى إذا جاء وقت الحاجة دونها، وأملاها على تلامذته من الطبقة الثانية.
ثم جاء الخلَّال فجمع تلك المسائل بقدر ما أمكنه، فأدى واجب الكفاية في لَمِّ شمل هذا المذهب الجليل، وتدوينه تدويناً منهجياً يسهل على من جاء بعده معرفة المذهب الأحمدي وفاقاً وخلافاً وتوقفاً.
ثم جاءت أدوار التنقيح، والتهذيب، والتخريج، والإستدلال بالمنقول والمعقول، ووضع الأصول، والقواعد والضوابط، وغير ذلك من الأعمال الفنية والعلمية التي أخرجت الفقه الحنبلي إخراجاً كلاملاً، لا ينقصه شيء، على غرار المذاهب الأخرى التي مرت بنفس المراحل في التنقيح، والتهذيب، والتخريج، والإستدلال، والتأصيل.
ولا ريب أن اختلاف الروايات عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة كان من المشكلات التي واجهت مقرري المذهب، ومحرريه، ومصححيه، إلا أنهم استطاعوا بفضل الله
стр. 374
وتوفيقه أن يصلوا إلى ييان الصحيح من الضعيف، والراجح من المرجوح، والمحفوظ من الشاذ في تلك الروايات، كما أوضح المرداوي ذلك في "تصحيح الفروع" وابن بدران في "المدخل" (١).
ويهذه الجهود الضخمة خلف علماء الحنابلة تراثاً فقهياً ضخماً يتمثل في مصنفاتهم الكثيرة والمتنوعة، كثرة وتنوعاً تستعصي على الاستقصاء، وتعزب عن الحصر والإحاطة، وكيف لا، وهذا "مختصر الخرقي" عليه المئات من الشروح، حتى قال يوسف بن عبد الهادي (٩٠٩ هـ) في آخر شرحه لغريب هذا "المختصر": قال شيخنا عز الدين المصري، إنه ضبط له ثلاثمائة شرح، وقد اطلعنا له على قريب العشرين شرحاً (٢).
وسنحاول أن نعرف بأهم المؤلفات في المذهب الحنبلي، التي اعتمد عليها العلماء والطلاب والباحثون، وعم نفعها، وبنى عليها الفقهاء في الفتوى والتأليف،- ولن نستقصي هنا في سرر المصنفات لأن ذلك سيكون بإذن الله في قسم مستقلٍّ خاصٍّ بذكر مؤلفات الحنابلة.
وذلك في ثلاثة مباحث رئيسة:
المبحث الأول: في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف.
المبحث الثاني: في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.
المبحث الثالث: في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب.
стр. 375
المبحث الأول
في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف
كانت مراحل تدوين الفقه الإسلامي شبيهة بمراحل تدوين السنة وعلومها، فقد كان الفقه في نشأته المبكرة مدوناً في جوامع لمسائله الروية عن أئمته بالسند المتصل، ثم أفرغت تلك الجوامع في مصنفات مبوبة ومرتبة ترتيباً أكثر منهجية، وأوضح تبويباً، وأدق ترتيباً، وهكذا شيئاً فشيئاً، حتى تشعب إلى شعب وفنون مختلفة سواء من الناحية الشكلية أو من الناحية الموضوعية.
ويمكن أن نضبط تلك الفنون والشعب التي توزعتها التصنيفات، وتناولتها البحوث والتأليفات، بعشرة أنواع:
١ - التأليف في الفقه العام الشامل للموضوعات.
٢ - التأليف في موضوعات فقهية مفردة.
٣ - التأليف في فقه الخلاف أو الفقه المقارن.
٤ - التأليف في القواعد والفروق والضوابط والكليات.
٥ - التأليف في أصول الفقه وأدب الفتوى.
٦ - التأليف في لغة الفقهاء أو المعاجم الفقهية أو فقه المصطلحات.
٧ - التأليف في المفردات والغرائب والنوادر.
٨ - التأليف في الإختيارات الفقهية.
٩ - التأليف في الفتاوي.
١٠ - التأليف في الألغاز.
التأليف في الفقه الشامل للموضوعات:
نقصد بالفقه العام، أو الفقه الشامل للموضوعات، مجموع الأحكام التكليفية والوضعية، وما يتصل بها ويتبعها، والتي تنتظم الحياة الإنسانية في حالتيها الفردية والجماعية.
стр. 376
وقد درج الفقهاء على تقسيم موضوعات الفقه الإسلامي إلى عبادات ومعاملات، وذلك أن الإنسان لا يخلو في نشاطه الدنيوي المسؤول من أن يكون مخاطباً أو مشغولاً بعبادة ربه ، أو مخاطباً أو مشغولاً بعاملة من المعاملات التي لها علاقة بنفسه أو بغيره. وفي ذلك كله فِقْهٌ يحدد الأركان والواجبات، والسنن والآداب والمستحبات، والشروط والموانع والمفسدات، كما يحدد الحقوق والواجبات، والحلال والحرام، والمكروه والمباح.
فإذا تبين هذا، فإننا عندما نرجع إلى جدول الترتيب الموضوعي للفقه في كتب الحنابلة، نجدهم درجوا على هذا التسلسل:
أولاً: قسم العبادات: وفيه كتاب الطهارة. كتاب الصلاة. كتاب الجنائز. كتاب الزكاة. كتاب الصيام. كتاب المناسك (الحج والعمرة).
ثانياً: قسم المعاملات المالية: وفيه: كتاب البيوع، وتوابعه من: القرض، والسلم، والحوالة، والكفالة، والصلح، والوكالة، والمضاربة، والشركة، والإجارة، والعارية، والغصب، والوديعة، والشفعة، وإحياء الموات، والوقف، واللقطة، والهبة.
ثالثاً: قسم الأحوال الشخصية: وفيه كتاب الوصايا. كتاب الفرائض. كتاب العتق. كتاب النكاح. كتاب الصداق. كتاب الطلاق. كتاب الرجعة. كتاب الإيلاء. كتاب الظهار. كتاب القذف واللعان. كتاب العِدَد. كتاب الرضاع. كتاب النفقات.
رابعاً: قسم العقوبات: وفيه كتاب الجراح وما يتبعها من قصاص وديات. كتاب الحدود. كتاب الجهاد.
خامساً: قسم الحظر والإباحة: وفيه: كتاب الأطعمة وما يتبعها من الذكاة والصيد. كتاب الأيمان والنذور.
سادساً: قسم الأحكام: وفيه: كتاب الأقضية. كتاب الشهادات. كتاب الإقرار.
وقد صنف الحنابلة عدداً كبيراً من الكتب الجامعة التي استوعبت الموضوعات السابقة، من مطولات ومختصرات، مما سنعرِّف ببعضه فيما بعد إن شاء الله. وقد روعي الترتيب السابق في جل التصنيفات الجامعة، وهو المنهج الذي استقر عليه المتأخرون من بعد المجد ابن تيمية في "محرره " وابن قدامة في "المقنع" و"الكافي" و"العمدة".
стр. 377
أما في "المغني" فقد اتبع ترتيب الأصل، وهو"مختصر الخرقي"، وهو يختلف شيئًا قليلاً في الترتيب وفي تسمية بعض العناوين، فنجده يدرج كتاب الإقرار في ضمن المعاملات المالية، كما يؤخر الوديعة عن المعاملات المالية، ويدرجها فيما بين الميراث والنكاح، ويجعل العتق آخر الكتب، ويجعل كتاب السبق والرمي بين الصيد والأيمان، وهو من المعاملات المالية. كما أننا نجد فيه كتاب قسم الغنيمة والفيء والصدقة، وهو كتاب وزعه المتأخرون على الجهاد والزكاة. وكتاب الأضاحي، وهو يندرج عند المتأخرين ضمن كتاب الحج لمناسبته للهدي، كالعقيقة. وكتاب الكفارات وهو يتوزع عند المتأخرين على عدة كتب، كالصيام، والقتل، والأيمان، والظهار.
وفي الجملة نجد المتقدمين يختلفون بعض الإختلاف مع المتأخرين في الترتيب، وفي العناوين، كما نلاحظ ذلك في "مسائل عبد الله" وفي كتاب "الروايتين والوجهين" لأبي يعلى، "والإرشاد" للشريف أبي علي بن أبي موسى.
التأليف في موضوعات فقهية مفردة:
وذلك، كأن يجرد المؤلف كتاباً من الكتب الفقهية التي سبقت الإشارة إليها، ويصنف فيه تصنيفاً مستقلاً، أو يصنف في باب من أبواب ذلك الكتاب، أو في فصل، أو في مسألة. وقد يكون عنوان الموضوع المفرد في التأليف غير معروف في فهارس الموضوعات للكتب الفقهية الجامعة، وذلك مثل: أحكام النساء، وأحكام الخواتيم، والأقسام التي أقسم بها النبي ﷺ ... إلخ
والتأليف في الموضوعات المفردة عند الحنابلة سُنَّة سنها الإمام أحمد نفسه في التصنيف الفقهي وغيره. فقد سبق التعريف بكتبه التي ألفها، وإذا لاحظنا عناوينها الدالة على محتوياتها نجد أكثرها مفردات في علوم مختلفة، وذلك كـ: "فضائل الصحابة" و"الناسخ والمنسوخ" و"الفرائض" و"الإمامة" و"نفي التشبيه" و"المناسك" الكبير والصغير، و"الأشربة" و"الوقوف والوصايا" و"أحكام النساء" و"الترجل" و"الإرجاء". وغير ذلك.
وقد طَبَعت هذه المصنفات في نفوس أصحاب الإمام أحمد فكرة التصنيف في الموضوعات المفردة المستقلة، وعلى وجه أخص فإننا نجد في طبقات المتقدمين منهم اهتمامًا كبيرًا بهذا اللون من التأليف، لشدة تأثرهم بسيرة الإمام المبجل في العلم والعمل، حتى إنهم ألفوا كتباً كثيرة تحت نفس العناوين التي سبقت الإشارة إليها.
стр. 378
فنجد "الناسخ والمنسوخ" لأبي داود، ولأبي جعفر ابن النحاس، ولمحمد الموصلي. ونجد "الفرائض" لعبد الله العكبري. ونجد "نفي التشبيه" لإبن عقيل، ونجد "المناسك" لعبد الله العكبري، وإبراهيم الحربي، ولأبي الخطاب الكلوذاني، ولجعفر السراج، ولعلي الزاغوني، ولابن قدامة المقدسي، ولعبد الوهاب النابلسي.
ونجد "أحكام النساء" للآجري، والعكبري، وابن رجب، والخلال، وابن الجوزي.
ولا يخفى ما في التآليف المفردة من فوائد، فإنها تدل على الإهتمام بالموضوع المؤلف فيه، والإستقصاء في جمع شتاته ولَمِّ شعثاته، وقد يجد المؤلف بالنَّاس حاجةً ماسةً يراها من فريضة العصر وواجب الوقت، ليبين لهم ما أنزل الله لهم من الحق، وما علم رسول الله ﷺ أمته في ذلك من الكتاب والحكمة. قال أبو حاتم الرازي: أتيت أحمد بن حنبل في أول ما التقيت معه سنة ٢١٣ هـ، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاةكتاب "الأشربة" وكتاب "الإيمان"، فصلَّى، ولم يسأله أحد، فرده إلى بيته. وأتيته يوماً آخر، فإذا قد أخرج الكتابين فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شر من السكر (١).
فنلاحظ كيف تنبه الإمام أبو حاتم إلى أهمية الكتابين، وضرورتهما للناس، ونزيد على ذلك، فنقول: إنه ما من شك يمكن أن يحوم بالأذهان أن بغداد في زمن الإمام أحمد كانت مرتعاً لنشر البدع والفقه الشاذ، فقد كانت بدع المعتزلة والقدرية والمرجئة تفعل فعلها في الناس كبارًا وصغاراً، فكان الإمام أحمد يرى تأليف مثل كتاب "الإيمان" فريضة الوقت في الرد على تلك البدع المضلة بأبلغ جواب، وذلك ببيان ما في كتاب الله وسنة رسوله من الحق الذي لا يمتري فيه مسلم.
والى جانب ذلك، فقد درج بعض الخلفاء العباسيين على استحلال النبيذ وتناوله، مصيراً منهم إلى تقليد بعض فقهاء الكوفة الذين أباحوا الأنبذة المتخذة من غير العنب، ولو كانت مسكرة، ما دام القدر المشروب منها لم يصل بالشارب إلى حد الثمول. وتلك بلية تستحق تأليف كتاب مثل "الأشربة" لبيان ما ثبت في السنة مما يخالف ذلك الإجتهاد مخالفة صريحة.
стр. 379
ولا ينبغي أن نمتري في أن التأليف في الموضوعات المفردة في العقائد والفقه وعلوم القرآن والسنة، كانت ميزة القرن الثاني والثالث والرابع، لدى أئمة المذاهب وأصحابهم، إلا أن الحنابلة فاقوا غيرهم، وحازوا قصب السبق في ذلك، فلله دَرُّهم، كما قال ابن بدران في "العقد الثامن" من كتابه:
أعلم أن أصحابنا تفننوا في علومهم الفقهية فنوناً، وجعلوا لشجرتها المثمرة بأنواع الثمرات غصوناً، وشعبوا من نهرها جداول تروي الصادي، ويحمد سيرها الساري في سبيل الهدى، وطريق الاقتدا، ففرعوا الفقه إلى المسائل الفرعية، وألفوا فيها كتباً قد اطلعت على بعض منها (١).
التأليف في فقه الخلاف، أو الفقه المقارن:
وذلك بتجريد المسائل الفقهية الشهيرة التي اختلف فيها الأئمة، وانقسموا على مذهبين فأكثر، وهي المسماة في كتب المتقدمين بـ "مسائل الخلاف" أو"رؤوس المسائل" أو"عيون المسائل" أو غير ذلك من التسميات المقارية.
فقد جرد الفقهاء الذين اعتنوا بالإجماع والخلاف، كإبن المنذر والطبري وابن عبد البر، وغيرهم، جردوا تلك المسائل، ونصوا على الخلاف فيها بين العلماء، ثم جاء فقهاء النظر من المنتسبين إلى المذاهب، فتناولوا تلك المسائل بالإحتجاج، كلُّ فريق يحتج لمذهبه، ويرد على خصمه بحجج من النقل والعقل. وفي ذلك يقول ابن خلدون:
وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومران المطالعين له على الإستدلال فيما يرومون الإستدلال عليه. وتآليف الحنفية فيه والشافعية أكثر من تآليف المالكية، لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم، كما عرفت، فهم لذلك أهل النظر والبحث. أما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم، وليسوا بأهل نظر. وأيضًا فأكثرهم أهل المغرب، وهم بادية غُفَّل من الصنائع إلا في الأقل، وللغزالي فيه "المآخذ" ولأبي بكر ابن العربي من المالكية كتاب "التلخيص" جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي كتاب "التعليقة" ولابن القصار من شيوخ المالكية "عيون الأدلة"، وقد جمع ابن الساعاتي
стр. 380
في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبغي عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً كل مسألة منه ما ينبغي عليها من الخلافيات (١).
ويلاحظ من كلام ابن خلدون السابق أنه أهمل الحنابلة، وأقصاهم من الحلبة، كما أنه حط على المالكية حطا لا يتفق مع ما هو عليه الواقع التاريخي والمعرفي لهذا المذهب الجليل.
وإذا استعرضنا كشَّاف المؤلفات الحنبلية في الخلاف أو الفقه المقارن، فإننا نجدهم من السابقين الأولى في هذا الفن، أو أنهم أتقنوا الصنعة فيه، وأحكموا مسالكه وموارده ومصادره، خصوصاً في القرن الخامس والسادس، ومما ساعدهم على ذلك أنهم كانوا مستوطنين لبغداد التي كانت عاصمة العلم، يرحل الناس إليها من أقصى المشرق وأقصى المغرب، فلا جرم أنها كانت جامعة لأكبر الفقهاء من كافة المذاهب، وكان يعقد فيها من مجالس المناظرة مالا يعقد في غيرها على الإطلاق. ومن ثَم فقد برع الحنابلة في فقه الخلاف أو الفقه المقارن، براعة لا تزال تشهد بها كتبهم إلى اليوم.
ومن جملة ما ألف الحنابلة في الخلاف:
• "اختلاف الصحابة والتابعين في الفقه" لإبن أبي حاتم الرازي (٣٢٧ هـ).
• "كتاب في الفقه والإختلاف" لأبي بكر النجاد (٣٤٨ هـ).
• "الخلاف مع الشافعي" لغلام الخلال (٣٦٣ هـ).
• " الخلاف" لعبد العزيز بن الحارث التميمي (٣٧١ هـ).
• "رؤوس المسائل" له أيضًا.
• "التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة" (٢) للقاضي أبي يعلى (٤٥٨ هـ) شيخ المذهب.
وله عدة تسميات أخرى، لكن المسمى واحد، والسبب في ذلك أن أصحاب التراجم لا يوردون أسماء الكتب بالعناوين التي وضعها مؤلفوها، فيلتبس الأمر على من لا يعرف الحقيقة، فيظن الكتاب الواحد كتباً عديدة.
• "رؤوس المسائل" للشريف أبي جعفر (٤٧٠ هـ).
стр. 381
• "نزهة الطالب في تجريد المذاهب" للبناء (٤٧١ هـ).
• "الإنتصار في المسائل الكبار" لأبي الخطاب (٥١٠ هـ).
• "رؤوس المسائل" له أيضًا. وهو مختصر من السابق.
وغير ذلك كثير، ولسنا بسبيل استقصاء المؤلفات، ولكن ذكرنا هذه الجملة ليتنبه الغافل، ويتعلم الجاهل أن الحنابلة أخذوا من هذا الفن بالحظ الوافر.
وتعتبر كتب الخلاف عند الحنابلة مادة غزيرة في جمع روايات المذهب في الخلاف داخل المذهب، وبيان الراجح من المرجوح منها. وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجواب عن سؤال يتعلق بكيفية التعرف على الأصح والأرجح مما هو غير منصوص في المتون المعتمدة كـ "الكافي" و"المحرر" و"المقنع"، يقول في ذلك:
"فطالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل "التعليق" للقاضي أبي يعلى، و"الإنتصار" لأبي الخطاب، و"عمد الأدلة" لإبن عقيل، وتعليق القاضي يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن بن الزاغوني، وغير ذلك من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح.
وقد اختصرت رؤوس مسائل هذه الكتب في كتب مختصرة مثل "رؤوس المسائل" للقاضي أبي الحسين، وقد نقل عن الشيخ أبي البركات صاحب "المحرر" أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر مذهب أحمد: إنه ما رجحه أبو الخطاب في رؤوس مسائله" (١).
التأليف في القواعد والفروق والضوابط والكليات:
والقواعد: هي الكليات التي تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه على مآخذ الفقه، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد.
ويمكن تعريف القاعدة بالتعبير الإصطلاحي بأنها: حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها (٢).
ومثال ذلك: القاعدة (١٥٨) من قواعد ابن رجب، ونصها: إذا تعارض معنا أصلان عُمل بالأرجح منهما، لإعتضاده بما يرجحه، فإن تساويا خُرج في المسألة وجهان غالبًا.
стр. 382
ونظرًا لما تتسم به القواعد من المعاني الكلية الضابطة للفقه وأصوله، فإنها تعد من دون مرية ذخيرة الفقيه وميزانه الذي يزن به، كما توفر عليه كثيرًا من المعارف الجزئية التي يقضي العمر ولا يدرك مرامها، وفي ذلك يقول القرافي:
"وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه وَيعرف (١)، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف. فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع، واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها، واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر، ولم تقض نفسه من طلب منَاها. ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات" (٢).
وأمَّا الفروق فهي البيانات التي تكشف عن الإختلاف في الأحكام بين المسائل المتشابهة في الصورة والظاهر، وما يتبع ذلك من تبيين مآخذ أحكامها وأدلتها وعللها، ليتضح للفقيه طرق الأحكام، ويكون قياسه للفروع على الأصول متسق النظام، ولا يلتبس عليه طرق القياس، فيبني حكمه على غير أساس (٣).
ومن أمثلة الفروق:
إذا أحرم مبهمًا، نظرنا، فإن كان في أشهر الحج، فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، أو قران، والأفضل صرفه إلى التمتع، وإن كان في غير أشهر الحج، انعقد إحرامه بعمرة.
والفرق بينهما: أن الإحرام بالحج في غير أشهره مكروه، فلهذا لم يقع موقعاً موقوفًا، وانصرف إلى غير المكروه. ويفارق إذا كان ذلك في أشهر الحج، لأنه وقت للإحرام بالحج، فلهذا وقع موقوفًا (٤).
стр. 383
وأمَّا الضوابط والكليات، فهي تنظيمات ثانوية للفقه الإسلامي، بحيث يكون عمومها لا يتعدى الباب الواحد (١).
وقد ألف الحنابلة ﵏ في القواعد والفروق تأليفات متقنة محررة، وإن كانت متأخرة في الجمع، وقد شهد القرن الثامن في ذلك نشاطاً خاصًا على أيدي ثلة من الأعلام، كالطوفي، وابن تيمية، وابن رجب.
فمن ذلك:
• "القواعد الكبرى" للطوفي، سليمان بن عبد القوي الصرصري (٧١٦ هـ). وهذا يعني أن له "القواعد الصغرى" وهو كذلك، كما في ترجمته من "ذيل الطبقات"، وله أيضًا: "الرياض النواضر في الأشباه والنظائر".
• "القواعد الفقهية" لإبن قاضي الجبل (٧٧١ هـ).
• "القواعد الفقهية" لإبن رجب (٧٩٥ هـ). واسمه الكامل: "تقرير القواعد وتحرير الفوائد".
ويعدُّ كتاب المذهب في هذا الشأن، فإنَّه يدل على معرفة تامة بالمذهب، حتى قال حاجي خليفة في "كشف الظنون": هو كتاب نافع، من عجائب الدهر، حتى إنه استُكْثرَ عليه، وزعم بعضهم أن ابن رجب وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان ﵀ فوق ذلك (٢).
• "القواعد والفوائد الأصولية" لإبن اللحام (٨٠٣ هـ).
وهي قواعد أصولية لا فقهية، كما يدل عليها العنوان، لكن فرع عليها أمثلة وفروعاً فقهية. فكان الكتاب معدوداً في جملة المصنفات التي صُنفت في تخريج الفروع على الأصول، بمعنى تطبيق القواعد والمسائل الأصولية على فروع الفقه.
стр. 384
وقد ألف في ذلك الإسنوي والزنجاني الشافعيان، وأبو عبد الله محمد الشريف التلمساني المالكي (١).
هذا، وتكاد مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، سواء منها الرسائل، أو الفتاوي، أو المصنفات المفردة، تكاد تكون مصوغة صياغة القواعد الكلية العامة في الشريعة، أو ما يسمى بـ "النظريات الفقهية" فإننا كثيراً ما نجده يصدر فتاويه ورسائله بعنوان "قاعدة في كذا".
التأليف في أصول الفقه وأدب الفتوى:
تُعرَّف أصول الفقه بأنها: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام
الشرعيّة الفرعية من أدلتها التفصيلية (٢).
وهذا يفيد أنها قواعد متعلقة بالفقه، لكن تعلقًا يختلف عن "القواعد الفقهية"، وذلك أن القواعد الفقهية تكونت بعد الفقه ونشأت من داخله، وهي تنظيم الفقه في صيغ كلية، فهي إذن عملية داخلية مستفادة من الإستقراء العام للجزئيات.
أما أصول الفقه فهي قواعد نشأت خارج الفقه، لأنها هي الطريق الممهد للوصول إلى استنباط الفقه؛ واستخراج الفروع، فباتت بهذا أساساً للبناء الفقهي، والأساس يختلف عن البنيان الناشيء فوقه.
قال القاضي أبو يعلى: وأما أصول الفقه فهو: عبارة عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به، لأن أصل الشيء ما تعلق به وعرف منه، إما باستخراج أوتنبيه. فسميت هذه الأصول بهذا الإسم، لأن بها يتوصل إلى العلم بغيرها، فتكون أصلًا له (٣).
وهذا العلم مستمد من عدة علوم أخرى، كالقرآن الكريم وعلومه، والسنة الشريفة وعلومها، واجتهادات الصحابة وأقضيتهم وتصرفاتهم بشأن الفتوى، وعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وغريب، وغير ذلك.
стр. 385
وأما أدب الفتوى، فهو جملة من الشروط والصفات الضرورية والكمالية التي تطلب من المفتي والمستفتي، هذا في القيام بالفتوى، وذاك في تلقي الفتوى والعمل بها.
وفي جملة شروط المفتي وما يلزمه، قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح عنه:
"ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف، لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي ﷺ ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها" (١).
وقال في رواية ابنه عبد الله:
"إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير، فيقضي به، ويعمل به، حتى يسأل أهل العلم: ما يؤخذ به، فيكون يعمل على أمر صحيح (١).
وروى الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢) عن الشافعي أنه قال:
"لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ويمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذاك بصيراً بحديث رسول الله ﷺ : بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر، ويما يحتاج إليه للعلم والقرآن (٣)، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا، فله أن يتكلم، ويفتي في الحلال والحرام، لماذا لم يكن هكذا، فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي".
وقد ألف العلماء من مختلف المذاهب في كل من "أصول الفقه" و"أدب الفتوى" فأما تآليفهم في أصول الفقه فإنها تستعصي على العد، فمنها البسيط ومنها الوسيط ومنها الوجيز، وسلكوا في ذلك أحد مسلكين:
стр. 386
إما طريقة المتكلمين، أو طريقة الشَّافعية التي رسمها الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" الذي يعد أول كتاب صنف في أصول الفقه. وأما طريقة الفقهاء أو طريقة الحنفية التي رسمها الكرخي والجصاص وأبو زيد الدبوسي وأمثالهم. وظل الوضع على هاتين الطريقتين حتى القرن السابع، فظهرت طريقة جديدة ألَّفت بين الطريقتين ومزجت بين المنهجين، ويعتبر ابن الساعاتي الحنفي (٦٩٤ هـ) صاحب الفضل والسبق في ذلك في كتابه "بديع النظام" الذي جمع فيه بين "الإحكام" للآمدي الشافعي و"أصول البزدوي" الحنفي (١).
وأما الحنابلة فقد نهجوا نهج الشافعية في غالب تصنيفاتهم، وأثْروا المكتبة الأصولية إثراء ملحوظاً.
ومع الأسف فإن كثيراً من الناس كان -ولا يزال- يعتقد أنه ليس للحنابلة كتب أصول مستقلة الوجهة واضحة النزعة، والحقيقة غير ذلك، فإني لما أتممت جمع المصادر لكتاب "أصول مذهب الإمام أحمد" من مكتبات المملكة العربية السعودية، ومكتبات مصر، والشام، وتركيا، والعراق، وغير ذلك؛ لما تم مسح الفهارس والإطلاع على ما للحنابلة من مصنفات في هذا الشأن، وَضُح أن مخطوطاتهم في أصول الفقه تعدّ بالمئات (٢).
ومن أشهر الكتب المؤلفة في الأصول الفقهية الحنبلية:
• "العُدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (٤٥٨ هـ). وقد اختصره في مختصر لطيف.
• "التمهيد في أصول الفقه" لأبي الخطاب الكلوذاني (٥١٠ هـ).
• "الواضح في أصول الفقه" لأبي الوفاء ابن عقيل (٥١٣ هـ).
وكلا الرجلين تلميذٌ للقاضي أبي يعلى، إلا أن أبا الخطاب تتبع أبا يعلى في إيراد الأقوال، والإستدلال والمناقشة، بخلاف ابن عقيل، فإنه سلك مسلكاً بديعاً وطريقة متميزة مستقلة.
стр. 387
• "روضة الناظر وجنة المناظر" لموفق الدين ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) صاحب "المغني" وغيره. وقد اختصره الطوفي في "البلبل" ثم شرحه.
• "المسودة" لآل تيمية، وهم المجد عبد السلام (٦٥٢ هـ) وابنه عبد العليم (٦٨٢ هـ) وحفيده أحمد، شيخ الإسلام (٧٢٨ هـ). بيضها ورتبها شهاب الدين أحمد بن محمد الحراني الدمشقي (٧٤٥ هـ). وهو عبارة عن مجموعة نقول عن القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل، وغيرهم، ممن سبق آل تيمية، مع بعض الإختيارات والتعقبات.
• "شرح مختصر الروضة" للطوفي (٧١٦ هـ).
• "التحرير" للمرداوي (٨٨٥ هـ) وقد اختصره الفُتوحي الشهور بابن النجار (٩٧٢ هـ) في كتاب سماه "الكوكب المنير باختصار التحرير" ثم شرحه في كتاب بعنوان "شرح الكوكب المنير".
ويعتبر ابن تيمية من المشاركين بغزارة في أصول الحنابلة، ومؤلفاته في هذا الفن توجد إما في رسائل مستقلة، وإما في "الفتاوي الكبرى"، وإما في "مجموع الفتاوي"، وابن تيمية معروف بين أئمة الحنابلة بقوته العلمية، واختياراته الجيدة (١).
وأما كتب أدب الفتوى:
فمن أشهرها:
• "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" لإبن حمدان (٦٩٥ هـ)
• "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لإبن قيم الجوزية (٧٥١ هـ).
وتوجد آداب المفتي والمستفتي ضمن المجاميع، ومن ذلك كتاب "الآداب الشرعية" لإبن مفلح، فقد ضمن الجزء الثاني كلاماً مطولاً على آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي. كما توسع الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي المسمى "بالفواكه العديدة في المسائل المفيدة" في مباحث الفتوى والإجتهاد والتقليد في كتاب القضاء.
التأليف في لغة الفقهاء، أو المعاجم الفقهية، أو فقه المصطلحات:
لغة الفقهاء تعني: تلك المصطلحات الفقهية الداخلية التي تداولها الفقهاء على ألسنتهم وفي كتبهم، بحيث تختلف دلالتها عندهم عن دلالتها اللغوية المجردة، وقد لا
стр. 388
تختلف إلا أن الفقيه استعملها استعمالاً خاصًا، وذلك مثل كلمة: "المسيس" التي تعني مس الشيء ولمسه باليد وغيرها، ولكنها في لغة الفقهاء تعني الجماع غالباً.
فنجد في "المطلع على أبواب المقنع" (١) قوله: "قبل المسيس". المسيس: اللمس، قاله الجوهري. وأصل اللمس باليد، ثم استعير للجماع، لأنه مستلزم للمسلى غالبًا، وكذا استعير للأخذ والضرب والجنون.
ونظراً لكثرة المصطلحات الفقهية وتزايدها في الكتب والمصنفات عبر الزمن عمد بعض العلماء إلى وضع معاجم فقهية أو كتب تعنى بفقه المصطلحات، وهي شبيهة بكتب غريب الحديث الموضوعة في شرح الألفاظ النبوية وما يتعلق بها.
ومن أشهر المؤلفات في هذا الفن:
عند الحنفية:
• طَلِبة الطَّلَبة في الاصطلاحات الفقهية، للشيخ نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي (٥٣٧ هـ).
• التعريفات للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني.
• المغرب في ترتيب المعرب، لأبي الفتح ناصر بن السيد بن عدي المطرزي الخوارزمي. وعند الشافعية:
• تهذيب الأسماء واللغات، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي.
• المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعي، لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي.
وعند المالكية:
• الحدود، لمحمد بن عَرْفة الوَرْغَمِي التونسي، وهو عبارة عن تعاريف للموضوعات الفقهية، كالييع والإجارة. وقد شرحه الرصاع التلمساني شرحاً جيداً.
وهناك "كشاف مصطلحات الفنون" للتهانوي، و"التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي، و"القاموس الفقهي" للأستاذ سعدي أبو حبيب. و"دليل الألفاظ والمصطلحات الفقهية" الذي وضعته كلية الشريعة بجامعة دمشق.
وأما الحنابلة فلهم الباع الطويل واليد البيضاء في هذا الفن، فمن ذلك:
стр. 389
"مختصر في الحدود، للشيرازي الدمشقي: عبد الواحد بن محمد (٤٨٦ هـ).
• "لغة الفقهاء" لإبن الجوزي (٥٩٧ هـ).
• "شرح لغة الفقهاء" لأبي البقاء العكبري (٦١٦ هـ).
• "المطلع على أبواب المقنع" للإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي (٧٠٩ هـ) وهو يختص يحل ألفاظ "المقنع" لإبن قدامة المقدسي.
التأليف في المفردات والغرائب والنوادر:
المفردات جمع مفردة، والمقصود بهذه الكلمة: المسألة الفقهية، التي تفرد بها أحد الفقهاء عن الجمهور، فذهب إلى خلاف ما ذهبوا إليه، فكان بذلك منفردًا عن أقرانه وطبقته وأهل فنه في الرأي والإختيار، وفي معنى ذلك الغرائب والنوادر.
وكثيراً ما نجد، في ذيول التراجم من كتب الطبقات عند الحنابلة، قولهم: له تفردات في المذهب، أو نحو هذه العبارة.
ففي ترجمة أبي الخطاب يقول ابن رجب: كان أبو الخطاب ﵁ فقيهاً عظيمًا، كثير التحقيق، وله من التحقيق والتدقيق الحسن في مسائل الفقه وأصوله شيء كثير جداً. وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب (١).
ويقول في ترجمة ابن عقيل: وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب. وقد يخالفه في بعض تصانيفه، ويوافقه في بعضها، فإن نظره كثيرًا يختلف، واجتهاده يتنوع (٢).
وفي الخلاف الكبير أو الخلاف العالي، وهو الخلاف بين أئمة المذاهب نجد الإمام أحمد قد تفرد بعدة مسائل عن بقية الأئمة.
وفي هذا النوع من التفردات صنف الأصحاب:
- المفردات المطلقة، وهي التي لا تتقيد بالإنفراد عن إمام معين.
- المفرادات المقيدة، وهي في غالبها المسائل التي خالف فيها الإمامُ أحمد الإمامَ الشافعي.
стр. 390
وقد صنف الإمام أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) كتابًا في تفردات الأئمة الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي (١).
قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" تعليقاً على الكتاب المذكور: ولا ريب أن الأئمة الكبار تقع لهم مسائل ينفرد المجتهد بها، ولا يعلم أحد سبقه إلى القول بتلك المسألة، قد تمسك فيها بعموم، أو بقياس، أو بحديث صحيح عنده. والله أعلم.
ومما ألف الحنابلة في هذا الفن:
• الخلاف بين أحمد ومالك، لعمر بن إبراهيم العكبري، المعروف بابن المسلم (٣٨٧ هـ). وفيه بيان مفردات أحمد عن الإمام مالك.
• الخلاف مع الشافعي، لأبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلّال (٣٦٣ هـ). وفيه بيان مفردات الإمام أحمد عن الإمام الشافعي.
• "المفردات" لأبي الخطاب (٥١٠ هـ)، ومثله لإبن عقيل (٥١٣ هـ)، ومثله لإبن الزاغوني (٥٢٧ هـ)، ومثله لعبد الوهاب الشيرازي (٥٣٦ هـ)، وللوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ)، ولأبي يعلى الصغير، محمد بن أبي خازم ابن أبي يعلى المتوفى سنة (٥٦٠ هـ).
وقد توهم بعض المصنفين ومنهم الشيخ ابن بدران فجعل القاضي أبا الحسين ابن أبي يعلى الشهيد هو نفس أبا يعلى الصغير. والصّواب أنه محمد بن أبي خازم الحفيد.
• "الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني". للشيخ أحمد بن عبد المنعم
الدمنهوري (١١٩٢ هـ).
وهو خاص بتفردات أحمد عن الشافعي على خلاف ظاهر عنوان الكتاب، ويتبين ذلك من مقدمة المصنف نفسه.
وفي الأخير لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل الحنابلة دون غيرهم يؤلفون في مفردات إمامهم؟