← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 16822

المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إما طريقة المتكلمين، أو طريقة الشَّافعية التي رسمها الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" الذي يعد أول كتاب صنف في أصول الفقه. وأما طريقة الفقهاء أو طريقة الحنفية التي رسمها الكرخي والجصاص وأبو زيد الدبوسي وأمثالهم. وظل الوضع على هاتين الطريقتين حتى القرن السابع، فظهرت طريقة جديدة ألَّفت بين الطريقتين ومزجت بين المنهجين، ويعتبر ابن الساعاتي الحنفي (٦٩٤ هـ) صاحب الفضل والسبق في ذلك في كتابه "بديع النظام" الذي جمع فيه بين "الإحكام" للآمدي الشافعي و"أصول البزدوي" الحنفي (١). وأما الحنابلة فقد نهجوا نهج الشافعية في غالب تصنيفاتهم، وأثْروا المكتبة الأصولية إثراء ملحوظاً. ومع الأسف فإن كثيراً من الناس كان -ولا يزال- يعتقد أنه ليس للحنابلة كتب أصول مستقلة الوجهة واضحة النزعة، والحقيقة غير ذلك، فإني لما أتممت جمع المصادر لكتاب "أصول مذهب الإمام أحمد" من مكتبات المملكة العربية السعودية، ومكتبات مصر، والشام، وتركيا، والعراق، وغير ذلك؛ لما تم مسح الفهارس والإطلاع على ما للحنابلة من مصنفات في هذا الشأن، وَضُح أن مخطوطاتهم في أصول الفقه تعدّ بالمئات (٢). ومن أشهر الكتب المؤلفة في الأصول الفقهية الحنبلية: • "العُدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (٤٥٨ هـ). وقد اختصره في مختصر لطيف. • "التمهيد في أصول الفقه" لأبي الخطاب الكلوذاني (٥١٠ هـ). • "الواضح في أصول الفقه" لأبي الوفاء ابن عقيل (٥١٣ هـ). وكلا الرجلين تلميذٌ للقاضي أبي يعلى، إلا أن أبا الخطاب تتبع أبا يعلى في إيراد الأقوال، والإستدلال والمناقشة، بخلاف ابن عقيل، فإنه سلك مسلكاً بديعاً وطريقة متميزة مستقلة.

стр. 387

• "روضة الناظر وجنة المناظر" لموفق الدين ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) صاحب "المغني" وغيره. وقد اختصره الطوفي في "البلبل" ثم شرحه. • "المسودة" لآل تيمية، وهم المجد عبد السلام (٦٥٢ هـ) وابنه عبد العليم (٦٨٢ هـ) وحفيده أحمد، شيخ الإسلام (٧٢٨ هـ). بيضها ورتبها شهاب الدين أحمد بن محمد الحراني الدمشقي (٧٤٥ هـ). وهو عبارة عن مجموعة نقول عن القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل، وغيرهم، ممن سبق آل تيمية، مع بعض الإختيارات والتعقبات. • "شرح مختصر الروضة" للطوفي (٧١٦ هـ). • "التحرير" للمرداوي (٨٨٥ هـ) وقد اختصره الفُتوحي الشهور بابن النجار (٩٧٢ هـ) في كتاب سماه "الكوكب المنير باختصار التحرير" ثم شرحه في كتاب بعنوان "شرح الكوكب المنير". ويعتبر ابن تيمية من المشاركين بغزارة في أصول الحنابلة، ومؤلفاته في هذا الفن توجد إما في رسائل مستقلة، وإما في "الفتاوي الكبرى"، وإما في "مجموع الفتاوي"، وابن تيمية معروف بين أئمة الحنابلة بقوته العلمية، واختياراته الجيدة (١). وأما كتب أدب الفتوى: فمن أشهرها: • "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" لإبن حمدان (٦٩٥ هـ) • "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لإبن قيم الجوزية (٧٥١ هـ). وتوجد آداب المفتي والمستفتي ضمن المجاميع، ومن ذلك كتاب "الآداب الشرعية" لإبن مفلح، فقد ضمن الجزء الثاني كلاماً مطولاً على آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي. كما توسع الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي المسمى "بالفواكه العديدة في المسائل المفيدة" في مباحث الفتوى والإجتهاد والتقليد في كتاب القضاء. التأليف في لغة الفقهاء، أو المعاجم الفقهية، أو فقه المصطلحات: لغة الفقهاء تعني: تلك المصطلحات الفقهية الداخلية التي تداولها الفقهاء على ألسنتهم وفي كتبهم، بحيث تختلف دلالتها عندهم عن دلالتها اللغوية المجردة، وقد لا

стр. 388

تختلف إلا أن الفقيه استعملها استعمالاً خاصًا، وذلك مثل كلمة: "المسيس" التي تعني مس الشيء ولمسه باليد وغيرها، ولكنها في لغة الفقهاء تعني الجماع غالباً. فنجد في "المطلع على أبواب المقنع" (١) قوله: "قبل المسيس". المسيس: اللمس، قاله الجوهري. وأصل اللمس باليد، ثم استعير للجماع، لأنه مستلزم للمسلى غالبًا، وكذا استعير للأخذ والضرب والجنون. ونظراً لكثرة المصطلحات الفقهية وتزايدها في الكتب والمصنفات عبر الزمن عمد بعض العلماء إلى وضع معاجم فقهية أو كتب تعنى بفقه المصطلحات، وهي شبيهة بكتب غريب الحديث الموضوعة في شرح الألفاظ النبوية وما يتعلق بها. ومن أشهر المؤلفات في هذا الفن: عند الحنفية: • طَلِبة الطَّلَبة في الاصطلاحات الفقهية، للشيخ نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي (٥٣٧ هـ). • التعريفات للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني. • المغرب في ترتيب المعرب، لأبي الفتح ناصر بن السيد بن عدي المطرزي الخوارزمي. وعند الشافعية: • تهذيب الأسماء واللغات، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي. • المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعي، لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي. وعند المالكية: • الحدود، لمحمد بن عَرْفة الوَرْغَمِي التونسي، وهو عبارة عن تعاريف للموضوعات الفقهية، كالييع والإجارة. وقد شرحه الرصاع التلمساني شرحاً جيداً. وهناك "كشاف مصطلحات الفنون" للتهانوي، و"التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي، و"القاموس الفقهي" للأستاذ سعدي أبو حبيب. و"دليل الألفاظ والمصطلحات الفقهية" الذي وضعته كلية الشريعة بجامعة دمشق. وأما الحنابلة فلهم الباع الطويل واليد البيضاء في هذا الفن، فمن ذلك:

стр. 389

"مختصر في الحدود، للشيرازي الدمشقي: عبد الواحد بن محمد (٤٨٦ هـ). • "لغة الفقهاء" لإبن الجوزي (٥٩٧ هـ). • "شرح لغة الفقهاء" لأبي البقاء العكبري (٦١٦ هـ). • "المطلع على أبواب المقنع" للإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي (٧٠٩ هـ) وهو يختص يحل ألفاظ "المقنع" لإبن قدامة المقدسي. التأليف في المفردات والغرائب والنوادر: المفردات جمع مفردة، والمقصود بهذه الكلمة: المسألة الفقهية، التي تفرد بها أحد الفقهاء عن الجمهور، فذهب إلى خلاف ما ذهبوا إليه، فكان بذلك منفردًا عن أقرانه وطبقته وأهل فنه في الرأي والإختيار، وفي معنى ذلك الغرائب والنوادر. وكثيراً ما نجد، في ذيول التراجم من كتب الطبقات عند الحنابلة، قولهم: له تفردات في المذهب، أو نحو هذه العبارة. ففي ترجمة أبي الخطاب يقول ابن رجب: كان أبو الخطاب ﵁ فقيهاً عظيمًا، كثير التحقيق، وله من التحقيق والتدقيق الحسن في مسائل الفقه وأصوله شيء كثير جداً. وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب (١). ويقول في ترجمة ابن عقيل: وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب. وقد يخالفه في بعض تصانيفه، ويوافقه في بعضها، فإن نظره كثيرًا يختلف، واجتهاده يتنوع (٢). وفي الخلاف الكبير أو الخلاف العالي، وهو الخلاف بين أئمة المذاهب نجد الإمام أحمد قد تفرد بعدة مسائل عن بقية الأئمة. وفي هذا النوع من التفردات صنف الأصحاب: - المفردات المطلقة، وهي التي لا تتقيد بالإنفراد عن إمام معين. - المفرادات المقيدة، وهي في غالبها المسائل التي خالف فيها الإمامُ أحمد الإمامَ الشافعي.

стр. 390

وقد صنف الإمام أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) كتابًا في تفردات الأئمة الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي (١). قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" تعليقاً على الكتاب المذكور: ولا ريب أن الأئمة الكبار تقع لهم مسائل ينفرد المجتهد بها، ولا يعلم أحد سبقه إلى القول بتلك المسألة، قد تمسك فيها بعموم، أو بقياس، أو بحديث صحيح عنده. والله أعلم. ومما ألف الحنابلة في هذا الفن: • الخلاف بين أحمد ومالك، لعمر بن إبراهيم العكبري، المعروف بابن المسلم (٣٨٧ هـ). وفيه بيان مفردات أحمد عن الإمام مالك. • الخلاف مع الشافعي، لأبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلّال (٣٦٣ هـ). وفيه بيان مفردات الإمام أحمد عن الإمام الشافعي. • "المفردات" لأبي الخطاب (٥١٠ هـ)، ومثله لإبن عقيل (٥١٣ هـ)، ومثله لإبن الزاغوني (٥٢٧ هـ)، ومثله لعبد الوهاب الشيرازي (٥٣٦ هـ)، وللوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ)، ولأبي يعلى الصغير، محمد بن أبي خازم ابن أبي يعلى المتوفى سنة (٥٦٠ هـ). وقد توهم بعض المصنفين ومنهم الشيخ ابن بدران فجعل القاضي أبا الحسين ابن أبي يعلى الشهيد هو نفس أبا يعلى الصغير. والصّواب أنه محمد بن أبي خازم الحفيد. • "الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني". للشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري (١١٩٢ هـ). وهو خاص بتفردات أحمد عن الشافعي على خلاف ظاهر عنوان الكتاب، ويتبين ذلك من مقدمة المصنف نفسه. وفي الأخير لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل الحنابلة دون غيرهم يؤلفون في مفردات إمامهم؟

стр. 391

والجواب فيما نظن -والله أعلم- يكمن في رد دعوى كون المذهب الحنبلي داخلاً في المذهب الشافعي وتابع له، وقد بحثنا هذه الدعوى عند الكلام على العلاقة بين أحمد والشافعي في الفصل الأول. ويبدو أن أبا الحسين علي بن محمد الطبري المعروف بـ "إِلْكيا الهرّاسي"، الشافعي (٥٠٤ هـ) كان من النقاد لمفردات الإمام أحمد، يُقَلِّل من عددها وقيمتها؛ ليسلم به عَدُّ أحمد من أصحاب الشافعي ورواة مذهبه، فانبرت طائفة من معاصريه ومن جاء بعدهم من فقهاء الحنابلة فردوا عليه، منهم: ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، وابن قاضي الجبل. وكان علي بن عقيل البغدادي معاصراً لإلكيا الهرّاسي، وكان كثير المناظرة له، فكان الكيا ينشده ويقول (١): ارفق بعبدك إن فيه فهاهة ... جبلية ولك العراق وماؤها التأليف في الإختيارات الفقهية: وقد سبق الكلام عليها في "خصائص الحنبلية والحنابلة" (٢) فلتراجع من هناك. التأليف في الفتاوي: الفتاوي -بكسر الواو أفصح مع صحة فتحها في اللغة (٣) - جمع فتوى، وهي: الكشف عن الحكم الشرعي لا على سبيل الإلزام. ومعنى ذلك أن الحكم الشرعي يكشفه الفقيه تارة على سبيل الإلزام لمن كشف له، وتنفيذه عليه جبرًا، وهذا ما يسمى بـ "القضاء" أو"الحكم" وتارة يكشفه لصاحب الحاجة دون أن يلزمه به ويجبره على تنفيذه، مع أن العامي المقلد يجب عليه شرعاً وديانة أن يعمل بفتوى العالم حيث لا سبيل له إلى تعديها، وذلك حين لا يجد من يفتيه غيره، وتكون حاجته إلى العمل بالفتوى عاجلة ومتعينة. فالقضاء والفتوى صنوان في كون كل منهما ممارسة للاجتهاد في الميدان الواقعي، وذلك في الإجابة على الأسئلة والفصل في الخصومات بطريق الحكم بين المتخاصمين إذا ترافعا إلى القاضي.

стр. 392

فالمجتهد إذا كان حاكماً فهو يفتي باجتهاده، ويحكم باجتهاده، فالإخباران صادران عن اجتهاد، إلا أن الفرق بين الحالتين، هو أنه في الفتيا يخبر عن مقتضى الدليل الراجح عنده، فهو كالمترجم عن الله تعالى فيما وجده في الأدلة، كترجمان الحاكم يخبر الناس بما يجده في كلام الحاكم أو خطه، وهو في الحكم يُنشئ إلزاماً أو إطلاقاً للمحكوم عليه بحسب ما يظهر له من الدليل الراجح والسبب الواقع في تلك القضية الواقعة (١). ويعتبر منصب الفتوى منصباً كبيراً في الإسلام، باعتبار أنه منصب التوقيع عن الله في بيان أحكامه للناس، فمن لم يكن أهلاً لذلك وإن غاشًا للناس في الدين، مفترياً على الله ورسوله، فيكون مَنْ هذه حاله واقفاً على شفير جهنم. ففي سنن أبي داود (٢) من حديث مسلم بن يسار، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من أُفْتِيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه". وقال الخطيب البغدادي: "ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها، أو وعده بالعقولة إن لم ينته عنها، وقد كان الخلفاء من بني أميَّة ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قومًا يُعَيِّنونهم، ويأمرون بأن لا يستفتى غيرهم" (٣). ولهذا لم يزل العلماء يؤلفون الكتب والرسائل والأبحاث في بيان عظم شأن الفتوى، وما هي الشروط المطلوية فيمن تصدى للفتوى، وماهي الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها. وقد بُلي عصرنا الحاضر برؤوس جهال، وأئمة مضلين يفتون بغير علم، ويتسارعون في الفتوى، على عكس ما كان عليه سلفنا الأبرار، إذ أنهم كانوا يتدافعون الفتوى حتى تعود إلى اللأول.

стр. 393

ومن البلاوي أن هؤلاء الجهال ينتقون من رخص الفقهاء ما يحلُو لهم، ويتفق مع أهوائهم، مما تنبو عنه الشريعة الغراء، وتتجافى عنه الحنيفية السمحاء، التي جاءت من أجل إخراج الناس من دواعي الأهواء والشهوات إلى داعية الحق والعبودية لله. وبعد: فإن فقهاءنا ﵏ نشروا هذا العلم تارة عن طريق التأليف المتتابع والتصنيف المتناسق، وتارة عن طريق الأجوبة عن الأسئلة المتنوعة المتناثرة في الواقعات أو الحوادث أو النوازل (١). ومن هنا تكوَّن "فقه الواقع" الذي يعتبر مادة المفتين وعمدتهم ومرشدهم. وهناك من دون فتاويه بنفسه، وهناك من دون فتاويه غيره من تلامذته وأصحابه من العلماء، كما أننا نجد من علمائنا من اهتم بجمع الفتاوي لعدة فقهاء في كتاب واحد، كما فعل الونشريسي المالكي في "المعيار المعرب" الذي جمع فيه فتاوي تونس والأندلس والمغرب، فكان بذلك مدونة الفتوى وموسوعتها عند المالكية. وممن ألف أو جمع أو دون الفتاوي من الحنابلة: • "جوابات المسائل" للقاضي أبي يعلى (٤٥٨ هـ) بعضها ورد من الحرم، وبعضها ورد من تِنيِس (قرية مصرية) وبعضها من مَيافارقين (مدينة بديار بكر)، وبعضها من أصفهان. • "فتاوى ابن عقيل" (٥١٣ هـ). اعتمد عليها ابن القيم في بعض كتبه. • "فتاوى ابن الزاغوني" (٥٢٧ هـ). أفاد منها المنقور في "الفواكه العديدة" في موضعين. • "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٧٢٨ هـ). قام بجمعها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (١٣٩٢ هـ). وفي ذلك يقول صاحب "علماء نجد": "عمد إلى رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاويه ومختصرات كتبه في العقائد والتوحيد والتفسير والحديث والفقه وعلم السير والسلوك وأصول التفسير وأصول

стр. 394

الحديث وأصول الفقه، عمد إلى هذا التراث الكبير الكثير المطبوع منه والمخطوط، فحققه وبوبه ورتبه، وفهرسه فهارس مقربة موضحة، حتى صار منه موسوعة إسلامية كبرى، تقع في (٣٧) مجلداً ثم أمر بطبعها وتوزيعها على العلماء في داخل البلاد وخارجها جلالة الملك سعود بن عبد العزيز، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-" (١). • "الأجوبة النُّجدية عن الأسئلة النَّجدية". للسفاريني (١١٨٨ هـ). • "الفواكة العديدة في المسائل المفيدة" المسماة أيضاً بـ "المجموع الفقهي"، لأحمد بن محمد المنقور التميمي (١١٢٥ هـ). وهو عبارة عن فتاوٍ وفوائد وأبحاث فقهيات وأصوليات متنوعة مما قيده من مجالس شيخيه عبد الله بن محمد بن ذهلان، والشيخ شهاب الدين ابن عطوة، ووثقها بنصوص من كتب مختلفة الفنون والمذاهب. • "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" وهي عبارة عن ديوان فتاوى علماء نجد ورسائلهم ونصائحهم التي كانت مبعثرة مفرقة، جمعها الشيخ عبد الرحمن ابن قاسم المتقدم ذكره، ثم حققها ورتبها حسب التأليف المعروفة، حتى صارت عدة أجزاء في التوحيد والردود والنصائح والفتاوي. عمل في ذلك كما عمل في جمع فتاوى ابن تيمية. التأليف في الألغاز: والألغاز جمع لُغُز، ومعناه في اللغة: تعمية المراد، يقال ألغز في كلامه، إذا عمّى مراده (٢). والمقصود هنا: الألغاز الفقهية التي تسمى مسائل الامتحان أو المعاياة (٣)، وهي ما يتطارحه الفقهاء في المجالس والمناقشات من المسائل بشكل يخفى فيه الجواب على البديهة، ويتوقف على الذكاء والنباهة الفقهية، نظير ما يجري من المسامرات والمنادمات والنوادر بين الشعراء والأدباء.

стр. 395

والألغاز الفقهية، وإن كانت من الترف الفقهي، والملح التي قد لا تستحسن عند البعض، إلا أن لها أثراً في تنمية الملكة الفقهية، وتدريب القريحة، والتسلية العلمية الهادفة، خاصة وأنها كثيراً ما تصاغ في أبيات شعرية لطيفة. وقد ألف الحنابلة في ذلك عدة تآليف، منها: • "مسائل الامتحان" لعبد الواحد الشيرازي الدمشقي (٤٨٦ هـ). • "حلية الطراز في حل مسائل الألغاز" للجُراعي (٨٨٣ هـ). • "الألغاز الفقهية" لعبد الله بن فايز أبا الخيل. (١٢٥١ هـ).

стр. 396

المبحث الثاني في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية يعتبر هذا المبحث من أصعب المباحث، فإن الخوض في غماره أشبهُ بالغَوصِ في بحار لجية سحيقة الأعماق، بعيدة الأغوار، إذ إن ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية عمل يتطلب الإشراف على جميع ماكتبه الحنابلة في الفقه الإسلامي وأصوله وقواعده، وغيره من الفنون العشرة التي تقدم الكلام عليها. ثم القيام بترتيب ذلك العدد الهائل من المصنفات ترتيباً نوعياً وفق منهج محدد، بحيث يتضح موقع كل كتاب من ذلك الترتيب الغني المتسلسل. وهذا شيء صعب، فإن كثيراً من الكتب التي صنفت لا يعرف عنها شيء، فهذا ابن أبي يعلى (٥٢٦ هـ) لما جرد مصنفات أبيه، قال: فأما عدد مصنفاته فكثيرة، فنشير إلى ذكر ما تيسر منها (١). ومعنى ذلك أنه ما جرد منها إلا ما تيسر مع أنه ابن المصنف، فكيف بغيره؟! ثم إنه جرد (٥٦) عنواناً، يوجد منها في عالم المخطوطات (٩) عناوين، و (٤٨) عنواناً مفقوداً (٢)!. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في "الأجوبة المصرية" عن كتب ابن الجوزي: كان الشيخ أبو الفرج كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها، فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت له بعد ذلك ما لم أره له (٣)!!. وعلي هذا، فإن الكتب التي نعرفها الآن قليل من قليل، ولو أن بعضها لم يصل إلينا منه إلا العنوان.

стр. 397

ويمكن أن نصنف تلك الكتب التي نعرفها إلى الأقسام التالية: - المطبوع الكامل غير المنقوص في أصوله، وهذا الكم الموجود بين أيدينا فيه الكفاية والغناء والحمد لله، حتى إنه ليغني عن تلك الكتب التي فقدت منذ زمن بعيد، فلم تصل إلينا. وإن من أسباب وصول الكتب الكاملة إلينا كثرة نفعها وتوالي علماء الأعصار على الإشتغال بها: تدريساً ومدارسة. وغير ذلك. - المطبوع الناقص، لعدم توفر مخطوطاته الكاملة في مكتبات العالم. - المخطوط، الذي لم تصل إليه أيدي الإخراج والتحقيق بعد. - ومنها المفقود الذي لا نعرف منه إلا العنوان، وربما حفظت لنا نصوص منثورة منه في طي الكتب التي وصلت إلينا، مما يؤكد وجوده في الأصل، ويثبت نسبته إلى مؤلفه. بالإضافة إلى بعض المعارف الأخرى التي تحصل في أثناء مطالعة النصوص المنقولة من ذلك الكتاب المفقود. وبناء على ما تقدم يجدر أن نقسم هذا المبحث إلى: - كيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهية. - كيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.

стр. 398

كيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهية إذا أردنا أن نتعرف على كتاب في مكتبة الفقه الحنبلي، وتوصلنا إلى معرفة اسم المؤلف وعنوان الكتاب، فعلينا أن نسير وفق الخطوات التالية: أولاً: نبحث عنه في فهارس الكتب المطبوعة، فهذه الفهارس ترشدنا إلى المعلومات الأولية عن الكتاب مما ييسر الوصول إليه والإطلاع على محتوياته الكاملة. وقد خصصت بعض الأبحاث والتأليفات في جرد الكتب المطبوعة وإحصائها وفهرستها، سواء منها العربية أو المعربة، ويعتبر "المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع" الذي أعده الدكتور محمد عيسى صالحية لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة (١)، عملاً نموذجياً موفقاً في هذا الميدان، بالإضافة إلى "معجم المطبوعات العربية والمعربة" ليوسف إليان سركيس الدمشقي ثم المصري الذي أعانه على جمعه أحمد تيمور باشا. و"معجم المخطوطات المطبوعة" للدكتور صلاح الدين المنجد، وقد أصدره في عدة أجزاء، كل جزء يتناول ما نشر خلال خمس سنوات تقريباً بداية من سنة ١٩٥٤ م. ثانياً: إذا لم نجد الكتاب في الفهارس الخاصة بالكتب المطبوعة، رجعنا إلى فهارس المخطوطات العامة والخاصة. والفهارس العامة للمخطوطات، هي تلك الكتب الجرائدية التي اعتنت بذكر النسخ الخطية للكتاب الواحد في المكتبات التي يوجد فيها في مختلف أنحاء العالم. ويعتبر الأستاذ فؤاد سزكين صاحب سبق في السعي وراء هذا المرام في محاولته لحصر المخطوطات العربية في العالم، وذلك في كتابه الكبير المؤلف بالألمانية "تاريخ التراث العربي". وقد نشرت جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية هذا العمل عام (١٤٠٣) هـ بعنوان: "تاريخ التراث العربي مجموعات المخطوطات العربية في مكتبات العالم"، بعد أن نقله إلى العربية الدكتور محمود فهمي حجازي. كما يعتبر جهد الأستاذ كوركيس عواد في كتابه "فهارس المخطوطات العربية في العالم" جهداً طيباً في هذا المسعى.

стр. 399

هذا عن الفهارس العامة، وأما الفهارس الخاصة للمخطوطات، فنعني بها الفهارس الموضوعة للمكتبات المختلفة المبثوثة هنا وهناك في العالم، والتي تحتوي على ذخائر المواريث من المخطوطات، فمنها المكتبات الخاصة بالمساجد أو الجوامع أو الديارات أو الكنائس، ومنها دور الكتب العامة الوطنية، كالمكتبة الظاهرية بدمشق، ودار الكتب المصرية، وخزانة الكتب الملكية بالرباط، والمكتبة الوطنية التونسية، ومكتبات المملكة العربية السعودية، ومنها مكتبات الجامعات والمتاحف والمجامع والمعاهد والجمعيات العلمية. بالإضافة إلى الخزائن الخاصة التي يحرزها العلماء والباحثون، كمكتبة أحمد تيمور باشا المصري، والمكتبات الخاصة بعلماء من مختلف البلاد الإسلامية. وتوجد كتب الفقه الحنبلي على وجه الخصوص في المكتبات التي تقع في الأماكن التي انتشر فيها هذا المذهب الجليل عبر القرون، وذلك كبغداد، ودمشق وما حولها، وفلسطين، ومصر، والمملكة العربية السعودية. وغني عن البيان أنه ينبغي للباحث أن يعرف كيف يستعمل فهارس المخطوطات في البحث عن كتب الفقه الحنبلي وأصوله. مع ملاحظة أن بعض الكتب تصنفٌ في غير مواضعها بالغلط، وهذا كثيراً ما يحصل في وضع فهارس المكتبات الخاصة بالكتب المطبوعة، أما فهارس الكتب المخطوطة فقد وضع أكثرها علماء مختصون، فيقل الخطأ فيها، ولكنه لا يخلو من الوجود، كيف لا وهذا ابنُ حُميد قد وقعت له أوهام في جرد كتب المذهب الحنبلي حتى عد ابن حزم وكتابه "المحلَّى" في جملة الحنابلة (١)! ونشير إلى أن مكتبات المملكة العربية السعودية وجامعاتها ومراكز البحث فيها قد بذلت جهداً مبروراً في تقريب فهارس المؤلفات في الفقه الحنبلي المخطوطة، بحيث يمكن أن توصل الباحث إلى الكتاب بسهولة. ثالثًا: إذا لم نجد الكتاب في فهارس المخطوطات، فعلينا أن نتعرف عليه من خلال مصادر أخرى، وذلك بالبحث في الكتب المختصة بالتأليف في هذا الشأن أصالة أو تبعاً. فأما الكتب المختصة بالتأليف والمؤلفين أصالة، فهي كثيرة، نذكر منها: • أخبار المؤلِّفين والمؤلِّفات، لأحمد بن طيفور البغدادي (٢٨٠ هـ) صاحب كتاب "بلاغات النساء".

стр. 400

• فهرس العلوم، المعروف بـ "الفهرست"، لمحمد بن إسحاق الوراق، أبي الفرج، الشهير بابن النديم (٣٨٥ هـ). ألفه سنة (٣٧٧ هـ). • مفتاح السعادة ومصباح السيادة، لعصام الدين أبي الخير أحمد بن مصطفى بن خليل، الشهير بطاش كبرى زاده الحنفي البرساوي (٩٦٨ هـ). • موضوعات العلوم، لكمال الدين محمد أفندي ابن طاش كبرى زاده المذكور، توفي سنة (١٠٢٦ هـ) بالقسطنطينية. • أبجد العلوم والوشي المرقوم والسحاب المركوم، لصديق حسن خان الحسيني القنوجي (١٣٠٧ هـ) ملك بهوبال الهندية. • كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي الشهير بالملا كاتب جلبي (١٠٦٧ هـ)، أو: حاجي خليفة، وهي شهرته عند العرب. أورد فيه ما يقرب من (٢٠) ألف اسم، ما بين كتاب ورسالة يستفيد منه أهل الفضل ورواد العلم على اختلاف طبقاتهم. وقد ذيل عليه إسماعيل باشا البغدادي بكتابين هما: • إيضاح المكنون. • هدية العارفين. • معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة (١٤٠٧ هـ). • الأعلام، لخير الدين الزركلي (١٣٩٦ هـ). بإضافة إلى: المعاجم والفهارس والأثبات والإجازات، وكتب التراجم والسير، وهي كثيرة جدًا، ومن أشهرها "فهرس ابن خير الإشبيلي" و"المجمع المؤسس في المعجم المفهرس" للحافظ ابن حجر العسقلاني، و"فهرس الفهارس" لعبد الحي الكتاني المراكشي. وهناك كتب عنيت عناية خاصة بجرد أسماء كتب الحنابلة في الفقه وأنواعه، وكيفية الإستفادة منها. من ذلك: • الدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد، للشيخ عبد الله بن علي بن حميد

стр. 401

المكي (١٣٤٦ هـ). وهي محاولة وصل فيها المؤلف إلى جرد (٢٠٥) كتاب لـ (١٠٥) عالم. وقد حققه وعلق عليه وذيله الشيخ جاسم بن سليمان الفُهيد الدوسري، فاستدرك عليه (١٧٧) كتابًا وذيله بـ (٢٥٩) كتابًا لـ (١٤٧) عالم، فصار المجموع الحاصل من أصل الكتاب ولواحقه: (٦٤١) كتابًا لـ (٢٥٣) عالم. • المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، وصل في إحصاء الكتب إلى (١٢٥٠) كتاباً لـ (٤٨٦) عالماً. • اللآلى البهية في كيفية الإستفادة من الكتب الحنبلية، لمحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل الإحسائي (١١٣٥ هـ). وأما الكتب التي عنيت بالتأليف في الفقه الحنبلي تبعًا، فهي كتب الطبقات على وجه الخصوص، وأشهرها: • طبقات الحنابلة، لإبن أبي يعلى. • ذيل طبقات الحنابلة، لإبن رجب. • المقصد الأرشد، لإبراهيم بن مفلح. • المنهج الأحمد، للعُليمي، وله أيضاً: الدر المنضد. • الجوهر المنضد، ليوسف بن عبد الهادي. • السحب الوابلة، لإبن حميد المكيِّ. • علماء نجد خلال ثمانية قرون، للشيخ عبد الله البسام. ومن المصادر التي تعرِّف بكتب الفقه الحنبلي تبعاً: • مقدمات تحقيق الكتب المطبوعة وفهارسها. • الدراسات المستقلة عن علماء الحنابلة ومؤلفاتهم.

стр. 402

كيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية بعد التعريف الذي قدمناه عن كيفية الوصول إلى كتاب من الكتب الفقهية الحنبلية، وهو نفس المنهج، بطبيعة الحال، الذي نسلكه في التعرف على أي كتاب في أي فرع من فروع المعرفة. بعد هذا العرض السريع تتجلى ملامح المكتبة الفقهية، وتبدو لنا موزعة على ثلاثة أقسام رئيسة: - قسم مطبوع. - قسم مخطوط. - قسم مفقود، لا نعرف عنه إلا العناوين والأسماء. ثم إن الكتب المطبوعة والمخطوطة توجد مبعثرة وموزعة في خزائن شتى من مكتبات العالم. ونود الآن أن نتقدم خطوة أخرى إلى الإمام في سبيل الكشف عن المناهج أو الطرق التي اعتمدت في ترتيب الكتب والمعايير التي تم على أساسها تقديم هذا الكتاب وتأخير ذاك. هناك عدة طرق: الأولى: الترتيب على أسماء المؤلفين: وذلك بأن يوضع للمؤلفين ترتيب متسلسل داخل الكتاب: إما على الحروف أو الوفيات أو غير ذلك. وتسرد مؤلفات كل واحد بإزاء ترجمته من غير أن تكون هناك قاعدة لترتيب كتبه ومؤلفاته. وهذا المسلك نجده معتمداً لدى "معجم المؤلفين" لعمر كحالة، و"الدر المنضد" لإبن حميد، الأول على الحروف، والثاني على الوفيات، وبالتالي فمعرفة الإسم الكامل والحقيقي للمؤلف وتاريخ وفاته ضرورية للباحث وفق هذه الطريقة. الثانية: الترتيب للكتب على حروف المعجم:

стр. 403

وهذا هو الترتيب المعتمد في معاجم اللغة المختصة بالألفاظ، فعناوين الكتب تعتبر بمثابة الكلمات في داخل "الدليل" أو"المعجم" أو"الفهرس الفقهي". والكشف عن الكتاب وفق هذا الترتيب يتطلب المعرفة الصحيحة بعنوان الكتاب، وقد يكون الكتاب مسمى باسم في كتب التراجم ومعاجم المؤلفين، ويكون مطبوعاً باسم مخالف أو بعدة أسماء، ككتاب "الجواب الكافي لمن يسأل عن الدواء الشافي" لإبن القيم، فقد طبع بهذا العنوان، وبعنوان "الداء والدواء". وهذا الترتيب هو المعتمد في المكتبات العامة، وفي أدلة مَعَارض الكتب، وفي فهارس المصادر والمراجع الملحقة بالبحوث والتأليفات الحديثة. الثالثة: الترتيب على الأعصار والبلدان: وذلك بأن تترتب الكتب وفق ترتيب المؤلفين في طبقات التراجم، المرتبة هي الأخرى بدورها على الأعصار والبلدان، وهذا الترتيب هو الموجود في كتب "طبقات الحنابلة" التي رتب بعضها على الحروف داخل الطبقة الواحدة، كما فعل ابن أبي يعلى، أو على الوفيات فقط، كما فعل ابن رجب، أو على الحروف والوفيات بنفس الوقت، كما فعل العليمي، أو على مجرد الحروف، كما فعل ابن مفلح وابن حميد. والترتيب على الأعصار والبلدان يفيد الباحث عدة فوائد، منها: - أنه يعطي صورة عن طبيعة التصنيف الغالب في حقبة ما من حقب تاريخ الفقه الحنبلي. - أنه يعطي بعض المعلومات بخصوص ابتناء الكتب بعضها على بعض، وكيفية استفادة اللاحق من عمل السابق في بلورة الفقه وتطوير التأليف فيه. - يمكننا من التعرف على ما كتبه علماء بلدة معينة وطريقتهم في التأليف، وغير ذلك. الرابعة: الترتيب على الموضوعات: وذلك بأن توزع الكتب على الفنون المختلفة التي تشعب إليها الفقه، كفقه عام، وأحكام سلطانية، وفرائض، وأصول فقه، ومصطلحات فقهية، وغير ذلك.

стр. 404

وهذا النوع من الترتيب قليل الوجود لا نكاد نلتقي به إلا في مقدمات بعض الكتب المحققة، أو المؤلفة تأليفا مستقلاً، فعلى سبيل المثال نجد في كتاب "القواعد الفقهية" للندوي، مبحثا خاصًا بعنوان: "مصادر القواعد الفقهية في المذهب الحنبلي" عرف فيه بالكتب الأساسية التي ألفها الحنابلة في هذا الفن. وفي مقدمة تحقيق "الفروق" للسامرّي، نجد المحقق ذكر ما ألفه الحنابلة في الفروق الفقهية، ضمن المذاهب الأربعة، فذكر أربعة كتب لأربعة علماء حنابلة.

стр. 405

المبحث الثالث في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب سيكون التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب على النحو التالي: أولاً: التعريف بعنوان الكتاب: مع ذكر الإختلاف حول العنوان إن وجد، وتسجيل الملاحظات الأخرى المتعلقة، بالتسمية، وما يقع من الأوهام فيها. ثانياً: التعريف بالمؤلف: ونقتصر على بطاقة التعريف، كالإسم والكنية واللقب والنسب والنسبة والميلاد والوفاة، دون التعرض إلى تفاصيل الترجمة. ثالثاً: من ذكر الكتاب من المصنفين: وهذا يختص بالكتب غير المشهورة، أما غيرها فنستغني بشهرتها عن تقصي المصادر التي ذكرتها. رابعاً: مكان وجوده: أي ذكر مواضع وجود نسخه الخطية في المكتبات المشهورة. خامساً: وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته. سادساً: مقتطفات من الكتاب: وهذا يختص بالكتب غير المشهورة، وذلك رغبة في وضع القارئ أمام نماذج من الكتاب ليتعرف بنفسه على الأسلوب والطريقة. ويكون المنهج المتبع في التسلسل في إيراد الكتب، هو الترتيب الزمني حسب تواريخ وفيات المؤلفين. ونظرًا لكثرة الكتب، فإننا سننتقي منها انتقاءَ مبنيًا على أهمية الكتاب. • الجامع للخلال: عنوان الكتاب: تُرجم هذا الكتاب بعناوين مختلفة متقاربة في المصادر التي ذكرته، فسمي "الجامع" على الإختصار، وسمي "الجامع الكبير" و"جامع الروايات" و"الجامع لعلوم شيخ مشايخه" و"الجامع لعلوم الإمام أحمد" و"المسند في مسائل أحمد بن حنبل" و"الجامع المسند لمسائل أحمد بن حنبل".

стр. 406

ويبدو أن هذه الأسماء أكثرها وصفية، فتكون من إطلاق بعض العلماء المتقدمين، ويبقى العنوان الذي نرجح أنه من وضع المصنف هو "الجامع لعلوم شيخ مشايخه". المؤلف: هو الحافظ الكبير، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون، البغدادي الشهير بالخلال. المولود سنة (٢٣٤ هـ)، والمتوفى سنة (٣١١ هـ). من ذكر الكتاب من المصنفين: ذكر هذا الكتاب كل من: ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" وابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" وابن تيمية في "مجموع الفتاوي" وابن القيم في "إعلام الموقعين" والذهبي في "سير أعلام النبلاء" وابن كثير في "البداية والنهاية" والعليمي في "المنهج الأحمد" وابن العماد في "شذرات الذهب" وغيرهم. مكان وجود الكتاب: لقد عرفنا تعريفاً موجزاً بجامع الخلّال لدى بحث أعمال رجال دور النقل والنمو من أدوار المذهب، وذكرنا أن هذا الديوان المعلمي العظيم يشتمل على عدة كتب، كل كتاب يتضمن موضوعًا من الفقه، فنجد فيه: كتاب الصَّلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم ... والذي وصل من "الجامع" أربعة كتب، هي: -كتاب الوقوف. -كتاب الترجل. - كتاب أحكام النساء. -كتاب أحكام أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض. وصلت هذه الكتب الأربعة في مجموع واحد، والمعروف من مخطوطاتها في العصر الحاضر ثلاث مخطوطات، هي: الأولى: مجموع يشتمل على الكتب الأربعة المذكورة، موجودة في مكتبة العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، التي آلت في الوقت الحاضر بعد موت

стр. 407

صاحبها ﵀ إلى مدرسة دار الحديث بمكة المكرمة. وعدد أوراقه (٢١٢) ورقة، نسخ في شهر المحرم سنة ٥٨٣ هـ، بخط نسخ نفيس. ومنه نسخة مصورة في دار الكتب بالقاهرة، تحت رقم (٢١٨٨٨ ب) في (٢١٢) لوحة. كل لوحة صفحتان. وتوجد منه نسخة مصورة في مكتبة المخطوطات بجامعة الملك سعود بالرياض، محفوظة تحت رقم (٨٢٢ ص). الثانية: مجموع يشتمل على الكتب الأربعة المذكورة، محفوظ في دار الكتب بالقاهرة، تحت رقم (٢١٩٤٥ ب) بقلم محمود عبد اللطيف النساخ، نقله عن نسخة دار الكتب السابق ذكرها، رقم (٢١٨٨٨ ب). وفرغ من كتابتها يوم الخميس ٢٩ صفر سنة ١٣٦٠ هـ. الثالثة: مجموع يشتمل على الكتب الأربعة المذكورة، محفوظ في المكتبة السعودية بالرياض، رقم (٥٧٨/ ٨٦)، بقلم الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله التويجري، نقله عن نسخة كتبت في المحرم سنة (٥٨٣ هـ) عدد الأوراق (١٧٦) ورقة، بخط نسخ جيد، كتبت سنة (١٣٦٠ هـ). وقد طُبع الموجود من أجزائه؛ كلُّ جزء في طبعة مستقلة. وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: بالنظر إلى الكتب التي وصلت من "الجامع لعلوم شيخ مشايخه" يظهر أن الخلال يقسم الكتاب إلى عدة أبواب، ثم يجمع تحت الباب المترجم كل ما روي عن الإمام أحمد مما يراه صالحًا أن يترتب في ذلك الباب، ولا يقسم الباب إلى فصول، ولا يرتب المرويات داخل الباب الواحد، بل يسردها تباعاً على طريقة كتب الحديث الجامعة المصنفة على الموضوعات الفقهية وغيرها. وعلي سبيل المثال في "كتاب الترجل" يروي كل ما جاء عن الإمام أحمد ﵀ في الطيب والكحل وترجيل الشعر، وما إلى ذلك، ومن أهم مباحثه: - باب صفة شعر رسول الله ﷺ ، وأصحابه، واتخاذ الشعر. - باب ما يستحب من فرق الشعر. - باب حلق الرأس.

стр. 408

- باب أخذ الحاجبين. - باب حف الوجه ونتفه وحلق القفا. - باب السنة في أخذ الشارب. - باب كراهة نتف الشيب. - باب قوله ﷺ : "أعفوا اللحى". - باب الخضاب. - باب كراهة الخضاب بالسواد. - باب نتف الإبط. - باب نتف العانة. - باب في الختان. - باب القزع للصبيان. - باب ما يكره للنساء من حلق الشعر. - باب المرأة تحلق رأسها. - باب كسب الماشطة. والخلّال، بنقله مسائل الإمام أحمد، يجردها من جميع الأقوال الأخرى ما عدا قول أحمد، فلا يدخل مع قول الإمام ما لم يجزم أنه من كلامه، ومن هنا يتضح لنا مدى عناية الخلّال بأقوال أحمد وفتاويه، فهو حين يفعل ذلك إنما يفعله احتراماً وتقديراً لتلك النقول، وهو في نفس الوقت يرغب في إيصالها إلى المستفيد منها سليمة من أي دخيل عليها من أقوال أخرى، وهذا يدل على رغبته الصادقة المجردة لخدمة تلك الأقوال. • مقتطفات من الكتاب: • من "كتاب الوقوف": باب الرجل يوقف على نفسه ثم على ولده من بعده. - أخبرني منصور بن الوليد، حدثنا علي بن سعيد، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس أن يوقف الرجل على ولده في حياته.

стр. 409

- أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله قيل له: وإن وقف على نفسه ثم على ولده من بعده؟ قال: نعم. - أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن زياد حدثهم، قال: سمعت أبا عبد الله قال له أبو جعفر: وإن أوقف على نفسه ثم على ولده من بعده؟ قال: نعم. - أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم، قال: قلت لأبي عبد الله: فإن أوقف على نفسه شيئاً، ثم على ولده من بعده، فهو جائز؟ قال: نعم، جائز (١). ومن "كتاب أحكام أهل الملل": باب المسلم يؤاجر نفسه من أهل الذمة. - أخبرنا محمد بن علي، قال: حدثنا الأثرم. وأخبرني الحسن بن محمد قال: كتبت من كتاب أبي علي الدينوري من "مسائل ابن مزاحم". وأخبرنا محمد بن أحمد بن حازم، قال: حدثنا إسحاق بن منصور -والمعنى واحد-: أن أبا عبد الله قيل له: فيؤاجر الرجل نفسه من اليهودي والنصراني؟ قال: لا بأس، نعم. - أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا مُهنَّا قال: قلت لأحمد: هل تكرَه للمسلم أن يؤاجر نفسه للمجوسي؟ قال: لا. وسألت أحمد، قلت: يكري الرجل نفسه لمجوسي يخدمه؛ يذهب به في حوائجه؟ قال: لا بأس. قلت لأحمد: فيقول: لبيك إذا دعاه؟ فقال: لا. - أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا بكر بن محمد عن أبيه عن أبي عبد الله، وسأله عن الرجل يحفر لأهل الذمة قبراً بِكَرْيٍ؟ قال: لا بأس به (٢). • مختصر الخرقي: عنوان الكتاب: لم يضع له مؤلفه عنواناً، ولم يسمه باسم خاص، فاشتهر بإضافته إلى مؤلفه،

стр. 410

واشتهر بـ "مختصر الخرقي" وتارة يسمى -كما في بعض الكتب القديمة- بـ"الخرقي" على حذف كلمة "المختصر". المؤلف: هو العلامة الفقيه عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم، الشهير بالخرقي، البغدادي، ثم الدمشقي. المولود ببغداد، والمتوفى بدمشق سنة ٣٣٤ هـ. وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: لم نتعرض للبحث في مَنْ ذكر الكتاب من المصنفين، ولا في ذكر أماكن وجود نسخه الخطية، لعدم الحاجة إلى ذلك، باعتبار أن الكتاب مشهور ومعروف ومتداول متناً وشرحاً. وهو عبارة عن مختصر صغير، لا يتجاوز عدد مسائله (٢٣٠٠) مسألة. وقد نهج فيه صاحبه نهج أغلب المؤلفين في السنن والأحكام المرتبة على الأبواب، حيث بدأ بقسم العبادات، ثم المعاملات المالية، ثم الأحوال الأسرية، ثم الجنايات والعقوبات والجهاد، ثم القضاء والدعاوى والبينات، ثم العتق. وقد سجلنا بعض الملاحظات لدى الموازنة بين الترتيب للموضوعات عند الخرقي، وعند غيره من المتأخرين؛ كالمجد ابن تيمية والموفق ابن قدامة المقدسي. وكان الخرقي في ترتيبه للأبواب سالكاً طريقة أصحاب الشافعي، كما في "الأم" و"مختصر المزني"، لشهرة تلك الكتب في ذلك الوقت. ولا يعرف لدى الحنابلة متن في الفقه حظي بالشهرة والقبول والعناية، حفظاً وشرحاً ونظماً، وغير ذلك، ما حظي هذا المختصر (١). ولا تزال شروحه التي وصلت إلينا تصدر إلى عالم المطبوعات حيناً بعد حين. وأبرز تلك الشروح وأكثرها علماً وتحقيقاً وتوسعاً كتاب "المغني" للموفق ابن قدامة المقدسي. ويعتبر مختصر الخرقي خاليًا من اختلاف الرواية عن الإمام أحمد، مما يدل على أنه بناه على رواية واحدة (٢)، وهي الرواية الراجحة في نظره، ومن هنا يعتبر الخرقي من طبقة

стр. 411

أهل الترجيح والإختيار في المذهب. ونجده يشير إلى الرواية المرجوحة أحياناً، كما في "باب أجل العنين والخصي غير المجبوب" من كتاب النكاح فقد قال في الأخير: وقد روي عن أبي عبد الله ﵀ قول آخر: إن القول قوله مع يمينه (١). وبما أن الخرقي ﵀ تصرَّف بالترجيح والإختيار في مذهب الإمام أحمد، ولم يعن باختلاف الرواية، فإنه من المحتمل جدّاً أن يكون خرّج كثيراً من المسائل على أصول الإمام، واجتهد فيها بالنقل والإستنباط. فهل هذا واقع؟ إنَّ الجواب عن هذا السؤال مطويٌّ في مناقشة مسألة مهمة، وهي: هل القول المقيس على كلام الإمام أحمد مذهب له أو لا؟ وبعبارة أوضح: إذا لم نجد للإمام نصًا في مسألة، ولكن وجدنا أصحابه قاسوها على مسألة مشابهة لها في المعنى، وهو ما يسمى بالتخريج للمسائل على نصوص الإمام، وقد يسمى: نقلًا، ويسمى القول المخرَّج وجهاً أو رواية مخرجة. فهل هذا الإجتهاد يصح أن ينسب للإمام؛ من حيث إنه مذهب له أم لا يصح؟ قال ابن مفلح في "الفروع" (٢): والمقيس على كلامه مذهبه في الأشهر. وقال المرداوي في التعليق عليه: واعلم أن الصحيح من المذهب أن ما قيس على كلامه مذهب له، قال المصنف هنا: "والمقيس على كلامه مذهبه في الأشهر". انتهى. وهو مذهب الأثرم، والخرقي، وغيرهما من المتقدمين، وقاله ابن حامد وغيره في "الرعايتين" و"آداب المفتي" و"الحاوي" وغيرهم، وقيل: ليس بمذهب له، قال ابن حامد: عامة مشايخنا، مثل الخلال وأبي بكر عبد العزيز، وأبي علي، وإبراهيم، وسائر من شاهدناهم، لا يجوزون نسبته إليه، وأنكرو على الخرقي ما رسمه في كتابه من حيث إنه قاس على قول. اهـ. وهذا يكشف عن أن الخرقي ﵀ قاس كثيراً من مسائل المختصر على كلام الإمام أحمد، ولا يوجد عن أحمد نص صريح بشأنها، وإنما حملها على المنقول عنه. وبهذا يكون هذا "المختصر" نموذجاً من التأليفات المبكرة للحنابلة في الترجيح والتخريج على السواء. والله أعلم.

стр. 412

• الإرشاد إلى سبيل الرشاد: عنوان الكتاب: يعرف هذا الكتاب بعنوان: "الإرشاد" كما جاء في الكتب التي صرحت بالإعتماد عليه، مثل "المستوعب" للسامرّي، و"الإنصاف" للمرداوي. وعنوانه الكامل فيما اطلعنا عليه من النسخ الخطية: "الإرشاد إلى سبيل الرشاد"، ولا ندري من سمى الكتاب بهذا العنوان، مع احتمال أن يكون المؤلف نفسه سماه كذلك؛ لأن خطبته تشير إلى ذلك. المؤلف: هو العالم الفقيه، محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي البغدادي، السيريف أبو علي. المولود ببغداد سنة ٣٤٥ هـ والمتوفى بها سنة ٤٢٨ هـ. من ذكره في المصنفين: ذكره كل من: ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة"، والسامرّي في "المستوعب"، والمرداوي في "الإنصاف"، والعليمي في "المنهج الأحمد"، وغيرهم. وقد اعتمد المرداوي عليه في "الإنصاف". وكذلك ابن قدامة في "المغني"، والحجّاوي في "الإقناع"، وابن قاضي الجبل في "الفائق"، واستوعبه السامري في كتابه "المستوعب" كما نص على ذلك في المقدمة إذ قال: وضمنت كتابي هذا من أصول المذهب وفروعه ما استوعب جميع ما تضمنه "مختصر الخرقي" و"التنبيه" لغلام الخلال، و"الإرشاد" لإبن أبي موسى (١) ... إلخ. مكان وجوده: توجد منه نسخة محفوظة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات برقم (١٤٣٨٢) وهي مصورة عن أصل خطِّي موجود في المكتبة الوطنية بباريس. عدد ورقات الأصل (١٦٢) ورقة، مكتوبة بخط معتاد مقروء، فرغ منه ناسخه أحمد بن علي ابن سلام نهار السبت التاسع من رجب سنة ٨٩٢ هـ. ويوجد باب الإعتقاد الذي في أول الكتاب في ورقتين ضمن مجموع في العقائد محفوظ في مكتبة شهيد علي بتركيا برقم (٢٧٦٣). وهي في الورقات: ٣٠ ب إلى ٣٢ ب (٢).

стр. 413

وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: يعتبر كتاب "الإرشاد" من الكتب المهمة التي ألفت في الفقه الحنبلي على طريقة المتقدمين، ويعتبر صاحبه ممن يذكر في الخلاف المذهبي. وقد تميز هذا الكتاب عن غيره بصغر حجمه وسهولة عبارته ووضوحها، واعتنى مصنفه بذكر الأقوال والروايات عن الإمام أحمد ﵀ ولم يكتف بذلك، بل كان يرجح فيما بينها، ويختار بعضها أحياناً بقوله: "وهو اختياري"، وأحيانا يقول: "والذي عليه العمل عندي" أو: "والأول أحب إلي" أو: "بهذا أقول" إلى غير ذلك من العبارات المبثوثة في معظم أبواب الكتاب. ووشّى كتابه ﵀ بذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وبذكر التعليل لبعض الأحكام. كما تميز هذا الكتاب بأن مصنفه ﵀ ذكر في أوله باباً في الإعتقاد على غير عادة مصنفي الكتب الفقهية، سماه "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات"، ضمنه مسائل في الإعتقاد، تبع في ذلك طريقة أبي محمد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني المالكي (٣٨٦ هـ) في كتابه "الرسالة" الذي صدره بنفس الباب، كما أن الباب الجامع منه يتشابه مع جامع "الرسالة" المذكورة. ثم ثنى بباب في فضل العلم والتفقه في الدين، وذكر العام والخاص، وما ظاهره العموم والمراد به الخصوص، وما ظاهره الخصوص والمراد به العموم، وذكر الأصول التي عليها مدار الفقه، وما في معنى ذلك. وفي الأخير عقد المؤلف باباً جامعاً ذكر فيه جملاً من الفرائض والسنن المؤكدات، والرغائب، والآداب، جعله باباً مختصراً طوى فيه نشر ما بسطه في أبواب الكتاب، ليقدم لطالب العلم من خلاله خلاصة مقتضبة ينتفع بها. • مقتطفات من الكتاب: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات: حقيقة الإيمان عند أهل الأديان: الإعتقاد بالقلب، والنطق باللسان: أن الله واحد أحد، فرد صمد، لا يغيره الأبد، ليس له والد ولا ولد، وأنه سميع بصير، بديع قدير، حكيم خبير، علي كبير، ولي نصير، قوي مجير (١) ....

стр. 414

وأن الإيمان غير مخلوق، وهو قول باللسان، وإخلاص بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالأوزار .... وأن محمدًا خاتم النبيين، وأفضل القرن الذين صحبوه أربع عشرة مائة بايعوه بيعة الرضوان (١). باب الغصب: الغاصب ظالم متعد ضامن لما غصب. فإن رد ذلك بعينه، فلا شيء عليه غيره، إلا أن يكون لمثله أجرة فيلزمه أجرة مثله لمدة كونه في يده، انتفع به أو لم ينتفع. فإن استعمله فأخلقه -أي أبلاه- لزمه مع أجرته ما نقص من قيمته، فإن كانت له قيمة يوم غصبه، فنقصت في يده، ثم رده، فعليه رد ما نقص من قيمته، وقيل عنه: إن لم يتغير في عينه، وإنما نقصت قيمته لنقصان السعر رده كما غصبه، ولم يلزمه رد نقصان القيمة معه (٢). • الخلاف الكبير للقاضي أبي يعلى: التعريف بعنوان الكتاب: سماه ولده أبو الحسين "الخلاف الكبير" ويسمى أيضاً: "التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة"، وهو العنوان الموجود على المخطوط الذي عُرف. وقد يسمى "الحلاف" على الَّاختصار، أو"مسائل الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل". وفي هذا الخلاف في تسمية الكتاب دخل الوهم على بعض المؤلفين، فظنوا هذه العناوين كتبًا مختلفة للمؤلف. المؤلف: هو القاضي محمد بن الحسين بن محمد، أبو يعلى، المعروف بابن الفراء، البغدادي، شيخ الحنابلة في وقته. المولود سنة ٣٨٠ هـ ببغداد، والمتوفى بها سنة ٤٥٨ هـ. من ذكر الكتاب من المصنفين: ذكره كل من: ولده أبي الحسين في "طبقات الحنابلة"، والذهبي في "سير أعلام النبلاء"، والبعلي الحنبلي في "القواعد والفوائد الأصولية"، وعلاء الدين المرداوي في مقدمة "الإنصاف"، وابن رجب في "الإستخراج لأحكام الخراج"، والعليمي في "المنهج

стр. 415

الأحمد"، وابن بدران في "المدخل"، وصاحب "العقود الدرية" وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (١). مكان وجود الكتاب: يوجد من هذا الكتاب المجلد الرابع في دار الكتب المصرية تحت رقم ١٤٠ فقه حنبلي. ونسخة مصورة عنها في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية ذات رقم ١٨ اختلاف الفقهاء (٢). وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: يتكون كتاب "التعليق الكبير" من أحد عشر مجلداً، كما وصفه لنا شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية، إذ جاء في رسالة له أرسلها إلى أهله في الشام وهو في مصر: وترسلون أيضاً من تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع، وهو أحد عشر مجلداً، وإلا فمن أوله مجلداً، أو مجلدين، أو ثلاثة (٣). اهـ. ومن حرص ابن تيمية على اقتناء الكتاب واستصحابه في الغربة والسفر، تظهر أهميته وقيمته في المكتبة الحنبلية. ويعتبر هذا الكتاب ذخيرة للحنابلة في مسائل الخلاف، أو الفقه المقارن، من حيث إنه أبان عن حجج الحنابلة، وأدلتهم، والرد على مخالفيهم فيما ذهبوا إليه من مسائل الخلاف. قال الشيخ عبد القادر بدران: وأجمع ما رأيته لأصحابنا في هذا النوع "الخلاف الكبير" للقاضي أبي يعلى، وهو في مجلدات لم أطلع منه إلا على المجلد الثالث، وهو ضخم، أوله كتاب الحج، وآخره باب السلم، وقد سلك فيه مسلكاً واسعًا، وتفنن في هدم كلام الخصم تفنناً لم أره في غيره (٤). وطريقة المؤلف في هذا الكتاب أن يصدر الكلام بذكر رأي الحنابلة في المسألة، فيورد الروايات عن الإمام أحمد ﵀، وأقوال أصحابه، ثم يردف رأي الحنابلة برأي

стр. 416

من وافقهم من غيرهم من أصحاب المذاهب، ثم بعد ذلك يتعرض لأقوال المخالفين، ثم يعود ليذكر أدلة الحنابلة بالتفصيل والإسهاب الكثير، ثم يذكر بعض أدلة المخالفين، ويناقشها ويورد بعض اعتراضات الخصوم أو المخالفين، ويرد عليها (١). مقتطفات من الكتاب: جاء في المجلد الرابع قوله في المسألة الأولى من كتاب الحج: مسألة: من شروط وجوب الحج: وجود الزاد والراحلة. نص عليها في رواية حنبل. فقال: السبيل: الزاد والراحلة. وليس عليه أن يحج راجلًا إلا أن يتطوع بنفسه، وكذلك نقل صالح قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك وداود: الراحلة غير معتبرة، فمن قدر على المشي لزمه ذلك. ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة، وأما الزاد فلا يعتبر ملكه، وإنما يعتبر القدرة عليه، فإن كان ذا صنعة يمكنه الإكتساب بها لزمه. دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فلها دليلان: أحدهما: من جهة الإستنباط، والثاني: من جهة التفسير. وأما الإستنباط: فهو أن كل عبادة أمر بفعلها اقتضى ذلك القدرة على الفعل؛ كالصوم والصلاة وغيرها. فلما اشترط في الحج استطاعة السبيل اقتضى ذلك زيادة على القدرة التي اعتبرها مالك، وليس ذلك الإستطاعة التي نعتبرها. وأما التفسير: فروى أبو بكر (٢) بإسناده عن الحسن قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: "من وجد زاداً وراحلة" (٣). رواه الدارقطني عن ابن مسعود، وابن عمر، وعمرو بن شعيب، وعلي، وأنس، أن النبي ﷺ -قيل له: ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة " (٤).

стр. 417

فإن قيل: يحتمل أن يكون الرجل الذي سأله ممن لا يجب عليه الحج إلا بوجود زاد وراحلة، فبين له السبيل المشروطة في حقه. قيل له: النبي ﷺ ذكر السبيل بالألف واللام، وإنما يكون المراد بذلك جنس السبيل، أو المعهودة المذكورة في الآية، فلا يمكن حمل الخبر على غير هذين. • كتاب الروايتين والوجهين: التعريف بعنوان الكتاب: يعرف هذا الكتاب بعنوان: "كتاب الروايتين والوجهين"، لا يكاد يوجد خلاف في ذلك، وهو نفس العنوان الموجود على المخطوط الذي وصل إلينا عن طريق مكتبة أحمد الثالث بتركيا، وتوجد منه نسخة ناقصة في المكتبة الأزهرية بالقاهرة بعنوان "الروايتين". المؤلف: هو القاضي أبو يعلى المتقدم. من ذكر الكتاب من المصنفين: ذكره كل من: القاضي أبي الحسين في "طبقات الحنابلة" وابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" في ترجمة ابن المؤلف: أبي الحسين، والعليمي في "المنهج الأحمد"، وشيخ الإسلام ابن تيمية في "المسودة في أصول الفقه"، وابن اللحام البعلي في "القواعد والفوائد الأصولية"، وعلاء الدين المرداوي في مقدمة "الإنصاف"، وابن رجب في "الاستخراج لأحكام الخراج"، وغيرهم (١). مكان وجوده: توجد منه نسخة ناقصة في المكتبة الأزهرية بالقاهرة برقم ١٧/ ٤٣١٣ كتبت بخط واضح في القرن الثامن الهجري، بقلم محمد عبد الوهاب بن محمد الحنبلي، وعدد أوراقها (١١٢) ورقة. وتوجد نسخة أخرى كاملة وبخط جيد كتبت في القرن السابع الهجري بقلم عبد الله بن سليمان ابن خمرتاشي، وعدد أوراقها (٢٥٨)، محفوظة في مكتبة أحمد الثالث بإستنابول بتركيا، تحت رقم ١١٢١.

стр. 418

وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: يبحث هذا الكتاب في فقه الإمام أحمد، والروايات المختلفة عنه في المذهب، فهو مرجع الحنابلة في معرفة الروايات الواردة عن الإمام أحمد، حيث جمعها القاضي، وأفردها في مؤلف مستقل، مع توجيهها والإستدلال لها، وبيان الراجح منها. جمع فيه المؤلف ما يقارب ألف مسألة، وذكر في كل مسألة روايتين أو وجهين مع الإستدلال لكل رواية أو وجه بدليل، أو أكثر من الكتاب، أو السنة، أو أقوال الصحابة أو التّابعين، أو ذكر وجه ذلك من قياس أو تعليل، مع بيان ما يرى أنه الراجح أو المذهب. ويبين القاضي طريقته في هذا الكتاب بقوله في المقدمة: هذا الكتاب يشتمل على ذكر المسائل التي اختلفت الرواية فيها عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني -رحمة الله عليه- وشرحها وبيانها، وذكر ما عرف من مواضعها، وبيان صحيحها وضعيفها، وإبراز نكتة لكل رواية منها، وينضاف إلى ذلك بيان المسائل التي اختلف أصحابنا فيها، واضافة كل قول لقائله، وذكر ما يعتمد عليه لصحة قوله، وغير الصحيح من غيره. والله الموفق والمعين. مقتطفات من الكتاب: لقد أخرج الدكتور عبد الكريم اللاحم هذا الكتاب إلى عالم المطبوعات بالإعتماد على النسخ الخطية التي سبقت الإشارة إليها. وقسمه إلى قسمين: - قسم خصصه للمسائل الققهية، طبع في ثلاثة مجلدات. - قسم خصصه للمسائل الأصولية، طبع في جزء لطيف. وهذه مقتطفات من القسمين: من كتاب المسائل الفقهية: قال في كتاب البيوع: مسألة [رقم ٢٢]: واختلف في المقبوض على وجه السوم: هل هو مضمون أم لا؟ فنقل أبو طالب فيمن ساوم رجلاً بدابة، فقال: خذها بما أحببت، فأخذها، ولم يقطع الثمن، فماتت: فهي من مال البائع، لأنها ملك له، فقد نص علي أنها من ضمان صاحبها دون المساوم.

стр. 419

ونقل ابن منصور فيمن قبض سلعة على سوم، ولم يسم الثمن، فهلكت: فهو ضامن للقيمة، على اليد ما أخذت حتى تؤدي، فقد نص على أنها من ضمان المساوم. فإن قلنا: إنه غير مضمون، فوجهه: أنه قبض بإذن مالكه لا على وجه العوض والمنفعة، فلم يكن مضمونا عليه، دليله الوديعة. وقولنا: بإذن مالكه. احتراز من الغصب. وقولنا: لا على وجه العوض. احتراز من المبيع إذا قبضه المبتاع أنه مضمون عليه بالثمن، وكذلك منافع الدار إذا قبضها، هي مضمونة عليه، لأنه على وجه العوض قبضه، وها هنا لايقابل هذا القبض عوض، وإنما يحصل العوض في الثاني في مقابلة عقد البيع. وقولنا: لا على وجه المنفعة بها. يعني: لا يجوز له الإنتفاع بها حال المساومة، احترازاً من العارية فإنها مضمونة، لأنه قبض على وجه الإنتفاع بها. وإذا قلنا: إنه مضمون، وهو أصح، فوجهه: أنه قبضه لينفرد بمنفعته لنفسه، فكان مضمونا عليه، كالعارية والغصب، وقولنا: لينفرد بمنفعته، نريد به أنه ينظر ويتفكر، هل المنفعة في شرائه وحصول الحظ له أم لا؟ ولسنا نريد بالمنفعة أنه ينتفع بنفس العين المقبوضة، لأن ذلك لا يجوز بلا خلاف (١). من كتاب المسائل الأصولية: مسألة [رقم ١٦]: إذا ثبت الحكم في الأصل بدليل مقطوع عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع، وجب رد غيره إليه إذا كان معناه فيه، وهذا لا إشكال فيه، فأما إن كان معنى الأصل عرف بالإستنباط، مثل علة الرِّبا في الزائد مكيلاً أو مطعوماً، فهل يجب رد غيره إليه أم لا؟ قال شيخنا أبو عبد الله (٢): لا يجب رد غيره إليه، فعلى قوله، يكون القول ببعض القياس دون بعض، وقد أومأ أحمد إليه في رواية مُهنا، وقد سأله: هل يقيس بالرأي؟ فقال: لا، هو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه. معنى قوله: لا يقيس بالرأي: يعني ما ثبت أصله بالرأي لا يقيس عليه، وعندي: أنه يجب رد غيره إليه، وقد أومأ إليه

стр. 420

في رواية ابن القاسم، فقال: لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلاً، قياساً على المذهب والفضة. فقد قاس الحديد والرصاص على المذهب والفضة، والعلة في الأصل غير مقطوع عليها، لأن العلة عند بعضهم: كونها قيمة المتلفات، وعند ابن عباس معنى آخر. وجه الأول: أنه إذا كان معنى الأصل عرف بالإستدلال وغالب الظن، فإذا رددنا غيره إليه، عرفناه بالإستدلال وغالب الظن، من غير أصل مقطوع به على معناه، وهذا لا يجوز، وتحريره: أن المعنى المستنبط غير مقطوع على صحته، فلم يجز القياس عليه. ووجه الثاني: عموم قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ولم يفصل، بل هذا أولى، فإنه اعتبار حكمه، والذي قالوه اعتبار الفرع فقط، فكان بالآية أخص، ولأنه إجماع الصحابة، وذلك أنهم أجمعوا على القياس المستنبط، فقال عمر وعلي لأبي بكر: ارتضاك رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟ وهذا قياس على معنى استنباطه بالظن، وكذلك قالوا لعمر: إنما أنت مؤدِّب، فلا شيء عليك (١). • شرح مختصر الخرقي للقاضي أبي يعلى: عنوان الكتاب: يعرف هذا الكتاب بـ"شرح الخرقي" و"شرح مختصر الخرقي". المؤلف: هو القاضي أبو يعلى المتقدم. من ذكر الكتاب من المصنفين: ذكره كل من: ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة"، وعلاء الدين المرداوي في "الإنصاف"، والعليمي في "المنهج الأحمد"، وابن بدران في "المدخل"، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢).

стр. 421

مكان وجوده: وصل هذا الكتاب مخروماً، فلا توجد له إلا أجزاء ناقصة مما لا يستفاد منه استفادة كاملة، ولا التعرف عليه إلا من خلال هذا القسم الموجود. قال ابن بدران: "ومما اطلعنا عليه من شروح الخرقي، شرح القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء البغدادي، وهو في مجلدين ضخمين، وبعض نسخه في أربع مجلدات" (١). والذي يوجد حالياً في المكتبة الظاهرية بدمشق نسختان: الأولى: محفوظة تحت رقم ٥٧ فقه حنبلي، ويوجد منها المجلد الثاني فقط، وعدد أوراقه (٢٦٧) ورقة، أما الأول، فمفقود. الثانية: محفوظة تحت رقم ٥٨ فقه حنبلي، ويوجد منها المجلد الثالث فقط، وعدد أوراقه (٢٨٠) ورقة، أما الأول والثاني، فمفقودان. وتوجد نسخة ثالثة في المكتبة الأزهرية بالقاهرة، محفوظة تحت رقم (١٠٦٤٣) تبدأ من "كتاب الأشربة" وهي تحتوي على المجلد الرابع فقط، وبقية المجلدات مفقودة. وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: يعتبر هذا الكتاب شرحاً مبكراً لمختصر الخرقي، إذ لم يسبقه إلى شرحه - فيما نعلم- إلا ثلاثة: عمر بن إبراهيم العكبري الشهير بابن المسلم (٣٨٧ هـ) والحسن بن حامد (٤٠٣ هـ) شيخ المذهب، وشيخ القاضى أبي يعلى، وابن أبي موسى (٤٢٨ هـ) صاحب "الإرشاد". وبالتالي يعتبر هذا الشرح مادة العلماء الذين جاءوا من بعده، خصوصاً وأنه يعني بإقامة الدليل المنقول والمعقول، شأن عمله في كتبه الفقهية والأصولية والكلامية. قال ابن بدران: "وطريقته: أن يذكر المسألة من الخرقي، ثم يذكر من خالف فيها، ثم يقول: ودليلنا، فيفيض في إقامة الدليل من الكتاب والسنة والقياس على طريقة الجدل" (٢). ولا يعرض القاضي أبو يعلى أدلة المخالف من المذاهب الأخرى، على خلاف ما في "المغني" لإبن قدامة المقدسي، فإنه يورد أدلة المخالفين، وقد يسهب وقد يوجز،

стр. 422

خصوصاً وأن المخالف قد يكون متفقاً مع إحدى الروايات عن أحمد والتي تعتبر مرجوحة عند ابن قدامة. مقتطفات من الكتاب: قال في كتاب النكاح: النكاح في اللغة: حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وأما في الشريعة: فقد اختلفوا فيه: فمنهم من قال: حقيقة في الوطء والعقد جميعًا، ومنهم من قال: حقيقة في الوطء مجاز في العقد. والدلالة على أنه حقيقة في الوطء وفي العقد: ما روته عائشة ﵂: كان نكاح الجاهلية على أربعة أنحاء ... إلخ، وساق الحديث بطوله (١). ثم ساق المسألة الأولى من "المختصر" وهي قول أبي القاسم ﵀: (ولا ينعقد النكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين). ثم قال: أما قوله: لا ينعقد إلا بولي، فهو خلاف أبي حنيفة في قوله: ليس بشرط في نكاح البالغة. دليلنا: ما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" (٢). فنفى النكاح عند عدم الولي، ولا يمكن أن يقال: إن المرأة ولية نفسها، لأن الولي إذا أطلق عقل منه الذكر، ولأنه يقال: ولي وولية، كما يقال: شاهد وشاهدة، وعلي أنه قد فسر في خبر آخر، فروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح لإمرأة إلا بإذن وليها". فعلم أن المراد بذلك ولي عن المنكحة. اهـ. • الانتصار في المسائل الكبار: عنوان الكتاب: اسم هذا الكتاب "الإنتصار في المسائل الكبار"، كما هو موجود على ظهور المخطوطات والصفحات الأولى من أجزائه. ولم يضع المؤلف عنواناً معيناً لهذا الكتاب،

стр. 423

فالغالب أنه من وضع تلامذته أو غيرهم، نسقوه من المقدمة. وقد يسمى بـ "الإنتصار" على وجه الإختصار. ويسمى أيضاً بـ"الخلاف الكبير". وهذا اسم وصفي في نظرنا، فقد أطلق هذا الإسم أيضًا على "التعليق الكبير" لأبي يعلى المتقدم. وهذا يفيد أن له كتاباً صغيراً في الخلاف، وهو كذلك، وهو المسمى بـ "رؤوس المسائل" ويطلق عليه "الخلاف الصغير". المؤلف: هو العلامة الفقيه محفوظ بن أحمد بن الحسن الكَلْوَذاني البغدادي الأزجي. وكلوَذان قرية جنوب بغداد على الجانب الشرقي لنهر دجلة (١). المولود سنة ٤٣٢ هـ والمتوفى ببغداد سنة ٥١٠ هـ. من ذكر الكتاب من المصنفين: ذكر هذا الكتاب كثير ممن ترجم لأبي الخطاب، مثل: ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة"، والعليمي في "المنهج الأحمد"، والبغدادي في "إيضاح المكنون" و"هدية العارفين"، والزركلي في "الأعلام"، وعمر كحالة في "معجم المؤلفين". كما ذكره المصنفون في الفقه الحنبلي وقواعده، ومنهم: ابن مفلح في "الفروع"، (٢) وابن تيمية كما في "مجموع الفتاوي" (٣) وابن رجب في "القواعد" (٤) وقد أكثر من النقل عنه في كتابه هذا. وابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية" (٥) وغيرهم. مكان وجوده: لا يوجد من هذا الكتاب -في حدود علمنا- إلا نسخة خطية واحدة تم الإعتماد عليها في طبعه. وهي النسخة المحفوظة في "دار الكتب الظاهرية" بدمشق تحت رقم (٢٧٤٣) عدد أو ارقها (٣٤٣) ورقة بخط معتاد. ويبدو أنها كانت ملكاً للشيخ يوسف ابن عبد الهادي (٩٠٩ هـ) الدمشقي الصالحي، وكانت موقوفة في "المدرسة الشيخية العمرية" قبل انتقالها إلى الظاهرية.

стр. 424

وتعتبر هذه النسخة ناقصة، إذ هي عبارة عن المجلد الأول فقط، ويحتوي على: الطهارة -الصلاة- الزكاة. وقد نشر الكتاب محققًا في ثلاثة مجلدات كبار (١). وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته: يصنف الكتاب في "الفقه المقارن" أو"الخلاف" كما يسمى قديمًا، فإن المصنف يبين الخلاف بين الفقهاء، ثم ينتصر لمذهب الإمام أحمد بالحجج الثقلية والعقلية، فهو بهذا يرتب بعد كتاب "التعليق الكبير" لشيخه القاضي أبي يعلى زمانا وموضوعًا. لكن أبا الخطاب اقتصر على أشهر المسائل الخلافية التي سماها "المسائل الكبار" كما أبان عن ذلك في المقدمة. ويمتاز أبو الخطاب بذكر غير الأئمة الأربعة في الخلاف على الغالب، كداود الظاهري والأوزاعي والثوري والليث، كما يذكر أحيانا جماعة الصحابة والتابعين القائلين بذلك القول (٢). وطريقة المؤلف في هذا الكتاب: أن يورد المسألة تحت عنوان "مسألة" ويذكر بعدها رأي الإمام أحمد في رواياته المتعددة، كما يذكر وجوه الأصحاب عند عدم النص من الإمام، ويحرص دائمًا على تقديم الرواية المعتمدة للمذهب في نظره، ثم يذكر من وافقه ومن خالفه من الفقهاء. وبعد الإنتهاء من تصوير المسألة وعرض الأقوال، يأخذ أبو الخطاب في الإنتصار والإحتجاج لمذهب الإمام أحمد بقوله: لنا: كذا، أو: دليلنا: كذا، أو: ونصرة اختيار أصحابنا كذا. وعند اختلاف الرواية يقول: وجه الأولى كذا .. ووجه الثانية: كذا .. ثم يسرد الأدلة مرتبة، وهي: الكتاب، ثم السنة، ثم القياس والمعقول. ويمتاز أبو الخطاب بإطالة النفس في للراد اعتراضات الخصوم، بقوله: فإن قيل كذا. . . ثم يرد عليها بقوله: قلنا: كذا. . .

стр. 425

وتبرز أهمية الكتاب في نواح عديدة، منها: - أنه يعد مصدرًا من مصادر معرفة خلافيات أبي الخطاب واختياراته داخل المذهب الحنبلي. - أنه معتمد كثير من فقهاء الحنابلة في معرفة الخلاف في المسائل الفقهية بين الأئمة، ومعرفة دليل الحنابلة، وقد عول عدد كبير من العلماء في تصنيفه على كتاب "الإنتصار"، وخاصة ابن رجب في "القواعد". - أنه مصدر من مصادر معرفة الراجح من الخلاف في المذهب. وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه (١). وبالجملة: فإن هذا الكتاب يعد ذخيرة علمية لا يستهان بها، لولا أنه ناقص، فهو قد حوى خلاصة لآراء الأئمة الأربعة وغيرهم في أمهات المسائل الخلافية، كما أنه تضمن نصوصًا من كتب تعتبر في حكم المفقود حاليًا، مثل "سنن هبة الله الطبري" و"علل الحديث للسَّاجي" وغيرهما (٢). مقتطفات من الكتاب: من كتاب الزكاة: مسألة [رقم ١١]: للخلطة تأثير في إيجاب الزكاة وإسقاطها، نص عليه في رواية جماعة من أصحابه، وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تؤثر في ذلك. لنا: ما تقدم من خبر أنس أن أبا بكر ﵁ كتب كتاب الصدقة: هذه فريضة الصدقة التي فرض الله على المسلمين، وأمره لرسوله. . . وقال فيه: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. أخرجه البخاري وابن خزيمة وابن أبي حاتم. وخبر ابن عمر: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، ففرضه (٣) بسيفه، وعمل به
следующие страницы →