مكان وجوده:
وصل هذا الكتاب مخروماً، فلا توجد له إلا أجزاء ناقصة مما لا يستفاد منه استفادة كاملة، ولا التعرف عليه إلا من خلال هذا القسم الموجود.
قال ابن بدران:
"ومما اطلعنا عليه من شروح الخرقي، شرح القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء البغدادي، وهو في مجلدين ضخمين، وبعض نسخه في أربع مجلدات" (١).
والذي يوجد حالياً في المكتبة الظاهرية بدمشق نسختان:
الأولى: محفوظة تحت رقم ٥٧ فقه حنبلي، ويوجد منها المجلد الثاني فقط، وعدد أوراقه (٢٦٧) ورقة، أما الأول، فمفقود.
الثانية: محفوظة تحت رقم ٥٨ فقه حنبلي، ويوجد منها المجلد الثالث فقط، وعدد أوراقه (٢٨٠) ورقة، أما الأول والثاني، فمفقودان.
وتوجد نسخة ثالثة في المكتبة الأزهرية بالقاهرة، محفوظة تحت رقم (١٠٦٤٣) تبدأ من "كتاب الأشربة" وهي تحتوي على المجلد الرابع فقط، وبقية المجلدات مفقودة.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
يعتبر هذا الكتاب شرحاً مبكراً لمختصر الخرقي، إذ لم يسبقه إلى شرحه - فيما نعلم- إلا ثلاثة: عمر بن إبراهيم العكبري الشهير بابن المسلم (٣٨٧ هـ) والحسن بن حامد (٤٠٣ هـ) شيخ المذهب، وشيخ القاضى أبي يعلى، وابن أبي موسى (٤٢٨ هـ) صاحب "الإرشاد".
وبالتالي يعتبر هذا الشرح مادة العلماء الذين جاءوا من بعده، خصوصاً وأنه يعني بإقامة الدليل المنقول والمعقول، شأن عمله في كتبه الفقهية والأصولية والكلامية.
قال ابن بدران:
"وطريقته: أن يذكر المسألة من الخرقي، ثم يذكر من خالف فيها، ثم يقول: ودليلنا، فيفيض في إقامة الدليل من الكتاب والسنة والقياس على طريقة الجدل" (٢).
ولا يعرض القاضي أبو يعلى أدلة المخالف من المذاهب الأخرى، على خلاف ما في "المغني" لإبن قدامة المقدسي، فإنه يورد أدلة المخالفين، وقد يسهب وقد يوجز،
стр. 422
خصوصاً وأن المخالف قد يكون متفقاً مع إحدى الروايات عن أحمد والتي تعتبر مرجوحة عند ابن قدامة.
مقتطفات من الكتاب:
قال في كتاب النكاح:
النكاح في اللغة: حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وأما في الشريعة: فقد اختلفوا فيه: فمنهم من قال: حقيقة في الوطء والعقد جميعًا، ومنهم من قال: حقيقة في الوطء مجاز في العقد.
والدلالة على أنه حقيقة في الوطء وفي العقد: ما روته عائشة ﵂: كان نكاح الجاهلية على أربعة أنحاء ... إلخ، وساق الحديث بطوله (١).
ثم ساق المسألة الأولى من "المختصر" وهي قول أبي القاسم ﵀:
(ولا ينعقد النكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين).
ثم قال: أما قوله: لا ينعقد إلا بولي، فهو خلاف أبي حنيفة في قوله: ليس بشرط في نكاح البالغة.
دليلنا: ما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" (٢). فنفى النكاح عند عدم الولي، ولا يمكن أن يقال: إن المرأة ولية نفسها، لأن الولي إذا أطلق عقل منه الذكر، ولأنه يقال: ولي وولية، كما يقال: شاهد وشاهدة، وعلي أنه قد فسر في خبر آخر، فروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح لإمرأة إلا بإذن وليها". فعلم أن المراد بذلك ولي عن المنكحة. اهـ.
• الانتصار في المسائل الكبار:
عنوان الكتاب:
اسم هذا الكتاب "الإنتصار في المسائل الكبار"، كما هو موجود على ظهور المخطوطات والصفحات الأولى من أجزائه. ولم يضع المؤلف عنواناً معيناً لهذا الكتاب،
стр. 423
فالغالب أنه من وضع تلامذته أو غيرهم، نسقوه من المقدمة. وقد يسمى بـ "الإنتصار" على وجه الإختصار. ويسمى أيضاً بـ"الخلاف الكبير". وهذا اسم وصفي في نظرنا، فقد أطلق هذا الإسم أيضًا على "التعليق الكبير" لأبي يعلى المتقدم. وهذا يفيد أن له كتاباً صغيراً في الخلاف، وهو كذلك، وهو المسمى بـ "رؤوس المسائل" ويطلق عليه "الخلاف الصغير".
المؤلف:
هو العلامة الفقيه محفوظ بن أحمد بن الحسن الكَلْوَذاني البغدادي الأزجي. وكلوَذان قرية جنوب بغداد على الجانب الشرقي لنهر دجلة (١). المولود سنة ٤٣٢ هـ والمتوفى ببغداد سنة ٥١٠ هـ.
من ذكر الكتاب من المصنفين:
ذكر هذا الكتاب كثير ممن ترجم لأبي الخطاب، مثل: ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة"، والعليمي في "المنهج الأحمد"، والبغدادي في "إيضاح المكنون" و"هدية العارفين"، والزركلي في "الأعلام"، وعمر كحالة في "معجم المؤلفين".
كما ذكره المصنفون في الفقه الحنبلي وقواعده، ومنهم: ابن مفلح في "الفروع"، (٢) وابن تيمية كما في "مجموع الفتاوي" (٣) وابن رجب في "القواعد" (٤) وقد أكثر من النقل عنه في كتابه هذا. وابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية" (٥) وغيرهم.
مكان وجوده:
لا يوجد من هذا الكتاب -في حدود علمنا- إلا نسخة خطية واحدة تم الإعتماد عليها في طبعه. وهي النسخة المحفوظة في "دار الكتب الظاهرية" بدمشق تحت رقم (٢٧٤٣) عدد أو ارقها (٣٤٣) ورقة بخط معتاد.
ويبدو أنها كانت ملكاً للشيخ يوسف ابن عبد الهادي (٩٠٩ هـ) الدمشقي الصالحي، وكانت موقوفة في "المدرسة الشيخية العمرية" قبل انتقالها إلى الظاهرية.
стр. 424
وتعتبر هذه النسخة ناقصة، إذ هي عبارة عن المجلد الأول فقط، ويحتوي على: الطهارة -الصلاة- الزكاة.
وقد نشر الكتاب محققًا في ثلاثة مجلدات كبار (١).
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
يصنف الكتاب في "الفقه المقارن" أو"الخلاف" كما يسمى قديمًا، فإن المصنف يبين الخلاف بين الفقهاء، ثم ينتصر لمذهب الإمام أحمد بالحجج الثقلية والعقلية، فهو بهذا يرتب بعد كتاب "التعليق الكبير" لشيخه القاضي أبي يعلى زمانا وموضوعًا. لكن أبا الخطاب اقتصر على أشهر المسائل الخلافية التي سماها "المسائل الكبار" كما أبان عن ذلك في المقدمة.
ويمتاز أبو الخطاب بذكر غير الأئمة الأربعة في الخلاف على الغالب، كداود الظاهري والأوزاعي والثوري والليث، كما يذكر أحيانا جماعة الصحابة والتابعين القائلين بذلك القول (٢).
وطريقة المؤلف في هذا الكتاب: أن يورد المسألة تحت عنوان "مسألة" ويذكر بعدها رأي الإمام أحمد في رواياته المتعددة، كما يذكر وجوه الأصحاب عند عدم النص من الإمام، ويحرص دائمًا على تقديم الرواية المعتمدة للمذهب في نظره، ثم يذكر من وافقه ومن خالفه من الفقهاء. وبعد الإنتهاء من تصوير المسألة وعرض الأقوال، يأخذ أبو الخطاب في الإنتصار والإحتجاج لمذهب الإمام أحمد بقوله: لنا: كذا، أو: دليلنا: كذا، أو: ونصرة اختيار أصحابنا كذا. وعند اختلاف الرواية يقول: وجه الأولى كذا .. ووجه الثانية: كذا .. ثم يسرد الأدلة مرتبة، وهي: الكتاب، ثم السنة، ثم القياس والمعقول.
ويمتاز أبو الخطاب بإطالة النفس في للراد اعتراضات الخصوم، بقوله: فإن قيل كذا. . . ثم يرد عليها بقوله: قلنا: كذا. . .
стр. 425
وتبرز أهمية الكتاب في نواح عديدة، منها:
- أنه يعد مصدرًا من مصادر معرفة خلافيات أبي الخطاب واختياراته داخل المذهب الحنبلي.
- أنه معتمد كثير من فقهاء الحنابلة في معرفة الخلاف في المسائل الفقهية بين الأئمة، ومعرفة دليل الحنابلة، وقد عول عدد كبير من العلماء في تصنيفه على كتاب "الإنتصار"، وخاصة ابن رجب في "القواعد".
- أنه مصدر من مصادر معرفة الراجح من الخلاف في المذهب. وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه (١).
وبالجملة: فإن هذا الكتاب يعد ذخيرة علمية لا يستهان بها، لولا أنه ناقص، فهو قد حوى خلاصة لآراء الأئمة الأربعة وغيرهم في أمهات المسائل الخلافية، كما أنه تضمن نصوصًا من كتب تعتبر في حكم المفقود حاليًا، مثل "سنن هبة الله الطبري" و"علل الحديث للسَّاجي" وغيرهما (٢).
مقتطفات من الكتاب:
من كتاب الزكاة:
مسألة [رقم ١١]: للخلطة تأثير في إيجاب الزكاة وإسقاطها، نص عليه في رواية جماعة من أصحابه، وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تؤثر في ذلك.
لنا: ما تقدم من خبر أنس أن أبا بكر ﵁ كتب كتاب الصدقة: هذه فريضة الصدقة التي فرض الله على المسلمين، وأمره لرسوله. . . وقال فيه: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. أخرجه البخاري وابن خزيمة وابن أبي حاتم. وخبر ابن عمر: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، ففرضه (٣) بسيفه، وعمل به
стр. 426
أبو بكر وعمر. كان فيه: "لا يفرق بين مجتمع". لفظ الخبر سواء. أخرجه الترمذي وأبو داود.
فمنه دليلان:
أحدهما: أنه نهى أن يكون لكل رجل أربعون شاة في موضعين، فيجمعان بينهما عند مجيء الساعي، ليأخذ شاة واحدة. أو يكون لرجل أربعون، فيفرقها في موضعين، ليُسقط الصدقة.
والثاني: قوله: وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وهذا إنما يتصور إذا اختلط من له عشرون بمن له أربعون. فإن الساعي إن أخذ الشاة من صاحب العشرين، يرجع على الآخر بثلثي شاة، وإن أخذها من صاحب الأربعين رجع على الآخر بثلث شاة.
فإن قيل: يحمل النهي عن الاجتماع والإفتراق على المالك الواحد، لا يفرق أربعين، ليسقط الزكاة، وعلى الساعي لا يفرق ثمانين شاة لرجل، ليأخذ شاتين.
قلنا: قد استفدنا ذلك من أول الخبر (١). . . إلخ.
• المستوعب:
عنوان الكتاب:
يعرف هذا الكتاب بعنوان "المستوعِب" بكسر العين وزن اسم الفاعل على ما نرجحه تبعًا لإبن بدران (٢).
وذلك أن مؤلفه لم يضع له عنوانًا خاصًا غيره من الكتب التي قدمنا التعريف بها، فاستنتج هذا العنوان من مقدمة الكتاب التي جاء فيها: "ضمنت كتابي هذا من أصول المذهب وفروعه ما استوعب جميع ما تضمنه "التنبيه" لغلام الخلال. . . الخ" فصار هذا الكتاب مستوعِبًا لما سمّى مصنفه.
المؤلف:
هو مجتهد المذهب محمد بن عبد الله بن الحسين السامُرِّي البغدادي، المعروف بـ "ابن سُنَيْنَة". المولود بسامُرّاء سنة ٥٣٥ هـ، والمتوفى ببغداد سنة ٦١٦ هـ.
стр. 427
من ذكر الكتاب من المصنفين:
ذكر الكتاب عامة من ترجم للمؤلف، منهم: ابن رجب في "ذيل الطبقات" وابن العماد فى "شذرات الذهب" والزركلي في "الأعلام" وعمر كحالة في "معجم المؤلفين".
كما ذكره عدد كبير من المصنفين في الفقه الحنبلي بعد السامّري أحصى منهم محقق كتاب "الفروق" (١٤) عنوانا، وأحصى محقق "المستوعب" (٣١) عنوانا (١).
وقد اعتبره ابن بدران أصلاً لكتاب "الإقناع" للحجاوي في الشكل والمضمون، فقال: وقد حذا حذوه الشيخ موسى الحجاوي في كتابه "الإقناع لطالب الإنتفاع" وجعله مادة كتابه، وإن لم يذكر ذلك في خطبته، لكنه عند تأمل الكتابين تبين ذلك -رَحِمَهُمَا اللهُ- (٢).
مكان وجود الكتاب:
يُوجد من هذا الكتاب نسختان خطيتان -فيما نعلم-:
النسخة الأولى: محفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق رقمها (٤٨ فقه حنبلي) وتتكون هذه النسخة من ثلاثة أجزاء:
الأول: يبدأ بكتاب الطهارة وينتهي بانتهاء كتاب البيوع، عدد أوراقه (٢٨٥) ورقة.
الثاني: يبدأ بكتاب الضمان، وينتهي بكتاب الطلاق، وعدد أوراقه (٧٧) ورقة.
الثالث: يبدأ بكتاب الجنايات، وينتهي بباب الكراهة، وعدد أوراقه (٢٣٠)
ورقة.
النسخة الثانية: محفوظة بالمكتبة الظاهرية أيضًا تحت رقم ٨٥ فقه حنبلي. وتتكون هذه النسخة من جزأين. عدد أوراق الأول (٢٨٠) ورقة، وعدد أوراق الثاني (٢٥٠) ورقة.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
اعتبر ابن بدران هذا الكتاب أحسن من صنُف في مذهب الإمام أحمد وأجمعه (٣).
стр. 428
وهو متن من المتون الفقهية الجامعة، وقد عُني صاحبه بسبك مسائل الأبواب سبكًا حسنا متتابعًا، خاليًا من إيراد الأدلة، إلا أنه حفل باختلاف الروايات والوجوه، وكثيرًا ما يورد الإختلاف في صورة سؤال، كقوله في الوضوء: وهل يجوز للصبيان حمل الألواح التي فيها قرآن يقرؤون فيها؟ على وجهين (١).
وقد استوعب السامُرّي في هذا الكتاب ثمانية مصنفات لمن سبقه من علماء المذهب، وهي: "مختصر الخرقي" و"التنبيه" لعبد العزيز غلام الخلال، و"الإرشاد" لإبن أبي موسى، و"الجامع الصغير"، و"الخصال" للقاضي أبي يعلى، و"الخصال" لإبن البنا، و"الهداية" لأبي الخطاب، و"التذكرة" لإبن عقيل. ثم قال:
فمن حصل كتابي هذا أغناه عن جميع هذه الكتب المذكورة، إذ لم أخل بمسألة منها إلا وقد ضمنته حكمها، وما فيها من الروايات وأقاويل أصحابنا التي تضمنتها جميع هذه الكتب، اللهم إلا أن يكون في بعض نسخها نقصان، ولقد تحريت أصح ما قدرت عليه منها (٢). اهـ.
ولم يكتف بالكتب المذكورة، بل استكمل نقص مجموعها، بإضافة مسائل
وروايات وردت في "الشافي" لغلام الخلال، و"المجرد" للقاضي أبي يعلى، و"كفاية المفتي" لأبي الوفاء ابن عقيل، وهو كتاب "الفصول".
وتتلخص فوائد الكتاب وميزاته فيما يلي:
- وضوح الأسلوب وسهولة العبارة.
- اعتباره مصدرًا مقربا لإختلاف الرواية في المذهب.
- تنوع مصادر الكتاب وأصالتها.
- وعد المؤلف في مقدمته بتوضيح المشكل، وتفسير المجمل، وجمع المفرق، وتقريب فهم الكتاب على قارئه ومتأمله، وحسن ترتيبه وتنظيمه، فكان كما وعد، فجزاه الله خيرًا (٣).
стр. 429
وطُبع منه إلى الآن أربعة أجزاء؛ من أول الكتاب إلى آخر العقيقة، بدراسة وتحقيق الدكتور مساعد بن قاسم الفالح. نشرته مكتبة المعارف بالرياض في أربعة أجزاء.
مقتطفات من الكتاب:
من كتاب الزكاة:
باب زكاة التجارة:
حكم قيم عروض التجارة في الزكاة، كحكم الناض (١)، فإذا بلغت قيمتها نصابا قدره مقدار نصاب الناض، وحال الحول، ولم ينقص عن ذلك وجبت زكاتها، وهي كزكاة الناض ربع العشر، وما زاد على النصاب فبحسابه، وإن قل، ويخرج من القيمة لا من العروض.
فإن نقصت قيمتها في بعض الحول عن النصاب فلا زكاة إلا أن يكون في ملكه ناض زكوي، فيكمل الجميع نصابًا فتجب الزكاة.
وكل عروض التجارة تقوم إذا تم الحول، سواء كانت مما تجب الزكاة في عينه، كبهيمة الأنعام أو غير ذلك، وسواء كانت مما ينقل، كاللآلئ والجواهر جميعها، والمكيل والموزون والمذروع، والعبيد، وسائر الحيوان، أو مما لا ينقل، كالعقار والغراس (٢).
• المغني:
عنوان الكتاب:
يعرف هذا الكتاب بـ"المغني" بدون أي شيء زائد، والظاهر أن هذا الإسم وضعه المؤلف على ظهر الكتاب، لأنه لم يذكر في المقدمة أنه سماه باسم معين، والذي يدل على أن المؤلف سماه بهذا الإسم شهرة هذا العنوان في عصر المؤلف، فقد قال ابن أخيه الشيخ عبد الرحمن بن أبي عمر في مقدمة "الشرح الكبير": اعتمدت في جمعه على كتابه "المغني" وذكرت فيه من غيره ما لم أجده فيه من الفروع والوجوه والروايات، ولم أترك من كتاب "المغني" إلا شيئًا يسيرًا من الأدلة. . . إلخ.
стр. 430
المؤلف:
هو عبد الله بن أحمد بن قدامة، موفق الدين، أبو محمد المقدسي، ثم الصالحي الفقيه الزاهد. المولود بجمّاعيل سنة ٥٤١ هـ، والمتوفى يوم السبت يوم عيد الفطر سنة ٦٢٠ هـ بمنزله بدمشق.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
يعتبر كتاب "المغني" من أوسع الكتب المصنفة في المذهب، وأكبرها حجمًا، فهو يقع في (٩) مجلدات كبار بخط مصنفه (١).
واعتبر كثير من العلماء كتاب "المغني" أحسن شروح الخرقي، من حيث التوسع وكثرة الفوائد، وغير ذلك.
قهو إذن شرح على "مختصر الخرقي". لكن الذي يبدو من منهج الموفق ﵀، وقصده في هذا الكتاب، هو تكوين موسوعة للفقه الحنبلي، وليس شرح مختصر الخرقي بالذات، وإنما بناه على المختصر، وجعل مسائله كتراجم لأبحاث كتاب "المغني". وهذا ما نلمسه واضحًا في مقدمته الوجيزة للكتاب، إذ جاء فيها:
وقد أحببت أن أشرح مذهبه -أي الإمام أحمد - واختياره، ليعلم ذلك من اقتفى آثاره، وأبين في كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه، وأذكر لكل إمام ماذهب إليه، تبركًا بهم (٢)، وتعريفًا لمذاهبهم، وأشير إلى دليل بعض أقوالهم على سبيل الإختصار، والإقتصار من ذلك على المختار، وأعزو ما أمكنني عزوه من الأخبار، إلى كتب الأئمة من علماء الآثار، لتحصل الثقة بمدلولها، والتمييز بين صحيحها ومعلولها، فيعتمد على معروفها ويعرض عن مجهولها.
ثم بنيت ذلك على شرح مختصر الخرقي أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي ﵀ لكونه كتابا مباركًا نافعًا، ومختصرًا موجزًا جامعًا، ومؤلفه إمام كبير
стр. 431
صالح، ذو دين، أخو ورع، جمع العلم والعمل، فنتبرك بكتابه (١)، ونجعل الشرح مرتبًا على مسائله وأبوابه (٢).
فالكتاب يعد شرحًا للمذهب، وليس لمختصر الخرقي فحسب، كما يعتبر أصله مختصرًا لفقه الإمام أحمد، وليس مختصرًا لكتاب آخر.
طريقة ابن قدامة في المغني:
طريقة المصنف في هذا الكتاب: أنه يكتب المسألة من مختصر الخرقي، ويجعلها كالترجمة للبحث، ثم يأتي على شرحها وتبيينها، وما دلت عليه بمنطوقها ومفهومها ومضمونها، ثم يتبع ذلك ما يشابهها مما ليس بمذكور في الكتاب، فتحصل المسائل كتراجم الأبواب (٣).
ويلتزم صاحب المغني في عناوين الكتاب وتراجمه، ما في مختصر الخرقي، بحيث يقسم الكتاب كله إلى مجموعة كتب، ككتاب الطهارة، وكتاب الصلاة. . . . ويقسم الكتاب الواحد إلى عدة أبواب، كباب الآنية، باب الحيض. . . ويقسم الباب إلى عدة مسائل، كل مسألة يجعلها كالترجمة للبحث.
ثم إنه يورد المباحث والأحكام التي لم ينص عليها الخرقي تحت فصول غير مترجمة. فيقول مثلاً: فصل: وحكم المستحاضة حكم التيمم. . . الخ، فصل: يستحب أن يكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفع رأسه. . . .
العناية بالخلاف والأدلة في المغني:
يعنى المؤلف بذكر الخلاف والأدلة في هذا الكتاب، وهو قبل أن يكون مصدرًا لمعرفة الخلاف، فهو مصدر لمعرفة الإجماع، إذ أخذ على نفسه أن يبين في كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه.
قال الشيخ رشيد رضا ﵀ في تقدمته لطبع "المغني" و"الشرح الكبير": الفائدة الخامسة: إن الذي يقرأ الكتابين أو يراجع المسائل فيهما يقف على مسائل
стр. 432
الإجماع، وهي الواجبة قطعًا على جميع المسلمين، فلا يسع أحدًا منهم ترك شيء منها إلا بعذر شرعي (١). اهـ.
ونلاحظه تارة يحيل في حكاية الإجماع على ابن المنذر، وتارة يتكفل ذلك بنفسه، فيقول مثلا: لا نعلم في ذلك خلافًا. أو نحو هذه العبارة.
وأما الخلاف والأدلة:
فيذكر ابن قدامة في "المغني" الخلاف في حكاية المذهب على روايتين أو أكثر متى وجد، وينسب كل رواية لصاحبها، ويوجهها بوجوه من النظر والدليل، كما يعنى بذكر الخلاف بين الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم، ويستدل لكل مذهب بدليل مقتضب، وقد صرح بذلك في المقدمة، فقال: وأشير إلى دليل بعض أقوالهم على سبيل الإختصار، والإقتصار من ذلك على المختار (٢). اهـ. ويرجح في الأخير ما يراه راجحًا على طريقة فن الخلاف والجدل، ويتوسع في فروع المسألة.
قيمة كتاب المغني وأهميته:
بعد هذا التعريف الموجز بشأن هذا الكتاب العظيم، يتبين أنه ديوان الإسلام في الفقه، وليس كتابًا للحنابلة فحسب، وليس أدل على ذلك من مسارعة العلماء في الاقتناء له على اختلاف مذاهبهم، فهو في الفقه الإسلامي بمنزلة تفسير ابن جرير الطبري في تفسير القرآن، أو تفسير القرطبي في جمع أحكامه، وبمنزلة "السنن الكبرى" للبيهقي في جمع أحاديث الأحكام. وقديمًا قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل "المحَلَّى والمجلَّى" (٣) وكتاب "المغني" للشيخ موفق الدين ابن قدامة، في جودتهما وتحقيق ما فيهما.
ونقل عنه أيضًا قوله: لم تطب نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة من "المغني" (٤).
وعلق الذهبي على الكلمة الأولى بقوله: قلت: لقد صدق الشيخ عز الدين. وثالثهما: "السنن الكبرى للبيهقي"، ورابعها: "التمهيد" لإبن عبد البر.
стр. 433
فمن حصل هذه الدواوين، وكان من أذكياء الفتين، وأدمن المطالعة فيها، فهو العالم- حقا (١) اهـ.
وقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ مقدمة حافلة لطبعة "المغني" الأولى التي طبعت مع "الشرح الكبير" لإبن أخي الموفق، والتي كانت بأمر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀.
وكان الشيخ رشيد يتمنى قبل ذلك طبع الكتاب، ويقول: وإذا يسر الله تعالى لكتاب "المغني" من يطبعه فأنا أموت آمنا على الفقه الإسلامي أن يموت (٢).
ونلخص أهم فوائد "المغني" وكذلك "الشرح الكبير" فيما يلي:
- إن الكتابين مصدران من مصارد الإجماع.
- وكذلك يعتبران مصدرين من مصادر معرفة اختلاف الصحابة والتابعين، فأغنى هذان الكتابان عن مراجعة كتب السنن الآثار المعرفة بمذاهب الصحابة والتابعين إجماعًا وخلافًا، كمصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، وكتب الأثرم، وكتب ابن المنذر.
- إن المطالع لهذين الكتابين بإدمان ومواظبة، ليتدرب على تكوين آلة الإجتهاد وحسن النظر في فقه الأدلة والخلاف بين العلماء، فيخرج من رِبْقَةِ الجمود على التقليد المحض المذموم.
- وقد سلك الوفق وابن أخيه في عرض مسائل الخلاف ومناقشتها مسلك الأدب العالي مع جميع علماء الأمصار، عند ى خلاف صاحب "المُحلَّى" ﵀، مما يدل على أن المسائل الخلافية لم تكن بعد ذاتها سببًا للتفرق أو التعادي بين المسلمين، ولا للمفاضلة بين علمائهم، لولا ذلك التعصب المقيت الذي سلكه بعض أنصار المذاهب في كتبهم.
وكتاب "الشرح الكبير" لا يختلف عن "المغني" في الطريقة والمنهج، بل وفي المحتوى إلا شيئًا قليلًا، فمن أجل ذلك رأينا أن ما قيل عن في "المغني" يكفي في التعريف بـ "الشرح الكبير" فهو المقنع والكافي والمغني إن شاء الله.
стр. 434
• العمدة ، المقنع ، الكافي:
هذه ثلاثة متون ألفها الموفق ابن قدامة، صاحب "المغني". ونعرف بها مجتمعة لما لها من علاقة فيما بينها.
• فكتاب "العمدة":
هو أصغرها، وهو عبارة عن مختصر، وضعه للمبتدئين، وجرى فيه على قول واحد مما اختاره، وهو سهل العبارة. وطريقته فيه: أن يصدر الأبواب بحديث من الصحاح، ثم يذكر من الفروع ما إذا دققت النظر وجدتها مستنبطة من ذلك ألحديثا، فترتقي همة مطالعه إلى طلب الحديث، ثم يرتقي إلى مرتبة الإستنباط والإجتهاد في الأحكام (١).
قال مصنفه في المقدمة:
هذا كتاب أحكام في الفقه، اختصرته حسب الإمكان، واقتصرت فيه على قول واحد، ليكون عمدة لقارئه، ولا يلتبس عليه الصواب باختلاف الوجوه والروايات. . . . وأودعته أحاديث صحيحة تبركًا بها، واعتمادًا عليها، وجعلتها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها (٢).
وقد حفل علماء المذهب بهذا الكتاب وتناولوه بالشرح والتحشية والنظم، ويعتبر كتاب "العدة في شرح العمدة" للبهاء المقدسي (٦٢٤ هـ) أهم شروحه، كما شرح بعضه (٣) شيخ الإسلام وبحر العلوم أحمد ابن تيمية، فجعله مسائل، وجعل المسائل تراجم للبحث والشرح والإفاضة على طريقة "المغني" إلا أنه لا يذكر الخلاف الكبير ويقتصر على المذهب الحنبلي، ويكثر من الأدلة النقلية.
• وأما كتاب "المقنع":
فهو متن يأتي بعد "العمدة" في الترتيب. قال المصنف في خطبته: اجتهدت في جمعه وترتيبه، وإيجازه وتقريبه، وسطًا بين القصير والطويل، وجامعًا لأكثر الأحكام، عريَّة
стр. 435
عن الدليل والتعليل، ليكثر علمه، ويقل حجمه، ويسهل حفظه وفهمه، ويكون مقنعًا لحافظيه نافعًا للناظر فيه (١). اهـ.
لطيفة:
من متشابه الأسماء في الكتب والتصانيف أن "المقنع" عنوان لعدة مؤلفات عند الحنابلة، منها:
- المقنع، لغلام الخلال (٣٦٣ هـ).
- والمقنع، لإبن المسلم (٣٨٧ هـ).
- والمقنع في شرح الخرقي، لإبن البناء (٤٧١ هـ).
- والمقنع في النيات، لإبن أبي يعلى (٥٢٦ هـ).
- والمقنع في أصول الفقه، لإبن حمدان (٦٩٥ هـ).
وطريقة المصنف في هذا المتن أن يورد الأحكام متتابعة عارية عن الدليل والتعليل، كما نبه على ذلك في الخطبة، ثم إنه يذكر اختلاف الروايات عن الإمام، والوجوه عن أصحابه باختصار شديد، فيقول: على روايتين أو وجهين، أو: فيهما روايتان، أو وجهان، وتارة يقول: وعنه. . . الخ ويعني بذلك: رواية أخرى عن أحمد. ولا يرجح بين الروايات في الغالب، وكذلك في بعض الوجوه، وهذا ما يسمى بالخلاف المطلق في المذهب، وأحيانا يرجح بين الوجوه، فيقول: والأول أصح، أو: في أصح الوجهين. ويشير إلى تفردات بعض مجتهدي المذهب، كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب.
ونظرًا لوجود الخلاف مطلقًا في هذا المتن، فقد وضعت عليه عدة طرر وحواشٍ في تحرير الرواية، وتصحيح المذهب، مثل "تصحيح الخلاف المطلق في المقنع" مطولًا ومختصرًا لمحمد بن عبد القادر الجعفري، المعروف بالجنة (٢) (٧٩٧ هـ) و"تصحيح المقنع" لشمس الدين ابن أحمد النابلسي (٨٠٥ هـ). و"التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع" للعلامة مصحح المذهب ومنقحه علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (٨٨٥ هـ). وهو
стр. 436
يكاد يكون اختصارًا لكتاب "الإنصاف"، فصحح المرداوي في كتاب "التنقيح" ما أطلقه ابن قدامة في "المقنع" من الروايتين أو الروايات، ومن الوجهين أو الوجوه، وقيّد ما أخل به من الشروط، وفسر ما أبهم فيه من حكم أو لفظ، واستثنى من عمومه ما هو مستثنى على المذهب حتى خصائصه ﷺ ، وقيد ما يحتاج إليه مما فيه إطلاق، وزاد مسائل محررة مصححة، فصار تصحيحًا لغالب كتب المذهب (١).
قيمة كتاب "المقنع":
تظهر قيمة هذا المتن في انتداب ابن أخي المصنف إلى القيام بشرحه شرحًا عظيمًا سماه "الشافي"، ويطلق عليه: "الشرح الكبير"، ولا نعرف له شرحًا صغيرًا يقابله، بل ربما لكبر حجمه سمي بذلك.
وتظهر قيمته أيضًا في أنه عمدة الحنابلة من زمنه إلى يومنا هذا، وهو أشهر المتون بعد "مختصر الخرقي"، فلهذا أفاضوا في شرحه وتحشيته وبيان غريبه وتصحيحه وتنقيحه وتوضيحه.
قال ابن بدران:
"واعلم أن لأصحابنا ثلاثة متون حازت اشتهارًا أيما اشتهار: أولها: "مختصر الخرقي" فإن شهرته عند المتقدمين سارت مشرقا ومغربًا، إلى أن ألف الموفق كتابه "المقنع" فاشتهر عند علماء المذهب قريبًا من اشتهار الخرقي إلى عصر التسعمائة، حيث ألف القاضي علاء الدين المرداوي "التنقيح المشبع" ثم جاء بعده تقي الدين أحمد بن النجار الشهير بالفتوحي، فجمع "المقنع" مع "التنقيح" في كتاب سماه "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" فعكف الناس عليه، وهجروا ما سواه من كتب المتقدمين، كسلاً منهم ونسيانًا لمقاصد علماء هذا المذهب التي ذكرنا آنفا. وكذلك الشيخ موسى الحجاوي ألف كتابه "الإقناع" ا. هـ" (٢).
وقال المرداوي في مدح هذا الكتاب:
أما بعد، فإن كتاب "المقنع" في الفقه، تأليف شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد
стр. 437
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، قدس الله روحه، ونور ضريحه، من أعظم الكتب نفعًا وأكثرها جمعًا، وأوضحها إشارة، وأسلسها عبارة، وأوسطها حجمًا، وأغزرها علمًا، وأحسنها تفصيلًا وتفريعًا، وأجمعها تقسيمًا وتنويعًا، وأكملها ترتيبًا، وألطفها تبويبًا؛ قد حوى غالب أمهات مسائل المذهب، فمن حصَّلها فقد ظفر بالكنز والمطلب) (١).
• وأما " الكافي ":
فهو كتاب وسط فوق "المقنع" ودون "المغني"، وهو أعظم مصنفاته بعد "المغني" إذ عرض فيه المذهب عرضًا وسطًا بين الإطالة والإختصار، فهو يعرض المسألة، ويتبعها بالدليل في يسر وبساطة تجعلانها تستقر في الذهن، وتعود مطالعه ودارسه على مجاوزة التقليد إلى الدليل، ثم يسمو به إلى مناقشة هذه الأدلة، وهي من أبرز ما يتميز به مذهب الإمام أحمد على غيره (٢). وقد بين المصنف مقصده من هذا الكتاب في خطبته، فقال:
توسطت فيه بين الإطالة والإختصار، وأومأت إلى أدلة مسائله مع الإقتصار، وعزوت أحاديثه إلى كتب أئمة الأمصار، ليكون الكتاب كافيًا في فنه عما سواه، مقنعًا لقارئه بما حواه، وافيًا بالغرض من غير تطويل، جامعًا بين بيان الحكم والدليل. وبالله أستعين وعليه أعتمد. (٣)
• المحرر:
عنوان الكتاب:
يعرف هذا الكتاب باسم "المحرر" هكذا على التجريد والإفراد، ويقال: "المحرر في الفقه"، وقد ألمح المصنف في المقدمة إلى ذلك فقال: هذبته مختصرًا، ورتبته محررًا.
• المؤلف:
هو الفقيه، المحدث، الأصولي، النحوي، المقرئ، شيخ الإسلام، مجد الدين، أبو البركات عبد السلام بن عبد الله ابن أبي قاسم بن خضر بن محمد بن علي بن تيمية،
стр. 438
الحرّاني، صاحب "منتقى الأخبار" في أحاديث الأحكام، وشارح هداية أبي الخطاب. المولود بحرّان سنة (٥٩٠ هـ) والمتوفى بها يوم الجمعة عيد الفطر سنة (٦٥٢ هـ).
مكان وجوده:
طبع هذا الكتاب طبعته الأولى، ويهامشه حواشٍ ونكت للشمس ابن مفلح (٧٦٣ هـ)، في مطبعة أنصار السنة المحمدية بعناية الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ سنة (١٣٦٩ هـ)، ثم أعادت طبعه مكتبة المعارف بالرياض سنة (١٤٠٤ هـ).
وتوجد منه نسختان خطيتان بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة. رقم الأولى (١٤٦٥) وعدد أوراقها (٩٠) ورقة من القطع الكبير (٣٥ سطرًا) نسخت سنة ٩٧٨ هـ. ورقم الثانية (١٤٠٣) وعدد أوراقها (٢٤٠) ورقة.
كما توجد منه نسخة بدار الكتب المصرية رقمها ٢٨ فقه حنبلي عدد أوراقها (١٩٢) ورقة من القطع الوسط (٢٣ سطرًا).
ولعلها هي المعتمدة في طبع الكتاب أول مرة على يد الشيخ الفقي.
والحق أن هذا الكتاب يحتاج إلى تحقيق وخدمة ومقابلة بين نسخه الخطية ليخرج في حلة قشيبة، وفق الله من يقوم بهذا العمل.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
هذا الكتاب عبارة عن من شبيه بمتن "المقنع" لإبن قدامة، ولكنه قليل الحجم في جانبه، بحيث يقع في ثلثيه تقريبًا. فهو متن خال من الأدلة والتعليلات، وجيز اللفظ والعبارات. قال صاحبه في خطبته: هذبته مختصرًا، ورتبته محررًا، حاويًا لأكثر أصول المسائل، خاليًا من العلل والدلائل، واجتهدت في إيجاز لفظه، تيسيرًا على طلاب حفظه (١). اهـ.
وقال ابن بدران: حذا فيه حذو"الهداية " لأبي الخطاب، بذكر الروايات، فتارة
يرسلها، وتارة يبين اختياره فيها (٢). اهـ.
وهذا يفيد أنه مبني على الكتاب المذكور، ولعل المجد اختصره من الشرح الذي وضعه على "الهداية" والمسمى "منتهى الغاية في شرح الهداية" على أنه لم يبيض منه إلا بعضه إلى صفة الحج (٣)، وبقي الباقي مسودة.
стр. 439
وللهداية مكانة جليلة في كتب المذهب، من حيث إنه من جامع معتمد في طبقة المؤلف -وهي طبقة المتوسطين- حذا فيه حذو المجتهدين في المذهب، المصححين لروايات الإمام.
والكتاب إذن مصدر من المصادر التي قررت المذهبَ بالروايات والوجوه المطلقة، فإننا كثيرًا ما نجده يقول: فيه روايتان، أو: وجهان، أو: على روايتين، أو: وجهين. وتارة ينسب الإختيارات إلى أصحابها، فيقول: قال أبو الخطاب: كذا، أو: قال القاضي: كذا. ونجده يتصرف بالترجيح والإختيار أحيانًا، فيقول: ويتخرج كذا، و: هو أصح عندي، و: يحتمل كذا، و: وهو المذهب، و: على الأصح.
ومن أجل هذه التصرفات بالنقل، والترجيح، والحكاية للروايات والوجوه، كان "المحرر" من أهم الكتب التي عول المرداوي عليها في "إنصافه"، فصوب فيها الخطأ، وصحح الخلاف، وقيد المطلق، وغير ذلك.
ويعتبر "المحرر" صنوًا للمقنع، كما يعتبر المجد صنوًا للموفق، وذلك في الإعتماد عند اختلاف الترجيح.
قال المرداوي في "الإنصاف": فإن أطلق الخلاف، أو كان من غير المعظم (١) الذي قدمه، فالمذهب ما اتفق عليه الشيخان، أعني المصنف (الموفق) والمجد، أو وافق أحدهما الآخر في أحد اختياريه (٢).
وتقدم أن الحافظ ابن رجب (٧٩٥ هـ) قال في ترجمة ابن المنِّي البغدادي: وأهل زماننا، ومن قبلهم إنما يرجعون من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين؛ الموفق والمجد.
• الفروع:
عنوان الكتاب:
يعرف هذا الكتاب بـ "الفروع" ولا يعرف بغيره، وبما أن المصنفين لكتب الفقه اعتادوا أن يجعلوا بين العنوان والمحتوى نسبًا، فلعل ابن مفلح سمى كتابه بهذا الإسم لأجل أن فيه من كثرة الفروع، وتحريرها، ما لم يسبقه إليه سابق، ولم يدركه بعده لاحق. وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" فقال: صنف ابن مفلح
стр. 440
"الفروع" في مجلدين، أجاد فيهما إلى الغاية، وأورد فيه من الفروع الغريبة ما بهر به العلماء (١).
المؤلف:
هو الشيخ العلامة محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، شمس الدين أبو عبد الله، المقدسي الراميني، ثم الصالحي. المتوفى يوم الخميس ثاني رجب سنة (٧٦٣ هـ) بمسكنه بالصالحية، وقد سبق التعريف به لدى الكلام على المذهب في الشام، وذكر شيء مقتضب عن كتابه "الفروع" هناك.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
وصف الكتاب:
هذا الكتاب عبارة عن متن من المتون المطولة، يقع في مجلد أو مجلدين (٢). وقد طبع طبعته الأولى سنة (١٣٤٥ هـ) في ثلاثة مجلدات ضخام، على نفقة الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني حاكم قطر آنذاك. ثم أعيد طبعه على نفقة ولده الشيخ علي، وأشرف على الطبعة الثانية الشيخ أحمد المانع، وطُبع في ستة مجلدات، وفي كلا الطبعتين أرفق الكتاب بتصحيح العلامة علاء الدين المرداوي في هوامشه (٣).
طريقة المصنف فيه:
ذكر ابن مفلح ﵀ طريقته في "الفروع" بتفصيل واضح، عقده في المقدمة، نثبتها هنا ببعض التصرف والإختصار، قال:
اجتهدت في اختصاره وتحريره، ليكون نافعا وكافيًا للطالب، وجردته عن دليله وتعليله غالبًا، ليسهل حفظه وفهمه على الراغب، وأقدم غالبًا الراجح في المذهب، فإن اختلف الترجيح أطلقت الخلاف، و: "على الأصح" أي: أصح الروايتين، و: "في الأصح" أي: أصح الوجهين. وإذا قلت: وعنه: كذا، أو: وقيل: كذا، فالمقدَّم خلافه، وإذا قلت: ويتوجه، أو: يقوى، أو: عن قول، أو: رواية، و: هو، أو: هي أظهر، أو: أشهر، أو: متجه، أو: غريب، أو بعد حكم مسألة: فدل، أو: هذا يدل، أو: ظاهره،
стр. 441
أو: يؤيده، أو: المراد كذا، فهو من عندي. وإذا قلت: المنصوص، أو: الأصح، أو: الأشهر، أو: المذهب كذا، فثمَّ قول. وأشير إلى الخلاف والوفاق. اهـ.
وذكر رموزًا من الحروف الأبجدية، بعضها يشير للإجماع، وبعضها للوفاق مع بقية الأئمة الثلاثة، أو بعضهم، وبعضها للخلاف معهم أو مع بعضهم (١).
فالكتاب مجرد من الدليل حسبما أفادت المقدمة السابقة، لكن الغائص في بحاره سرعان ما يرجع بعكس الصورة، فالكتاب فيه أدلة كثيرة، بل وتعليلات كثيرة، إلا أن المصنف لما لم يقصد إلى الإستدلال، بل قصد إلى جمع الفروع، كانت تلك الأدلة المقتضبة والتعليلات الموجزة من نافلة العمل وكمالياته.
أهمية الكتاب وقيمته:
يعتبر كتاب "الفروع" من أعز ما تعتز به المكتبة الفقهية الحنبلية، ومن أتقن ما صنف في الفقه الحنبلي، قل أن يوجد له نظير، فقد أورد فيه من الفروع ما بهر العقول، كثرة وتحريرًا، وعني بالخلاف والوفاق مع بقية الأئمة، واستخدم لذلك رموزًا على طريقة "الوجيز" للغزالي.
وبالتالي: فالفائدة من هذا الكتاب ليست قاصرة على الحنابلة، بل يستفيد منه أتباع كل مذهب، كما عني عناية فائقة باختيارات شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
يقول المرداوي في مدح كتاب "الفروع":
"أما بعد، فإن كتاب "الفروع" تأليف الشيخ الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن مفلح- أجزل الله له الثواب، وضاعف له الأجر يوم الحساب -من أعظم ما صنف في فقه الإمام الرباني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني -قدس الله روحه ونور ضريحه- نفعًا، وأكثرها جمعًا، وأتمها تحريرًا، وأحسنها تحبيرًا، وأكملها تحقيقًا، وأقربها إلى الصواب طريقًا، وأعدلها تصحيحًا، وأقومها ترجيحًا، وأغزرها علمًا، وأوسطها حجمًا، وقد اجتهد في تحريره وتصحيحه، وشمر عن ساعده في تهذيبه وتنقيحه، فحرر نقوله، وهذب أصوله، وصحح فيه
стр. 442
المذهب، ووقع فيه على الكنز والمطلب. . . إلى أن قال: إلا أنه ﵀ لم يبيضه كله، ولم يقرأ عليه، فحصل بسبب ذلك بعض خلل في مسائله" (١). اهـ.
ونظرًا لقيمة "الفروع" المتميزة، وقصد مصنفه فيه إلى تصحيح المذهب وتحريره وجمع فروعه، ندب المرداوي نفسه إلى وضع تعليقات عليه سماها "تصحيح الفروع"، فصار الكتاب مع تصحيحه نهاية التحقيق والضبط للمذهب الحنبلي. كما وضع المرداوي كتابه " الإنصاف " على "المقنع" لإبن قدامة لنفس الغرض.
• الإنصاف:
عنوان الكتاب:
هذا الكتاب معروف بعنوان: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، نص مؤلفه على ذلك آخر المقدمة للكتاب (٢).
المؤلف:
هو مصحح المذهب ومنقحه ومحرره، العلامة أبو الحسن، علاء الدين علي بن سليمان بن أحمد بن محمد، السعدي المرداوي، ثم الصالحي. المولود بمراد -محلة بفلسطين- سنة ٨١٤ هـ. والمتوفى يوم الجمعة سادس جمادى الأولى سنة ٨٨٥ هـ بمنزله في الصالحية.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
يقع هذا الكتاب في أربعة مجلدات في نسخه الخطية، وقد صدر في طبعته الأولى في اثني عشر مجلدًا (٣). طبعته مكتبة السنة المحمدية سنة (١٣٧٥ هـ) بتصحيح وتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ﵀.
ويعد "الإنصاف" شرحا لكتاب "المقنع" كما تقدم، لكنه ليس شرحا عاديًا، بل هو شرح انصرف به صاحبه إلى ييان الراجح من الخلاف المذكور في "المقنع" وتصحيح ما ليس بصحيح، كما تعقب المصنِّف في كثير من المواضع، واستدرك عليه بعض ما فاته، ولا يسلم من النقص إلا من عصمه الله.
стр. 443
وقد كشف المرداوي نفسُه في المقدمة عن مقاصده من تأليف هذا الكتاب،
فقال.
فأحببت -إن يسر الله تعالى- أن أبين الصحيح من المذهب، والمشهور، أو: المعول عليه، والمنصور، وما اعتمده أكثر الأصحاب، وذهبوا إليه، ولم يعرجوا على غيره ولم يعولوا عليه (١).
ثم قال: وربما تكون الرواية أو الوجه السكوت عنه مقيدًا بقيد، فأذكره ... ويكون ذلك في تفصيل، فنبينه إن شاء الله تعالى (٢).
ثم قال: وقد يكون الأصحاب اختلفوا في حكاية الخلاف، فمنهم من حكى وجهين، ومنهم من حكى روايتين، ومنهم من ذكر الطريقتين، فأذكر ذلك إن شاء الله تعالى (٣).
ثم قال: وأحشي على كل مسألة إن كان فيها خلاف واطلعت عليه، وأبين ما يتعلق بمفهومها ومنطوقها، وأبين الصحيح من المذهب من ذلك كله، فإنه المقصود والمطلوب من هذا التصنيف، وغيرُه داخلٌ تبعًا، وهذا هو الذي حداني إلى جمع هذا الكتاب لمسيس الحاجة إليه، وهو في الحقيقة تصحيح لكل ما في معناه -أي المقنع- من المختصرات (٤).
طريقة المرداوي في هذا الكتاب:
قال ابن بدارن: وطريقته فيه أن يذكر في المسألة أقوال الأصحاب، ثم يجعل المختار ما قاله الأكثر، سالكًا في ذلك مسلك ابن قاضي عجلون في صحيحه لمنهاج النووي، وغيره من كتب التصحيح. فصار كتابه مغنيًا للمقلد عن سائر كتب المذهب (٥).
وفي قول الشيخ ابن بدران: إن المرداوي يبني اختياره على أساس الكثرة نظر، ولعله فهم ذلك من قوله السابق:. . وما اعتمده أكثر الأصحاب، وذهبوا إليه، ولم يعرجوا على غيره ... الخ.
стр. 444
والحقيقة: أن العلامة المرداوي يعتبر من المصححين للمذهب والمحررين له، وليس هو من أهل الإختيار حتى نقول: إنه يبني اختياره على أساس الكثرة وغيرها، والتصحيح والتحرير من ققه حكاية المذهب، ونقله، والبحث عن اختلاف قول الإمام واختلاف الرواية عنه في ذلك، واختلاف أصحابه من سائر الطبقات في الأقوال المخرجة، ونحو ذلك.
والعلامة المرداوي فريد عصره ووحيد دهره في هذا الفن الجليل، والعمل الشاق الطويل، في كتبه الثلاثة، وأشهرها "الإنصاف"، وقد كشف عن منهجه فيه فقال:
اعلم وفقك الله تعالى وإيانا، أن طريقتي في هذا الكتاب، النقل عن الإمام أحمد والأصحاب، وأعزو إلى كل كتاب ما نقلت منه، وأضيف إلى كل عالم ما أروي عنه، فإن كان المذهب ظاهرًا أو مشهورًا، أو قد اختاره جمهور الأصحاب وجعلوه منصورًا، فهذا لا إشكال فيه، وإن كان بعض الأصحاب يدعي أن المذهب خلافه. وإن كان الترجيح مختلفًا بين الأصحاب في مسائل مجتذبة المأخذ، فالاعتماد في معرفة المذهب من ذلك على ما قاله المصنف -يعني ابن قدامة في كتابه "المقنع"- والمجد، والشارح -يعني عبد الرحمن بن أبي عمر، صاحب "الشرح الكبير"- وصاحب "الفروع" و"القواعد الفقهية" و"الوجيز" و"الرعايتين" و"النظم" و"الخلاصة"، والشيخ تقي الدين، وابن عبدوس في "تذكرته"، فإنهم هذبوا كلام المتقدمين، ومهدوا قواعد المذهب بيقين (١).
أهمية كتاب الإنصاف وقيمته:
يعتبر كتاب "الإنصاف" زبدة ما ألف المرداوي، ﵀، وجزاه خيرًا عما قدم للفقه الحنبلي، فإنه بذل فيه جهدًا عظيمًا، وعمل فيه عملًا جليلًا، لم يسبقه فيه سابق، ولا لحقه من بعده لاحق، تلقاه الناس من مصنفه بالحظوة والقبول، وأثنوا عليه ثناءً عطرًا، وقرظوه تقريظًا جميلاً، فقال عنه مجير الدين العليمي (٩٢٨ هـ) في "المنهج الأحمد":
стр. 445
فصنف كتبًا كثيرة في أنواع العلوم، جليلة مفيدة، أعظمها "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" أربع مجلدات، جعله على "المقنع"، وهو من كتب الإسلام، فإنه سلك فيه مسلكًا لم يسبق إليه، بين فيه الصحيح من المذهب، وأطال فيه الكلام، وذكر في كل مسألة ما نقل منها من الكتب، وكلام الأصحاب، فهو دليل على تبحر مصنفه وسعة علمه، وقوة فهمه، وكثرة اطلاعه (١).
ويمكننا أن نلخص قيمة هذا الكتاب في العبارات التالية:
١ - يعتبر "الإنصاف" مع أصله "المقنع" مصدرًا عظيمًا من مصادر الفقه الحنبلي الجامعة المستوعبة، فهو يتكلم على المسائل الفقهية، بدقة متناهية، ثم يوشي ذلك بزيادات ونفائس، يعقدها عادة تحت عنوان: "فائدة".
٢ - ويعتبر "الإنصاف" مصدرًا من مصادر معرفة الصحيح من المذهب من غير الصحيح، والراجح من المرجوح، وييان من قال بأحد القولين أو الأقوال، كل ذلك على التفصيل التام، عند استواء الخلاف، وعدم وجود ترجيح في المسألة.
٣ - كما يعتبر "الإنصاف" مصدرًا مهمًا في التعرف على ما ألفه الحنابلة قبل المرداوي، من متون، وشروح، وتعليقات، وطرر، وحواش، ومدللات، ومجردات، ومذهبيات، وخلافيات، حتى إنه لا يعزب عما استودعه هذا الكتاب الجليل من أسماء كتب الحنابلة ومؤلفيها، إلا القليل النادر، فهو لا يعرض لمسالة من المسائل إلا ويذكر من الكتب التي وردت فيها وفاقًا وخلافًا ما يقضى منه العجب.
٤ - وكما كان "الإنصاف" مصدرًا من مصادر معرفة الصحيح من المذهب، فإنه يعتبر كاشفًا للأغلاط والأوهام الواقعة في المتون الفقهية الحنبلية على اختلافها، فهو وإن كان وضع على "المقنع" في الأصل، إلا أنه تصحيح لبقية الكتب الأخرى، فلهذا سهل عليه بعد ذلك تأليف "تصحيح الفروع" الذي وضعه على كتاب "الفروع" لإبن مفلح، فإنه اعتمد في ذلك على "الإنصاف" كما ذكر
стр. 446
ذلك في المقدمة.
ثم إن علماء المذهب من بعده عولوا عليه في إخراج الفقه الحنبلي في ثوب جديد، خاليًا من كثير من الخلاف الذي استمر غير محسوم على مدى عدة قرون، فجاء من بعده محررًا مصححًا منقحًا على قول واحد في معظم المسائل، كما ترى ذلك في " الإقناع "، و"المنتهى"، و"غاية المنتهى"، و"دليل الطالب"، وسائر المتون التي صنفت بعد المرداوي. فشكر الله له سعيه، وأجزل له المثوبة في دار العقبى إنه سميع قريب مجيب.
• الإقناع:
عنوان الكتاب:
يعرف هذا الكتاب بعنوان "الإقناع لطالب الإنتفاع"، ووقع لإبن بدران في "المدخل" "الإقناع لطلب الإنتفاع"، على المصدر بدلاً من اسم الفاعل، ولعله خطأ مطبعي.
المؤلف:
هو موسى بن أحمد بن سالم بن أحمد، شرف الدين، أبو النَّجا، الحجَّاوي، المقدسي، ثم الصالحي، منسوب إلى حجَّة قرية قرب نابلس. ولد -كما في "ذخائر القصر" لإبن طولون- سنة ٨٩٥ هـ (١)، وتوفي يوم الخميس ثاني رييع الأول سنة ٩٦٨ هـ بالصالحية.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
يعتبر "الإقناع" واحدًا من الكتب الجامعة، والمتون الحافلة، ذات الفروع الكثيرة، والفوائد الغزيرة.
قال ابن بدران: يقع في مجلد ضخم، كثير الفوائد، جم النافع. وقال في موضع آخر: حذا به حذو صاحب "المستوعب" بل أخذ معظم كتابه منه، ومن "المحرر" و"الفروع" و"المقنع" وجعله على قول واحد (٢).
стр. 447
وقال ابن العماد: ومن تآليفه "الإقناع" جرد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد، لم يؤلف مثله في تحرير النقول، وكثرة المسائل (١).
فهو كتاب جليل القدر، عظيم النفع، قد استعاض فيه مؤلفه عن إيراد الأدلة والتعليلات، بالإستكثار من الفروع والفوائد والمسائل، فجاء الكتاب -على اختصاره- جامعًا لأصول المذهب وفروعه. وقد جعله مؤلفه على قول واحد، كما صرح بذلك في المقدمة، فقال: اجتهدت في تحرير نقوله واختصاره بعدم تطويله، مجردًا غالبًا عن دليله وتعليله، على قول واحد، وهو ما رجحه أهل الترجيح، منهم العلامة القاضي علاء الدين، المجتهد في التصحيح في كتبه "الإنصاف" و"تصحيح الفروع" و"التنقيح" وربما ذكرت بعض الخلاف لقوله (٢).
وبالنظر إلى موقع الحجاوي في سلسلة فقهاء الحنابلة بالاعتبارين الزماني والمكاني نستطيع أن نصل إلى معرفة ما كان يقصد إليه في كتابه هذا، وذلك أنه ﵀ عاش في الصالحية التي كانت تجمع من كتب الفقه الحنبلي وغيره العجب العجاب، ثم إنه وجد بين يديه عمل رجلين جليلين محققين، فأراد أن يجمع بين جهودهما ويستكمل عملهما، وهذان الرجلان هما: الشمس ابن مفلح (٧٦٣ هـ) والعلاء المرداوي (٨٨٥ هـ).
فأما عمل الشمس ابن مفلح، فيتمثل أساسًا بجمع فروع المذهب في كتابه الجليل المسمى بـ"الفروع" الذي وصفه بعض العلماء: بأنه مكنسة المذهب.
وأما العلاء المرداوي، فيتمثل عمله في تصحيح المذهب في كتبه الثلاثة الشهيرة، وهي: "الإنصاف " و"تصحيح الفروع" و"التنقيح".
فيكون ابن مفلح جمع فروع المذهب، والمرداوي صححها، لكن بقي اختلاف الروايات والوجوه موجودًا في كلا تصنيفي الشيخين، فجاءت الفكرة بتكوين متن يجمع بين محاسن "الفروع" ومحاسن تصحيحات المرداوي، فتحرى الشيخ الحجاوي ﵀ أن يستقصي في تجريد الفقه الحنبلي من ذكر الخلاف، وإنهائه جهد المستطاع، فتجد الكتاب خاليًا إلى حد بعيد من ذكر الروايات والوجوه والتخريجات والإحتمالات. ثم
стр. 448
إنه وضع كتاب "الإقناع" بعد ما تهيأت له مادته من عمله في اختصار "المقنع" في كتابه المسمى "زاد المستقنع" بالإضافة إلى حواشيه التي وضعها على كل من كتابي "التنقيح" و"الفروع".
وبهذا يعتبر كتاب "الإقناع" من أعظم ما صنف الحجاوي بحق، فهو يشكل حجر الزاوية في مصنفاته، حتى صار يعرف بكتابه هذا دون غيره، فيقال: صاحب "الإقناع"، فكانت شهرة الكتاب مغنية عن التصريح باسم مؤلفه، كما يعد عمدة في المذهب، لأنه جمع فيه الراجح من أقوال المتقدمين والمتأخرين، فصار بحق ديوان المذهب (١).
طريقة الحجاوي في هذا الكتاب:
وأما طريقة المؤلف في كتابه هذا، فهي طريقة المتون المجردة من كل دليل وتعليل، ولا يتعرض لذكر الخلاف العالي (الخلاف بين المذاهب) ولا الخلاف داخل المذهب، مما يدل على أنه جهد نفسه غاية الجهد في الإقتصار على الصحيح من الروايات، والراجح من الأقوال، فهو يفتح الباب بإيراد مسائله متتابعة في سبك عجيب، وعبارة سهلة جزلة يمكن لأي أحد فهمها، كما هو الشأن في غالب كتب الحنابلة ومصنفاتهم.
أهمية الكتاب وقيمته:
يعتبر كتاب "الإقناع" أحد المتون الثلاثة التي حازت اشتهارًا أيما اشتهار في مكتة الفقه الحنبلي، وهي: "مختصر الخرقي" و"المقنع" للموفق ابن قدامة و"الإقناع" (٢).
فالإقناع بما تميز به من الميزات التي ذكرناها -وأهمها التجريد من الخلاف- صارت له عند الحنابلة المنزلة العظيمة، والرتبة الرفيعة، وعلى مسائله تدور الفتيا، ومرجع القضاء، وعكف عليه المتأخرون بالتحشية، والإختصار، وحلّ الغريب، وقد زاد اعتماده وقبوله شرحه الفرد الفريد لمحقق المذهب الشيخ منصور البهوتي (١٠٥١ هـ) المسمى "كشاف القناع".
стр. 449
وتعتبر كتب الحجاوي بصورة عامة مقررات الطلاب والعلماء في الديار النجدية وما حولها منذ عدة قرون، وكان من جملة من رحل إلى الحجاوي من النجديين، وقرأ عليه "الإقناع" أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أبي جدّه، المعروف بـ "ابن أبي حمُيدان" المولود سنة ٩٢٥ هـ تقريبًا، والمتوفى في آخر القرن العاشر.
فقد رحل إلى الشام للتزود من العلم، وقرأ على علمائها، وأشهر مشايخه فيها العلامة الحجاوي، فلازمه أكثر من سبع سنين ملازمة تامة، حتى استفاد منه فائدة تامة، وأجازه إجازة مطولة، أثنى عليه فيها، وجاء في تلك الإجازة ما يلي: "وبعد: فقد قرأ وسمع علي الإمام العالم العلامة محمد أبو عبد الله شمس الدين بن الشيخ إبراهيم بن محمد بن أبي حميدان، الشهير بنسبه الكريم بـ "أبي جَدّه". . قراءة وسماعًا ببحث وتحقيق وتدقيق كتابي "الإقناع". . فقد قرأ جميع ذلك في مدة لا تريد على سبع سنين ... " (١).
كما نلاحظ قيمة كتاب "الإقناع" جلية في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومكاتباته، خصوصًا باب الردة، فإنه كان مادة الشيخ في فتاويه واحتجاجه على الخصوم، مما يدل على أهمية هذا الباب في هذا الكتاب، حتى إن العلامة السفاريني (١١٨٨ هـ) وضع بإزائه كتابًا سماه: الذخائر لشرح منظومة الكبائر الواقعة في "الإقناع" (٢).
• منتهى الإرادات:
عنوان الكتاب:
يعرف هذا الكتاب بعنوان "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" صرح بتسميته بذلك مصنفه في خطبة الكتاب.
المؤلف:
هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رُشيد الفُتُوحي، تقي
стр. 450
الدين أبو بكر شهاب الدين، الشهير بـ "ابن النجار" قاضي القضاة، ابن شيخ الإسلام قاضي القضاة. المولود في القاهرة سنة ٨٩٨ هـ، والمتوفى بها عصر يوم الجمعة ثامن صفر سنة ٩٧٢ هـ.
وصف الكتاب وطريقة تصنيفه وأهميته:
هذا الكتاب عبارة عن متن من المتون المجردة، المصححة، المبنية على قول واحد، والخالية من الدليل والتعليل، شأن "الإقناع"، فـ "المنتهى" و"الإقناع" متنان متشابهان إلى حد بعيد، إلا أن "الإقناع" أغزر وأوعب من "المنتهى". قال ابن حميد في "الدر المنضد" عن "المنتهى": إنه يقع في مجلد واحد متوسط الحجم.
ويعتبر كتاب "منتهى الإرادات" جمعًا لكتابين جليلين، كما أفاد ذلك عنوان الكتاب وخطبته، ألف بينهما ومزجهما مزجًا عجيبًا، وأضاف إلى ذلك زيادات وأشياء، ليخرج عمله عن مجرد الجمع، إلى التحقيق والتكميل والتحرير.
وهذان الكتابان هما:
وكتاب "المقنع" لموفق الدين، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة (٦٢٠ هـ).
- وكتاب "التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع" للقاضي علاء الدين، علي بن سليمان؛ المرداوي المتوفى سنة (٨٨٥ هـ)، الذي تتبع في كتابه هذا كتاب "المقنع" ورجح فيه الأوجه التي أطلقها مؤلفه.
فجاء كتاب "منتهى الإرادات" جامعًا بين هذين الكتابين، ضاما ما نُثِر فيهما من فوائد وشوارد، مما لاغنى عنه لطالب العلم، ومريد معرفة دقائق المذهب.
ولا ريب أن هناك سببًا وهدفًا حدا بابن النجار إلى صرف همته للجمع بين هذين الكتابين وسبكهما في متن واحد، صار فيما بعدُ عمدة للفتوى والقضاء. وقد كشف هو بنفسه عن هذا السبب وهذا الهدف في شرحه على المنتهى المسمى "معونة أولي النُّهى في شرح المنتهى" فقال (باختصار): ويعد، فـ"التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع" في الفقه، كان المذهب محتاجًا إلى مثله، فإنه صحح ما أطلقه الشيخ الموفق في "المقنع" من الروايتين أو الروايات، ومن الوجهين أو الأوجه، وقيد ما أخل به من شرط، وفسر ما فيه من إبهام في حكم أو لفظ،
стр. 451
واستثنى من عموم ألفاظه ما هو مستثنى على المذهب، حتى خصائص النبي ﷺ ، وما هو مقيد للإطلاق، وكمل على بعض فروع مسائله ما هو مرتبط بها، وزاد عليه مسائل محررة مصححة، فصار تصحيحًا لغالب ما في المطولات. وأما ما قطع به الشيخ في "المقنع" من الحكم أو قَدَّمه أو صححه وذكر أنه المذهب، وكان موافقًا للصحيح، ومفهومه مخالفًا لمنطوقه، فإنه لم يتعرض إليه غالبًا، ولم يذكره في "التنقيح". فاحتاج مَنْ عنده "التنقيح" أن يكون عنده "المقنع" فاستخرت الله تعالى أن أجمع مسائلهما في كتاب واحد، مع ضم ما تيسر عقله من الفوائد الشوارد (١).
وفكرة الجمع بين "المقنع" و"التنقيح" كانت أمنية في أذهان فقهاء المذهب قبل ابن النجار، وحاول بعض العلماء أن يحققها، منهم الشيخ أحمد بن عبد الله بن أحمد العسكري الصالحي (٩١٠ هـ). قال عنه الغزي: "وألف كتابًا في الفقه، جمع فيه بين "المقنع" و"التنقيح" ومات قبل أن يتمه" (٢). وقال ابن طولون الدمشقي: "وقد صنف صاحب الترجمة كتابا جمع فيه بين "المقنع" في الفقه لإبن قدامة و"التنقيح" لأبي الحسن علي المرداوي، وهو كتاب مفيد، لكنه اخترمته المنية قببل إكماله. وقد بلغني أن صاحبنا الشهاب الشويكاني تلميذه شرع في تكملته" (٣). وممن جمع "التنقيح" مع "المقنع" أيضًا: الشيخ أحمد بن أحمد الشويكي النابلسي الصالحي (٩٤٨ هـ) في كتاب سماه "التوضيح " (٤).
طريقة المصنف في هذا الكتاب:
رتب الشيخ ابن النجار كتابه هذا على ترتيب أصليه "المقنع" و"التنقيح" في الكتب والأبواب والفصول، إلا أنه أخلاها من العناوين، فتراه يعقد الكتاب أو الباب أو الفصل، عاريًا عن الترجمة، إلا أنه يأتي بالكلمة الأولى من النص على أنها تمثل العنوان والمفتاح، ثم ينسقها مع ما يليها، فيقول مثلاً: كتاب: الطهارة: ارتفاع حدث وما في معناه ... . الخ. باب: المياه ثلاثة: طهور يرفع الحديث ... الخ. فصل: سنن وضوء استقبال قبلة وسواك ... الخ.
стр. 452
ثم إنه يورد الفروع في مواضعها بسبك عجيب، وتأليف بارع، في وضوح عبارة، وسهولة أسلوب. فهو يُشبه إلى حدّ كبير كتاب "الإقناع" لتلميذه موسى الحجاوي.
ونلاحظ عند المقارنة مع "المقنع" أنه زاد عليه زيادات وافرة وتفصيلات مفيدة، حتى كأنه شرح له، فلا شك أنه استوعبه مع "التنقيح" وزاد عليهما، إلا أنه حذف ما رآه مستغنى عنه أو مرجوحًا، وفي جملة ذلك يقول:
ولا أحذف منهما إلا المستغنى عنه والمرجوح وما بني عليه، ولا أذكر قولاً غير ما قدم، أو صحح في "التنقيح" إلا إذا كان عليه العمل، أو شُهر، أو قوي الخلاف، فربما أشير إليه. وحيث قلت: قيل وقيل -ويندر ذلك- فلعدم الوقوف على تصحيح، وإن كان لواحد، فلإطلاق احتماليه (١).
أهمية الكتاب وقيمته:
يعتبر متن "منتهى الإرادات" كسَمِيِّه "الإقناع" خلاصة الفقه الحنبلي منذ القرن العاشر إلى الآن، في جمع الفروع وترتيبها، وتحريرها، وتصحيحها، وتجريدها من الخلاف.
وتظهر أهمية هذا المتن في مرآة التقاريظ التي كتبت عليه، بالإضافة إلى منزلة مصنفه في فقهاء الحنابلة، ثم بالجهود التي وضعت عليه.
فأما تقاريظ العلماء عليه فكثيرة، منها قول ابن بدران: هو كتاب مشهور، عمدة المتأخرين في المذهب، وعليه الفتوى فيما بينهم (٢).
وقال ابن حُميد النجدي ثم المكي: وقد ألف مصنَّفَه المشهور المنعوت "منتهى الإرادات" حرر مسائله على الراجح من المذهب، فاشتغل به عامة طلبة الحنابلة في عصره، واقتصروا عليه، وقُرئ على والده مرات بحضرته، فأثنى على المؤلف، وشرحه المصنف شرحًا مفيدًا في ثلاث مجلدات، أحسن فيه ما شاء (٣).
стр. 453
وقال الشيخ منصور بن يونس البهوتي (١٠٥١ هـ) في خطبة شرحه على "المنتهى": "وبعد، فإن كتاب "المنتهى" لعلم الفضائل، وأوحد العلماء الأماثل؛ محمد تقي الدين ابن شيخ الإسلام أحمد شهاب الدين ابن النجار الفتوحي الحنبلي، تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جنانه، كتاب وحيد في بابه، فريد في ترتيبه واستيعابه، سلك فيه منهاجًا بديعًا ورضّعه ببدائع الفوائد ترصيعًا، عُدَّ ذلك الكتاب من المواهب، وسار في المشارق والمغارب" (١).
وأما منزلة مصنفه فهي المنزلة الرفيعة بين فقهاء الحنابلة، فهو عَلم في الفتيا والتدريس والقضاء وفصل الأحكام.
يقول عنه العلامة عبد القادر الجزيري فيما نقله عنه ابن حُميد: "وانفرد بعد والده بالإفتاء والتدريس بالأقطار المصرية، ثم بعد وفاة شيخنا الشهاب الشويكي بالمدينة المنورة، وتلميذه العلامة الشيخ موسى الحجاوي بالشام، انفرد -فيما أعلم- في سائر أقطار الأرض، وقصد بالأسئلة من البلاد الشاسعة، كاليمن وغيره، وتصدى لنفع المسلمين بالمدرسة الصالحية؛ بخط بين القصرين -مكان مسكنه بخلوة الحنابلة- وكانت أيامه جميعًا اشتغالاً بالفتيا، أو بالتدريس، أو بالتصنيف، مع جلوسه في ديوان الحنابلة للقضاء وفصل الأحكام .. إلى أن قال: وبالجملة فلم يكن من يضاهيه في مذهبه، ولا من يماثله في منصبه، وكان قلمه أحسن من لفظه، وله في تحرير الفتاوي اليد العليا، والكتابة المقبولة على الوجه الصحيح الأولى" (٢).
ومما يدل على علو شأن "المنتهى" ما عني به علماء المذهب شرحًا وتحشية وجمعًا مع غيره واختصارًا له.
فقد شرحه الشيخ منصور بن يونس البهوتي (١٠٥١ هـ) (٣) شيخ الحنابلة في عصره، اعتمد فيه على شرح المصنف، ووضع حاشية على شرح المصنف الذكور، كما حشّاه حفيد المصنف الشيخ عثمان بن أحمد الفتوحي القاهري (١٠٦٤ هـ)، وحشاه الشيخ عثمان بن أحمد النجدي (١٠٩٧ هـ) حاشية نفيسة ومفيدة، جردها من هوامش
стр. 454
نسخته تلميذُه ابن عوض النابلسي، فجاءت في مجلد ضخم محررًا تحريرًا نفيسًا، فصار من أنفس كتب المذهب (١).
كما جمع بينه وبين الإقناع الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي (١٠٣٣ هـ) في كتابه "غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى" واختصره أيضًا في كتابه "دليل الطالب".
والجمع بين "الإقناع" و"المنتهى" دليل على أنهما صنوان.
ومن أجل ذلك قام الشيخ منصور البهوتي بشرح الكتابين معًا، فشرح "الإقناع" أولاً في كتاب سماه "كشاف القناع على متن الإقناع"، وهو مطبوع مشهور متداول، ثم شرح "المنتهى"، واعتمد في ذلك على شرح "الإقناع"، وعلى شرح المصنف المسمى بـ "معونة أولي النُّهى"، فكان الشرحان من حيث الأهمية، كالمتنين في الرجوع إليهما والإعتماد عليهما، حتى اعتُبرا من المصادر المعتمدة في الفقه في المحاكم في المملكة العربية السعودية.
فما اتفق عليه هذان الشرحان، أو انفرد به أحدهما، فهو المتبع، وما اختلفا فيه فالعمل بما في المنتهى (٢).
* * *
وبهذا خُتم الجزء الأول من المذهب الحنبلي، ويليه الجزء الثاني في مصادر الفقه الحنبلي وأصوله، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 455
المذهب الحنبلي
«دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته»
تأليف
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
[الجزء الثاني]
стр. 456
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 457
المذهب الحنبلي
«دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته»
[٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا وشكرًا على ما هدى وألهم، وأنعم وعلم، ووهب وفهم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ولا نعلم إلا ما علَّمناه، فسبحانه المبتدئ بالنعم، تفضلًا منه على العباد، الهادي من يشاء منهم ممن اختصه برحمته إلى سبيل الرشاد، بعث الرسل، وبيَّنَ السبل، وختم أنبياءه صلوات الله عليهم وسلامه بأكرمهم عليه وأحبهم إليه محمدٍ ﷺ ، وأنزل عليه القرآن بالحجة والبرهان؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينه.
وبعدُ: فإن أولى الأمور بمن نصح نفسه وأُلهم رشده، أن يصرف خالص أوقاته، ويستعمل حرّ جهوده وطاقاته لخدمة الشريعة وعلومها، فإن الله أنزل کتابه العزيز على نبيه الکريم، ليبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وإن ما انبثق من القرآن وما يتعلق به ويرجع إليه من علوم ومعارف، سواء منها المقاصد والوسائل، ما ذلك كله إلا جهود متنوعة متناسقة تندرج في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
فكان تبيين معاني الكتاب العزيز متمثلًا بالسنن النبوية القولية والفعلية وما في معناهما، وما استنبط منهما مما أُثر عن فقهاء الصحابة وعلمائهم من اجتهادات مختلفة، وهكذا حتى انتهى الأمر إلى أئمة الفقه الإسلامي الذين عنوا بوضع ضوابط للاجتهاد وقواعد للاستنباط، ثم اجتهدوا على ضوء تلك الضوابط والقواعد، فأخرجوا للناس فقهًا خالصًا سائغًا للطالبين، قائمًا على كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وكان من أبرز هؤلاء الأئمة الأعلام الإمام المبجل أبو عبد الله أحمد ابن حنبل الشيباني المروزي البغدادي رحمه الله تعالى.
ولما كان القسم الأول من الدراسة التي سبق جمعها حول مذهب هذا الإمام،
стр. 460
مقسومة أبحاثه إلى ثلاثة محاور، تنتظم تاريخه وخصائصه ومؤلفاته، وخُتم بدراسة عامة عن مؤلفات الحنابلة في الأصول والفروع، فقد سنحت بالبال فكرة جرد أهم المكتبة الحنبلية إتمامًا للفائدة وتكميلًا لما سبق من التأليف في هذا المضمار، واقتضى ذلك اختيار منهج في الشكل والموضوع ينبني على مراعاة تلك الجهود ويكون مكملًا لما عسى أن يكون فيها من نقص، مبرزًا لبعض الجوانب المغفلة، وكاشفًا لبعض الفوائد الدفينة المهملة.
ووقع الاختيار على سلوك الترتيب الزمني التاريخي للمؤلفين على غرار ما صنع ابن حميد في كتابه «الدر المنضد»، وذلك لجعل القارئ المستفيد يلمح المسار العام، الذي كان يتنامى فيه التأليف عبر الزمن لدى فقهاء الحنابلة، ويلاحظ موقع كبار الشيوخ الذين ضربوا بحظ وافر وحازوا القدح المعلّى في تدوين المذهب وترتيبه والاحتجاج له، ثم تحريره وتنقيحه، ثم تصحيحه وتقريره، في الأصول والفروع، وذلك من أمثال أحمد بن هارون الخلال، وتلميذه أبي بكر عبد العزيز بن جعفر، والقاضي أبي يعلى بن الفراء وتلامذته؛ كأبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني، وكأبي محمد عبد الله ابن قدامة المقدسي وقرينه المجد ابن تيمية، ومحمد بن مفلح، والعلاء المرداوي، وابن النجار الفتوحي، والشيخ منصور البهوتي.
فَعُرِّف کل مؤلف بشهرته وتاريخ وفاته، وخُصَّ بعنوان بارز يکون كالترجمة لما تحته، ليكون ذلك مفتاحًا سهلًا للوصول إلى ما له من مؤلفات، وبجانبه تاريخ وفاته، وتحت هذا العنوان تقع التسمية للمؤلف من: الاسم والنسبة والكنية واللقب والنسبة القبلية أو البلدية أو المهنية أو غير ذلك، مع ذكر المصدر الأساسي الذي ترجم له.
ثم تُسرد أهم ما لديه من مصنفات في الفقه والأصول، سواء في ذلك ما هو صحيح النسبة إليه وما هو مغلوط عليه أو مشكوك في صحته أو في كون موضوعه داخلًا في الفقه أو الأصول وما يتعلق بهما. ثم توثيق وجود الكتاب ومدى صحة نسبته إلى المؤلّف، وكشف ما قد يوجد في هذا من