← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

[اقتران خبر هذه الأفعال بإلا وأحكام ذلك] قال ابن مالك: (فصل - يقترن بإلّا الخبر المنفيّ إن قصد إيجابه وكان قابلا ولا يفعل ذلك بخبر برح وأخواتها؛ لأنّ نفيها إيجاب وما ورد منه بإلا مؤوّل). ــ أخوه، أو لم يعرف أن له أخا أصلا. وإن عرف أن له أخا في الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: أخوك زيد. وأما إذا لم تعرف أن له أخا أصلا فلا يقال ذلك لامتناع الحكم بالتعيين على من لم يعرفه المخاطب أصلا فظهر الفرق بين قولنا: زيد أخوك، وقولنا: أخوك زيد (١). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): «يتناول الخبر المنفي خبر ليس وما قبلها من أفعال هذا الباب إذا تلت نفيا، ويتناول أيضا ثاني مفعولي ظن وأخواتها إذا تلت نفيا أيضا فإن قصد إمضاء النفي جيء بالخبر مجردا من إلا نحو: ليس زيد قائما وما كان منطلقا وما علمته عاجزا وإن قصد الإيجاب قرن بإلا (٣) نحو: ليس زيد إلا قائما -

стр. 1122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وما كان إلا منطلقا وما علمته إلا عاجزا فإن كان الخبر مما لا يستعمل إلا في نفي لم يقترن بإلا نحو: ما كان مثلك أحد. وما كنت تعيج أي تنتفع فلو قرنت أحدا أو تعيج بإلا لم يجز لأن إلا تنقض النفي وأحد ويعيج من الكلم التي لا تستعمل إلا في نفي، فإليهما وإلى أمثالهما أشرت بقولي: إن قصد إيجابه وكان قابلا» انتهى (١). ومن ثم امتنع أن يقال: ما كان زيد [٢/ ٣٣] إلا زائلا ضاحكا وما أصبح عبد الله إلا منفكّا منطلقا وما أضحى زيد إلا بارحا قائما لأن زائلا ومنفكّا وبارحا لا يستعمل في الإيجاب لأن حكم أسماء الفاعلين حكم الأفعال. نعم لو قلت ما كان زال زيد زائلا ضاحكا جاز لأن ما إذا دخلت على هذه الأفعال نفت أخبارها فكأنك قلت: ما زال زيد ضاحكا، ولو قلت: ما أضحى زيد رجلا زائلا ضاحكا لم يجز لأن حرف النفي لا ينفي صفة الموصوف إذا دخل عليه ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد العاقل قائما لم تكن نافيا للفعل عن زيد، فإذا قلت ما أضحى زيد رجلا زائلا ضاحكا كان معنى زائلا غير منفي وذلك لا يجوز استعماله قاله ابن عصفور (٢). وقد نوقش المصنف في دعواه أن يصبح لا يستعمل إلا في النفي. قال الشيخ (٣): «أنشد أبو عليّ القالي في النّوادر (٤) قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: ٧٣١ - ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه ... ولا مشربا أروى به فأعيج (٥) ثم قال المصنف ردف كلامه السابق (٦): ثم قلت: «ولا يفعل ذلك بجبر برح وأخواتها أي لا يقترن خبر برح وأخواتها بإلا لأنه موجب وإنما يجاء بإلا لإيجاب ما ليس موجبا فكما لا يقال كان زيد إلا -

стр. 1123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قائما لا يقال: ما زال زيد إلا قائما لأن مقتضى كان وما زال واحد. وأما قول ذي الرمة (١): ٧٣٢ - حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا (٢) ففيه أربعة أقوال: أحدها (٣): أن ينفك فعل تام وهو مطاوع فكه إذا خلصه أو فصله فكأنه قال: ما تتخلص أو ما تنفصل من السير (٤) إلا في حال إناختها على الخسف. الثاني: أن تكون تنفك ناقصة والخبر على الخسف ومناخة حال فكأنه قال: ما تنفك كائنة على الخسف أي الذل والتعب أو مرميّا بها بلدا قفرا إلا في حال إناختها. الثالث: أن إلا زائدة قاله ابن جني في المحتسب (٥) وحمل عليه قراءة ابن مسعود: (وإن كل إلا ليوفينهم ربك أعمالهم) (٦).

стр. 1124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرابع: أن ذا الرمة أخطأ بإيقاع إلا موقعا لا يصلح إيقاعها فيه وهذا أضعف الأقوال (١) ويساوي برح وأخواتها في منع اقتران الخبر بإلا: أليس وأما المقصود بهما التقرير لأن التقرير إثبات محض فإن قصد بالهمزة مجرد الاستفهام عن النفي جاز الاقتران بإلا كما يجوز عند عدم الهمزة» انتهى. والمنقول عن الأصمعي أنه لا يحتج بذي الرمة فطالما أكل الزيت من حوانيت البقالين يعني أنه كثرت مخالطته الحاضرة ففسد لسانه (٢). قال الشيخ: وجمهور أهل العلم على الاحتجاج بكلامه، وأما تخريج ابن جني فضعيف لأن إلا لم تثبت زيادتها في هذا الموضع، وأما قراءة ابن مسعود فتخريجها على أن إن نافية وإلا على بابها وليوفينهم جواب قسم محذوف أي وما كل إلا أقسم ليوفينهم (٣). واعلم أن ما امتنع فيه دخول إلا [٢/ ٣٤] امتنع فيه دخول الباء فلا يقال ما زال زيد بقائم لأن الباء إنما تدخل تأكيدا للنفي والخبر هنا ثابت وكذا يمتنع أن يكون له -

стр. 1125

[اختصاصات ليس وكان في هذا الباب] قال ابن مالك: (وتختصّ ليس بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة وبجواز الاقتصار عليه دون قرينة واقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بإلّا وتشاركها في الأول كان بعد نفي أو شبهه وفي الثّالث بعد نفي وربّما شبّهت الجملة المخبر بها في ذا الباب بالحاليّة فوليت الواو مطلقا). ــ جواب منصوب كما يكون في: ما كان زيد قائما فيذهب عمرو. قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): قد تقدم في باب الابتداء أن من أسباب تجويز كون المبتدأ نكرة وقوعه بعد نفي. واسم ليس لإفادتها النفي كالمبتدأ الواقع بعد نفي فلذلك اختصت ليس بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة (٢) كقول الشاعر: ٧٣٣ - كم قد رأيت وليس شيء باقيا ... من زائر طيف الهوى ومزور (٣) ولإفادتها النفي أيضا اختصت من بين أخواتها بجواز الاقتصار على اسمها دون قرينة زائدة على كون الاسم نكرة عامة؛ لأنه بذلك يشبه اسم لا فيجوز أن يساويه في الاستغناء به عن الخبر كقول الشاعر: ٧٣٤ - ألا يا ليل ويحك نبّئينا ... فأمّا الجود منك فليس جود (٤) -

стр. 1126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد فليس منك جود وليس عندك جود. ومثله قول الآخر: ٧٣٥ - يئستم وخلتم أنّه ليس ناصر ... فبوّئتم من نصرنا خير معقل (١) وحكى سيبويه (٢): «ليس أحد أي ليس هنا أحد». وقال الفراء (٣): يجوز في ليس خاصّة أن تقول: ليس أحد إلّا وهو كذا؛ لأنّ الكلام يتوهّم تمامه بليس ونكرة، ألا ترى أنّك تقول: ليس أحد وما من أحد (٤). ومثال اقتران خبرها بواو لكون جملته موجبة بإلا: قول الشاعر: ٧٣٦ - ليس شيء إلا وفيه إذا ما ... قابلته عين البصير اعتبار (٥) ومثال ذلك في كان بعد نفي: قول الشاعر أنشده الفراء (٦): ٧٣٧ - إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن ... سراج لنا إلّا ووجهك أنور (٧) -

стр. 1127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذا قول الآخر: ٧٣٨ - ما كان من بشر إلّا وميتته ... محتومة لكن الآجال تختلف (١) وأما مشاركة كان بعد نفي ليس في مجيء اسمها نكرة محضة: فكثير ومنه قول الشاعر: ٧٣٩ - إذا لم يكن أحد باقيا ... فإنّ التّأسّي دواء الأسى (٢) ومثال ذلك بعد شبه النفي: قول الشاعر: ٧٤٠ - ولو كان حيّ في الحياة مخلّدا ... خلدت ولكن ليس حيّ بخالد (٣) ومثله قول الآخر: ٧٤١ - فإن يك شيء خالدا أو معمّرا ... تأمّل تجد من فوقه الله غالبا (٤) ومثال تشبيه الجملة الخبرية بالحالية في اقترانها بالواو: قول الشاعر: ٧٤٢ - فظلّوا ومنهم سابق دمعه له ... وآخر يثني دمعة العين بالمهل (٥) -

стр. 1128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله قول الآخر: ٧٤٣ - وكانوا أناسا ينفحون فأصبحوا ... وأكثر ما يعطونك النّظر الشّزر (١) انتهى (٢). أما المسألة الأولى: وهي كون اسم ليس قد يكون نكرة محضة فظاهرة وقد عرف المسوغ لذلك. وأما المسألة الثانية: وهي جواز الاقتصار عليه أي على اسم النكرة فلم يظهر في الشواهد [٢/ ٣٥] والأمثلة التي ذكرها أن ليس فيها قرينة كيف، وقد قال في: فليس جود: إن التقدير فليس منك جود، ومنك مذكورة قبل فهي دليل على المحذوف. وأما: ٧٤٤ - وخلتم أنه ليس ناصر ... ... فلا شك أن سياق الكلام وبقية البيت يدلنا على المحذوف والتقدير أنه ليس لكم ناصر. وأما ما حكاه سيبويه ليس أحد، فلا بد أن هذا الكلام يكون جوابا لقول قائل: هل هنا أحد؟ ولذلك كان التقدير ليس هنا أحد وإذا كان كذلك فلا يحسن قول المصنف: دون قرينة لأن القرينة موجودة. وناقش الشيخ المصنف في قوله: «لأنّه بذلك يشبه اسم لا فيجوز أن يساويه في الاستغناء به عن الخبر» فقال (٣): -

стр. 1129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «هذا ليس بجيد لأنه لم يستغن به عن الخبر بل لا بد من تقدير الخبر ضرورة أن كلّ محكوم عليه لا بدّ من محكوم به». والجواب: أن معنى قول المصنف في الاستغناء به عن الخبر الاستغناء به عن ذكر الخبر لا عن تقديره فإن التقدير لا بد منه كما أن خبر لا الذي نظر به لا بد من تقديره. ثم إن حذف خبر ليس لا شك أنه وارد كما في الأمثلة المتقدمة وقد ذكر غير المصنف ذلك مستشهدا ببعض ما استشهد به هو، غير أنهم نصوا على أن ذلك ضرورة وقليل. والمصنف ليس في كلامه تعرض للكثرة ولا للقلة، غير أنه ربما يعطي جواز ذلك في الكلام والظاهر خلافه. وقد قال ابن عصفور (١): «وإن كلّا من الجزأين في هذا الباب لا يجوز حذفه اختصارا ولا اقتصارا. قال: أما المرفوع: وإن كان مبتدأ في الأصل والمبتدأ قد يجوز حذفه لفهم المعنى لأنه لما ارتفع بالفعل صار يشبه الفاعل والفاعل لا يحذف فكذا ما أشبهه. وأمّا المنصوب: مع أنه إذا نظرت إلى أصله وهو الخبر فحذفه جائز لفهم المعنى وإن نظرت إلى لفظه الآن وهو أنه يشبه المفعول والمفعول يجوز حذفه فيجوز حذف ما أشبهه فلأنه أي المنصوب قد صار عوضا من المصدر ولذلك لا يجوز كان زيد قائما كونا (٢) كراهة الجمع بين العوض والمعوض عنه ولولا أنّه عوض لجاز التصريح بالمصدر فلما صار الخبر عوضا من المصدر صار كأنه من كمال الفعل وكأنه جزء من أجزائه فلم يحذف الخبر لذلك، وقد يحذف في الضّرورة نحو قوله: ٧٤٥ - لهفي عليك للهفة من خائف ... يبقى جوارك حين ليس مجير (٣) -

стр. 1130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يريد ليس في الدنيا مجير فحذف لفهم المعنى فأما قوله: ٧٤٦ - إنّي ضمنت لكلّ شخص ما جنى ... فأبى فكان وكنت غير غدور (١) وقوله: ٧٤٧ - رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطّويّ رماني (٢) فإنه يتصور أن يجعل مما حذف فيه الخبر لفهم المعنى ضرورة كأنه قال: فكان غير غدور وكنت غير غدور [٢/ ٣٦] وكأن الآخر قال: كنت منه بريئا ووالدي بريئا. ويحتمل أن يكون مما وضع فيه المفرد موضع الاثنين ضرورة فيكون نحو قوله: ٧٤٨ - كأنّه وجه تركيّين قد غضبا ... [مستهدف لطعان غير تذبيب] (٣) ويحتمل أن يكون غدورا وبريئا من الألفاظ الواقعة على المفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد كما قالوا عدو في معنى أعداء. قال الله تعالى هُمُ الْعَدُوُّ (٤) وكما قال تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٥) -

стр. 1131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتهى (١). وأما المسألة الثالثة: وهي اقتران خبر ليس بواو وإن كان جملة موجبة بإلا: فقد قال الشيخ (٢): «هذا لا يجوز عندنا لأن أصل هذا أنه خبر للمبتدأ فكما لا يجوز دخول الواو على خبر المبتدأ إذا كان بهذه الصفة كذلك لا يجوز إذا وقع خبرا لليس لئلّا يكون الفرع أكثر تصرفا من الأصل. وأما ما استشهد به المصنف على ذلك فليس قاطعا لأنه يحتمل أن يكون خبر ليس محذوفا، إما لأن اسمها نكرة كما زعم المصنف جواز ذلك، وإما ضرورة كما يقول أصحابنا والجملة الداخلة عليها الواو جملة حالية» انتهى (٣). والذي قال الشيخ ظاهر من حيث الصناعة النحوية وينبغي التعويل عليه لأن فيما قاله المصنف خرقا للقواعد. وأما المسألة الرابعة: وهي مجيء اسم كان نكرة بعد نفي: فظاهرة، والمسوغ لذلك واضح غير أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: وتشاركها في الأول كان لأنه قال: وتختص ليس بكذا. ومشاركة كان لها فيما ذكره تنفي الاختصاص (٤). والجواب عن هذه المناقشة: أن الذي يختص به ليس هو مجموع ثلاثة الأمور التي ذكرها وكان لم تشاركها في الثلاثة وإنما شاركتها في البعض والمشاركة في بعض الأمور لا ينفي الاختصاص بكلها. وأما المسألة الخامسة: وهي مشاركة كان لليس في اقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بإلا: فالكلام فيها كما تقدم في ليس (٥). وما استدل به محمول على حذف خبر كان ضرورة في البيت الذي أوله: ما كان من بشر وعلى أن لنا خبر في البيت الآخر (٦) والجملة حالية في البيتين. -

стр. 1132

[اختصاصات كان في هذا الباب] قال ابن مالك: (وتختصّ كان بمرادفة لم يزل كثيرا وبجواز زيادتها وسطا باتّفاق وآخرا على رأي وربما زيد أصبح وأمسى ومضارع كان، وكان مسندة إلى ضمير ما ذكر أو بين جارّ ومجرور). ــ وأما المسألة السادسة: وهي أنه ربما شبهت الجملة المخبر بها في ذا الباب إلى آخره (١) في إثباتها خرم للقواعد كما تقدم وقد خرج ما استدل به المصنف على ذلك بأن فظلوا وفأصبحوا تامين قال (٢): «ويحتمل أن يكونا ناقصتين وحذف خبرهما ضرورة لفهم المعنى». قال الشيخ (٣): «وما ذكره المصنف هو قول الأخفش (٤) شبّه خبر كان الجملة بجملة الحال وحمله على ذلك قولهم: كان ولا مال له كما تقول: جاء ولا ثوب عليه ولا يعرف ذلك البصريّون. وقال الفارسيّ في قول الشّاعر: ٧٤٩ - كنّا ولا تعصي الحليلة بعلها ... فاليوم تضربه إذا هو قد عصى (٥) [٢/ ٣٧] أن كان تامة ولا تعصي واو الحال» (٦). قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان: الأولى: أن كان تستعمل بمعنى لم يزل وأنها اختصت بذلك من بين أخواتها: قال المصنف (٧): «الأصل في كان أن يدل بها على حصول معنى ما دخلت -

стр. 1133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه فيما مضى دون تعرض لأولية ولا انقطاع كغيرها من الأفعال الماضية فإن قصد الانقطاع ضمن الكلام ما يدل عليه كقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ (١). ومنه قول الشاعر: ٧٥٠ - وتركي بلادي والحوادث جمّة ... طريدا وقدما كنت غير طريد (٢) وقد يقصد بها الدوام كما يقصد بلم يزل كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (٣). ومنه قول الشاعر: ٧٥١ - وكنت امرأ لا أسمع الدّهر سبّة ... أسبّ بها إلّا كشفت غطاءها (٤) انتهى (٥). ولا يعقل كون الفعل الماضي لا يدل على انقطاع فإن وضعه أن يدل على وقوع مدلوله في زمن ماض، ولو لم يدل على الانقطاع لم يتميز الحال عن غيره هذا في غير كان، وأما كان فلا شك أن حكمها حكم الأفعال الماضية لكن استعمالها في موضع يقتضي الدوام والاستمرار أوجب الخلاف فيه بخصوصه. والصحيح أن حكمها حكم غيرها من الأفعال الماضية.

стр. 1134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال ابن عصفور (١): اختلف النحويون في كان في مثل قولنا: كان زيد قائما إذا أردت أن تخبر أن قيام زيد كان فيما مضى هل يقتضي الانقطاع أو لا يقتضيه، فأكثرهم على أنها تقتضيه وأنك إذا قلت: كان زيد قائما فإن قيام زيد كان فيما مضى وليس الآن بقائم وهذا هو الصحيح بدليل أن العرب إذا تعجبت من صفة هي موجودة في التعجب منه في الحال قالت: ما أحسن زيدا فإذا قالت: ما كان أحسن زيدا كان التعجب من الحسن فيما مضى وهو الآن ليس كذلك. وزعم بعضهم أنها لا تعطي الانقطاع واستدل على ذلك بمثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * (٢) أي كان وهو الآن كذلك وقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً (٣) أي كان وهو الآن كذلك؟ والجواب: أن ذلك قد يتصور فيه الانقطاع وذلك بأن يكون المراد به الإخبار بأن الله تعالى كان فيما مضى غفورا رحيما كما هو الآن كذلك فيكون المقصود الإخبار بأن هذه الصفة كانت له فيما مضى ولم يتعرض إلى خلاف ذلك. ويكون معنى قوله تعالى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي كان عندكم في الجاهلية فاحشة. فيكون المراد الإخبار عن الزنا كيف كان عندهم في الجاهلية ولم يتعرض إلى أكثر من ذلك (٤). وقال الشيخ (٥): والذي تلقيناه من الشيوخ [٢/ ٣٨] أن كان تدل على الزمان الماضي المنقطع وكذلك سائر الأفعال الماضية. ومن يعقل حقيقة المعنى لم يشك في الدلالة على الانقطاع لكن مثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وإن دلّ على عدم الانقطاع فإنما علم ذلك من حيث إن هذه الصفة ثابتة في الأزمان كلها بأدلة خارجية لا من حيث وضع اللفظ. المسألة الثانية: أن كان قد تستعمل في مكان زائدة وكذا أصبح وأمسى ومضارع كان. أما كان فإنها تزاد بهذا اللفظ أعني بلفظ الماضي ومراد المصنف بقوله: وسطا: أنها تتوسط بين مسند ومسند إليه نحو ما كان أحسن زيدا وكذا لم ير كان -

стр. 1135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مثلهم (١)، وكقول أبي أمامة الباهلي (٢) ﵁: لا يا نبيّ الله أو نبيّ كان آدم (٣) وحكى سيبويه (٤): إنّ من أفضلهم كان زيدا وخرجه المبرد على وجه رده عليه الناس وحكموا بزيادة كان (٥). أو بين صفة وموصوف (٦) كقول الشاعر: ٧٥٢ - في غرف الجنّة العليا الّتي وجبت ... لهم هناك بسعي كان مشكور (٧) وقد زيدت بين المتعاطفين، قال الفرزدق: ٧٥٣ - في لجّة غمرت أباك بحورها ... في الجاهلّية كان والإسلام (٨) قال المصنف (٩): «وزعم السّيرافي أنّ كان الزّائدة مسندة إلى ضمير مصدر -

стр. 1136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منويّ» (١). قال الشيخ (٢): «ووافقه الصّيمريّ (٣) وغيره»: قال المصنف: «ولا حاجة إلى ذلك، ولا يبالى بأن يقال خلوها من الإسناد إلى منوي يلزم منه كون الفعل حديثا من غير محدث عنه لأن كان المحكوم بزيادتها تشبه الحرف الزائد فلا يبالي بخلوها من الإسناد كما أن الضمير الواقع فصلا لما قصد به ما يقصد بالحروف من الدلالة على معنى في غيرها استجيز أن لا يكون له موضع من الإعراب، وأيضا فإن كان قد زيدت بين على ومجرورها فإذا نوي معها فاعل لزم الفصل بين الجار والمجرور بجملة ولا نظير لذلك وإذا لم ينو معها ضمير فاعل كان الفصل بكلمة واحدة فلا يمتنع كما لم يمتنع الفصل بما بين من وعن والباء وربما والكاف ومجروراتها» انتهى (٤). والذي اختاره المصنف من أن (كان) (٥) لا فاعل لها هو مذهب -

стр. 1137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفارسي (١) نقله عنه ابن عصفور واستدل الفارسي بنحو مما أشار إليه المصنف فإنه قال (٢): «إن الفعل إذا استعمل استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل استغنى عن الفاعل ويدل على ذلك أن قلما فعل لكن العرب استعملته للنفي، فقالت: قلما يقوم زيد في معنى ما يقوم زيد، فلم يحتج إلى فاعل كما أن ما لا تحتاج إلى فاعل بل صارت قلما بمنزلة الحروف التي تصحب الأفعال فكذلك كان لما زيدت للدلالة على الزمان الماضي صارت بمنزلة أمسى فكما أن أمسى لا يحتاج إلى فاعل كذلك ما استعمل استعماله» (٣) [٢/ ٣٩]. وأما زيادة كان آخرا: فلم يذكر له شاهد غير أن المصنف قال (٤): «وأجاز بعض النّحويين زيادة كان آخرا قياسا على إلغاء ظن آخرا». قال الشيخ: «هو الفرّاء (٥) أجاز أن تقول: زيد قائم كان». قال المصنف: والصحيح منع ذلك لعدم استعماله ولأن الزيادة على خلاف الأصل فلا تستباح في غير مواضعها المعتادة. فأما زيادة كان مسندة إلى ضمير ما ذكر: فشاهده البيت المذكور وهو: ٧٥٤ - فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام (٦) -

стр. 1138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنشد المصنف ذلك شاهدا على زيادة كان بين الصفة والموصوف. ثم قال: ولا يمنع من زيادتها إسنادها إلى الضّمير كما لا يمنع من إلغاء ظنّ إسنادها في نحو: زيد ظننت قائم. هذا مذهب سيبويه. انتهى (١). وهو مذهب الخليل أيضا (٢). وذهب أبو العباس وأكثر النحويين إلى أنها ليست زائدة فقالوا: كانوا: كان واسمها ولنا في موضع خبرها والجملة في موضع الصفة لجيران وكرام صفة بعد صفة (٣) وذلك نظير قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ (٤) ومنه قول امرئ القيس: ٧٥٥ - وفرع يغشّي المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل (٥) -

стр. 1139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وللفارسي في البيت كلام فيه قلق (١). ولابن عصفور فيه تخريج بعيد وهو أنه قال (٢): «يتصور زيادة كان في هذا البيت على أن يكون أصل المسألة وجيران لنا هم كرام على أن يكون لنا في موضع الصفة لجيران وهم فاعل بلنا على حد مررت برجل معه صقر صائدا به غدا لأن سيبويه قد نصّ على أن صقرا مرفوع بمعه (٣) لأنه لو قدر المجرور خبرا لصقر لكانت النية به التأخير لأن النية في الخبر أن يكون بعد المبتدأ وإذا كان صفة وصقر مرفوع به كان في موضع لا ينوي به التأخير واللفظ إذا أمكن أن يكون في موضعه لم يجز أن ينوي به الوقوع في غير موضعه ثم زيدت كان بين لنا وهم لأنها تزاد بين العامل والمعمول فصار لنا كان هم ثم اتصل الضمير بكان وإن كانت غير عاملة فيه لأن الضمير قد يتصل بغير عامله في الضّرورة كقول القائل: ٧٥٦ - وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار (٤) فالأصل إلا إيّاك ثم وصل الضمير بإلا اضطرارا وإن كانت غير عاملة فيه لأن الاستثناء منتصب من تمام الكلام». انتهى (٥). وقد نحى الشيخ إلى أن كان في البيت ليست زائدة وخرج ذلك على الوجه الذي تقدم ذكره عن أبي العباس وأكثر النحويين (٦). والذي يظهر أنه الحق. لكن سيبويه قد حكم عليها بالزيادة في هذا البيت فيشكل الأمر حينئذ. وقد اعتذر من إطلاق الخليل وسيبويه عليهما [٢/ ٤٠] أنها زائدة بأنهما -

стр. 1140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يعنيان بالزيادة ما فهمه النحويون عنهما، إنما أراد بالزيادة أنه لو لم تدخل هذه الجملة بين جيران وكرام لفهم أن هؤلاء القوم كانوا جيرانه فيما مضى وأنه قد فارقهم، فالجيرة كانت في الزمان الماضي فجيء بقوله: كانوا لنا على هذا المعنى فلا يستفاد منها إلا تأكيد ما فهم من المعنى قبل دخولها فأطلق عليها الزيادة بهذا المعنى. ويدل على أنه يصف حالا ماضية قبل هذا البيت: ٧٥٧ - هل أنتم عائجون بنا لعنّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام (١) ذكره الشيخ (٢) ثم قال: ولا يمتنع أيضا أن يكون قوله: كانوا التامة ويكون على حذف مضاف أي وجدت جيرتهم في الزمان الماضي ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وتكون الجملة صفة ويكون معنى الزيادة على ما قرر بتقدير أنّها النّاقصة» انتهى (٣). وأما مضارع كان: فقال المصنف: وشذت زيادة تكون في قول أم عقيل (٤) ابن أبي طالب: ٧٥٨ - أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهبّ شمأل بليل (٥) -

стр. 1141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأجاز الفراء زيادة يكون بين ما وفعل التعجب (١) نحو ما يكون أطول هذا الغلام ويشهد لقوله قول رجل من طيئ: ٧٥٩ - صدّقت قائل ما يكون أحقّ ذا ... طفلا يبذّ ذوي السّيادة يافعا (٢) قال الفراء: «وأخوات كان تجري مجراها» (٣). قلت: ولا خلاف في زيادة كان بعد ما التعجبية كقول الشاعر: ٧٦٠ - ما كان أسعد من أجابك آخذا ... بهداك مجتنبا هوى وعنادا (٤) انتهى (٥). وأما زيادة كان بين جار ومجرور: فشاهده قول الشاعر: ٧٦١ - سراة بني أبي بكر تسامى ... على كان المسوّمة العراب (٦) -

стр. 1142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قيل: ولم يحفظ زيادتها بين جار ومجرور إلا في هذا البيت. وأما أصبح وأمسى: فقال المصنف (١): وشذ أيضا زيادة أصبح وأمسى في قول بعض العرب ما أصبح أبردها وما أمسى أدفأها. وأجاز أبو علي زيادة أصبح (٢) في قول الشاعر: ٧٦٢ - عدوّ عينيك وشانيهما ... أصبح مشغول بمشغول (٣) وكذلك أجاز زيادة أمسى في قول الشاعر الآخر: ٧٦٣ - أعاذل قولي ما هويت فأوّبي ... كثيرا أرى أمسى لديك ذنوبي (٤)

стр. 1143

[أحكام خاصة بكان] قال ابن مالك: (وتختصّ كان أيضا بعد إن أو لو بجواز حذفها مع اسمها إن كان ضمير ما علم من غائب أو حاضر فإن حسن مع المحذوفة بعد إن تقدير فيه أو معه أو نحو ذلك؛ جاز رفع ما وليها وإلّا تعيّن نصبه وربّما جرّ مقرونا بـ «إن لا» أو بـ «إن» وحدها إن عاد اسم كان إلى مجرور بحرف، وجعل ما بعد الفاء الواقعة جواب إن المذكورة خبر مبتدأ أولى من جعله خبر كان مضمرة، أو مفعولا بفعل لائق أو حالا، وإضمار كان النّاقصة قبل الفاء أولى من التامة وربّما أضمرت النّاقصة بعد «لدن» وشبهها والتزم حذفها معوّضا منها ما بعد أن كثيرا وبعد إن قليلا ويجوز حذف لامها السّاكن جزما ولا يمنع ذلك ملاقاة ساكن [٢/ ٤١] وفاقا ليونس). ــ قال ناظر الجيش: اعلم أن كان تختص دون أخواتها بأمور: وقد تقدم ذكر أمرين منها وهما مرادفة لم يزل وذلك على ما اختاره المصنف (١)، وزيادتها بالشرط الذي ذكر (٢). وشرع الآن المصنف في ذكر أمر ثالث وهو الحذف، فإنه مما اختصت به كان إذا كان في الكلام دليل على الحذف. ثم لها في الحذف أحوال أربع: أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وأن تحذف مع الخبر ويبقى الاسم، وأن تحذف وحدها ويبقى المعمولان، وأن تحذف مع المعمولين. وحيث حذفت فالحذف جائز؛ فيجوز الذكر إلا أن يعوض عنها غيرها فلا يجوز الذكر فيكون الحذف حينئذ واجبا كما سترى ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى، ثم إن المصنف ختم الكلام بمسألة وهي جواز حذف لام مضارع كان إذا كان ساكنا للجزم بالشرط الذي سيذكره وهذا مما اختصت به كان أيضا في مضارعها. وقد أشار المصنف إلى الحالة الأولى: وهي حذفها مع اسمها مع إبقاء الخبر بقوله: -

стр. 1144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتختصّ كان أيضا بعد إن ولو بجواز حذفها إلى قوله: أو حاضر. ونظم كلامه أربع صور وهي: أن يكون الحذف بعد إن، واسم كان ضمير غائب، أو حاضر، وبعد لو، واسم كان كذلك أيضا بشرط أن يكون الاسم معلوما. فمثال حذف كان بعد إن مع اسمها وهو ضمير غائب معلوم، قول الشاعر: ٧٦٤ - انطق بحقّ وإن مستخرجا إحنا ... فإنّ ذا الحقّ غلّاب وإن غلبا (١) ومثال الحذف مع كون الاسم ضمير حاضر (٢)، قول الآخر: ٧٦٥ - حدبت عليّ بطون ضنّة كلّها ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما (٣) -

стр. 1145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله قول الآخر: ٧٦٦ - لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف ... إن ظالما أبدا وإن مظلوما (١) ومثال الحذف بعد لو والاسم ضمير غائب، قول الشاعر: ٧٦٧ - لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل (٢) ومثاله والاسم ضمير حاضر، قول الشاعر: ٧٦٨ - علمتك منّانا فلست بآمل ... نداك ولو غرثان ظمآن عاريا (٣) قال المصنف: «فالنّصب في مثل هذا متعين لعدم صلاحيّة تقدير ما يجعل خبرا من فيه أو معه أو نحوهما» انتهى (٤). قال الشيخ: «ويجري مجرى لو غيرها من الحروف الدالة على الفعل إذا تقدّم ما يدل عليه نحو هلا وألا لكنه ليس بكثير الاستعمال» انتهى (٥). -

стр. 1146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم أشار المصنف إلى الحالة الثانية: وهي حذفها مع الخبر مع بقاء الاسم بقوله: فإن حسن مع المحذوفة بعد إن تقدير فيه أو معه إلى آخره. يعني إذا صلح بعد إن تقدير شيء من ذلك جاز الرفع على أن المذكور اسم كان وذلك المقدر هو الخبر وذلك نحو: «النّاس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ، والمرء مقتول بما قتل به إن سيفا فسيف وإن خنجرا فخنجر» (١). فانتصاب خيرا وشرّا وسيفا وخنجرا على تقدير إن كان العمل خيرا [٢/ ٤٢] أو شرّا وإن كان المقتول به سيفا أو خنجرا وارتفاعها على أنها اسم كان أي إن كان في أعمالهم خير أو شرّ وإن كان معه سيف أو خنجر ولا شك أن النصب أولى من الرفع كما سيأتي: وربما يشعر قول المصنف: جاز رفع ما وليها - بأن غير الرفع هو الراجح. وقوله: وإلّا تعيّن نصبه أي وإلا يحسن تقدير فيه أو معه أو نحو ذلك تعين النصب على أنه خبر كان المحذوفة. ومثل سيبويه ذلك بقوله (٢): مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا وامرر بأيّهم أفضل إن زيدا وإن عمرا ومررت برجل قبل إن طويلا وإن قصيرا. قال سيبويه (٣): لا يكون في هذا إلّا النّصب لأنّك لا تستطيع أن تقول إن كان فيه طويل وإن كان فيه زيد. ومن أمثلة سيبويه (٤): مررت برجل (صالح) (٥) وإن لا صالحا فطالح، قال: ومن العرب من يقول: إن لا صالحا فطالحا، وقدره سيبويه إن لا يكن صالحا فقد -

стр. 1147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لقيته طالحا على الحال (١). وأما قول المصنف: وربما جرّ مقرونا بإن لا إلى آخره (فإنه يشير) (٢) إلى ما حكى يونس في هذا المثال إن لا صالح فطالح (٣). قال المصنف: «التقدير إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح قال (٤): وأجاز يونس امرر بأيهم أفضل إن زيد وإن عمرو على تقدير إن مررت بزيد وإن مررت بعمرو (٥). وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إن هذه أسهل من إضمار ربّ بعد الواو». انتهى. وكلامه يشعر بأن سيبويه يرتضي ما حكاه يونس وعبارة سيبويه تعطي خلاف هذا فإنه قال (٦): وزعم يونس أنّ من العرب من يقول: إلّا صالح فطالح على إن لا أكن مررت بصالح فبطالح وهذا قبيح ضعيف (٧) لأنّك تضمر بعد إن لا فعلا آخر غير الذي يضمر بعد إن لا في قولك: إن لا يكن صالحا فطالح، ولا يجوز أن يضمر الجارّ ولذلك لمّا ذكروه في أول كلامهم شبّهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت ربّ ونحوها في قولهم: ٧٦٩ - وبلدة ليس بها أنيس ... [إلّا اليعافير وإلّا العيس] (٨) ومن ثمّ قال يونس: امرر بأيّهم أفضل إن زيد وإن عمرو يعني إن مررت بزيد -

стр. 1148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو مررت بعمرو» انتهى (١). فتبين أن سيبويه لا يرى قوة ما حكاه يونس، وإن يونس إنما أجاز امرر بأيهم أفضل إن زيد وإن عمرو بالقياس على ما حكاه ولا يسوغ القياس على ما يحكم بضعفه وقبحه. قيل ووجه جعل سيبويه إضمار رب أن الباء إنما أضمرت مع فعل ورب حرف خالص لم يضمر معها فعل وإلا فإضمار رب مطرد، وهذا لا يقال منه إلا ما سمع، فكيف يكون هذا أقوى من ذاك. وقد عرفت أن المصنف جعل التقدير فيما حكاه يونس (٢) إن لا أمرّ بصالح وقد مررت بطالح. وتقدير سيبويه إن لا أكن مررت بصالح فبطالح. قالوا (٣): وتقدير سيبويه هو الصواب لأنه مبني على قوله: مررت برجل إن لا صالح فطالح فهو مبني على ماض فتقديره بإن لا أكن مررت مطابق لما قبله [٢/ ٤٣] بخلاف إن لا أمر لأنه مستقبل فلا يناسب تقديره وأيضا فتقدير سيبويه يقتضي بأن المحذوف هو أكن وهي المعهود حذفها بعد إن بخلاف أمر. ثم إن المصنف لما ذكر أن في الاسم الواقع بعد إن في نحو إن خيرا فخير، وإن سيفا فسيف وجهين: النصب والرفع - ذكر أن في الاسم الواقع بعد الفاء في هذا الكلام وجهين أيضا: الرفع والنصب فذكر أن الرفع أولى وأشار إلى ذلك بقوله: وجعل ما بعد الفاء الواقعة في جواب إن المذكورة إلى قوله: أو حالا. قال في الشرح (٤): «إن الاسم الواقع بعد الفاء في الحديثين المذكورين (٥) ونحوهما يرتفع على أنه خبر مبتدأ وينتصب على أنه خبر كان مضمرة أو يجعل مفعولا به أو منصوبا على الحال إلا أن رفعه أجود لأن المحذوف معه شيء واحد ومع النصب شيئان فعل واسم مرفوع به ولأن وقوع الجملة الاسمية بعد الفاء المجاب بها الشرط أكثر من وقوع الجملة الفعلية ويجوز جعل ما بعد الفاء مفعولا به والتقدير إن كان عمله خيرا فيجزى خيرا أو يعطى خيرا ويجوز جعله حالا ويكون التقدير إن كان -

стр. 1149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمله خيرا فيلقاه خيرا ونحو ذلك، وقد أشار سيبويه إلى ذلك كله» (١). انتهى (٢). والتقدير إذا رفع الاسم المذكور فالذي يجزونه خير. وقد علم بهذا الذي ذكرناه أن في نحو: إن خيرا فخير وإن شرّا فشر أربعة أوجه (٣). لكن أحسنها نصب الأول ورفع الثاني وهو الوجه الذي بدأ به سيبويه (٤). ثم قال (٥): ومن العرب من يقول: إن خيرا فخيرا ثم ذكر أن رفعهما عربيّ حسن (٦). وزاد النحويون: إن خير فخيرا برفع الأول ونصب الثاني قالوا: وأحسن الوجوه نصب الأول ورفع الثاني كما تقدم، ثم رفعهما ثم نصبهما ثم رفع الأول ونصب الثاني، وتعليل الأوجه المذكورة ظاهر مما تقدم. وقد زعم الأستاذ أبو علي (٧) أن رفعهما ونصبهما متكافئان لأن ما في نصب الأول من الحسن يقابله قبح رفعه وما في نصب الثاني من القبح حسن رفعه. ولابن عصفور معه بحث في ذلك لأنه رد عليه قوله في التكافؤ تركته خوف الإطالة (٨). وكما أضمرت كان فيما ذكرنا أضمرت في الشرط الصريح المحض تقول: أنا أفعل كذا إن لا معينا فلا مفسدا عليّ إن لا تكن معينا لي فلا تكن مفسدا عليّ، ويجوز الرفع إذا صح المعنى ومنه إن لا حظية فلا أليّة أي إن لا تكن لك في النساء حظية فإني غير ألية أي غير مقصرة في خدمتك (٩). -

стр. 1150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قول صاحب الكتاب (١): «وإضمار كان النّاقصة قبل الفاء أولى من التّامّة» فهو كلام متشبث بما قبله، وذلك أنه يتعلق بقوله: فإن حسن مع المحذوفة بعد إن تقدير فيه أو معه أو نحو ذلك جاز رفع ما وليها، وكلامه إنما هو في كان لناقصة ولا شك [٢/ ٤٤] أنه يتعين حينئذ أن يكون ذلك المقدر خبرا وأن يكون المرفوع اسما ثم إنه لا يمتنع أن يكون كان المحذوفة هي التامة ويكون ذلك المرفوع فاعلا بها والمجرور المقدر يتعلق بها فأشار بهذا الكلام الآن إلى أن كون المحذوفة هي الناقصة أولى من كونها التامة. قال في الشرح (٢): «وسبب ذلك أن إضمار الناقصة مع النصب متعين وهو مع المرفوع ممكن فوجب ترجيحه ليجري الاستعمالان على سنن واحد ولا يختلف العامل، ولأن الفعل التام إذا أضمر بعد إن الشرطية لا يستغنى عن مفسر نحو وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (٣) فخولف هذا في كان الناقصة لوقوع ثاني جزأيها موقع المفسر ولأنها توسع فيها بما لا يستعمل في غيرها فمقتضى الدليل ألا تشاركها التامة في الإضمار المشار إليه. لكن أجيز فيها لشبهها بالناقصة. فلا يستويان في التقدير» (٤). ثم إن كان لما كانت قد تحذف ولو لم تقع بعد إن أو لو أشار المصنف إلى ذلك بقوله: وربما أضمرت النّاقصة بعد لدن وشبهها. فمثال إضمارها بعد لدن: قول الشاعر: ٧٧٠ - من لد شولا فإلى إتلائها (٥) -

стр. 1151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يصف إبلا والتقدير من لد أن كانت شولا. قال المصنف (١): «وكذا يقدّره الجمهور وعندي أن تقدير أن مستغنى عنها كما يستغنى عنها بعد مذ» قال الشيخ (٢): «كذا قدره سيبويه (٣) وحمل الناس كلامه على أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب والمعنى من لد كانت شولا» والشّول: التي ارتفع ألبانها من النوق والمعنى لد كانت شولا إلى لقاحها فإلى إتلائها ولذا أتى بالفاء ليحمل شيئا على شيء ولولا ذلك لم يجز دخول الفاء وإتلاؤها هو أن يتلوها ولدها ويتبعها. ومثال إضمار كان بعد شبه لدن: قول الشاعر: ٧٧١ - أزمان قومي والجماعة كالّذي ... لزم الرّحالة أن تميل مميلا (٤) أراد: أزمان كان قومي مع الجماعة كالذي لزم الرحالة، كذا قال سيبويه (٥) وأما -

стр. 1152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قول المصنف: فالتزم حذفها معوّضا منها ما بعد أن كثيرا وبعد إن قليلا فهو إشارة إلى الحالتين الأخريين أعني الثالثة والرابعة وهما أن تحذف كان وحدها ويبقى معمولاها وأن تحذف مع المعمولين ولكن الحذف عوض في الحالتين وكذا كان الحذف فيهما واجبا كما أفهمه قوله: والتزم حذفها إلى آخره أي آخره أي إن كان تحذف وجوبا معوضا منها ما بعد أن المصدرية الناصبة وبعد إن الشرطية. ولما كانت ما عوضا لم يجز حذفها. أما الحذف مع بقاء المعمولين (١) وذلك بعد أن المصدرية (٢) فنحو قول الشاعر [٢/ ٤٥]: ٧٧٢ - أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (٣) أراد: لأن كنت فحذفت اللام فبقى أن كنت ثم حذف كان وجاء بالضمير المنفصل خلفا من المتصل وبما قبله عوضا من كان والتزام حذفها لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه. ومثل أما أنت ذا نفر: أما أنت مرتحلا من قول الشاعر: -

стр. 1153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٧٧٣ - إمّا أقمت وأما أنت مرتحلا ... فالله يكلأ ما تأتي وما تذر (١) وأما الحذف مع حذف المعمولين (٢) وذلك بعد إن الشرطية فنحو قول العرب: (افعل ذلك إمّا لا) أي إن كنت لا تفعل غيره (٣). ومثله قول الآخر: ٧٧٤ - أمرعت الأرض لو أنّ مالا ... لو أنّ نوقا لك أو جمالا أو ثلّة من غنم إمّا لا (٤) أراد: إن كان لا يكون لك غيرها. وأمثال أما أنت ذا نفر كثير بخلاف إما لا فإن استعماله قليل لأن الحذف فيه أكثر. هذا كلام المصنف (٥). وعلم من قوله: أن قائل أما أنت ذا نفر أراد لأن كنت فحذف اللام. أن اللام للتعليل وكذا قالوا في أما أنت منطلقا انطلقت معك أن أما أنت مفعول من أجله وهذا واضح، ثم ها هنا أمور: -

стр. 1154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منها: أن من أمثلة سيبويه أما زيد ذاهبا ذهبت معه (١) أي لأن كان زيد ذاهبا ذهبت معه فأتى بالاسم ظاهرا وعلم منه أن مثل هذا التركيب لا يلزم منه أن يكون اسم كان مضمرا. ومنها: أن بعض النحويين يزعم أن كان في هذا التركيب تامة ويجعل المنصوب فيه حالا ويستدل بلزوم التنكير فيه (٢). ومنها: أن أبا علي وابن جني زعما أن ما هي الرافعة الناصبة وأنها نابت مناب كان في العمل (٣). ولا شك أن قولهما هذا مخالف لما صرح به سيبويه في المسألة من إضمار كان. ومنها: أن الفعل الذي هو كان لا يحذف مع إن المكسورة معوضا عنها ما إلا في هذا التركيب خاصة أعني قولهم إما لا. فلو قلت: إما كنت منطلقا انطلقت معك كانت ما زائدة وليست عوضا ولا يجوز أن تقول إما أنت منطلقا انطلقت معك، ومن ثم قال سيبويه: حذف الفعل لا يجوز هنا يعني مع المكسورة كما لم يجز ثمّ إظهاره يعني مع المفتوحة (٤). وقول المصنف: ويجوز حذف لامها السّاكن جزما يشير به إلى أمر اختصت كان به أيضا وهو جواز حذف لام مضارعها إذا كان ساكنا للجزم ويذكر الساكن جزما استغنى عن ذكر المضارع إذ لا يجزم من الأفعال غيره. قال في الشرح (٥) «مما تختص به كان جواز حذف لام مضارعها الساكن جزما كقوله تعالى: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦). وكقوله تعالى: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧) فإن وليه ساكن امتنع -

стр. 1155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحذف عند سيبويه (١) ولم يمتنع عند يونس (٢). وبقوله أقول [٢/ ٤٦] لأن هذه النون إنما حذفت للتخفيف وثقل اللفظ فالحذف حينئذ أولى إلا أن الثبوت دون ساكن ومع ساكن أكثر من الحذف فلذلك جاء القرآن العزيز بالثبوت مع الساكن في قوله تعالى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ (٣) وفي قوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا (٤). وقد استعملت العرب الحذف قبل الساكن كثيرا ومنه قول الشاعر: ٧٧٥ - لم يك الحقّ سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفّى بالسّرر (٥) وقول الآخر: ٧٧٦ - فإن لم تك المرآة أبدت وسامة ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم (٦) وقول الآخر: ٧٧٧ - إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى ... فليس بمغن عنه عقد التّمائم (٧) -

стр. 1156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا ضرورة في هذه الأبيات لإمكان أن يقال في الأول لم يكن حق سوى أن هاجه، وفي الثاني فإن تكن المرآة أخفت وسامة، وفي الثالث إذا لم يكن من همة المرء ما نوى» انتهى (١). قال الشيخ: «ما ذكره المصنف من أنه لا ضرورة في ذلك لإمكان أن يقول الأول كذا والثاني كذا والثالث كذا يقال له في جواب ذلك: ما من ضرورة في شعر العرب إلا ويمكن تبديلها ونظم شيء مكانها وعلى هذا لا يكون في كلام العرب ضرورة» انتهى (٢). وما ذكره الشيخ حق لا مدفع له وإذا كان كذلك فالحق أن الحذف قبل الساكن ضرورة كما ذهب إليه سيبويه. واعلم أن صيغ المضارع الأربعة (٣) سواء في الحكم الذي تقدمت الإشارة إليه وورد الجميع في الكتاب العزيز وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٤)، قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٥)، وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٦) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ (٧). ولا فرق في ذلك أيضا بين الناقصة والتامة لكن الناقصة يكثر فيها ذلك لكثرة تصرفها في الكلام والتامة يقل فيها ذلك كقراءة من قرأ وإن تك حسنة يضعفها (٨) برفع التاء ثم حذف النون شاذ في القياس لأنها من نفس الكلمة لكن إنما سوغ الحذف كثرة الاستعمال وشبه النون بحروف العلة فكأنهم جددوا لهم جزما. وتناسوا الجزم القياسي. واعلم أن المصنف لما ذكر في باب المفعول المسمى ظرفا أن الظرف أصله أن -

стр. 1157

[حكم معمول الخبر في هذا الباب] قال ابن مالك: (ولا يلي عند البصريّين كان وأخواتها غير ظرف وشبهه من معمول خبرها [٢/ ٤٧] واغتفر ذلك بعضهم مع اتّصال العامل وما أوهم خلاف ذلك قدّر فيه البصريّون ضمير الشأن). ــ يكون مقرونا بفي لفظا وأنه استغنى عن لفظها بمعناها مع الظاهر ولزم الرجوع إلى الأصل مع الضمير، قال: «لأنّ الإضمار يردّ الشّيء إلى أصله ولذلك لزم من يقول من لد زيدا أن يقول من لدنه برد النون ولزم من يقول لم يك صديقا أن يقول: أما الصديق فإن لم يكنه فمن يكونه فردّ النّون أيضا». فكان هذا الكلام منه في باب الظروف تقييدا لما ذكره هنا أعني في باب كان وهو قوله: ويجوز حذف لامها السّاكن، فإنه كلام مطلق ولكن شأن العلماء أرباب المصنفات أنهم إذا أطلقوا القول في مكان وقيدوا في مكان آخر كان الكلام المقيد مقيدا للمطلق. وإنما قلنا ذلك لأن الشيخ استدرك على المصنف هذه المسألة (١) وقد تبين أنه لا استدراك ويظهر أن الشيخ إنما أخذ ذلك من كلام المصنف (٢). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣) «لا يجوز عند البصريين أن يفصل بمعمول خبر كان بينها وبين اسمها والخبر متأخر نحو كان طعامك زيد يأكل وكذا لو لم يتأخر الخبر نحو كان طعامك يأكل زيد وهو أيضا غير جائز عند سيبويه (٤) كالأول. ومن الناس من أجاز الآخر دون الأول (٥) وكلاهما عند الكوفيين جائز ومن -

стр. 1158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حجّتهم قول الشاعر: ٧٧٨ - قنافذ هدّاجون حول بيوتهم ... بما كان إيّاهم عطيّة عوّدا (١) وقول الآخر: ٧٧٩ - فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النّوى تلقي المساكين (٢) وهذا وما أشبهه عند البصريين محمول على أن يضمر قبل المنصوب ضمير الشأن اسما فيندفع الإشكال ويجوز جعل كان في البيت الأول زائدة ويجوز جعل ما بمعنى الذي وفي كان ضمير ما وهو اسم كان وعطية مبتدأ خبره عوّدا وهو ذو مفعولين -

стр. 1159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما إياهم والثاني هاء عائدة على ما فحذفت وهي مقدرة. فلو كان معمول الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا جاز بإجماع تقديمه على الاسم متصلا بالخبر نحو كان عندك مقيما زيد ومنفصلا نحو كان عندك زيد مقيما لأن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما توسعا لا يكون لغيرهما ولذلك فصل بهما بين المضاف والمضاف إليه كقول الشاعر: ٧٨٠ - كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهوديّ يقارب أو يزيل (١) وبين الاستفهام والقول الجاري مجرى الظن نحو أغدا تقول زيدا منطلقا ولو قلت أنت تقول لبطل النصب ولزمت الحكاية في اللغة المشهورة (٢). وقد أجيز ما غدا زيد ذاهبا بإيلاء الظرف ما وهو معمول خبرها (٣) فإجازة ذلك أولى. ووجد في نسخة أخرى من الشرح للمصنف أيضا بعد تضعيف الاحتجاج بالبيت الذي أوله: قنافذ هدّاجون ما نصّه: وإنما يقوى الاحتجاج للكوفيين بقول الشاعر: ٧٨١ - لئن كان سلمى الشّيب بالصّدّ مغريا ... لقد هوّن السّلوان عنها التّحلّم (٤) -

стр. 1160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد لئن كان الشيب مغريا سلمى بالصد فقدم سلمى وهو منصوب بخبر كان على اسمها ولا سبيل إلى ضمير الشأن لظهور النصب في الخبر فسلم الدليل ولم يوجد لمخالفته سبيل. ويشهد لصحة ما ذهب إليه الكوفيون في هذه المسألة قول الشاعر: ٧٨٢ - باتت فؤادي ذات الخال سالبة ... فالعيش إن حمّ لي عيش من العجب (١) أراد باتت ذات الخال سالبة لفؤادي لكنه جعل سالبة حالا من ذات الخال والعامل فيها باتت قال: فقدم منصوب الحال على مرفوع عاملها وهو شبيه بما منعه البصريون من تقديم منصوب كان على مرفوعها» انتهى (٢). والظاهر أن باتت فؤادي من البين لا باتت التي هي أخت كان لجعله سالبة حالا. وكنت قبل ذلك أظن أن الشعر إنما هو باتت أخت كان وأن سالبة خبرها لكن جعل المصنف سالبة حالا يوجب أن يكون باتت بالنون من البين فليتأمل ذلك. ثم ها هنا مباحث: الأول: [٢/ ٤٨] قول المصنف: من معمول خبرها يشمل كل ما ينتصب بالخبر من مفعول به ومفعول من أجله وحال وغير ذلك كما تعطيه عبارته ولا يستثنى من ذلك إلا الظرف وشبهه كما عرفت. -
следующие страницы →