← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحق أن الخبر محذوف ولم يمتنع حذفه، لأنها أشبهت «لعلّ»، فجاز حذفه كما جاز حذف أخبار هذه الحروف من حيث كان الكلام في الأصل مبتدأ وخبرا. المسألة الثانية: لا بد من عود ضمير من الخبر في هذا الباب إلى الاسم، كما لا بد منه في غير هذا الباب، إلا أن الضمير في غير هذا الباب لا يشترط كونه فاعلا، بخلاف الضمير في هذا الباب فإن الفاعل لا يكون غيره إلا قلة ولا يكون ما ورد على قلة إلا مؤولا بأنه هو (١)، فمن ذلك قول الشاعر: ٨٩٥ - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل (٢) فجاز جعل فاعل الفعل المخبر به غير ضمير الاسم، لأن المعنى: وقد جعلت إذا ما قمت أثقل وأضعف، فصح ذلك وكذا قول الآخر (٣): ٨٩٦ - وقفت على ربع لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه (٤) فجاز هذا، لأن معناه: حتى كاد يكلمني. أورد المصنف ذلك ثم قال: وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: وكون الفاعل غيره قليل (٥). انتهى. وقال صاحب الإفصاح: خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا لفاعل فعل المقاربة لا لسببه، لا تقول: طفق زيد يتحدث أخوه، لأنها إنما جاءت لتدل على أن فاعلها قد تلبس [٢/ ٨٦] بهذا الفعل وشرع فيه لا غيره ثم أول «يثقلني ثوبي» على ما -

стр. 1262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقدم، ثم قال: ويدل على هذا أنه عطف على هذا الفعل ما هو له فقال: فأنهض، وقد يكون هذا قد صح بسبب «فأنهض» لأنه المقصود، فكأنه قال: أنهض نهض الشارب الثمل لضعفي عن حمل ثوبي، لأن الفاء تربط ما بعدها بما قبلها لما فيها من معنى السببية (١). انتهى. وقد ناقش الشيخ المصنف في ثلاثة أشياء: أحدها: في قوله: يتعين؛ قال: لأنه قال بعد: وكون الفاعل غيره قليل؛ فدل على أنه لا يتعين فإصلاحه أن يقول: ويكثر عود ضمير من الخبر إلى الاسم. ثانيها: أنه جعل ذلك حكما في جميع هذه الأفعال، وقد ذكر أصحابنا أن «عسى» خاصة يجوز أن يكون الفاعل للفعل الذي هو خبرها ضمير اسمها وأن يكون سببا منه، وأنشدوا: ٨٩٧ - وماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد (٢) برفع جهده ونصبه. ثالثها: أنه قال: وكون الفاعل غيره قليل؛ وهو عند أصحابنا لا يجوز وتأولوا ما ورد من ذلك، وكذا قال هو «إنه إن ورد فيكون مؤولا» قال: وكلام المصنف مثبّج (٣)، لأنه أثبت في متن الكتاب أن كون الفاعل غير الضمير قليل، ثم ذكر أنه يكون مؤولا، وإذا كان مؤولا فلا يثبت للقلة حكم ألبتة (٤). انتهى. والجواب عن الأولى أن يقال: إن عود الضمير متعيّن قطعا سواء أكان هو الفاعل -

стр. 1263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أم غيره والقليل كون الفاعل غير الضمير، مع أنه إذا كان الفاعل غير الضمير لا بد من ضمير عائد ليحصل الربط، أعني ربط جملة (المبتدأ بالخبر) (١) فالفاعل في «يثقلني» غير الضمير وهو ثوب، وقد عاد الضمير إلى الاسم وهو الياء المضاف إليها الفاعل فإن مدلولها مدلول التاء المسند إليها جعلت (٢). وعن الثانية: على تقدير صحة رواية «جهده» بالرفع: أن المصنف لا يرى ذلك، بل يؤول هذا كما أول «يثقلني ثوبي» والتقدير: وماذا عسى الحجاج يبلغ (٣)، وقد عرفت أن صاحب الإفصاح أطلق القول، ولم يستثن «عسى» فكان كلامه موافقا لكلام المصنف. وعن الثالثة: أن كون الكلام في تأويل كلام آخر لا يهمل اعتبار ظاهره فالفاعل في الظاهر هو غير الضمير، وإذا أول الكلام رجع إلى كونه الضمير فلا منافاة بين قوله: «وكون الفاعل غيره قليل» مع أنه يؤول ما ورد من ذلك، فرحم الله تعالى الشيخ كأنه لكثرة جنوحه إلى مؤاخذة المصنف يرتكب التعسفات في إيراداته ومناقشاته. المسألة الثالثة: مباشرة النفي «لكاد» قال المصنف في شرح الكافية (٤): قد اشتهر القول بأن «كاد» إثباتها نفي ونفيها إثبات حتى جعل هذا المعنى لغزا فقيل: ٨٩٨ - أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود (٥) ومراد [٢/ ٨٧] هذا القائل كاد. ومن زعم هذا فليس بمصيب، بل حكم «كاد» حكم سائر الأفعال في أن معناه -

стр. 1264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منفي إذا صحبها حرف نفي وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قال قائل كاد زيد يبكي فمعناه قارب زيد البكاء فالمقاربة ثابته والبكاء منتف فإذا قال: لم يكد يبكي، فمعناه لم يقارب البكاء، فمقاربة البكاء منفية، ونفس البكاء منتف انتقاء أبعد من انتقائه عند ثبوت المقاربة (١)، ولهذا كان قول ذي الرمة: ٨٩٩ - إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح (٢) صحيحا بليغا؛ لأن معناه: إذا تغير حب كل محب لم يقارب حبي التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه، فهذا أبلغ من أن يقول: لم يبرح، لأنه قد يكون غير بارح وهو قريب من البراح بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح، وكذا قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (٣) هو أبلغ في نفي الرؤية من أن يقال. لم يرها، لأن من لم ير، قد قارب الرؤية بخلاف من لم ير ولم يقارب (٤)، وأما قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٥) فكلام يتضمن كلامين مضمون كل واحد -

стр. 1265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منهما في وقت غير وقت الآخر (١)، والتقدير: فذبحوها بعد أن كانوا بعداء من ذبحها غير مقاربين له، وهذا واضح. وقد يكون نفيها إعلاما ببطء الوقوع، والثبوت حاصل كقوله تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٢) أي يفقهون ببطء وعسر. وقال في شرح التسهيل: وزعم قوم أن كاد ويكاد إذا دخل عليهما نفي فالخبر مثبت وإذا لم يدخل عليهما نفي فالخبر منفي، والصحيح أن إثباتهما إثبات للمقاربة، ونفيهما نفي للمقاربة، فإذا قيل: كاد فلان يموت فمقاربة الموت ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يموت فمقاربة الموت منفية ويلزم من نفي مقاربة الموت نفي وقوعه بزيادة المبالغة كأن قائلا قال: كاد فلان يموت فرد عليه بأن قيل لم يكد يموت، وقولك لم يكد يموت أبلغ في إثبات الحياة من قولك لم يمت، ولهذا قيل في قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (٣) أن معناه لم يرها ولم يقارب أن يراها وفي قوله تعالى يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ (٤) أن معناه لا يسيغه ولا يقارب إساغته، وقد يقول القائل: لم يكد زيد يفعل، ويكون مراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ ولإمكان هذا رجع ذو الرمة في قوله: ٩٠٠ - إذا غيّر النّأي المحبّين ... ... ... البيت (٥) إلى أن بدّل يكد بيجد وإن كان في يكد من المبالغة والجزالة ما ليس في يجد. وأما قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] فمحمول على وقتين، وقت عدم الذبح ووقت وقوع الذبح كما يقول القائل: خلص فلان وما كاد يخلص. انتهى [٢/ ٨٨]. وهو كلام حسن منقح ليس فيه إلا قوله: إنّ «كاد» قد تنفي إعلاما بوقوع العمل عسيرا فإنه خلاف الظاهر كما قال رحمه الله تعالى، وقد قيل إنه رأي -

стр. 1266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابن جني (١)، وعليه خرج الآية الشريفة فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٢) وقد عرفت أن تخريج الآية الشريفة على غير هذا، وأما استدلال المصنف على ذلك بقوله تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٣). فقد تنوزع فيه، ويقال: إن المراد من الآية الشريفة نفي مقاربة الخبر ليكون أبلغ من نفي الخبر دون المقاربة (٤)، وعلى هذا فلم يثبت أنها تنفي لتدل على الوقوع بعسر وبطء. المسألة الرابعة: أجاز الأخفش استعمال «كاد» زائدة (٥) ومما استشهد به قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها (٦) وقول حسان: ٩٠١ - وتكاد تكسل أن يجيء فراشها ... في جسم جرعبة وحسن قوام (٧) قال المصنف: والصحيح أنها لا تزاد. وأما قوله تعالى: أَكادُ أُخْفِيها (٨) فقيل في معناه: إن الساعة آتية أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية وقيل المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي (٩)، وقرأ أبو الدرداء وسعيد بن جبير ﵄: (أكاد أخفيها) بفتح الهمزة من خفيت الشيء أخفيه إذا أظهرته (١٠)، وبه فسر قول امرئ القيس: ٩٠٢ - فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد (١١) -

стр. 1267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قول حسان فالمعنى فيه وصف المذكور بمقاربة الكسل دون حصوله وذلك بيّن. المسألة الخامسة: قال المصنف: ولازمت أفعال هذا الباب لفظ المضي إلا «كاد» و «أوشك» فإنهما اختصّا باستعمال مضارعهما، وكذا قال في شرح الكافية (١)، وزاد بأن قال: واستعمل منهما اسم فاعل قليلا فشاهد «كاد» قول كثير. ٩٠٣ - وكدت وقد جالت من العين عبرة ... سما عاند منها وأسبل عاند أموت أسى يوم الرجام وإنّني ... يقينا لرهن بالّذي أنا كائد (٢) وشاهد موشك قوله أيضا: ٩٠٤ - وقال النّاصحون تخلّ عنها ... ببذل قبل شيمتها الجماد فإنّك موشك أن لا تراها ... وتغدو دون غاضرة العوادي (٣) ومثله قول الآخر (٤): ٩٠٥ - فموشكة أرضنا أن تعود ... خلاف الخليط وحوشا يبابا (٥) -

стр. 1268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتهى (١). وإلى هذا القليل الإشارة بقوله في الكتاب: وندر اسم فاعل أوشك وكاد (٢). واعلم أن مضارع أوشك أكثر من الماضي، ولذلك أنكر الأصمعي الماضي (٣)، ولكن قد حكى الخليل وغيره أوشك. قال المصنف: «وذكر الجوهري: يطفق، ولم أره لغيره (٤)». قال الشيخ: وحكى الكسائي: إن البعير يهرم حتى يجعل إذا شرب الماء مجّه، وفي شعر زهير الأمر من أوشك [٢/ ٨٩]: ٩٠٦ - حتّى إذا قبضت أولى أظافره ... منها وأوشك بما لم تخشه يقع (٥) واستعمل في شعره أيضا أفعل التفضيل منه، قال: ٩٠٧ - وما مخدر ورد عليه مهابة ... يصيد الرجال كلّ يوم ينازل بأوشك منه أن يساور قرنه ... إذا سال عن خفض العوالي الأسافل (٦) * * *

стр. 1269

الباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبر [سردها - معانيها - عملها] قال ابن مالك: (وهي «إنّ» للتّوكيد و «لكنّ» للاستدراك، و «كأنّ» للتّشبيه وللتّحقيق أيضا على رأي، و «ليت» للتّمنّي، و «لعلّ» للتّرجّي، والإشفاق والتّعليل والاستفهام. ولهنّ شبه بكان النّاقصة في لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما، فعملت عملها معكوسا ليكونا معهنّ كمفعول قدّم وفاعل أخّر تنبيها على الفرعيّة، ولأنّ معانيها في الأخبار فكانت كالعمد والأسماء كالفضلات، فأعطيا إعرابيهما، ويجوز نصبهما بـ «ليت» عند الفرّاء وبالخمسة عند بعض أصحابه، وما استشهد به محمول على الحال أو على إضمار فعل وهو رأي الكسائيّ). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): اعتبار الأصل يقتضي كون أحرف هذا الباب خمسة لا ستة كما يقول أكثر المصنفين، فإنهم يكملون الستة «بأنّ» المفتوحة ولا حاجة إلى ذلك فإنها فرع المكسورة، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى، ومتبوعي فيما اعتبرته سيبويه، فإنه قال (٢): هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيها بعدها كعمل الفعل فيما بعده. وكذا قال المبرد في المقتضب (٣)، وابن السراج في الأصول (٤) ولو قال: باب الأحرف؛ لكان أولى من قوله: باب الحرف. لأن أحرفا جمع قلة، وحروفا جمع كثرة، والموضع موضع قلة إلا أن كل واحد من جمعي القلة والكثرة قد يقع موقع الآخر، ومنه قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٥) وقد قيل: إن المسوغ لوقوع «قرء» موقع «أقراء» اختلاف عوايد النساء، وباعتبار -

стр. 1270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النساء وباعتبار هذا يلزم حصول الكثرة (١) وكذلك قول سيبويه: يحمل على أنه ملحوظ فيه ما يعرض لإنّ من فتح همزتها ومن تخفيف نونها في الحالين وتخفيف نون «كأنّ» وما يستعمل في «لعل» من اللغات. فإن قيل: إذا كان تفريع «أن» سببا لعدم الاعتداد بها؛ فينبغي أن لا يعتد «بكأنّ» فإن أصل «كأنّ» زيدا أسد: إنّ زيدا كالأسد، فالجواب: أن أصل «كأنّ» منسوخ لاستغناء الكاف عن متعلق به بخلاف «أن» فليس أصلها منسوخا بدلالة جواز العطف بعدها على معنى الابتداء كما يعطف عليه بعد المكسورة فاعتبرت فرعية «أن» لذلك دون «كأنّ» (٢)، وقد قرنت كل واحد من هذه الأحرف بمعناه، فمعنى «إنّ» التوكيد، ولذلك أجيب بها القسم نحو: والله إنك لفطن، ومعنى «لكنّ» الاستدراك ولذلك لا تكون إلا بعد كلام نحو: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ (٣)، و «كأن» للتشبيه المؤكد نحو: كأن زيدا أسد؛ فإن أصله: إن زيدا كالأسد فقدمت الكاف وفتحت الهمزة وصار الحرفان حرفا واحدا مدلولا به على التشبيه والتوكيد (٤). وزعم بعضهم أن «كأن» توكيد للتحقيق دون تشبيه (٥)، واستشهد على [٢/ ٩٠] ذلك بقول الشاعر يرثي هشاما: ٩٠٨ - وأصبح بطن مكّة مقشعرّا ... كأنّ الأرض ليس بها هشام (٦) -

стр. 1271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واستشهد أيضا بقول الآخر: ٩٠٩ - كأنّني حين أمسي لا تكلّمني ... ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا (١) والصحيح أن «كأن» لا يفارقها التشبيه، ويخرج البيت الأول على أن هشاما وإن مات فهو باق ببقاء من يخلفه سائرا بسيرته، وأجود من هذا أن تجعل الكاف من «كأن» في هذا الموضع كاف التّعليل المرادفة للّام (٢)، كأنه قال: وأصبح بطن مكّة مقشعرّا ... لأنّ الأرض ليس بها هشام (٣) وعلى هذا حمل قوله تعالى: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٤) فقيل: معناه: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون (٥)، وأكثر ما ترد الكاف بهذا المعنى مقرونة «بما» كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ (٦)، ومنه ما حكى سيبويه من قول بعضهم: «كما أنه لا يعلم فيغفر الله له» (٧)، وأما البيت الثاني فلا حجة فيه، لأن التشبيه فيه يتبين بأدنى تأمل وكون «ليت» للتمني و «لعل» للترجي ظاهر والفرق بينهما أن التمني يكون في الممكن وغير الممكن، والرجاء لا يكون إلا في الممكن وتكن «لعل» للإشفاق (٨) كقوله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ (٩) ومنه قول الشاعر: -

стр. 1272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩١٠ - أتوني فقالوا: يا جميل تبدّلت ... بثينة إبدالا فقلت لعلّها وعلّ حبالا كنت أحكمت فتلها ... أتيح لها واش رفيق فحلّها (١) وتكون لعل أيضا للتعليل (٢) كقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٣) ومنه قول الشاعر: ٩١١ - وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا ... نكفّ ووثقتم كلّ موثق فلمّا كففنا الحرب كانت جهودكم ... كلمح سراب في الملا متألّق (٤) قال الأخفش في المعاني: قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ (٥) نحو قول الرجل لصاحبه: افرغ عملك لعلنا نتغدى «والمعنى لنتغدى. ويقول الرجل: اعمل عملك تأخذ أجرك أي لتأخذه» (٦). هذا نصه. وتكون «لعل» أيضا للاستفهام (٧)، كقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٨) وكقول النبي ﷺ لبعض الأنصار رضي الله تعالى عنهم وقد خرج إليه مستعجلا «لعلنا أعجلناك» (٩). -

стр. 1273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسبيل إعمال هذه الأحرف اختصاصها بمشابهة «كان» الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما (١): فاللزوم مخرج لما يدخل عليها وعلى غيرها كألا وأما الاستفتاحيتين، والاستغناء بهما مخرج للو لا ولو ما والامتناعيتين، ولإذا الفجائية فإنهن يشبهن «كان» في لزوم المبتدأ والخبر ويفارقنها بافتقار «لولا» و «لو ما» إلى الجواب وافتقار إذا إلى كلام سابق (٢) وضمّ أكثر النحويين إلى المشابهة [٢/ ٩١] من الوجه المذكور المشابهة بسكون الوسط وفتح الآخر (٣)، والصحيح عدم اعتبار ذلك؛ إذ لو كان سكون الوسط معتبرا لم يعتد «بلكن» لأن وسطها متحرك ولو كان فتح الآخر معتبرا لزم إبطال عمل «إن» و «أنّ» و «كأنّ» عند التخفيف. وزاد الزجاجي في المشابهة المعتبرة: الاتصال بالضمائر المنصوبة (٤) وهذا عجيب فإن الضمائر المنصوبة لم تتصل بهذه الأحرف إلا بعد استحقاق العمل فصح أن المعتبر من المشابهة ما اقتصرت على ذكره من لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما إلا أن هذه الأحرف لما كانت فروع «كان» في عمل الرفع والنصب قدم معهن عمل النصب على عمل الرفع تنبيها على الفرعية لأن الأصل تقديم الرفع (٥). ولم يحتج إلى ذلك في «ما» المحمولة على «ليس» لأن فرعيتها ثابتة بيّنة الثبوت بعدم اتفاق العرب على إعمالها وبطلان عملها عند نقض النفي بإلا أو تقديم الخبر أو وجود «إن» فاستغنت عن جعل عملها عكس عمل كان (٦). وقيل: لما كان معنى كل واحد من هذه الأحرف لا يتحقق حصوله إلا في الأخبار تنزلت منهن منزلة العمد من الأفعال فأعطيت إعراب الفاعل وهو الرفع، -

стр. 1274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونزلت الأسماء منزلة الفضلات فأعطيت إعراب المفعول وهو النصب (١). وأجاز الفراء نصب الاسم والخبر معا «بليت» (٢) ومن حجته على ذلك قول الشاعر. ٩١٢ - ليت الشّباب هو الرّجيع إلى الفتى ... والشّيب كان هو البديء الأول (٣) وأجاز بعض الكوفيين ذلك في كل واحد من الخمسة (٤). ومن حجج صاحب هذا المذهب قول النبي ﷺ : «إنّ قعر جهنّم لسبعين خريفا» (٥) ومن حججه قول الشاعر: ٩١٣ - إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافا إنّ حرّاسنا أسدا (٦) ومنه قول الراجز: -

стр. 1275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩١٤ - إنّ العجوز خبّة جروزا ... تأكل كلّ ليلة قفيزا (١) ومثله: ٩١٥ - كأنّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا (٢) ولا حجة في شيء من ذلك لإمكان رده إلى ما أجمع على جوازه، أما البيت الأول فيحمل على تقدير «كان» والأصل: ليت الشباب كان الرجيع، فحذف «كان» وأبرز الضمير وبقى النصب بعده دليلا. ومثل هذا من الحذف ليس ببدع، وقد روي عن الكسائي أنه يوجه هذا التوجيه في كل موضع وقع فيه نصبان بعد شيء من هذه الأحرف (٣) ويقوي ما ذهب إليه إظهار «كان» كثيرا بعد ليت وإنّ كقوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ (٤) ويا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٥) وإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦) وإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٧) ووَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (٨) وإِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٩) وإِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (١٠) فجاز إضمار «كان» [٢/ ٩٢] هنا لكثرة إظهارها، كما جاز ذلك -

стр. 1276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في «ما أنت وزيدا» و «كيف أنت وقصعة من ثريد» (١) ويحمل الحديث على أنّ القعر فيه مصدر قعرت الشيء إذا بلغت قعره وهو اسم «إنّ» و «لسبعين خريفا» ظرف مخبر به لأن الاسم مصدر ظروف الزمان يخبر بها عن المصادر كثيرا، ويقدر: إنّ حراسنا أسدا، كأنّه قال: إن حراسنا يشبهون أسدا. أو كانوا، وأما قول الراجز فمحمول على أن «تأكل» خبر إنّ و «خبة جروزا» حالان من فاعل تأكل، ولا تكلف في هذا التوجيه. وأما قول الآخر فمحمول على أنّ «قادمة» فيه و «قلما» منصوبان بفعل مضمر والتقدير: كأنّ أذنيه إذا تشوفا تحلقان قادمة (٢). وزعم أبو محمد بن السيد أن لغة بعض العرب نصب خبر إن وأخواتها (٣). انتهى كلام المصنف (٤). لكن لا بد من التعرض لذكر أمور: الأول: كون هذه الأحرف رافعة الخبر هو مذهب البصريين وهو الحق وأما الكوفيون فيرون أن الخبر باق على رفعه قبل دخولها (٥)، كما قالوا في «كان» إنها لا عمل لها في الاسم (٦)، وقد استدل السهيلي على صحة قولهم، بأنه لو كان مرفوعا بهذه الأحرف لجاز أن يليها كما يلي كلّ عامل ما عمل فيه (٧) ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال لأنّ التقديم فرع على التأخير، ولم يعط الحرف رتبة الفعل في القوة فيجوز فيه ما جاز في الفعل. الثاني: أنّ المفتوحة للتوكيد كالمكسورة، واستشكل ذلك بعض النحاة قال: لأنها إذا كانت للتأكيد كان معناها تحقيق الخبر وتأكيد النسبة، وإذا كانت سابكة كان في ذلك إبطال الخبر به إذ مع السبك ينتفي قبول الصدق والكذب (٨). وأجيب عن هذا بأن المفتوحة أصلها الكير والمؤكدة هي المكسورة ليس إلّا، لكن -

стр. 1277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتحها إنما كان لصيرورتها في تأويل المفرد المؤكد ثبوته وملخص هذا الجواب أنّ فتح «إنّ» عارض وأصلها الكسر فهي مراعى فيها معناها حين هي مكسورة وكونها فتحت لعارض لفظي لا يخرجها عن ذلك (١). الثالث: معنى الاستدراك الذي وضعت له «لكنّ» أنك تنسب حكما لمحكوم عليه يخالف الحكم الذي للمحكوم عليه قبلها، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام ملفوظ به أو مقدر. هذا أصل معناها وقد تكون لتأكيد الأول وتحقيقه، فالأول نحو ما قام زيد لكنّ عمرا قاعد. كأنه لما قيل زيد توهم أن عمرا مثله لملابسة بينهما، فرفعت ذلك التوهم بالاستدراك. والثاني نحو: لو قام فلان لفعلت لكنه لم يقم، فأكدت ما دلت عليه «لو» وكأنها في المعنى مخرجة لما دخل في الأول توهما (٢)، قال الله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ (٣) ثم قال الله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ (٤) أي: ما أراكهم كثيرا ومذهب البصريين [٢/ ٩٣] أنها كلمة بسيطة ونقل عن الكوفيين أنها مركبة عندهم وأن الأصل «لكنّ أن» (٥) ولا حاجة إلى الاشتغال بهذا إذ لا فائدة فيه. الرابع: قد عرفت من كلام المصنف المتقدم أن «كأنّ» مركبة من كاف التشبيه وأنّ، وهذا مذهب الجمهور، وعليه الخليل وسيبويه (٦)، وقيل: إنها حرف بسيط، واختاره الشيخ قال: لأنّ التركيب على خلاف (٧) الأصل ويلزم على رأيه أنها لمطلق التنبيه، وقد تقدم من كلام المصنف أنها للتشبيه المؤكد وإنما يتأتى ذلك على القول بتركيبها فتعين الجزم به، وقد ذكر «لكأنّ» ثلاثة معان أخر: -

стр. 1278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: التحقيق كما أشار إليه المصنف وقد عرفت أنه لم يرتضه وتقدم من كلامه تخريج ما استشهد به صاحب هذا القول على البيت الذي استشهد به على أن «كأنّ» فيه للتحقيق يمكن حمل «كأنّ» فيه على التشبيه حقيقة دون احتياج إلى التأويل الذي ذكره وذلك أن الشاعر كأنه لا يعترف بفقد هشام لأنه لا يرضى أن يحدث نفسه بفقده لكونه عزيزا عنده، فهو عنده في حكم الموجود، وإذا كان في حكم الموجود وجب عنده أن لا تقشعر الأرض، فلما اقشعرت قال: كأن الأرض ليس بها هشام، وهذا معنى صحيح وهو أمر يرجع إلى تجاهل العارف. ثانيها: الشك وهو منسوب إلى الزجاجي والكوفيين (١)، وذكر ابن عصفور أنه مذهب ابن الطراوة (٢) وذلك أنهم قالوا: إذا كان خبر «كأنّ» اسما جامدا كانت للتشبيه وإذا كان مشتقّا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت. قال ابن السيد إذا كان خبرها فعلا أو جملة أو صفة فهو للظن والحسبان (٣) ومستند القائل بذلك أنك إذا قلت: كأنّ زيدا قائم فالقائم هو زيد والشيء لا يشبه بنفسه وأجابوا عن ذلك بأن الشيء قد يشبه في حال ما بنفسه في حال أخرى فتكون إذا قلت: كأنّ زيدا قائم مشبها لزيد غير قائم به قائما أو يكون ثم مضاف محذوف، التقدير كأنّ هيئة زيد هيئة قائم (٤). ثالثها: التقريب وهو مذهب بعض النحويين من الكوفيين وذلك نحو قولهم: كأنّك بالشتاء مقبل وكأنك بالفرج آت. قالوا: لأن المعنى على تقريب إقبال الشتاء وتقريب إتيان الفرج، ولا يتصور التشبيه في الكلام (٥). ومن ذلك قول الحسن البصري (٦): «كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل» لأن المعنى على تقريب زوال الدنيا وتقريب وجود الآخرة. والمحققون على أن «كأنّ» للتشبيه فيما ذكر (٧)، ولكن اختلف القول في تخريجه: -

стр. 1279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقيل: الكاف في كأنك بالشتاء: فقيل حرف خطاب والباء في بالشتاء زائدة واسم «كأن» «الشتاء» والخبر مقبل، والتقدير: كأنّ الشتاء مقبل وكذا القول في كأنك بالفرج آت، التقدير: كأن الفرج آت [٢/ ٩٤] وكذا: كأنك بالدنيا لم تكن، التقدير كأن الدنيا لم تكن وكأن الآخرة لم تزل والضمير في تكن وتزل عائد على اسم «كأنّ» (١) وهذا تخريج الفارسي وقيل إن ثم مضافا محذوفا، والتقدير: كأن زمانك بالشتاء مقبل وكأن زمانك بالفرج آت. ولما لم يتأت تقدير مضاف في كأنك بالدنيا لم تكن، خرج على أنّ الكاف اسم «كأنّ» ولم تكن خبر وفي «الدنيا» متعلق بالخبر التقدير: كأنك لم تكن بالدنيا أي في الدنيا، فالضمير في «تكن» عائد على المخاطب، وكأنك لم تزل بالآخرة أي في الآخرة (٢). وقد رجح هذا التأويل على تأويل الفارسي لأن فيه دعوى حرفية الكاف للخطاب ودعوى زيادة الباء في «الشتاء» وفي «بالفرج» وفي «بالدنيا» (٣). وخرج الشيخ جمال الدين بن عمرون: كأنك بالدنيا تخريجا آخر، فقال: خبر «كأنّ» هو المجرور يعني بالدنيا وبالآخرة، قال: والجملة التي هي «لم تكن» «ولم تزل» في موضع الحال ثم قال: فإن قيل: إن «بالدنيا» لا يتم به الكلام والحال فضلة، فالجواب: إن من الفضلات ما لا يتم الكلام إلا به كقوله تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤) فمعرضين حال من الضمير المخفوض ولا يستغنى الكلام عنها لأن الاستفهام في المعنى إنما هو عنها، ومما يبين ذلك قولهم: ما زلت بزيد حتى فعل، لا يتم الكلام بقولك بزيد، ويدل على صحة الحال قولك (كأنك بالشمس قد طلعت) ونحوه ما حكي عن بعضهم: (كأنا بالدنيا لم تكن)، قال: وعلى هذا يحمل قول الحريري: (كأني بك تنحط) (٥)، ولا يخفى جودة هذا التخريج وحسنه، وليته تكلم على قولهم كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آت فربما كان يذكر فيه ما يشفي الغليل. وقد نقل الشيخ عن الصفار وغيره في هذا الموضع ما يطول -

стр. 1280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيراده وفيما أشرنا إليه غاية. الخامس: ذكر المصنف من معاني «لعلّ» التعليل والاستفهام كما تقدم، قال: لم يذكر أصحابنا «للعلّ» هذين المعنيين، والمصنف تبع في كونها للتعليل الكسائي والأخفش (١) ثم ذكر الأدلة التي تقدم ذكرها، وقال: وهذا عند أصحابنا لعل ... فيه للترجي قال: وأما الاستفهام فهو شيء قاله الكوفيون، وهي عند أصحابنا في قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٢) للترجي، وفي قول النبي ﷺ : «لعلّنا أعجلناك» (٣) للإشفاق (٤) انتهى. ولا يخفى بعد الترجي فيما ذكر وكون ما ذهب إليه المصنف هو الكسائي والأخفش وقول الكوفيين أيضا لا يلزم منه عدم الصحة. السادس: ذكر المصنف في متن الكتاب العلة الموجبة لعمل هذه الأحرف هذا العمل الخاص ولا مزيد عليه في الحسن، غير أن المغاربة يوردون ذلك بطريقة أخرى ربما تشتمل على التنبيه على فائدة (٥)، فأنا أورد ما ذكروه معتمدا كلام أبي الحسن ابن عصفور رحمه الله تعالى. قال في ابتداء الكلام على هذا الباب: العمل أصل في الأفعال فرع في الأسماء والحروف بدليل أن الأفعال عاملة، وأما الأسماء فلا [٢/ ٩٥] يعمل منها إلا ما أشبه الأفعال، فدل ذلك على أن العمل بحق الأصالة إنما كان للأفعال فما وجد على هذا من الأسماء والحروف عاملا، فينبغي أن يسأل عن الموجب لعمله، وإنّ وأخواتها من الحروف العاملة فينبغي أن يسأل عن الموجب لعملها، والذي أوجب لها العمل عند محققي النحويين هو شبهها بالأفعال في الاختصاص وذلك أن هذه الحروف تختص بالأسماء ولا تدخل على غيرها كما أن الأفعال كذلك، وكل حرف يختص بما يدخل عليه ولا يكون كالجزء مما دخل عليه فإنه يعمل فيما يختص به اسم أو فعل، ألا ترى أن عوامل الأسماء كلها مختصة بها ولا تدخل على غيرها وكذلك عوامل الأفعال أيضا، وإنما تحرزت بقولي: ولم يكن كالجزء مما دخل عليه من «قد» والسين -

стр. 1281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسوف «والألف واللام» وذلك أن قد والسين وسوف اختصت بالأفعال، إلا أنها صارت كالجزء من الفعل بدليل أنه لا يجوز الفصل بينها وبين الأفعال بشيء إلا «بقد» فإنه قد يجوز الفصل بينها وبين الفعل بالقسم نحو: قد والله قام زيد، وبدليل أنك تقول: لقد قام زيد، ولسوف يقوم زيد فتفصل بين لام التوكيد وبين الفعل، ولام التوكيد لا يجوز الفصل بينها وبين الفعل بشيء غير هذه الأشياء. فلولا أن هذه الأشياء تنزلت من الفعل منزلة الجزء لما جاز ذلك، وكذلك لام التعريف تنزلت من الاسم منزلة الجزء بدليل قولك: مررت بالرجل، فتفصل بها حرف الجر والمجرور، ولا يجوز الفصل بينهما بشيء، فلولا أنها مع الاسم كالشيء الواحد لما جاز ذلك. ثم قال: فلو قيل: فإذا وجب لها العمل لما ذكر ثمّ، فلأي شيء كان عملها رفع أحد الاسمين ونصب الآخر وهلا كان الأمر بخلاف ذلك؟ فالجواب: أنها أشبهت من الأفعال ضرب فعملت عمله وأيضا فإنه لا يمكن فيها غير ذلك، وذلك أنه لا يخلو من أن ترفعهما أو تنصبهما أو تخفضهما أو ترفع أحدهما وتنصب الآخر أو ترفع أحدهما وتخفض الآخر، ولا يتصور أكثر من ذلك، فباطل أن ترفعهما لأن عاملا واحدا لا يوجد رافعا لاسمين دون تبعية، وباطل أن تنصبها أو تخفضهما لأنه لا يوجد عامل يعمل نصبا وخفضا (١) من غير أن يعمل مع ذلك رفعا، وكذلك أيضا يبطل أن تنصب أحدهما وتخفض الآخر، إذ لا بد من المرفوع، أو ترفع أحدهما وتخفض الآخر، إذ لا يكون خفض إلا بواسطة حرف فلم يبق إلا أن ترفع أحدهما وتنصب الآخر. فإن قيل: لم كان المنصوب الاسم والمرفوع الخبر؟ فالجواب: أنه لما وجب رفع أحدهما تشبيها بالعمدة ونصب الآخر تشبيها بالفضلة كان أشبهها بالعمدة الخبر لأن هذه الأحرف إنما دخلت لتوكيد الخبر أو تجنبه أو ترجيه أو التشبيه به فصارت الأسماء كأنها غير مقصودة، فلما رفع الخبر تشبيها بالعمدة نصبت الأسماء تشبيها بالفضلة (٢). السابع: ذكر الشيخ المذاهب في نصب الخبر بهذه (الحروف) (٣) ثم قال: -

стр. 1282

[حديث عن خبر هذه النواسخ من تقديمه أو حذفه] قال ابن مالك: (وما لا تدخل عليه «دام» لا تدخل عليه هذه الأحرف وربّما دخلت «إنّ» على ما خبره «نهي» وللجزأين بعد دخولهنّ ما لهما مجرّدين لكن يجب هنا تأخير الخبر ما لم يكن ظرفا أو شبهه فيجوز توسيطه ولا يخصّ حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر. وقلما يكون إلّا ضمير الشّأن وعليه يحمل: «إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون» لا على زيادة «من» خلافا للكسائي وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقا خلافا لمن اشترط تنكير الاسم وقد يسدّ مسدّه واو المصاحبة والحال، والتزم الحذف في «ليت شعري» مردفا باستفهام، وقد يخبر هنا - بشرط الإفادة - عن نكرة بنكرة أو بمعرفة. ولا يجوز نحو: إنّ قائما الزّيدان خلافا للأخفش والفرّاء ولا نحو: ظننت قائما الزّيدان خلافا للكوفيّين). ــ فصارت المذاهب في ذلك ثلاثة: - [٢/ ٩٦] أحدها: جواز النصب في جميعها (١). الثاني: اختصاص ذلك بليت (٢). الثالث: جواز ذلك في «كأنّ وليت ولعل» (٣). انتهى. والمعروف المقصود أنه لا يجوز نصب الخبر بعد شيء من هذه الأحرف (٤) وقد عرفت تخريج ما استشهد به المخالف. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٥): قد تقدم في باب «كان» الإعلام بالمبتدآت التي لا تدخل عليها كان وأخواتها وبيان أنّ «دام» تشارك في ذلك وتزيد بأنها -

стр. 1283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا تدخل على مبتدأ خبره مفرد طلبي (١) فلذلك خصصتها بالإحالة عليها هنا فقلت: وما لا تدخل عليه دام لا تدخل عليه هذه الأحرف فعلم بهذا أن هذه الأحرف لا تدخل على ما خبره جملة طلبية نحو: زيد هل قام وعمرو أكرمه وخالد لا تهنه (٢). ثم نبهت على ما شذ من دخول «إنّ» على ما خبره نهي كقول الشاعر: ٩١٦ - إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما (٣) ثم أشرت إلى أنّ للجزأين من الأحوال والأقسام بعد دخول هذه الأحرف ما كان لها قبل دخولهن فكما انقسم المبتدأ إلى اسم عين وإلى اسم معنى؛ كذلك ينقسم اسم «إنّ وأخواتها» نحو: إنّ العالم فاضل وإنّ العلم فضل، وكما انقسم الخبر في باب الابتداء إلى الأقسام المتقدم ذكرها ثم كذلك ينقسم إليها في هذا الباب، وكما استصحبت الأقسام تستصحب الأحوال والشروط، ومن الشروط عود ضمير من الجملة المخبر بها ومن الأحوال حذف الضمير لدليل كقول الشاعر: ٩١٧ - وإنّ الّذي بيني وبينك لا يفي ... بأرض أبا عمرو لك الدّهر شاكر (٤) أراد لا يفي به أو من أجله وقد تقدم بيان موجب تقديم منصوب هذا الباب وتأخير مرفوعه فلا يجوز الإخلال بمقتضاه فإن كان الخبر ظرفا أو جارّا ومجرورا جاز تقديمه [٢/ ٩٧] لأنه في الحقيقة معمول الخبر (٥) وكان حقه أن لا يتقدم على الاسم -

стр. 1284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما لا يتقدم على الخبر، إلا أن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما بما لا يتوسع في غيرهما (١) ولذلك تفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، وبين «كان» واسمها وخبرها، وبين الاستفهام والقول الجاري مجرى الظن، نحو: أغدا تقول زيدا قائما ولم يبطل عمل «ما» تقديمها على اسمها نحو: ما غدا زيد راحلا، واغتفر تقديمها على العامل المعنوي نحو: أكل يوم لك درهم؟ وعلى المنفي بما نحو قول بعض الصحابة ﵃ (٢): ٩١٨ - ونحن عن فضلك ما استغنينا (٣) ولو عومل غيرهما معاملتها في شيء من ذلك لم يجز، والأصل في الظرف الذي يلي «إنّ» أو إحدى أخواتها أن يكون ملغى أي: غير قائم مقام الخبر، نحو: إنّ عندك زيدا مقيم وكقول الشاعر: ٩١٩ - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها ... أخاك مصاب القلب جمّ بلابله (٤) فأما القائم مقام الخبر فجدير بأن لا يليها لقيامه مقام ما لا يليها لكن اغتفر -

стр. 1285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيلاؤه إيّاها التفاتا إلى الأصل، وقد عاملوا الحال معاملة الظرف فأولوها كأنّ، ومنه قول الشاعر: ٩٢٠ - كأنّ وقد أتى حول جديد ... أثافيها حمامات مثول (١) ويجوز حذف الاسم إذا فهم معناه ولا يخص ذلك بالشعر بل وقوعه فيه أكثر وحذفه وهو ضمير الشأن أكثر من حذفه وهو غيره ومن وقوع ذلك في غير الشعر قول بعضهم: إنّ بك زيد مأخوذ. حكاه سيبويه والخليل، يريد: إنه بك زيد مأخوذ (٢) وعليه يحمل قوله ﵊: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» (٣) هكذا رواه الثقاة بالرفع، وحمله الكسائي على زيادة «من» وجعل: أشد الناس اسما والمصورون خبرا (٤)، والصحيح أن الاسم ضمير الشأن وقد حذف كما حذف في إنّ بك زيد مأخوذ لأنّ زيادة «من» مع اسم «إنّ» غير معروفة، وحكى الأخفش: إنّ بك مأخوذا أخواك» (٥) وتقديره إنّك بك مأخوذ أخواك، فحذف الاسم وهو ضمير المخاطب وجعل مأخوذ خبرا مرتفعا به أخواك كما كان يرتفع بيؤخذ ولا يجوز أن يكون التقدير: إنه بك مأخوذ أخواك، لأن الصفة المرتفع بها ظاهر بمنزلة الصفة المرتفع بها مضمرة في أنها لا تسد مسد جملة، ولا يكون مفسر ضمير الشأن إلا جملة محضة مصرحا بجزأيها. ومن -

стр. 1286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حذف الاسم في الشعر قول الشاعر: ٩٢١ - فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي ... ولكنّ زنجيّ عظيم المشافر (١) رواه سيبويه برفع «زنجي» ونصبه، وجعل تقديره في الرفع: ولكنك زنجي وتقديره في النصب ولكن زنجيّا عظيم المشافر لا يعرف قرابتي (٢). ومن حذف الاسم قول الشاعر: ٩٢٢ - فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة ... فبتنا على ما خيّلت ناعمي بال (٣) فيحتمل هذا أن يكون تقديره [٢/ ٩٨] فليتك، ويحتمل أن يكون تقديره: فليته وكذلك قول الآخر: ٩٢٣ - فلا تخذل المولى وإن كان ظالما ... فإنّ به تثأى الأمور وتراب (٤) تقديره: فإنه به تثأى الأمور وترأب والهاء إما للمولى وإما ضمير الشأن. ومما لا يكون المحذوف إلا ضمير الشأن قول الشاعر: -

стр. 1287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩٢٤ - ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه ... بعدّته ينزل به وهو أعزل (١) ومثله قول الآخر: ٩٢٥ - فلو أنّ حقّ اليوم منكم إقامة ... وإن كان شرخ قد مضى فتسرّعا (٢) ومثله: ٩٢٦ - إنّ من لام في بني بنت حسّا ... ن ألمّه وأعصه في الخطوب (٣) وذكر سيبويه: إن إياك رأيت، وإن أفضلهم لقيت، قال: أفضلهم منتصب بلقيت وهو قول الخليل، وهو في هذا ضعيف لأنه يريد إنه إياك رأيت؛ فترك الهاء. وهذا تصريح بالجواز دون ضرورة (٤) وحذف الخبر للعلم به أكثر من حذف الاسم. ونبهت بقولي: جاز حذفه مطلقا - على أن ذلك لا يتقيد بكون الاسم نكرة أو معرفة، ولا -

стр. 1288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكون الخبر ظرفا أو غير ظرف (١) ومثال حذفه وهو ظرف قول الشاعر (٢): ٩٢٧ - ولو أنّ من حتفه ناجيا ... لكان هو الصّدع الأعصما (٣) أراد: ولو أن على الأرض أو في الدنيا فحذف للعلم به. وأنشد سيبويه: ٩٢٨ - وما كنت ضفّاطا ولكنّ طالبا ... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل (٤) أي ولكن منيخا أنا. هذا تقدير سيبويه، وزعم قوم أن شرط حذفه كون الاسم نكرة (٥)، كقول الشاعر: ٩٢٩ - إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا (٦) واشتراط ذلك غير صحيح؛ لأن الحذف مع تعريف الاسم كثير (٧)، فمن ذلك -

стр. 1289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ (١) ومثله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٢) ومنه قول عمر بن عبد العزيز لرجل ذكره بقرابته منه: «إن ذلك» ثم ذكر له حاجته، فقال: «لعلّ ذلك». أراد: إن ذلك حق، ولعل حاجتك مقضية (٣)، ومن ذلك قول الشاعر (٤): ٩٣٠ - سوى أنّ حيّا من قريش تفضّلوا ... على النّاس أو أنّ الأكارم نهشلا (٥) وقد يحذف الخبر وجوبا لسد واو المصاحبة مسده، كما كان ذلك في الابتداء ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: إنك ما وخيرا، يريد إنك مع خير (٦) و «ما» زائدة، ومثله قول الشاعر (٧). ٩٣١ - فدع عنك ليلى إنّ ليلى وشأنها ... وإن وعدتك الوعد لا يتيسّر (٨) وحكى الكسائي «إن كل ثوب لوثمنه» بإدخال اللام على الواو ولسدها مسد -

стр. 1290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «مع» (١) وقد يحذف أيضا وجوبا لسد كما كان ذلك في الابتداء، فيقال في ضربي زيدا [٢/ ٩٩] قائما وأكثر شربي السويق ملتوتا: إن ضربي زيدا قائما وإنّ أكثر شربي السويق ملتوتا. والكلام هنا على تقدير المحذوف كالكلام عليه في باب المبتدأ (٢)، ومن سد الحال مسد خبر «إنّ» قول الشاعر: ٩٣٢ - إنّ اختيارك ما تبغيه ذا ثقة ... بالله مستظهرا بالحزم والجلد (٣) والتزمت العرب حذف خبر «ليت» في قولهم: «ليت شعري ..» لأنه بمعنى ليتني أشعر ولا بد بعده من استفهام يسد مسد المحذوف متصلا بشعري أو منفصلا باعتراض. ويكون ما بعد الاستفهام في موضع نصب بالمصدر الذي هو شعري معلقا من أجل الاستفهام (٤) فالمتصل كقول الشاعر: ٩٣٣ - ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل (٥) والانفصال باعتراض كقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو: ٩٣٤ - ليت شعري مسافر بن أبي عمرو ... وليت يقولها المحزون -

стр. 1291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيّ شيء دهاك أم غال مرآك ... وهل أقدمت عليك المنون (١) ويجوز هنا الإخبار عن النكرة بالنكرة والمعرفة بشرط الإفادة. فالإخبار بالنكرة عن النكرة كقول امرئ القيس في رواية سيبويه: ٩٣٥ - وإنّ شفاء عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معوّل (٢) والإخبار بالمعرفة مثل قول القائل: إنّ قريبا منك زيد، وهو من أمثلة كتاب سيبويه (٣) ومن ذلك قول الشاعر: ٩٣٦ - وإنّ حراما أن أسبّ مجاشعا ... بآبائي الشّمّ الكرام الخضارم (٤) وأنشد سيبويه: ٩٣٧ - وما كنت ضفّاطا ولكنّ طالبا ... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل (٥) -

стр. 1292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: ولكنّ طالبا أنا. هكذا قال سيبويه (١) وحسنه في هذا الباب شبه المنصوب بالمفعول، وشبه المرفوع بالفاعل. وقال سيبويه: لو قلت: إن من خيارهم رجلا ثم سكتّ؛ كان قبيحا حتى تعرفه بشيء أو تقول: إن رجلا من أمره كذا وكذا» (٢) وأجاز الأخفش والفراء جعل اسم «إنّ» صفة رافعة لظاهر مغن عن الخبر، فيقولان: إن قائما الزيدان. وجواز هذا مبني على جواز: قائم الزيدان ونحوه دون استفهام ولا نفي (٣) وقد تقدم تنبيهي في باب المبتدأ على أن نحو هذا يستقبحه سيبويه ويستحسنه الأخفش واستشهد على جوازه بقول الشاعر: ٩٣٨ - خبير بنو لهب فلا تك ملغيا ... مقالة لهبيّ إذا الطّير مرّت (٤) فمن قاس على هذا في الابتداء أجاز دخول «إنّ» عليه فيقول إن خبيرا بنو لهب، ويلزم من أجاز هذا من البصريين أن يجيز دخول «ظننت» كما فعل الكوفيون فيقول: ظننت خبيرا بنو لهب. والصحيح أن يقال: إعمال الصفة عمل الفعل فرع إعمال الفعل فلا يستباح إلا في موضع [٢/ ١٠٠] يقع فيه الفعل. فلا يلزم من تجويز: قائم الزيدان، إنّ قائما الزيدان، ولا ظننت قائما الزيدان، لصحة وقوع الفعل المتجرد من «إنّ» و «ظننت» وامتناع وقوعه بعدهما (٥). واستدل الكوفيون على ظننت قائما الزيدان ونحوه بقول الشاعر: ٩٣٩ - أظنّ ابن طرثوث عتيبة ذاهبا ... بعاديتي تكذابه وجعائله (٦) -

стр. 1293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا حجة فيه لاحتمال أن يريد قائله: أظن ابن طرثوث عتيبة شخصه ذاهبا فحذف المفعول الأول للعلم به، وترك الثاني كقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ (١). والأصل: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله بخلهم هو خيرا لهم» فحذف المفعول الأول وترك الثاني (٢). انتهى (٣)، ولننبه على أمور: منها: أن المصنف إنما مذق حكم ما تدخل عليه هذه الأحرف بما تدخل عليه دام دون غيرها من أفعال الباب؛ لأن ما خبره مفرد طلبي نحو «أين زيد» لا تدخل عليه هذه الأحرف كما أن دام لا تدخل عليه مع أن دخول «كان» وبقية أخواتها عليه جائز، فكانت الإحالة على «دام» دون أخواتها متعينة. وقد استدرك بعض الفضلاء على المصنف هنا فقال: إن دام لا تدخل على ما خبره فعل ماض. ولا شك في جواز «إنّ» عليه (٤) وهو استدراك لطيف. ومنها: أن ظاهر كلام المصنف أنّ جملة النهي التي هي: ٩٤٠ - لا تحسبوا ليلكم عن ليلهم ناما (٥) هي الخبر عن «إنّ»، وكذا ذكر ابن عصفور في شرح الجمل الصغير له، أن الصحيح الجواز (٦) والذي يقتضيه كلام غيره أن الجملة الطلبية في البيت معمولة لقول محذوف ذلك المحذوف وهو الخبر (٧). قال ابن عصفور - في الشرح الكبير له بعد إنشاده البيت الذي أوله: -

стр. 1294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩٤١ - إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم (١) وقول الآخر: ٩٤٢ - ولو أصابت لقالت وهي صادقة ... إنّ الرّياضة لا تنصبك للشّيب (٢) إن ذلك يحمل على إضمار القول، كأنه قال: أقول لكم: لا تحسبوا ليلكم نام. وأقول لك: لا ينصبك للشيب (٣) ثم إن ابن عصفور علل امتناع وقول الجمل الطلبية أخبارا لهذه الأحرف بما يوقف عليه في كلامه (٤). ومنها: أن قول المصنف: والأصل في الظرف الذي يلي «إنّ» أو إحدى أخواتها أن يكون ملغى نحو: إنّ عندك زيدا مقيم. واستشهاده بالبيت الذي أوله: ٩٤٣ - فلا تلحني فيها ... (٥) يفهم منه أنه يجيز تقديم معمول الخبر في هذا الباب إذا كان المعمول ظرفا على الاسم، لكن قال ابن عصفور: ولا يجوز تقديم الظرف والمجرور إذا [٢/ ١٠١] كانا معمولي الخبر على الاسم فلا تقول: إنّ في الدار زيدا قائم، تريد: إنّ زيدا قائم في الدار. فإن جاء ما ظاهره ذلك فينبغي أن يجعل المجرور والظرف متعلقا بعامل مضمر -

стр. 1295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من معنى الكلام ويكون من قبيل ما فصل فيه بين الحرف واسمه بجملة اعتراض، وذلك نحو قوله (١): لا تلحني فيها ... البيت. في رواية من رفع مصاب فظاهره أنّ «بحبها» متعلق «بمصاب» لكن الذي ينبغي أن يتعلق بمضمر التقدير: أعني «بحبها» واعترض بالجملة بين «إنّ» واسمها ولم ينقل في المسألة خلافا، وجعل من الاعتراض أيضا الجملة في قول الشاعر: ٩٤٤ - كأنّ وقد أتى حول كميل ... أنا فيها حمامات مثول (٢) وقد عرفت أن المصنف حكم على الجملة في هذا البيت بالحالية. ومنها: أن المصنف لما تكلم على جواز حذف الاسم في هذا الباب قال: «وقلما يكون إلا ضمير الشأن وقال في الشرح: وحذفه وهو ضمير الشأن أكثر من حذفه وهو غيره» وكلام ابن عصفور يناقض هذا فإنه قال: ويجوز حذف أسماء هذه الحروف في فصيح الكلام إذا كان دليل عليه إلا أن يكون الاسم ضمير أمر وشأن فإنه لا يجوز حذفه إلا في ضرورة شعر نحو قوله: ٩٤٥ - إنّ من يدخل الكنيسة يوما ... ... (٣) يريد: «إنه»، وكذا في قول الآخر: ٩٤٦ - إنّ من لام في بني بنت حسّا ... ن ... البيت (٤) يريد: إنه قال: وإنما لم يجز الحذف إذا كان الاسم ضمير الشأن إلا في ضرورة لأن -

стр. 1296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجملة الواقعة خبرا لضمير الأمر والشأن هي مفسرة له، فقبح حذفه وإبقاء الجملة كما يقبح حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامة إذا كانت (١) الجملة صفة ... انتهى. ولا يخفى ضعف هذا التعليل الذي ذكره ويضعف دعوى ابن عصفور قوله ﷺ : «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» (٢). وقد عرفت أن الكسائي خرج الحديث على أنّ «من» زائدة وذلك أن مذهبه أنه لا يجوز حذف هذا الضمير إذا أدى ذلك إلى أن يكون بعد «إنّ» وأخواتها اسم يصبح عملها فيه (٣) والحق أن الأمر في ذلك كما قال المصنف من أن الاسم ضمير الشأن المحذوف لأن «من» لو حكم بزيادتها أفاد الكلام أن المصور من أشد الناس عذابا يوم القيامة وليس كذلك إذ غيرهم أشد عذابا كالكفار ومن كان ذنبه أعظم من ذنوب المصورين، وأما دعوى الكسائي فيبطلها قول العرب «إن بك زيد مأخوذ». فإن زيدا يقبح عمل إنّ فيه (٤). ومنها: أن كلام المصنف علم منه أن في جواز حذف الخبر في هذا الباب مذهبين: - أحدهما: الجواز مطلقا وهو مذهب سيبويه (٥). ثانيهما: أنه لا يجوز إلا إذا كان الاسم نكرة وهو مذهب الكوفيين (٦). وقد نقل الشيخ مذهبا ثالثا وهو مذهب الفراء: [٢/ ١٠٢] أنه لا يجوز سواء أكان الاسم معرفة أم نكرة إلا إن كان بالتكرير نحو: ٩٤٧ - إنّ محلّا وإنّ مرتحلا (٧) ولا يجوز في غيره. هكذا نقل الشيخ (٨)، إلا أن ابن عصفور قال: وزعم أهل الكوفة أن أحسن ما يكون حذف الخبر إذا كان الموضع موضع تفصيل نحو قولهم: إنّ الزّبابة -

стр. 1297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإنّ الفأرة .. يرون: إنّ الزّبابة خلاف الفأرة وإنّ الفأرة خلاف الزّبابة (١). انتهى. والصحيح من هذه المذاهب: مذهب سيبويه، ويدل عليه الآيات الشريفة التي أوردها المصنف، والقياس يقتضيه فإنهم أجمعوا على جواز حذف الخبر إذا عرف معناه في غير باب «إنّ» فينبغي أن يجوز ذلك في باب «إنّ» إذا دلّ الدليل (٢) ومن حذف الخبر قولهم: (إنّ غيرها إبلا وشاء). قال سيبويه: «غيرها» اسم «إنّ» وإبلا وشاء ... تمييز والخبر محذوف، أي: إن لنا غيرها إبلا وشاء (٣). قالوا: ولا يجوز أن يكون إبلا وشاء اسم «إنّ» وغيرها حال والخبر محذوف (٤) تقديره: إن لنا إبلا وشاء، في حال أنها غير هذه، لأنه لا عامل إلا «لنا»، والمعاني لا تعمل مضمرة بإجماع (٥) وكذا لا يجوز أن يكون «غيرها» اسم «إنّ» وإبلا وشاء بدل والتقدير: إن لنا غيرها إبلا، أي إن لنا إبلا، لأنه متى اجتمع تابع ومتبوع فالباب أن يتقدم الجامد منهما، وقد نصّ على ذلك سيبويه في نحو: فيها قائما رجل؛ حتى عدل إلى النصب (٦)، ولم يجعل «رجلا» بدلا من قائم (٧). ومنها: أن «شعري» من قولهم: «ليت شعري» مصدر حذفت منه التاء، قالوا: شعرة ودرية بالتاء (٨). وفي الإفصاح: شعري معرفتي، والأصل: شعرت به ولا يتعدى إلا بالباء بخلاف «دريت»، فإنها تتعدى بنفسها وبالباء ولا تستعمل شعرة إلا بالتاء، مع «ليت»، فإنه يلزم معها حذف التاء. ونظير ذلك قولهم: أبو عذرها، -

стр. 1298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأصل: أبو عذرتها ولا ينطق بها إلا بالتاء إلا مع (أب) فبغير تاء، والجملة الاستفهامية بعد «شعري» في موضع الخبر. كذا قال سيبويه (١). وتحقيقه أن شعري بمعنى: معلومي، فالجملة نفس المبتدأ في المعنى فلا تحتاج إلى ضمير، ومن الناس من جعل الجملة معمولة لشعري وأضمر الخبر، أي: موجود أو ثابت. وقيل: الجملة معمولة لشعري وسدت مسد الخبر (٢). قال: ويقول العرب ليت شعري بزيد أقائم، وليت شعري عن زيد أقائم، قامت «عن» مقام التماسا في الشعر، وبالشيء عن الكشف عنه، وليت شعري زيد أقائم، قال الكسائي: العرب تقول: ليت شعري زيدا ما صنع، والنصب على إسقاط حرف الجر والاسم مجرورا أو منصوبا معمول لشعري، وما صنع خبر «ليت»، أو جملة في موضع البدل من المنصوب أو المجرور على القول بأن «شعري» يعمل في الجملة، أو أن الجملة تكون بدلا من المفرد إذا جاز أن يسلط عليها العامل الذي يعمل في المفرد، كما قيل ذلك في عرفت زيدا أبو من هو، وهو [٢/ ١٠٣] قول أبي العباس (٣) .. انتهى. ومنها: أنّ الإخبار بالمعرفة عن النكرة في هذا الباب قد استشكله بعضهم (٤). وقد أشار ابن هشام إلى المسوغ لذلك فقال: نصب هذه الحروف للنكرات لا ينحصر، ويخبر عنها بالمعرفة وهذا غريب لا يجوز في الابتداء ولا في كان، وقد قدر سيبويه الخبر معرفة في (ولكنّ طالبا منيخا أنا) (٥)، وإنما جاز هذا عندي، وأن تكون المعرفة خبرا عن النكرة أن الأول لما كان الثاني كان المعنى واحدا، وكان الاسم بها منصوبا، فصار كأنه غير مسند إليه وفضلة فجاز تنكيره، وكان الخبر معرفة لأنه لما كان مرفوعا صار كأنه مسند إليه لا مسند وكان هذا من تتميم شبهه بالفاعل (٦).

стр. 1299

[مواضع كسر همزة إن ومواضع فتحها ومواضع جواز الوجهين] قال ابن مالك: (فصل: يستدام كسر «إنّ» ما لم تؤوّل هي ومعمولها بمصدر. فإن لزم التأويل؛ لزم الفتح. وإلّا فوجهان. فلا متناع التّأويل كسرت مبتدأة وموصولا بها وجواب قسم ومحكية بقول وواقعة موقع الحال أو موقع خبر اسم عين. أو قبل لام معلّقة. وللزوم التّأويل فتحت بعد «لو» و «لولا» وما التّوقيتيّة. وفي موضع مجرور أو مرفوع فعل أو منصوبه غير خبر. ولإمكان الحالين أجيز الوجهان بعد أوّل قولي وإذا للمفاجأة وفاء الجواب). قال ناظر الجيش: هذا الكلام في هذا الفصل يشتمل على تمييز مواقع «أنّ» المفتوحة من مواقع «إنّ» المكسورة. واعلم أن من المصنفين: من اكتفى بتعداد مواضع كل من القسمين، ومنهم من ضبط ذلك بقاعدة، فقال: كل موضع يتعاقب عليه الاسم والفعل فإن فيه مكسورة، وكل موضع ينفرد بأحدهما «فإنّ» فيه مفتوحة (١)، نحو: بلغني أنك منطلق ولو أنّ زيدا قائم قام عمرو، لأن «لو» لا يقع بعدها إلا الفعل فنقضت هذه القاعدة «بإذا» الفجائية فإنها لا يليها إلا الاسم، ويجوز كسر «إنّ» بعدها (٢). وقال آخرون - وقيل: إنه قول سيبويه (٣) -: إنّ كل موضع هو للجملة فإن فيه مكسورة، وكل موضع هو للمفرد «فإنّ» فيه مفتوحة، فنقضت هذه القاعدة أيضا بنحو لو أن زيدا قائم قام عمرو، وذلك بأن «أن» وقعت موقع الجملة الفعلية التي كان ينبغي لها أن تلي «لو» (٤). هذا على مذهب سيبويه، فإنه يجعل «أنّ» مباشر لـ «لو». لفظا وتقديرا ويجعلها مع معمولها يتقدير اسم مبتدأ وسد الطول مسد الخبر (٥). -

стр. 1300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما المصنف فإنه جمع بين الأمرين، أعني: تعداد الأماكن التي يتعين فيها الكسر والتي يتعين فيها الفتح، والتي يجوز فيها الأمران، والضابط لذلك بذكر قاعدة لا يتوجه عليها نقض بشيء من الصور التي نقض بها على غيره. وحاصل الأمر: أنه أورد ذلك إيرادا لم يقع لغيره، وأنا أورد كلامه أولا ثم أتبعه بما يحتاج إلى التنبيه عليه، قال رحمه الله تعالى: «إنّ» بالكسر أصل، لأن الكلام معها جملة غير مؤولة بمفرد وأنّ الفتح فرع لأن الكلام معها مؤول بمفرد. وكون المنطوق به جملة من كل وجه أو مفردا من كل [٢/ ١٠٤] وجه أصل، لكونه جملة من وجه، مفردا من وجه. ولأن المكسورة مستغنية بمعمولها عن زيادة، والمفتوحة لا تستغني عن زيادة، والمجرد من الزيادة أصل للمزيد فيه ولأن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما تتعلق به كقولك في عرفت أنك بر: أنك بر، ولا تصير المكسورة مفتوحة إلا بزيادة كقولك في «إنك بر» عرفت أنك بر والمرجوع إليه بحذف أصل للمتوصل إليه بزيادة (١). ولكون المكسورة أصلا قلت: يستدام كسر «إن» ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر فعلم بذلك أن الكسر لازم للمبدوء بها لفظا ومعنى نحو إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (٢) وللمبدوء بها معنى لا لفظا (٣)، نحو: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ (٤) والموصول بها نحو: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ (٥)، والمجاب بها قسم نحو: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (٦) والمحكية بالقول نحو: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ (٧) والواقعة موقع الحال نحو: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٨)، ومنه قول الشاعر: ٩٤٨ - ما أعطياني ولا سألتهما ... إلّا وإنّي لحاجزي كرمي (٩)
следующие страницы →