← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللباب (١): المستعمل من ذلك بلا خلاف أعلم وأرى، فأما أنبأ ونبّأ فإلى واحد بنفسه وإلى ثان بحرف جر وأخبر وخبر وحدّث كنبّأ وإنما تعدت إلى ثلاثة تشبيها بأعلم وقد ذهب بعضهم إلى أن «أنبأ» تتعدى إلى اثنين بنفسها مستدلّا بقوله مَنْ أَنْبَأَكَ هذا (٢) ولا دليل فيه لأن استعماله بحرف الجر أكثر (٣). لكن قال الشيخ: ما قرره المصنف من أن هذه الأفعال الأربعة لا تلحق في التعدي بأعلم يعكس على استدلاله أن «أعلم» يحذف فيها التعليق مستدلا بقوله تعالى: يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ (٤) ويقول الشاعر: ١١٩١ - حذار فقد نبّئت إنّك للّذي ... ... البيت (٥) لأن نبأ هذه المعلقة ليست تتعدى إلى ثلاثة إذ لم يثبت لها ذلك، فلا يكون في تعليقه على صحة ثبوته دليل على تعليق أعلم وأرى، قال: فقد ناقض المصنف في الاستدلال على أن التعليق يجوز فيما يتعدى إلى ثلاثة وهذا تناقض واضح (٦). انتهى. وأقول: لا تناقض في كلام المصنف [٢/ ٢٢٤] لأنه لم يدع أن «ينبئكم» في الآية الشريفة متعدية إلى ثلاثة فيلزمه ما ألزمه به وإنما ذكر أنها معلقة عن العمل، وليس من شرط الفعل المعلق التعدي لا إلى ثلاثة ولا إلى أقل منها بل المعتبر أن يكون من أفعال القلوب موافقا في المعنى أو مقاربا للأفعال التي تعلق في هذا الباب وقد قال المصنف: إن «ينبئكم» بمعنى يعلمكم يعني أننا نستفيد من هذا المعنى الذي تستفيده من تلك، فكما نقول: إذا علق «ينبئكم» وهو بمعنى «يعلمكم» اتجه لنا أن نعلق يعلمكم لأن المسوغ لتعليق «ينبئكم» إنما هو كونه بمعنى يعلمكم، ويدل على أن هذا مراده في «ينبئكم» إدراجه في التمثيل قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (٧) ولا شك أن «أدرى» ليس من الأفعال السبعة المذكورة في هذا -

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفصل تعدية إلى ثلاثة وقد حصل لها التعليق لكونها بمعنى أعلم فتبين أن المصنف لم يقصد أن هذين الفعلين محكوم بتعديهما إلى ثلاثة وإن كان قد حكم بأنهما معلقان. ومنها: أن الشيخ ذكر عن الحريري أنه ذكر في شرح الملحة له فيما يتعدى إلى ثلاثة «علم» المنقولة بالتضعيف من علم المتعدية إلى اثنين، قال: والذي ذكره أصحابنا أن «علم» المتعدية إلى اثنين لم تنقل إلا بالهمزة وإن «علم» المتعدية لواحد لا تنقل بالتضعيف ليفوق بذلك بين المعنيين ولم يوجد «علم» متعدية إلى ثلاثة في لسان العرب (١). ومنها: أن العرب قالوا: «أريت» مبنيّا للمفعول بمعنى أظننت و «أريت» لم ينطق لها بفعل مبني للفاعل متعدّ إلى ثلاثة فهو مبني من فعل مسند للفاعل لم ينطق به، ولم ينطق أيضا بـ «أظننت» التي «أريت» بمعناها وحكم الماضي حكم المضارع في ذلك فتقول: أرى زيد ذاهبا وترى زيدا ذاهبا (٢). قال الشيخ: وقد نص سيبويه وغيره من النحويين على أنه فعل بني للمفعول ولم يبن للفاعل (٣) وهو في معنى الظن ولا يكون المفعول الأول لها إلا ضمير متكلم ماضيا كان الفعل أو مضارعا نحو أريت وأرى ونري وقد يكون ضمير مخاطب نحو قولهم: كم ترى الحروريّة رجلا ونحو قوله تعالى: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى (٤) في قراءة (٥) من ضم التاء (٦). * * *

стр. 1543

شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد» تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة ٧٧٨ هـ دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) [المجلد الرابع]

стр. 1544

الباب الثامن عشر باب الفاعل [تعريفه] قال ابن مالك: (وهو المسند إليه فعل أو مضمّن معناه، تامّ مقدّم فارغ غير مصوغ للمفعول). قال ناظر الجيش: إنما قال: (المسند إليه)، ولم يقل: الاسم المسند إليه؛ لأن الفاعل يكون اسما نحو تبارك الله، وغير اسم نحو قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (١)، وأَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٢)، وكقول الشاعر: ١١٩٢ - يسرّ المرء ما ذهب اللّيالي ... وكان ذهابهنّ له ذهابا (٣) [٢/ ٢٢٥] هكذا قال المصنف (٤)، ولو قال: الاسم يشمل الأقسام أيضا؛ لأن ما أوّل باسم فهو اسم؛ لأن الاسم: إما صريح، وإما مؤول، ثم المسند إلى الفاعل: إما فعل، أو مضمّن معناه؛ فالفعل نحو: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ (٥) والمضمن معناه نحو: مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ (٦). ١١٩٣ - وهيهات هيهات العقيق وأهله (٧) -

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: ١١٩٤ - أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشّؤون وكيف (١) وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ (٢) على أحد الوجهين (٣). قال المصنف: وهو أحسنهما، ثم لما كان المسند إليه يشمل الفاعل وغيره ذكر المصنف قيودا للمسند يخرج بها غير الفاعل، والقيود التي ذكرها أربعة وهي: كونه (تامّا مقدما فارغا غير مصوغ للمفعول). فاحترزنا بتام عن اسم كان؛ فإنه ليس فاعلا لكون المسند إليه ناقصا، وقد سماه سيبويه فاعلا والخبر مفعولا على سبيل التوسع (٤)، واحترز بمقدّم من نحو زيد من: «زيد قائم» أو «زيد قام»، فإن المسند فيهما إلى زيد ليس مقدما عليه فلا يكون فاعلا، وسيأتي بيان كون كل من: «قائم وقام» مسندا إلى المبتدأ، واحترز بفارغ عن المبتدأ إذا قدم خبره وفيه ضمير نحو: قائم زيد، وقوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٥) على القول بأن الذين ظلموا مبتدأ مقدم خبره (٦)، واحترز بغير -

стр. 1546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مصوغ للمفعول عن المفعول النائب عن الفاعل نحو: ضرب زيد منزوعا ثوبه؛ لأنه ليس فاعلا عند أكثر النحويين (١). قال المصنف: وقد اضطر الزمخشري إلى تسميته مفعولا بعد أن جعله فاعلا (٢)، هذا آخر الكلام على الحد المذكور (٣). وقد ناقش الشيخ المصنف في أمرين وهما: ١ - تقييد المسند بكونه مقدما وبكونه فارغا فقال في مقدم: هذا حكم من أحكام الفاعل فذكره في الحد لا يناسب، إنما يحد بالأشياء الذاتية، قال: ولكونه حكما وقع فيه الخلاف بين البصريين والكوفيين كما سيأتي (٤). وقال في فارغ: إنه غير محتاج إليه؛ لأن قائم من قولنا: «قائم زيد»؛ لم يسند إلى زيد إنما أسند إلى ضميره، وكذلك: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٥). وحاصله: أنه متى تقدم الخبر وهو اسم مضمن معنى الفعل وجب كونه مسندا إلى ضمير ذلك المبتدأ، وإذا كان مسندا إلى الضمير يتعذر إسناده إلى الفاعل، فإذا لا احتياج إلى قوله: (فارغ) (٦). والجواب عن الأول: أن يقال: إن تعريف الأمور بحسب الاصطلاحات في كل فنّ ليس تعريفا ذاتيّا لها، فيجب فيه ذكر الأمور الذاتية، إنما هو تعريف لها بحسب الاسم، والتعريف بحسب الاسم المعتبر فيه أن يذكر ما يعرف به ذلك الأمر بالنسبة إلى اصطلاح ذلك الفن المستعمل هو فيه، ولا شك أن مما يعرف به الفاعل ويتميز به عن غيره تقدم [٢/ ٢٢٦] ما أسند الفعل إليه وقدم عليه. وقد ذكر قيد التقديم غير المصنف؛ فقال ابن عصفور: الفاعل هو اسم مقدم عليه ما أسند إليه، وقال ابن الحاجب: الفاعل ما أسند الفعل إليه (٧).

стр. 1547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعن الثاني: أن يقال: الإسناد كما يكون إلى الفاعل يكون إلى المبتدأ، والذي يسند إلى المبتدأ هو الخبر، وإذا كان الخبر مسندا فلفظ المسند صادق عليه، وإذا كان كذلك؛ فقول المصنف: (وهو المسند إليه فعل أو مضمّن معناه) يصدق على «زيد» من نحو: قائم زيد، أنه مسند إليه ما ضمن معنى الفعل (١) وعلى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٢) أنه مسند إليه فعل (٣)، وقد قدم المسند عليهما، فلو اقتصر على ما تقدم لزم أن يكون «زيد» والَّذِينَ ظَلَمُوا فاعلين، ولا شك في أنهما مبتدآن فوجب إخراجهما فأخرجهما بقوله: (فارغ)؛ لأن قائما وإن كان مسندا مقدما فليس فارغا، وكأن الشيخ قصر الإسناد على الإسناد إلى الفاعل فتوجهت له المناقشة. ويدل على أن الموجب للمصنف الاحتراز بقوله: فارغ، ما قلته تقييد ابن عصفور تقديم المسند على المسند إليه بقوله: (لفظا ورتبة) (٤)، فأخرج بقوله: (ورتبة) نحو: منطلق زيد؛ لأن منطلقا وإن تقدم لفظا مؤخر رتبة؛ فلو لم يصدق على منطلق في هذا التركيب أنه مسند إلى زيد لم يحتج إلى قوله: (ورتبة). لكن هاهنا بحث: وهو أنه قد ينازع في الفعل نحو: وَأَسَرُّوا (٥) فيقال: إنه ليس مسندا إلى المبتدأ إنما المسند إليه الجملة بتمامها وهو متجه. وقد يقال في جوابه: إذا كانت الجملة مسندة صدق أن الفعل الذي هو جزء الجملة مسند أيضا وفيه نظر وبعد، فإن تم هذا البحث فيكون الاحتراز حينئذ إنما هو عن نحو: قائم زيد، لكن كلام المصنف شامل للاسم والفعل، وقد مثل بهما فدل تمثيله على أنهما مرادان، وإذا تقرر هذا فاعلم أن المصنف لما ذكر أن الفاعل يكون غير اسم وأنشد: ١١٩٥ - يسرّ المرء ما ذهب اللّيالي ... .... البيت (٦) أنشد قول الشاعر: ١١٩٦ - ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تلاطم البحران (٧) -

стр. 1548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فحكم بأن «أهجوتها أم بلت» بمنزلة «ما ذهب الليالي» واقتضى هذا أن «أهجوتها» مؤول باسم هو الفاعل، كما أن «ما ذهب الليالي» كذلك، وحينئذ يحصل إشكال؛ لأنه ليس معنا حرف مصدري ينسبك منه ومما بعده اسم يكون هو الفاعل، حتى جعل الشيخ أن هذا من المصنف يدل على موافقته القائلين بأن الفاعل يصح أن يكون فعلا، والظاهر أن المصنف لم يعرج على شيء من ذلك، ولا يجيز أن يكون الفاعل غير اسم وإنما حكم المصنف على «أهجوتها» بما حكم به على «ما ذهب الليالي» من أجل أن الهمزة فيه للتسوية كما هي بعد ما أبالي، ولا شك أن المصدر يصح حلوله محل الجملة الواقعة بعد الهمزة المذكورة كما في قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (١)؛ إذ المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه [٢/ ٢٢٧] وكذلك إذا قلت: ما أبالي أذهب زيد أم مكث، المعنى: ما أبالي بذهاب زيد ومكثه (٢)، وكذا المعنى في البيت: ما ضرّ تغلب وائل هجوك إياها وبولك؛ إذ المعنى استواء الأمرين عندهما، فكما أن قوله: حيث تلاطم البحران لا يضرها، كذلك هجوه إياها لا يضرها أيضا (٣). أما المسألة التي أشار إليها الشيخ فلم تجر للمصنف ببال، غير أن المنقول أن من النحاة من يجيز ذلك، قال ابن عصفور بعد أن ذكر أن الفاعل لا يكون إلا اسما: هذا مذهب الفارسي والمبرد وجمهور البصريين؛ لأن وقوع الجملة عندهم في موضع الفاعل غير سائغ، وهو الصحيح (٤). وذهب جماعة من الكوفيين منهم هشام وأحمد بن يحيى إلى أن وقوعها في -

стр. 1549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ موضع الفاعل سائغ وأجازوا: يعجبني يقوم زيد، وظهر لي أقام زيد أم عمرو، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (١)، ففاعل بَدا عندهم الجملة التي هي لَيَسْجُنُنَّهُ. وبقول الشاعر: ١١٩٧ - وما راعني إلّا يسير بشرطة ... وعهدي به قينا يغشّ يكير (٢) ففاعل راع عندهم الجملة التي هي: يسير بشرطة (٣)، وذهب الفراء وجماعة من النحويين إلى أن وقوع الجملة في موضع الفاعل لا يسوغ إلا أن يكون في موضع فاعل فعل من أفعال القلوب ويكون الفعل إذ ذاك علق عليها، فأجاز أن يقال: ظهر لي أقام زيد أم عمرو، ولم يجيزوا: يعجبني يقوم زيد، فإن جاء عندهم ما ظاهره ذلك تأولوه (٤)، وقد نسب هذا القول إلى سيبويه (٥)، والصحيح أن وقوع الجملة -

стр. 1550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ موقع الفاعل لا يسوغ بدليل أنه لا يوجد في كلامهم: يعجبني يقوم زيد، ولا صح: أقام زيد أم لم يقم، يريد: يعجبني قيام زيد، وصح ما كان من قيام زيد أو عدمه، وما استدلوا به مؤول. أما فاعل بَدا من قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ (١) فقال أبو عثمان: هو مضمر في الفعل، المعنى: ثم بدا لهم بداء؛ فأضمر الفاعل لدلالة فعله عليه، وجاز هذا وحسن وإن لم يحسن أن يقول: ظهر لي ظهور، وعلن لي علن؛ لأن البداء والبدء قد استعملا على غير معنى المصدر. قالوا: بدا لهم بدء، أي: ظهر لهم رأي (٢)، ويدل على ذلك قول الشاعر: ١١٩٨ - لعلّك والموعود حقّ لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء (٣) والجملة التي هي لَيَسْجُنُنَّهُ (٤) تحتمل ثلاثة أوجه: ١ - أن تكون في موضع مفعول لقول مضمر والتقدير: قالوا: ليسجننه، قاله أبو عثمان وذهب إليه المبرد. ٢ - وأن تكون مفسرة لذلك الضمير المستتر في بَدا ولا موضع لها من الإعراب (٥). ٣ - أن تكون جوابا للجملة التي هي بَدا لَهُمْ؛ لأن بَدا من أفعال القلوب، وأفعال القلوب تجريها العرب مجرى القسم فتلقاها بما [٢/ ٢٢٨] يتلقى به القسم (٦)، ومثل هذه الآية الشريفة قوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ -

стр. 1551

[من أحكام الفاعل: الرفع وتقديم الفعل] قال ابن مالك: (وهو مرفوع بالمسند حقيقة إن خلا من «من» و «الباء» الزّائدتين، وحكما إن جرّ بأحدهما أو بإضافة المسند، وليس رافعه الإسناد، خلافا لخلف. وإن قدّم ولم يل ما يطلب الفعل فهو مبتدأ، وإن وليه ففاعل فعل مضمر يفسّره الظّاهر، خلافا لمن خالف). ــ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ (١) ففاعل «يهدي» ضمير مضمر فيه عائد على المصدر المفهوم منه وكأنه قيل: أو لم يهد لهم هدايتنا، وساغ ذلك؛ لأن الهداية قد تستعمل استعمال الدلالة التي يراد بها الحجة على الشيء والبرهان، فكأنه قيل: أو لم يتبين لهم حجتنا، ويكون قوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا في موضع نصب بما دل عليه أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ لأنه بمنزلة: أولم يعلموا (٢). وأما قول القائل: ١١٩٩ - وما راعني إلّا يسير بشرطة (٣) فهو على إضمار «أن»؛ التقدير: إلا أن يسير (٤). انتهى. ويبعد في النظر والفعل كون الجملة فاعلة، ولكن أقوال الأئمة لا تردّ وإنما ذكرت هذه المسألة استبعادي تصورها واعتقادي عدم صحتها؛ لئلا يخلو الكتاب عن ذكرها، فيظن عدم الاطلاع عليها. قال ناظر الجيش: أما كون الفاعل مرفوعا فمعروف قالوا: وإنما رفع الفاعل للفرق بينه وبين المفعول (٥)، فإن قيل: لو عكس ذلك لحصل الفرق؟ أجيب: بأن هذا السؤال يفضي إلى الدور، وبأن الرفع أثقل من النصب، والفاعل لا يكون إلا واحدا، والمفعول متعدد، فأعطي الأثقل للواحد، والأخف للمتعدد؛ ليتعادلا (٦)، ثم إنه إما مرفوع حقيقة أي لفظا ومعنى نحو: صدق الله، -

стр. 1552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو مرفوع حكما، أي: في المعنى دون اللفظ، وذلك في ثلاثة مواضع (١): أحدها: إذا جرّ بمن الزائدة نحو: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢). الثاني: إذا جرّ بالباء الزائدة نحو: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً * (٣). الثالث: إذا أضيف إليه المسند نحو قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ * (٤). وإنما قال المصنف: (بإضافة المسند) ولم يقل: بإضافة المصدر؛ لأن المسند الصالح للإضافة قد يكون اسم مصدر كما يكون مصدرا، فالمصدر قد ذكر، وغير المصدر كقول النبي ﷺ : «من قبلة الرّجل امرأته الوضوء» (٥) فالرجل مجرور اللفظ مرفوع المعنى بإسناد «قبلة» إليه فإنها قائمة مقام تقبيل؛ لذا انتصب بها المفعول، وكذا المجرور بـ «من» «والباء» مرفوع معنى، ولو عطف أو نعت؛ لجاز في المعطوف والنعت الجر باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار المعنى (٦). وأما الرافع للفاعل فهو ما أسند إليه من فعل أو مضمن معناه، هذا هو المذهب الصحيح وعليه التعويل وهو رأي سيبويه فإنه قال: يرتفع المفعول كما يرتفع الفاعل [٢/ ٢٢٩] لأنك لم تشغل الفعل بغيره، وفرغته له كما فعلت ذلك بالفاعل (٧). وهذا الكلام ظاهر في أن الرافع للفاعل هو: الفعل المسند إليه وهو الحق؛ لأن -

стр. 1553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العامل بما به يتقوم المعنى المقتضي. وقد قيل في الرافع للفعل أقوال غير ذلك لا معول على شيء منها. فمنها: أنه الإسناد، وهو الذي ذكر المصنف أنه مذهب خلف (١)، ورده بأن الإسناد نسبة بين المسند والمسند إليه وليس عملهما في أحدهما بأولى من عملها في الآخر، وبأن العمل لا ينسب إلى المعنى إلا إذا لم يوجد لفظ صالح للعمل، والفعل موجود فلا عدول عنه. ومنها: أن الرافع هو شبهه بالمبتدأ، وذلك أنه يخبر عنه بفعله كما أن المبتدأ يخبر عنه بالخبر، ويرد هذا بأن الشّبه معنى، والعمل لا ينسب إلى المعنى مع وجود لفظ يمكن عمله كما تقدم على أن هذا القول إنما يتم على قول من يقول: إن المبتدأ أصل في المرفوعات. ومنها: أن الرافع له كونه فاعلا في المعنى، وهذا في غاية الوهن بدليل أن نحو «زيد» في «ما قام زيد» فاعل وهو لم يفعل شيئا (٢)، ومثل هذه الأقوال لا ينبغي التشاغل بها. وأما قول المصنف: (وإن قدم ولم يل ما يطلب الفعل فهو مبتدأ) إلى آخره، فاعلم أنه قد عرف من جعله تقديم المسند إلى الفاعل قيدا في الحد أن الفاعل لا يتقدم، فعلى هذا إذا أتي باسم مقدم على شيء صالح أن يكون الاسم فاعلا له أخّر عنه، وجب أن لا يكون ذلك الاسم مبتدأ، ولا شك أن هذا عرف من التقييد بالتقديم في الحد، لكن إنما أعاد المصنف ذكره لفائدتين. إحداهما: التنبيه على خلاف الكوفيين، وأنهم يجيزون تقديم الفاعل على -

стр. 1554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما أسند إليه. الثانية: أن الاسم الذي أشير إليه بأنه إذا قدم يكون مبتدأ، إنما يكون كذلك إذا لم يل ما يطلب الفعل، أما إذا ولي الاسم ما يطلب الفعل فإنه يتعين فيه كونه فاعلا لفعل مضمر على المذهب المختار (١). قال المصنف (٢): وإن قدم الاسم على الفعل أو ما ضمن معناه صار مرفوعا بالابتداء، وبطل عمل ما تأخر فيه؛ لأنه تعرض بالتقديم لتسلط العوامل عليه كقولك في زيد قائم: إن زيدا قائم؛ فتأثر «زيد» بـ «إنّ» دليل على أن الفعل شغل عنه بفاعل مضمر، وأنّ رفع «زيد» إنما كان بالابتداء وهو عامل ضعيف، فلذلك انتسخ عمله بعمل «إن»؛ لأن اللفظ أقوى من المعنى، ولو كان الفعل غير مشغول بمضمر حين أخر، كما كان حين قدم لم يلحقه ألف الضمير ولا واوه ولا نونه في نحو: الزيدان قاما، والزيدون قاموا [٢/ ٢٣٠]، والهندات قمن. كما لا تلحقه في نحو: قام الزيدان، وقام الزيدون، وقامت الهندات إلا في لغة ضعيفة (٣)، وإن كان الاسم المتقدم على الفعل مسبوقا بما يطلب الفعل فهو فاعل فعل مضمر يفسره الظاهر المتأخر نحو: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (٤)، وكقول الشاعر: ١٢٠٠ - فمتى واغل ينبهم يحيّو ... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي (٥) -

стр. 1555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وزعم بعض الكوفيين (١) أن تأخر المسند لا يخل برفعه المسند إليه، واستدل من ذهب إلى هذا بقول امرئ القيس: ١٢٠١ - فقل في مقيل نحسه متغيّب (٢) ويقول الزباء: ١٢٠٢ - ما للجمال سيرها وئيدا (٣) وزعم أن التقدير: فقل في مقيل متغيب نحسه، وما للجمال وئيدا سيرها، والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أن يكون قائله أراد بنحسه متغيّبي بياء المبالغة كقولهم في أحمر: أحمري، ودوار: دواري، وخفف الباء في الوقف كما قال الآخر في إحدى الروايتين: -

стр. 1556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٢٠٣ - زعم الغداف بأنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبّة في غد (١) ويروى الغراب الأسود، على الإقواء. والثاني: أن مقيلا اسم مفعول من قلته بمعنى أقلته أي: فسخت عقد مبايعته فاستعمله موضع متروك مجازا (٢)، وهو قول ابن كيسان. والجواب عن الثاني: بأن يجعل سيرها مبتدأ ويضمر خبر ناصب وئيدا كأنه قيل: ما للجمال سيرها ظهر وئيدا، أو ثبت وئيدا؛ فيكون حذف الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظير قولهم: حكمك مسمطا (٣)، وقد ينتصر لمجيز ارتفاع الفاعل بعامل متأخر بمثل قول الشاعر: ١٢٠٤ - فمتى واغل ينبهم يحيّو ... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي (٤) فيقال: واغل إما مرفوع بمضمر يدل عليه المتأخر أو بالمتأخر، وارتفاعه بمضمر ممتنع لاستلزامه إعمال أداة الشرط في فعلين قبل الجواب، وليس الثاني تابعا للأول فتعيّن ارتفاعه بالمتأخر. والجواب: أن المحذوف في مثل هذا لما التزم حذفه وجعل المتأخر عوضا منه صار نسيا منسيّا، فلم يلزم من نسبة العمل إليه وجود جزمين قبل الجواب. على أنه لو جمع بينهما على سبيل التوكيد لم يكن في ذلك محذور؛ فأن لا يكون محذور في تعليق الذهن بهما وأحدهما غير منطوق به ولا محكوم بجواز -

стр. 1557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النطق به أحق وأولى، وأجاز الأعلم وابن عصفور رفع وصال بيدوم في قول الشاعر (١): ١٢٠٥ - .. وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم (٢) لا بفعل مضمر ويكون هذا من الضروريات (٣)، وأجاز الأخفش رفع المقدم بعد إن، وأن يكون رفع [٢/ ٢٣١] أحد على فعل مضمر أقيس الوجهين (٤)، قال: وقد زعموا أن قول الشاعر (٥): ١٢٠٦ - أتجزع نفسي إن أتاها حمامها (٦) -

стр. 1558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا ينشد إلا رفعا وقد سقط الفعل على شيء من سببه، وهذا قد ابتدئ بعد «إن»، وإن شئت جعلته رفعا بفعل مضمر هذا نصه (١)، وقد أشرت إلى هذا وغيره بقولي في آخر الفصل: خلافا لمن خالف. انتهى كلام المصنف (٢). والمخالف هم الكوفيون؛ لأنهم أجازوا كون الاسم المقدم على الفعل فاعلا لذلك الفعل المؤخر كما عرفت، والأخفش؛ لأنه أجاز كون الاسم المرفوع الواقع بعد أدوات الشرط مبتدأ كما نقل المصنف وغيره عنه. واعلم أن الذي نسبه المصنف إلى الأعلم وابن عصفور في: ١٢٠٧ - .. وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم (٣) هو قول سيبويه؛ لأنه جعله من باب (٤) الاستقامة والإحالة بقوله: كي زيد يأتيك (٥)، ولا وجه لهذا إلا تقديم الفاعل على الفعل فكذلك هذا، ولما ذكر سيبويه الحروف التي لا يليها إلا الفعل وذكر قلّما قال: وقد يقدّمون الاسم في الشعر، قال: ١٢٠٨ - صددت فأطولت الصّدود وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم (٦) انتهى. وقلّما إذا لحقتها «ما» وكان معناها على النفي المحض لا على مقابلة كثر، اختصت بالفعل ولا يليها غيره إلا في الضرورة كما تقدم وهل هي حرف أو فعل، لهم في ذلك نظر، قالوا: والأظهر أنها فعل؛ لثبوت ذلك فيها قبل لحوق «ما» واستعمالها للنفي المحض لكنها لما استعملت استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل لم يكن لها فاعل (٧).

стр. 1559

[من أحكام الفاعل: تأنيث الفعل وجوبا وجوازا] قال ابن مالك: (ويلحق الماضي المسند إلى مؤنّث أو مؤوّل به أو مخبر به عنه أو مضاف إليه مقدّر الحذف تاء ساكنة، ولا تحذف غالبا إن كان ضميرا متّصلا مطلقا، أو ظاهرا متّصلا حقيقيّ التّأنيث غير مكسّر ولا اسم جمع ولا جنس، ولحاقها مع الحقيقيّ المقيّد المفصول بغير «إلّا» أجود، وإن فصل بها فبالعكس. وحكمها مع جمع التّكسير وشبهه، وجمع المذكّر بالألف والتّاء، حكمها مع الواحد المجازيّ التّأنيث، وحكمها مع جمع التّصحيح غير المذكور آنفا حكمها مع واحده، وحكمها مع البنين والبنات حكمها مع الأبناء والإماء، ويساويها في اللّزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة ونون التّأنيث الحرفيّة). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): تاء التأنيث الساكنة مختصة من الأفعال بالماضي وضعا (٢)؛ لأن الأمر مستغن بالياء والمضارع مستغن بها إن أسند إلى مخاطبة (٣)، وبتاء المضارعة إن أسند إلى غائبة أو غائبين وكان حق تاء فعلت أن لا تلحق الفعل؛ لأن معناها للفاعل إلا أنه كجزء من الفاعل فجاز أن تدل على معنى فيه ما اتصل بما هو كجزء منه كما جاز أن يتصل بالفاعل [٢/ ٢٣٢] علامة رفع الفعل في يفعلان ويفعلون وتفعلين (٤)؛ ولأن تأنيث لفظ الفاعل غير موثوق به، لجواز اشتراك المؤنث والمذكر في لفظ واحد كجنب، وربعة، وهمزة، وضحكة، وفروقة وراوية، وصبور، ومذكار، وقتيل؛ ولأن المذكر قد يسمى به مؤنث وبالعكس (٥)، فاحتاطت العرب في الدلالة على تأنيث الفاعل بوصل الفعل بالتاء المذكورة؛ ليعلم -

стр. 1560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من أول وهلة أن الفاعل أو ما جرى مجراه مؤنث، كقولك: ظهرت الجنب وكانت الربعة حائضا وثبتت الهمزة وجعلوا لحاقها في اللغة المشهورة لازما إن كان المسند إليه ضميرا متصلا حقيقي التأنيث أو مجازيّه كهند قامت، والدار حسنت، أو كان ظاهرا متصلا حقيقي التأنيث مفردا أو مثنى أو مجموعا جمع تصحيح، كقامت هند، وقعدت بنتاها، وذهبت عماتها (١). وأشرت بقولي: (أو مؤول به) إلى نحو أتته كتابي؛ على تأويل كتاب بصحيفة (٢)، وأشرت بـ (مخبر عنه) إلى نحو قول الشاعر (٣): ١٢٠٩ - ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعل ... وقد خاب من كانت سريرته الغدر (٤) فوصل كان بالتاء وهي مسندة إلى الغدر؛ لأن الخبر مؤنث فسري منه التأنيث إلى المخبر عنه؛ لأن كلّا منهما عبارة عن الآخر، ومثله قراءة نافع وأبي عمرو وأبي بكر (٥) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا (٦) فألحقت تاء التأنيث بالفعل وهو مسند إلى القول؛ لأن الخبر مؤنث. وأشرت بـ (مضاف إليه مقدر الحذف) - إلى نحو قول الشاعر: ١٢١٠ - مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت ... أعاليها مرّ الرّياح النّواسم (٧) فألحق التاء بتسفهت وهو مسند إلى «مر» لإضافته إلى مؤنث مع استقامة الكلام -

стр. 1561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحذفه فلو لم يستقم الكلام بالحذف لم يجز التأنيث نحو: قام غلام هند. واحترزت بقولي: ولا تحذف غالبا من قول بعض العرب: قال فلانة، وذهب فلانة حكاهما سيبويه (١)، وعلى هذه اللغة جاء قول لبيد: ١٢١١ - تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر (٢) لأن الإسناد إلى المثنى كالإسناد إلى المفرد بلا خلاف، واحترزت أيضا من حذف بعض الشعراء التاء من المسند إلى ضمير المؤنث كقول الشاعر (٣): ١٢١٢ - فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها (٤) وكقول الآخر: ١٢١٣ - فإمّا تريني ولي لمّة ... فإنّ الحوادث أودى بها (٥) -

стр. 1562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبعض النحويين يحمل ما ورد من هذا على التأويل بمذكر، فيتأول «أرض» بمكان و «الحوادث» بالحدثان. وقيدت الضمير بالاتصال احترازا من نحو: ما قام إلا أنت، فإن لحاق التاء في هذا ضعيف (١)، وقيدت الظاهر [٢/ ٢٣٣] الحقيقي التأنيث بالاتصال تنبيها على نحو قول الشاعر: ١٢١٤ - إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة ... بعدي وبعدك في الدّنيا لمغرور (٢) وليس مخصوصا بالشعر، فإن سيبويه حكى: حضر القاضي امرأة، وقال: «إذا طال الكلام كان الحذف أجمل» (٣). ونبهت بقولي: غير مكسّر، على أن حكم التاء في جمع التصحيح المؤنث كحكمها في مفرده ومثناه؛ فلا يقال: قام الهندات، إلّا على لغة من يقول: قال فلانة؛ لأن لفظ الواحد في جمع التصحيح على الحال التي كان عليها في الإفراد والتثنية، فيتنزل قولك: قامت الهندات منزلة قولك: قامت هند، وهند، وهند، هذا هو الصحيح، وعلى هذا لا يجوز: قامت الزيدون؛ لأنه بمنزلة: قام زيد وزيد وزيد (٤)، ولا يستباح: قامت الزيدون بقول الشاعر: -

стр. 1563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٢١٥ - قالت بنو عامر خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرّار لأقوام (١) ولا يستباح قام الهندات بقول الآخر: ١٢١٦ - فبكى بناتي شجوهنّ وقلن لي ... والظّاعنون إليّ ثمّ تصدّعوا (٢) لأن بنين وبنات لم يسلم فيهما نظم الواحد، فجريا مجرى جمع التكسير. وظاهر قول الجزولي (٣) جواز: قامت الزيدون، وقام الهندات؛ لأنه قال قاصدا للتاء: ولا يلزم في الجمع مطلقا (٤). قال الشلوبين: يعني بقوله: (مطلقا) سواء أكان جمع تكسير أم جمع سلامة، وسواء أكان جمع مؤنث حقيقي أم غير حقيقي، وسواء أكان جمع مذكر أم جمع مؤنث (جمع تكسير أم جمع سلامة) (٥)، ثم قال الشلوبين: ليس كما ذكره المؤلف في مذهب المحققين إلا في جمع التكسير واسم الجمع، وأما جمع المؤنث السالم نحو: قامت الهندات فحكمه حكم المفرد والمثنى، وكذلك حكم جمع المذكر السالم حكم المفرد منه أيضا (٦)، قلت: لا عدول عن -

стр. 1564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما ذهب إليه الشيخ أبو علي الشلوبين في هذه المسألة من أنه لا يجوز: قامت الزيدون ولا قام الهندات إلا على لغة من قال: قال فلانة (١)، وأما قوله تعالى: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ (٢)؛ فمن أجل الفصل بالمفعول مع أن «مؤمنات» صلة للألف واللام، والألف واللام بمعنى اللاتي وهو اسم جمع والفعل مسند إليه فلا يلزم التاء (٣)، ولا خلاف في أن المثنى كالواحد، ولذلك جعل قول لبيد: ١٢١٧ - تمنّى ابنتاي .... (٤) مثل: قال فلانة، ولا خلاف أيضا في أن جمع التكسير كالواحد المجازي التأنيث وإن كان واحده حقيقي التأنيث كجوار، وكذلك اسم الجمع كفوج، واسم الجنس كنسوة، ويدخل في اسم الجنس فاعل «نعم»؛ فلذلك يقول: نعم المرأة، من لا يقول: قام المرأة (٥). وقولي: ولحاقها مع الحقيقي المقيد، نبهت به على أن الفصل بين الفعل والفاعل يبيح حذف [٢/ ٢٣٤] التاء (٦) مع الفصل بإلا، إلا في الشعر كقول الراجز: ١٢١٨ - ما برئت من ريبة وذمّ ... في حربنا إلّا بنات العمّ (٧) والصحيح جواز ثبوتها في غير الشعر ولكن على ضعف (٨)، ومنه قراءة مالك بن دينار -

стр. 1565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأبي رجاء الجحدري بخلاف عنه: (فأصبحوا لا ترى إلّا مساكنهم) (١) ذكرها أبو الفتح بن جني (٢) وقال: إنها ضعيفة في العربية (٣)، وإلى نحو هذا أشرت بقولي: وإن فصل بها فبالعكس؛ أو إن فصل بإلا فالحذف أجود من لحاقها ثم بيّنت أن حكمها مع جمع التكسير ومع جمع المذكر بالألف والتاء حكمها مع الواحد المجازي التأنيث ولا اعتبار بواحده بل يستوي ما واحده مذكر كغلمان وبيوت، وما واحده مؤنث كإماء ودور، وكذا حكمها مع جمع المذكر بالألف والتاء كطلحات، ودريهمات، وحسامات حكمها مع واحده، فعلى هذا لا يلحق في: قام الزيدون، كما لا يلحق في: قام زيد، ولا يحذف في: قامت الهندات، كما لا يحذف في: قامت هند إلا في لغة من قال: قال فلانة، وقد تقدم بسط القول في ذلك (٤)، ثم بينت أن البنين والبنات حكم التاء معهما حكمها مع الأبناء والإماء، فيقال: جاء البنون، وجاءت البنون، وجاء البنات، وجاءت البنات، كما يقال: جاء الأبناء، وجاءت الأبناء، وجاء الإماء، وجاءت الإماء؛ لأن نظم الواحد لم يسلم منها فجريا مجرى الجمع المكسر (٥)، ثم بينت أن تاء الصفة الفارقة حكمها حكم تاء فعلت في اللزوم وعدمه فكما تلزم تاء: ذهبت جاريتك والشمس طلعت، كذلك تلزم تاء: أذاهبة جاريتاك والشمس طالعة، وكما جاز الوجهان في سمعت أذناك، كذلك يجوز الوجهان في: أسامعة أذناك (٦)، ثم بينت أن تاء المضارعة الدالة على التأنيث حكمها حكم تاء فعلت في جمع ما ذكر، فكما قيل: -

стр. 1566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قامت هند والنار اضطرمت؛ بلزوم التاء في اللغة المشهورة، كذلك تقول: تقوم هند والنار تضطرم، وكما جاز للفصل: حضر القاضي امرأة، يجوز للفصل: يحضر القاضي امرأة وكما ضعفت: ١٢١٩ - ما برئت من ريبة وذمّ ... في حربنا إلّا بنات العمّ (١) ضعف: (لا ترى إلّا مساكنهم) وما عومل به. ١٢٢٠ - ولا أرض أبقل إبقالها (٢) يعامل بمثله أحد المضارعين في قول ذي الرمة: ١٢٢١ - وهل يرجع التّسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والرّسوم البلاقع (٣) لأن أحدهما مسند إلى ثلاث، والآخر مسند إلى ضميره، والراوية فيهما بالياء. هذا آخر كلام المصنف (٤)، وإنه لجدير أن يتمثل بقول القائل: ١٢٢٢ - وآخذ اللّفظ فضّة فإذا ... ما صغته قيل إنّه ذهب وعلى الناظر أن يعتبر ويتأمل كيف أورد هذا الرجل الموفق الكلام في هذا الفصل [٢/ ٢٣٥] وكيف هو كلام منتظم منسجم مرتبط بعضه ببعض وهو مع ذلك واف بالغرض يفصح عن المقصود، وإن أردت أن تعرف قدر ذلك فانظر إلى كلام من تعرض إلى شرح هذا الكتاب فيظهر لك ما قلته، ثم هاهنا أمور ينبّه عليها: ١ - منها: أن المغاربة يذكرون في كتبهم أن تأويل المذكر بالمؤنث لا يجوز إلا في قليل من الكلام؛ حتى عدوا من أقبح الضرائر قول القائل: -

стр. 1567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٢٢٣ - سائل بني أسد ما هذه الصّوت (١) على تأويل الصوت بالصيحة قالوا: لأن فيه تحريف اللفظ، ورد الأصل - يعني التذكير - إلى الفرع. ومثل هذه الصوت قول الآخر (٢): ١٢٢٤ - أتهجر بيتا بالحجاز تلفّعت ... به الخوف والأعداء من كلّ جانب (٣) أي: تلفعت به المخافة، فمن هنا كان الشيخ ناقش المصنف في قوله: (أو مؤول به) (٤) ولا يتوجه على المصنف مناقشة؛ لأنه لم يدع قلة ذلك ولا كثرته، وإنما قال: إن الفعل تلحقه التاء إن أسند إلى مؤول بمؤنث، ولا شك أنه إذا أول كان الحكم كذلك، أما كون التأويل إنما يجوز في الشعر أو في قليل من الكلام فذاك شيء آخر. ٢ - ومنها: أن الشيخ قال: ما ذكره المصنف من إلحاق علامة تأنيث الفعل إذا أسند إلى مذكر قد أخبر عنه بمؤنث ليس مذهبا للبصريين، قال: وإنما يجوز ذلك عندهم في الضرورة، والكوفيون يجيزون في سعة الكلام تأنيث اسم كان إذا كان مصدرا مذكرا وكان الخبر مقدما عليه نحو: -

стр. 1568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٢٢٥ - وقد خاب من كانت سريرته الغدر (١) فلو قلت: كانت شمسا وجهك أو كانت الغدر سريرتك لم يجز، قال: فالمصنف لم يقل: يقول البصريون، ولا يقول الكوفيون (٢). انتهى. وبتقدير ثبوت أن الذي ذكره مذهب الفريقين لا يتوجه على المصنف شيء؛ لأنه حكم بالتأنيث عند إسناد الفعل إلى مذكر مخبر عنه بمؤنث، ولا شك أن هذا ثابت، أما كونه هل يجوز في الكلام أو في الشعر؟ فإن المصنف لم يتعرض إلى شيء من ذلك، ثم كيف نسلم القول لمن يدعي أن ذلك إنما يجوز في الشعر وقد ثبت في القرآن العزيز: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا (٣) ولا تخريج لذلك إلا على الوجه الذي قاله المصنف (٤)؟ ثم إن الشيخ لما ذكر هذه المسألة، واستشهد بهذه القراءة قال: وهذا أولى من أن يقال: أنث على معنى المقالة أي: «ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم»؛ لأن القول بذلك يستلزم ارتكاب ما حكم بقلته كما في: جاءته كتابي (٥). ٣ - ومنها: أن بعض النحاة زاد على الأقسام التي ذكرها المصنف قسما وهو أنه يجوز التأنيث إذا كان في [٢/ ٢٣٦] المسند إليه علامة تأنيث فيجيز: قامت عنترة، وعلى هذا جاء قول القائل: ١٢٢٦ - أبوك خليفة ولدته أخرى (٦) والظاهر أن هذا في غاية القلة والندرة (٧) ٤ - ومنها: أن الشيخ قال: قد أطلق النحويون في المؤنث الذي أضيف إليه مذكر، وظاهر هذا الإطلاق أنه يجوز ذلك سواء أكان المضاف إليه ظاهرا أم مضمرا، فعلى إطلاقهم يجوز الأصابع قطعت بعضها؛ لأن المضمر (٨) مؤنث، -

стр. 1569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لكن الفراء ومن استجاز قول الشاعر (١): ١٢٢٧ - كما شرقت صدر القناة من الدّم (٢) لم يجز أن يقول: شرقت صدرها إذا كنى عنها، وكذلك فالفعل بكل ما كنيت عنه وإنما كان كذلك؛ لأنّ المكنى لا يفرد مما قبله، فيتوهّم في الأول أنه قد سقط واعتمد على الثاني ظاهرا، ألا ترى أن العرب تقول: لك نصف وربع الدرهم، ولا تقول: لك نصف وربعه (٣). قال الشاعر: ١٢٢٨ - يا من رأى عارضا يكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد (٤) ومحال أن يقول: بين ذراعي وجبهته، وقال الأعشى: ١٢٢٩ - إلّا علالة أو بدا ... هة سانح نهد الجزاره (٥) -

стр. 1570

[من أحكام الفاعل: ألا تلحقه علامة تثنية أو جمع] قال ابن مالك: (وقد تلحق الفعل المسند إلى ما ليس واحدا من ظاهر أو ضمير منفصل علامة كضميره). ــ ولو كني لم يجز (١). اعلم أنه قد تقدم من كلام المصنف أنه قال: ثم بينت أن تاء الصفة الفارقة إلى آخره، وهو لم يذكر المسألة في متن التسهيل، هذا في النسخة التي قرأتها على الشيخ، وقابلت بها على نسخته، لكن ربما يكون قد وضع ذلك في نسخة من النسخ التي صنفها ولم تثبت في هذه النسخة المشروحة له. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): إذا تقدم الفعل على المسند إليه، فاللغة المشهورة أن لا تلحقه علامة تثنية ولا جمع؛ بل يكون لفظه قبل غير الواحد والواحدة كلفظة قبلهما، ومن العرب من يوليه قبل الاثنين ألفا وقبل المذكرين واوا وقبل الإناث نونا على أنها حروف مدلول بها على حال الفاعل الآتي قبل أن يأتي كما دلت تاء: فعلت هند؛ على تأنيث الفاعلة قبل أن يذكر اسمها والعلم على هذه اللغة قول بعض العرب: أكلوني البراغيث (٣)، وقد تكلم بها النبي ﷺ فقال: «يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار» (٤)، وعلى هذه اللغة قول الشاعر (٥) يرثي مصعب بن الزبير ﵄: ١٢٣٠ - لقد أورث المصرين خزيا وذلّة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم -

стр. 1571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تولّى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم (١) ومثله قول الفرزدق: ١٢٣١ - بني الأرض قد كانوا بنيّ فعزّتي ... عليهم لآجال المنايا كتابها (٢) [٢/ ٢٣٧] ومثله: ١٢٣٢ - نصروك قومي فاعتززت بنصرهم ... ولو أنّهم خذلوك كنت ذليلا (٣) ومثله: ١٢٣٣ - نتج الرّبيع محاسنا ... ألقحنها غرّ السّحائب (٤) ومثله: ١٢٣٤ - رأين الغواني الشّيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النّواضر (٥) -

стр. 1572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبعض النحويين يجعل ما ورد من هذا خبرا مقدما ومبتدأ مؤخرا، وبعضهم يبدل ما بعد الألف، والواو، والنون منهن على أنهن أسماء مسند إليها وهذا غير ممتنع إن كان سمع من غير أهل اللغة المذكورة (١)، وأما أن يحمل جميع ما ورد من ذلك على أنه الألف، والواو، والنون، فيه ضمائر فغير صحيح؛ لأن أئمة هذا العلم متفقون على أن ذلك لغة لقوم من العرب مخصوصين فوجب تصديقهم في ذلك كما تصدقهم في غيره وبالله التوفيق. ومن التزم التاء في: قامت هند، وهي اللغة المشهورة؛ فلا يستغني في نحو: قامت الهندات عن التاء أو النون الحرفية (٢) وإلى ذلك أشرت بقولي: (وتساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة ونون الإناث الحرفية). انتهى كلام المصنف (٣). وقال سيبويه: اعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك (٤)، وحكى البصريون أن أصحاب هذه اللغة يلتزمون العلامة أبدا، ولا يفارقونها (٥). واعلم أن من النحاة من منع العلامة المذكورة عند عطف أحد الاسمين على ما قبله؛ فلا يجيز نحو: قاما زيد وعمرو، ولا: جاءوا زيد وعمرو وبكر، وهو قول مردود بالسماع (٦)، وقد تقدم البيت الذي فيه: ١٢٣٥ - وقد أسلماه مبعد وحميم (٧) وقال آخر (٨): -

стр. 1573

[من أحكام الفاعل: جواز حذف الفعل] قال ابن مالك: (ويضمر جوازا فعل الفاعل المشعر به ما قبله: والمجاب به نفي أو استفهام، ولا يحذف الفاعل إلّا مع رافعه المدلول عليه، ويرفع توهّم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرا منويّا، أو نحو ذلك). ــ ١٢٣٦ - وأهونهم وأحقرهم عليه ... وإن كانا له نسب وخير (١) قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): حق الفعل والفاعل أن يكونا كالمبتدأ والخبر في منع حذف أحدهما بلا دليل، وجواز حذفه بدليل؛ لأن الفعل كالمبتدأ في كونه أول الجزأين، والفاعل كالخبر في كونه ثاني الجزأين، فسلك بالفعل سبيل المبتدأ في جواز الحذف وعرض للفاعل مانع من موافقة الخبر في جواز الحذف، وهو كونه كعجز المركب في الامتزاج بمتلوه، ولزوم تأخره، وكونه كالصلة في عدم تأثره بعامل متلوه، وكالمضاف إليه في أنه معتمد البيان بخلاف [٢/ ٢٣٨] خبر المبتدأ، فإنه مباين لعجز المركب وللصلة وللمضاف إليه فيما ذكر؛ لأنه غير متخرج بمتلوه ولا لازم التأخير، ويتأثر بعامل متلوه وهو معتمد الفائدة، لا معتمد البيان، وأيضا فإن من الفاعل ما يستتر فلو حذف في بعض المواضع لالتبس الحذف بالاستتار، والخبر لا يستتر، فإذا حذف لدليل أمن التباس كونه مستترا (٣)، ومن إضمار فعل الفاعل، لكون ما قبله مشعرا به قراءة ابن عامر وأبي بكر (٤) يسبح له فيها بالغدو والآصال (٣٦) رجال (٥) فرجال -

стр. 1574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاعل «يسبح»، مضمرا (١)، لإشعار «يسبح» به مع عدم صلاحية إسناده هو إليهم؛ لأن الرجال لا يكونون مسبّحين بل مسبّحين؛ فلا يجوز هذا الاستعمال إلا فيما كان هكذا، فلو قيل: يوعظ في المسجد رجال على معنى يعظ رجال؛ لم يجز لصلاحية إسناد يوعظ إليهم، فلو قيل: يوعظ في المسجد رجال زيد جاز لعدم اللبس (٢)، ومن الجائز لعدم اللبس قول الشاعر (٣): ١٢٣٧ - ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطّوائح (٤) ومثله قول الشاعر: ١٢٣٨ - حمامة بطن الواديين ترنّمي ... سقيت من الغرّ الغوادي مطيرها (٥) هكذا رواه الحفاظ ومن قال: سقاك، فتارك للرواية وآخذ بالرأي. -

стр. 1575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن حذف فعل الفاعل قول عائشة ﵂: «فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله ﷺ » (١) أي: بمعنى الشغل من أجل رسول الله ﷺ . ومن إضمار فعل الفاعل لكون ما قبله يشعر به قول الشاعر: ١٢٣٩ - أرى الأيّام لا تبقي كريما ... ولا العصم الأوابد والنّعاما ولا علجان ينتابان روضا ... نضيرا نبته عمّا تؤاما (٢) فعلجان: فاعل «تبقي» مضمرا، لإشعار «تبقي» به، ومثله: ١٢٤٠ - غداة أحلّت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السّدائف والخمر (٣) فالخمر: فاعل «حلت» مضمرا، لإشعار «أحلت» به، ومثله قول الآخر: ١٢٤١ - ولم يبق ألواء الثّماني بقيّة ... من الرّطب إلّا بطن واد وحاجر (٤) -

стр. 1576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنشده أبو علي في التذكرة وقال: رفع على معنى بقي بطن واد وحاجر. ومن إضمار الفاعل المجاب به نفي قولك لمن قال: ما جاء أحد، بلى زيد، تريد بلى جاء زيد، ومثله قول الشاعر: ١٢٤٢ - تجلّدت حتّى قيل لم يعر قلبه ... من الوجد شيء قلت بل أعظم الوجد (١) أراد: بل عراه أعظم الوجد، ومثال إضمار فعل الفاعل المجاب به استفهام ظاهر، قولك: نعم زيد، لمن قال: هل جاءك أحد (٢)؟ ومثله قول الشاعر: ١٢٤٣ - ألا هل أتى أمّ الحويرث مرسلي ... نعم خالد إن لم تعقه العوائق (٣) أراد: نعم أتاها خالد، فمثل هذا لا يرتاب في أن المجاب به مرفوع بفعل مقدم؛ لأنه جواب جملة قدم فيها الفعل، وحق الجواب أن يشاكل ما هو له جواب، فإن كانت جملة الاستفهام مؤخرا [٢/ ٢٣٩] فيها الفعل، فحق المجاب به من جهة القياس أن يؤخر فيه الفعل، لتتشاكل الجملتان. هذا مقتضى النظر لولا أن الاستعمال بخلافه، وذلك أن جواب الاستفهام المقدم فيه الاسم لا يجيء مكملا إلا والفعل فيه مقدم على الاسم، كقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٤)، وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ (٥)، وكقوله تعالى: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (٦) وينبغي إذا اقتصر في الجواب على الاسم أن -

стр. 1577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقدر الفعل مقدما؛ لأن المكمل أصل والمختصر فرع، فيسلك بالفرع سبيل الأصل؛ ولأن موافقة العرب تقدير تقديم الفعل متيقنة، وموافقتهم بتقدير تأخيره مشكوك فيها، فلا عدول عن تقدير التقديم، ولما جرى به الاستعمال من تقديم الفعل في الجواب المكمل وجه من النظر وهو أن حق الجملة الاستفهامية إذا كان فيها فعل أن يقدم؛ لأنه بمباشرة الاستفهام أولى من الاسم فلما لم يكن ذلك في نحو: «من فعل؟» لاتحاد المستفهم به والمستفهم عنه، جيء بالجواب مقدما فيه الفعل تنبيها على أن أصل ما هو له جواب أن يكون كذلك ومع هذا فالحكم بالابتداء على الاسم المجاب به نفي أو استفهام غير ممتنع؛ لأن مشاكلة الجواب لما هو له جواب في اللفظ غير لازمة؛ بل قد يكتفي فيه بمراعاة المعنى (١)، ومنه قراءة غير أبي عمرو من السبعة (٢): قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (٣) وقد تقدم السبب في منع حذف الفاعل وبقاء فعله، وأما حذفه وحذف وفعله معا فكثير كقولك: زيدا، لمن قال: من أكرم؟ فحذفت أكرم وهو فعل أمر مسند إلى ضمير المخاطب فاشتمل الحذف عليها، ونظائر ذلك كثيرة (٤)، وإذا توهم حذف فاعل فعل موجود فلا سبيل إلى الحكم بحذفه؛ بل يقدر إسناده إلى مدلول عليه من اللفظ أو المعنى كقول الشاعر: -

стр. 1578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٢٤٤ - تمشي تبختر حول البيت منتحيا ... لو كنت عمرو بن عبد الله لم يزد (١) أي: لم يزد انتحاؤك كذا قال أبو علي الفارسي (٢)، وكقوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ (٣) قيل: إن المعنى «ثم بدا لهم بداء»، كما قال: ١٢٤٥ - بدا لك في تلك القلوص بداء (٤) أي: ظهر لك فيها رأي، ولا يجوز مثل هذا الإسناد إلى مصدر الفعل حتى يشعر برأي مثل ظهر [٢/ ٢٤٠] وبان، وتبين، أو يكون الفعل فعل استثناء؛ كقاموا عدا زيدا، وخلا عمرا وحاشا بكرا، ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول الشاعر: ١٢٤٦ - أقول إذا ما الطّير مرّت مخيلة ... لعلّك يوما فانتظر أن تنالها أأدرك من أمّ الحويرث غبطة ... بها خبّرتني الطّير أم قد أتى لها (٥) أي: قد أتى لها أن لا أدرك؛ لأن ذكر أم بعد الهمزة التي وليها أحد الضدين يشعر بأن ثانيهما مراد، وهذا شبيه بقوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (٦)؛ لأن ذكر المعمر مشعر بمقابله وهو القصير العمر فأعيدت هاء عُمُرِهِ إليه ولم يذكر لإشعار مقابله (٧)، ومثله قول الشاعر:

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٢٤٧ - وما أدري إذا يمّمت أرضا ... أريد الخير أيّهما يليني (١) فثنى الضمير قاصدا للخير والشر ولم يجر إلا ذكر أحدهما ولكن الإشعار بما لم يذكر بمنزلة ذكره، ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول بعض العرب: إذا كان غدا فأتني، أي: إذا كان غدا ما نحن عليه الآن فأتني (٢)، ومثله قول الشاعر: ١٢٤٨ - فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني ... إلى قطريّ لا إخالك راضيا (٣) أي: إن كان لا يرضيك ما تشاهده مني، ومن الفاعل المؤول قوله تعالى: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ (٤) ففاعل تبيّن مضمون كيف فعلنا، كأنه قيل: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم، وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب الابتداء نحو: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٥)؛ فإنه أول بسواء عليهم الإنذار وعدمه؛ بل كما جاز في هذا الباب أن يقال: ١٢٤٩ - ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها (٦) على تأويل: ما ضرها هجوك إياها، ومثل: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ، أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا (٧) على تأويل: أولم يهد لهم كثرة -

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إهلاكنا، ومن الإسناد إلى مدلول عليه قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (١)، ففاعل أَخْرَجَ ضمير الواقع في البحر الموصوف ولم يجر له ذكر؛ لأن سياق الكلام يدل عليه (٢)، ومثله قول النبي ﷺ : «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٣). ففاعل يشرب غير مذكور لكنه مفهوم كأنه قيل: ولا يشرب الخمر شاربها، وقد يغني عن الفاعل استحضاره في الذهن بذكر فعل ناصب لما لا يصلح إلا له (٤)، كقول الشاعرة (٥): ١٢٥٠ - لقد علم الضّيف والمرملون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا (٦) فأغنى عن إظهار الريح استحضارها في الذهن بـ «هبت» ونصبه «شمالا» على الحال فكان ذلك بمنزلة التصريح بالريح [٢/ ٢٤١] ومثله قول الآخر: ١٢٥١ - وأكرم الضّيف والجار القريب إذا ... هبّت شآميّة واشتدّت القرر (٧) فنصب شآمية وأضمر الريح وإلى هذه المواضع ونحوها أشرت بقولي: ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرا منويّا أو نحو ذلك. انتهى كلام المصنف -
следующие страницы →