← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشيء لامتناع غيره، وإذا كان ما بعدها مثبت كان منفيّا في المعنى، وإذا كان منفيّا كان مثبتا؛ لأنها تدل على امتناعه، وامتناع النفي إثبات، وإذا ثبت ذلك فقوله: ١٣٥٧ - فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة فيه نفي للسعي لأدنى المعيشة فلو وجه «ولم أطلب .. إلى قليل»، أوجب فيه أن يكون فيه إثبات لطلب القليل؛ لأنه في سياق [٢/ ٣٤١] جواب «لو»، فيكون نافيا للسعي لأدنى معيشة مثبتا لطلب القليل من المال، وهو غير ما ثبت نفيه، فيؤدي إلى أن يكون نافيا مثبتا لشيء واحد في كلام واحد، وهو فاسد (١)، وإذا كان كذلك سقط استدلال الكوفيين بهذا البيت على أن إعمال الأول هو الأفصح؛ لأنهم قالوا: الشاعر فصيح، وكان يمكنه إعمال الثاني، فلما أعمل الأول من غير ضرورة دل على أن إعمال الثاني ليس بالأفصح، وإذا لم يكن الأفصح ثبت أن الأول أفصح؛ إذ لا قائل بغير ذلك، ويقوى ذلك بأنه أعمل الأول مع ارتكاب ما يلزمه من حذف المفعول من الثاني، ولو أعمل الثاني لم يلزمه ارتكاب أمر محذور، قالوا: وذلك ظاهر في أن إعمال الأول أفصح، وأجاب البصريون: بأن هذا البيت ليس من باب الإعمال في شيء، كما تقدم تقريره (٢)، قال ابن عصفور: فإن قيل: لأي شيء جعلت، ولم أطلب جوابا لـ «لو» وعطفته على كفاني حتى لزم هذا، وهلا جعلت الجملة من قوله: «ولم أطلب» معطوفة على قوله: فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ..... وكأنه قال: وأنا لم أطلب قليلا؛ فيتصور توجيهه عليه؛ فيكون من باب الإعمال بهذا الطريق؟ فالجواب: أن هذا لا يتصور، وقد كان الأستاذ أبو علي جعله من الإعمال بهذا الطريق ووجه بطلانه أن العاملين في هذا الباب، لابد أن يشتركا، وأدنى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبرا، أو يكون الفعل الثاني معمولا للأول، وذلك نحو قولك: جاءني يضحك زيد، فجعل في «جاءني» ضميرا، أو في «يضحك» حتى لا يكون هذا الفعل فاصلا، وأقل ذلك حرف العطف حتى تكون الجملتان قد اشتركتا أدنى اشتراك فيسهل الفصل، وأما إذا -

стр. 1752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جعلت «ولم أطلب» معطوفا على «فلو أن ما أسعى»؛ فإنك تفصل بجملة أجنبية ليست محمولة على الفعل الأول، فتكون إذ ذاك بمنزلة: أكرمت أهنت زيدا، والعرب لا تتكلم بهذا أصلا (١). انتهى. قال الشيخ: هذا الذي ذكره ابن عصفور من انحصار التشريك بين جملتي التنازع في العطف، وأن يكون الفعل معمولا للأول؛ وأنه لا يقع الإعمال إلا على هذين الوجهين، ليس كما ذكر ألا ترى؛ أنهم جعلوا من التنازع قوله: ١٣٥٨ - لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم (٢) فتنازع «حيّا» الأول، وهو خبر كان، و «حيّا» الثاني، وهو جواب «لو» ولا اشتراك بينهما بحرف عطف، ولا الثاني معمول للأول، وقول الآخر [٢/ ٣٤٢]: ١٣٥٩ - بعكاظ يعشي النّاظري ... ن إذا هم لمحوا شعاعه (٣) تنازع «يعشي» و «لمحوا»، وليس ثم عطف، ولا عمل للفعل الأول في الثاني، وقول الآخر: -

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٦٠ - ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أفاد مالا (١) وكذا قول الآخر: ١٣٦١ - علّموني كيف أبكيهم ... ..... البيت (٢) وقول الآخر: ١٣٦٢ - ألا هل أتاها على نأيها ... ...... البيت (٣) وكذا قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٤). انتهى (٥). وأقول: إن ابن عصفور؛ إنما قال: لابد أن يشترك العاملان وأدنى ذلك بحرف العطف، أو يكون الفعل الثاني معمولا للأول؛ ولا شك أن هذه العبارة تعطي عدم الانحصار، والذي ادعاه ابن عصفور إنما هو أن يشترك العاملان، والاشتراك أعم من أن يكون بعطف وعمل وبغيرهما، وكيف يدعي ابن عصفور الانحصار في هذين الأمرين، وقد ذكر أكثر الأبيات التي رد بها الشيخ عليه شواهد على التنازع في هذا الباب؟! والذي استشهد به الشيخ على ابن عصفور قد حصل الاشتراك فيه كله بين العاملين؛ ففي البيت الأول: أحد المتنازعين في حيز الشرط، والآخر هو جواب الشرط، وفي البيت الثاني: الأول دليل جواب الشرط، والثاني هو الشرط، -

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي البيت الثالث: الفعل الثاني علة للأول، وفي البيت الرابع: ما قيل في البيت الثاني، وفي البيت الخامس الفعل الواحد صلة لسبب الفعل الآخر؛ فالاشتراك بين العاملين حاصل، وذلك هو مقصود ابن عصفور رحمه الله تعالى. ثم قال الشيخ: وذهب بعضهم إلى أن البيت من الإعمال على تقدير أن يكون «لم أطلب» معطوفا على «كفاني»؛ وأنه يصح أن يكون جوابا لـ «لو» لو أفرد دون كفاني، ويكون التقدير: لو سعيت لأدنى معيشة، لم أطلب قليلا من المال؛ لأن قليل المال يمكنني دون طلب (١)، قال: وهذا معنى حسن سائغ يصح معه الإعمال، ثم قال وعلى هذا المعنى يكون أيضا الإعمال جائزا على وجه آخر، وهو أن تكون الواو في «ولم أطلب» واو الحال، ويكون التقدير: لو كان سعيي، لأدنى معيشة كفاني قليل من المال غير طالب له لحصوله عندي (٢). انتهى. وأقول: أما التخريج الأول: فلم أتحققه، ولم أفهم قوله: إنّ لم أطلب يكون جوابا لـ «لو»، لو أفرد دون كفاني، ثم لازم قوله أن يكون ما سعى لأدنى معيشة؛ وأنه يطلب القليل لما عرفت أن المثبت بعد «لو» منفي، والمنفي مثبت. وأما التخريج الثاني: فقد قال ابن خروف: إن الحال فاسدة، ووجه الشيخ جمال الدين بن عمرون فساد الحال؛ بأن قال: إنما كانت فاسدة؛ لأنها تكون مقيّدة للكفاية؛ لأن المعمول يقيد العامل، يعني أن «لم أطلب» حينئذ يكون حالا من فاعل كفاني أو من مفعوله، والعامل [٢/ ٣٤٣] في الحال، هو العامل في صاحب الحال؛ فيكون كفاني عاملا في لم أطلب مقيدا للكفاية، قال ابن عمرون: ولا يلزم من انتفاء المقيد انتفاء المطلق، فلا يعطي حينئذ مراد الشاعر من حيث يصير المعنى: أنه لو سعى لأدنى معيشة لكفاه القليل مقيدا بعدم الطلب، وليس مراده؛ بل مراده أنه لو سعى لأدنى معيشة لكفاه القليل، سواء أطلبه أم ترك طلبه، قال ابن عمرون: وهذا يحتمل أن يكون سر قول سيبويه: لو نصب لفسد المعنى (٣). قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى (٤): فإن قيل: فلم ذكر أبو علي -

стр. 1755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمبرد هذا البيت في باب التنازع؟ فالجواب: ما ذكره المازني رحمه الله تعالى وهو: أنه لو لم يكن إعمال الأول جائزا، لما وضع هذا في هذا الموضع، بيان هذا الكلام يعني: أنك إذا أعملت الأول في باب التنازع، تكون قد فصلت بين الأول ومعموله بجملة كما فصلت هنا بين «كفاني» وبين «قليل» الذي هو معمول بـ «لم أطلب»، وهو جملة حملا على باب التنازع، وقال ابن عصفور: فإن قيل: فكيف جابه الفارسي على الإعمال؟ فالجواب: أنه أراد بقوله: من الإعمال؛ أنه يشبه الإعمال؛ لتداخل الجملتين بالعطف، ونظير هذا ما أنشده في التذكرة على أنه من شبه الإعمال: ١٣٦٣ - وإنّي وإن صدّت لمثن وقائل ... عليها بما كانت إلينا أزالّت فما أنا بالدّاعي لعزّة بالرّدى ... ولا شامت إن نعل عزّة زلّت (١) لأنه لما عطف فعل بين العامل ومعموله؛ وذلك أن معمول «مثن» إنما هو «عليها» وقد فصل بينهما بقوله: «وقائل» ومعمول «قائل» إنما هو: فما أنا بالدّاعي لعزّة بالرّدى وفصل بينهما بمعمول «مثن»؛ فإذا قد جعل هذا بشبه الإعمال لتداخل الجملتين بالعطف حتى يسوغ ذلك الفصل، فكذلك يكون مذهبه في بيت امرئ القيس. هذا كلامه في شرح الجمل (٢)، إلا أنه قال بعد ذلك: فإن قيل: إذا لم يكن من الإعمال، فكيف أجزتم الفصل بجملة أجنبية؟ فالجواب: أنها غير أجنبية، لأنا إنما جعلنا معمول «لم أطلب» «الملك»، وإذا كان كذلك كانت مشتركة؛ لأنها في معنى «كفاني القليل»، ألا ترى أن «لم أطلب الملك» يكون جوابا لـ «لو» وما ذاك إلا لأن المعنى واحد (٣). انتهى. وظاهر قوله في الجواب: إن «لم أطلب الملك» يكون جوابا لـ «لو»، لأن «لم أطلب الملك» في معنى كفاني القليل، يقتضي أن طلبه للملك منتف، كما أن كفاية القليل منتفية أيضا، وليس كذلك؛ لأن طلبه للملك ثابت لوقوعه منفيّا في -

стр. 1756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جواب «لو» وإذا كان كذلك، فكيف يكون معنى الجملتين واحدا؟! (١). الثاني (٢): أن المصنف وابن عصفور، وأكثر المصنفين، أطلقوا القول في المتنازع فيه، فلم يقيدوه بشيء، وقيد ابن الحاجب بأن يكون اسما ظاهرا (٣)؛ وعلل ذلك بأن العاملين إذا وجها لمضمر استويا في صحة الإضمار فيهما؛ لأنهما إن كانا لمتكلم قلت: ضربت وأكرمت ونحوه، وإن كانا لمخاطب قلت: ضربك وأكرمك ونحوه، وإن كانا لغائب قلت: زيد ضرب وأكرم؛ فلم يتنازعا شيئا؛ لأن كل واحد منهما يجب له مثل ما يجب للآخر، ثم قال: فإن قلت فما تصنع بمثل ما ضرب وأكرم إلا أنت أو إلا أنا أو إلا هو، ونحوه؛ فإنهما فعلان وجها إلى مضمر تنازعاه؛ لأنه يصلح أن يكون لكل واحد منهما كالظاهر، قلت: قد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو غلط؛ لأنه لو كان من هذا الباب لوجب أن يكون في أحدهما المضمر؛ لأنه فاعله، فيقال: ما ضربت وأكرم إلا أنا، وما ضرب وأكرمت إلا أنت، وعند ذلك يفسد المعنى؛ وإنما هذا كلام محمول على الحذف، وتقديره: ما ضرب إلا أنت، وما أكرم إلا أنت؛ فحذف ذلك من أحدهما تخفيفا (٤). انتهى. والحق ما قاله ابن الحاجب، فليكن كون المتنازع فيه ظاهر شرطا منضمّا إلى الشروط التي ذكرها المصنف. الأمر الثالث: لا فرق في العاملين بين أن يكونا متعديين أو لازمين يتعديان بالحرف، أو أحدهما متعديا، والآخر لازما، وعليه قوله (٥): ١٣٦٤ - إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنحّل فاستاكت به عود إسحل (٦) -

стр. 1757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتنازع في البيت «تنحل»، وهو متعدّ و «استاكت» وهو لازم. الأمر الرابع: لم أتحقق المقتضي لإخراج المصنف، نحو: ١٣٦٥ - وهل يرجع التّسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي ..... البيت (١) من باب التنازع؛ فإن كان من أجل أن العطف ليس بحرف جامع مشرك، كما يعطيه ظاهر قوله: فلو كان العطف بأو، أو نحوها، مما لا يجمع بين الشيئين، ولم يجز أن يشرك العاملان في العمل، فليس بظاهر؛ لأن مبنى الباب على أن كل عامل من العاملين يطلب معمولا، وليس معنا إلا واحد، ولا نظر إلى كون العاطف يجمع بين الشيئين، أو لا يجمع؛ وإن كان من أجل أنه لو كان من هذا الباب، لكان أحد العاملين بناء سهل الخطيب؛ لأننا ندعي أنه من هذا الباب، ونعتذر عن عدم التاء في أحد الفعلين بما سنذكره، وإذا تم هذا فلا معول حينئذ على قوله: فلو كان العطف بأو أو نحوها، مما لا يجمع بين الشيئين، لم يجز أن يشترك العاملان في العمل، إذ قد تبين أن ذلك لا أثر له، وقد أنشد ابن عصفور هذا البيت على إنه من الإعمال؛ وأنه قد يستدل به للكسائي في جواز حذف الفاعل، كما استدل له [٢/ ٣٤٤] بغير ذلك، وأنشد البيت الذي أوله: ١٣٦٦ - لو كان حيّا قبلهنّ (٢) والبيت الذي أوله: ١٣٦٧ - تعفّق بالأرطى ... ..... البيت (٣) ثم أجاب عن الجميع؛ بأن الضمير يكون عائدا على الجمع، أو التثنية بلفظ المفرد، فاستتر كما استتر في حال الإفراد (٤)، ثم إن المصنف جعل ما ورد في -

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحديث الشريف: «إنّ الله لعن، أو غضب على سبط من بني إسرائيل» (١) من المتنازع كما سيأتي مع أن العطف فيه بأو. الأمر الخامس: تقدم إنشاد المصنف (٢) قول الشاعر: ١٣٦٨ - وإنّي وإن صدّت لمثن وصادق ... عليها بما كانت إلينا أزلّت (٣) وأنه جعله من الإعمال حيث قال: ومن إعمال الأول، والعاملان اسمان قول الشاعر، وأنشد البيت المذكور، والكلام معه في هذا البيت من وجهين: أحدهما: أن العامل الأول الذي هو «مثن» طالب للضمير المجرور بـ «على» متسلط عليه، ولم يكن العامل الآخر الذي هو «صادق» متسلطا عليه؛ لأنه لا يطلبه؛ لأن مطلوبه شيء آخر، التقدير: وصادق فيما أذكره، وإذا كان كذلك؛ فلا تنازع في البيت حينئذ. الثاني (٤): أن ابن عصفور أنشد البيت المذكور «لمثن وقائل»، وجعل معمول «قائل»: «فما أنا بالداعي لعزة بالردى». ولكن الرواية لا تدفع برواية، والمصنف معتمد على قوله ونقله وروايته؛ لأنه الإمام الذي لا يدافع، والمتبوع الذي لا يمانع، والذي يظهر أن رواية «وصادق» مرجحة من حيث المعنى على رواية «وقائل»؛ لأن مراد الشاعر أن يخبر عن صدقه فيما يورد من الثناء على هذه المرأة، ثم أخبر عن نفسه بعد ذلك، بأنه غير داع عليها بالردى، ولا شامت بها إن زلت فعلها يعني بذلك أن هذا وظيفته أبدا وشأنه، وليس يريد أن يخبر أنه يقول ذلك؛ لأنه لا يلزم من قوله ذلك أن يكون متصفا به، ولكن ليس هذا البيت من التنازع في شيء. الأمر السادس: قد تقدم ذكر مذهب الفراء في نحو: قام وقعد زيد، وقول المصنف فيه: إنه غير مستبعد، وقوله: إنه نظير زيد وعمرو منطلقا، على مذهب سيبويه؛ فإن المبتدأ عنده هو العامل في الخبر، وقوله: فيلزمه أن يكون «منطلقا» -

стр. 1759

[خلاف البصريين والكوفيين في العامل] قال ابن مالك: (والأحقّ [٢/ ٣٤٥] بالعمل الأقرب لا الأسبق خلافا للكوفيّين). ــ مرفوعا بالمعطوف والمعطوف عليه (١)، وهذا الكلام من المصنف غير مرض؛ فإن المبتدأ الطالب وقوع «منطلقان» خبرا عنه؛ إنما هو «زيد وعمرو» معا، ولا استقلال لأحد الاسمين بالابتدائية دون الآخر، وإذا كان كذلك فلم يتعدد العامل في الخبر؛ إنما العامل واحد، ويكفي دليلا على ما قلناه مع وضوحه، قول المصنف: لأنهما يقتضيانه معا؛ لأنه أبان أن أحدهما بمفرده لا يقتضي الخبر المذكور (٢). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): مذهب البصريين ترجيح إعمال الثاني على إعمال الأول، ومذهب الكوفيين العكس، وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح؛ لأن إعمال الثاني أكثر في الكلام من إعمال الأول، وموافقة الأكثر أولى من موافقة الأقل، ومما يبين لك أن إعمال الأول قليل، قول سيبويه: ولو لم تجعل الكلام على الآخر لقلت: ضربت وضربوني قومك؛ وإنما كلامهم ضربت وضربني قومك (٤). وهذا حكاية عن العرب بالحصر بإنما، وظاهره أنهم يلتزمون ذلك دون إجازة غيره، لكنه قال في الباب بعد هذه العبارة بأسطار: وقد يجوز ضربت وضربني زيدا؛ لأن بعضهم قد يقول: متى رأيت أو قلت: زيدا منطلقا، والوجه: متى رأيت أو قلت: زيد منطلق (٥)؛ فدل نقل سيبويه مجردا عن الرأي على أن إعمال الثاني هو الكثير في كلام العرب، وأن إعمال الأول قليل، ومع قلته لا يكاد يوجد في غير الشعر، بخلاف إعمال الثاني؛ فإنه كثير الاستعمال في النثر والنظم، وقد تضمنه القرآن المجيد في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ (٦)، وقوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٧)، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا * (٨)، وقوله تعالى: تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ -

стр. 1760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ (١)، وقوله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (٢)، وقوله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٣)، فهذا كله من إعمال الثاني، ولو كان من إعمال الأول؛ لقيل: قل الله يفتيكم فيها في الكلالة، وآتوني أفرغه عليه قطرا، والذين كفروا وكذبوا بها بآياتنا، وتعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله، وهاؤم اقرؤوه كتابيه؛ وأنهم ظنوه كما ظننتموه أن لن يبعث الله أحدا؛ لأن المعمول مقدر الاتصال بعامله؛ فيلزم من ذلك تقدير تقديمه على العامل الثاني، ولو كان في اللفظ كذلك، لاتصل به ضمير المعمول على الأجود، نحو: آتوني أفرغه عليه، فإذا نوي ذلك كان إبراز الضمير أولى؛ لأن الحاجة إليه أدعى، وفي الحديث: «إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم» (٤)، وهذا من أفصح الكلام، وقد أعمل فيه الثاني، ولو عمل فيه الأول لقيل: إن الله لعن أو غضب عليهم سبطا، ومما يدل على ترجيح إعمال الأقرب إذا كان ثانيا التزام إعماله، إذا كان ثالثا، أو فوق ذلك بالاستقراء، ولا يوجد إعمال غيره، ومن أجازه فمستنده الرأي، ومنه اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على آل إبراهيم (٥)، ولو أعمل الأول لقيل: كما صليت ورحمتهم وباركت عليهم على آل إبراهيم، ومثله قول الشاعر: ١٣٦٩ - جئ ثمّ حالف وثق بالقوم إنّهم ... لمن أجاروا ذرى عزّ بلا هون (٦) -

стр. 1761

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي لزوم إعمال الأقرب إذا كان ثالثا دلالة بالغة على رجحان إعماله إذا كان ثانيا، ومما يدل [٢/ ٣٤٦] على رجحان إعمال الثاني أنه مخلص من ثلاثة أشياء منفرة يستلزمها إعمال الأول: أحدها: كثرة الضمائر كما رأيت في مسألة «كما صليت، ورحمتهم، وباركت عليهم». الثاني: توالي حروف الجر، نحو: تنبّئت كما تنبّئت عنه به عن زيد بخير. الثالث: الفصل بين العامل، والمعمول، والعطف على العامل قبل ذكر معموله، ومما يدل على رجحان إعمال الثاني؛ أنه موافق لما تؤثره العرب من التعليق بالأقرب والحمل عليه؛ وإن لزم من ذلك تفضيل زائد على غير زائد، نحو: خشنت بصدره وصدر زيد، ففضلوا إجراء المعطوف حملا على الباء لقربها؛ وإن كانت زائدة على نصبه حملا على عمل «خشنت» لبعده؛ وإن لم يكن زائدا، ومما يدل على رجحان إعمال الثاني؛ أن فيه تخلصا من الإعلال بحق ذي حق؛ وذلك أن لكل واحد من العاملين قسطا من عناية المتكلم، فإذا قدم أحدهما، وأعمل الآخر عدل بينهما؛ لأن التقديم اعتناء، والإعمال اعتناء، وإذا أعمل المتقدم لم يبق للمؤخر قسط من العناية، فكان المخلص من ذلك راجحا (١)، ورجح بعض الناس إعمال السابق بثلاثة أشياء (٢): أحدها: أن ترجيحه موافق لما أجمعت العرب عليه من مراعاة السابق في قولهم: ثلاث من البط ذكور، وثلاثة ذكور من البط، فآثروا مقتضى البط لسبقه، فأسقطوا التاء، وأثروا مقتضى الذكور لسبقه فأثبتوا التاء (٣). الثاني: أن إعمال السابق مخلص من تقديم ضمير على مفسر مؤخر لفظا ونية في، نحو: ضربوني، وضربت قومك. الثالث: أن إعمال السابق موافق لما أجمع عليه في اجتماع القسم والشرط، فإن جواب السابق منهما مغن عن جواب الثاني، فليكن عمل السابق من المتنازعين مغنيا عن عمل الثاني (٤). -

стр. 1762

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والجواب عن الأول: أن يقال: لم يعتبر في ترجيح ثاني المتنازعين كونه ثانيا؛ بل كونه قريبا من محل التأثير، ومسألة العدد المذكورة معتبر فيها أيضا القرب، واتفق مع القرب سبق فلا أثر له، ولا يلزم من مراعاة سابق قريب، مراعاة سابق بعيد. وعن الثاني: بأن تقديم الضمير، إذا كان على شريطة التفسير مجمع على جوازه في باب «نعم»، كقول الشاعر (١): ١٣٧٠ - نعم امرأ هرم لم تعر نائبة ... إلّا وكان لمرتاع بها وزرا (٢) وفي باب «ربّ»، كقول الآخر: ١٣٧١ - واه رأيت وشيكا صدع أعظمه ... وربّه عطبا انقذت من عطبه (٣) وفي باب البدل، كقول بعض العرب: اللهم صلّ عليه الرؤوف الرحيم، وفي باب الابتداء، وأبواب نواسخه، نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ (٤)، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ (٥)؛ فلجوازه في باب التنازع أسوة بتلك المواضع قياسا، لو لم يثبت به سماع، فكيف وقد سمع في الكلام الفصيح، كقول الشاعر: -

стр. 1763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٧٢ - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنّني ... لغير جميل من خليليّ مهمل (١) [٢/ ٣٤٧] وكقوله: ١٣٧٣ - هوينني وهويت الخرّد العربا ... أزمان كنت منوطا بي هوى وصبا (٢) ومثله: ١٣٧٤ - خالفاني ولم أخالف خليليّ ... فلا خير في خلاف الخليل (٣) والجواب عن الثالث: أن يقال: كان مقتضى الدليل أن يستغنى بجواب المتأخر منهما لقربه من محل الجواب، إلا أن المتأخر منهما إذا كان هو القسم كان مؤكدا للشرط غير مقصود لنفسه، بدلالة عدم نقصان الفائدة بتقدير حذفه، وإذا كان مؤكدا غير مقصود لنفسه؛ فلا اعتداد به ولا صلاحية فيه لجعله ذا جواب منطوق به، بخلاف المؤكد؛ فإنه مقصود لنفسه؛ ولذلك لا تتم الفائدة بتقدير حذفه، فأغنى عن ما هو من تمام معناه، فلما وجب هذا الاعتبار - أعني جعل الجواب للأول فيما إذا تأخر القسم - أجري هذا المجرى ما أخر فيه الشرط، ليسلك في اجتماعهما سبيل واحدة، لكن الشرط لعدم صلاحيته للسقوط أبدا فضل على القسم بأمرين: -

стр. 1764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: أنهما إذا اجتمعا بعد مبتدأ استغني بجوابه؛ تقدم على القسم، أو تقدم القسم عليه. والثاني: أن الشرط قد يغني جوابه بعد قسم، لا مبتدأ قبله، كقول الشاعر (١): ١٣٧٥ - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا ... أصم في نهار القيظ للشّمس باديا (٢) ولا يستغنى بجواب قسم متأخر أصلا، فقد علم بهذا الفرق بين اجتماع الشرط والقسم، وبين تنازع العاملين، وصح ما اخترناه والحمد لله، هذا آخر كلامه رحمه الله تعالى (٣)، وهو كلام لطيف مفيد مع سلاسته، وإيجازه؛ ولكنه وعر في الجواب الثالث، ومكلف، ولم يتحصل به المقصود، ومع ذلك والذي يظهر في الجواب التفرقة بين البابين بشيء وهو أن النظر في باب التنازع، إنما هو إلى العمل، ولا شك أن الأصل أن بنى المعمول عامله ولا يفصل بينهما، فمن ثم رجح عمل المتأخر على المتقدم. وأما اجتماع الشرط والقسم، فبالنظر فيه إلى الحذف والمحذوف، لابد له من دليل يدل عليه، والجواب الذي يذكر بعد الشرط والقسم، دليل على ما لم يذكر، والأولى في الدال أن يكون متقدما على المدلول؛ فمن ثم تعين أن يكون الجواب المذكور لما تقدم من شرط أو قسم ويكون المحذوف جوابا للمتأخر. وقد ذكر ابن عصفور الاستدلال على مذهب الكوفيين فقال: الاختيار عند أهل الكوفة إعمال الأول؛ محتجين لصحة مذهبهم بأن المتقدم أولى بالإعمال، ثم قال: ومما يقوي مذهبهم أن يقولوا: قد وجدنا من كلام العرب أنه متى اجتمع طالبان، وتأخر عنهما مطلوب، وكل واحد منهما يطلبه من جهة المعنى؛ كان التأثير للمتقدم منهما دليل ذلك القسم والشرط إذا [٢/ ٣٤٨] اجتمعا؛ فإن العرب تبني الجواب على الأول منهما وتحذف جواب الثاني؛ لدلالة جواب الأول عليه، تقول: -

стр. 1765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن قام زيد والله يقم عمرو، وو الله إن قام زيد ليقومن عمرو، فكذلك ينبغي أن يكون الاختيار إعمال الأول، ثم أجاب عن ذلك، بأن قولهم: إذا اجتمع طالبان، وتأخر عنهما مطلوب؛ فإن العرب تجعل المطلوب للمتقدم منهما، غير مسلم على الإطلاق؛ بل لا يخلو أن يكونا عاملين، أو غير عاملين؛ فإن كانا غير عاملين، أو كان أحدهما عاملا دون الآخر؛ فربما كان الأمر على ما ذكروا، وأما إذا اجتمع عاملان؛ فإن المعمول للمتأخر منهما، نحو: إن لم يقم زيد قام عمرو، فـ «يقوم» قد تقدمه عاملان، وهما «إن ولم»، والذي يعمل فيه منهما هو المتأخر، وهو «لم» بدليل أن أداة الشرط، إذا جزمت فعل الشرط؛ فإنه يقبح استعمال الجواب غير مجزوم في اللفظ؛ بل لا يوجد ذلك إلا في ضرورة شعر، كقوله: ١٣٧٦ - من يكدني بسيّئ كنت منه ... ...... البيت (١) انتهى (٢). ولا يخفى على من له أدنى نظر أن العاملين في: إن لم يقم زيد، لم يجتمعا؛ لأن المراد باجتماع العاملين اجتماعهما على معمول واحد، لا اجتماع مجاورة ولا شك أن الطالب للفعل الذي هو يقوم إنما هو لم خاصة، وأما «إن» فمطلوبها «لم يقم» (خاصة) (٣)، ولم تكن طالبة لـ «يقم»؛ لأنها لو كانت طالبة له فسد المعنى المراد؛ لأن قيام عمرو إنما رتب على نفي قيام زيد لا على قيامه، وأين هذا الجواب من جواب المصنف؟ ومما استدل به ابن عصفور لمذهب البصريين، أن قال: إذا كانت العرب قد لحظت المجاورة مع فساد المعنى في مثل قولهم: هذا جحر ضب خرب، فبالأحرى أن يلحظوا المجاورة مع صلاح المعنى، قال: وأما ما يؤدي إليه إعمال الثاني في بعض المسائل من -

стр. 1766

[حكم ضمير المتنازع فيه من الإظهار أو الحذف] قال ابن مالك: (ويعمل الملغى في ضمير المتنازع مطابقا له غالبا فإن أدّت مطابقته [٢/ ٣٤٩] إلى تخالف خبر ومخبر عنه فالإظهار، ويجوز حذف الضّمير غير المرفوع ما لم يمنع مانع ولا يلزم حذفه أو تأخيره معمولا للأوّل خلافا لأكثرهم بل حذفه إن لم يمنع مانع أولى من إبقائه متقدّما ولا يحتاج غالبا إلى تأخيره إلّا في باب ظنّ وإن ألغي الأوّل رافعا صحّ دون اشتراط تأخير الضّمير خلافا للفرّاء ولا حذفه خلافا للكسائي). ــ الإضمار قبل الذكر، ففي مقابلته ما يؤدي إليه إعمال الأول من الفصل بين العامل والمعمول بجملة أجنبية في جميع المسائل، وذلك لا يجوز في باب من الأبواب، إلا في هذا الباب؛ لتداخل الجملتين واشتراكهما، فما يؤدي في بعض المسائل إلى تجوز في قليل من كلام العرب، أولى مما يؤدي في جميع المسائل، إلى ما لا يجوز في باب من الأبواب إلا في هذا الباب خاصة، ثم أنشد على إعمال الأول: ١٣٧٧ - ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أفاد مالا (١) وقول الآخر: ١٣٧٨ - قطوف فما يلقاه إلّا كأنّما ... زوى وجهه أن لاكه فوه حنظل (٢) فأعمل «زوى» في «حنظل» وأضمر المفعول في «لاكه» (٣). قال ناظر الجيش: هذا شروع في بيان كيفية الإعمال على تقدير إعمال الأسبق، أو الأقرب، وقد ذكر المصنف ذلك في متن الكتاب على وجه فيه قلق، والجماعة غيره ذكروه على وجه سهل يقرب ضبطه للمحصل؛ فأنا أذكر أولا ما ذكره الجماعة، ثم أشير إلى ما ذكره المصنف ففي كلّ خير. والذي ذكره الجماعة أن قالوا: لا يخلو أن تعمل الأول أو الثاني؛ فإن أعملت الأول أضمرت في الثاني جميع ما يحتاج إليه من مرفوع، أو منصوب، أو مخفوض، -

стр. 1767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يجوز حذف المعمول إذا لم يكن مرفوعا في ضرورة كقوله: ١٣٧٩ - بعكاظ يعشي النّاظري ... ن إذا هم لمحوا شعاعه (١) فـ «شعاعه» فاعل «يعشي»، ومفعول «لمحوا» محذوف، تقديره: إذا هم لمحوه، ولو أعملت الثاني؛ فلا يخلو الأول من أن يحتاج إلى مرفوع، أو منصوب، أو مخفوض. فإن احتاج إلى غير مرفوع، فلا يخلو أن يكون مما يجوز حذفه اقتصارا، أو لا يكون؛ فإن كان مما يجوز حذفه حذفته؛ وذلك نحو: ضربت وضربني زيد، ولا يجوز إضماره قبل الذكر، فنقول: ضربته وضربني زيد إلا في ضرورة شعر؛ وذلك نحو قول الشاعر: ١٣٨٠ - علّموني كيف أبكيهم إذا خفّ القطين (٢) فأعمل في «القطين» «خف» وأضمر لـ «أبكي» مفعوله قبل الذكر، وقد كان يجوز له حذفه، وكذلك قول الآخر: ١٣٨١ - ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد (٣) فأضمر لـ «أتى» مفعولا قبل الذكر؛ وإن كان المنصوب لا يجوز حذفه اقتصارا؛ وذلك كأحد مفعولي ظننت وبابه؛ ففيه للنحويين ثلاثة مذاهب: منهم؛ من قال: أضمره قبل الذكر. ومنهم؛ من قال: أؤخره وأفرق بينه، وبين الفاعل في ذلك؛ فإن الفاعل إذا أضمر كان مع الفعل كالشيء الواحد؛ ولذلك يسكن له آخر الفعل، فلم يجز تأخيره لذلك؛ لئلا يفصل بينه وبين ما يعمل فيه بجملة أجنبية، وهو العامل الثاني، وأما المفعول فجاز تأخيره؛ لأنه مع الفعل ليس كالشيء الواحد. ومنهم؛ من ذهب إلى أنه يحذف؛ إذ الحذف في هذا الباب، إنما هو حذف اختصار لا حذف اقتصار [٢/ ٣٥٠]؛ لأنه حذف لفهم المعنى، وحذف الاختصار في باب ظننت جائز (٤)، قال ابن عصفور: وهذا أصح المذاهب؛ إذ الإضمار قبل الذكر، والفصل بين العامل والمعمول لم تدع إليهما ضرورة، وذلك نحو: ظنني وظننت زيدا قائما، وتقول -

стр. 1768

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على المذهب الأول: ظننته وظننت زيدا قائما، وعلى المذهب الثاني: ظنني وظننت زيدا قائما إياه؛ فإن احتاج الأول إلى مرفوع، ففي المسألة أيضا، ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه: الإضمار قبل الذكر، ومذهب الكسائي: حذفه فاعلا كان أو مشبها بالفاعل، ومذهب الفراء: أن كل مسألة يؤدي فيها إعمال الثاني إلى الإضمار قبل الذكر على مذهب البصريين، أو إلى حذف الفاعل على مذهب الكسائي؛ أنها لا تجوز بأن ذلك لا يوجد في كلام العرب، فأما ما وجد من كلامهم من مثل: قام وقعد زيد، فإن زيدا يرتفع بالفعلين معا، فلا يجوز عنده إعمال الثاني مع احتياج الأول إلى مرفوع، إلا أن يتساوى العاملان في عمل الرفع، فيكون الاسم مرفوعا بهما. قال ابن عصفور: وهذا فاسد؛ لأنه تقرر أن كل عامل يحدث إعرابا، وعلى مذهبه يكون العاملان لا يحدثان إلّا إعرابا واحدا، وأيضا فالسماع يرد عليه، قال الشاعر: ١٣٨٢ - وكمتا مدمّاة كأنّ متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (١) فإنه روي بنصب «لون»، فأعمل الثاني وهو «استشعرت» مع احتياج الأول وهو «جرى» إلى مرفوع، وليس العاملان متفقين في العمل، فتعملهما في «لون»، فلم يبق إلا مذهب سيبويه، أو مذهب الكسائي (٢). انتهى. ثم ذكروا مذهب الكسائي في حذف الفاعل، واستدلاله بما هو معروف مشهور، وذكروا الجواب عنه (٣)، كما سنذكر ذلك بعد إن شاء الله تعالى. -

стр. 1769

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما المصنف فإنه قال (١): تناول قولي: ويعمل الملغى في ضمير المتنازع؛ أن يكون أولا؛ وأن يكون ثانيا؛ وأن يكون الضمير مرفوعا، ومنصوبا، ومجرورا، فمثال ذلك في إلغاء الأول والضمير مرفوع: قول الشاعر: ١٣٨٣ - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنّني ... لغير جميل من خليليّ مهمل (٢) ومثال ذلك والضمير منصوب: قول الشاعر: ١٣٨٤ - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب ... جهارا فكن في الغيب أحفظ للعهد وألغ أحاديث الوشاة فقلّما ... يحاول واش غير تغيير ذي ودّ (٣) ومثال ذلك والضمير مجرور: قول الشاعر: ١٣٨٥ - وثقت بها وأخلفت أمّ جندب ... فزاد غرام القلب إخلافها الوعدا (٤) [٢/ ٣٥١] ومثال ذلك في إلغاء الثاني والضمير مرفوع: قول الشاعر: ١٣٨٦ - أساء ولم يجزه عامر ... فعاد بحلمي له محسنا (٥) ومثال ذلك والضمير مجرور: قول الشاعر: ١٣٨٧ - إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنحّل فاستاكت به عود إسحل (٦) -

стр. 1770

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن المحتمل لإعمال الأول والثاني: قول الشاعر (١): ١٣٨٨ - على مثل أهبان تشقّ جيوبها ... وتعلن بالنّوح النّساء الفواقد (٢) وأكثر النحويين لا يجيزون: ضربته وضربني زيد، ومررت به ولقيني عمرو؛ لاشتماله على تقديم ضمير، هو فضلة على مفسر متأخر لفظا ورتبة؛ وإنما يغتفر ذلك في ضمير مرفوع؛ لكونه عمدة غير صالح للاستغناء عنه. هذا تعليل المبرد، ومن وافقه من البصريين (٣)، وأما الكوفيون فلا فرق عندهم بين الفضلة والعمدة في المنع؛ فلا يجيزون: ضربوني وضربت الزيدين، ولا: ضربته وضربني زيد (٤)، والصحيح جوازهما لثبوت السماع بذلك في الشواهد المتقدمة الذكر، إلا أن تقديم المرفوع أسوغ لكونه غير صالح للحذف، وقل تقديم غيره، وقد تقدم في كتابي هذا بيان ما يدل على صحة ما ذهبت إليه في هذه المسألة؛ فلا حاجة إلى إعادته، وبعض من لا يجيز تقديم الضمير يلتزم تأخيره أو إظهاره إن لم يستغن عنه، نحو: ظنني وظننت زيد فاضلا إياه، أو ظنني فاضلا وظننت زيد إياه، أو ظنني فاضلا وظننت زيدا إياه، ومثال ما يؤدي فيه مطابقة الضمير مفسره إلى تخالف (٥) خبر ومخبر عنه، قولك: ظناني منطلقا، وظننت الزيدين منطلقين؛ فإذا قلت كذا بإظهار ثاني (مفعولي) (٦) «ظناني» خلصت من أمرين ممتنعين؛ وذلك إذا أضمرت، فإما أن تراعي جانب المفسر فتثنّي، فتكون قد أخبرت بمثنى عن مفرد، وإما أن تراعي جانب المخبر عنه، وهو ياء «ظناني» فتفرد فتكون قد أعدت ضمير واحد إلى مثنى، وكلاهما ممتنع فتعين الإظهار -

стр. 1771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لتخلصه من ممتنع، ووافق الكوفيون على جواز الإظهار، وأجازوا أيضا الإضمار مراعى به جانب المخبر عنه، كقولك: ظننت وظناني الزيدين قائمين إياه؛ لأن المثنى لما فيه من الجمع يتضمن الواحد؛ فعود ضميره إلى ما تضمنه جائز، وأجازوا أيضا الحذف، كقولك: ظننت وظناني الزيدين قائمين تريد: ظننت وظناني قائما الزيدين قائمين، فحذفت ثاني مفعولي ظناني، لدلالة ثاني مفعولي ظننت عليه، كما جاز مثل ذلك في باب الابتداء (١). وأشرت بقولي: ويجوز حذف الضمير غير المرفوع (٢)، إلى جواز حذف الهاء ونحوها، من نحو قولك: ضربني وضربته زيد، ومرّ بي ومررت به زيد، فيقال: ضربني وضربت زيد [٢/ ٣٥٢] ومرّ بي ومررت به زيد، كما قال: ١٣٨٩ - يرنو إليّ وأرنو من أصادقه ... في النّائبات فأرضيه ويرضيني (٣) وأشرت بقولي: ما لم يمنع مانع؛ إلى مثل: مال عني وملت إليه زيد؛ فإن حذف الضمير منه غير جائز؛ لإيهامه أن يكون المراد: مال عني وملت عنه زيد، ومثل ذلك قول الشاعر: ١٣٩٠ - مال عنّي تيها وملت إليه ... مستعينا عمرو فكان معينا (٤) وحذف الضمير غير المرفوع؛ إن تقدم أحسن من بقائه، ما لم يكن عامله من باب ظن، فيظهر أو يؤخر، وكذا إن كان من غير باب ظن، وكان الحذف موقعا في لبس (٥)، ومثال ذلك والفعل من باب ظن: حسبتني وحسبت عمرا كريما إياه، ومثله والفعل من غير باب ظن استعنت واستعان عليّ به زيد، وإلى هذين وأمثالهما، -

стр. 1772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أشرت بقولي: ولا يحتاج غالبا إلى تأخيره إلا في باب ظن، وإلغاء العامل الأول، وهو مقتض للرفع، كقولك: ضربوني وضربت قومك، فهذا الاستعمال جائز في مذهب البصريين ممتنع في مذهب الكوفيين وتصحيحه عند الفراء بتأخر الضمير منفصلا، كقولك: ضربني وضربت قومك هم (١)، وتصحيحه عند الكسائي بالحذف، كقولك: ضربني وضربت قومك، وربما استدل بقول الشاعر: ١٣٩١ - تعفّق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذّت نبلهم وكليب (٢) ولا دلالة فيه لإمكان جعله من باب إفراد ضمير الجماعة مؤوّلة بمفرد اللفظ مجموع المعنى (٣)، قال سيبويه: فإن قلت: ضربني وضربت قومك، فجائز وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد، كما تقول هو أجمل الفتيان، وأحسنه وأكرم بنيه وأنبله ثم قال: كأنك قلت: ضربني من ثمّ، وضربت قومك (٤)، هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى، وفيه من المخالفة لكلام الجماعة، والزيادة على ما ذكروه ما أشير إليه. فالأول: أنك إذا أعملت الثاني، وكان العامل الأول من غير باب ظن، وطلب المعمول منصوبا، أو مجرورا؛ فإن الجماعة يوجبون الحذف، ولا يثبتون الضمير إلا في الضرورة، والمصنف يجيز ذكره من غير تقييد بضرورة؛ لكنه يعترف بقلة ذلك. والثاني: أنك إذا أعملت الأول، وكان العامل الثاني من غير باب ظن أيضا؛ فإن الجماعة يوجبون ذكر الضمير، ولا يجيزون الحذف إلا في الضرورة، والمصنف يجيز الحذف من غير تقييد بضرورة أيضا، كما في المسألة الأولى؛ ولكنه يعترف بقلة ذلك أيضا (٥)، وإنما أوجب المصنف الذكر، ومنع الحذف في صورة خاصة، وهي: نحو مال عني وملت إليه زيد؛ لأنه لو حذف هاهنا لم يعلم المراد، فكان -

стр. 1773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذكر واجبا [٢/ ٣٥٣] من أجل أنه لو حذف لم يفهم المقصود (١). والثالث: أنهم ذكروا في نحو: ظنني وظننت زيدا قائما؛ ثلاثة أعمال: إضماره متقدما، وإضماره متأخرا، والحذف (٢)، وزاد المصنف رابعا وهو الإظهار (٣)؛ ولكن لما ذكر المصنف الحذف في هذه المسألة جعل ذلك مذهب الكوفيين، والذي يعطيه كلام الجماعة أنه مذهب للبصريين، وهو الظاهر؛ فإن حذف مفعولي باب ظن اختصارا جائز؛ وكذلك حذف أحدهما، والمصنف قد قال في ذلك الباب: ولا يحذفان معا أو أحدهما إلا بدليل، ولا شك في وجود الدال في هذا المثال الذي ذكرناه؛ فكيف يقصر ذلك على مذهب الكوفيين؟. والرابع: أن المصنف ذكر نحو: استعنت واستعان على به زيد، ونبه على أن ذكر الضمير فيها واجب (٤) فهذه المسألة أعملت فيها الثاني، وطلب العامل الأول المعمول غير مرفوع ولم يكن من باب ظن ولم يمتنع حذفه؛ بل وجب ذكره (٥)، وعلى هذا تكون هذه المسألة مستدركة على الجماعة. والخامس: أن الجماعة ذكروا أن الفراء، لا يجيز نحو: ضربني وضربت زيدا، ويقول: إنه ليس من كلام العرب كما تقدم ذكر ذلك، ومنهم من نقل أن الفراء يجيز هذا التركيب؛ ولكنه يوجب إعمال الأول ليتخلص من حذف الفاعل، ومن إضماره قبل الذكر، والمصنف ذكر أن الفراء يصحح المسألة، ويأتي بالضمير المرفوع -

стр. 1774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منفصلا مؤخرا، لكن قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى: لم يرو أحد من العلماء المتقدمين فيما علمت في مثل هذه المسألة عن الفراء، إلا إيجاب إعمال الأول، وروى جمال الدين بن مالك صاحبنا رحمه الله تعالى أن الفراء في مثل هذه المسألة، يجيز إعمال الثاني في الظاهر، ويضمر في الأول، كما يقول سيبويه وأصحابه: إنه إذا أضمر في الأول وجب أن يكون الضمير بارزا بعد الثاني ومعموله؛ فتقول مثلا: ضربني وضربت زيدا هو، وضربني وضربت الزيدين هما، ولم أقف على هذا النقل عن الفراء من غير كلام ابن مالك، وهو الثقة فيما ينقل (١). انتهى. والقول بأن الفراء يوجب إعمال الأول مشكل؛ لأن القول بوجوب عمل أحد العاملين يخرج المسألة من باب التنازع، إلا أن يقول الفراء: شرط التنازع إنما هو صحة عمل كل من العاملين من حيث المعنى، وقد يمنع من عمل أحدهما بعد ذلك مانع لفظي، (فمن أجل ذلك المانع يلتزم عمل أحدهما دون الآخر؛ ولا شك أن للنظر في ذلك مجالا) (٢). ثم نشير هاهنا إلى أمرين: أحدهما: أنه لا يجوز في هذا الباب أن يفصل بين الثاني، ومعموله بمعمول الأول، فعلى هذا لا يقال: ضربت وضربني إياه زيد؛ لأن ذلك يؤدي إلى فصلين، وذلك مستكره عندهم لا يجوز. الثاني: ذكر بعض الفضلاء في مسألة: أظن ويظناني أخا [٢/ ٣٥٤] الزيدين أخوين؛ بحثا فقال: الذي يظهر لي فساد دعوى التنازع في «أخوين»؛ لأن يظناني لا يطلبه؛ لكونه مثنى، والمفعول الأول مفرد (٣). انتهى. -

стр. 1775

[مسائل أربع في باب التنازع ختم بها الباب] قال ابن مالك: (ونحو: ما قام وقعد إلّا زيد؛ محمول على الحذف لا على التّنازع خلافا لبعضهم ويحكم في تنازع أكثر من عاملين بما تقدّم من ترجيح بالقرب أو السّبق وبإعمال الملغى في الضّمير وغير ذلك ولا يمنع التّنازع تعدّ إلى أكثر من واحد ولا كون المتنازعين فعلي تعجّب خلافا لمن منع). ــ ولك أن تمنع أن «يظناني» لا يطلب «أخوين» وتقول: بل يطلبه؛ ولكن لكونه مثنى لا يصح وقوعه مفعولا ثانيا في هذا التركيب؛ لأن المثنى لا يخبر به عن المفرد، والحاصل: أن «يظناني» يطلبه من حيث نه واقع موقع المفعول الثاني الذي يطلبه كل من المفعولين فـ «يظناني» طالب لما وقع هذا الموقع، أما كون ذلك الذي في هذا الموضع مثنى، أو غير مثنى فذاك شيء آخر يجب اعتباره، فيعطي التركيب ما يستحقه. قال ناظر الجيش: هذه مسائل أربع: الأولى: نحو: ما قام وقعد إلا زيد، قال المصنف: وما جاء من نحو: ما قام وقعد إلا زيد؛ فليس من باب التنازع؛ وإنما هو من باب حذف المنفي العام لدلالة القرائن اللفظية عليه، كقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (١)، وكقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (٢)، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها (٣)، وكقول الشاعر: ١٣٩٢ - نجا سالم والنّفس منه بشدقة ... ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا (٤) -

стр. 1776

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن ظاهره أنه أراد: ولم ينج شيء؛ فحذف لدلالة النفي والاستثناء بعده على منفي عام للمستثنى وغيره، ومن هذا القبيل، نحو: ما قام وقعد إلا زيد، على تأويل: ما قام أحد ولا قعد إلا زيد، فحذف «أحد» لفظا، واكتفى بقصده ودلالة النفي والاستثناء عليه، كما كان ذلك في الآيات الشريفة المذكورة، وفاعل «قعد» ضمير «أحد» المقدر؛ ولذلك لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث؛ إن كان ما بعد «إلا» مثنى، أو مجموعا، أو مؤنثا، ولو كان من باب التنازع لزمت مطابقة الضمير في أحد الفعلين (١)، وأيضا لو كان من باب التنازع، لزم في نحو: ما قام وقعد إلا أنا؛ إعادة ضمير غائب على حاضر، ولزم أن يقال على إعمال الثاني: ما قاموا وقعد إلا نحن، وعلى إعمال الأول: ما قام وقعد إلا نحن، وكان يلزم من ذلك إخلاء الفعل من الإيجاب؛ لأن الفعل المنفي؛ إنما يصير موجبا بمقارنة «إلّا» لمعموله لفظا أو معنى، وعلى تقدير التنازع لم تقارن «إلا» معمول الملغي لفظا ولا معنى؛ فيلزم بقاؤه على النفي، والمقصود خلاف ذلك، فلا يصح الحكم بما أفضى إليه، ويتعين الاعتراف بصحة الوجه الآخر لموافقته نظائر لا يشك في صحتها؛ ومن أظهر الشواهد على صحة الاستعمال المشار إليه، قول الشاعر: ١٣٩٣ - ما جاد رأيا ولا أجدى محاولة ... إلّا امرؤ لم يضع دنيا ولا دينا (٢) [٢/ ٣٥٥] ومثله: ١٣٩٤ - ما صاد قلبي وأضناه وتيّمه ... إلّا كواعب من ذهل بن شيبانا (٣) -

стр. 1777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتهى (١). وهذه المسألة تقدم الكلام عليها كما عرفت (٢)، وقد تطابق فيها كلام المصنف وكلام ابن الحاجب على أن مثل هذا التركيب ليس فيه تنازع؛ وأن ذلك محمول الحذف (٣)؛ لكن اختلف كلامهما في تقدير المحذوف كما رأيت، والتقدير الذي يصح معه المعنى ويسلم من الخدش؛ هو الذي قدره ابن الحاجب بلا شك، وهو الذي عول عليه الشيخ، وقد بحث مع المصنف هاهنا بحثا جيدا، فقال بعد ذكر كلامه، وتنظيره بالآيات الشريفة والبيت الذي هو: ١٣٩٥ - نجا سالم ..... البيت (٤) وليست المسألة من باب الآيات الشريفة والبيت؛ لأن المحذوف في الآيتين مبتدأ، والمبتدأ يجوز حذفه، إذا دلّ عليه دليل فالتقدير: وما منا أحد إلّا له مقام معلوم، وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، وأما: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها (٥)، فليست كالآيتين؛ لأن ما بعد «إلا» هو المبتدأ، وهو وارِدُها لكن من حيث المعنى اشتركت الثلاثة في حذف أحد، وأما: ما قام وقعد إلا زيد فمن حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف فقد تباين البابان في المحذوف، وأما: نجا سالم ..... البيت فلم يحذف فيه الفاعل؛ وإنما المحذوف فضلة، والتقدير: ولم ينج بشيء (٦)، ثم ذكر التخريج المعروف في البيت إلى آخره، كما هو مذكور في باب الاستثناء. قال: وإذا سلم أنه حذف الفاعل، وهو «أحد» فإعرب ما بعد «إلّا» يكون على طريق البدل، فإن جعلته بدلا من «أحد» المحذوف؛ فلا تنصب الفعل الثاني على البدل، وإن جعلته بدلا من الضمير العائد على «أحد» المحذوف على ما زعم المصنف؛ فلا تنصب الفعل الأول على البدل، والذي يدل عليه المعنى أن الفعلين ينصبان على البدل، قال: والذي أختاره على تقدير حذف الفاعل أن المحذوف هو -

стр. 1778

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من الفعل؛ وأن التقدير: ما قام إلا زيد ولا قعد إلا زيد فحذف «إلا زيد» لدلالة «إلا زيد» الثاني عليه، وبذلك يصح المعنى (١). المسألة الثانية: أن التنازع قد يقع مع أكثر من عاملين، قال المصنف: وقد تقدمت الإشارة إلى تنازع أكثر من عاملين في ترجمة الباب، وفي الشرح لا في المتن؛ فنبه الآن عليه في هذا المكان، وما ورد منه؛ فإنما ورد بإعمال الآخر، وإلغاء ما قبله، كقول الشاعر (٢): ١٣٩٦ - سئلت فلم تبخل ولم تعط نائلا ... فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد (٣) وكقول الآخر: ١٣٩٧ - جئ ثمّ حالف وثق بالقوم إنّهم ... لمن أجاروا ذرى عزّ بلا هون (٤) وكقول الآخر: ١٣٩٨ - أرجو وأخشى وأدعو الله مبتغيا ... عفوا وعافية في الرّوح والجسد (٥) فهذه الأبيات قد تنازع في كل واحد منها ثلاثة عوامل أعمل آخرها وألغي أولها وثانيها، وعلى هذا استقر الاستعمال، ومن أجاز إعمال غير الثالث فمستنده الرأي؛ إذ لا سماع [٢/ ٣٥٦] في ذلك، وقد أشار إلى هذا أبو الحسن بن خروف في شرح -

стр. 1779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتاب سيبويه (١)، واستقرأت الكلام فوجدت الأمر كما أشار إليه (٢). انتهى. قال الشيخ: وقد سمع إعمال الأول، قال أبو الأسود (٣): ١٣٩٩ - كساك ولم تستكه فاشكرن له ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر (٤) فأعمل الأول، وأضمر في الثاني (والثالث) (٥). المسألة الثالثة: قال المصنف (٦): منع بعض النحويين التنازع في متعدّ إلى اثنين أو ثلاثة بناء على أن العرب لم تستعمله، وما زعمه غير صحيح؛ فإن سيبويه حكى عن العرب: متى رأيت أو قلت: زيدا منطلقا؛ على إعمال «رأيت»، ومتى رأيت وقلت: زيد منطلق (٧)؛ على إعمال «قلت»، أعني بإعمالها: حكاية الجملة بها. انتهى. وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: وأما الأفعال المتعدية إلى ثلاثة فمنع الجرمي، وجماعة معه جواز التنازع فيها، وقالوا: إن باب التنازع خارج عن القياس، فيقتصر فيه على السموع، ولم يسمع عن العرب التنازع في ذوات الثلاثة في نظم، ولا نثر فلا يجوز البتة (٨)، وذهب المازني وجماعة معه إلى جواز ذلك في ذوات الثلاثة، قياسا لما لم يسمع على ما سمع من المتعدي إلى واحد وإلى اثنين (٩) قال: وليس لسيبويه رحمه الله تعالى في ذوات الثلاثة نص، ولا إشارة إلى شيء فمثال ذلك -

стр. 1780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على قول من أجاز إذا أعملت الأول: أعلمني وأعلمته إيّاه إيّاه زيد عمرا قائما، وإذا أعملت الثاني: أعلمني وأعلمت زيدا عمرا قائما إيّاه إياه، هذا على قول من لم يجز الاقتصار على المفعول الأول، وأما من أجاز فيقول إذا أعمل الأول: أعلمني وأعلمته زيد عمرا قائما، وإذا أعمل الثاني: أعلمني وأعلمت زيدا عمرا قائما؛ وكذلك إن قدمت «أعلمت» على «أعلمني» يجوز فيه التفريع على المذهبين، فتقول إذا أعملت الأول على رأي من لا يقتصر: أعلمت وأعلموا إيّاه إيّاه زيدا عمرا قائما، وإذا أعملت الثاني على هذا الرأي قلت: أعلمني وأعلمت زيد عمرا قائما إيّاه إيّاه إيّاه، وتقول في إعمال الأول على رأي من يقتصر: أعلمت وأعلمني زيدا عمرا قائما، وفي إعمال الثاني: أعلمت وأعلمني زيد عمرا قائما إياه (١). المسألة الرابعة: هل يقع التنازع في أفعال التعجب؟!، قال المصنف (٢): ومنع أيضا بعض النحويين تنازع فعلي تعجب (٣)، والصحيح عندي جوازه؛ لكن بشرط إعمال الثاني، كقولك: ما أحسن وأعقل زيدا؛ تنصب «زيدا» بـ «أعقل» لا بـ «أحسن»؛ لأنك لو نصبته بـ «أحسن» فصلت ما لا يجوز فصله، وكذلك تقول: أحسن به وأعقل بزيد، بإعمال الثاني، ولا تعمل الأول، فتقول: أحسن وأعقل به بزيد، فيلزمك فصل ما لا يجوز فصله، ويجوز على أصل مذهب الفراء أن يقال [٢/ ٣٥٧]: أحسن وأعقل بزيد؛ فتكون الباء متعلقة بـ «أحسن وأعقل» معا (٤)، كما يكون -

стр. 1781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنده فاعل قام وقعد زيد مرفوع بالفعلين معا؛ ولا يمتنع على مذهب البصريين أن يقال: أحسن وأعقل بزيد، على أن يكون الأصل: أحسن به وأعقل بزيد، ثم حذفت الباء لدلالة الثانية عليها، ثم اتصل الضمير واستتر، كما استتر في الثاني من قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ (١)؛ فإن الثاني يستدل به على الأول، كما يستدل بالأول على الثاني، إلا أن الاستدلال بالأول على الثاني أكثر من العكس (٢). انتهى (٣). قال الشيخ: مذهب سيبويه منع التنازع بين فعلي التعجب (٤)، ومذهب المبرد (٥)، الجواز (٦)، ثم إنه ناقش المصنف في كونه أجاز التنازع مع إيجابه، إعمال الثاني، فقال: هذا - يعني إيجاب العمل للثاني - ليس من باب الإعمال؛ لأن شرط الإعمال جواز إعمال أيهما شئت (٧). انتهى. واعلم أن البحث الذي تقدم عند ذكر مذهب الفراء في نحو: قام وقعد زيد يعاد هنا، فيقال: المراد من تنازع العاملين صحة تسلط كل منهما من حيث المعنى على ذلك المعمول، ثم إنه قد يعرض مانع لفظي يمنع من عمل أحدهما، فيتعين إعمال الآخر، كما في مسألة: ما أحسن وأعقل زيدا؛ فإن كلّا منهما طالب لـ «زيد» من حيث المعنى؛ ولكن يمنع من إعمال الأول ما يلزم من الفصل بين فعل التعجب ومعموله، وعلى هذا يستقيم كلام المصنف، وقد ختم الشيخ هذا الباب بذكر أشياء تركت إيرادها خشية الإطالة (٨)، على أن من استحضر القواعد النحوية، لا يكاد تخفى عليه الأحكام فيما أشار إليه. * * *

стр. 1782

الباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه [تعريف المصدر - وأسماؤه وأصالته] قال ابن مالك: (المصدر اسم دالّ بالأصالة على معنى قائم بفاعل، أو صادر عنه، حقيقة أو مجازا، أو واقع على مفعول، وقد يسمّى فعلا وحدثا وحدثانا، وهو أصل الفعل لا فرعه خلافا للكوفيّين، وكذا الصّفة خلافا لبعض أصحابنا). قال ناظر الجيش: لم يذكر المصنف حد المفعول المطلق، مع أن هذا الباب إنما هو معقود له، بل عدل إلى ذكر حد المصدر الذي إذا نصب بما سنذكره كان مفعولا مطلقا، ولا شك أن المفعول المطلق أخص من المصدر، ولا يلزم من تعريف الأعم تعريف الأخص (١). وأصح حدود المفعول المطلق ما ذكره ابن الحاجب رحمه الله تعالى، فقال: «هو اسم ما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه» (٢) فاحترز بقوله: اسم ما فعله فاعل، عن اسم ما لم يفعله فاعل، وهو ظاهر، وبقوله: مذكور من نحو: أعجبني القيام، فإن القيام اسم ما فعله فاعل، ولكنه ليس فاعلا لفعل مذكور، وبقوله: بمعناه من نحو: كرهت قيامي، فإنه اسم ما فعله فعل مذكور؛ لأن القيام [٢/ ٣٥٨] اسم لما فعله المتكلم وهو فاعل الفعل المذكور، فلما قيل بمعناه وجعل وصفا للفعل خرج: كرهت قيامي؛ لأن كرهت ليس بمعنى قيامي، قال: وقلت ها هنا: اسم ولم أذكر لفظ اسم في غيره من الحدود؛ لأنني لو لم أذكره لورد على الحد ضربت؛ فإنه شيء فعله فاعل فعل مذكور غدا، وقد أورد على هذا ضرب ضرب شديد؛ فإنه اسم لما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه ولفظه، فيجب أن يدخل في الحد، وإذا دخل في الحد فيجب أن ينصب؛ لأنه إنما حدّ ليعرف فينصب، كما أن الفاعل إنما حدّ ليعرف فيرفع، وهو غير وارد؛ لأنه عندنا داخل في الحد. ولا شك أن ذكرنا تعريفه هنا لينتصب، ولكن بعد أن عرفنا أنّ منه قسما يجب -

стр. 1783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رفعه، وهو إذا قصد إقامته مقام الفاعل وجعله أحد الجزأين، فإذا حصل الإعلام بذلك ثم حد المفعول المطلق باعتبار ما هو مفعول مطلق، فيجب دخول المرفوع في الحد وإن كان الغرض من حدّه تعريف نصبه؛ لأن ما تقدم يفيد تخصيصه؛ لأنه خاص، وقد ذكر أن حكمه الرفع فكأنه قيل هاهنا: ينصب هذا المحدود في غير المحل الخاص الذي عرفنا أن رفعه واجب فيما تقدم، واستغني عن ذكره ها هنا؛ لأنّ ذكره راجع إلى تكرير محض لا فائدة فيه زائدة؛ لأنا لو ذكرناه ذكرنا عين ما تقدم، فتبين أنه لا حاجة إلى الاحتراز منه، ولزم وجوب أنه لو ذكر كان خطأ، ألا ترى أنه يكون مخرجا من حد المفعول المطلق، وقد قلنا: إن المفعول المطلق نفسه يرتفع إذا أقيم مقام الفاعل، فيصير حاصل الأمرين هو مفعول مطلق، وليس بمفعول مطلق من جهة واحدة، وهذا ظاهر الفساد غير خاف بالنظر المستقيم (١). وهو كلام يشهد لصاحبه بأنه في الرتبة العليا من التحقيق. ثم ليعلم أن المفعول المطلق هو المفعول حقيقة؛ لأنه هو الذي يحدثه الفاعل (٢)، أما المفعول به فهو محل الفعل خاصة، والزمان وقت يقع فيه الفعل، والمكان محل الفاعل والمفعول، ويلزم من ذلك أن يكون محلّا للفعل والمفعول لأجله علة لوجود الفعل، والمفعول معه مصاحب للفاعل أو للمفعول (٣)؛ وإذا قد عرفت هذا فلنرجع إلى مقصود الكتاب، فنقول: أفادت ترجمة الباب أن الذي ينصب مفعولا مطلقا هو المصدر، وما ينوب منابه، وإلى ذلك أشار بقوله: (وما يجري مجراه)، وقد ذكر في الباب ما يقوم مقام المصدر كما ستعرفه، وقد حد المصدر بقوله: (المصدر اسم دال) إلى آخره، فتقييد الدلالة بالأصالة مخرج لأسماء المصادر، وهي عبارة عن كل اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويخالفه بعلميّة كجماد حماد (٤)، أو بتجرده لفظا وتقديرا دون عوض من زيادة في فعله كاغتسل غسلا، وتوضأ وضوءا، -

стр. 1784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهذه وأمثالها إذا عبر عنها بمصادر، فإنما ذلك مجاز، والحقيقة أن يعبر [٢/ ٣٥٩] عنها بأسماء المصادر (١)، واحترز بقوله: دون عوض من نحو: عدة وتعليم، فإنهما مصدران مع خلو «عدة» من واو «وعد» وخلو «تعليم» من تضعيف العين، فهاء «عدة» عوض من الواو، وياء «تعليم» عوض من التضعيف، وأشار بقوله: لفظا وتقديرا إلى أن بعض ما في الفعل قد يخلو لفظ المصدر منه، ويكون مقدرا، فلا يضرّ زواله من اللفظ، كقتال مصدر قاتل (٢)، فإن أصله: قيتال كما سيأتي الكلام على ذلك في باب إعمال المصدر - إن شاء الله تعالى - والدال على معنى قائم بفاعل كحسن وفهم، والدال على معنى صادر عن فاعل كخط وخياطة، وقيام الحسن والفهم بالفاعل حقيقة، وكذا صدور الخط والخياطة من فاعلهما بخلاف نسبة العدم للمعدوم، والموت إلى الميت؛ فإنهما مجاز، والواقع على مفعول مصدر، وما لم يسم فاعله نحو: ضرب زيد ضربا، والمراد بالفاعل هنا الاصطلاحي، وكذا المفعول. فبهذا يعم الحد مصدر كل فعل، وإطلاق المصدر على ما تناوله الحد إطلاق متفق عليه، وقد يعبر عنه بالفاعل الحدث والحدثان (٣)، وهو من التعبير عن الشيء بلفظ مدلوله (٤). هذا كلام المصنف (٥)، والظاهر أن قوله: (حقيقة أو مجازا) تقسيم لما هو صادر عن الفاعل خاصة، لا إلى المعنى القائم بالفاعل. ثم هاهنا بحثان: الأول: قد تبين من تقرير المصنف أن اسم المصدر موافق للمصدر في الدلالة على شيء واحد لا فرق بينهما بالنسبة إلى ما دلّا عليه من المعنى إلا في أمرين: أحدهما: أن دلالة المصدر بالأصالة بخلاف دلالة اسم المصدر، وكأنه يريد بالأصالة أن الكلمة موضوعة لذلك المعنى، وهذا بخلاف دلالة اسم المصدر؛ فكأن -

стр. 1785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دلالة على ذلك نائبة عن دلالة المصدر (١)، ويحتاج تحقيق ذلك إلى نظر. ثانيهما: أن اسم المصدر يخالف المصدر إما بعلمية، وإما بالتجرد الذي ذكره (٢)، وقد فرق بين المصدر واسم المصدر بغير ما ذكره المصنف، فقيل: إن المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان وغيره، كقولنا: إن ضربا مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرا، فيكون مدلوله معنى، وسموا ما يعبر عنه مصدرا مجازا نحو ضرب في قولنا: إن ضربا مصدر منصوب إذا قلنا: ضربت ضربا، فيكون مسماه لفظا واسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان وغيره كسبحان المسمى بالتسبيح الذي هو صادر عن المسبح، لا لفظ (ت س ب ي ح) بل المعنى المعبر عنه بهذه الأحرف، ومعناه: البراءة والتنزيه (٣)، واستؤنس لهذا القول بقول الزمخشري: وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان، فسموا التسبيح بسبحان (٤). فنص على أن المسمى هنا معنى لا لفظ، وقال ابن يعيش: اسم المصدر مسماه لفظ نحو: سبحان، عبارة عن التسبيح، وقيل: إن المصدر يدل بالوضع، واسم المصدر وهو الذي لا يكون بصيغ المصدر [٢/ ٣٦٠] المستعملة، يوضع موضع المصدر في بعض المواضع، فيستفاد منه ما يستفاد من المصدر، لكن لا بالوضع بل بالاستعمال كما يوضع المصدر في موضع اسم الفاعل واسم المفعول (٥). انتهى. قلت: وبهذا يشعر كلام المصنف حيث قال إنه احترز بقوله: دال بالأصالة عن اسم المصدر. البحث الثاني: إن قول المصنف: أو واقع على مفعول؛ غير محتاج إليه؛ لأنه إذا قيل: ضرب -

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زيد ضربا صدق على «ضربا» أنه دال على معنى صادر عن فاعل، وكذا إذا قيل: فهمت المسألة فهما، صدق أن «فهما» دال على معنى قائم بفاعل، إلا أن تريد أن ذلك الفاعل يكون مذكورا، وأن المفعول يكون مذكورا أيضا كما يشعر بذلك قوله: والمراد بالفاعل هنا الاصطلاحي، وكذلك المفعول، فربما يحتاج إلى ذكر ذلك. ثم قال المصنف (١): واتفق البصريون والكوفيون على أن الفعل والمصدر مشتق أحدهما من الآخر، لكن البصريين جعلوا الأصالة للمصدر، وجعلها الكوفيون للفعل، والصحيح مذهب البصريين (٢)، ويدل على صحته ستة أمور: أحدها: أن المصدر يكثر كونه واحدا لأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر، فلو اشتق المصدر من الفعل لم يخل من أن يشتق من الثلاثة أو من بعضها؛ فاشتقاقه من الثلاثة محال، واشتقاقه من واحد منها يستلزم ترجيحا دون مرجح، فتعين اطّراح ما أفضى إلى ذلك. الثاني: أن المصدر معناه مفرد، ومعنى الفعل مركب من حدث وزمان، والمفرد سابق المركب، فالدال عليه أولى بالأصالة. الثالث: أن مفهوم المصدر عام ومفهوم الفعل خاص، والدال على عام أولى بالأصالة من الدال على خاص. الرابع: أن كل ما سوى الفعل والمصدر من شيئين: أحدهما أصل والآخر فرع؛ فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، وكالعدد المعدول بالنسبة إلى المعدول عنه، والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعين الزمان، فكان فرعا والمصدر أصل. الخامس: أن من المصادر ما لا فعل له لفظا ولا تقديرا، وذلك نحو: ويح وويل، وويش وويب. فلو كان الفعل أصلا لكانت هذه المصادر فروعا لا أصول لها، وذلك محال، وإنما قلنا: إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديرا؛ لأنها لو صيغ من بعضها فعل لاستحق فاؤه في المضارع من الحذف ما يستحق فاء «يعد» -

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولاستحق عينه من السكون ما استحق عين «تبيع» فيتوالى إعلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه، وليس في الأفعال ما لا مصدر له مستعمل إلا وتقديره ممكن كتبارك وفعل التعجب، إذ لا مانع في اللفظ، ويقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة تزيد على الأفعال كالأبوة [٢/ ٣٦١] والبنوة والخؤولة والعمومة والعبودية واللصوصية وقعدك الله، وبله زيد وبهله، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه، وخلص الاستدلال بويح وأخواته، ولا حجة للكوفيين في أن المصدر يتبع الفعل في صحته وإعلاله نحو: لاوذ لواذا، ولاذ لياذا؛ لأن الشيئين قد يحمل أحدهما على الآخر وليس أحدهما أصلا للآخر كحمل يرضيان على رضيا، وأعطيا على يعطيان. والأصل: يرضوان وأعطوا؛ لأنّ حكم الواو بين فتحة وألف التصحيح؛ لكن حمل ذو الفتحة على ذي الكسرة ليجريا على سنن واحد، فكذلك فعل بالمصدرين من لاوذ ولاذ، ولا حجة أيضا في توكيد الفعل بالمصدر؛ لأن الشيء قد يؤكد بنفسه نحو: زيد قام قام. فلو دل التوكيد على فرعية المؤكّد لزم كون الشيء فرع نفسه، وذلك محال، ولا حجة أيضا في إعمال الفعل في المصدر؛ لأن الحرف يعمل في الاسم والفعل ولا حظ له في الأصالة، وببعض ما استدللنا على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر يستدل على فرعية الصفة بالنسبة إليه، لأن كل صفة تضمنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث، وتزيد بالدلالة على ما هي له كما زاد الفعل بالدلالة على الزمان المعين؛ فيجب كون الصفة مشتقة من المصدر لا من الفعل، إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على الزمان المعين (١). انتهى كلام المصنف (٢). وذكر الشيخ أن ابن طلحة ذهب إلى أن المصدر والفعل كل منهما أصل، وليس أحدهما مشتقّا من الآخر، وكأن ابن طلحة (٣) نزع في هذه المسألة إلى مذهب من -

стр. 1788

[المفعول المطلق: ناصبه - أنواعه - ما ينوب عنه] قال ابن مالك: (وينصب بمثله أو بفرعه أو بقائم مقام أحدهما، فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرّد التوكيد، ويسمّى مبهما، ولا يثنّى ولا يجمع، وإن زاد عليه فهو لبيان النّوع أو العدد، ويسمّى مختصّا ومؤقّتا، ويثنّى ويجمع، ويقوم مقام المؤكّد مصدر مرادف واسم مصدر غير علم، ومقام المبيّن نوع أو وصف أو هيئة أو آلة أو كلّ أو بعض أو ضمير أو اسم إشارة، أو وقت، أو «ما» الاستفهاميّة أو الشّرطيّة). ــ ينفي الاشتقاق أصلا؛ فإن الشيخ ذكر في ذلك مذاهب ثلاثة: أحدها: مذهب الجمهور، وهو أن من الكلمات ما هو مشتق، ومنها ما ليس بمشتق. ثانيها: أن كل لفظ مشتق، قال: وعزاه جماعة إلى الزجاج (١). ثالثها: أن شيئا ليس مشتقّا من شيء، بل كل أصل بنفسه (٢). انتهى. وليس هذا مما يتشاغل به، ولا يضيع الزمان في ذكره. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): وينصب المصدر بمثله، كقولك: عجبت [٢/ ٣٦٢] من قيامك قياما ونصبه بفرعه، كقولك: طلبتك طلبا، وأنا طالبك طلبا، وأنت مطلوب طلبا، ونصبه بقائم مقام أحدهما كقولك: عجبت من إيمانك تصديقا، وأنا مؤمن تصديقا، ولقاء الله مؤمن به تصديقا، والمصدر المنصوب في جميع هذه الأمثلة قد ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى الواقع هكذا مبهما ولا يثنى ولا يجمع؛ لأنه بمنزلة تكرير الفعل فعومل معاملته في عدم التثنية والجمع، إذ هو صالح للقليل والكثير (٤)، وإن زاد معناه على معنى عامله فهو لبيان النوع نحو: سرت خببا وعدوا، ورجعت القهقرى (٥)، وقعدت القرفصاء (٦)، -

стр. 1789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو لعدد المرات نحو: قمت قومتين، وضربته ضربات. وقد يكون المبين للنوع بلفظ المؤكد، فيستفاد التنويع بوصفه أو إضافته أو إدخال حرف التعريف عليه أو بتثنيته أو بجمعه (١)، ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف نحو: جلست قعودا، أو اسم مصدر غير علم نحو: اغتسلت غسلا وتوضأت وضوءا، ولا يستعمل اسم المصدر العلم مؤكدا ولا مبيّنا فلا يقال: حمدت حماد ونحو ذلك؛ لأن العلم زائد معناه على معنى العامل، فلا ينزل منزلة تكرار الفعل، ولأنه كاسم الفعل، فلا يجمع بينه وبين الفعل، ولا ما يقوم مقامه (٢). ومن قيام أحد المترادفين مقام الآخر قول امرئ القيس: ١٤٠٠ - ويوما على ظهر الكثيب تعذّرت ... عليّ وآلت حلفة لم تحلّل (٣) وقول رؤبة: ١٤٠١ - لوّحها من بعد بدن وسنق ... تضميرك السّابق يطوى للسّبق (٤) لوحها ضمرها، والبدن السّمن، والسنق البشم، والسبق الخطر، والخطر هو الذي يوضع بين أهل السابق، ويقوم مقام المبين للنوع اسم نوع كالقهقرى -

стр. 1790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والقرفصاء، وكقوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١)، أو وصف نحو: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً (٢)، أو هيئة نحو: يموت الكافرون ميتة سوء، ويعيش المؤمنون عيشة مرضية، أو آلة نحو: ضرب المؤدب الصبيّ قضيبا أو سوطا، أو كل نحو قوله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ (٣)، أو بعض كقوله تعالى: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً (٤)، أو ضمير كقوله تعالى: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٥)، أو اسم إشارة نحو: لأجدّنّ ذلك الجدّ، ولا بد من جعل المصدر تابعا لاسم الإشارة المقصود به المصدرية؛ ولذلك خطئ من حمل قول المتنبي: ١٤٠٢ - هذي برزت لنا فهجت رسيسا (٦) على أنه أراد هذه البرزة برزت؛ لأن مثل ذلك لا تستعمله العرب. وقد يقام مقام المصدر المبين زمان [٢/ ٣٦٣] مضاف إليه المصدر تقديرا كقول الشاعر: ١٤٠٣ - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا (٧) -
следующие страницы →