← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويجب التقديم في صور: ١ - منها: أن يكون منصوب الفعل: اسم شرط. ٢ - ومنها: أن يكون اسم استفهام. ٣ - ومنها: أن يكون مضافا إلى ما تضمن معنى شرط أو استفهام. ٤ - ومنها: أن يكون منصوبا بجواب «أمّا» (١). لكن الموجب للتقديم في ثلاث الصور الأولى ذات المنصوب؛ لتضمنه معنى ما له الصدر، أو لإضافته إلى ما تضمن ذلك، وأما الصورة الرابعة فالموجب للتقديم فيها ليس أمرا يرجع إلى ذات المنصوب، إنما هو شيء آخر وهو طلب الفصل بين «أما»، وجوابها بشيء. وإذ قد عرف ما يمتنع فيه التقديم وما يجب؛ عرف أن ما عدا ذلك يجوز فيه التقديم والتأخير فهو غير محتاج إلى أن ينص عليه؛ وإنما قال المصنف: (ويجوز في غير ذلك .. إلى آخره)، فأشار إلى قسم الجائز لأمر أوجب له ذلك، وهو أن الكوفيين يمنعون التقديم في المسائل الخمسة التي ذكرها، والبصريون يجيزون، ومذهبهم هو الصحيح (٢). فاحتاج أن يقول: (ويجوز) ليردفه بقوله: (مطلقا)؛ فيصير التقدير: ويجوز التقديم جوازا مطلقا لا يستثنى من ذلك شيء، يعني على المذهب الأصح؛ ولهذا أردف قوله: (خلافا للكوفيين في كذا وكذا). وإذ قد تقرر هذا فلنورد كلام المصنف، قال رحمه الله تعالى: لا يجوز في (٣) علمت أنك منطلق، ولا: خلت أن ستفعل، ولا أنك منطلق علمت، ولا: أن ستفعل خلت؛ لأنّ «أن» المشددة والمخففة منها لا يبتدأ بهما كلام، وعلى ذلك نبهت بقولي: ويجب تأخير منصوب الفعل إن كان «أن» مشددة أو مخففة؛ ولا يعترض على هذا بقوله تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ (٤)، وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ (٥)؛ فإن الأخفش جعل -

стр. 1717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقديرهما: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا؛ فإن جواز هذا مرتب على تقدير اللام وتقدير الجر بها (١)، وهو عند سيبويه أقوى من جعل «أن» في موضع نصب كما يراه الخليل (٢)، ولو قدر نصبا لم يجز تقديمها؛ كما لا يتقدم في علمت أن زيدا منطلق؛ فإن المنصوب بحذف حرف الجر فرع المنصوب بمتعدّ، ولا يقع إلا حيث يقع، ومنصوب الفعل يعم المفعول به والظرف وغيرهما، فإذا كان أحد أسماء الاستفهام أو الشرط؛ وجب تقديمه على الفعل، نحو: من رأيت؟، وأيهم لقيت؟، ومتى قدمت؟، وأين أقمت؟، ومن تكرم يكرمك، وأيهم تدع يجبك، ومتى تعن تعن، وكذا المضاف [٢/ ٣٢٢] إلى شيء منها، نحو: غلام من رأيت؟ وفعل أيهم استحسنت؟ وكذا المنصوب بفعل وقع جوابا «لأمّا»، نحو: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٣)، وما سوى ذلك من منصوب بفعل متصرف؛ فجائز تقديمه عليه إن ظهر النصب، أو أغنى عن ظهوره قرينة، نحو: زيدا ضرب عمرو، وحبارى صاد موسى، فإن كان الفعل صلة حرف أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم؛ وجب تأخير ما يتعلق به، نحو: من البر أن تكف لسانك، وإن الله ليحب المحسنين، وو الله لأقولن الحق (٤)، فإن خلا الفعل من ذلك؛ جاز تقديم منصوبه عليه مطلقا خلافا للكوفيين في منع، نحو: زيدا غلامه ضرب (٥)، وغلامه ضرب زيد (٦)، وغلام أخيه ضرب زيد (٧)، وما أراد أخذ زيد (٨)، وما طعامك أكل إلا زيد (٩)؛ فإن الكوفيين يمنعون هذه المسائل وأشباهها، وهي جائزة لثبوت استعمالها (١٠). فمثال زيدا غلامه ضرب، قول رجل من طيئ في كعب بن زهير وأخيه رضي الله تعالى عنه ورحم كعبا: -

стр. 1718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٢٨ - كعبا أخوه نهى فانقاد منتهيا ... ولو أبى باء بالتّخليد في سقرا (١) ومثال غلامه ضرب زيد، قول الشاعر: ١٣٢٩ - رأيه يحمد الّذي ألف الحز ... م ويشقى بسبيه المغرور (٢) ومثال غلام أخيه ضرب زيد، قول الآخر: ١٣٣٠ - شرّ يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا (٣) ومثال ما أراد أخذ زيد، قول الشاعر: ١٣٣١ - ما شاء أنشأ ربّي والّذي هو ... لم يشأ فلست تراه ناشئا أبدا (٤) ومثال ما طعامك أكل إلا زيد، قول الشاعر: ١٣٣٢ - ما المرء ينفع إلّا ربّه فعلا ... م تستمال بغير الله آمال (٥) انتهى (٦). -

стр. 1719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويتعلق به مباحث: الأول: أنه كما يجب تأخير منصوب الفعل فيما ذكر، يجب تأخير منصوب اسم الفاعل فيه أيضا؛ فلو قال: يجب تأخير منصوب العامل لكان أولى، لتكون العبارة شاملة كل عامل فعلا كان أو اسما (١). الثاني: أن «أن» الناصبة للفعل حكمها في وجوب التأخير عن العامل؛ إن وقعت مع صلتها مفعولا بها حكم «أنّ» المشددة والمخففة، نحو قولك: أريد أن تقوم، فلو قرنها في الذكر بأختيها لكان أولى (٢). الثالث: قوله وهو عند سيبويه أقوى من جعل «أن» في موضع نصب كما يراه الخليل، بعد أن قال: فإن جواز هذا مرتب على تقدير اللام، وتقدير الجر بها لم أتحقق معناه؛ فإن ظاهره يعطي أن سيبويه يرى أن «أن» بعد حذف حرف الجر المباشر لها في موضع جر، وقد تقدم له [٢/ ٣٢٢ مكرر] أن القائل بذلك؛ إنما هو الخليل والكسائي؛ وأن سيبويه يرى أنّها في موضع نصب، فليتأمل كلامه. الرابع: أنه لما ذكر ما يمنع التقديم عليه إذا كان صلة اقتصر على ذكر العامل الموصول به حرف؛ ولا شك أن العامل الموصول به «أل» يمتنع تقديم معموله عليه أيضا؛ فكان الواجب أن يقول: ولا موصول به «أل»، ولا موصول به حرف (٣). -

стр. 1720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخامس: أن معمول المقرون بلام الابتداء أو القسم إنما يمتنع على الأداة نفسها، أما تقديمه على العامل فجائز، نحو أن تقول: إن الله المحسنين يحب، وو الله الحق أقول؛ فلم يمتنع التقديم في هاتين الصورتين على العامل؛ إنما امتنع التقديم على ما اقترن بالعامل (١). السادس: أن ظاهر قوله في متن الكتاب: (أو نصبه جواب «أمّا») وقوله في الشرح: (وكذا المنصوب بفعل وقع جوابا «لأمّا») يقتضي أن كل ما نصبه جواب «أمّا» يجب تقديمه على الجواب الناصب له، وليس كذلك؛ إذ يجوز أن يقال: أما اليوم فأنا أضرب زيدا، وأما بعد سماع كلام الله تعالى فلا أقهر اليتيم، نعم الواجب هو الفصل بين «أما» وجوابها بشيء، وهو في الجملة؛ ولذلك وجب التقديم في نحو: أمّا زيدا فأضرب؛ لأنه لا بد من فاصل، ولا شيء في هذه الجملة يفصل به غير زيد، ولم يكن وجوب التقديم لكونه معمولا لجواب «أمّا» (٢)، وإذا كان كذلك لم يتجه قوله: (أو نصبه جواب «أمّا»)، ثم إن التنبيه يتعين هاهنا على أمور منها: ١ - أنّ ابن عصفور ذكر وجوب التقديم في شيء، ووجوب التأخير في شيء، لم يذكرهما المصنف، فقال: ويجب التقديم إذا كان المفعول كم الخبرية، أو ضميرا منفصلا، لو تأخر اتصاله نحو: إياك أكرمت، ويجب التأخير إذا كان المفعول ضميرا متصلا (٣)؛ فزاد على ما ذكره المصنف ثلاث صور، وإنما قيد الضمير المنفصل بقوله: لو تأخر لزم اتصاله؛ احترازا من الضمير في نحو: الدرهم إياه أعطيتك، فإنه لا يلزم اتصاله إذا تأخر، بل يجوز أن يؤتى به متصلا ومنفصلا (٤)، ثم أقول: أما «كم» فقد ذكر المصنف في باب «كم وكأين وكذا» أن «كم» لزمت التصدير بعد أن ذكر أنها استفهامية وخبرية؛ فأفاد أن حكم الخبرية حكم الاستفهامية، وهو -

стр. 1721

قد ذكر اسم الاستفهام هنا، فاندرج تحته ما حكمه كحكمه، وأما الضمير المنفصل؛ فلا شك أن الضمير إذا كان بحيث لو تأخر لزم اتصاله [٢/ ٣٢٣] استغنى عن ذكره؛ لأن المعمول الذي يحكم عليه بأن يؤخر من تقديم، أو يقدم من تأخير يجب أن يكون لفظه في الحالتين واحدا، كزيد من قولك: ضربت زيدا، وزيدا ضربت، وأنت إذا أخرت المفعول في: إياك أكرمت فقلت: أكرمتك، لم يكن المؤخر هو الذي كان مقدما؛ بل غيره؛ لأن المقدم منفصل، والمتأخر متصل؛ فهذا التركيب غير ذلك، وهكذا يقال في عكس هذه الصورة فيقال له: إنما يذكر الضمير المتصل فيما يجب تأخيره؛ لأن المتأخر إذا قدم لزم انفصاله، فلم يكن المقدم هو الذي كان مؤخرا. ٢ - ومنها أنّ المصنف اقتصر فيما يمنع من التقديم، لأجل ما قارن العامل على ذكر الموصول الحرفي، ولام الابتداء، ولام القسم، وتقدم القول بأن «أل» الموصولة كان يجب ذكرها أيضا، وأما ابن عصفور فإنه زاد على ذلك فذكر «ما» النافية و «لا» الواقعة في جواب قسم، وأدوات الاستفهام، وأدوات الشرط، وأدوات التّحضيض ثم قال: وكذا إذا وقع صلة لموصول، أو صفة لموصوف، وكذلك إن دخل على العامل خافض غير زائد (١). والذي قاله ابن عصفور حق، غير أن المصنف مستغن عن ذكر أكثر ذلك، أما أدوات الاستفهام، والشرط، فقد صرح المصنف بأن لها الصدر، فقال في باب الجوازم: (لأداة الشرط صدر الكلام)، وقال في الباب الذي يليه، وقد ذكر هل والهمزة: (استأثرت الهمزة بتمام التصدير)؛ فدل بهذا الكلام على أن لهما الصدر، وأما الموصول فقد عرف في بابه أن الصلة لا تتقدم على الموصول؛ لأنها كالجزء منه، وهو كالجزء منها، ولا شك أن معمول الصلة من تمامها، فحكمه في جواز التقديم حكمها، وأما الموصوف فقد قال المصنف في باب التابع: ولا يتقدم معمول تابع على متبوع، وأما العامل إذا دخل عليه خافض، فقد ذكر المصنف في باب الإضافة؛ أنه لا يتقدم على مضاف معمول مضاف إليه، فلا يقال: هذا عمرا غلام ضارب، وأما إذا كان الخافض حرفا، فلا أعرف من كلام المصنف التصريح بالنص، على أن تقديم المعمول عليه غير جائز، فعلى هذا تكون هذه الصورة -

стр. 1722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مستدركة على المصنف، وكذا يستدرك عليه «ما» و «لا» النافيتان، وأدوات التحضيض ولا يعتذر عنه بأن يقال: قد علم من كلامه في باب ظن وأخواتها أن «ما» و «لا» النافيتين لهما الصدر؛ حيث [٢/ ٣٢٤] يجعلهما من جملة المعلقات؛ لأنا نقول: قد ذكر في باب ظن لام الابتداء، ولام القسم أيضا، مع أنه ذكرهما هنا، فأي فرق؟ ثم قد بقي على المصنف وابن عصفور أن يذكرا «إن» النافية؛ لأنها مساوية لـ «ما» في التصدير، ومن ثم كانت معلقة. ٣ - ومنها أنّ جميع ما ذكر من الصور مما يمتنع تقديمه على ما قارن العامل، يجوز تقديمه على العامل نفسه، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في لام الابتداء، ولام القسم، إلا في ثلاث صور؛ فإن التقديم فيها يمتنع مطلقا، أعني على المقارن وعلى العامل، وهي أن يكون العامل صلة «أل»؛ وأن يكون صلة حرف موصول وأن يكون العامل قد دخل عليه خافض؛ لكن ابن عصفور له تفصيل في الحرف الموصول، فيقول: إن كان الحرف ناصبا فالتقديم ممتنع، وإن كان غير ناصب فالتقديم جائز، فيجيز أن يقال: يعجبني ما زيدا ضربت (١)، وعلم من تقييد الخافض بكونه غير زائد؛ أن التقديم على الحرف الزائد لا يمتنع، فيقال: ليس زيد عمرا بضارب؛ لأن الزائد في حكم الساقط فيحكم للعامل المصاحب له بما يستحقه في ذاته. ٤ - ومنها أنّ ابن عصفور قيد لام الابتداء التي يمتنع تقديم معمول مصاحبها عليها بكونها غير المصاحبة لـ «إن» (٢)، وهو تقيد حسن؛ فعلى هذا يجوز: إن زيدا عمرا ليضرب؛ لأنها وإن كانت مؤخرة لفظا؛ فهي في النيّة مقدمة على «إن»، وإنما أخرت للعلة التي تذكر في باب «إن». ٥ - ومنها أنّ الشيخ قال: إن المصنف نقصه مما يجب فيه تقديم المعمول أن يكون الناصب فعل أمر دخلت عليه الفاء، نحو: زيدا فاضرب (٣). انتهى. والذي ينبغي أن لا تعد هذه المسألة من هذا الباب؛ لأن المفعول لم يقدم فيها لذاته، بل لأمر اقتضى ذلك، وقد تقدم الكلام على المسألة وأمثالها في آخر باب المبتدأ، ومن هنا يتحقق الجواب. -

стр. 1723

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قول المصنف: (ولا يوقع فعل مضمر متصل على مفسّره الظاهر) فأشار به إلى أنه لا يقال: زيدا ضرب، على أن يكون المراد: زيدا ضرب نفسه، فيسند «ضرب» إلى ضمير يفسره لفظ «زيد»، ولفظ «زيد» منصوب به، فلا يجوز هذا؛ لأن جوازه يستلزم توقف مفهومية ما لا يستغنى عنه وهو الفاعل على مفهومية ما يستغنى عنه، وهو المفعول (١)، فلو كان الفاعل ضميرا منفصلا؛ جاز إيقاع فعله على مفسره الظاهر، نحو: ما ضرب زيدا إلا هو؛ لأن الضمير المنفصل فيما نحن بسبيله، مقدر قبله ظاهر مبدل منه الضمير، فتقدير ما ضرب زيدا إلا هو: ما ضرب زيدا أحد إلا هو، فقيام المنفصل [٢/ ٣٢٥] مقام الظاهر المقدر سهّل إيقاع فعله على مفسر الظاهر فحكم بالجواز، وقد يوقع فعل ضمير متصل على مضاف إلى مفسر الضمير، نحو: غلام هند ضربت، ففاعل «ضربت» ضمير «هند»، وجاز هذا؛ لأنه في تقدير: ضربت هند غلامها، ومثله قول الشاعر: ١٣٣٣ - أجل المرء يستحثّ ولا يد ... ري إذا يبتغي حصول الأماني (٢) يريد المرء في وقت ابتغاء الأماني يستحث أجله ولا يشعر، وقد يوقع فعل ضمير متصل على موصول بفعل مسند إلى مفسر الضمير، نحو: ما أراد زيد أخذ، فـ «ما» في موضع نصب بـ «أخذ»، و «زيد» فاعل «أراد» وهما صلة لـ «ما» وفاعل «أخذ» ضمير «زيد»، وجاز هذا؛ لأن التقدير: أخذ زيد ما أراد، ومثله قول الشاعر: ١٣٣٤ - ما حبّت النّفس ممّا راق منظره ... رامت ولم ينهها بأس ولا حذر (٣) -

стр. 1724

[حذف العامل الناصب للمفعول به جوازا ووجوبا] قال ابن مالك: (فصل: يجوز الاقتصار قياسا على منصوب الفعل، مستغنى عنه بحضور معناه أو سببه أو مقارنه أو الوعد به أو السّؤال عنه بلفظه أو معناه أو عن متعلّقه، وبطلبه، وبالرّدّ على نافيه أو النّاهي عنه أو على مثبته أو الآمر به، فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال فهو لازم، وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرا فيلزم حذف ثاني الجزأين). ــ هذا كلام المصنف (١). قال الشيخ: وفي جواز نحو: «غلام هند ضربت» خلاف؛ ذهب الأخفش والفراء إلى منعها، وذهب هشام إلى الجواز، واختلف عن الكسائي، والمبرد، وأكثر البصريين منهم من ذكر المنع، ومنهم من ذكر الجواز، ثم قال والأصح الجواز (٢). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): المقصود هنا التنبيه على حذف الفعل وفاعله والاقتصار على المفعول به، لأن الباب له، لكني ذكرت لفظا صالحا للمفعول به وغيره من منصوبات الفعل؛ لأنها كلها متساوية في صحة النصب بفعل محذوف، كقولك: زيدا، لمن قال: من ضربت؟، وكقولك: حين ظلم، لمن قال: متى ضربته؟، وكقولك: ضربا يردعه، لمن قال: أي ضرب ضربته؟، وكقولك: تأديبا، لمن قال: لم ضربته؟، وكقولك: مكتوفا، لمن قال: كيف ضربته؟، ولغير المفعول به مواضع يستوفى فيها بعون الله تعالى بيان ما يحتاج إليه، ومثال الاستغناء عن لفظ الفعل بحضور معناه، قولك لمن شرع في إعطاء: زيدا؛ بإضمار أعط، ولمن شرع في ذكر رؤيا: خيرا لنا وشرّا لعدونا؛ بإضمار رأيت، ولمن قطع حديثا: حديثك؛ بإضمار تمّم، أو نحو ذلك (٤)، ومثال الاستغناء بسبب الفعل قول الشاعر: ١٣٣٥ - إذا تغنّى الحمام الورق هيّجني ... ولو تسلّيت عنها أمّ عمّار (٥) -

стр. 1725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإضمار ذكرت [٢/ ٣٢٦]؛ لأن التّهيّج سبب الذكر وباعث عليه، ومثال الاستغناء بحضور مقارنه كقولك لمن تأهب للحج: مكة؛ بإضمار: أراد أو يريد مكة، ولمن سدد سهما: القرطاس، بإضمار تصيب، وللمواجهين مطلع الهلال إذا كبروا: الهلال بإضمار رأوا، ومن هذا القبيل قول الشاعر (١): ١٣٣٦ - لن تراها ولو تأمّلت إلّا ... ولها في مفارق الرّأس طيبا (٢) بإضمار: ترى، لأن رؤية الشخص مقاربة لرؤية ما اشتمل عليه، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، وينبغي أن يكون «يرى» المضمر بمعنى يعلم؛ لأنه إذا كان بمعنى تبصر؛ يلزم من ذلك كون الموصوفة مكشوفة الرأس (٣)، وينبغي أن تجعل الفعل المضمر خبر مبتدأ محذوف؛ لئلا تكون واو الحال داخلة على مضارع مثبت؛ فإن ذلك غير جائز عند الأكثرين، وما أوهمه قدر قبله مبتدأ (٤)، ومثل هذا البيت قول الآخر: ١٣٣٧ - وجدنا الصّالحين لهم جزاء ... وجنات وعينا سلسبيلا (٥) -

стр. 1726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي: لهم جزاء ووجدنا لهم جنات، فأضمر؛ لأن الوجدانين متقارنان، فاستغني بفعل أحدهما عن فعل الآخر، ومن هذا القبيل قول الآخر (١): ١٣٣٨ - فكّرت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومصرعه السّباعا (٢) أي: ووافقت على دمه، فأضمر؛ لأن الموافقتين مقترنتان، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، ويروى «فصادفته»، ومن هذا القبيل قول الآخر (٣): ١٣٣٩ - تذكّرت أرضا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها (٤) أي: وتذكرت أخوالها فيها وأعمامها؛ لأن التذكيرين مقترنان، فاستغني بفعل أحدهما عن فعل الآخر، ومن هذا أيضا قول الراجز: ١٣٤٠ - قد سالم الحيّات منه القدما ... الأفعوان والشّجاع الشّجعما (٥) أراد: قد سالم الحيات منه القدما، وسالمت القدم الشجاع الشجعما، فحذف؛ لأن المسالمتين مقترنتان، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، ويروى: قد سالم الحيّات منه القدما على جعل الحيات مفعولا، والقدمان فاعل، وحذفت النون، كما حذفت نون: -

стр. 1727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٤١ - هما خطّتان إمّا إسار ومنّة (١) بالرفع، ومثال الاستغناء بالوعد، قولك: زيدا، لمن قال: سأطعم من احتاج، بإضمار أطعم، ومثال الاستغناء بالسؤال عن الفعل بلفظه، قولك لمن قال: هل رأيت أحدا؟: نعم زيدا، بإضمار رأيت، ومثال الاستغناء بالسؤال عن الفعل بمعناه دون لفظه قول من قال: بلى وجادا (٢)، حين قيل له: أفي مكان كذا وجد؟ بإضمار أعرف؛ لأن قوله: أفي مكان كذا وجد؟ بمعنى: أتعرف فيه وجدا؟، ومثال الاستغناء عن الفعل المسؤول عن متعلقه قوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [٢/ ٣٢٧] ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً (٣)، فنصب «خيرا» بأنزل مضمرا، ومثال الاستغناء عن الفعل في طلبه قولهم: ألا رجل إما زيدا، وإما عمروا تريدون أجعله زيدا وعمرا، ومنه قولهم: اللهمّ ضبعا وذئبا (٤) بمعنى اجمع فيها ضبعا وذئبا، ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على نافيه: قولك لمن قال: ما لقيت أحدا؟: بلى زيدا. ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على الناهي عنه، قولك لمن قال: ألا تضرب أحدا؟: بلى من أساء، بإضمار لقيت وأضرب، ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على مثبته، قولك لمن قال: ضرب زيد عمرا: لا بل عامرا، ومثال الاستغناء في الرد على الآمر به، قولك لمن قال: تعلم لغة: لا بل نحوا؛ بإضمار: ضرب وأتعلم، ونحوه، فهذا رد على وفق اللفظ، وأما الرد على وفق المعنى دون اللفظ، فكقوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ (٥)، أي: بل نتبع ملة -

стр. 1728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إبراهيم، فأضمر نتبع لأن معنى كونوا هودا أو نصارى: اتبعوا ملة اليهود أو النصارى. فالإظهار والإضمار جائزان في أمثال هذه المسائل قياسا (١)؛ فإن كان الذي اقتصر فيه على المفعول مثلا، أو جاريا مجرى المثل في كثرة الاستعمال؛ امتنع الإظهار ولزم الاقتصار، فالمثل كقولهم: كلّ شيء ولا شتيمة (٢) حرّ، أي ائت ولا ترتكب، وهذا ولا زعماتك (٣)، أي: ولا أتوهم وكليهما (٤) وتمرا، أي: أعطني وزدني، والجاري مجرى المثل قولهم: حسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، وقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ (٥)، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٦). قال سيبويه: وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: انته، فصار بدلا من قوله: ائت خيرا، قال: ونظير ذلك من الكلام قوله: انته أمرا قاصدا، كأنه قال: انته وائت أمرا قاصدا، إلا أن هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل (٧)، يعني أن قول من قال: انته أمرا قاصدا، ليس مثل انته خيرا لك في كثرة الاستعمال، فلزم إضمار الفعل فيه، كما لزم إضمار الفعل في ذلك، وقد غفل الزمخشري عن كلام سيبويه فجعل انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ وانته أمرا قاصدا سواء (٨)، ومذهب الكسائي أن خَيْراً منصوب بيكن محذوفا، والتقدير: يكن الانتهاء خيرا لكم (٩)، وردّ عليه الفراء بأن قال: لو صح هذا التقدير لجاز أن يقال: انته أخانا، على تقدير: تكن أخانا، وزعم هو أن التقدير: انتهوا انتهاء خيرا لكم، فحذف المصدر وأقيمت صفته مقامه (١٠)، وهذا القول مردود بقولهم: حسبك خيرا لك، فإن تقدير مصدر هنا لا يحسن، وبقولهم: -

стр. 1729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وراءك أوسع لك؛ فإن أوسع صفة لمكان لا مصدر (١)، ومثله ما أنشد سيبويه من قول الشاعر [٢/ ٣٢٨] (٢): ١٣٤٢ - فواعديه سرحتي مالك ... أو الرّبا بينهما أسهلا (٣) وأسهل بمعنى: مكان سهل، وأجاز السيرافي أن يكون مكانا بعينه (٤)، وعلى كل حال لا يصلح أن يراد به المصدر، ولا أن يراد به ما قدر الكسائي، وإذا بطل قول الكسائي، وقول الفراء، تعين الحكم بصحة القول الأول، وهو قول الخليل وسيبويه، وقد جعل سيبويه من المنصوب باللازم إضماره قول ذي الرمة: ١٣٤٣ - ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عرب ولا عجم (٥) قال سيبويه: كأنه قال: اذكر ديار مية؛ ولكنه لا يذكر اذكر؛ لكثرة ذلك في كلامهم (٦). وقال سيبويه: ومن العرب من يرفع الديار؛ كأنه يقول: تلك ديار فلانة، وقال أيضا: ومن العرب من يقول: كلاهما وتمرا؛ كأنه قال: كلاهما لي وزدني تمرا، وكل شيء ولا شتيمة حر، كأنه قال: كل شيء أمم، ولا شتيمة حر، وترك ذكر الفعل بعد لا (٧). -

стр. 1730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا نصه، وإلى هذا أشرت بقولي: وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرا؛ وقد تناول قولي: فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال؛ نحو: إيّاي وكذا بإضمار: نحّ، ونحو: إياك وكذا بإضمار: ابق، وهذا المسمى تحذيرا، ولا يلزم إضمار الناصب فيه إلا مع إياك وأخواتها، ومع مكرر، نحو: الأسد الأسد، ومع معطوف ومعطوف عليه نحو: «ماز رأسك والسيف» (١)، ولا يحذف العاطف بعد إياك إلا والمحذور مجرور بمن، نحو: إياك من الشر، وتقديرها مع «أن» كاف، نحو: إياك أن تسيء على تقدير: إياك من أن تسيء، فحذف «من»؛ لأن مثل هذا في «أن» مطرد، فلو وقعت الإساءة موقع «أن تسيء» لم يجز حذف «من» إلا في الضرورة (٢)، كقول الشاعر: ١٣٤٤ - وإيّاك إيّاك المراء فإنّه ... إلى الشّرّ دعّاء وبالشّرّ آمر (٣) أراد: إياك أن تماري، ثم أوقع موقع «أن تماري» المراء، فعامله معاملة ما هو واقع موقعه، ويجوز أن يكون نصب المراء بفعل مضمر غير الذي نصب إياك. وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر، وليس العطف بعد إياك من عطف الجمل، خلافا لابن طاهر وابن خروف (٤)، ولا من عطف المفرد على تقدير: اتق نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك، بل هو من عطف المفرد، على تقدير: اتق تلاقي نفسك والشر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ولا شك أن هذا أقل تكلفا فكان أولى ويساوي التحذير في كل ما ذكرته [٢/ ٣٢٩]-

стр. 1731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإغراء، نحو: أخاك أخاك، بإضمار الزم وشبهه ... انتهى كلام المصنف (١). ولا بد مع ذلك من الإشارة إلى أمور: ١ - منها: أن العامل الناصب لمعموله بالنسبة إلى الإظهار والإضمار، على ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه الإظهار، وهو ما لا دليل عليه لو أضمر، كقولك ابتداء من غير قرينة قول أو حال، زيدا مثلا أو عمرا؛ فإنه لا يجوز (٢)، وهذا القسم لم يحتج المصنف أن ينبه عليه، لأنه ذكر القسمين الآخرين، وهما ما يجوز فيهما الأمران وما يجب فيه الإضمار، ونبه على أسباب كل منهما؛ فما انتفت عنه أسباب الجواز وأسباب الوجوب يعلم أن إظهار العامل فيه واجب؛ لأن إظهار العامل وذكره مع عامله هو الأصل، ثم إن المجوز للحذف أن يكون ثمّ دليل على المحذوف، ولهذا اقتصر غير المصنف على ذلك واكتفى به، وأما المصنف؛ فإنه تعرض لأسباب الدلالة، فذكر اثني عشر سببا كما علمت (٣)، ويظهر أنه استوفى الأسباب كلها، وأما الموجب للحذف وهو المعبر عنه بالإضمار؛ فذكر له المصنف سببين وهما: أن يكون الحذف في مثل نحو: كلّ شيء ولا شتيمة حرّ، أو ما هو جار مجرى المثل في كثرة الاستعمال، كقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ (٤) كما تقدم (٥). وحاصل الأمر: أن ما لا دليل عليه من العوامل يجب ذكره، وما دل عليه لو حذف دليل جاز فيه الذكر والحذف، وما دل عليه دليل وكان له بدل يقوم مقامه وجب حذفه، وكذا ما كان مثلا أو جرى مجرى المثل في كثرة الاستعمال. ٢ - ومنها: أن المصنف؛ إنما قال: (يجوز الاقتصار على منصوب الفعل)، ولم يقل: على المفعول به، وإن كان الباب معقودا له؛ لتشمل عبارته سائر المنصوبات من: مفعول به ومفعول فيه ومفعول له ومفعول مطلق وحال (٦)، ولهذا لما تكلم ابن عصفور في ذلك عمّ القول بالنسبة إلى كل معمول، ولم يقتصر على -

стр. 1732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عامل المفعول به، فقال: وقد يعرض فيما كان من عوامل الأسماء فعلا أن يضمر (١)، ثم سرد جميع ما ينصب بعامل واجب الحذف في جميع أبواب العربية (٢)، ويقال: إن بعض ملوك العرب سأل ابن عصفور عن هذه المسألة، وكان ذلك بحضرة جمع من النحاة، فشرع في ذكر ما ينتصب بعامل واجب الحذف إلى أن أتى على جميع ما تضمنته أبواب العربية من ذلك في مجلسه على الفور، دون تروّ فقضى منه حينئذ العجب، وشهد له بالتبريز في هذا الفن. والمصنف لم يخلّ بشيء مما ذكره ابن عصفور؛ لكنه فرق المسائل، فأورد كلّا في بابه؛ وأنا أشير إلى ما قاله ابن عصفور ملخصا [٢/ ٣٣٠] ثم أرجع كلام المصنف الذي أورده مفرقا إليه. وقبل ذلك فاعلم أن الواجب إضمار عامله قسمان: قسم نظم في أبواب، وهو الاسم المشتغل (٣)، والمنادى، والمخصوص، والمحذر، والمحذر منه، والمغرى به، وقسم لم ينظم، وإنما ذكر في أبواب متفرقة، لمناسبة كل من ذلك بالباب الذي يذكر فيه، فابن عصفور ذكر الأمور التي نظمت في أبوابها، وذكر المتفرق في الأبواب؛ لكنه لم يلتزم هذا الترتيب في الذكر؛ بل قال: فمنه المنادى، والاختصاص، ومنه الصفات المقطوعة على المدح، أو الشتم، أو الترحم قال: فإنها صارت بدلا من أمدح، وأذم، وأرحم، ومنه الاسم المشتغل عنه، ومنه: إياك والأسد - يعني التحذير - وشأنك والجمع - يعني الإغراء -، ومنه أمرأ ونفسه وأهلك، والليل وغديرك، وهذا ولا زعامتك، وكليهما وتمرا، وكل شيء ولا شتيمة حر، ومن أنت زيدا ومرحبا، وأهلا وسهلا؛ وإن تأتني فأهل الليل، وأهل النهار، وانْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٤) وحسبك خيرا، ووراءك أوسع لك، ومنه في الدعاء: سقيا ورعيا، والدعاء عليه: أفّة وتقّة، وزفرا، ومنه إلا أنه لا يستعمل إلا مضافا: ويحك، وويلك، وويبك (٥) وونيك، ومنه إلا أنه في غير الدعاء: حمدا وشكرا، لا كفرا وعجبا، وكرامة ومسرة، ومنه: ولا كبدا ولا همّا، ومنه وزعما وهو أنا، ومنه: -

стр. 1733

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما أنت إلا سيرا؛ وإنما أنت سيرا، ومنه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (١)، ومنه: له صوت صوت حمار، ومنه أنت ابني حقّا، وله ألف درهم عرفا، ومنه: صنع الله، وكتاب الله، وسبحان الله وريحانه، ومعاذ الله، وعمرك الله وبعدك الله، وكذا ما جاء مثنى، نحو: حنانيك، ولبيك، وسعديك، وهذا ذيك، ودواليك، ومنه وهو مما جرى مجرى «سبحان» (٢) في المعنى؛ إلا أنه غير مصدر سبّوحا قدّوسا، أي: ذكرت سبّوحا، قدّوسا، أو اذكر، ومما أجري مجرى المصادر في الدعاء، وفي غير الدعاء: عائذا بك، وأقائما وقد قعد الناس؟، وأقاعدا وقد سار الركب؟، ومنه: أتميميّا مرة، وقيسيّا أخرى؟ ومنه أأعور وذا ناب (٣)، وفيه إضمار كان، وإنابة «ما» منابها، ومنه: أخذته بدرهم فصاعدا وبدرهم فزائدا، هذا ما تضمنه كلام ابن عصفور (٤). فأما المنادى، والمخصوص، والمشتغل عنه، والمحذر، والمغرى به، فقد ذكرها المصنف في أبوابها، وأما الصفات المقطوعة فقد ذكرها في باب النعت، وأما: امرأ ونفسه وما ذكر بعده إلى: إن تأتني فأهل النهار وأهل الليل، فقد ذكر المصنف ذلك في باب التحذير والإغراء؛ لأنه ملحق بهما في التزام إضمار [٢/ ٣٣١] الناصب على أن قول المصنف هنا: (فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه فهو لازم) يشمل الكلمات المذكورة أيضا، وأما انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٥)، وحسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، فقد ذكره المصنف في هذا الباب، وجعله شبه المثل في كثرة الاستعمال، وأما سقيا ورعيا، وما ذكر بعدهما إلى هذاذيك ودواليك، فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق، وأما سبّوحا، قدّوسا، وهو ما جرى مجرى «سبحان» في المعنى إلا أنه غير مصدر؛ فلم يذكره المصنف، وفي كون ناصبه واجب الحذف نظر؛ إذ لا بدل عنه كما أن «سبحان» بدل من اللفظ بعامله لكن قد نقل ابن عصفور ذلك، وهو الإمام في هذا العلم والنقول لا تدفع، وأما هنيئا مريئا؛ فقد ذكرهما المصنف في باب الحال، وأما عائذا بك إلى أعور وذا ناب؛ فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق أيضا، وذكر أن الصفات أحوال؛ وأن الأسماء مفعولات على الأصح فيها، وأما حذف كان وإنابة «ما» منابها؛ فذكره -

стр. 1734

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في باب كان، وأما أخذته بدرهم فصاعدا، وبدرهم فزائدا؛ فقد ذكره في الحال أيضا، وعلى هذا فجملة الأبواب التي يجب فيها حذف الناصب ثمانية وهي: النداء، والاختصاص، والاشتغال، والتحذير، والإغراء، وما ألحق بهما، والصفات المقطوعة، والمفعول المطلق وهو أقسام، والحال. ٣ - ومنها: أنه قد تقدم أن الأصح من المذاهب الثلاثة في المسألة المذكورة في قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (١) أن خيرا منصوب على أنه مفعول به بفعل مقدر، والتقدير: انتهوا أو ائتوا خيرا لكم؛ وأنه مذهب الخليل وسيبويه (٢)، واستدل الأئمة لصحته بأنك إذا قلت: انته خيرا لك، فنهيته؛ علم أنك تأمره بما هو خير، فكأنك قلت: وائت خيرا، قالوا: وإنما علم ذلك من النهي؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، قالوا: ويدل على بطلان مذهبي الكسائي والفراء في هذه المسألة قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٣)؛ لأنه لو حمل على ما قالا، لا يكون خيرا؛ لأن من انتهى من التثليث وكان معطلا؛ لا يكون خيرا له. وفي قول سيبويه: وائت خيرا؛ يكون أمرا بالتوحيد الذي هو خير (٤)، واعلم أن حسبك من قولهم: حسبك خيرا لك، إما مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: حسبك الذي فعلت، أو: الذي فعلت حسبك، و «خيرا» مفعول بفعل محذوف، التقدير: وائت خيرا، لأن حسبك معناه كف، ولما أمره بالكف علم أنه محمول على غيره، فقال: خيرا لك، أي: وائت خيرا لك كما ذكر في انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ سواء، وأما ورائك أوسع لك، فوراءك اسم فعل معناه تأخر [٢/ ٣٣٢] وضده أمامك بمعنى تقدم، «وأوسع» منصوب بإضمار فعل، التقدير: خذ مكانا أوسع لك، أو: ائت مكانا أوسع؛ لأنه لما نهاه عن التقدم بقوله: وراءك؛ علم أنه يأمره بإتيان ما هو أوسع له (٥). ٤ - ومنها: أن الشيخ قال في قول المصنف: (فيلزم حذف ثاني الجزأين): لو -

стр. 1735

[مواضع حذف المفعول ومواضع ذكره] قال ابن مالك: (فصل: يحذف كثيرا المفعول به غير المخبر عنه والمخبر به والمتعجّب منه والمجاب به والمحصور، والباقي محذوفا عامله، وما حذف من مفعول به فمنويّ لدليل أو غير منويّ؛ وذلك إمّا لتضمين الفعل معنى يقتضي اللّزوم، وإمّا للمبالغة بترك التّقييد، وإمّا لبعض أسباب النّيابة عن الفاعل). ــ قال: حذف أحد الجزأين كان أحسن؛ لأنه إذا حذف المبتدأ فليس هو ثاني الجزأين (١). ويجاب عن المصنف؛ بأنه لم يرد بالثاني المذكور في الرتبة الثانية، بل الواحد من الاثنين؛ لأن كلّا منهما ثان للآخر. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): الغرض الآن بيان ما يجوز حذفه وما لا يجوز حذفه من المفاعيل، فاستثنيت المخبر عنه قاصدا المفعول القائم مقام الفاعل، والأول من مفعولي ظن وأخواتها، والثاني من مفاعيل أعلم وأخواتها؛ فإن الكلام على ذلك قد تقدم، واستثنيت أيضا المفعول المتعجب منه، كزيد من قولك: ما أحسن زيدا؛ فإن بيان ما يحتاج إليه يأتي في بابه إن شاء الله تعالى، وما سوى ذلك من المفاعيل يجوز حذفه؛ إن لم يكن جوابا، كقولك: زيدا، لمن قال: من رأيت؟، ولا محصورا كقولك: ما رأيت إلا زيدا (٣)، ولا محذوفا عامله كقولك: خيرا لنا وشرّا لعدونا (٤)؛ فهذه الأنواع الثلاثة من المفاعيل لا يجوز حذفها، وما سواها يجوز حذفه، والمحذوف على ضربين: أحدهما: ما يحذف لفظا ويراد معنى، كالعائد إلى الموصول في قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (٥). والثاني: ما يحذف لفظا ومعنى؛ والباعث على ذلك إما تضمين الفعل معنى يقتضي اللزوم، وإما قصد المبالغة، وإما بعض أسباب النيابة عن الفاعل، فالأول كتضمين جرح معنى عماث، ومنه قول الشاعر: -

стр. 1736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٤٥ - فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... إلى الضّيف يجرح من عراقيبها نصلي (١) وكتضمين أصلح معنى لطّف في قولك: أصلح الله نفسك وأهلك، ولو لم يضمن معنى لطف لقيل: صلح الله نفسك وأهلك، ومنه - والله أعلم - قوله تعالى: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي (٢)، والثاني كقولك: فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع؛ فإن حذف المفعول في هذا وأمثاله مبالغة يشعر بكمال الاقتدار، وتحكيم الاختيار، ومنه - والله أعلم - قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ * (٣). والثالث: مرتب على الأسباب الداعية إلى حذف الفاعل، وإقامة غيره مقامه، فمن ذلك [٢/ ٣٣٣] الإيجاز كقوله: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا (٤)، ومن ذلك مشاكلة المجاور، كقوله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٥)، ومن ذلك إصلاح النظم، كقول الشاعر (٦): ١٣٤٦ - وخالد يحمد ساداتنا ... بالحقّ لا يحمد بالباطل (٧) أراد خالد يحمده ساداتنا؛ فحذف الهاء ليستقيم الوزن، ومن ذلك حذف المفعول لكونه معلوما، وهو كثير، كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (٨)، وكقوله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ (٩)، وكقوله تعالى: فَمَنِ -

стр. 1737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١)، وكقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٢)، وكقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣)، ومن ذلك حذفه لكونه مجهولا كقولك: ولدت فلانة؛ إذا عرفت ولادتها وجهلت ما ولدت، ومن ذلك الحذف لكون التعين غير مقصود، وكقوله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (٤)، وكقول النبي ﷺ : «فإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» (٥)، ومن ذلك حذفه تعظيما للفاعل، كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي (٦) وعكس ذلك: شتم فلان، إذا كان المشتوم عظيما والشاتم حقيرا، وقد يحذف المفعول تخوفا منه كقولك: أبغضت في الله، ولا تذكر المبغض خوفا منه .. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٧)، وقد بين ما أراد بالمخبر عنه، ولم يبيّن ما أراد بالمخبر به؛ ولا شك أنه يريد به الثاني من مفعولي «ظن»، والثالث من مفاعيل «أعلم»، ولا خفاء أن الكلام تقدم على الآخر، ثم في كونه قصد بالمخبر عنه المفعول القائم مقام الفاعل نظر؛ لأن كلامه الآن في المفعول لفظا ومعنى، وهو المنصوب لفظا أو محلّا لا في المفعول معنى فقط على أنه قد عرف أن القائم مقام الفاعل حكمه في وجوب الذكر حكمه، ثم في قوله: إن من أسباب الحذف قصد المبالغة بترك التقييد مناقشة؛ فإننا في نحو: فلان يعطي ويمنع لن نحذف شيئا؛ ولكن لم يذكر للفعل مفعولا؛ وفرق بين حذف الشيء وعدم ذكره؛ فإن الحاذف يقدر المتعلق فيتقيد الفعل به؛ لأن المقدر في حكم المذكور، أما إذا لم يقصد المتكلم متعلقا؛ بل قصد الإخبار بوقوع الفعل دون نظر إلى متعلق، فلا شك أنه لا يقدر شيئا، وإذا لم يقدر فلا حذف (٨)، ولهذا قال أصحاب علم المعاني: إنه إذا كان الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل مطلقا، أو نفيه عنه كذلك ينزل المتعدي حينئذ منزلة اللازم؛ فلا يذكر له مفعول ولا يقدر أيضا؛ لأن -

стр. 1738

[تعدي الفعل بالهمزة والتضعيف] قال ابن مالك: (فصل: يدخل في هذا الباب على الثّلاثيّ غير المتعدّي إلى اثنين همزة [٢/ ٣٣٤] النّقل فيزداد مفعولا إن كان متعدّيا، ويصير متعدّيا إن كان لازما، ويعاقب الهمزة كثيرا، ويغني عنها قليلا تضعيف العين ما لم تكن همزة، وقلّ ذلك في غيرها من حروف الحلق). ــ المقدر في حكم المذكور (١)، والمصنف رحمه الله تعالى: لا يخفى عنه ذلك، ولكنه تجوز بالحذف عن عدم الذكر (٢). قال ناظر الجيش: قال المصنف: احترزت بقولي في هذا الباب: من باب علم؛ لأن همزة النقل فيها أوصلت «علم ورأى» إلى مفعول ثالث، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى (٣)، والغرض الآن تبيين دخول الهمزة على أفعال غير ذلك الباب، وبينت باستثناء المتعدي إلى اثنين أن «كسوت» ونحوه من الثلاثي المتعدي إلى اثنين لا يدخل عليه همزة، ولا تضعّف عينه على القصد المشار إليه، وقد تقدم الإعلام بأن امتناع هذا في غير باب «علم» مجمع عليه: ومثال ما ازداد مفعولا بعد تعديه إلى واحد: أكفلت زيدا عمرا، وكفّلته إيّاه، وأغشيت الشيء الشيء، وغشّيته إيّاه، ومثال الصائر متعديا بعد أن كان لازما: أنزلت الشيء، ونزلته وأبنته وبيّنته (٤) وهذا من التعاقب الكثير بين الهمزة وتضعيف العين، ومثال التضعيف المغني عن الهمزة: قويت الشيء وهيّأته، وحكّمت فلانا، وطهّرت الشيء، ونظّفته، وسلّمته وقدّمته، وأخّرته، وحصّلته، وهذا النوع المستغنى فيه عن أفعل بفعّل - مع كثرة مثله - قليل بالنسبة إلى النوع المستغنى فيه عن فعّل بأفعل، ولذلك وجد في أفعل ما يتعدى إلى ثلاثة دون حمل على غيره، ولم يوجد ذلك في فعّل إلا نبّأ، وحدّث، وهما محمولان على أعلم بتضمين معناها (٥)، ومما يبين لك أن -

стр. 1739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أفعل أمكن من فعّل فيما اشتركا فيه استغناؤهم بأفعل لزوما فيما عينه همزة كأنأيت وأمأيت، وعليه فيما عينه حرف حلق غير همزة، كأذهلته، وأوهيته، وأرهقته، وأحجزته، وألحمته، وأسعده، وأسعفه، وأوعره، وأوغله، وأدخله، وأثخنه. وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل، وفعّل، نحو: أوهنه ووهّنه، وأمهله ومهّله، وأنعمه ونعّمه، وأبعده وبعّده، وأضعفه وضعّفه، هذا آخر كلام المصنف (١)، وقد بقي الكلام في أمرين: أحدهما: أن النحاة مختلفون في التعدية بالهمزة، هل هو أمر قياسي أو سماعي؟!، وكذا التعدية بالتضعيف، أما التعدية بالهمزة ففيها ثلاثة مذاهب: منهم: من ذهب إلى أنه كله سماع؛ فلا يقال منه إلا ما قالته العرب، ولم يكثر عنده كثرة توجب القياس (٢). ومنهم: من ذهب إلى أنه مقيس في غير المتعدي (٣)، فيقال منه ما لم يسمع قياسا على ما سمع؛ لأنه كثر، فما لم يسمع إنما كان عدم سماعه بالاتفاق، ولو تعرض للعرب لقالته، كما يقال اسم الفاعل [٢/ ٣٣٥] من كل فعل سمع أو لم يسمع، وأما المتعدي فلا يقال منه إلا ما قالته العرب؛ لأنه لم يكثر فيقاس عليه. قال سيبويه: ألا ترى أنه ليس كل فعل كأولني (٤)، وذكر فيما لا يتعدى أن النقل بالهمزة فيه كثير (٥). قال ابن أبي الربيع: فحصل من هذين الموضعين أن مذهبه - والله تعالى أعلم - أنه قياس في غير المتعدي، وسماع في المتعدي، قال: وعلى هذا المذهب أكثر النحويين، وهو الصواب (٦). -

стр. 1740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنهم: من ذهب إلى أنه قياس في غير المتعدي، وفيما يتعدى إلى واحد (١)؛ وإنما قيد المتعدي بكونه إلى واحد؛ ليخرج باب «ظننت»، فإن التعدي فيه بالهمزة موقوف على السماع، ومنهم من قاس «ظننت» على علمت فعداها بالهمزة إلى ثلاثة. وأما التعدية بالتضعيف ففيها مذهبان: منهم: من قال: إنه قياس، ومنهم: من قال: إنه سماع، سواء أكان الفعل لازما أم متعديا (٢). قال ابن أبي الربيع: وهو الأصح، وقال غيره (٣): إنه هو الظاهر من مذهب سيبويه. وقد تلخص من هذا الذي ذكرنا؛ أن النقل بالهمزة قياس في اللازم، سماع في المتعدي، وبالتضعيف سماع في المتعدي واللازم، وأن منهم من قال بالقياس في التضعيف، ومنهم من قال بالسماع فيهما. واعلم أن ابن أبي الربيع ذكر أن النقل يكون بثلاثة أشياء وهي: الهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، كما تقول: ذهبت بزيد، أي: أذهبته (٤)، والذي قاله صحيح ولكن النقل بالحرف لا يذكر في هذا الباب؛ لأنه معقود لما هو منصوب من المفعولين، وما دخل عليه حرف الجر مجرور، فوجب ذكره في المجرورات، وقد ذكر المصنف ذلك في باب حروف الجر، ثم قال ابن أبي الربيع: وذهب الكوفيون إلى أن الأشياء التي ينقل بها الفعل فيصير متعديا ستة: الثلاثة المتقدمة التي ذكرها البصريون، وثلاثة أخر وهي: ١ - إسقاط الهمزة نحو: أكبّ زيد على وجهه، وكبه الله على وجهه، قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ (٥)، وقال الله تعالى: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ (٦)، ومنه ثلّثت الرجلين؛ إذا صيرتهم ثلاثة، وأثلثوا؛ إذا صاروا ثلاثة، وكذلك: أنزفت البئر ونزفتها. -

стр. 1741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢ - وتغير الحركة نحو: شترت عينه وشترها الله (١)، ومنه: كسيت الثوب إذا لبسته وكسوته إذا ألبسته، قال الشاعر (٢): ١٣٤٧ - لقد زاد الحياة إليّ حبّا ... بناتي إنّهنّ من الضّعاف وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبوا العين عن كرم عجاف (٣) معنى كسي الجواري: لبس. ٣ - أن يكون النقل بغير زيادة ولا تغير في اللفظ، وإنما يكون بتغيير في التقدير؛ وذلك نحو: شجا فوه وشجا فاه، وفغر فوه وفغر فاه، فمعنى شجا فوه: انفتح، ومعنى شجا فاه: فتح فاه [٢/ ٣٣٦]، وكذلك فغر فوه وفغر فاه، ومنه: أمأت الدراهم، وأمأت هي اللفظ واحد، والتقدير مختلف، والبصريون يذهبون إلى أن هذه الأشياء لم تفعل للنقل، لم يكن شترت عينه، فلما أرادوا النقل، قالوا: شترها الله، ولو أرادوا لقالوا: أشترها الله، وإنما شترها: جعل فيها الشتر (٤)، قال: وكذلك الكلام فيما يأتون به من هذا النوع. الأمر الثاني: قال الشيخ: وزاد بعضهم فيما يعدي السين، والتاء، نحو: حسن زيد، واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز، واستطعمته الخبز، وألف المفاعلة: نحو سايرته، وجالسته، وماشيته في: سار، وجلس، ومشى (٥). انتهى. -

стр. 1742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وليس هذا بشيء؛ فإن الحرف الذي يحصل به النقل، إنما يجاء به لمجرد النقل، فلا يفيد معنى آخر، كما في: أقام زيد عمرا، وأجلس بكر خالدا، وأذهب الله الرجس؛ ولا شك أن السين والتاء يفيدان معنى غير النقل، وكذلك ألف المفاعلة جيء بها لمعنى مقصود والتحقيق في هذا أن استفعل غير فعل؛ لأنه بناء مستقل صيغ الفعل عليه؛ ليفيد أحد المعاني المقصودة منه، وكذا فاعل أيضا، فليس ذلك من باب النقل والتعدية في شيء. * * *

стр. 1743

الباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحدا [تعريف التنازع - العامل في المتنازع فيه] قال ابن مالك: (إذا تعلّق عاملان من الفعل وشبهه متّفقان لغير توكيد أو مختلفان بما تأخّر غير سببيّ مرفوع عمل فيه أحدهما لا كلاهما خلافا للفرّاء في نحو: قام وقعد زيد). قال ناظر الجيش: قد يقال: أي موجب لإيراد باب التنازع في هذا الموضع، حتى فصل به بين أبواب المفاعيل، ولم لا أورد أبواب المفاعيل الخمسة مواليا بين بعضها، والبعض الآخر، كما فعل غيره، والذي يظهر أن المقتضي لذلك أنه لما ذكر المفعول به، وقد تقدمه ذكر الفاعل، ومعلوم أن الفاعل يلزم ذكره، وأن المفعول به من متعلقات الفعل، وكان كلام العرب الجمع بين عاملين وأكثر، ثم إنهم لا يذكرون بعد العاملين أو العوامل إلا شيئا واحدا، فاعلا كان أو مفعولا، وكل من العاملين، أو العوامل يطلب ذلك الشيء من جهة المعنى، فيسلطون عليه أحد العاملين أو العوامل، ويحتاجون حينئذ إلى إضمار في أحد العاملين، أو تقدير معه، وذلك يحتاج إلى عمل، فأفرد النحاة لذلك بابا سموه بالتنازع، وقد يسمونه بالإعمال، وناسب أن يورد الباب المذكور بعيد هذين البابين - أعني باب الفعل وباب المفعول به -؛ لأن الحال يرجع إما إلى إضمار فاعل، وإما إلى تقدير مفعول، ولو أخر الباب المذكور أو قدم قلت المناسبة المذكورة. وإذ قد عرف هذا فاعلم أن [٢/ ٣٣٧] المصنف لم يصرح بحد التنازع، ولكن يعرف الحد من كلامه؛ فإنه كما قال الشيخ: أبرزه في صورة شرطية (١)، قلت: وهو نظير ما فعل في الاشتغال؛ فإنه لم يحد الاسم المشتغل عنه، وإنما أورد كلاما في صورة شرط وجواب يستفاد منه المقصود، وليعلم أن المقتضي لذكر معمول واحد مع معمولين هو قصد الاختصار. فالحاصل: أنه إن أريد الإطناب والتعظيم تعدّد المعمول، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٢) وإن أريد الإيجاز وحّد المعمول مع تعدد العامل، كقوله -

стр. 1744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (١)، ثم أنا أورد كلام المصنف أولا فإذا انتهى أتبعته بما يتعين الإشارة إليه، والتنبيه عليه. قال رحمه الله تعالى (٢): العاملان من الفعل، وشبهه يتناول المتنازعين بعطف، وغير عطف، فعلين كانا، نحو: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٣)، أو فعلا واسما، نحو: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (٤)، أو اسمين، نحو: أنا مكرم ومفضل زيدا (٥)، والعاملان في هذه الأمثلة متفقان في العمل، ومثال اختلافهما: أكرمت ويكرمني زيد، ومثال اختلافهما اسمين: أنا مكرم ومحسن إلى زيد، ومثال اختلافها اسما وفعلا، هل أنت مكرم فيشكرك زيد؟ وهذا كله على إعمال الثاني، ولو أعملت الأول لقلت: أكرمت ويكرمني زيدا، وهل أنت مكرم فيشكرك زيدا؟ بإضمار فاعلي يكرم ويشكر، ولو أعملت الأول في مسألة أنا مكرم، لقلت: أنا مكرم ومحسن إليه زيدا (٦)، ومن إعمال الأول والعاملان اسمان قول الشاعر (٧): ١٣٤٨ - وإنّي وإن صدّت لمثن وصادق ... عليها بما كانت إلينا أزلّت (٨) فلو كان ثاني العاملين مؤكدا؛ لكان في حكم الساقط، كقول الشاعر: ١٣٤٩ - أتاك أتاك اللّاحقون احبس احبس (٩) -

стр. 1745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فـ «أتاك» الثاني توكيد للأول؛ فلذلك لك أن تنسب العمل لهما لكونهما شيئا واحدا في اللفظ والمعنى، ولك أن تنسبه للأول وتلغي الثاني، لفظا أو معنى، لتنزله منزلة حرف زيد للتوكيد؛ فلا اعتداد به على التقديرين؛ ولولا عدم الاعتداد به، لقيل: أتاك أتوك أو أتوك أتاك (١)، وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: متفقان لغير توكيد؛ وفي قولي: بما تأخر؛ تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرا؛ لأنك إذا قلت: زيد أكرمته، ويكرمني، وزيد هل أنت مكرمه فيشرك، وزيد أنا مكرمه ومحسن إليه أخذ كل واحد من العاملين مطلوبه، ولم يتنازعا (٢)، ونبهت بقولي: غير سببي مرفوع؛ على أن نحو: زيد منطلق مسرع أخوه، لا يجوز فيه تنازع؛ لأنك لو قصدت فيه التنازع لأسندت أحد العاملين إلى السببي، وهو الأخ وأسندت [٢/ ٣٣٨] الآخر إلى ضميره، فيلزم عدم ارتباطه بالمبتدأ؛ لأنه لم يرفع ضميره ولا ما التبس بضميره ولا سبيل إلى إجازة ذلك؛ فإن سمع مثله حمل على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين المتقدمين عليه، وفي كل واحد منهما ضمير مرفوع، وهما وما بعدهما خبر عن الأول، ومنه قول كثير: ١٣٥٠ - قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها (٣) -

стр. 1746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: وعزة غريمها ممطول معنى، وفي تقييد السببي بمرفوع (١) تنبيه على أن السببي غير المرفوع لا يمتنع من التنازع كقولك: زيد أكرم وأفضل أخاه، وجعل الفراء الرفع في نحو: قام وقعد زيد بالفعلين معا (٢)، والذي ذهب إليه غير مستبعد (٣)؛ فإنه نظير قولك: زيد وعمرو منطلقان، على مذهب سيبويه؛ فإن خبر المبتدأ عنده مرفوع بما هو له (٤)؛ فلزمه أن يكون «منطلقان» مرفوعا بالمعطوف والمعطوف عليه؛ لأنهما يقتضيانه معا، ويمكن أن يكون على مذهبه قول الشاعر: ١٣٥١ - إنّ الرّغاث إذا تكون وديعة ... يمسي ويصبح درهما ممحوقا (٥) فلو كان العطف بأو أو نحوهما، ممّا لا يجمع بين الشيئين، لم يجز أن يشترك العاملان في العمل، كقول الشاعر: ١٣٥٢ - وهل يرجع التّسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والدّيار البلاقع (٦) -

стр. 1747

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وليس هذا من باب التنازع؛ إذ لو كان منه لكان أحد الفعلين بتاء؛ لأن فاعله على ذلك التقدير ضمير مؤنث؛ وإنما يحمل على أنه أراد: وهل يرجع التسليم ما أشاهد واستغنى بالإشارة، كما قالوا: إذا كان غدا فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه فأتني (١)، ثم أبدل ثلاث الأثافي من الضمير المنوي. انتهى كلام المصنف (٢). وأما ما يشار إليه وينبه عليه فأمور: الأول: أن كلام المصنف في ترجمة الباب وما افتتح الباب به اشتمل على ضوابطه التي ذكرها غيره، فمنها: أن العوامل المتنازعة يجوز أن تزيد على اثنين، كما سيأتي شواهد ذلك؛ لكنهم ذكروا أنه لم يرد في كلام العرب أكثر من ثلاثة (٣). ومنها: أن المعمول المتنازع فيه يجب أن يكون واحدا، ومن الناس من لم يصرح بوجوب الوحدة؛ فكان كلامه محتملا، ومنهم من صرح؛ بأن المعمول يجوز أن يزيد على واحد؛ ولذا قال ابن عصفور لما ذكر التنازع، هو أن يجتمع عاملان فصاعدا (٤)، ويتأخر عنهما معمول فصاعدا، وقرر الشيخ بهاء الدين بن النحاس كلامه، ومثل له بنحو: ظننت وعلمت زيدا منطلقا، حتى جعل الشيخ أثير الدين المسألة خلافية، فقال: إن المصنف ذكر المجمع عليه في قوله في الترجمة: معمولا واحدا، وذكر [٢/ ٣٣٩] المختلف فيه في آخر الباب (٥)، يعني به قوله: ولا يمنع التنازع تعدّ إلى أكثر من واحد، والذي يظهر أن المعمول إنما يكون واحدا، وهو في قولنا: متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا، واحد لا متعدد؛ لأن المراد بتوحد المعمول: أن يكون معمول أحد العاملين هو المذكور دون معمول العامل الآخر، سواء أكان ذلك المعمول في نفسه واحدا أو أكثر، وليس المراد توحده في نفسه؛ بأن يكون واحدا فقط، هكذا فهم من قوة كلامهم مع مساعدة المعنى. ومنها: أن العوامل كما تكون أفعالا تكون غير أفعال كالأسماء العاملة عمل الفعل لا كالحروف؛ فإنهم نصوا على أن لا مدخل لها في هذا الباب (٦)، وقد -

стр. 1748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ استفيد عدم دخول الحرف من قوله: (عاملان من الفعل وشبهه) فإن الحروف العاملة ليست شبه الفعل؛ وإنما هي مشبهة بالفعل، وقيد ابن عصفور العوامل بكونها متصرفة تحرزا من «إنّ» وأخواتها، كما قال (١)، وليس بجيد؛ لأن العامل في هذا الباب قد يكون اسم فعل؛ قال الله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (٢)، ولا شك أن أسماء الأفعال لا تتصرف. ومنها: أن المعمول يكون مؤخرا عن العاملين، أو العوامل؛ فلا يجوز تقدمه ولا توسطه وهذا هو المشهور المعروف، وعليه إطباق النحاة، ولعله إجماع (٣)، وقد نقل عن الفارسي في قول الشاعر (٤): ١٣٥٣ - مهما تصب أفقا من بارق تشم (٥) إنّ «من» زائدة و «بارق» في موضع نصب بـ «تشم»، ومفعول «تصب» -

стр. 1749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ محذوف وهو ضمير عائد على «بارق». قال الشيخ بعد نقله ذلك: والإعمال مع المتوسط غريب، ويدل على أن التقدم في العاملين ليس بشرط. انتهى (١). ولا معول على هذا، ولا ينبغي التشاغل به، ويكفي أنه قول مخالف للإجماع وقد رأيت لبعض الفضلاء الشارحين لهذا الكتاب بحثا في هذا الموضع، وهو أنه قال: الذي يظهر أن تأخير المعمول ليس بشرط في جواز التنازع؛ بل حيث يقدّم المعمول أو يوسط، وجاز عمل كل من العاملين مع تقدمه أو توسطه، جاز فيه التنازع، وحيث امتنع عملهما، أو عمل أحدهما فيه فليس من باب التنازع؛ فإذا قلت: زيد ضارب مكرم عمرا فـ «ضارب» و «مكرم» صالحان للعمل في «عمرو» إذا تقدم أو توسط فلا مانع من التنازع إذا تقدم أو توسط، نحو: زيد عمرا ضارب مكرم، وزيد ضارب عمرا مكرم، و «ضارب» و «مكرم» خبران؛ فإن امتنع عملهما، أو عمل أحدهما لمانع؛ لم يكن من باب التنازع، كقولك: زيد قام وقعد؛ لأن الفاعل لا يتقدم على رافعه، وكذلك قام زيد وقعد فـ «زيد» فاعل «قام» [٢/ ٣٤٠] ولا يجوز أن يرتفع بـ «قعد» لما ذكر، وكذلك لو قلت: زيدا ضربت وأكرمت، لم يجز التنازع؛ وإن كان المفعول يجوز تقديمه على عامله؛ بل يتعين نصب زيد بضرب؛ لأن أكرمت لا يعمل فيه لكونه تابعا، ومعمول التابع لا يتقدم على المتبوع على الصحيح، قال: وإذا علم هذا؛ فما أجازه الفارسي في البيت يعني: ١٣٥٤ - مهما تصب أفقا .... (٢) فيه نظر من جهة أن جواب الشرط لا يتقدم عليه معموله عند الجمهور (٣). ومنها: أن لا يكون أحد العاملين مؤكدا للآخر، وذلك إذا اتفقا لفظا ومعنى (٤) كما تقدم. ومنها: أن يكون المعمول غير سببي مرفوع، وقد عرفت العلة الموجبة لذلك (٥)، وعلم من تقييد السببي بمرفوع أن السببي المنصوب يجوز كونه متنازعا فيه؛ فإن قيل: كيف جاز التنازع في السببي المنصوب دون المرفوع، نحو قولك: زيد أكرم وأفضل أباه، فالجواب: أن المانع الذي منع التنازع في المرفوع هو خلو أحد العاملين -

стр. 1750

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الواقع خبرا من رابط يربطه بالمبتدأ، إذا قلت: ١٣٥٥ - وعزّة ممطول معنّى غريمها (١) لأن الضمير المستكن؛ إنما يعود على المضاف، وهو غريم دون المضاف إليه، وهذا المانع مفقود، إذا كان السببي منصوبا، وذلك أنك إذا قلت: زيد أكرم، وأفضل أخاه وأعملت الثاني مثلا، أو الأول: كنت قد حذفت من الآخر، والمحذوف مقدر، وإذا كان مقدرا قدر المضاف، والمضاف إليه معا، فلا يذهب الربط بخلاف ما إذا كان مضمرا (٢). ومنها: أن يكون كل من العاملين، أو العوامل طالبا لذلك المعمول من حيث المعنى، وهذا يستفاد من قول المصنف: (إذا تعلق عاملان بما تأخر)؛ لأن العامل إنما يتعلق بشيء إذا كان طالبا له، ومن ثم لم يكن قول امرئ القيس: ١٣٥٦ - فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني - ولم أطلب - قليل من المال (٣) من هذا الباب قال سيبويه رحمه الله تعالى: فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل القليل مطلوبا؛ وإنما المطلوب عنده الملك، ولو لم يرد ذلك ونصب فسد المعنى (٤)، يريد إن جعل «أطلب» عاملا في «قليل» يفسد المعنى، وتقرير ذلك أن «لو» تدل على امتناع -

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشيء لامتناع غيره، وإذا كان ما بعدها مثبت كان منفيّا في المعنى، وإذا كان منفيّا كان مثبتا؛ لأنها تدل على امتناعه، وامتناع النفي إثبات، وإذا ثبت ذلك فقوله: ١٣٥٧ - فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة فيه نفي للسعي لأدنى المعيشة فلو وجه «ولم أطلب .. إلى قليل»، أوجب فيه أن يكون فيه إثبات لطلب القليل؛ لأنه في سياق [٢/ ٣٤١] جواب «لو»، فيكون نافيا للسعي لأدنى معيشة مثبتا لطلب القليل من المال، وهو غير ما ثبت نفيه، فيؤدي إلى أن يكون نافيا مثبتا لشيء واحد في كلام واحد، وهو فاسد (١)، وإذا كان كذلك سقط استدلال الكوفيين بهذا البيت على أن إعمال الأول هو الأفصح؛ لأنهم قالوا: الشاعر فصيح، وكان يمكنه إعمال الثاني، فلما أعمل الأول من غير ضرورة دل على أن إعمال الثاني ليس بالأفصح، وإذا لم يكن الأفصح ثبت أن الأول أفصح؛ إذ لا قائل بغير ذلك، ويقوى ذلك بأنه أعمل الأول مع ارتكاب ما يلزمه من حذف المفعول من الثاني، ولو أعمل الثاني لم يلزمه ارتكاب أمر محذور، قالوا: وذلك ظاهر في أن إعمال الأول أفصح، وأجاب البصريون: بأن هذا البيت ليس من باب الإعمال في شيء، كما تقدم تقريره (٢)، قال ابن عصفور: فإن قيل: لأي شيء جعلت، ولم أطلب جوابا لـ «لو» وعطفته على كفاني حتى لزم هذا، وهلا جعلت الجملة من قوله: «ولم أطلب» معطوفة على قوله: فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ..... وكأنه قال: وأنا لم أطلب قليلا؛ فيتصور توجيهه عليه؛ فيكون من باب الإعمال بهذا الطريق؟ فالجواب: أن هذا لا يتصور، وقد كان الأستاذ أبو علي جعله من الإعمال بهذا الطريق ووجه بطلانه أن العاملين في هذا الباب، لابد أن يشتركا، وأدنى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبرا، أو يكون الفعل الثاني معمولا للأول، وذلك نحو قولك: جاءني يضحك زيد، فجعل في «جاءني» ضميرا، أو في «يضحك» حتى لا يكون هذا الفعل فاصلا، وأقل ذلك حرف العطف حتى تكون الجملتان قد اشتركتا أدنى اشتراك فيسهل الفصل، وأما إذا -

стр. 1752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جعلت «ولم أطلب» معطوفا على «فلو أن ما أسعى»؛ فإنك تفصل بجملة أجنبية ليست محمولة على الفعل الأول، فتكون إذ ذاك بمنزلة: أكرمت أهنت زيدا، والعرب لا تتكلم بهذا أصلا (١). انتهى. قال الشيخ: هذا الذي ذكره ابن عصفور من انحصار التشريك بين جملتي التنازع في العطف، وأن يكون الفعل معمولا للأول؛ وأنه لا يقع الإعمال إلا على هذين الوجهين، ليس كما ذكر ألا ترى؛ أنهم جعلوا من التنازع قوله: ١٣٥٨ - لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم (٢) فتنازع «حيّا» الأول، وهو خبر كان، و «حيّا» الثاني، وهو جواب «لو» ولا اشتراك بينهما بحرف عطف، ولا الثاني معمول للأول، وقول الآخر [٢/ ٣٤٢]: ١٣٥٩ - بعكاظ يعشي النّاظري ... ن إذا هم لمحوا شعاعه (٣) تنازع «يعشي» و «لمحوا»، وليس ثم عطف، ولا عمل للفعل الأول في الثاني، وقول الآخر: -

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٣٦٠ - ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أفاد مالا (١) وكذا قول الآخر: ١٣٦١ - علّموني كيف أبكيهم ... ..... البيت (٢) وقول الآخر: ١٣٦٢ - ألا هل أتاها على نأيها ... ...... البيت (٣) وكذا قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٤). انتهى (٥). وأقول: إن ابن عصفور؛ إنما قال: لابد أن يشترك العاملان وأدنى ذلك بحرف العطف، أو يكون الفعل الثاني معمولا للأول؛ ولا شك أن هذه العبارة تعطي عدم الانحصار، والذي ادعاه ابن عصفور إنما هو أن يشترك العاملان، والاشتراك أعم من أن يكون بعطف وعمل وبغيرهما، وكيف يدعي ابن عصفور الانحصار في هذين الأمرين، وقد ذكر أكثر الأبيات التي رد بها الشيخ عليه شواهد على التنازع في هذا الباب؟! والذي استشهد به الشيخ على ابن عصفور قد حصل الاشتراك فيه كله بين العاملين؛ ففي البيت الأول: أحد المتنازعين في حيز الشرط، والآخر هو جواب الشرط، وفي البيت الثاني: الأول دليل جواب الشرط، والثاني هو الشرط، -

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي البيت الثالث: الفعل الثاني علة للأول، وفي البيت الرابع: ما قيل في البيت الثاني، وفي البيت الخامس الفعل الواحد صلة لسبب الفعل الآخر؛ فالاشتراك بين العاملين حاصل، وذلك هو مقصود ابن عصفور رحمه الله تعالى. ثم قال الشيخ: وذهب بعضهم إلى أن البيت من الإعمال على تقدير أن يكون «لم أطلب» معطوفا على «كفاني»؛ وأنه يصح أن يكون جوابا لـ «لو» لو أفرد دون كفاني، ويكون التقدير: لو سعيت لأدنى معيشة، لم أطلب قليلا من المال؛ لأن قليل المال يمكنني دون طلب (١)، قال: وهذا معنى حسن سائغ يصح معه الإعمال، ثم قال وعلى هذا المعنى يكون أيضا الإعمال جائزا على وجه آخر، وهو أن تكون الواو في «ولم أطلب» واو الحال، ويكون التقدير: لو كان سعيي، لأدنى معيشة كفاني قليل من المال غير طالب له لحصوله عندي (٢). انتهى. وأقول: أما التخريج الأول: فلم أتحققه، ولم أفهم قوله: إنّ لم أطلب يكون جوابا لـ «لو»، لو أفرد دون كفاني، ثم لازم قوله أن يكون ما سعى لأدنى معيشة؛ وأنه يطلب القليل لما عرفت أن المثبت بعد «لو» منفي، والمنفي مثبت. وأما التخريج الثاني: فقد قال ابن خروف: إن الحال فاسدة، ووجه الشيخ جمال الدين بن عمرون فساد الحال؛ بأن قال: إنما كانت فاسدة؛ لأنها تكون مقيّدة للكفاية؛ لأن المعمول يقيد العامل، يعني أن «لم أطلب» حينئذ يكون حالا من فاعل كفاني أو من مفعوله، والعامل [٢/ ٣٤٣] في الحال، هو العامل في صاحب الحال؛ فيكون كفاني عاملا في لم أطلب مقيدا للكفاية، قال ابن عمرون: ولا يلزم من انتفاء المقيد انتفاء المطلق، فلا يعطي حينئذ مراد الشاعر من حيث يصير المعنى: أنه لو سعى لأدنى معيشة لكفاه القليل مقيدا بعدم الطلب، وليس مراده؛ بل مراده أنه لو سعى لأدنى معيشة لكفاه القليل، سواء أطلبه أم ترك طلبه، قال ابن عمرون: وهذا يحتمل أن يكون سر قول سيبويه: لو نصب لفسد المعنى (٣). قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى (٤): فإن قيل: فلم ذكر أبو علي -

стр. 1755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمبرد هذا البيت في باب التنازع؟ فالجواب: ما ذكره المازني رحمه الله تعالى وهو: أنه لو لم يكن إعمال الأول جائزا، لما وضع هذا في هذا الموضع، بيان هذا الكلام يعني: أنك إذا أعملت الأول في باب التنازع، تكون قد فصلت بين الأول ومعموله بجملة كما فصلت هنا بين «كفاني» وبين «قليل» الذي هو معمول بـ «لم أطلب»، وهو جملة حملا على باب التنازع، وقال ابن عصفور: فإن قيل: فكيف جابه الفارسي على الإعمال؟ فالجواب: أنه أراد بقوله: من الإعمال؛ أنه يشبه الإعمال؛ لتداخل الجملتين بالعطف، ونظير هذا ما أنشده في التذكرة على أنه من شبه الإعمال: ١٣٦٣ - وإنّي وإن صدّت لمثن وقائل ... عليها بما كانت إلينا أزالّت فما أنا بالدّاعي لعزّة بالرّدى ... ولا شامت إن نعل عزّة زلّت (١) لأنه لما عطف فعل بين العامل ومعموله؛ وذلك أن معمول «مثن» إنما هو «عليها» وقد فصل بينهما بقوله: «وقائل» ومعمول «قائل» إنما هو: فما أنا بالدّاعي لعزّة بالرّدى وفصل بينهما بمعمول «مثن»؛ فإذا قد جعل هذا بشبه الإعمال لتداخل الجملتين بالعطف حتى يسوغ ذلك الفصل، فكذلك يكون مذهبه في بيت امرئ القيس. هذا كلامه في شرح الجمل (٢)، إلا أنه قال بعد ذلك: فإن قيل: إذا لم يكن من الإعمال، فكيف أجزتم الفصل بجملة أجنبية؟ فالجواب: أنها غير أجنبية، لأنا إنما جعلنا معمول «لم أطلب» «الملك»، وإذا كان كذلك كانت مشتركة؛ لأنها في معنى «كفاني القليل»، ألا ترى أن «لم أطلب الملك» يكون جوابا لـ «لو» وما ذاك إلا لأن المعنى واحد (٣). انتهى. وظاهر قوله في الجواب: إن «لم أطلب الملك» يكون جوابا لـ «لو»، لأن «لم أطلب الملك» في معنى كفاني القليل، يقتضي أن طلبه للملك منتف، كما أن كفاية القليل منتفية أيضا، وليس كذلك؛ لأن طلبه للملك ثابت لوقوعه منفيّا في -
следующие страницы →