← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأقول: إن الذي ذكره المصنف لم يبطله الشيخ وإن الذي ذكره الشيخ لم يمنعه المصنف، وذلك أن الذي قاله المصنف: «إنّ الاستقبال لازم للأمريّة؛ فما دامت موجودة فالاستقبال واجب، وإنّ الاستقبال غير لازم للخبريّة، وكذا المضي؛ بل يجوز تبدّل كلّ منهما بالآخر». وهذا حق لا يمكن إبطاله بوجه. والذي ذكره الشيخ: أن كلّا من صيغتي الخبر والأمر يجوز أن يخرج عن موضوعه الأصلي إلى غير موضوعه وهو صحيح، والمصنف لم يمنعه؛ بل لم يتعرض في هذا الباب إلى ذلك أصلا. والحاصل: أنهما قسمان، كما قررناه في الكلام المتقدم، وقد أدخل الأمر على الشيخ، فخلط أحد القسمين بالآخر، وظن أن كلام المصنف غير متجه، وقد بان لك أن الذي قرره المصنف لا شبهة فيه (١). غير أنه يتجه على المصنف مؤاخذة. وهي كونه ذكر في هذا الفصل أن الماضي ينصرف إلى الحالي بالإنشاء، كبعت، وإلى الاستقبال بالطلب، كغفر الله لزيد (٢)؛ لأن مقتضى تقريره المتقدم (٣) لا يورد هنا إلا ما كان فيه معنى الخبر باقيا، وإنما تغير زمانه فقط. أما ما نقل عن موضوعه الأصلي إلى غيره، فلا. ولا شك أن الإنشاء والطلب المدلول عليهما بالماضي، صارفان لصيغته عن ما وضعت له؛ لأنه موضوع للخبر، وهما قسيماه، فلا يناسب ذكرهما مع القرائن الصارفة للزمان دون معنى الخبر. وأما قوله في المضارع (٤): إنه يتخلص للاستقبال باقتضائه طلبا، فهو وإن كان الاستقبال -

стр. 177

[زمن الفعل المضارع] قال ابن مالك: (والمضارع صالح له وللحال ولو نفي بلا؛ خلافا لمن خصّها بالمستقبل). ــ أحد موضوعيه ويتخلص له بقرائن؛ لكن ذكره غير مناسب أيضا؛ لأن الصيغة عند اقتضاء الطلب بها، خرجت عن موضوعها الأصلي وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب. قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الأمر مستقبل وأنه لازم له الاستقبال، قال: والمضارع صالح له وللحال. أي للاستقبال وللحال، فبين أنه يجوز أن يراد به كل واحد من الزمانين. وهو رد على من خصه بالاستقبال، وعلى من خصه بالحال. واعلم أن المذاهب في المضارع، بالنسبة إلى كونه مستقبلا أو حالا أو مشتركا بين الزمانين، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر - خمسة. فمنهم من ذهب إلى أنه مستقبل، وأنكر أن يكون للحال وهو مذهب الزجاج (١). واستدل بأمرين: أحدهما: أن زمن الحال لقصره لا يتسع للنطق بالفعل؛ لأنك بقدر ما تنطق بحرف منه، صار الزمان ماضيا. الآخر: أن فعل الحال لو كان موجودا في كلامهم، لكانت له بنية تخصه؛ إذ لا يوجد شيء في كلامهم إلا وله لفظ يخصه. وقد يكون له مع ذلك لفظ يشترك فيه مع غيره، نحو: جون؛ فإنه يقع على الأبيض والأسود (٢) ويخص أحدهما لفظ الأبيض، والآخر لفظ الأسود. -

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وردّ الأول: بأن زمان الحال عند النحويين، ليس بالآن الفاصل بين الماضي والمستقبل وإنما هو الماضي غير المنقطع. [١/ ٣٥] وقال المصنف: «كثير من الناس يعتقدون أن الحال هو المقارن وجود معناه لوجود لفظه. وليس كذلك؛ بل مقصود النحويين أنّ الحال ما قارن وجود لفظه وجود جزء من معناه، كقولنا: هذا زيد يكتب، فيكتب هنا: حال، ووجود لفظه مقارن لوجود بعض الكتابة لا جميعها. وعبر بالحال عن اللّفظ الدالّ على الجميع؛ لاتصال أجزاء الكتابة بعضها ببعض» (١). ورد الثاني (٢) بأنه قد وجد ذلك في كلامهم، وهو رائحة؛ فإنها تقع على جميع الروائح وليس لها اسم إلا ذلك اللفظ المشترك. فإن قيل: إنها تخصص بالإضافة، كرائحة المسك ورائحة العنبر. قيل: وكذلك يفعل، يتخصص بالسين وسوف وبالآن، وما في معناها. وفي هذا الرد الثاني نظر: فإن رائحة من قبيل اللفظ المتواطئ لا المشترك (٣). ثم إن المنكرين لفعل الحال، منهم من أنكر زمانه أيضا محتجّا بأنه إن وقع، فهو ماض وإن لم يقع فهو مستقبل، ولا سبيل إلى ثالث. والدليل على وجود زمن الحال: أن الموجود في محال وجوده لا بد له من زمان، وهو منحصر في الماضي والمستقبل، على ما زعمت، وهما معدومان ولا يتصور وجود موجود في زمن معدوم؛ فثبت زمن الحال. -

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والدليل على وجود فعل الحال أمران: أحدهما: أنهم يقولون: نفعل الآن، في فصيح الكلام، ولا يقولون: سنفعل الآن، إلا قليلا على طريق المجاز، وتقريب المستقبل من الحال، نحو قول الشاعر: ١٢ - فإنّي غير خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت إناها (١) فلو كان نفعل للمستقبل، لما صلح معه الآن، كما لا يصلح ذلك مع سنفعل. الآخر: قول الشاعر: ١٣ - وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنّني عن علم ما في غد عم (٢) -

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووجه الدليل منه: أن هذه الثلاثة ليست على حقائقها وإلا اختل معنى البيت؛ لأنه لا يعلم من علم اليوم إلا ما هو فيه. ولا فائدة في الاقتصار على أمس وغد؛ فإنه يعلم علم ما قبل الأمس، ويجهل علم ما بعد غد؛ فهي كنايات عن الأزمنة، فاليوم عما هو فيه والأمس عما مضى والغد عما يستقبل، والأفعال كنايات عن الأحداث بالنظر إلى الزمان؛ فينبغي إذا أن تكون ثلاثة. ومنهم من ذهب إلى أن يفعل لا يكون إلا للحال حيث وقع وهو ابن الطراوة (١). واستدل على ذلك بأنه لا يخبر بالمستقبل نحو سيفعل، عن المبتدأ إلا أن يكون عامّا أو مؤكدا بإن نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٢) ونحو قول الشاعر: ١٤ - وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل (٣) فإن عري منها لم يجز؛ فيمتنع زيد سيفعل، وإذا قلنا زيد يفعل كان جائزا، فدل على أن يفعل حال. فأما قولهم: زيد يفعل غدا فمعناه زيد ينوي الآن الفعل غدا. وشبهته في منع ذلك أنه مستقبل فلا يتصور الإخبار عنه؛ لأنه غير متحقق الوجود. وقد أبطل مذهبه بورود نحو زيد سيفعل ولا توكيد ولا عموم، قال النّمر بن تولب (٤): -

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥ - فلمّا رأته آمنا هان وجدها ... وقالت أبونا هكذا سوف يفعل (١) وقال آخر: ١٦ - قضوا آجالهم فمضوا وكانوا ... على وجه وأنت ستلحقينا (٢) وبقول الله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً (٣)؛ لأن النفس تدري ما تنوي كسبه، إلا أنها لا تدري هل تكسبه أو لا. [١/ ٣٦] ويرد عليه أيضا قول سيبويه (٤): «وأمّا بناء ما لم يقع فقولك آمرا: اذهب واقتل واضرب، ومخبرا: يذهب ويقتل ويضرب»، فهذا نص منه على أن يفعل للاستقبال. ومذهب الجمهور: أن يفعل يكون للحال والاستقبال، وهل هو حقيقة فيهما فيكون مشتركا، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ثلاثة مذاهب: القول بالاشتراك مذهب الجمهور، وهو الصحيح وهو ظاهر كلام سيبويه؛ فإنه قال (٥): «وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى، -

стр. 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع». وقال بعد ذلك (١): «وأمّا بناء ما لم يقع فقولك آمرا: اذهب، ومخبرا: يذهب» ثم قال: «وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت». فكونه ذكر أنه مبني لهذا ولهذا دليل على الاشتراك. ودليل مذهب الجمهور: أنه يقع على الحال تارة وعلى المستقبل تارة، ولم يقم دليل على أنه أظهر في أحدهما فكان مشتركا. وقال المصنف (٢): «لما كان بعض مدلول المضارع المسمّى حالا مستأنف الوجود أشبه المستقبل المحض في استئناف الوجود فاشتركا في صيغة المضارع اشتراكا وضعيّا فحكم بالاشتراك». وذهب الفارسي (٣) إلى أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، وصححه الأبذي. قالوا: ومستند الفارسي أن اللفظ إذا صلح للقريب والبعيد كان القريب أحق به؛ بدليل أنك تقول: أنا وزيد قمنا، وأنت وزيد قمتما؛ فتغلب المتكلم والمخاطب لقربهما، وزمن الحال أقرب من المستقبل فهو أحق» وفي هذا الاستدلال والتنظير أيضا نظر (٤). وذهب ابن طاهر (٥) إلى أنه حقيقة في الاستقبال مجاز في الحال. واستدلاله -

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضعيف مردود [١/ ٣٧] فلا نطول بذكره (١). وأشار المصنف بقوله: ولو نفي بلا خلافا لمن خصّها بالمستقبل إلى أن المضارع وإن اقترن بلا النافية باق على صلاحيته للحال والاستقبال، ولا يتعين الحكم باستقباله وهذا مذهب الأخفش والمبرد (٢). قال المصنف: وهو لازم لسيبويه وغيره من القدماء لإجماعهم على صحة قول القائل: قاموا لا يكون زيدا، بمعنى إلا زيدا، ومعلوم أن المستثني (٣) منشئ للاستثناء، والإنشاء لا بد من مقارنة معناه للفظه، ولا يكون هنا استثناء فمعناه مقارن للفظه؛ فلو كان النفي بلا مخلصا لاستقبال المضارع لم تستعمل العرب لا يكون في الاستثناء لمباينته الاستقبال. ومثل هذا الإجماع إجماعهم على إيقاع المضارع المنفي بلا في مواضع تنافي الاستقبال، نحو: أتظنّ ذلك كائنا أم لا تظنّه، وأتحبه أم لا تحبّه، وما لك لا تقبل، وأراك لا تبالي، وما شأنك لا توافق، ومثل ذلك في القرآن كثير، كقوله تعالى: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ (٤)، لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (٥)، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً (٦)، ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ (٧)، ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ (٨)، وَما لِيَ لا أَعْبُدُ (٩). -

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو في غير القرآن، ومنه قول الشاعر: ١٧ - يرى الحاضر الشّاهد المطمئنّ ... من الأمر ما لا يرى الغائب (١) وقول الآخر: ١٨ - إذا حاجة ولّتك لا تستطيعها ... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق (٢) وقول الآخر: ١٩ - كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق ولكن لا إخال تلاقيا (٣) قال الشيخ (٤): «لا حجّة في شيء ممّا أورده المصنّف؛ لأنّ كلّ مثال من الأمثلة الّتي ذكرها، اقترنت به قرينة صرفته عن الاستقبال إلى الحال، والمدّعي أنّ ما صلح لهما ولا مرجّح لأحدهما إذا نفي بلا يتخلص للاستقبال» ثم بين القرائن. ويمكن المنازعة في بعضها بل في أكثرها عند التأمل (٥). -

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم قال: «وأمّا قول الشّاعر: إذا حاجة ... البيت فحمله على الحال وهم فاحش؛ لأنّ إذا ظرف لما يستقبل، فولّتك مستقبل وإن كان لفظه ماضيا. فلا تستطيعها جملة في موضع نصب على الحال، والعامل فيها ولّتك المستقبل، فلا تستطيعها جملة مستقبلة». انتهى. وفيه حذف. والظاهر أن الذي قاله المصنف عار عن الوهم، وذلك أن استطاعته للحاجة وعدم استطاعته إنما هو بالنسبة إلى وقت توليها، فالتولي وإن كان مستقبلا فلا تستطيعها حال، وجعلها جملة مستقبلة إنما هو بالنظر إلى وقت التلفظ بهذا الكلام. وليس المراد إذا حاجة ولتك وأنت لا تستطيعها في المستقبل؛ بل المراد إذا ولتك حاجة وأنت لا تستطيعها حين توليها، وهذا ظاهر من البيت. ثم قال المصنف: «والذي غرّ الزمخشريّ (١) وغيره من المتأخّرين قول سيبويه في نفي الفعل (٢): وإذا قال هو يفعل أي: هو في حال فعله، فإنّ نفيه ما يفعل، وإذا قال هو [١/ ٣٨] يفعل ولم يكن الفعل واقعا، فإنّ نفيه لا يفعل، فاستعمل ما في نفي الحال ولا في نفي المستقبل، وهذا لا خلاف في جوازه، وليس في عبارته ما يمنع من إيقاع غير ما موقع ما، ولا من إيقاع غير لا موقع لا» انتهى (٣). -

стр. 186

[ترجح زمن الحال في المضارع] قال ابن مالك: (ويترجّح الحال مع التّجريد). ــ وظاهر كلام سيبويه المنع، وإلا فلا فائدة في التخصيص (١). قال ناظر الجيش: للفعل المضارع قرائن تخلصه للحال، وقرائن تخلصه للاستقبال، وقرائن تصرفه إلى المضي. فشرع المصنف في ذكر ذلك وقدم على ما ذكره مسألة وهي: «أنّ الفعل إذا تجرّد عن القرائن الحاليّة والقرائن الاستقباليّة وغير ذلك، رجح كونه للحال». وعلل المصنف ذلك بأنه: «لمّا كان للماضي في الوضع صيغة تخصّه كفعل، وللمستقبل صيغة تخصّه كافعل (٢) ولم يكن للحال صيغة تخصّه؛ بل اشترك مع المستقبل في المضارع جعلت دلالته على الحال راجحة عند تجريده من القرائن؛ ليكون ذلك جابرا لما فاته من الاختصاص بصيغة» (٣). وأقول: إن في كلام المصنف اضطرابا في المتن والشرح، وذلك أنه قال: والمضارع صالح له وللحال أي للاستقبال وللحال؛ فحكم بالصلاحية لهما وأطلق، فدل على التساوي في الدلالة عليهما، فيكون مشتركا، ثم قال: ويترجّح الحال مع التّجريد. وهذا ينفي الاشتراك، ولا يقال إن الصلاحية لهما لا يلزم منها الاشتراك (٤)؛ إذ لا تمتنع الصلاحية مع كونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، لأنّا نقول إيراده ذلك بعد قوله: والأمر مستقبل أبدا. وسياق كلامه يقتضي أنه إنما -

стр. 187

[تعيين زمن الحال للمضارع] قال ابن مالك: (ويتعيّن عند الأكثر بمصاحبة الآن أو ما في معناه وبلام الابتداء ونفيه بليس وما وإن). ــ يذكر ما هو بالوضع للفعل، فلا يناسب أن يذكر المدلول عليه بالمجاز مع المدلول عليه بالحقيقة. وأما اضطراب كلامه في الشرح؛ فإنه قال أولا (١): «ولمّا كان بعض مدلول المضارع المسمّى حالا مستأنف الوجود أشبه المستقبل المحض في استئناف الوجود فاشتركا في صيغة المضارع اشتراكا وضعيّا». وقال ثانيا (٢): «إنّ دلالته على الحال راجحة» وهذا ينافي القول بالاشتراك، والحق أنه لا يحكم بترجح الحال عند التجريد من القرائن؛ لما تبين من أن أصح المذاهب أنه مشترك بين الحال والاستقبال؛ فلا يتعين لأحدهما إلا بقرينة كسائر المشتركات. قال ناظر الجيش: هذا شروع في ذكر القرائن المخلصة لكل من الزمانين، وذكر أن القرائن التي تخلصه للحال خمس. ونازع المصنف في كل منها؛ فالظاهر أنه ليس عنده قرينة تخلصه للحال. فمن القرائن المذكورة: الآن وما في معناه وهو الحين والساعة وآنفا. قال المصنف (٣): «وبعض العلماء يجيز بقاء المقرون بالآن مستقبلا؛ لأنّ الآن قد يصحب فعل الأمر مع أنّ استقباله لازم. قال الله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ (٤). فعبّر عن المدّة التي رفع فيها الحرج عن المباشرين نساءهم ليالي الصّوم وعن مدة بلوغ ذلك إلى المخاطبين، وعن المدة التي تقع فيها المباشرة؛ لأن الآن ليس عبارة عن المدة المقارنة لنطق الناطق فحسب [١/ ٣٩] بل الآن عبارة عن مدة ما حضر كونه. فلو أن الكائن لا يتم إلا في شهر فصاعدا، جاز أن يقال فيه الآن وهو كائن، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٥). -

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا ثبت هذا فقد يقال: الآن يكون كذا وكذا بقصد التعبير بالآن عن المدة التي يقع الكون في بعضها أو بقصد المبالغة في القرب إلا أنّ هذا خلاف الظاهر» (١) انتهى. والجواب: أن الآن حقيقة في الزمان الحاضر؛ فإذا صحب الفعل المستقبل كان ذلك قرينة صارفة له عن إرادة الحال ويكون استعماله في المستقبل مجازا بالقرينة؛ فالتجوز حينئذ في الظرف. وإذا لم يكن الفعل مستقبلا ولا ماضيا كان على حقيقته؛ إذ لا قرينة تصرفه فيتعين أن يكون الفعل معه للحال كما ذهب إليه الأكثر. ويؤيد هذا قول الأبذي: «ويعني بالآن المستعملة على حقيقتها؛ لأنّها إن تجوّز فيها واستعملت تقريبا صلحت مع الماضي والمستقبل، نحو قوله تعالى: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ (٢)، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ (٣)، ونحو قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، (٤) فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ (٥). لأن فعل الشرط مستقبل. وقال الشاعر: ٢٠ - فإنّي غير خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت إناها (٦) وقول المصنف: «إلا أنّ هذا خلاف الظّاهر» يحتمل أن يرجع إلى قوله: «أو بقصد المبالغة في القرب» وهو الأقرب. ويحتمل أن يرجع إلى ما ذكره بأثره فيكون مختارا لقول الأكثر في هذه الصورة. ومن القرائن: لام الابتداء: نحو إني لأحبك. قال المصنف: «هي مخلصة للحال عند أكثرهم وليس كما ظنّوا؛ بل جائز أن يراد الاستقبال بالمقرون بها، كقوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (٧)، -

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ (١)؛ فيحزنني مقرون بلام الابتداء وهو مستقبل؛ لأنّ فاعله الذهاب وهو عند نطق يعقوب عليه الصلاة (٢) والسّلام بيحزنني غير موجود. فلو أريد بيحزنني (٣) الحال لزم سبق معنى الفعل لمعنى الفاعل في الوجود وهو محال»، انتهى (٤). وشرط الأبذي وغيره في تخليص اللام الفعل للحال: ألا تقترن بالفعل قرينة تشهد للاستقبال؛ فعلى هذا لا ينهض استدلال المصنف على ما ادعاه (٥) بقوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (٦)؛ لأن عمله في الظرف المستقبل الذي هو يوم القيامة قرينة تخلصه للاستقبال كما سيأتي، وكذا الآية الثانية أيضا لوجود القرينة الصارفة له إلى الاستقبال، وهو كون المسند إليه متوقعا كما سيأتي (٧). وقال ابن الحاجب (٨): «إنّ كون اللّام مخلّصة للحال هو مذهب الكوفيّين»، واعتذر عن الزمخشري في كونه جعله هنا بما يوقف عليه من كلامه. ثم قال: «وقد صرّح بذلك يعني الزّمخشري في قوله في الحرف: ويجوز عندنا: إن زيدا لسوف يقوم، ولا يجيزه الكوفيّون» (٩). -

стр. 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن القرائن: نفيه بليس وما وإن: فمثال نفيه بما في قوله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ (١). ومثاله بإن في قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (٢). ومثاله بليس قول الشاعر: ٢١ - فلست وبيت الله أرضى بمثلها ... ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب (٣) [١/ ٤٠] قال المصنف (٤): «والأكثرون أيضا على أن النفي بهذه الثلاثة قرينة مخلصة للحال مانعة من إرادة الاستقبال. وليس ذلك بلازم، بل الأكثر كون النفي بها حالا، ولا يمتنع كونه مستقبلا، كما قال حسّان (٥) في وصف الزبير: ٢٢ - وما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدّهر ما دام يذبل (٦) أي ما مثله في هذا العصر، ولا كان فيما مضى ولا يكون فيما يستقبل. وهذا جليّ غير خفي. ومثله قول الآخر: ٢٣ - والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل (٧) -

стр. 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال تعالى في استقبال النفي بما وإن: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ (١). وقال أبو ذؤيب (٢): ٢٤ - أودى بنيّ وأودعوني حسرة ... عند الرّقاد وعبرة ما تقلع (٣) وقال النابغة (٤) الجعدي يمدح النبيّ ﷺ : ٢٥ - له نافلات ما يغبّ نوالها ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا (٥) -

стр. 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال رجل من طيئ: ٢٦ - فإنك إن يعروك من أنت محسب ... ليزداد إلّا كان أظفر بالنّجح (١) أي ما ينزل بك من أحسبته بالعطاء أي أعطيته عطاء كافيا ليزداد على الكفاية إلّا كان أظفر بالنجح؛ فالمنفي هنا بأن مستقبل لا شكّ في استقباله. انتهى (٢). وذكر الأبذي وغيره: أن هذه القرائن إنما تكون مخلصة للحال إن لم تكن ثمّ قرينة تخلّص للاستقبال. فعلى هذا لا ينهض استدلال المصنف (٣). إلا أن لقائل أن يقول: قد وجدت قرينتان: إحداهما تخلص للحال والأخرى للاستقبال؛ فلأي شيء رجحت قرينة الاستقبال وجعلت غالبة للقرينة الأخرى (٤). وزاد الأبذي في القرائن المخلصة للحال: أن يعطف على الحال أو يعطف الحال عليه، نحو: يقوم زيد الآن ويخرج، ويقوم زيد ويخرج الآن. والمصنف استغنى عن ذكر ذلك؛ لأنه يشترط في عطف الفعل على الفعل اتفاقهما في الزمان فالمعطوف والمعطوف عليه متفقان (٥). وزاد أيضا (٦): أن يقع في موضع نصب على الحال، نحو: جاء زيد يضحك، وهو واضح؛ فلهذا لم يتعرض إليه المصنف. -

стр. 193

[الأمور التي تخلص المضارع للاستقبال] قال ابن مالك: (ويتخلّص للاستقبال بظرف مستقبل وبإسناد إلى متوقّع، وباقتضائه طلبا أو وعدا، وبمصاحبة ناصب أو أداة ترجّ أو إشفاق أو مجازاة أو لو المصدريّة أو نون التّوكيد (١) أو حرف تنفيس وهو السّين أو سوف أو سف أو سو أو سي). -[١/ ٤١] قال الشيخ: «أهمل المصنف ما يعين المضارع للحال وهو الإنشاء نحو: أقسم لأضربنّ عمرا» انتهى (٢). وهذا ليس بشيء لأنه قد علمت مما تقدم أنه لا يجوز إيراد ذلك في هذا الباب؛ إذ ليس الكلام هنا في نقل صيغ الفعل من معنى إلى معنى؛ إنما الكلام في تغيير الزمان مع بقاء معنى الصيغة. وإذا أريد بالفعل الموضوع للخبر معنى الإنشاء فقد نقلت الصيغة عن معناها إلى معنى آخر. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن القرائن التي تعينه للحال شرع في ذكر القرائن التي تخلصه للاستقبال، وهي أمور منها: الظرف المستقبل: وإطلاق هذه العبارة تشمل صورتين: إحداهما: أن يكون الفعل عاملا في الظرف المذكور نحو: أقوم إذا قام زيد. الثانية: أن يكون الظرف مضافا إلى الفعل نحو: القتال إذا يجيء العدو، ومثل المصنف (٣) بما يشمل الصورتين وهو: أزورك إذا تزورني. فأزورك: عامل في ظرف مستقبل مضاف إلى تزورني وتخلصا به للاستقبال. ومنها: إسناده إلى متوقع: كقول الشاعر: ٢٧ - يهولك أن تموت وأنت ملغ ... لما فيه النّجاة من العذاب (٤) -

стр. 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: اقتضاؤه طلبا: نحو: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ (١). هكذا قال المصنف. وقد علمت أن صيغة الفعل في مثل هذا خرجت عن معناها الموضوعة هي له وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب، وإذا كان كذلك فليس هذا موضع إيراد هذا الحكم. ومنها: اقتضاؤه وعدا: نحو قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ (٢). ومنها: مصاحبة ناصب أو ما بعده من الأمور التي ذكرها: والناصب: أن، ولن، وإذن، وكي، وسواء كان الناصب ظاهرا نحو قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٣) أم مقدرا نحو قوله تعالى: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ (٤). وأما أداة الترجي: فمثالها قوله تعالى: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٥). وقال الشاعر: ٢٨ - فقلت أعيروني القدوم لعلّني ... أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد (٦) وأما أداة الإشفاق فمثالها قول الشاعر: ٢٩ - فأمّا كيّس فنجا ولكن ... عسى يغترّ بي حمق لئيم (٧) ولا فرق بين الرجاء والإشفاق في اللفظ بل في المعنى؛ لأن الرجاء محبوب -

стр. 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمشفق منه مكروه. وأما أداة المجازاة: فمثالها قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * (١). قال الأبذي: «سواء في ذلك ما يجزم كإن وأخواتها وما لا يجزم نحو: كيف تقول: كيف تصنع أصنع فكيف معناها الجزاء ولم تجزم بها العرب». وأما لو المصدرية: فمثالها قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ (٢)، وعلامتها: أن يحسن في موضعها أن. واحترز بهذا التقييد من لو الامتناعية؛ فإنها تؤثر ضد ما تؤثر هذه كما سيأتي، وفي إثبات المصدرية خلاف سيجيء في باب الموصول إن شاء الله تعالى. وأما نون التوكيد: فمثالها قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ... (٣) الآية. [١/ ٤٢] وأما حرف التنفيس: فمثاله قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٤)، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥). وجاء عن العرب: سف أفعل، وسو أفعل وسي أفعل وهي أغربهن، حكاها صاحب المحكم (٦). وأنشد الشيخ في شرحه (٧): ٣٠ - فإن أهلك فسو (٨) يجدون فقدي ... وإن أسلم يطب لكم المعاش (٩) -

стр. 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واتفقوا (١) على أن أصل سف وسو وسي: سوف، وزعموا أن السين أصل برأسها غير مفرعة على سوف؛ لكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون الثقيلة، وقد رد المصنف ذلك، ثم ناقشه الشيخ في بعض الرد (٢) بما يحتمل الدفع. وليس في ذلك كبير فائدة فأضربت عنه (٣). وأقرب ما قال المصنف: «إنّا قد أجمعنا على أنّ سف وسو وسي فروع سوف، فلتكن السين أيضا فرعها؛ لأنّ التخصيص دون مخصص أيضا مردود». وقال المصنف: «قال بعضهم: لو كانت السين بعض سوف لكانت مدّة التسويف بهما سواء وليس كذلك؛ بل هي بسوف أطول؛ فكانت كل واحدة منهما أصلا برأسها». ثم قال: قلت: هذه دعوى مردودة بالقياس والسماع: فالقياس: أن الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان وبعده فينبغي ألا يقصد بالمستقبل إلا مطلق الاستقبال دون تعرض لقرب الزمان وبعده؛ ليجري المتقابلان على سنن واحد، والقول بتوافق سيفعل وسوف يفعل مصحح؛ فكان المصير إليه أولى. وأما السماع: فتعاقب سيفعل وسوف يفعل على المعنى الواحد الواقع في وقت واحد؛ قال الله تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (٤). وقال -

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١). وقال تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. في سورة النبأ (٢)، وقال في سورة التكاثر: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣). ومنه قول الشاعر: ٣١ - وما حالة إلّا سيصرف حالها ... إلى حالة أخرى وسوف تزول (٤) فقد بان توافقهما إلا أن سيفعل أخف، فكان استعماله كثيرا. انتهى (٥). وذكر الجزولي في المخلصات للاستقبال: لام القسم (٦) ولا يتمحض ذلك للام المذكورة إلا حيث لا يؤتى في الفعل بنون التوكيد. وذلك لا يجوز عند البصريين إلا في ضرورة وإنما يجوز تعاقبهما الكوفيون. قال الشاعر: ٣٢ - تألّى ابن أوس حلفة ليردّني ... إلى نسوة كأنّهنّ مفائد (٧) -

стр. 198

[انصراف الفعل المضارع إلى زمن المضي] قال ابن مالك: (وينصرف إلى المضيّ بلم ولمّا الجازمة ولو الشّرطيّة غالبا، وإذ وربّما وقد في بعض المواضع). ــ وأما إذا أتى بالنون في الفعل نحو: والله ليقومن زيد، فيمكن أن يقال إنه إنما استفيد الاستقبال من النون؛ لأنها من القرائن الاستقبالية. قال الأبذي: «وهذا الّذي ذهب إليه - يعني الجزولي - في اللّام هو مذهب أكثر النّحويين. ومنهم من ذهب إلى أنّك إذا أقسمت على قيام في الحال، تقول: والله ليقوم زيد، وهو عندي جائز». انتهى. يعني أن اللام لا تخلص للاستقبال (١). وزاد الأبذي أيضا في قرائن الاستقبال: عطفه على المستقبل وعطف المستقبل عليه، نحو: سيأكل زيد ويشرب، ويشرب زيد وسيأكل، وقد تقدم نظير ذلك في القرائن الحالية، وأنه قد يستغنى عنه. وكان ينبغي للمصنف أن يذكر في القرائن المخلصة للاستقبال: لو الشرطية في أحد استعمالها، كما سيأتي بيانه. قال ناظر الجيش: شرع في ذكر القرائن الصارفة له إلى المضي، وإنما قال: وينصرف ولم يقل ويتعين أو يتخلص كما قال قبل؛ لأن المضارع لا دلالة له على المضي بالوضع، فكأنه انصرف عن مدلوله بالوضع وهو الحال [١/ ٤٣] أو الاستقبال إلى مدلول آخر بقرينة بخلاف ما إذا تعين لأحد مدلوليه الذي هو موضوع لهما. فمن القرائن الصارفة له: لم ولمّا: ولا خلاف أن المضارع المقترن بهما ماضي المعنى، وهل كان ماضي اللفظ فتغير لفظه دون معناه، أو لم يزل مضارعا فتغير معناه دون لفظه؟ -

стр. 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول: مذهب طائفة منهم الجزولي (١). قال الأبذي: «وهو مذهب سيبويه (٢) لأنّه جعل لم نفي فعل ولمّا نفي قد فعل». والثاني: مذهب المبرد وأكثر المتأخرين واختاره المصنف ومن ثمّ قال: وينصرف إلى المضيّ يعني أن معناه هو الذي تغير، وأن لم ولما إنما دخلتا على لفظ المضارع (٣). واستدل لمذهب سيبويه (٤) بأنك إذا ناقضت من أوجب قيام زيد، فقال قام زيد قلت: لم يقم زيد، وإن قال قد قام زيد، قلت: لمّا يقم زيد، والمناقضة إنما تكون بإدخال أداة النفي على ما أوجبه الذي قصدت مناقضة كلامه. وأيضا فإن صرف التغيير إلى جانب اللفظ أولى من صرفه إلى جانب المعنى؛ لأن المحافظة على المعنى أولى. قال المصنف (٥): «وثاني القولين هو الصحيح - يعني ما ذهب إليه المبرد (٦) - قال: لأنه نظير ما أجمع عليه في الواقع بعد لو وربّما وإذ فإنها صرفت المعنى دون اللّفظ اتفاقا». وقال أيضا: «إنما قيدت لمّا بالجازمة؛ لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل مضارع بل ماضي اللفظ والمعنى إن كانت بمعنى حين، أو ماضي اللفظ مستقبل المعنى إن كانت بمعنى إلا، كقول الشاعر: ٣٣ - قالت له بالله يا ذا البردين ... لمّا غنثت نفسا أو اثنتين (٧) -

стр. 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأطلقت لم تنبيها على أنها صارفة إلى المضي أبدا ولو لم يكن الفعل مجزوما بعدها، كقول الشاعر: ٣٤ - لولا فوارس من ذهل وأسرتهم ... يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار (١) فرفع الفعل بعدها وهي لغة لقوم» (٢) انتهى. قال الشيخ: «لا يحتاج إلى تقييد لمّا بالجازمة؛ لأنّها لا تدخل على المضارع إلّا وهي جازمة. ولو كانت تدخل عليه جازمة وغير جازمة ولا تصرفه إلى المضي إلا الجازمة - لاحتيج إلى ذلك التقييد، وأما أن يحترز بذلك من دخولها على الفعل الماضي فلا يصح؛ إذ التقييد إنما يكون في شيء مشترك» انتهى (٣). والجواب: أن المصنف لم يحترز بذلك من شيء؛ بل نبه على أن لما جازمة وغير جازمة، وأن المضارع يختص بالجازمة دون غيرها. ويشعر بذلك قوله: وقيدتها بالجازمة؛ لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل ماض؛ ولم يقل احترازا من كذا وكذا. ومنها: لو الشرطية: واعلم أن لو قسمان: مصدرية: ويتخلص المضارع بها للاستقبال، كما تقدم. وشرطية: وهي نوعان: شرط في المستقبل، فتكون إذ ذاك بمعنى إن كقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ (٤). وقوله تعالى: -

стр. 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (١)، ومنه قول الشّاعر: ٣٥ - قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النّساء ولو باتت بأطهار (٢) فالماضي ينصرف بعدها كما في هذه الأمثلة إلى الاستقبال. وسيبين. وإذا وقع بعد لو هذه مضارع [١/ ٤٤] كان مستقبل المعنى كما يكون حكمه بعد إن كقول الشاعر: ٣٦ - لا يلفك الرّاجيك إلّا مظهرا ... خلق الكرام ولو تكون عديما (٣) وكان ينبغي للمصنف أن يذكرها مع القرائن الاستقبالية كما تقدم التنبيه عليه. وقد يقال: يمكن أن يدخل تحت قول المصنف فيما تقدم: أو مجازاة أي بمصاحبة أداة مجازاة. ولا شك أن لو إذا كانت بمعنى إن صدق عليها أنها للمجازاة. وشرط في المضي: وهي المسماة بالامتناعية (٤)، وينصرف المضارع بها إلى المضي؛ ومثالها قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ (٥). ومثله قول كثير (٦): -

стр. 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٧ - رهبان مكّة والّذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا (١) وقول الآخر: ٣٨ - لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقاسي وزحل (٢) فتقييد المصنف لها بالشرطية احترازا من المصدرية (٣). ثم احترز من التي بمعنى إن بقوله: غالبا وكأنه يقول: إن ورود لو بمعنى إن ليس غالبا؛ وإنما الغالب استعمالها في المضي؛ لكن ظاهر العبارة يوهم أنها الامتناعية وأنها تارة تصرف المضارع إلى المضي وتارة تصرفه إلى الاستقبال؛ لكن الغالب صرفها إلى المضي، وليس كذلك لما تبين من أنها نوعان (٤). وقد وافق المصنف الجزولي (٥) في تسمية لو الامتناعية شرطية. وناقش الأبذي -

стр. 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجزولي في ذلك، فقال: ليست - يعني الامتناعية - شرطا لا في اللفظ؛ لأنها لا تجزم، ولا في المضي؛ لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلى الاستقبال. ومنها إذ: نحو قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (١) المعنى: وإذ قلت. ومنها ربما: نحو قول الشاعر: ٣٩ - ربّما تكره النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال (٢) أي ربما كرهت. وإنما صرفت معنى المضارع إلى المضي (٣)؛ لأنها قبل اقترانها بما مستعملة في المضي، فاستصحب بعد الاقتران ما كان لها قبله؛ بل هي بذلك أحق؛ لأن ما -

стр. 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للتوكيد فيتأكد بها معنى ما يتصل به ما لم يقلبه من معنى إلى معنى كما فعلت بإذ حين قيل فيها إذما. ومفارقتها في الدلالة على المضي وحدث فيها معنى المجازاة. وقد ذكر المصنف في باب حروف الجر من هذا الكتاب أنه لا يلزم مضي ما يتعلق بربّ؛ بل قد يكون مستقبلا، وأنشد أبياتا منها قول جحدر اللص (١): ٤٠ - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي ... على مهذّب رخص البنان (٢) وقول سليم القشيري (٣): ٤١ - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى ... سيودي وغاز مشفق سيئوب (٤) قال: وقد يكون حالا، انتهى (٥). -

стр. 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والقائلون بأن ربما تصرف معنى المضارع إلى المضي يوردون على أنفسهم قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (١). فيقولون: ظاهره أن الفعل بعد ربما مستقبل [١/ ٤٥]؛ لأنهم لا يودون ذلك إلا في الآخرة. ويجيبون بأن التقدير ربما ودّ؛ فيكون من قبيل ما جعل فيه المستقبل بمنزلة الماضي؛ فربّ صارفة معنى يود إلى الماضي. وجاز التعبير بالماضي عن المستقبل لصدق الوعد به، ولقصد التقريب لوقوعه، فجعل كأنه وقع مجازا، كما قال الله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ (٢). وفي كلام المصنف ما يشعر بأنه لا يلتزم السؤال الذي أورد هنا، وأنه يحمل الآية الكريمة على ظاهرها من الاستقبال؛ لأنه قال: قال ابن السراج (٣) في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٤) بأنه لصدق الوعد، كأنه قد كان، كما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ (٥). والصحيح عندي: أن إذ قد يراد بها الاستقبال كما يراد بها -

стр. 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المضي فمنه قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ (١) وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٢) فأبدل يومئذ من إذا (٣)؛ فلو لم تكن صالحة للاستقبال ما أبدل يوم المضاف إليها من إذا، انتهى. ومنها قد: قال المصنف: إذا دخلت قد على المضارع فهي كربما في التقليل والصرف إلى معنى المضي. هذا ظاهر قول سيبويه؛ فإنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم (٤): وأمّا قد فجواب لقوله لمّا يفعل فتقول قد فعل ثم قال: فتكون قد بمنزلة ربّما. قال الهزلي: ٤٢ - قد أترك القرن مصفرّا أنامله ... كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد (٥) كأنه قال ربما. هذا نصه. فإطلاقه القول بأنها بمنزلة رب موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضي (٦) فإن خلت من التقليل خلت غالبا من الصرف إلى معنى المضي وتكون -

стр. 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حينئذ للتحقيق، كقوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ (١). ومنه قول الشاعر: ٤٣ - وقد يدرك الإنسان رحمة ربّه ... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا (٢) وقد تخلو من التقليل وهي صارفة لمعنى المضي، كقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ (٣)، (٤). فثبت لها مع المضارع معنيان وهما التقليل والتحقيق وأنها مع التقليل تصرف معنى الفعل إلى المضي ومع التحقيق لا تصرفه غالبا وقد تصرفه (٥). وقوله: في بعض المواضع (٦) قيد في قد فقط. وقد يوهم إظهار حرف الجر مع إذ؛ حيث قال: وبإذ وربما وقد أن ذلك قيد في الثلاثة، وليس كذلك لما تبين من أن إذ وربما يصرفانه إلى المضي، ولا يكفي أن يقال: قد يخلصانه للمستقبل كما هو اختيار المصنف؛ لأن ذلك قليل والصرف إلى المضي هو الكثير فلا يقيده بقوله: في بعض المواضع. قال الأبذي: «ومن القرائن الصّارفة معنى المبهم إلى المضيّ عطفه على الماضي نحو قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (٧) أي فأصبحت، وعطف الماضي عليه كقول الشاعر: -

стр. 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٤ - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني (١) [١/ ٤٦] يريد: ولقد مررت». قال (٢): «ومنها لمّا المحتاجة إلى جواب نحو قولهم: لمّا يقوم زيد قام عمرو. وقال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا (٣) أي جادلنا. هكذا قال، وأطلق؛ فيفهم منه أنه ينصرف بها إلى المضي سواء اتصل بها كما مثل به، أم كان جوابا لها كما في الآية الكريمة. لكن في تمثيله بلما يقوم زيد قام عمرو نظر: وهو أنه قد تقدم في كلام المصنف (٤) أن لما غير الجازمة لا يليها إلا الماضي لفظا ومعنى إن كانت بمعنى حين، أو الماضي لفظا المستقبل معنى إن كانت بمعنى إلا. وأما جواب لما في الآية الكريمة ففيه وجهان: أحدهما: ما ذكره وهو (يجدلنا) فهو مستقبل لفظا ماض معنى. والثاني: أنه محذوف تقديره: أقبل يجادلنا ويجادلنا حال، فلم يتعين ما ذكره في الآية الكريمة، ولم يتحقق صحة المثال الذي ذكره؛ فلا استدراك حينئذ. قال: ومنها: وقوعه خبرا لكان وأخواتها، نحو كان زيد يقوم؛ فأما وقوعه حالا من اسم قد عمل فيه عامل معناه المضي، نحو جاء زيد يضحك؛ فإنما ذلك على حكاية الحال الماضية فليس إذا مصروفا عن معناه. قال: ومنها أيضا عندي إعماله في الظرف الماضي: نحو: -

стр. 209

[صرف الماضي إلى الحال والاستقبال] قال ابن مالك: (وينصرف الماضي إلى الحال بالإنشاء، وإلى الاستقبال بالطّلب والوعد، وبالعطف على ما علم استقباله، وبالنّفي بلا وإن بعد القسم). ــ ٤٥ - يجزيه ربّ العالمين إذ جزى ... جنّات عدن في العلاليّ العلا (١) كأنه قال: جزاه رب العالمين إذ جزى، وجعل الوعد بالجزاء جزاء. وهذا أولى من أن يعتقد في إذ أنها بمنزلة إذا؛ لأن صرف معنى المبهم إلى المضي لقرينة قد ثبت في كلامهم، ولم يثبت بقاطع وضع إذ موضع إذا. قال ناظر الجيش: قال المصنف: «الإنشاء في اللغة مصدر أنشأ فلان يفعل كذا، أي ابتدأه، ثم عبر به عن إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود كإيقاع التزويج بزوجت، والتطليق بطلقت والبيع والشراء ببعت واشتريت؛ فهذه الأفعال وما شابهها ماضية اللفظ حاضرة المعنى بقصد الإنشاء بها؛ فهذه قرينة تصرف الماضي إلى الحال» انتهى (٢). وقد علمت مما تقدم: أن الكلام هنا ليس في نقل الصيغ من معنى إلى آخر؛ إنما هو في تغيير زمانها مع بقائها على المعنى الذي هي موضوعة له، وأن المصنّف -

стр. 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ توجهت عليه المؤاخذة في ثلاثة مواضع من هذا الفصل. أحدها: قوله في المضارع: إنه يتخلص للاستقبال باقتضائه طلبا (١). الثاني: ما ذكره هنا من انصراف الماضي إلى الحال بالإنشاء (٢). وذكر أنه ينصرف إلى الاستقبال بأمور منها: الطلب (٣): نحو: غفر الله لي ونصر الله المسلمين وخذل الكافرين وعزمت عليك إلّا فعلت ولمّا فعلت، ومن كلامهم: «اتّقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه» هذه مثل المصنف. قال: فغفر وما يليها دعاء، وإلا فعلت ولما فعلت معناه إلا أن تفعل، ومعنى اتقى: ليتق. ولذلك جزم يثب، انتهى (٤) [١/ ٤٧] وهذا هو الموضع الثالث من مواضع المؤاخذة (٥). ثم في كون الماضي في: إلا فعلت ولما فعلت يقتضي طلبا نظر، ولا يلزم من كون معناه إلا أن تفعل الدلالة على الطلب الصناعي، اللهم إلا أن يريد أن الفعل المذكور بعد إلا ولما في هذا التركيب مطلوب للمخاطب، فيكون ذلك طلبا معنويّا لم يستفد من الفعل فقط، إنما استفيد من الكلام بمجموعه. ومنها: الوعد: نحو: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (٦) وكذا: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها (٧)، ويمكن أن يقال في إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ: إنه ليس وعدا وإن الإعطاء قد حصل فليس نظير وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها. ومنها: عطفه على ما علم استقباله؛ كقوله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ (٨)، وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ (٩) أي فيوردهم ويفزع. ومنها: نفيه بلا وإن بعد القسم: فمثال إن قوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (١٠) أي ما يمسكهما. -

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثال لا قول الشاعر: ٤٦ - ردوا فوالله لا ذدناكم أبدا ... ما دام في مائنا ورد لنزّال (١) قال الشيخ: «ليس هذا الحكم بصحيح والماضي المنفي بإن أو بلا بعد قسم باق على المضي معنى؛ وإنما انصرف إلى الاستقبال في الآية الكريمة والبيت بقرينة غير ذلك. أما الآية الكريمة فإنما انصرف فيها لأنه في المعنى معلق على فعل مستقبل وهو الشرط؛ لأن: إن أمسكهما جواب للقسم المحذوف، وجواب الشرط المحذوف مستقبل مطلقا فكذلك ما دل عليه وهو جواب القسم. وأما البيت فإنما انصرف الفعل فيه إلى الاستقبال بإعماله في الظرف المستقبل، وهو قوله: أبدا» انتهى (٢). وما قاله الشيخ في الآية الكريمة والبيت ظاهر، ولكنه فهم أن المصنف يوجب صرف الماضي إلى الاستقبال بهاتين القرينتين وليس كذلك؛ لأن المصنف قد صرح في باب القسم بأن ذلك جائز؛ فإنه قال حين ذكر: ما ولا وإن: «إلّا أنّ المنفيّ بها في القسم لا يتغيّر عمّا كان عليه دون قسم (٣)، إلا إن كان فعلا موضوعا للمضيّ؛ فقد يتجدّد له الانصراف إلى معنى الاستقبال»، ومثل بقوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (٤) وبالآية الكريمة المذكورة هنا وبالبيت المذكور (٥)، فيحمل المطلق من كلام المصنف على المقيد من كلامه في باب القسم (٦). -

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن القرائن الصارفة الماضي إلى الاستقبال، وذكرها الأبذي: أدوات الشرط: نحو إن قام زيد قام عمرو، ولا خلاف في شيء من ذلك إلا كان زعم المبرد (١) أنها لقوتها في الزمان الماضي من حيث تجردت للدلالة عليه لم تتغير دلالتها بأدوات الشرط كغيرها، فتقول: إن كان زيد قد قام فيما مضى، فقد قام عمرو. وقال الله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ (٢) معناه عند المبرد: إن كنت قلته فيما تقدم فقد علمته. والصحيح مذهب الجمهور بدليل ورودها في بعض المواضع، والمعنى على الاستقبال. قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (٣). وأما الآية المتقدمة فتحتمل تقديرين: أحدهما: إضمار أكون أي: إن أكن فيما يستقبل موصوفا بأني كنت قلت ذلك فيما مضى، فقد علمته. والآخر: إضمار أقول أي: إن أقل كنت قلته [١/ ٤٨] وفي هذا الثاني من حيث المعنى نظر. ومنها أيضا: لو (٤) في أحد قسميها (٥)؛ كقوله تعالى: وَلَوِ افْتَدى بِهِ (٦)، وما تقدم من قول الشاعر: ٤٧ - قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النّساء ولو باتت بأطهار (٧) ومنها: إعماله في الظرف المستقبل؛ كقول الشاعر: ٤٨ - وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت إذا تغوّرت النّجوم (٨) -

стр. 213

[احتمال الماضي للحال والاستقبال] قال ابن مالك: (ويحتمل المضيّ والاستقبال بعد همزة التّسوية وحرف التّحضيض وكلّما وحيث وبكونه صلة أو صفة لنكرة عامّة). ــ أي أسقيته إذا تغورت النجوم. ومنها: إضافة اسم الزمان المستقبل إليه، نحو خروج زيد إذا قام عمرو أي إذا يقوم عمرو. ومنها: عطفه على المستقبل وعطف المستقبل عليه، نحو قعد زيد وسيقوم، أي سيقعد زيد وسيقوم، وكذا سيقوم زيد وقعد أي: وسيقعد (١) وهذه الثانية (٢) قالها المصنف (٣). ومنها: وقوعه في صلة لما المصدرية إذا كان العامل فيها المستقبل، كقولك: افعل خيرا ما دمت حيّا أي ما تدوم حيّا؛ إلا أن العرب لا تستعمل بعدها إلا الماضي (٤)؛ لأن معنى الكلام كمعنى الشرط المحذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه، كأنك قلت: افعل هذا ما دمت حيّا وهم لا يحذفون جواب الشرط إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا كقولهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يقولون: إن تفعل. قال ناظر الجيش: اعلم أن المراد بالاحتمال أن الماضي إذا وقع بعد ما ذكره جاز أن يراد به المضي في محل، وأن يراد به الاستقبال في محل آخر. وذلك بحسب ما يفهم من السياق؛ وقد يحتملهما في محل واحد ويختلف حينئذ التأويل. -

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمثال الواقع بعد همزة التسوية قولك: سواء عليّ أقمت أم قعدت؛ فيجوز أن يكون المراد: سواء عليّ ما كان منك من قيام أو قعود، وأن يكون سواء على ما يكون منك منهما، وسواء أكان المعادل فعلا كما مثل أم جملة اسمية، كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١). فإن كانت لم يعد أم تعين المضي كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٢)؛ لأن المعادل المنفي بلم تعين صرفه بها إلى المضي فوجب مضي ما قبله. ومثال الواقع بعد حرف التحضيض قولك: هلّا فعلت فتجوز إرادة المضي فتكون لمجرد التوبيخ، ولا يكون اقترانه بحرف التحضيض مغيرا للفعل عن وصفه، وتجوز إرادة الاستقبال فيكون بمنزلة الأمر. قال المصنف: ولذلك احتج العلماء على وجوب العمل بخبر الواحد، بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ (٣) جعلوه بمنزلة لينفر، وهذان المثالان من المواضع التي يحتمل فيها الفعل المضي والاستقبال في محل واحد. ومثال الواقع بعد كلما والمعنى ماض: قوله تعالى: كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ (٤). ومثاله والمعنى مستقبل قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها (٥). ومثال الواقع بعد حيث والمعنى على المضي: قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ (٦). ومثاله والمعنى على الاستقبال قوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ * (٧). ومثال الواقع صلة والمعنى ماض قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ (٨). ومثاله والمعنى مستقبل قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (٩). وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر: ٤٩ - وإنّي لآتيكم يذكّر ما مضى ... من الأمر واستنجاز ما كان في غد (١٠) -

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [١/ ٤٩] فمضى ماض وكان مستقبل. ومثال الواقع صفة للنكرة العامة والمعنى على المضي: قول الشاعر: ٥٠ - ربّ رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقتال (١) ومثاله والمعنى على الاستقبال قول النبي ﷺ : «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فأدّاها كما سمعها» (٢). فإن هذا منه ﵊ ترغيب لمن أدركه في حفظ ما يسمعه، ومعناه: نضر الله امرأ يسمع مقالتي فيؤديها كما يسمعها. وناقشه الشيخ (٣) في المثال الأول: بأن رفدا ليس بنكرة عامة؛ إذ ربّ على ما ينسب لسيبويه للتقليل (٤) والتقليل ينافي العموم، قال: -
следующие страницы →