← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم ها هنا أبحاث: الأول: قال الشيخ: «لا دليل في كلام سيبويه على اشتراط الإفادة والتمثيل بالمفيد لا يلزم منه الاشتراط بل ظاهر كلام سيبويه أنه لا تشترط الإفادة. قال: وما أظنّ أحدا يمنع قال زيد: النار حارة، ولا قال زيد: الجزء أقلّ من الكل». انتهى (١). وهذا الذي ذكره من عدم اشتراط الإفادة خلاف ما يفهم من كلام النحاة، وقد نقل هو في شرحه حدودا للكلام عن جماعة من أئمة النحو. وكلها مشتمل على ذكر الإفادة (٢). وأما كلام سيبويه: فقد فهم المصنف منه خلاف ما فهمه الشيخ كما تقدم فليرجح [١/ ١٩] أحد الفهمين بالأدلة الخارجية (٣). البحث الثاني: نقل الشيخ عن أبي الحسن بن الضائع (٤) ما معناه: «أنّه لا حاجة إلى ذكر -

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القصد في حدّ الكلام؛ لأنّه إنّما يحترز به عن حديث السّاهي والنّائم والمجنون، والصّادر من هؤلاء يخرج بقيد الإفادة؛ لأنّ مثل هذا لا يفيد بوجه. ولو قال النّائم: زيد قادم مثلا ووافق ذلك قدومه، فالفائدة لم تحصل من إخباره، وإنما حصلت من مشاهدة القدوم». انتهى (١). ومناقشة ابن الضائع لا تبعد عن الصواب، إلا أن يقال: المراد بالكلام المفيد ما صورته صورة ما يحصل منه فائدة، أي: ما من شأنه أن يفيد، ولا يلزم إفادته من ذلك المحل بخصوصه. ولا شك أن قول النائم: قام زيد مثلا شأنه ذلك؛ فهو داخل إلى أن يخرج بقيد القصد. وقال الشيخ: «قد فهم من كلام ابن الضائع أنّه لا تشترط في الإفادة قصد المتكلم إيّاها. إنّما يشترط فيها أن تكون على هيئة التركيب الموضوع في لسان العرب، وكثير من النحويين لم يعتبروا في حدّ الكلام سوى التركيب الإسنادي فقط، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد». انتهى (٢). وما ذكره من الفهم المذكور غير ظاهر؛ لأن من جعل القصد قيدا إنما احترز به عما يفيد بغير قصد مثل كلام النائم. وابن الضائع منع أن يكون ذلك مفيدا؛ فلم يحتج إلى ذكر القصد، ولا شك أن كلام غير النائم والساهي والمجنون يصحبه القصد، فلا يقال: إنه لا يشترط القصد؛ لأن ذلك يوهم أن الكلام قد يخلو عنه، وليس كذلك. وأوهم استدراجه في الكلام إلى أن الفائدة غير مشروطة عند كثير من النحويين أن ابن الضائع لا يشترطها أيضا، وقد تبين خلاف ذلك. -

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البحث الثالث: قال الشيخ: «لم أر هذا القيد لأحد من النّحويين غير المصنّف» يعني قوله: لذاته، قال: «ويمكن منازعته فيه من وجهين: أحدهما: أنّ الصلة كلام. ويدل عليه اشتراطهم فيها أن تكون جملة خبرية. والخبر أحد أقسام الكلام. الثاني: منازعته في أن هذه الجملة تضمنت إسنادا مفيدا مقصودا؛ حتّى يحترز منها بقوله: لذاته؛ لأن جملة الصلة كجزء من الاسم الموصول، ولم ينهض أن يكون من قبيل الكلمة؛ بل هي والموصول قبلها كلمة، وأما الجملة المضاف إليها فهي في تقدير المفرد؛ لأنّ معنى قمت حين قاموا: حين قيامهم، فصورتها صورة ما فيه إسناد والمعنى على التّركيب التّقييدي»، انتهى (١). وفي هذه المنازعة نظر: أما أن جملة الصلة شرطها أن تكون خبرية، والخبر أحد أقسام الكلام، فمسلّم، ولكن إنما تعتبر الخبرية قبل جعل الجملة صلة، وإذا وصل بها صار لها حكم أخر، كما أن: قام زيد، كلام تام غير مفتقر، وإذا دخلت عليه إن الشرطية صار غير تام مفتقرا، فعلى هذا لا منافاة في قولنا (٢): شرط جملة الصلة أن تكون خبرية مع أنها حال الوصل بها لا يصدق عليها أنها كلام. وأما دعواهم أن هذه الجملة لم تتضمن إسنادا مفيدا مقصودا، فممنوع، بل قد تضمنت الإسناد المفيد المقصود، وإنما حكم لها بحكم الجزء من الاسم الموصول [١/ ٢٠] من حيث أنها لا تتقدم عليه ولا يفصل بينها وبينه بالأجنبي. وغير ذلك من الأحكام المذكورة في باب الموصول. والحكم عليها بذلك (٣) لا يخرجها عن أن يكون فيها تركيب إسنادي (٤)، ولولا ذلك لما حكم على أفرادها بالإعراب -

стр. 144

[تعريف الاسم] قال ابن مالك: (فالاسم: كلمة يسند ما لمعناها لنفسها أو نظيرها). ــ وأعربت (١). وأما قوله في الجملة المضاف إليها: إنها في تقدير المفرد؛ لكن صورته صورة ما فيه الإسناد، فتسليم منه أن الإسناد حاصل، وهذا هو المقصود ولهذا احترز المصنف عنه، والتأويل بالمفرد لا يمنع وجود الإسناد؛ لأنه إنما أول لتصح الإضافة. قال ناظر الجيش: تفسير هذا الحد متوقف على تصور الإسناد. وقد عرفه المصنف بأنه: «عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه أو طلب بمطلوب منه» (٢)، وهو جيد. وجعله الشيخ غير حاصر لأنواع الإسناد، قال: «لأنّ بعض الإنشاءات كالقسم والعقود يخرج عنه» (٣). والجواب: أن جمل الإنشاء التي لا يراد بها الطلب منقولة من الجملة الخبرية. فما اشتملت عليه من الإسناد داخل في قوله: تعليق خبر بمخبر عنه، وخروج الجمل على الخبرية يعارض النقل إلى معنى الإنشاء لا يخرج ما تضمنته من الإسناد من الحد. ثم الإسناد قسمان: لفظي ومعنوى. فاللفظي: ما عضد به الحكم على اللفظ فقط. ويشترك فيه الثلاثة، أعني: الاسم والفعل والحرف. ويشاركها فيه الجملة أيضا، كقولك: زيد معرب، وقام مبني على الفتح، ومن حرف جر «ولا حول ولا قوّة إلّا بالله كنز من كنوز الجنّة» (٤). والمعنوي: ما قصد به الحكم على معنى الكلمة، أي: مدلولها لا على لفظها. ويسمى وضعيّا وحقيقيّا أيضا. وهذا هو المختص بالأسماء. فقول المصنف: كلمة: جنس يشمل الثلاثة. -

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: يسند ما لمعناها: فصل يفصل الاسم عن الفعل والحرف، إذ كل منهما يسند ما للفظه إليه لا ما لمعناه. وأما الاسم فيسند ما لمعناه إليه، أي: يسند إلى لفظه شيء هو لمدلول ذلك اللفظ، فإذا قلت: قام زيد، فالقيام هو ذلك الشيء وهو لمعنى زيد، أي: لمدلوله وهو المسند، واللفظ الذي هو زيد مثلا هو المسند إليه. ولما كان من الأسماء ما لا يقبل الإسناد، كأسماء الأفعال، والأسماء الملازمة للنداء والمصدرية والظرفية أتى في الحد بزيادة وهو قوله: أو نظيرها. فمه ومكرمان وسبحان مثلا لا تقبلن الإسناد لكن يقبله نظيرهن. قال المصنف (١): «وليس المراد هنا بالنظير ما وافق معنى دون نوع، كالمصدر والصفة بالنسبة إلى الفعل، بل المراد ما وافق معنى ونوعا، كموافقة قول الآمر بالصمت السكوت؛ لقوله: صه، لكن صه لا يقبل الإسناد الوضعيّ ويقبله السكوت، فالمسند إلى السّكوت بمنزلة المسند إلى صه؛ ليوافقها معنى ونوعا، وكذا المسند إلى كريم وفلان بمنزلة المسند إلى مكرمان وفل، وإن كان مكرمان وفل لم يستعملا إلّا في النّداء، وهذا سبيل محاولة الإسناد إلى نظير ما تعذر الإسناد إليه بنفسه». ثم ها هنا أبحاث: البحث الأول: [١/ ٢١] قال الشيخ: «إنما حدّ المصنف الإسناد بما ذكره ليخرج الإسناد اللّفظيّ» (٢). وهذا عجب من الشيخ، فإن الحد المذكور شامل لقسمي الإسناد، ولما ذكر المصنف حد الإسناد قال (٣): «فإن كان باعتبار المعنى اختصّ بالأسماء. وقيل فيه وضعيّ وحقيقيّ. وإن كان باعتبار اللفظ صلح للاسم ولغيره». فقسمه إلى القسمين بعد أن ذكر حده وكيف يقال: إن الحد مخصوص بأحدهما؟. البحث الثاني: قيل: قول المصنف: «إن الإسناد اللّفظيّ يشرك الاسم فيه غيره» خطأ، بل -

стр. 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإسناد اللفظي مختص بالأسماء، كاختصاص المعنوي بها، وذلك أنّا إذا قلنا: قام مبني على الفتح، ومن حرف جر، كان قام ومن، في هذين التركيبين، مبتدأين، والمبتدأ لا يكون غير اسم، فلم يسند إلى الفعل وهو باق على الفعلية، ولا إلى الحرف وهو باق على الحرفية؛ بل صير كل منهما اسما، وأسند إليه. والجواب عن ذلك: أن قام، إنما وضعته العرب فعلا، وكذا من، إنما وضعته العرب حرفا، وإنما الكلام فيما هو اسم بالوضع لا فيما أدت ضرورة التركيب إلى الحكم عليه بالاسمية لعارض، وإذا كان كذلك صدق أن الإسناد إلى فعل وإلى حرف أي: إلى ما وضعته العرب كذلك. ولا يلزم من الحكم عليها بالاسمية؛ لضرورة الحكم عليهما بالابتدائية خروجهما عن الوضع الأصلي، ولو خرجا عن وضعهما لما صحّ قولنا: قام فعل ماض ومن حرف جر. البحث الثالث: قد يتوجه على المصنف مؤاخذة في قوله: يسند ما لمعناها. فيقال: إن الذي لمعنى الكلمة وهي زيد، القيام مثلا، وليس القيام بمسند، إنما المسند قائم المتضمن لمعنى القيام. فإن أجيب بأن المسند وإن كان لفظ قائم إنما هو القيام من حيث المعنى، فيندفع الإيراد، توجهت مؤاخذة أخرى وهي: أنه إذا اعتبر المعنى في جانب المسند، وجب اعتباره في جانب المسند إليه، فلا نقول: إلى نفسها أي إلى لفظها. لأن المسند إلى اللفظ إنما هو قائم، وأما القيام فإنما هو لمدلول الاسم؛ فهو مسند إلى المعنى لا إلى اللفظ. إلا أن يريد أنه يسند ما للمعنى بلفظ يتضمنه إلى نفس ذلك المعنى فيصح. البحث الرابع: نوقش المصنف في قوله: «وليس المراد بالنّظير ما وافق معنى دون نوع؛ بل المراد ما وافق معنى ونوعا». فقيل: إذا كان الأمر موقوفا على الموافقة في المعنى والنوع، كانت معرفة كونه نظيرا مستلزمة لمعرفة اسميته، فلا يحتاج إلى أن يعرف بالإسناد إلى نظيره. ثم ذلك مستلزم للدور؛ لأن معرفة كونه اسما متوقفة على معرفة نظيره وكونه -

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يسند إليه، ومعرفة كون ذلك نظيرا، متوقفة على معرفة كون هذا اسما. والجواب: أن المصنف لم يجعل معرفة اسمية الشيء موقوفة على معرفة كونه نظيرا؛ ليلزم منه أن معرفة كونه نظيرا موقوفة على معرفة اسميته، بل لما حد الاسم بقبوله للإسناد المعنوي، وكان بعض الأسماء [١/ ٢٢] الذي علمت اسميته من خارج لا يقبل ذلك، أراد أن يزيد هذه الزيادة؛ لئلا يصير الحد غير منعكس. فهو يقول: إن قيل بأن لنا أسماء مقطوعا باسميتها وهي لا تقبل ما ذكرت. قلت: إن هي لم تقبله قبله نظيرها، ثم بيّن المراد بالنظير ليسلم من الدخل. البحث الخامس: لقائل أن يقول: لا حاجة إلى قول المصنّف: أو نظيرها. بل الاقتصار على قوله: يسند ما لمعناها إلى نفسها - كاف، وتكون الأسماء التي أشار إليها مما لزم في الاستعمال طريقة واحدة، من مصدرية أو ظرفية مثلا، داخلة في الحد غير خارجة عنه؛ لأن المراد إنما هو صحة الإسناد إلى الكلمة وقبول معناها له. ولا شك أن معاني هذه الأسماء قابلة للإسناد، ولا يلزم من استعمالها غير مسند إليها ألا يصح الإسناد إليها؛ فإن المراد إنما هو قبول معنى الكلمة لذلك من حيث الجملة. وجاز أن يسند إليها وألا يسند لعارض الاستعمال اللازم الذي لا تسع مخالفته (١).

стр. 148

[تعريف الفعل] قال ابن مالك: (والفعل كلمة تسند أبدا قابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه). قال ناظر الجيش: كلمة: جنس يعم الثلاثة. وتسند: أخرج به ما لا يسند وهو الحرف وبعض الأسماء، كياء الضمير والأسماء الملازمة للنداء. وأبدا: فصل ثالث أخرج به ما يسند من الأسماء وقتا دون وقت؛ فتارة يسند وتارة يسند إليه وذلك كثير. وقابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه: فصل ثالث أخرج به بقية الأسماء. وهي أسماء الأفعال؛ لأنها تشارك الفعل في أنها مسندة أبدا؛ لكن لا تقبل علامة فرعية ما أسندت إليه بخلاف الفعل فإنه يقبل. وبيّن المصنف أن هذه العلامة هي تاء التأنيث الساكنة وياء المخاطبة. فشتان لا يقبل التاء ويقبلها افترق، ودراك لا يقبل الياء ويقبلها أدرك (١). ولا يخفى أنه لو سكت عن تبيين ما أراد لزم دخول أسماء الفاعلين والمفعولين والصفة المشبهة في حدّ الفعل؛ لأنها مسندة أبدا وتقبل علامة الفرعية، وهي تاء التأنيث المتحركة وعلامتا التثنية والجمع؛ لأن التثنية والجمع فرعا الإفراد. ثم ها هنا تنبيه: وهو أن المصنف قال (٢): «ومثل الياء في الدّلالة على فرعيّة المسند إليه، وكون قبولها مميّزا لفعل الأمر من اسمه: الألف والواو والنّون في أدركا وأدركوا وأدركن، وقد حكم سيبويه (٣) بفعليّة هلمّ على لغة بني تميم لقولهم: هلمّي وهلمّا وهلمّوا وهلممن. وحكم باسميتها على لغة الحجازيين؛ لأنّهم يلزمونها التّجريد كلزومه عند الجميع في دراك وأخواتها». انتهى. وفسر الشيخ قول المصنف: قابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه - بأنّ هذه العلامة هي تاء التّأنيث السّاكنة، وياء المخاطبة، وألف الاثنين، وواو الجماعة، ونون -

стр. 149

[تعريف الحرف] قال ابن مالك: (والحرف كلمة لا تقبل إسنادا وضعيّا بنفسها ولا بنظير). ــ النّسوة). فأدرج الشيخ الألف وأخواتها مع التاء الساكنة والياء؛ بناء منه على أن المصنف شرح العلامة بذلك كله، ويلزم من هذا الإدراج ورود أسماء الفاعلين وما ذكر معها على حد الفعل. والذي ينبغي: أن تفسر العلامة بالتاء والياء المتقدمين فقط. ولا يلزم من قول المصنف: ومثل التاء في الدلالة كذا وكذا جعل الألف والواو كالتاء في إرادتها [١/ ٢٣] بقوله: علامة فرعية المسند إليه، وإنما لما بين العلامة المرادة نظر بينها وبين ما ذكر باشتراكهما في الدلالة على الفرعية، وليكون ذلك تمهيدا لما ذكره من حكم هلمّ، واختلاف اللغتين فيها. على أنّا نقول أيضا: لم يطلق الألف والواو بل قال: الألف والواو في أدركا وأدركوا. فنبه بذلك على أن مراده ألف الضمير وواوه؛ فلا يرد عليه أسماء الفاعلين وما ذكر معها؛ لأن الألف والواو اللاحقتين لها حرفان فلم يكونا بمرادين ولا داخلين في عبارته (١). قال ناظر الجيش: كلمة: جنس يشمل الثلاثة. ولا تقبل إسنادا وضعيّا بنفسها: فصل أخرج به الاسم والفعل؛ لأنه نفى قبول الإسناد مطلقا، أي: لا يسند إليه ولا يسند. وقيد الإسناد بكونه وضعيّا لأن غير الوضعي (٢) يقبله الحرف كما تقدم. -

стр. 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: ولا بنظير، فصل ثالث أخرج به هنا من الأسماء ما قصد دخوله في حد الاسم بقوله: أو نظيرها (١). فإن تلك الأسماء يصدق عليها أنها لا تقبل الإسناد المذكور، فعلى هذا لو اقتصر في حد الحرف على قوله: لا يقبل إسنادا، لدخلت في الحد؛ فاحتاج أن يخرج بقوله: ولا بنظيرها؛ فإنها إذا لم تقبل الإسناد بنفسها قبلته بنظيرها. بخلاف الحرف، فإنه غير قابل بنفسه ولا بنظيره. وها هنا بحثان: الأول: قد تقدم أن الأسماء التي قصد دخولها في حد الاسم بقوله: أو نظيرها، قابلة للإسناد إليها، وأنه لا يلزم من عدم استعمالها مسندة إليها عدم صحة ذلك، وأنه لا حاجة إلى قول المصنف: أو نظيرها، فعلى هذا لا حاجة في حد الحرف إلى أن يزيد قوله: ولا بنظير؛ ليحترز عن دخول الأسماء المذكورة؛ إذ لم يصدق عليها أنها لا تقبل الإسناد؛ فهي خارجة بقوله: لا تقبل إسنادا؛ لأن هذه قابلة وإن لم تستعمل مسندة إليها. البحث الثاني: أورد الشيخ أن في الحد المذكور صيغة النفي: «وهو لا يقبل، فهو عدميّ والعدميّ لا يكون في الحدّ؛ لأنّ الحدّ لا يكون إلّا بما تقوّمت منه الماهيّة (٢). والأعدام سلوب لا تتقوّم منها ماهيّة. وإنّ فيه أيضا تجوّزا (٣)؛ لأنه قال: ولا بنظير؛ احترازا من الأسماء اللّازمة للنداء فإنّها تقبل الإسناد بنظير، وهذا مجاز؛ لم تقبل هي إسنادا لا بنفسها ولا بنظير، إنّما نظيرها هو الذي قبل» (٤). والجواب عن الأول: أن الفصول الوجودية إنما تعتبر في الحدود الحقيقية، أي: التي تحد بها الماهيات الحقيقية وهي التي لها وجود في الخارج. أما الحدود الاصطلاحية، -

стр. 151

[علامات الاسم] قال ابن مالك: (ويعتبر الاسم بندائه، وتنوينه في غير رويّ، وبتعريفه، وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه أو إضافة إليه أو عود ضمير عليه أو إبدال اسم صريح منه، وبالإخبار به مع مباشرة الفعل، وبموافقة ثابت الاسميّة في لفظ أو معنى دون معارض). ــ أي: التي تحد بها الماهيات الاعتبارية، فيجوز في الفصول التي فيها أن تكون عدمية. والجواب عن الثاني: أن القابل للإسناد المعنوي إنما هو مدلول الكلمة. فتارة يقبل الإسناد بذلك اللفظ الدال عليه، وتارة يقبله بنظير ذلك اللفظ، وقد عرفت المراد بالنظير ما هو، وإذا كان كذلك صح أن يقال: إن الأسماء اللازمة للنداء مثلا تقبل الإسناد بمعنى أن مدلولها قابل له [١/ ٢٤] لكن ذلك المدلول لا يقبل بذلك اللفظ. إنما يقبل بالنظير فلا مجاز إذا (١). قال ناظر الجيش: لما ذكر حدود الثلاث شرع في ذكر خصائص الاسم وخصائص الفعل. والفرق بين دلالة الحدود ودلالة الخاصة: أن دلالة الحد تطّرد وتنعكس، ودلالة الخاصة تطّرد ولا تنعكس، أي يلزم من وجودها الوجود ولا يلزم من عدمها العدم (٢). -

стр. 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعبر المصنف عن ذكر الخواص بقوله: ويعتبر. ــ وذكر أن اعتبار الاسم بأشياء: منها النداء: ويستدل به على اسمية ما له علامة غيره، نحو: أيا زيد، وعلى اسمية ما لا علامة له غيره، نحو: أيا مكرمان. قال المصنف (١): «واعتبار صحّة النّداء بأيا وهيا وأي أولى من اعتبارها بيا؛ لأنّ يا قد كثرت مباشرتها الفعل والحرف نحو: يا حبّذا ويا لَيْتَنِي» (٢). قال الشيخ: «هذا ليس بجيّد؛ لأنّ هذه الأحرف يقلّ النداء بها؛ فالأولى اعتبار النداء بحرفه المشهور الذي هو يا، وإذا باشرها الفعل والحرف فليست للنداء على الأصحّ وإنّما هي للتّنبيه فهي مشتركة بينهما» (٣) انتهى. وكون هذه الأحرف يقل النداء بها لا يكون صحة اعتبار النداء بها مرجوحا، ولا أولوية ليا لكثرة استعمالها؛ إذ لا أثر لذلك في تمييز الاسم من غيره، بل غير يا أولى لعدم الاشتراك، كما قال المصنف. ثم قوله: إنها حال مباشرتها الفعل أو الحرف إنما هي للتنبيه على أصح القولين، يقوي عدول المصنف عنها؛ إذ لو كانت حينئذ للنداء لم يكن بينها وبين غيرها فرق. وإنما اختص الاسم بالنداء؛ لأنه مطلوب به الإقبال، والمقبل إنما يكون اسما، ولأن المنادى مفعول والمفعولية لا تليق بغير اسم. ولما قال المصنف هنا: «لأنّ المنادى مفعول في المعني» (٤) ناقشه الشيخ فقال: «ظاهر هذا الكلام أنّ المنادى ليس بمفعول صحيح من جهة اللّفظ والمعنى، وهي مسألة خلاف: -

стр. 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الكوفيون ومن تبعهم: إنّه مفعول من جهة المعنى فقط. وقال سيبويه ومتابعوه، وهم الجمهور: إنه مفعول صحيح من جهة اللّفظ والمعنى. فإن كان المصنف وافق الكوفيين فقد ناقض قوله في باب النداء: المنادى منصوب لفظا أو تقديرا، ويكون اختار المذهب الفاسد أيضا وإن كان وافق سيبويه فقد أساء العبارة؛ حيث خصّ جانب المفعوليّة بالمعنى دون اللّفظ» (١) انتهى. والجواب: أن المصنف إنما أتى بهذه العبارة؛ ليشمل قسمي المنادى من معرب ومبني. والمفعول لفظا يصدق عليه أنه مفعول معنى، ولو لم يقيد المفعولية بالمعنى لم يكن نصّا في مقصوده؛ إذ يتبادر الذهن إلى المفعولية لفظا، فإذا لا مفهوم لقوله: مفعول في المعنى، وإذا كان كذلك لم تتوجه مناقشة الشيخ [١/ ٢٥]. ومنها: التنوين وهو أضرب: تنوين الترنّم: وهو الذي يكون عوضا عن مدة الإطلاق في رويّ مطلق (٢) فالمراد تنوين ذي الترنم. والتّنوين الغالي: وهو اللاحق الروي المقيد (٣). وهذان التنوينان يشترك فيهما الاسم والفعل والحرف؛ لأن الروي قد يكون آخر فعل وآخر حرف كما يكون آخر -

стр. 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسم، وعنهما احترز المصنف بقوله: في غير روي. وبقية أضربه يختص الاسم بها وهي: تنوين الصّرف والتّنكير والعوض والمقابلة: وإنما كان كذلك؛ لأن تنوين الصرف دال على بقاء الأصالة، كرجل وزيد، فلا يلحق غير اسم؛ إذ لا أصالة له فيدل على بقائها. وأما تنوين التنكير، فلأنه دال على تنكير ما هو صالح للتعريف، كصه، وأف، وسيبويه لغير معين، فلا يلحق غير اسم لعدم الحاجة إليه. وأما تنوين العوض، فلأنه إما عوض عن مضاف إليه (١) كحينئذ، فلا يلحق غير اسم؛ لأن المضاف لا يكون إلا اسما، وإما عوض عن حركة أو حرف على القولين في اسم لا ينصرف (٢) واختصاصه بالاسم ظاهر. وأما تنوين المقابلة: فلأنه دال على مقابلة جمع بجمع، كمسلمات المقابل لمسلمين. فلا يلحق غير اسم؛ لأن الجمع من خصائصه. ومنها: التّعريف (٣): ويتناول تعريفه بالأداة، نحو: الرجل وأم غلام، وبالإضافة نحو: مَعاذَ -

стр. 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّهِ (١) ويا ويح من ليس له ناصر. قال الشيخ: «ويتناول أيضا تعريف الإضمار والعلميّة والإشارة» انتهى (٢). وإنما خصّ الاسم به ليختص؛ فيصح الإخبار عنه ويفيد الإسناد إليه. ومنها: صلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه أو إضافة إليه: فمثال الإخبار: أنت ذاهب، واختص به لأن معناه لا يتصور إلا فيه، ومثال الإضافة إليه: غلامي وغلامنا. واختص الاسم بذلك؛ لأن المضاف إليه يخصص المضاف أو يعرفه، والفعل لا يخصص ولا يعرف؛ ولأن المضاف إليه يملك المضاف أو يستحقه والأفعال لا تملك ولا تستحق. وقوله: بلا تأويل: قيد في الإخبار والإضافة. واحترز بذلك عما يخبر عنه، أو يضاف إليه وليس باسم. وحينئذ يجب تأويله بالاسم، فالإخبار عنه: نحو قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ (٣) وقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٤). ومنه قولهم: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» (٥). والإضافة نحو قوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٦)، وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ (٧). والتقدير: سواء عليكم دعاؤكم، وصومكم خير لكم، ويوم نفع الصادقين صدقهم، ويوم تسيير الجبال، وتقدير تسمع بالمعيدى: أن تسمع، أي: سمعك بالمعيدي. وتبين من هذا: أن غير الاسم لا يخبر عنه إلا بتأويله باسم، سواء أكان فعلا أم جملة وهو الصحيح. -

стр. 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنهم من أجاز الإخبار عن الفعل من غير تأويل (١). وأما الإخبار عن الجملة فنقل ابن عصفور فيه ثلاثة مذاهب (٢): «المنع وهو الصّحيح، والجواز وهو رأي بعض الكوفيّين، والتّفصيل بين أن تكون الجملة في موضع فاعل أو مفعول لم يسم فاعله لفعل من أفعال القلوب وقد علّق ذلك الفعل عنها؛ فيجوز نحو: ظهر لي أقام زيد أم عمرو، وعلم أقام عبد الله أم خالد، أو غير ذلك فلا يجوز». والاستدلال لذلك أو عليه يذكر في باب الفاعل إن شاء الله تعالى (٣). ومنها: عود ضمير عليه (٤): [١/ ٢٦] كعوده على مهما في قوله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ (٥) وعلى ما، في: ما أحسن زيدا، إلا أن الضمير اسم ومدلوله ومدلول ما يعود عليه واحد فلا يكون العائد إليه الضمير غير اسم. وزعم السهيلي (٦) أن مهما حرف وزعمه مردود بما ذكر. -

стр. 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: إبدال اسم صريح منه: نحو: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ فصحيح اسم صريح؛ لقبوله علامات الاسم كلها، وهو مبدل من كيف إبدال الشيء من الشيء على سبيل التفصيل، فكيف اسم. وكذلك: من جاءك أزيد أم عمرو؟ ولا أعلم مم احترز المصنف بقوله: صريح (١)؟ واعلم أنه كما استدل على الاسمية بإبدال اسم صريح من ذلك اللفظ، يستدل عليها بعكسه، وهو إبدال ذلك اللفظ من اسم صريح، نحو: جئت يوم الجمعة إذ جاء زيد، وأجيء يوم الأحد إذا يجيء عمرو، فإذ وإذا اسمان لإبدالهما من اسم صريح، أي: قابل لعلامات الاسمية، ذكر المصنف ذلك في باب الظروف (٢). ومنها: الإخبار به مع مباشرة الفعل: نحو: كيف كنت؟ وخروج زيد إذا خرجت، فكيف خبر كان، وإذا خبر المبتدأ الذي هو خروج زيد، وكلاهما مباشر لفعل؛ فالإخبار بهما ينفي الحرفية ومباشرة الفعل تنفي الفعلية فتعينت الاسمية. -

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: موافقة ثابت الاسمية في لفظ أو معنى دون معارض: فمثال الموافقة لفظا: وشكان وبطآن (١) فإنهما موافقان سكران وشكران. وهو وزن لا يوجد في الأفعال. قال المصنف (٢): «والحرفيّة منتفية بكونهما عمدتين. والحرف لا يكون إلّا فضلة». ومثال الموافقة معنى: قد في نحو: قدك، وقد زيد درهم فإنهما موافقان لحسب في المعنى وحسب ثابت الاسمية؛ فوجب كون قد التي بمعناها اسما. وقوله: دون معارض، قيد في الموافقة معنى، واحترز به من واو المصاحبة في نحو: استوى الماء والخشبة؛ فإنها بمعنى مع، ولا تلحق بها في الاسمية؛ لأن الموافقة المعنوية عارضها كون الأسماء ليس فيها ما هو على حرف واحد إلا ومحله العجز، كتاء الضمير ويائه وكافه، لا الصدر. والواقع صدرا وهو على حرف واحد إنما هو حرف، كباء الجر ولامه، وواو العطف وفائه. فلو حكم على واو المصاحبة بالاسمية لزم عدم النظير بخلاف الحكم عليها بالحرفية (٣). قال المصنف (٤): ومما يخرج بذكر المعارض من الموافق لثابت الاسمية: من؛ فإن نسبتها من بعض نسبة الواو من مع، إلا أن ذا معارض بكون من لا يليها مع مجرورها بعد إنّ إلا اسمها، كقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً (٥)، بخلاف بعض فلا يليها إلا الخبر. بقي أن من إذا وقعت بعد إنّ كانت هي ومجرورها (٦) في موضع خبر إنّ، وما -

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعدها ينتصب على أنه اسم إن، وإذا وقعت بعض كانت هي اسم إن وما بعد بعض هو الخبر (١). وها هنا بحثان: الأول: أورد الشيخ على قول المصنف في وشكان وبطآن: «وانتفت الحرفيّة بكونهما عمدتين»، فقال: «العمدة في الاصطلاح: ما كان مرفوعا، ولا يصحّ ذلك في هذين الاسمين [١/ ٢٧] لأنه لم يذهب أحد إلى أنهما في موضع رفع، ومن جعل لأسماء الأفعال موضعا من الإعراب إنما جعله نصبا، قال: ويحتمل أن يريد بالعمدة هنا أحد ركني الإسناد لكنّه ليس المصطلح، ويلزم منه أن يكون قام من قولنا: قام زيد، عمدة» (٢) انتهى. أما قوله: إنه لم يذهب أحد إلى أنهما في موضع رفع فقد ذكر ابن الحاجب (٣) رحمه الله تعالى، في موضع أسماء الأفعال أنه يجوز أن يكون رفعا وأن يكون نصبا -

стр. 160

قال ابن مالك: (وهو لعين أو معنى اسما أو وصفا). ــ وقدر ذلك بما يوقف عليه من كلامه (١): والتزام أن قام، من قام زيد، عمدة لا يضر؛ لأن العمدة هنا المراد بها ما لا يستغنى عنه في التركيب الإسنادي، وقام: أحد ركني الإسناد. البحث الثاني: لقائل أن يقول: ما ذكره المصنف من المعارض في من التبعيضية، إنما يترتب على كونها لم يثبت اسميتها. ولو ثبت لكانت كبعض في أنها إذا وليت إنّ كان اسما لها. فكيف يحسن جعل ما يترتب وجوده على عدم ثبوت الاسمية، مانعا منها؟ فظهر أن جواز جعل من اسما لإنّ موقوف على ثبوت اسميتها، والمصنف عكس فجعل ثبوت اسميتها موقوفا على أنه لا يليها مع مجرورها بعد إنّ إلا الخبر (٢). واعلم أن العلامات اللفظية (٣) مرجحة على المعنوية ولذلك حكم على وشكان وبطآن بالاسمية مع موافقتها في المعنى لوشك وبطؤ، وحكم على عسى بالفعلية لاتصالها بضمائر الرفع البارزة وتاء التأنيث الساكنة، مع موافقتها في المعنى للعلّ، نبه على ذلك المصنف (٤). قال ناظر الجيش: لما فرغ من ذكر علامات الاسم، أراد أن يذكر ما وضع له على سبيل الإجمال. فالضمير في قوله: وهو، راجع إلى الاسم المرتفع بقوله: ويعتبر. ومراده أن مدلول الاسم قسمان: عين ومعنى. -

стр. 161

[علامات الفعل] قال ابن مالك: (ويعتبر الفعل بتاء التّأنيث السّاكنة، ونون التّوكيد الشّائع ولزومه مع ياء المتكلّم نون الوقاية؛ وباتصاله بضمير الرّفع البارز). ــ فالعين: هو ما يقوم بنفسه، والمعنى: هو ما يقوم بغيره، وكل من العين والمعنى إما اسم وإما وصف؛ لأن الدال على العين إما دال عليها دون تعرض لقيد، وهو المعبر عنه باسم عين، وإما دال عليها مع قيد، وهو المعبر عنه بوصف العين. وكذا الدال على المعنى يقال فيه ذلك فالأقسام أربعة: الأول: كرجل وامرأة، الثاني: كعالم وحاكم، الثالث: كعلم وحكم. الرابع: كجلي وخفي. وعلم من هذا: أن المراد بقوله: اسما: قسيم الوصف، والاسم المقسم هو قسيم الفعل والحرف. فهما أمران ولهذا يصح أن يقال: الاسم ينقسم إلى اسم وصفة. والمعنى المذكور هنا غير المعنى في قولهم: الاسم يدل على معنى في نفسه، فالمعنى الذي في الحد أعم من المعنى الذي هو قسيم العين، إذ يطلب على العين، وقسيمه الذي هو المعنى، فللمعنى مدلولان كما أن للاسم مدلولين (١). قال ناظر الجيش: اعتبار الفعل أيضا بأشياء: منها: تاء التأنيث الساكنة: وقيدت بالسكون؛ تحرزا من المتحركة؛ فإنها تلحق الاسم، وهي علامة تميز -

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفعل الماضي، كما سيأتي، متصرفا كان أو غير متصرف، نحو: إن زكت هند فعست تفلح (١)، ونعمت المرأة هي [١/ ٢٨]. قال المصنف (٢): «ما لم يكن أفعل للتّعجّب». واستقصر الشيخ هذه العبارة، وقال: كان ينبغي أن يقول: ما لم يلزم تذكير فاعله؛ ليدخل فيه أفعال الاستثناء: عدا وأخواتها. انتهى (٣). وهو نقد جيد. ومنها: نون التوكيد: وتلحق من الأفعال: المضارع والأمر وقد تلحق من الماضي: اللفظ المستقبل المعنى، كقول الشاعر: ٨ - دامنّ سعدك إن رحمت متيّما ... لو لاك لم يك للصّبابة جانحا (٤) ومنه ما ورد في الحديث: «فإمّا أدركنّ واحد منكم الدّجّال» (٥). فدامنّ مستقبل؛ لأنه دعاء، وكذا أدركنّ؛ لوقوعه بعد إن الشرطية. وقد تلحق أفعل في التعجب. ويذكر ذلك في مكانه إن شاء الله تعالى (٦). وقيد المصنف النون المذكورة بالشائع؛ تحرزا من لحوقها الاسم شذوذا في قول الراجز: -

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩ - أقائلنّ أحضروا الشّهودا (١) فإنه غير شائع. وهذا الاحتراز يوهم بظاهره أن ثمّ نونين، وقد كان يغنيه أن يقول: وشذ لحوقها الاسم. ومنها: لزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية: ويلحق المتعدي من الأفعال ماضيا ومضارعا وأمرا. وقيد اللزوم مخرج للحروف التي تلحقها النون المذكورة؛ فإن لحوقها إياه على سبيل الجواز وليس لازما. قال الشيخ: «قد وجدنا نون الوقاية تلزم مع ياء المتكلّم في غير الفعل ووجدنا فعلا تتّصل به الياء، ولا تلزم معه النّون، فالأول: عليكي، ولا يجوز عليكي فيه، ولا فيما أشبهه؛ فقد لزمت اسم الفعل، والثاني: فعل التعجب؛ فإن النون فيه غير لازمة فيقال: ما أكرمي» انتهى (٢). أما الأول: فقد يجاب عنه بمنع لزوم النون فيه مع الياء؛ لأن لنا أن نعمل هذا -

стр. 164

[أقسام الفعل] قال ابن مالك: (وأقسامه: ماض، وأمر، ومضارع). ــ الاسم في الياء بطريق آخر؛ فنقول في عليكني: عليك بي حكاه سيبويه (١). وكذا يقال في: رويدني رويد لي؛ فعلى هذا لا مندوحة في الفعل عن النون، وأما في اسم الفعل فثم مندوحة. وفي هذا الجواب نظر: وهو أن يقال: لزوم النون إنما هو مع اتصال الياء بالكلمة. وحيث اتصلت بعليك أو برويد لزمت النون مطلقا. وأما الثاني: فيجاب عنه بأن المذكور خاصة وليس من شرط الخاصة الانعكاس، أي: لا يلزم من عدمها العدم، فلا يلزم من عدم لزوم النون في فعل التعجب عدم فعليته. وهو ظاهر (٢). ومنها: اتصاله بضمير الرفع البارز: فقيد الضمير بالرفع احترازا من ضميري النصب والجر؛ لجواز اتصال الاسم والحرف بهما. وقيد بالبارز؛ لأن المستتر يتصل بالاسم أيضا (٣). وأما البارز إذا كان مرفوعا، فمختص بالفعل نحو: قاما ويقومان وقوما. قال ناظر الجيش: لما فرغ من ذكر علامات الفعل، أراد أن يذكر أقسامه الأولية التي يترتب عليها معرفة ما هو مبني، وما هو معرب، وما هو منها مبهم، وما هو مختص بأحد الأزمنة الثلاثة. واعلم أن الأفعال في الحقيقة إنما هي المعاني القائمة بالفاعلين، أو الصادرة عنهم. ولها ألفاظ تدل عليها، كالقعود والضرب مثلا. وهي تستلزم زمانا غير معين. والأزمنة ثلاثة: متقدم ومنتظر بالنسبة إلى زمن الإخبار: وهما الماضي والمستقبل، -

стр. 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وزمن الإخبار [١/ ٢٩] وهو الحال، ولنا حاجة إلى الدلالة على الزمان المعين؛ فاشتق من الألفاظ الدالة على هذه المعاني صيغ تفيد المعنى الذي تفيده تلك. ويفيد مع ذلك زمانا معينا، ولزم أن تكون ثلاثة ألفاظ بحسب الزمان. وسميت الألفاظ المشتقة أفعالا، وأما الألفاظ المشتق منها فسميت أحداثا ومصادر، وقد تسمى أفعالا باعتبار الأصل. ولو قيل: إنما انقسمت الأفعال إلى ثلاثة لأن دلالة الكلام منحصرة في الطلب والخبر، فلا بد من صيغ تميز بينهما، فوضعوا للطلب صيغة الأمر، والخبر إما عن ماض أو حال أو مستقبل؛ فوضعوا للأول صيغة الماضي، وللآخرين صيغة واحدة وهي المضارع - لكان أحسن. وحذا المصنف في ذلك: الماضي أولا ثم الأمر ثم المضارع، حذو سيبويه؛ فإنه قال (١): «وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، فبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع» (٢). ومثل للأول بذهب، والثاني باذهب ويذهب، ثم بيّن أن يذهب وشبهه يراد به الحال أيضا. قال المصنف: «وكأنّ سيبويه لحظ في هذا التّرتيب أنّ المضارع لا يخلو من زيادة، وأن الماضي والأمر يخلوان منها كثيرا، والمتجرد من الزّيادة متقدم على المتلبس بها؛ فقدّم ما له من التجرد نصيب على ما لا نصيب له فيه، وتجرد الماضي أكثر من تجرد الأمر فقدّم عليه» (٣). وعند الكوفيين أن الأمر مقتطع من المضارع؛ فإذا تكون القسمة ثنائية (٤).

стр. 166

[علامات الفعل الماضي والمضارع] قال ابن مالك: (فيميز الماضي التّاء المذكورة، والأمر معناه ونون التّوكيد، والمضارع افتتاحه بهمزة للمتكلّم مفردا، أو بنون له عظيما، أو مشاركا، أو بتاء للمخاطب مطلقا وللغائبة والغائبتين، أو بياء للمذكّر الغائب مطلقا، والغائبات). قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الفعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، شرع في ذكر ما يميز كل قسم منها. أما الماضي: فيميزه: تاء التأنيث الساكنة. وإليها الإشارة بقوله: التاء المذكورة. وقد تقدم أنها تميز الماضي متصرفا كان أو غير متصرف. ولم تلحق فعل الأمر؛ للاستغناء عنها بياء المخاطبة ولا المضارع للاستغناء عنها بتاء المضارعة، نحو: هي تفعل (١)، ولأنها ساكنة والمضارع يسكن للجزم. فلو لحقته التقى فيه ساكنان، ولأن لحاقها الاسم أصل؛ إذ مدلولها فيه. ولحاقها الفعل فرع؛ لأن مدلولها ليس فيه، إنما هو فيما أسند إليه. ولما فتح ما قبلها لزوما في الذي هي أصل فيه، وكان الماضي مفتوح الآخر وضعا - ناسب اختصاصه بها دون غيره لذلك. وبهذه التاء يتميز الفعل الماضي من اسمه. ومن أجل ذلك حكم بفعلية افترق وباسمية شتان (٢). وأما الأمر: فيميزه مجموع أمرين: معنى الأمر ونون التوكيد. ولا يكفي أحدهما؛ لأن اسم فعل الأمر يشارك الأمر في معناه، كصه ونزال وشبههما. ولا يحكم بفعليته لعدم صلاحيته لنون التوكيد، والمضارع يشارك الأمر في قبول النون، نحو: هل تقومن؟ ولا يحكم عليه بأنه أمر؛ لعدم معنى الأمر فيه. -

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما المضارع: فيميزه: أمور: السين، وسوف، ولم، ولن، وكي، وافتتاحه بأحد أحرف نأتي، وهي الهمزة بشرط أن تشعر بمدلول أنا، والنون بشرط إشعارها بمدلول نحن، والتاء بشرط إشعارها بحضور أو تأنيث، والياء بشرط إشعارها بغيبة. قال المصنف: «والإحالة على الافتتاح بأحد هذه الأحرف المشعرة بما ذكر، أولى من الإحالة على سوف وأخواتها؛ لأن افتتاحه بها لازم لكل مضارع، وليست الصّلاحية لسوف وأخواتها؛ إذ من المضارع ما لا يدخل عليه شيء منها، كأهاء وأهلمّ، ولا يقعان غالبا إلا بعد لا أو لم (١). وتقييد الأحرف الأربعة بالمعاني المذكورة واجب؛ لأن أمثالها في اللّفظ قد يفتتح بها الماضي، نحو: أكرم وتكرم ونرجس الدواء، إذا جعل فيه نرجسا، ويرنأ الشيب إذا خضبه باليرناء وهو الحناء (٢). ونعود إلى لفظ المتن: [١/ ٣٠] قوله: بهمزة للمتكلم، مثاله: أقوم وأكرم وسواء أكان المتكلم مذكرا أم مؤنثا لا يختلف الحال. وقوله: أو مشاركا، يجوز فيه كسر الراء وفتحها. والمشاركة قد تكون من واحد مذكرا كان أو مؤنثا ومن أكثر كذلك. وقوله: أو بتاء للمخاطب مطلقا، أي: سواء أكان مذكرا، أم مؤنثا، أم مفردا، أم مثنى، أم مجموعا. وقوله: وللغائبة، أي: سواء أكانت ظاهرة أم مضمرة، حقيقية التأنيث أو مجازيته نحو: تقوم هند، وهند تقوم، وتنفطر السماء، والسماء تنفطر. -

стр. 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله: والغائبتين هو كما تقدم، نحو: تقوم الهندان والهندان تقومان، وتدمع العينان والعينان تدمعان. وذكروا ها هنا صورة: وهي إذا قلت: الهندان هما يقومان، والعينان هما يدمعان، فهل يكون بالتاء حملا على الظاهر، وبالياء حملا على هما؛ لأن لفظه لفظة ضمير الغائبين المذكرين؟ منهم من قال بالأول ومنهم من قال بالثاني. قال الأبذي (١): القول بأن يكون بالياء باطل؛ لا تستعمل العرب الفعل هنا الا بالتاء؛ لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها، يعني أن الضمير يجري مجرى ظاهره؛ فكما يقال: الهندان تخرجان كذلك يقال: هما تخرجان. ثم أنشد قول عمر بن أبي ربيعة (٢). ١٠ - أقصّ على أختيّ بدء حديثنا ... وما لي من أن يعلما متأخّر لعلّهما أن تبغيا لك حيلة ... وأن ترحبا سربا لما كنت أحصر (٣) -

стр. 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: أن تبغيا، وأن ترحبا بالتاء، وقد تقدم لفظهما، وهو ضمير الأختين. ثم ها هنا بحثان: الأول: قال الشيخ: «كان ينبغي للمصنف أن يزيد هنا: وللغائب إن حمل على مؤنّث، نحو: تجيء كتابي على معنى الصحيفة، أو أضيف إلى مؤنث، يجوز أن يلفظ بذلك المؤنث وأنت تريد المذكر، نحو: تجتمع أهل اليمامة، وتذهب بعض أصابعه. أو كان فيه علامة تأنيث، نحو: تقوم طلحة وتعدل الخليفة [١/ ٣١] وهذا قليل. أو أسند إلى ظاهر الجمع المذكر غير السالم وأردت معنى جماعة، أو إلى ضميرهم أو ضمير غائبات» انتهى (١). وهذا الذي ذكره بعينه استدركه الأبذي على الجزولي (٢) فنقله منه (٣). -

стр. 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأقول: ليس هذا استدراكا على الجزولي، ولا على المصنف؛ وذلك أنهما أعطيا قانونا كليّا أن التاء للغائبة، فمتى كان الفعل للغائبة جيء بالتاء فيه، وهذه المواضع المذكورة إنما جيء بالتاء في أفعالها؛ لتأولها بمؤنث كما تقدم؛ فلم تدخل التاء إلا في فعل مؤنث؛ فالصور التي أشار إليها مندرجة فيما ذكر. وليس في كلام المصنف أن التاء لا تكون إلا في فعل المؤنث بالوضع؛ بل التأنيث أعم من أن يكون بالوضع أو بالتأويل، أو يقال: التاء في الأصل إنما هي لفعل المؤنث بالوضع. وأما المؤنث بالتأويل فدخول التاء في فعله فرع. وهو بالحمل على ما تأنيثه بالأصالة. والمصنف إنما يشير هنا إلى ما يستحق التاء بطريق الأصالة. وأما ما يحمل على ذلك، فقد ذكره في غير هذا الموضع، فقال في باب الفاعل: «وتلحق الماضي المسند إلى مؤنّث أو مؤوّل به أو مخبر عنه أو مضاف إليه مقدّر الحذف تاء ساكنة» (١). ونبه في الباب أيضا على حكم يقوم الزيود، ويقوم الزيدون (٢). وقال في باب المضمر (٣): «ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيرا لتأولهم بجماعة فأتى بكلّ شيء في مكانه». البحث الثاني: ينبغي أن يقول المصنف: والغائبات، بعد قوله: والغائبتين، نحو: تقوم الهندات وتقوم الهنود. وقد يجاب عنه بأنه إنما يذكر ما تكون التاء في فعله ظاهرا أو مضمرا، وهذا القسم ليس كذلك. وليس هذا الجواب بشيء. قوله: أو بياء للمذكّر الغائب مطلقا أي: سواء كان مفردا أو مثنى أو مجموعا، -

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظاهرا أو مضمرا، عاقلا كان أو غير عاقل. وقوله: والغائبات، يشمل كل جمع لهن، وهو صحيح في المكسر عاقلا أو غير عاقل، مظهرا كان أو مضمرا (١) وفي المسلم إن كان التأنيث فيه غير حقيقي مظهرا كان أو مضمرا. نحو: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ (٢). وأما في المسلم الحقيقي الظاهر نحو: يقوم الهندات، فمذهب البصريين أن الياء لا تجوز، وهو يختار مذهبهم، أما في المضمر، فنعم؛ بل لا تجوز أصلا التاء، نحو: الهندات يقمن. وقال الشيخ هنا أيضا: «كان ينبغي للمصنف أن يزيد: وللغائبة إن كانت مضافة إلى مذكّر هي بعضه، ويجوز أن تلفظ بالمذكر وأنت تريد المؤنث، نحو: يقطع يد زيد؛ لأنك تقول: تقطع زيد، وأنت تريد يد زيد، أو كانت فصل بينها وبين الفعل بشيء، نحو: يحضر القاضي اليوم امرأة» إلى آخر كلامه (٣)، وهو بعينه استدراك الأبذي على الجزولي. والجواب عن المصنف والجزولي ما تقدم في التاء فلا نعيده. واعلم أنه قد ذكر لزيادة هذه الأحرف الأربعة دون غيرها من حروف الزيادة مناسبة: قالوا: أولى الأحرف بالزيادة أحرف العلة [١/ ٣٢] لخفتها؛ لكن الألف لا تزاد أولا فعوضوا منها الهمزة لاشتراكهما في المخرج. وجعلت للمتكلم؛ لأنها من أول المخارج والمتكلم أخص؛ فناسب كونها له، واشترك فيها المذكر والمؤنث؛ لعدم اللبس. وأما الواو: فامتنع من زيادتها أولا؛ لأنها معرضة لدخول واو عليها للعطف، وقد تكون آخر الكلمة المعطوف عليها واوا أيضا؛ فتجتمع ثلاث واوات، وقد تكون أول الماضي واوا كوعد فتجتمع أربع واوات (٤) فيستثقل ذلك، وهي مقابلة للهمزة؛ إذ هي من آخر المخارج والهمزة من أولها، فاستحقها المخاطب مطلقا؛ لأنه يقابل المتكلم. لكنها رفضت لما ذكر وعوضوا منها التاء؛ لأن التاء تبدل من الواو كثيرا في الأفعال. وتكون التاء للغائبة والغائبتين والغائبات؛ فقد شارك المخاطب غيره في التاء؛ وحينئذ يبطل التعليل الذي ذكروه لاستحقاق المخاطب إياها، لأنّا نقول: -

стр. 172

[زمن الأمر] قال ابن مالك: (والأمر مستقبل أبدا). ــ التاء التي للغائبة والغائبتين والغائبات غير التاء التي للمخاطب؛ لأن هذه تدل على الخطاب، وتلك تدل على التأنيث عوضا من التاء الساكنة اللاحقة آخر الماضي؛ فهما إن اشتركتا لفظا فمدلولهما مختلف. وتبين بهذا: أن التاء التي للمضارعة ثنتان: تاء خطاب وتاء تأنيث. وكذا يقال: أنت تفعلين فالتاء لمحض الخطاب والتاء للتأنيث. وأما الياء: فجعلت للغائب مطلقا، توفية للقسمة؛ لأن المتكلم خص بالهمزة، والمخاطب خص ببدل الواو، ولم يبق من حروف العلة إلا الياء، ولم يبق إلا الغائب فأعطيها. ولما كان الفرق بين المفرد وضديه يحصل في المخاطب والغائب بالضمير، ولم يجعلوا في التكلم بين المفرد وضده ضميرا للفرق، أتي بالنون؛ لتدل على المتكلم غير المفرد (١)، وكانت النون أولى من غيرها؛ لما بينها وبين أحرف العلة من الشبه؛ لأنها تدغم في الياء والواو، وتبدل منها الألف، ولهذا أعربت الأمثلة الخمسة بها عند تعذر الحركات وتعذر أحرف العلة. قال ناظر الجيش: لما تقرر أن الأفعال ثلاثة، وأن مدلول الفعل حدث وزمان، وأن الأزمنة ثلاثة، شرع المصنف في ذكر صيغة صيغة، وما وضعت له من الأزمنة، وما يجوز أن يتجوز فيه من تلك الصيغ بالقرائن، فيستعمل مرادا به زمان آخر وما لا يجوز فيه ذلك، والكلام على هذا الموضع يستدعي ذكر مقدمة وهي أن يقال: الكلام نوعان: خبر وإنشاء: والطلب نوع من الإنشاء. ومنهم من جعله خبرا -

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وطلبا. ومنهم من جعله ثلاثة أنواع: خبرا وطلبا وإنشاء وهو رأي المصنف وعليه قرر كلامه. ولسنا الآن بصدد تحرير الأقوال المذكورة وتبيين الصحيح منها؛ إذ الأمر في ذلك موكول إلى نظر غير صاحب هذا العلم (١). غير أنّا نمشي مع المصنف هنا على رأيه. أما الطلب (٢)، فيلزم كون زمانه مستقبلا، وأما الخبر فيجوز كون زمانه حالا، ومستقبلا وماضيا، وأما الإنشاء فيلزم كون زمانه حالا. ولكل من الطلب والخبر صيغة واحدة مختصة به وضعا، وأما الإنشاء فليس له صيغة مختصة به؛ بل يستعمل فيه الصيغة الدالة على الخبر بقرينة. ثم إن كلّا من صيغتي الطلب والخبر إما أن ينقل عن موضعه الأصلي، فيراد بالطلب الخبر وبالخبر الطلب، وإما أن لا ينقل. والذي ينقل: منه ما لا يجوز التجوز فيه بالنسبة إلى زمانه، ومنه ما يجوز أن يتجوز فيه بالنسبة [١/ ٣٣] إلى زمانه، فيراد به زمان غير زمانه المقصود بالوضع بقرينة، فإن حصل نقل صار الحكم في زمان الصيغة المنقولة حكم ما نقلت إليه. فإذا استعملت صيغة الطلب في الخبر، صار الاستقبال جائزا بعد أن كان لازما. وإذا استعملت صيغة الخبر في الطلب، انعكس الحكم؛ فيصير الاستقبال لازما بعد أن كان جائزا، وهذا القسم لم يتعرض له المصنف هنا؛ إذ ليس مقصوده، وقد تعرض لشيء من ذلك في باب التعجب، فقال بعد ذكره صيغة أفعل وأن معناها الخبر ما نصه: «واستفيد الخبر من الأمر هنا وفي جواب الشرط، كما استفيد الأمر من مثبت الخبر، والنهي من منفيّه» (٣). -

стр. 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما القسم الثاني، وهو الذي لم تنقل فيه الصيغة عن موضوعها وإنما أريد بها زمان غير زمانها المقصود بالوضع فهو الذي قصده المصنف بالذكر هنا. إذا تقرر هذا فاعلم أن صيغ الفعل الثلاث: منها ما هو للطلب وهو الأمر، وما هو للخبر، وهو الماضي والمضارع. فالأمر مستقبل الزمان، والماضي ماضي الزمان، والمضارع زمانه للحال والاستقبال بالوضع كما سيأتي: فالأمر: لا يجوز التجوز فيه بتغيير زمانه، وإلى ذلك الإشارة بقول المصنف: والأمر مستقبل أبدا، أي: وزمان مطلوب الأمر مستقبل أبدا. وأما المضارع: فيجوز أن ينصرف زمانه إلى المضي وكذا الماضي يجوز أن ينصرف زمانه إلى الاستقبال. كل ذلك بالقرائن (١). والسبب في أن لزم الأمر الاستقبال ولم يلزم قسيميه (٢) أحد الزمانين: أن معنى الطلب يفوت بمفارقة دلالة صيغته على الاستقبال، والأمر موضوع للطلب؛ فلا يجوز التجوز في زمانه؛ لئلا يفوت المقصود منه. وأما معنى الخبر فلا يفوت بمفارقة دلالة صيغة الماضي على المضي، ولا بمفارقة دلالة صيغة المضارع على الحال والاستقبال. وكلاهما موضوع للخبر كما تقدم؛ فجاز التجوز في زمانيهما؛ لأنه لا يفوت المقصود منها بالدلالة عند تغيير الدلالة على ما وضعا له من الزمان. وقال المصنف (٣): «لما كان الأمر مطلوبا به حصول ما لم يحصل، كقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (٤)، ودوام ما حصل كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (٥) لزم كونه مستقبلا، وامتنع اقترانه بما يخرجه عن ذلك. وأيضا فإنّ الفعل فعل بدلالته على الحدث والزمان المعيّن، وكونه أمرا (٦) أو خبرا معنى -

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زائد على ذلك مطلوب بقاؤه؛ إذ لا يمتاز أحد النوعين على الآخر إلّا به. والاستقبال لازم للأمرية. فلو انتفى بتبدله انتفت الأمرية؛ بخلاف الخبرية المستفادة من الماضي والمضارع؛ فإنها لا تنتفي بتبدل المضي باستقبال ولا الاستقبال بمضي» انتهى وهو كلام جيد. قال الشيخ (١) بعد نقله هذا الكلام: «قد وجدنا الفعل الدالّ على الخبر خرج عن الخبرية إلى غيرها كما قيل في قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ (٢)، وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ (٣): إنه أمر في المعنى. فكذلك كان يكون الأمر يخرج عن الأمرية إلى معنى الخبرية. وقد خرج على ذلك قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا (٤) أي فيمد. وقال الشاعر: ١١ - وكوني بالمكارم ذكّريني ... [ودلّي دلّ ماجدة صناع] (٥) أي تذكريني. ومقتضى تعليل المصنف: أن كلّا من الأمر والخبر لا يخرج [١/ ٣٤] عن بابه وقد بيّنّا خلاف ذلك. والرجوع في هذا إلى وضع العرب واستعمالها، فلو استعملت صيغة الأمر في الخبر الذي صيغته ليست مستقبلة تدل على ذلك، لساغ لها كما استعملت صيغة الخبر الماضي في غير الخبر، وغير زمانه. وذلك في الدعاء، نحو: غفر الله لي؛ فإنه خرج عن الخبر وعن الزمان الماضي بقرينة استعماله في الدعاء. فكذلك كان يسوغ استعمال صيغة الأمر في غير الخبر وفي غير زمانه وهو الاستقبال بقرينة تدلّ عليه» (٦) انتهى. -

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأقول: إن الذي ذكره المصنف لم يبطله الشيخ وإن الذي ذكره الشيخ لم يمنعه المصنف، وذلك أن الذي قاله المصنف: «إنّ الاستقبال لازم للأمريّة؛ فما دامت موجودة فالاستقبال واجب، وإنّ الاستقبال غير لازم للخبريّة، وكذا المضي؛ بل يجوز تبدّل كلّ منهما بالآخر». وهذا حق لا يمكن إبطاله بوجه. والذي ذكره الشيخ: أن كلّا من صيغتي الخبر والأمر يجوز أن يخرج عن موضوعه الأصلي إلى غير موضوعه وهو صحيح، والمصنف لم يمنعه؛ بل لم يتعرض في هذا الباب إلى ذلك أصلا. والحاصل: أنهما قسمان، كما قررناه في الكلام المتقدم، وقد أدخل الأمر على الشيخ، فخلط أحد القسمين بالآخر، وظن أن كلام المصنف غير متجه، وقد بان لك أن الذي قرره المصنف لا شبهة فيه (١). غير أنه يتجه على المصنف مؤاخذة. وهي كونه ذكر في هذا الفصل أن الماضي ينصرف إلى الحالي بالإنشاء، كبعت، وإلى الاستقبال بالطلب، كغفر الله لزيد (٢)؛ لأن مقتضى تقريره المتقدم (٣) لا يورد هنا إلا ما كان فيه معنى الخبر باقيا، وإنما تغير زمانه فقط. أما ما نقل عن موضوعه الأصلي إلى غيره، فلا. ولا شك أن الإنشاء والطلب المدلول عليهما بالماضي، صارفان لصيغته عن ما وضعت له؛ لأنه موضوع للخبر، وهما قسيماه، فلا يناسب ذكرهما مع القرائن الصارفة للزمان دون معنى الخبر. وأما قوله في المضارع (٤): إنه يتخلص للاستقبال باقتضائه طلبا، فهو وإن كان الاستقبال -

стр. 177

[زمن الفعل المضارع] قال ابن مالك: (والمضارع صالح له وللحال ولو نفي بلا؛ خلافا لمن خصّها بالمستقبل). ــ أحد موضوعيه ويتخلص له بقرائن؛ لكن ذكره غير مناسب أيضا؛ لأن الصيغة عند اقتضاء الطلب بها، خرجت عن موضوعها الأصلي وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب. قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الأمر مستقبل وأنه لازم له الاستقبال، قال: والمضارع صالح له وللحال. أي للاستقبال وللحال، فبين أنه يجوز أن يراد به كل واحد من الزمانين. وهو رد على من خصه بالاستقبال، وعلى من خصه بالحال. واعلم أن المذاهب في المضارع، بالنسبة إلى كونه مستقبلا أو حالا أو مشتركا بين الزمانين، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر - خمسة. فمنهم من ذهب إلى أنه مستقبل، وأنكر أن يكون للحال وهو مذهب الزجاج (١). واستدل بأمرين: أحدهما: أن زمن الحال لقصره لا يتسع للنطق بالفعل؛ لأنك بقدر ما تنطق بحرف منه، صار الزمان ماضيا. الآخر: أن فعل الحال لو كان موجودا في كلامهم، لكانت له بنية تخصه؛ إذ لا يوجد شيء في كلامهم إلا وله لفظ يخصه. وقد يكون له مع ذلك لفظ يشترك فيه مع غيره، نحو: جون؛ فإنه يقع على الأبيض والأسود (٢) ويخص أحدهما لفظ الأبيض، والآخر لفظ الأسود. -

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وردّ الأول: بأن زمان الحال عند النحويين، ليس بالآن الفاصل بين الماضي والمستقبل وإنما هو الماضي غير المنقطع. [١/ ٣٥] وقال المصنف: «كثير من الناس يعتقدون أن الحال هو المقارن وجود معناه لوجود لفظه. وليس كذلك؛ بل مقصود النحويين أنّ الحال ما قارن وجود لفظه وجود جزء من معناه، كقولنا: هذا زيد يكتب، فيكتب هنا: حال، ووجود لفظه مقارن لوجود بعض الكتابة لا جميعها. وعبر بالحال عن اللّفظ الدالّ على الجميع؛ لاتصال أجزاء الكتابة بعضها ببعض» (١). ورد الثاني (٢) بأنه قد وجد ذلك في كلامهم، وهو رائحة؛ فإنها تقع على جميع الروائح وليس لها اسم إلا ذلك اللفظ المشترك. فإن قيل: إنها تخصص بالإضافة، كرائحة المسك ورائحة العنبر. قيل: وكذلك يفعل، يتخصص بالسين وسوف وبالآن، وما في معناها. وفي هذا الرد الثاني نظر: فإن رائحة من قبيل اللفظ المتواطئ لا المشترك (٣). ثم إن المنكرين لفعل الحال، منهم من أنكر زمانه أيضا محتجّا بأنه إن وقع، فهو ماض وإن لم يقع فهو مستقبل، ولا سبيل إلى ثالث. والدليل على وجود زمن الحال: أن الموجود في محال وجوده لا بد له من زمان، وهو منحصر في الماضي والمستقبل، على ما زعمت، وهما معدومان ولا يتصور وجود موجود في زمن معدوم؛ فثبت زمن الحال. -

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والدليل على وجود فعل الحال أمران: أحدهما: أنهم يقولون: نفعل الآن، في فصيح الكلام، ولا يقولون: سنفعل الآن، إلا قليلا على طريق المجاز، وتقريب المستقبل من الحال، نحو قول الشاعر: ١٢ - فإنّي غير خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت إناها (١) فلو كان نفعل للمستقبل، لما صلح معه الآن، كما لا يصلح ذلك مع سنفعل. الآخر: قول الشاعر: ١٣ - وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنّني عن علم ما في غد عم (٢) -

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووجه الدليل منه: أن هذه الثلاثة ليست على حقائقها وإلا اختل معنى البيت؛ لأنه لا يعلم من علم اليوم إلا ما هو فيه. ولا فائدة في الاقتصار على أمس وغد؛ فإنه يعلم علم ما قبل الأمس، ويجهل علم ما بعد غد؛ فهي كنايات عن الأزمنة، فاليوم عما هو فيه والأمس عما مضى والغد عما يستقبل، والأفعال كنايات عن الأحداث بالنظر إلى الزمان؛ فينبغي إذا أن تكون ثلاثة. ومنهم من ذهب إلى أن يفعل لا يكون إلا للحال حيث وقع وهو ابن الطراوة (١). واستدل على ذلك بأنه لا يخبر بالمستقبل نحو سيفعل، عن المبتدأ إلا أن يكون عامّا أو مؤكدا بإن نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٢) ونحو قول الشاعر: ١٤ - وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل (٣) فإن عري منها لم يجز؛ فيمتنع زيد سيفعل، وإذا قلنا زيد يفعل كان جائزا، فدل على أن يفعل حال. فأما قولهم: زيد يفعل غدا فمعناه زيد ينوي الآن الفعل غدا. وشبهته في منع ذلك أنه مستقبل فلا يتصور الإخبار عنه؛ لأنه غير متحقق الوجود. وقد أبطل مذهبه بورود نحو زيد سيفعل ولا توكيد ولا عموم، قال النّمر بن تولب (٤): -
следующие страницы →