← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إليه من أسماء الشهور شهر وبين ما لم يضف إليه منها شهر من جهة أخرى (١)، قلت: وقد تقدمت الإشارة إليها. ٤ - ومنها: أن الصيف والشتاء والربيع من قبيل الظروف المختصة غير المعدودة؛ لأنها أسماء واقعة على فصول معلومة من السنة ولم يقصد بها العدد، فيجوز أن يكون العمل في جميعها، وأن يكون في بعضها (٢)، قال سيبويه: سمعنا العرب الفصحاء يقولون: انطلقت الصيف؛ والانطلاق إنما يكون في بعض الصيف، وتقول: سرت الصيف وأنت تريد التعميم؛ لأن السير مما يمتد، ومن ذلك قول ابن الرقاع (٣): ١٥١٣ - فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذّود أن يقسّمن جار (٤) يريد أنه قصر ألبان الذود في جميع هذا الفصل، ومن استعمال الربيع ظرفا قول القائل (٥): ١٥١٤ - كأنّ قتودي على قارح ... أطاع الربيع له الغرغر (٦) ٥ - ومنها: أن المشهور بين الناس أن شيئا من أسماء الشهور لا يضاف إليه لفظ شهر إلا ثلاثة وهي: شهر رمضان وربيع الأول وربيع الآخر (٧)، وصرح ابن عصفور -

стр. 1892

[أحكام إذ حين تجيء ظرفا وغير ظرف] قال ابن مالك: (فصل: وفي الظّروف ظروف مبنية لا لتركيب؛ فمنها «إذ» للوقت الماضي لازمة الظّرفية إلّا أن يضاف إليها زمان، أو تقع مفعولا بها، وتلزمها الإضافة إلى جملة، وإن علمت حذفت وعوّض منها تنوين، وكسرت الذّال لالتقاء السّاكنين لا للجرّ، خلافا للأخفش، ويقبح أن يليها اسم بعده فعل ماض، وتجيء حرفا للتّعليل وللمفاجأة، وليست حينئذ ظرف مكان ولا زائدة؛ خلافا لبعضهم، وتركها بعد «بينا» و «بينما» أقيس من ذكرها وكلاهما عربي، ويلزم بينما وبينا الظّرفيّة الزّمانية والإضافة إلى جملة، وقد تضاف «بينا» إلى مصدر). ــ بذلك في شرح المقرب (١)، والحق خلاف ذلك، ولهذا لم يقيد المصنف الإضافة بشيء دون شيء، وفي كتاب سيبويه شهر ذي القعدة (٢)، ومثل ابن أبي الربيع بشهر المحرم وشهر صفر، ولم يتعرض إلى شيء مما ذكره أرباب هذه المقالة (٣). قال ناظر الجيش: لما فرغ من الكلام على معربات ظروف الزمان ومبنيّاتها المركبة شرع في الكلام على مبنياتها غير المركبة، والذي تضمنه الفصل كلمات عشر وهي: إذ وإذا وبينا وبينما ومذ ومنذ والآن وقط وعوض وأمس. فمن الظروف المذكورة «إذ» ويدل على اسميتها أنها تدل على الزمان دلالة لا تعرض فيها للحدث، وأنها تخبر بها مع دخولها [٢/ ٤١٦] على الأفعال نحو: قدم زيد إذ قدم عمرو، وأنها تبدل من اسم نحو: رأيتك أمس إذ جئت. وأنها تنون في غير ترنم، ويضاف إليها بلا تأويل نحو: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)، وأنها -

стр. 1893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقع مفعولا بها نحو قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ (١)، ولبنائها سببان كل واحد منهما كاف لو انفرد: أحدهما: وضعها على حرفين لا ثالث لهما بوجه. والثاني: لزوم افتقارها إلى جملة أو عوض منها (٢)، وهو التنوين اللاحق في نحو: يومئذ، وحق تنوين العوض أن يكون عوضا من بعض كلمة، كتنوين «يعيل» (٣) مصغر يعلى، فإنه عوض من لام الكلمة، وكتنوين جندل فإنه عوض من ألف جنادل (٤)، فلما كانت الكلمة التي تضاف إليها «إذ» بمنزلة الجر منها وحذفت عوملت في التعويض منها معاملة جزء حقيقي. وفعل بذال إذ مع هذا التنوين ما فعل بهاء «صه» مع تنوين التنكير، فقيل: «إذ» كما قيل «صه» (٥)، وزعم الأخفش: أن كسرة «إذ» كسرة إعراب بالإضافة (٦)، وأظن حامله على ذلك أنه جعل بناءها نائبا عن إضافتها إلى الجملة، فلما زالت من اللفظ صارت معربة، ورد بعض النحويين عليه بقول العرب: كان ذلك إذ بالكسر دون مضاف إلى «إذ» (٧). ولم يغفل الأخفش هذا بل ذكره وأنشد (٨): ١٥١٥ - نهيتك عن طلابك أمّ عمرو ... بعافية وأنت إذ صحيح (٩) -

стр. 1894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم قال: أراد: وأنت حينئذ صحيح، فحذف المضاف وأبقى الجر به (١)، وهذا منه غير مرضي؛ لأن المضاف لا يحذف ويبقى الجر به إلا إذا كان المحذوف معطوفا على مثله، كقولهم: ما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، و «ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة» (٢)، فحذف مثل المضاف إلى أخيك، وكل المضاف إلى سوداء لدلالة ما قبلهما عليهما، و «إذ» في البيت المذكور بخلاف ذلك، فلا يحكم لها بحكمه. وأيضا فإن حذف المضاف وإعراب المضاف إليه بإعرابه أكثر من حذف المضاف وجر المضاف إليه، ومع أنه أكثر هو مشروط بعدم صلاحية الباقي لما صلح له المحذوف كالقرية بالنسبة إلى الأهل، فلو صلح الباقي لما صلح له المحذوف امتنع الحذف (٣)، فلأن يمتنع عند ذلك حذف المضاف وبقاء المضاف إليه مجرورا أحق وأولى، ومعلوم أن «إذ» من حينئذ صالح لما تصلح له حين، فلا يجوز فيها الحذف المذكور كما لا يجوز في غلام زيد، وأيضا فإن المضاف إلى «إذ» قد يبنى كقراءة نافع (٤): وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٥)، ولا علة لبنائه إلا إضافته إلى مبني، فبطل قول من قال: إن كسرة «إذ» كسرة إعراب، ولم أقيد الجملة التي تضاف إليها «إذ» بكونها اسمية ولا فعلية؛ ليشعر ذلك أن للمتكلم أن يضيفها إلى ما شاء منهما (٦)، ثم أشرت إلى استقباح تقديم اسم بعدها على فعل ماض نحو: كان ذلك إذ زيد قام، فعلم أن غير ذلك حسن نحو: كان ذلك إذ قام زيد [٢/ ٤١٧]، -

стр. 1895

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذ زيد يقوم زيد. كل ذلك حسن إذ لا محذور فيه بخلاف: إذ زيد قام، فإنه قبيح لأن مدلول «إذ» وقام من الزمان واحد، وقد اجتمعا في كلام، فلم يحسن الفصل بينهما بخلاف ما سواه، فإن الذي بعد «إذ» في جميعه غير موافق «لإذ» في مدلولها، فاستوى اتصالها وانفصالها عنه (١). وتجيء «إذ» للتعليل (٢)، كقوله تعالى: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ (٣)، وكقوله تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (٤)، وكقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ (٥)، ومثله قول الشاعر: ١٥١٦ - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر (٦) وأشار إليها سيبويه فقال في باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي: إن (أن) في قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت بمعنى «إذ»، و «إذ» بمعنى «أن» إلا أن إذ لا يحذف فيها الفعل، وأما «لا» يذكر بعدها الفعل المضمر (٧). هذا نصه. وتجيء «إذ» أيضا للمفاجأة كقول عمر ﵁: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل (٨). فهذا مثال وقوعها بعد بينما، ومثله قول الشاعر (٩): - -

стр. 1896

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥١٧ - بينما هنّ بالأراك معا ... إذ أتى راكب على جمله (١) ومثله: - ١٥١٨ - استقدر الله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير (٢) ومثال تركها قول الشاعر: - ١٥١٩ - فبينا نحن نرقبه أتانا ... معلّق وفضة وزناد راعي (٣) وتركها أقيس؛ لأن المعنى المستفاد معها مستفاد بتركها، وكلاهما مروي عن العرب نظما ونثرا، وكان الأصمعي (٤) يؤثر تركها على ذكرها (٥)، وحكى السيرافي أن بعضهم يجعلها ظرف مكان (٦)، وأن بعضهم يجعلها زائدة (٧)، -

стр. 1897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمختار عندي الحكم بحرفيتهما (١)، وقد حدث لبين إذ قيل فيها: بينما وبينا الاختصاص بالزمان والظرفية والإضافة إلى الجمل، وقد تضاف «بينا» إلى مصدر كقوله: - ١٥٢٠ - بينا تعانقه الكماة وروعه ... يوما أتيح له كميّ سلفع (٢) ويروى تعنقه بالرفع على الابتداء والخبر محذوف. هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى (٣)، واستفيد منه أن «إذ» لها استعمالات ثلاثة: ١ - أن تكون ظرفا ماضيا (٤). ٢ - وأن تكون للتعليل. ٣ - وأن تكون للمفاجأة (٥). وأن التي هي ظرف قد تخرج عن الظرفية، فيضاف إليها زمان أو تقع مفعولا بها، وسيذكر لها استعمالا رابعا. وهو أن تكون ظرفا مستقبلا عند الكلام على إذا (٦). ثم الكلام في مباحث: -

стр. 1898

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول: إن قول المصنف: إلا أن يضاف إليها زمان أو تقع مفعولا بها؛ ينافي قوله قبل ذلك: إنها لازمة الظرفية؛ لأن ما لزم شيئا، لا ينفك عنه، وإلا فليس بلازم، فكان الأولى أن يقول: «غالبة الظرفية» [٢/ ٤١٨] أو يقول: وأكثر استعمالها ظرفا، ونحو ذلك. الثاني: أن لقائل أن يقول: إن إضافة الزمان إليها لا يخرجها عن الظرفية؛ وذلك لأن إضافة الزمان إليها كلّا إضافة؛ لأنها باقية على دلالتها لم يتغير بالإضافة لها معنى، وكأنّ الزمان المضاف إليها إنما هو مضاف إلى الجملة الواقعة بعد «إذ». وإذا كان كذلك فمثل هذه الإضافة لا تخرج الكلمة عن الظرفية، وأما وقوعها مفعولا بها فليس أمرا مجمعا عليه (١)، وما استدل به المصنف على مفعوليتها وهو قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ (٢) محتمل أن يكون المفعول فيه غيرها، وتكون «إذ» باقية على ظرفيتها، التقدير: واذكروا حالكم إذ أنتم أو واذكروا فضل الله عليكم إذ أنتم، وكذا يكون التقدير في نظائر هذه الآية الشريفة كقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ (٣)، وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ (٤)، وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ (٥)، وقول من قال من المعربين: إن العامل «اذكر» مقدر مع كون «إذ» ظرفا ظاهر الفساد (٦)، وكذا يكون التقدير في قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي -

стр. 1899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ (١) أن إذ ظرف لمضاف محذوف، التقدير: «واذكر قصة مريم» (٢) ويدل على صحة هذا التقدير في مثل هذه الآيات الشريفة ظهور مثله في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً (٣). المبحث الثالث: إذا أفادت «إذ» التعليل فهل هي حرف كلام التعليل أو هي باقية على ظرفيتها، واستفيد التعليل من سياق الكلام؟. ذكروا أن في ذلك خلافا (٤)، ولم يشعر كلام المصنف بشيء من القولين، بل إذا حمل على ظاهره وجب القول بأنها باقية على الظرفية عنده؛ لأن الضمير المستتر في قوله: «وتجيء للتعليل» يرجع إلى «إذ» المتقدمة الذكر المحكوم باسميتها. والذي تركن إليه النفس القول بحرفيتها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ (٥) فإن التعليل يستفاد من الآية الشريفة بلا شك، قال بعض المصنفين (٦): إذا حملنا «إذ» على الوقت كان المعنى: «ولن ينفعكم اليوم وقت ظلمكم الاشتراك في العذاب، وحينئذ لا يستفاد التعليل، لاختلاف زمني الفعلين، ويبقى إشكال في الآية وهو أن «إذ» لا تبدل من اليوم لاختلاف الزمانين ولا تكون ظرفا «لينفع»؛ لأنه -

стр. 1900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يعمل في ظرفين، ولا «المشتركون» لأن معمول «أن» لا يتقدم عليها، ولأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، ولأن اشتراكهم في الآخرة لا في زمن ظلمهم، وقال ابن جني: راجعت أبا علي مرارا في قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ ... الآية مستشكلا إبدال «إذ» من اليوم، فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وأنهما في حكم الله تعالى سواء: فكأنّ اليوم ماض أو كأنّ إذ مستقبلة (١). انتهى. ومقتضى كلام أبي علي أن «إذ» التعليلية لا تخرج عن الظرفية، والظاهر أن الجمهور على ذلك، ومن ثم قال [٢/ ٤١٩] الشلوبين: قال بعض المتأخرين: إن إذ تستعمل لمجرد السببية معراة عن الظرفية، وزعم أنه مراد سيبويه بقوله: لأنها يعني «أن» في معنى «إذ» وإذ في معناها أيضا (٢)، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ (٣) وقال: محال أن تكون ظرفا؛ لأن الفعل المستقبل لا يقع في الظرف الماضي فإنما هي لمجرد التسبيب قال: والجواب: أن كلام سيبويه لا دليل فيه على ما ذكروا، إنما معناه، لأنها في معنى «إذ» في السببية ليس غير، بل ظاهر الكتاب في غير هذا الموضع يدل على أنها لا تخرج عن الظرفية، قال: وأما الآية الشريفة فلا دليل فيها؛ لأن العامل في «إذ» محذوف، والتقدير: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، وجب لكم ذلك إذ ظلمتم أنفسكم بالكفر والطغيان، فإذ ظرف ماض فيه معنى التسبيب (٤)، قال: وكذا يقدر في قول الشاعر (٥): - ١٥٢١ - ألا رجلا أحلوه رحلي وناقتى ... تبلغ عني الشعر إذ مات قائله (٦) انتهى. ولم يظهر لي قول الشلوبين: إن كلام سيبويه لا دليل فيه، بل كلام سيبويه -

стр. 1901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظاهر الدلالة على ما ساقه المصنف له، والحق الوقوف معه إلى أن يؤتى لسيبويه بنص آخر يقتضي مخالفة ما ذكره في هذا الموضع، فحينئذ يجب الانقياد إليه، وأما التخريج الذي ذكره في الآية الشريفة، فلا يخفى بعده .... المبحث الرابع: قد عرفت ما ذكره المصنف في «إذ» التي للمفاجأة من أن بعضهم يجعلها ظرف مكان، وبعضهم يجعلها زائدة، وأنه هو يختار الحكم بحرفيتها. قال الشيخ: والذي نختاره نحن خلاف قوله، وأنها ظرف زمان على حالها التي استقرت لها، ولا يخرجها إلى الزيادة ولا إلى الحرفية، ولا إلى كونها ظرف مكان، لأنه يمكن إقرارها ظرف زمان (١). انتهى. ولم أر في كلامه دليلا على هذه الدعوى، ثم كلام المصنف يقتضي أن «إذ» لا تكون للمفاجأة إلا بعد بينما وبينا، وهذا هو الظاهر، واعلم أن العامل في بينما وبينا، هو ما يشبه الجواب في نحو: بينما زيد قائم أقبل عمرو، فالناصب لبينما هو أقبل، قال الشيخ: وبعضهم يطلق عليه جوابا وليس بجيد؛ لأن الأول ليس بشرط. ولو كان شرطا لم يسغ أن يقال: إنه يعمل فيه الجواب، أما إذا وجدت «إذ» نحو: بينما زيد قائم إذ أقبل عمرو، فعلى القول بأنها زائدة يكون الأمر كما كان؛ فيكون العامل في بينما هو أقبل، وإن كانت زائدة فلا يمكن عمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأنها إن كانت حرفا للمفاجأة فلا يعمل ما بعد المفاجأة فيما قبلها، وإن كانت ظرفا، فما بعدها مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، وحينئذ يتعين أن يكون [٢/ ٤٢٠] الناصب لبينما ولبينا عاملا مقدرا، يفسره ما بعد «إذ» فإذا قلت: بينما أو بينا زيد قائم إذ أقبل عمرو، كان العامل في بينما أو بينا أقبل محذوفة يفسرها «أقبل» الموجودة بعد «إذ» وأما العامل حينئذ في «إذ» فقال ابن جني: العامل فيها الفعل الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة إليه، وهذا دليل ابن جني على أنه جعلها للمفاجأة ولم يجعلها ظرفا (٢)، وأما الشلوبين فإنه حكم بإضافتها إلى الجملة بعدها، وإذا كان كذلك امتنع عمل الفعل الذي بعدها فيها كما -

стр. 1902

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ امتنع عمله في بينما وبينا. وإذا امتنع عمل الفعل وجب الحكم على «إذ» بالبدلية من بينما وبينا (١)، والذي يحصل من كلام الشلوبين أن العامل في بين ما يفهم من معنى الكلام، وأن «إذ» بدل من بين، أي حين أنا كذلك حين جاء زيد، ومما ينبّه عليه أنه قد يذكر بعد «إذ» كلمة مفرد، فيظن أن «إذ» مضافة إليها، وليس كذلك؛ لأنك قد عرفت أنها يلزمها الإضافة إلى جملة، وعلى هذا يتعين تقدير كلمة أخرى منضمة إلى الكلمة الواقعة بعدها لينتظم منها جملة، فإذا قلت: قمت إذ ذاك وفعلت إذ ذاك كان التقدير: إذ ذاك كذلك (٢)، ومنه قول الشاعر (٣): - ١٥٢٢ - هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا (٤) التقدير: إذ ذاك كذلك، وقال الأخطل: - ١٥٢٣ - كانت منازل ألّاف عهدتهم ... إذ نحن إذ ذاك دون النّاس إخوانا (٥) ألاف بضم الهمزة جمع آلف بالمد مثل كافر وكفار، ونحن، وذاك مبتدآن حذف خبراهما، والتقدير: عهدتهم إخوانا إذ نحن متآلفون إذ ذاك كائن، وأنشدوا للخنساء بيتا وهو: - ١٥٢٤ - كأن لم يكونوا حمى يتّقى ... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا (٦) -

стр. 1903

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتكلم عليه بعض الفضلاء (١) قال: فإذ الأولى ظرف ليتقى أو لحمى أو ليكونوا، إن قيل: إن لكان الناقصة مصدرا، وهو الصحيح، والثانية ظرف لبزّ، ومن مبتدأ موصول لا شرط؛ لأن بزّ عامل في «إذ» الثانية، ولا يعمل ما في حيّز الشرط فيما قبله عند البصريين، و «بز» خبر «من» والجملة خبر الناس، والعائد إليهم محذوف أي: من عز منهم كقولهم: السمن منوان بدرهم، ولا تكون «إذ» الأولى ظرفا «لبزّ» لأنه جزء الجملة التي أضيفت «إذ» الأولى إليها، ولا يعمل شيء من المضاف إليه في المضاف، ولا «إذ» الثانية بدلا من الأولى لأن الأولى إنما تكمل بما أضيفت إليه، ولا يتبع اسم حتى يكمل، ولا خبرا عن الناس؛ لأنها زمان والناس اسم عين، وذلك مبتدأ محذوف الخبر أي كائن (٢). المبحث الخامس: الجملة التي تضاف بينما وبينا إليها تارة تكون اسمية، كالأمثلة المتقدمة، وتارة تكون فعلية، لكن ذلك قليل، تقول: بينما أنصفني ظلمني، وبينما اتصل بزيد قطعه، حتى زعم ابن الأنباري أن «بين» يشرط بها في هذين المثالين (٣)، قال الشيخ: واختلفوا في الجملة الواقعة بعد بينما وبينا، على ثلاثة مذاهب [٢/ ٤٢١]: فقيل: موضع خفض بالإضافة، وقيل: «ما» في «بينما» والألف في «بينا» كافتان والجملة بعدهما لا موضع لها من الإعراب، وقيل: «ما» كافة بدليل عدم الخفض بعدها، والجملة التي تليها لا موضع لها من الإعراب، وأما ألف «بينا» فإشباع والجملة التي بعدها في موضع خفض بالإضافة، وليست الألف كافة خلافا لمن زعم ذلك؛ لأن كون الألف كافة لم يثبت، وثبت كونها إشباعا في رواية من روى: ١٥٢٥ - بينا تعانقه الكماة ... ... .... (٤) قال: وهذا هو المذهب المختار عند أصحابنا (٥). انتهى. ومما يدل على اختلاف بينما وبينا في الحكم أن بينا قد تضاف إلى مصدر كما -

стр. 1904

[أحكام إذا حين تجيء ظرفا وغير ظرف] قال ابن مالك: (ومنها «إذا» للوقت المستقبل مضمّنة معنى الشّرط غالبا، لكنها لما تيقّن كونه أو رجّح بخلاف «إن» فلذا لم تجزم غالبا إلّا في شعر وربّما وقعت موقع «إذ» و «إذ» موقعها، وتضاف أبدا إلى جملة مصدّرة بفعل ظاهر أو مقّدر قبل اسم يليه فعل، وقد تغني ابتدائية اسم بعدها عن تقدير فعل وفاقا للأخفش، وقد تفارقها الظّرفيّة مفعولا بها أو مجرورة بحتّى، أو مبتدأة، وتدل على المفاجأة حرفا لا ظرف زمان خلافا للزّجاج، ولا ظرف مكان خلافا للمبرد، ولا يليها في المفاجأة إلّا جملة اسميّة، وقد تقع بعد بينا وبينما) (١). - ذكر المصنف، وأما بينما فلا يليها إلا جملة، وأفاد قول المصنف: (وقد تضاف بينا إلى مصدر) أنها لا تضاف إلى اسم عين، قالوا: والسبب في أن بينا لا يليها إلا الجملة أو المفرد بشرط أن يكون مصدرا - أنها تستدعي جوابا، فلم يقع بعدها إلا ما يعطي معنى الفعل، وذلك الجملة أو المصدر من المفردات (٢). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): يدل على اسمية «إذا» أن فيها ما في «إذ» من الدلالة على الزمان دون تعرض لحدث، ومن الإخبار بها مع دخولها على الأفعال نحو قولك: راحة المؤمن إذا دخل الجنة، ومن وقوعها بدلا من اسم صريح نحو: أكرمك غدا إذا جئتني، ومن وقوعها مفعولا بها (٤) كقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عني غضبى» (٥). وانفردت بدخول حتى الجارة عليها كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها * (٦)، كما انفردت «إذ» بلحاق التنوين والإضافة إليها، وإلى الحديث والآية الشريفة أشرت بقولي: وقد تفارقها الظرفية مفعولا بها أو مجرورة بحتى. -

стр. 1905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما وقوعها مبتدأ فمثاله قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (١) في قراءة من نصب «خافضة رافعة» (٢) فإذا وقعت مبتدأ، و «إذا رجت» خبر. وليس وخافضة ورافعة أحوال ثلاثة، والمعنى: وقعت وقوع الواقعة صادقة الوقوع خافضة قوم، رافعة آخرين وقت رجّ الأرض، هكذا أعربه أبو الفتح في المحتسب (٣) وهو صحيح (٤)، وأكثر وقوع «إذا» مضمنة معنى [٢/ ٤٢٢] الشرط؛ ولذلك تقع الفاء بعدها على حد وقوعها بعد «إن» كقوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا (٥) ولذلك أيضا كثر وقوع الفعل بعدها ماضي اللفظ مستقبل المعنى (٦) نحو: إذا جئتني أكرمتك، ولو جعلت مكان «إذا» حينا أو غيره قاصد الاستقبال لم يجز أن تأتي بلفظ الماضي، وكان مقتضى تضمنها معنى الشرط أن يجزم بها، لكن منع من ذلك ثلاثة أمور: أحدها: أن تضمنها معنى الشرط ليس بلازم، فإنها قد تتجرد منه كقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٧) وقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (٨) وقد تتجرد من الظرفية مع تجردها من الشرط نحو: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية». الثاني: أنها مضافة إلى ما يليها، والمضاف يقتضي جرّا لا جزما. وإذا جزم بها في الشعر، فليست مضافة إلى الجملة، وبناؤها حينئذ لتضمنها مع «إن». الثالث: أن ما يليها متيقّن الكون أو في حكم المتيقن نحو: آتيك إذا انتصف النهار، وأجيبك إذا دعوتني، بخلاف «إن» فإنّ كونه وعدم كونه لا رجحان لأحدهما على الآخر، فلما خالفتها «إذا» لم يجزم بها إلا في الشعر (٩) وإنما جاز -

стр. 1906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يجزم بها في الشعر؛ لأن فيها ما في «إن» من ربط جملة بجملة وإن لم يكن ذلك لها لازما، ومن الجزم بها قول الشاعر: - ١٥٢٦ - ترفع لي خندف والله يرفع لي ... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد (١) ومثله: - ١٥٢٧ - استغن ما أغناك ربّك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل (٢) ومثله: - ١٥٢٨ - وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يعطي الرّغايب فارغب (٣) وقد يراد بها المضي فتقع موقع «إذ» كقوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (٤)، وكقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها (٥)، ومن ذلك قول الشاعر: - ١٥٢٩ - حللت بها وتري وأدركت ثورتي ... إذا ما تناسى ذحله كلّ غيهب (٦) -

стр. 1907

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله: - ١٥٣٠ - ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق (١) وقد يقع «إذ» موقع «إذا» (٢) كقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى (٣)، «فإذ» هذه بدل من يوم يجمع، ويوم يجمع مستقبل المعنى، فتعين كون المبدل منه مثله في الاستقبال، ومثله قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ (٤)، ومثله قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ (٥) بعد: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ (٦). ومن وقوع «إذ» موقع «إذا» قول الشاعر: - ١٥٣١ - متى ينال الفتى اليقظان حاجته ... إذ المقام بأرض اللهو والغزل (٧) ولا يليها عند سيبويه إلا فعل أو معمول فعل، فإن كان اسما مرفوعا وجب عنده أن يرتفع بفعل مقدر موافق لفعل ظاهر بعده (٨)، كقوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٩) فالشمس مرفوع بكورت مضمرا والنجوم [٢/ ٤٢٣] مرفوع بانكدرت مضمرا، وكذلك ما أشبههما (١٠)، لا يجيز سيبويه غير ذلك، واختار الأخفش ما أوجبه سيبويه، وأجاز مع ذلك جعل المرفوع بعد إذا مبتدأ (١١)، -

стр. 1908

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبقوله أقول؛ لأن طلب «إذا» للفعل ليس كطلب «إن» بل طلبها له كطلب ما هو بالفعل أولى ممّا لا عمل له فيه كهمزة الاستفهام، فكما لا يلزم فاعلية الاسم بعد الهمزة، لا يلزم بعد «إذا». ولذلك أجاز أن يقال: إذا الرجل في المسجد فظن به خيرا، ومنه قول الشاعر: ١٥٣٢ - إذا باهليّ تحته حنظليّة ... له ولد منها فذاك المذرّع (١) فجعل بعد الاسم الذي ولي «إذا» ظرفا، واستغنى عن الفعل. ولا يفعل ذلك بما هو مختص بالفعل، ومما يدل على صحة مذهب الأخفش قول الشاعر: ١٥٣٣ - فأمهله حتّى إذا أن كأنّه ... معاطى يد فى لجّة الماء غامر (٢) فأولى «إذا» «أن» الزائدة، وبعدها جملة اسمية، ولا يفعل ذلك بما هو مختص بالفعل، وأنشد ابن جني لضيغم الأسدي: - ١٥٣٤ - إذا هو لم يخفني في ابن عمي ... وإن لم ألقه الرّجل الظّلوم (٣) وقال: في هذا دليل على جواز ارتفاع الاسم بعد «إذا» الزمانية بالابتداء؛ لأن هو ضمير الأمر والشأن، وضمير الشأن لا يرتفع بفعل يفسره ما بعده (٤). قلت: -

стр. 1909

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثل ما أنشده ابن جني قول الآخر: - ١٥٣٥ - وأنت امرؤ خلط إذا هي أرسلت ... يمينك شيئا أمسكته شمالكا (١) لأن هي ضمير القصّة والشأن، ولما أنهيت الكلام على «إذا» (٢) الدالة على زمن مستقبل أخذت في الكلام على «إذا» المفاجأة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٣)، فالأولى الدالة على وقت الاستقبال، والثانية الدالة على المفاجأة، وهي عند المبرد والسيرافي ظرف مكان (٤)، وعند الزجاج وأبي علي الشلوبين ظرف زمان حاضر (٥). وهذا هو ظاهر قول سيبويه، فإنه قال حين قصدها: وتكون للشيء توافقه في حال أنت فيها، وذلك قولك: مررت فإذا زيد قائم (٦)، هذا نصه. وروي عن الأخفش أنها حرف دال على المفاجأة (٧). وهو الصحيح عندي، ويدل على صحته ثمانية أوجه (٨): أحدها: أنها كلمة تدل على معنى في غيرها، غير صالحة لشيء من علامات الأسماء والأفعال. الثاني: أنها كلمة لا تقع إلا بين جملتين، وذلك لا يوجد إلا في الحروف -

стр. 1910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلكن، وحتى الابتدائية. الثالث: أنها كلمة لا يليها إلا جملة ابتدائية مع انتفاء علامات الأفعال، ولا يكون ذلك إلا في الحروف. الرابع: أنها لو كانت ظرفا لم يختلف من حكم بظرفيتها في كونها مكانية أو زمانية؛ إذ ليس في الظروف ما [٢/ ٤٢٤] هو كذلك. الخامس: أنها لو كانت ظرفا لم تربط بين جملتي الشرط والجزاء في نحو قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (١) إذ لا يكون كذلك إلا حرف. السادس: أنها لو كانت ظرفا، لوجب اقترانها بالفاء، إذا صدر بها جواب الشرط، فإن ذلك لازم لكل ظرف صدر به الجواب نحو: إن تقم فحينئذ أقوم، وإن تقم فعند مقامك أقوم. السابع: أنها لو كانت ظرفا لأغنت عن خبر ما بعدها، ولكثر نصب ما بعده على الحال كما كان مع الظروف المجمع على ظرفيتها، كقولك: عندي زيد مقيما، وهناك بشر جالسا، والاستعمال في نحو: مررت فإذا زيد قائم، بخلاف ذلك. الثامن: أنها لو كانت ظرفا لم يقع بعدها «إنّ» المكسورة غير مقترنة بالفاء (٢) كما لا يقع بعد سائر الظروف نحو: عندي إنّك فاضل، وأمر «إنّ» بعد إذا المفاجأة بخلاف ذلك كقوله: - ١٥٣٦ - إذا أنّه عبد القفا واللهازم (٣) فتعين الاعتراف بثبوت الحرفية وانتفاء الظرفية، ومثال وقوعها بعد بينا قول الشاعر (٤): -

стр. 1911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥٣٧ - وبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف (١) ومثال وقوعها بعد بينما قول الشاعر: - ١٥٣٨ - بينما المرء في فنون الأماني ... فإذا زائر المنون موافي (٢) انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٣)، وعرف منه أن «إذا» قسمان: - غير فجائية: وهي ظرف مستقبل مضمن معنى الشرط. وفجائية. وأن غير الفجائية قد تفارق الظرفية، فتكون مفعولا بها أو مجرورة بحتى أو مبتدأ، وأنها قد تفارق الشرطية، واستفيد ذلك من قوله: (غالبا) بعد قوله: (مضمنة معنى الشرط). وأنها قد تفارق الاستقبال، واستفيد ذلك من قوله: (وربما وقعت موقع «إذ») وكل من ذلك فيه بحث، وقد يتعلق بهذا الموضع أبحاث أخر، وأنا أورد ذلك كله جملة فأقول: أما مفارقتها الظرفية فلم يثبت بقاطع، وما استدل به المصنف محتمل للتأويل، فأما الحديث الشريف وهو: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية»، فالمفعول فيه محذوف، والتقدير: إني لأعلم حالك أو شأنك أو أمرك إذا كنت عني راضية، و «إذا» باقية على الظرفية لم تفارقها، وأما قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها * (٤) فليست حتى فيه جارة بل هي حرف ابتداء باشرت الجملة الشرطية وجوابها، ودخول حتى على الجملة المصدرة بإذا الشرطية كثير في الكتاب العزيز، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ -

стр. 1912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طَيِّبَةٍ (١) وجوابها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ (٢)، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ (٣)، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها (٤)، فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي (٥)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (٦)، فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ (٧) [٢/ ٤٢٥]، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً (٨)، ولا شك أن مجيء جواب «إذا» يبطل كون حتى جارة؛ لأن الجر يخرج إذا عن الظرفية، ويصيرها مع ما بعدها في حيز المفرد، ولا يبقى إذ ذاك جملة شرطية تستدعي جوابا؛ لأنها تصير إذ ذاك مع ما بعدها غاية لما قبلها (٩)، قال الشيخ: وكما جاءت «لو» الامتناعية بعد حتى وهي شرط في الماضي كذلك جاءت إذا، ولا يدّعي أحد أن «لو» في موضع جر بحتى، ومثال ذلك قول الشاعر (١٠): ١٥٣٩ - وما زال بي ذا الشّوق حتّى لو انّني ... من الوجد أستبكي الحمام بكى لها (١١) انتهى (١٢). وهذا لا يبطل به قول المصنف؛ لأن «لو» حرف، والحرف لا يجر. فالمانع من القول بجره حرفيته، وأما إذا فكلمة ثابتة الاسمية، فللقول بجرها مسوغ، وهو اسميتها، ثم قال الشيخ: ونصوا على أن حتى إذا دخلت على الجملة لا تعمل فيها -

стр. 1913

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا في شيء من أجزائها، بل تخرج على أحد وجهين: - الأول: أن تكون حرف ابتداء، وليس المراد بذلك أن لا يليها إلا المبتدأ، بل المراد أن يكون بعدها المبتدأ نحو: ١٥٤٠ - وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (١) أو يصلح أن يقع بعدها المبتدأ، كقولك: ضربت القوم حتى زيدا ضربته، بنصب زيد، فهي هنا حرف ابتداء؛ لأنه يصلح أن يكون بعدها المبتدأ، فتقول: حتى زيد ضربته، قال: فكذلك يكون التقدير في قوله تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ .. (٢): حتى هم إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم. الوجه الثاني: أن تقدر حتى بمعنى الفاء، كما قدرها النحويون في قولهم: سرت حتى أدخل المدينة، برفع أدخل، وتقدير كونه قد وقع التقدير: سرت فدخلت المدينة، فكذلك حتى في هذه المواضع التي جاءت بعدها «إذا» تتقدر بالفاء، ولا ينخرم منها موضع. انتهى (٣). وهو كلام حسن، إلا أن قوله: إن المراد بحتى الابتدائية أن يليها المبتدأ أو يصلح أن يقع بعدها المبتدأ، لا يظهر. والظاهر أن المراد من قولهم: حرف ابتداء، أن الكلام الذي يليها مستأنف لا تعلق له بما قبلها من حيث اللفظ. ثم قال الشيخ: والدليل على بقائها شرطية اتفاق النحويين على ذلك في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (٤)، واختلفوا في الجواب فقيل: الواو زائدة، وقيل: الجواب محذوف، قال: وقد طالعت كثيرا من (الكتب في النحو) (٥)، فلم أر من تعرض لهذه المسألة -

стр. 1914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بخصوصها - يعني به حكم «إذا» الواقعة بعد حتى - إلا الزمخشري (١) وأبا البقاء العكبري وصاحب البسيط. أما الزمخشري فإنه أجاز فيها أن تكون حرف ابتداء (٢)، وأن تكون جارة لإذا بمعنى الوقت (٣)، وأما أبو البقاء فإنه جرى فيها على القواعد، فقال في قوله [٢/ ٤٢٦] تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ (٤): إذا في موضع نصب بجوابها وهو يقول: وليس لحتى هنا عمل، وإنما أفادت معنى الغاية كما لا تعمل في الجمل (٥)، وأما صاحب البسيط فإنه قال: وتقول: اجلس حتى إذا جاء زيد أعطيتك، فحتى هنا غير عاملة؛ لأنها دخلت على اسم معمول لغيرها، لأن «إذا» في موضع نصب بالجواب على الظرف، كأنك قلت: اجلس فإذا جاء زيد أعطيتك (٦). ثم قال الشيخ: وكان بعض الأذكياء يستشكل مجيء هذه الجملة الشرطية من إذا وجوابها بعد حتى، ويذكر لي ذلك ويقول: كيف تكون حتى غاية وما بعدها جملة الشرط؟ فقلت له: الغاية في الحقيقة ما ينسبك من الجواب مرتبا على فعل الشرط، فالتقدير المعنوي الإعرابي: «فهم يوزعون إلى أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وقت مجيئهم إلى النار فينقطع الوزع» وكذلك: «وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا إلى أن تفتح لهم أبوابها وقت مجيئهم فينقطع السوق» وأما إذا كانت بمعنى الفاء فيطيح هذا الإشكال (٧)؛ إذ لا تكون «حتى» إذ ذاك حرف غاية. انتهى. وأما قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (٨) في قراءة من نصب خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٩)، فلا يتعين أن يكون: إذا رجت - خبرا، حتى يلزم منه أن تكون «إذا» في إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ مبتدأ (١٠)، فقد قيل: إن «إذا» من «إذا وقعت» باقية -

стр. 1915

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ظرفيتها، وتلك أحوال ثلاثة كما تقدم (١) وإِذا رُجَّتِ (٢) بدل من إِذا وَقَعَتِ وجواب إذا: إما وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٣) على زيادة الواو، كما قالوا في: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (٤): أي فتحت، وكما قيل في قول الشاعر: - ١٥٤١ - فلمّا أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي ركام عقنقل (٥) أي انتحى، قال الشيخ: وهو تخريج كوفي أخفشي. وإما أن يكون الجواب محذوفا، فإما أن تقدر قبل وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً وتقديره: عرفتم مراتبكم ومنازلكم، وإما أن يكون الجواب فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٦) وما بعده، والمعنى: فأصحاب الميمنة ما أعظمهم وما أنجاهم، وأصحاب المشأمة ما أحقرهم، وما أشقاهم، قال الشيخ: وهذا الوجه أحسن، إذ لا يحتاج فيه إلى تكلف (٧). انتهى. ومنهم من قدر بدل عرفتم مراتبكم، انقسمتم أقساما، ثم عطف عليه وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٨). -

стр. 1916

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما مفارقتها الشرطية فقد مثل له المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (١) وبقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (٢) ولم يظهر لي وجه الاستدلال من الآية الأولى، فإن وجّه بأن الذي يدل على انتفاء الشرط عن «إذا» عدم صلاحيته «لسوف أخرج حيّا» لأن يكون جوابا له، إذ الفاء في مثله واجبة، وإذا انتفى كون لَسَوْفَ أُخْرَجُ جوابا [٢/ ٤٢٧] تخلصت «إذا» للظرفية ويكون العامل فيها «أخرج» فيتم الاستدلال الذي قصده المصنف، لكن ينشأ على هذا إشكال وهو: أن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها، لأنها من أدوات الصّدر، وحينئذ يبطل كون «أخرج» عاملا، وإذا بطل كون «أخرج» عاملا، وجب أن يكون العامل في إذا مقدرا من معنى أخرج (٣)، التقدير: «إذا ما مت أبعث» لكن إذا كان العامل أبعث الذي هو مقدر، كان هو الجواب، وإذا كان هو الجواب مع كونه جوابا صناعيّا أمكن دعوى الشرطية في «إذا»، إذ لا مانع من ذلك، وحينئذ لا يتم استدلال المصنف بهذه الآية الشريفة على أن «إذا» فارقتها الشرطية وخلصت للظرفية. وأما الآية الشريفة الثانية وهي قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ومثله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (٤)، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٥) فظاهر كون إذا فيه خلصت للظرفية وتجردت عن معنى الشرط؛ لأن فعل القسم المقدر مقصود به الإنشاء، فوجب أن يكون وجود معناه مقارنا لوجود لفظه، فلو كان الشرط مقصودا وجب أن يتأخر وجود المعنى إلى حين وجود الأمر المشروط، وذلك خلاف المقصود من الفعل الإنشائي الذي هو أقسم وشبهه، وإذا كان كذلك «فإذا» في هذه الآيات الشريفة تمحضت للظرفية (٦). بقي الكلام في العامل في الظرف ما هو؟. لم أر في كلام المصنف ولا كلام الشيخ تعرضا إلى ذكره. -

стр. 1917

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال أبو البقاء: «العامل فيه فعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالنجم وقت هويّه» (١)، وما قاله غير ظاهر، فإن وقت هويه مستقبل؛ لأن إذا هي الدالة عليه، وهي للاستقبال. والفعل المضارع يتعين استقباله بعمله في ظرف مستقبل، فيلزم استقبال «أقسم» وهو فعل إنشائي لا محالة، وقد عرفت أن وجود معنى ما هو كذلك يجب أن يكون مقارنا لوجود لفظه، والذي يظهر أن يكون الظرف المذكور في موضع الحال، فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، التقدير: أقسم بالنجم كائنا وقت هويه، وكذا التقدير في بقية الآيات، ومثّل غير المصنف (٢) لخروج إذا عن الشرطية [بقوله] تعالى: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣)، وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٤) فقال: لو كانت إذا شرطية وجب اقتران الجواب بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، وقد التزم بعضهم شرطيتها في الآيتين الشريفتين، وذكر أن الفاء تضمر في الجواب أو أن الضمير توكيد لا مبتدأ، وما بعده الجواب، ولا يخفى ضعف ذلك (٥). وأما مفارقتها الاستقبال، فقد عرفت أن المصنف استدل على ذلك بقوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (٦)، وبقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها (٧)، واستدل أيضا بقول الشاعر: - ١٥٤٢ - حللت بها وتري .... ... ..... البيت (٨) وبقول الآخر: - ١٥٤٣ - ما ذاق بؤس معيشة .... ... ...... البيت أيضا (٩) واستدل أيضا على وقوع «إذ» موقع «إذا» بقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى (١٠) فقال: إن إذ هذه [٢/ ٤٢٨] بدل من يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ (١١) ويوم يجمع مستقبل المعنى، قال: فيتعين كون المبدل منه مثله في الاستقبال، وبقوله -

стр. 1918

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ (١) وبقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ (٢) بعد إِذا زُلْزِلَتِ (٣)، وجعل من ذلك قول الشاعر: - ١٥٤٤ - متى ينال الفتى اليقظان حاجته ... إذ المقام بأرض اللهو والغزل (٤) كما تقدمت الإشارة إلى ذلك كله، وقد أورد الشيخ كلام المصنف هذا واستدلاله، ثم قال: وما استدل به يحتمل التأويل (٥)، ولم يرد على ذلك. وأقول: أما ما استدل به على أن «إذا» تقع موقع «إذ». فالآية الأولى منه يمكن أن يقال فيها: إن المقصود حكاية حالهم حين ابتدأوا في الفعل، وإذا كان كذلك كان المحل حينئذ موقع «إذا» دون موقع «إذ». وأما الآية الثانية فالمراد منها حكاية ما كانوا عليه، وما هو شأنهم وديدنهم، فالمعنى: حال هؤلاء أنهم إذا رأوا تجارة أو لهوا كان منهم ما ذكر ولو أتي «بإذ» في هذا المحل لصار المعنى الإخبار عن واقعة وقعت منهم، ولا يلزم من الإخبار بذلك أن يكون ذلك من شأنهم (٦) وأما البيتان اللذان أنشدهما وهما: - ١٥٤٥ - حللت بها وتري وقول الآخر: - ١٥٤٦ - ما ذاق بؤس معيشة فيظهر أن لا دليل فيهما على المطلوب؛ لأن جواب الشرط فيهما محذوف، والمذكور المتقدم دليل عليه، ولا شك أن الجواب مستقبل المعنى كالشرط، فوجب أن يكون دليل الجواب مستقبلا. فكأن قائل الأول قال: - إذا ما تناسى ذحله كلّ غيهب حللت بها وتري وأدركت ثورتي. وكأن قائل الثاني قال: - -

стр. 1919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا لم يعشق أحد فما ذاق بؤس معيشة ولا نعيمها. وكذا قول الآخر (١): - ١٥٤٧ - وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت إذا تغوّرت النّجوم (٢) المعنى: إذا تغورت النجوم سقيت أي: أسقي، فسقيت مستقبل المعنى إلا أن يدعي المصنف أن إذا فارقتها معنى الشرطية في هذه الأبيات، وتجردت للظرفية، فيتم مراده، ويتوجه استدلاله. وأما ما استدل به على وقوع «إذ» موقع «إذا» ففيه للبحث مجال. أما وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى (٣) وأن «إذ» بدل من يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ (٤) فهذا متوقف على أن هذا القول الشريف لم يكن في الدنيا، وإنما يكون يوم القيامة، وعلى أن العامل فيه هو العامل في يَوْمَ يَجْمَعُ، وإذا تعين هذان الأمران يجاب حينئذ بالجواب المشهور عن ما هو نظير هذه الآية الشريفة، وهو أن المستقبل المحقق الوقوع يعبر عنه بما يعبر عن الواقع الذي قد مضى؛ لأن الإخبار عن الأمر العظيم بأنه قد وقع أبلغ من الإخبار عنه بأنه سيقع، وبتقدير أن لا يكون قد عبر عن المستقبل المحقق الوقوع بالماضي يمكن أن يجاب بأن يَوْمَ يَجْمَعُ لما ذكر، ومضى ذكره، صار في حكم شيء استقر [٢/ ٤٢٩] مضيه تنزيلا للماضي الذكر منزلة الماضي الوقوع، وهذا التقرير نظير ما قاله الزمخشري في قوله تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ (٥) إن ذلك كيف أشير به إلى ما ليس ببعيد، وأجاب بأنه لما وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمقتضى في حكم المتباعد، جاز ذلك (٦). وبهذا الجواب يجاب عن استدلاله بقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ (٧) بعد -

стр. 1920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِذا زُلْزِلَتِ (١)؛ لأن ما تقدم ذكره وتقريره صار في حكم الماضي، وأما قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ (٢)، فهي من باب ما عبر عن المستقبل فيه بالماضي؛ لتحقق وقوعه (٣)، وأما قول الشاعر: - ١٥٤٨ - متى ينال الفتى اليقظان حاجته ... إذ المقام بأرض اللهو والغزل (٤) فالظاهر أن «إذ» فيه للتعليل؛ لأن الظاهر أن المراد بالاستفهام في البيت النفي، فالمعنى: لا ينال الفتى اليقظان حاجته بسبب مقامه بأرض اللهو والغزل، وقد تقدم أن الذي يقتضيه النظر أن «إذا» إذا كانت للتعليل يحكم بحرفيتها. وأما الأبحاث: - فمنها: أنه قد عرف من قول المصنف: ويضاف أبدا إلى جملة مصدرة إلى أخره - أن «إذا» ليست معمولة للفعل الذي يليها، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، وإنما هي معمولة لفعل الجواب، ولا شك أن هذا هو مذهب الجمهور، وهو المعروف المشهور، وذهب بعض النحويين إلى أنها ليست مضافة إلى الجملة بعدها، وأن العامل فيها الفعل الذي يليها، وأنها ليست معمولة لفعل الجواب كما ذهب إليه الجمهور (٥)، قال الشيخ: وهذا المذهب هو الذي نختاره حملا لها على أخواتها من أسماء الشرط، ألا ترى أنك إذا قلت: متى تقم أقم، كان منصوبا بالفعل الذي يليه، ويدل على ذلك قولك: أيّا تضرب أضرب، قال: وما ذهب إليه الجمهور فاسد من وجوه: - أحدها: أن إذا الفجائية تقع جوابا لإذا الشرطية نحو قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا (٦) وما بعد إذا لا يعمل فيما -

стр. 1921

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قبلها، وأجمعوا على أن جواب إذا هو إذا الفجائية مع ما بعدها، كما أجيب بها «إن» في قوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (١). الثاني: وقوع الجواب لإذا وقد اقترن بالفاء نحو: إذا جاءك زيد فاضربه، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله. الثالث: أن جوابها جاء منفيّا بما. نحو قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا (٢)، وما بعد «ما» النافية لا يعمل فيما قبلها. الرابع: اختلاف الظرفين في بعض الصور نحو: إذا جئتني غدا أجيئك بعد غد، فلا يمكن إذ ذاك أن يكون الجواب عاملا فيها وعاملا في «بعد» لاستحالة وقوع الفعل الواحد في زمانين (٣). انتهى. وقد استدل لأصحاب هذا المذهب بأمرين آخرين أيضا: - أحدهما: أن الشرط والجزاء عبارة عن جملتين يربط بينهما بالأداة، قالوا: وعلى قول [٢/ ٤٣٠] الجمهور: إن العامل فعل الجواب أو ما أشبهه تصير الجملتان واحدة؛ لأن الظرف عندهم من جملة الجواب، والمعمول داخل في جملة عامله. الثاني: أن ذلك ممتنع في قول زهير: - ١٥٤٩ - بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (٤) لأن الجواب محذوف، التقدير: إذا كان جائيا فلا أسبقه، ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئا وقت مجيئه؛ لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه، فإن قالوا في البيت: إنها غير شرطية، فهي معمولة لما قبلها وهو سابق، كان ذلك لازما لهم أيضا، وأما على القول بأن العامل في «إذا» هو ما يليها فهي شرطية محذوفة الجواب، وعاملها: إما خبر كان، أو نفس كان إن قيل بأنها دالة على الحدث (٥)، ثم إنهم أوردوا بعد ذلك سؤالا وهو: إنكم إذا قلتم: إن العامل في إذا هو الفعل الذي يليها -

стр. 1922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو فعل الشرط لزمكم في نحو: إذا جئتني غدا أجيئك بعد غد، أن يكون جئتني قد عمل في إذا، مع كونه عاملا في غد، وعامل واحد لا يعمل في ظرفي زمان بغير عطف، وهو سؤال متجه، وقد أجيب عن ذلك: بأن العامل الواحد يجوز أن يعمل في ظرفي زمان إذا كان أحدهما أعم من الآخر نحو: آتيك يوم الجمعة سحر، قالوا: وليس سحر في هذا التركيب بدلا، لجواز سير عليه يوم الجمعة سحر، برفع الأول ونصب الثاني، نص على ذلك سيبويه، وأنشد للفرزدق: - ١٥٥٠ - متى تردن يوما سفار تجد بها ... أديهم يرمي المستجيز المعوّرا (١) ولا يجوز أن يكون يوما في البيت بدلا من «متى» لأنه لو كان بدلا كان مقترنا بحرف الشرط، وذلك لا يجوز في «غدا» من قولك: إذا جئتني غدا، في المثال المتقدم أن يكون بدلا من إذا (٢)، لهذه العلة التي ذكرناها، وقد تعقب على الشيخ كونه حكم على قوله تعالى: ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا (٣) بأنه جواب (٤) - بأن قيل: ليس هذا بجواب، إذ لو كان جوابا لكان مقترنا بالفاء، وإنما الجواب محذوف، التقدير: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات عمدوا إلى الحجج الباطلة (٥). واعلم أن الموجب لدعوى الجمهور بأن «إذا» معمولة للجواب لا للشرط - أنهم حكموا بإضافتها إلى الجملة الشرطية، وذلك أنها كلمة مبنية، وعلة بنائها شبهها بالحرف في الافتقار إلى الجملة، فكانت إضافتها إلى الجملة لازمة، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وإذا امتنع عمل فعل الشرط، تعين أن يكون العامل ما في الجواب من فعل أو ما يشبه الفعل (٦)، وبهذا التقرير لا يتم تنظير الشيخ «إذا» «بمتى» لأن متى غير مضافة، إذ لا داعي يدعو إلى القول بإضافتها، لأن بناءها -

стр. 1923

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لتضمن معنى الحرف، ولكن القائلين بأن العامل في «إذا» فعل الشرط يمنعون كون «إذا» مضافة إليه، ويجعلون علة بنائها تضمنها معنى الشرط، كما قيل في «متى» وأخواتها، ويستدلون على ذلك بأنه قد يجزم بها، ومع الجزم لا يمكن دعوى الإضافة، فيتعين كون علة البناء تضمن معنى الشرط، وإذا ثبت ذلك لها [٢/ ٤٣١] في حالة الجزم بها نحو قول الشاعر: ١٥٥١ - وإذا تصبك خصاصة فتجمّل (١) ثبت مطلقا، ليجري الأمر فيها على سنن واحد (٢)، ولكن يشكل حينئذ شيء آخر، وهو أن «إذا» محكوم ببنائها حال تجردها للظرفية، وانسلاخها عن معنى الشرط، فيقال: ما الموجب لبنائها حينئذ، إذ معنى الشرط مفقود، وأنتم قد قلتم: إنها غير مضافة إلى ما بعدها؟ وقد يجاب عن ذلك بأنها ثبتت في هذه الحالة، لشبهها بإذا التي تضمنت معنى الشرط، هذا آخر الكلام على إذا غير الفجائية. وأما إذا الفجائية، فقد تقدمت الإشارة إلى ذكر المذاهب الثلاثة فيها، وتقدم ذكر اختيار المصنف أنها حرف، وتقدم استدلاله على ذلك أيضا، وقد نازعه الشيخ في ذلك، وزعم أنه أبطل أدلته، حتى عارض قول المصنف: فثبت الاعتراف بثبوت الحرفية، وانتفاء الاسمية بقوله: ويقال له: فثبت الاعتراف بثبوت الاسمية وانتفاء الحرفية (٣)، ولكني تركت إيراد ذلك خشية الإطالة، ثم إن ذلك ليس تحته فائدة يخشى فواتها، أو يترتب محذور على عدم معرفتها، وقد عرفت أن «إذا» هذه تفارق إذا الشرطية من أوجه: منها: أن هذه تختص بالجمل الاسمية، والشرطية تختص بالجمل الفعلية. ومنها: أن الشرطية لا بد لها من جواب، ولا جواب لهذه، وهذا ظاهر. ومنها: أن تلك للاستقبال وهذه للحال. ومنها: أن هذه لا يبتدأ بها كلام بخلاف تلك (٤)، وقد تقدم في باب الاشتغال -

стр. 1924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن الأخفش يجيز وقوع الفعل بعد إذا الفجائية إذا كان الفعل مقرونا بقد (١)، وأما كون خبر المبتدأ الواقع بعدها يذكر تارة، ويحذف تارة، فقد تقدمت الإشارة إليه في باب المبتدأ (٢)، ولنذكر ذلك هنا ملخصا، فنقول: قد علمت الخلاف فيها هل هي حرف أو ظرف زمان أو ظرف مكان، ثم يعلم أنهم اختلفوا إذا كانت ظرفا، هل تلزم الإضافة إلى جملة أم لا؟ فعلى القول بأنها حرف أو تلزم الإضافة إلى جملة إذا كانت اسما، يلزم أن يكون خبر المبتدأ الذي بعدها محذوفا في نحو: خرجت فإذا السبع، التقدير: فإذا السبع حاضر أو موجود، وعلى القول بأنها لا تلزمها الجملة حال اسميتها: فإن قلنا: إنها ظرف مكان كانت خبرا عما بعدها، حدثا كان أو جثة وإن قلنا: هي ظرف زمان كانت خبرا عما بعدها إن كان حدثا نحو: خرجت فإذا القتال، وإلا فالخبر محذوف إن كان جثة وهو العامل في إذا يعني الخبر (٣). واعلم أن من فروع هذه المسألة، المسألة المشهورة بين سيبويه والكسائي رحمهما الله تعالى: وهي قول العرب: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، وقالوا أيضا: فإذا هو إياها، وهو الذي أنكره سيبويه لما سئل عنها، وقال في الجواب: فإذا هو هي، وقد حكى المجلس برمّته الشيخ علم الدين السخاوي ﵀ (٤) في كتابه: سفر السعادة، وتكلم رحمه الله تعالى عليها [٢/ ٤٣٢] ونقل فيها كلام كثير من العلماء (٥)، قال رحمه الله تعالى: فمن ذلك ما جرى بين سيبويه والكسائي في مجلس يحيى بن خالد البرمكي عن الفراء، قال: قدم سيبويه رحمه الله تعالى على -

стр. 1925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوما، فلما حضر - يعني سيبويه - تقدمت أنا والأحمر، فدخلنا فإذا بمثال في صدر المجلس، يقعد عليه يحيى ومعه إلى جانب المثال (١) الفضل وجعفر، ومن حضر بحضورهم، فأقبل الأحمر على سيبويه، فسأله عن مسألة، فأجاب عنها سيبويه فقال له الأحمر: أخطأت، ثم مسألة ثانية فأجاب فيها، فقال له: أخطأت، فقال سيبويه: هذا سوء أدب، قال الفراء: فأقبلت عليه فقلت له: إن في هذا الرجل حدّة وعجلة، ولكن ما تقول في من قال: هؤلاء أبون، ومررت بأبين، كيف تقول على مثال ذلك من وأيت وأويت، فقدر فأخطأ، فقلت: أعد النظر، فقدر فأخطأ، فقلت: أعد النظر ثلاث مرات يجيب ولا يصيب، فلما كثر ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما، فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟ قال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب فقال له الكسائي: لحنت، ثم مسألة من مسائل هذا النحو: خرجت فإذا عبد الله القائم أو القائم، فقال سيبويه: ذلك كله بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلد كما، فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب ووفدت عليك من كل قطر وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى أو جعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فقعس، وأبو زياد (٢)، وأبو الجراح، وأبو ثروان (٣)، فسئلوا فاتبعوا الكسائي وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد يسمع، فاستكان سيبويه وأقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلح الله الوزير؛ إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت لا ترده خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، -

стр. 1926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يعد إلى البصرة (١)، وذكروا أنه لما دخل من دخل من العرب، وقالوا: القول ما قال الكسائي، قال سيبويه: مرهم فليتلفظوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري به (٢). قال أبو القاسم الزجاجي: وأقول في ذلك بحسب ما يوجب النظر، أما حكاية الفراء عن الأحمر أنه سأل سيبويه ثلاث مسائل فقال له: أخطأت - فقد أقر الفراء بأنه أجاب فيها وشهد له بذلك، فلا يلتفت إلى قول الأحمر: أخطأت، ومع [٢/ ٤٣٣] ذلك فلم تحك المسائل ليعلم وجه الخطأ فيها من الصواب، وأما قول الفراء: إني قلت له: كيف تقول في مذهب من قال: هؤلاء أبون ومررت بأبين، ومثله من وأيت وأويت، وقوله: إنه قدر ثلاث مرات فأخطأ، فقد كان الواجب أن يحكي كيف قدر ثلاث المرات، ويدل على موضع الخطأ؛ ليعلم أصادق هو في ذلك أم كاذب، فلعل جواب سيبويه في ذلك كان صوابا، ورأى الفراء خلافه، فكان عنده مخطئا لمخالفته إياه (٣). قلت: هذا الذي قاله أبو القاسم هو الحق، وهذا كما سأل بعض الشباب الشافعي رضي الله تعالى عنه عن مسألة فأجابه، فقال: أخطأت، فقال: يا ابن أخي أخطأت ما في كتابك، ولم أخطئ الحق، والصواب. قال أبو القاسم: ونحن نذكر الجواب في هاتين المسألتين: - ١ - اعلم أن «أوى» لامه ياء؛ فإذا بنيت منه اسما قلت: أوى مثل هوى، فإذا جمعته على مذهب من قال: أبون وأبين رفعا وجرّا قلت: أوون فتسقط اللام لسكونها وسكون واو الجمع أو يائه، فيقال: أوون وأوين، كما يقال في مصطفى: مصطفون ومصطفين، قال: وهذا متفق عليه عند البصريين. وللكوفيين في ذلك مذهب آخر نذكره بعد المتفق عليه. وكذلك لو جمعت عصا ورحى وما أشبه ذلك اسم رجل جمع السلامة لقلت: عصون وعصين، ورحون ورحين. وأما وأى فلامه ياء أيضا. فإذا بنيت منه اسما على فعل وجمعته جمع السلامة قلت: وأون ووأين على الطريق الذي تقدم في جمع أوى، قال: وهذا واضح بيّن متفق عليه، وليس -

стр. 1927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مما يغلط فيه سيبويه ولا من هو دونه (١)، ولكن الفراء سأله أن يبني منه على مذهبه على أنه معرب من مكانين؛ لأنه يسمي هذه الأسماء أعني قولهم: أبوك وأخوك وأخواتهما وابنم وامرؤ معربة من مكانين (٢) وهذا عند البصريين محال؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان كما زعموا لجاز أن يتم فيها إعرابان مختلفان، فيجمع رفع ونصب، أو نصب وخفض في حال واحد، وهذا محال، فكما امتنع، امتناع إعرابين مختلفين، كذلك يمتنع اجتماع إعرابين متفقين. فلعل سيبويه قدر أن يجمع جمع السلامة على ما ذكرنا، ولم يسبق إلى عمله أن في الكلام شيئا يعرب من مكانين، ولم يصرح له بذلك ليدهشه بقوله: أعد النظر، ولا يعرفه من أي جهة أخطأ، فكان يرد بذلك عليه بما يوجبه القياس، ثم ذكر أبو القاسم قياس هاتين المسألتين على مذهب الفراء والكسائي (٣) وقرر ذلك، فتركت إيراده خشية الإطالة. ثم إن الذي قرره عنهما في ذلك لا يبنى عليه قاعدة، حتى قال أبو القاسم: إن ذلك ليس من كلام العرب، وإنما هي أوضاع وضعوها، وذكر بعد ذلك عن المازني كلاما يتعلق بشيء مما ذكره الكوفيون وعن [٢/ ٤٣٤] الأخفش أيضا، ولا شك أنه قد تقدم في باب الإعراب عند ذكر الأسماء الستة الإشارة إلى مذاهب الناس واختلافهم في إعرابها بما هو (٤)، وفي ذلك غنية، ثم قال أبو القاسم: وأما مسألة -

стр. 1928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكسائي: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي بالرفع لا يجوز غيره كما تقول: خرجت فإذا عبد الله قائم، ثم كمل الكلام على المسألة (١) فمن أراد الوقوف على ذلك فليتطلبه. وملخص ما قيل: أن ما أجاب به سيبويه موافق لما نطق به الكتاب العزيز، قال الله تعالى: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ * (٢)، فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٣)، وأما فإذا هو إياها فقد علمت أن سيبويه أنكره؛ فإما أن لا يكون ورد عن العرب فيتعين رده، وإما أن يكون قد ورد فيكون من الشاذ الذي لا يعرج عليه، وقد روى أبو زيد الأنصاري (٤): فإذا هو إياها (٥)، فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة فلم يقبلها، ولا عرج عليها؛ لأنه ليس كل من سمع منه أهلا عنده للقبول منه والحكاية عنه، ألا ترى أنهم قد حكوا: أن من العرب من ينصب بلم ويجزم بلن وكي (٦)؟ حكى ذلك اللحياني (٧)، وليس ذلك مما يلتفت إليه، والقصد أن «فإذا هو إياها» إن ثبت وروده فهو خاج عن القياس واستعمال الفصحاء، وقد ذكروا له توجيهات: - أحدها: أن إذا ظرف فيه معنى وجدت ورأيت، فجاز له أن ينصب المفعول وهو مع ذلك ظرف مخبر به عن الاسم بعده (٨)، ورد ذلك بأن المعاني لا تنصب -

стр. 1929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المفاعيل الصحيحة، وإنما تعمل في الظروف والأحوال، ثم ما قاله هذا القائل لا يتحقق؛ لأن وجدت ورأيت يحتاج كل منهما إلى مفعولين، فكان يتعين نصب الاسم الأول أيضا. ثانيها: أن ضمير النصب استعير فاستعمل في موضع ضمير الرفع (١). ثالثها: أنه مفعول به والأصل: فإذا هو يساويها، أو فإذا هو يشبهها، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير، وهذان التوجيهان للمصنف رحمه الله تعالى، ونظير التخريج الثاني له قراءة من قرأ: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) (٢) التقدير: نوجد أو نرى عصبة (٣). رابعها: أنه مفعول مطلق والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها، ثم حذف الفعل كما تقول: ما زيد إلا شرب الإبل، ثم حذف المضاف. قال الشلوبين: وهو أشبه ما وجه به النصب (٤). خامسها: أنه منصوب على الحال من الضمير في الخبر المحذوف، والأصل: فإذا هو ثابت مثلها، ثم حذف المضاف فانفصل الضمير وانتصب في اللفظ على الحال على سبيل النيابة كما قالوا: قضية ولا أبا حسن لها (٥)، على إضمار مثل. وهذا التوجيه لابن الحاجب، وهو مبني على إجازة: له صوت صوت الحمار بالرفع صفة لما قبله بتقدير مثل (٦)، ومعلوم أن الخليل يجيزه، وأن سيبويه حكم بقبحه وضعفه (٧)، وإذ قد مضى هذا فاعلم أنهم اختلفوا في الفاء الداخلة على إذا المفاجأة [٢/ ٤٣٥]-

стр. 1930

[أحكام مذ ومنذ حين تجيئان ظرفا وغير ظرف] قال ابن مالك: (ومنها مذ ومنذ وهي الأصل، وقد تكسر ميمهما ويضافان إلى جملة مصرّح بجزأيها أو محذوف فعلها بشرط كون الفاعل وقتا يجاب به متى أو كم، وقد يجران الوقت أو ما يستفهم به عن حرفين بمعنى من، إن صلح جوابا لمتى، وإلّا فبمعنى «في» أو بمعنى «من وإلى» معا، وقد يغني عن جواب «متى» في الحالين مصدر معيّن الزّمان أو «أنّ» وصلتها، وليسا قبل المرفوع مبتدأين بل ظرفين خلافا للبصريّين، وسكون ذال «مذ» قبل متحرك أعرف من ضمها، وضمّها قبل ساكن أعرف من كسرها). ــ وذكر الشيخ في شرحه أن المذاهب فيها ثلاثة: - مذهب المازني أنها زائدة (١)، ومذهب الزجاج أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، ومذهب أبي بكير مبرمان (٢) أنها عاطفة، قال: ورجح أبو الفتح قول المازني، وذكر عنه وجه الترجيح بما يوقف عليه في كتابه (٣)، وظهر من كلامه تصحيح مذهب مبرمان، كما نقل ذلك عن الشلوبين الصغير، ثم قال: والذي نقطع بأن الفاء عاطفة وقوع غيرها من حروف العطف موقعها، قال الله تعالى: ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٤). قال ناظر الجيش: «منذ» أصل «مذ» بدليلين (٥): - أحدهما: أنّ ذال «مذ» تضم لملاقاة ساكن كما تفعل بميم هم، وليس ذلك إلا لأن أصلها منذ بالضم، فروجع بها الأصل حين احتيج إلى تحريكها، فقيل: لم أره -
следующие страницы →