← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يعد إلى البصرة (١)، وذكروا أنه لما دخل من دخل من العرب، وقالوا: القول ما قال الكسائي، قال سيبويه: مرهم فليتلفظوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري به (٢). قال أبو القاسم الزجاجي: وأقول في ذلك بحسب ما يوجب النظر، أما حكاية الفراء عن الأحمر أنه سأل سيبويه ثلاث مسائل فقال له: أخطأت - فقد أقر الفراء بأنه أجاب فيها وشهد له بذلك، فلا يلتفت إلى قول الأحمر: أخطأت، ومع [٢/ ٤٣٣] ذلك فلم تحك المسائل ليعلم وجه الخطأ فيها من الصواب، وأما قول الفراء: إني قلت له: كيف تقول في مذهب من قال: هؤلاء أبون ومررت بأبين، ومثله من وأيت وأويت، وقوله: إنه قدر ثلاث مرات فأخطأ، فقد كان الواجب أن يحكي كيف قدر ثلاث المرات، ويدل على موضع الخطأ؛ ليعلم أصادق هو في ذلك أم كاذب، فلعل جواب سيبويه في ذلك كان صوابا، ورأى الفراء خلافه، فكان عنده مخطئا لمخالفته إياه (٣). قلت: هذا الذي قاله أبو القاسم هو الحق، وهذا كما سأل بعض الشباب الشافعي رضي الله تعالى عنه عن مسألة فأجابه، فقال: أخطأت، فقال: يا ابن أخي أخطأت ما في كتابك، ولم أخطئ الحق، والصواب. قال أبو القاسم: ونحن نذكر الجواب في هاتين المسألتين: - ١ - اعلم أن «أوى» لامه ياء؛ فإذا بنيت منه اسما قلت: أوى مثل هوى، فإذا جمعته على مذهب من قال: أبون وأبين رفعا وجرّا قلت: أوون فتسقط اللام لسكونها وسكون واو الجمع أو يائه، فيقال: أوون وأوين، كما يقال في مصطفى: مصطفون ومصطفين، قال: وهذا متفق عليه عند البصريين. وللكوفيين في ذلك مذهب آخر نذكره بعد المتفق عليه. وكذلك لو جمعت عصا ورحى وما أشبه ذلك اسم رجل جمع السلامة لقلت: عصون وعصين، ورحون ورحين. وأما وأى فلامه ياء أيضا. فإذا بنيت منه اسما على فعل وجمعته جمع السلامة قلت: وأون ووأين على الطريق الذي تقدم في جمع أوى، قال: وهذا واضح بيّن متفق عليه، وليس -

стр. 1927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مما يغلط فيه سيبويه ولا من هو دونه (١)، ولكن الفراء سأله أن يبني منه على مذهبه على أنه معرب من مكانين؛ لأنه يسمي هذه الأسماء أعني قولهم: أبوك وأخوك وأخواتهما وابنم وامرؤ معربة من مكانين (٢) وهذا عند البصريين محال؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان كما زعموا لجاز أن يتم فيها إعرابان مختلفان، فيجمع رفع ونصب، أو نصب وخفض في حال واحد، وهذا محال، فكما امتنع، امتناع إعرابين مختلفين، كذلك يمتنع اجتماع إعرابين متفقين. فلعل سيبويه قدر أن يجمع جمع السلامة على ما ذكرنا، ولم يسبق إلى عمله أن في الكلام شيئا يعرب من مكانين، ولم يصرح له بذلك ليدهشه بقوله: أعد النظر، ولا يعرفه من أي جهة أخطأ، فكان يرد بذلك عليه بما يوجبه القياس، ثم ذكر أبو القاسم قياس هاتين المسألتين على مذهب الفراء والكسائي (٣) وقرر ذلك، فتركت إيراده خشية الإطالة. ثم إن الذي قرره عنهما في ذلك لا يبنى عليه قاعدة، حتى قال أبو القاسم: إن ذلك ليس من كلام العرب، وإنما هي أوضاع وضعوها، وذكر بعد ذلك عن المازني كلاما يتعلق بشيء مما ذكره الكوفيون وعن [٢/ ٤٣٤] الأخفش أيضا، ولا شك أنه قد تقدم في باب الإعراب عند ذكر الأسماء الستة الإشارة إلى مذاهب الناس واختلافهم في إعرابها بما هو (٤)، وفي ذلك غنية، ثم قال أبو القاسم: وأما مسألة -

стр. 1928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكسائي: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي بالرفع لا يجوز غيره كما تقول: خرجت فإذا عبد الله قائم، ثم كمل الكلام على المسألة (١) فمن أراد الوقوف على ذلك فليتطلبه. وملخص ما قيل: أن ما أجاب به سيبويه موافق لما نطق به الكتاب العزيز، قال الله تعالى: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ * (٢)، فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٣)، وأما فإذا هو إياها فقد علمت أن سيبويه أنكره؛ فإما أن لا يكون ورد عن العرب فيتعين رده، وإما أن يكون قد ورد فيكون من الشاذ الذي لا يعرج عليه، وقد روى أبو زيد الأنصاري (٤): فإذا هو إياها (٥)، فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة فلم يقبلها، ولا عرج عليها؛ لأنه ليس كل من سمع منه أهلا عنده للقبول منه والحكاية عنه، ألا ترى أنهم قد حكوا: أن من العرب من ينصب بلم ويجزم بلن وكي (٦)؟ حكى ذلك اللحياني (٧)، وليس ذلك مما يلتفت إليه، والقصد أن «فإذا هو إياها» إن ثبت وروده فهو خاج عن القياس واستعمال الفصحاء، وقد ذكروا له توجيهات: - أحدها: أن إذا ظرف فيه معنى وجدت ورأيت، فجاز له أن ينصب المفعول وهو مع ذلك ظرف مخبر به عن الاسم بعده (٨)، ورد ذلك بأن المعاني لا تنصب -

стр. 1929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المفاعيل الصحيحة، وإنما تعمل في الظروف والأحوال، ثم ما قاله هذا القائل لا يتحقق؛ لأن وجدت ورأيت يحتاج كل منهما إلى مفعولين، فكان يتعين نصب الاسم الأول أيضا. ثانيها: أن ضمير النصب استعير فاستعمل في موضع ضمير الرفع (١). ثالثها: أنه مفعول به والأصل: فإذا هو يساويها، أو فإذا هو يشبهها، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير، وهذان التوجيهان للمصنف رحمه الله تعالى، ونظير التخريج الثاني له قراءة من قرأ: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) (٢) التقدير: نوجد أو نرى عصبة (٣). رابعها: أنه مفعول مطلق والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها، ثم حذف الفعل كما تقول: ما زيد إلا شرب الإبل، ثم حذف المضاف. قال الشلوبين: وهو أشبه ما وجه به النصب (٤). خامسها: أنه منصوب على الحال من الضمير في الخبر المحذوف، والأصل: فإذا هو ثابت مثلها، ثم حذف المضاف فانفصل الضمير وانتصب في اللفظ على الحال على سبيل النيابة كما قالوا: قضية ولا أبا حسن لها (٥)، على إضمار مثل. وهذا التوجيه لابن الحاجب، وهو مبني على إجازة: له صوت صوت الحمار بالرفع صفة لما قبله بتقدير مثل (٦)، ومعلوم أن الخليل يجيزه، وأن سيبويه حكم بقبحه وضعفه (٧)، وإذ قد مضى هذا فاعلم أنهم اختلفوا في الفاء الداخلة على إذا المفاجأة [٢/ ٤٣٥]-

стр. 1930

[أحكام مذ ومنذ حين تجيئان ظرفا وغير ظرف] قال ابن مالك: (ومنها مذ ومنذ وهي الأصل، وقد تكسر ميمهما ويضافان إلى جملة مصرّح بجزأيها أو محذوف فعلها بشرط كون الفاعل وقتا يجاب به متى أو كم، وقد يجران الوقت أو ما يستفهم به عن حرفين بمعنى من، إن صلح جوابا لمتى، وإلّا فبمعنى «في» أو بمعنى «من وإلى» معا، وقد يغني عن جواب «متى» في الحالين مصدر معيّن الزّمان أو «أنّ» وصلتها، وليسا قبل المرفوع مبتدأين بل ظرفين خلافا للبصريّين، وسكون ذال «مذ» قبل متحرك أعرف من ضمها، وضمّها قبل ساكن أعرف من كسرها). ــ وذكر الشيخ في شرحه أن المذاهب فيها ثلاثة: - مذهب المازني أنها زائدة (١)، ومذهب الزجاج أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، ومذهب أبي بكير مبرمان (٢) أنها عاطفة، قال: ورجح أبو الفتح قول المازني، وذكر عنه وجه الترجيح بما يوقف عليه في كتابه (٣)، وظهر من كلامه تصحيح مذهب مبرمان، كما نقل ذلك عن الشلوبين الصغير، ثم قال: والذي نقطع بأن الفاء عاطفة وقوع غيرها من حروف العطف موقعها، قال الله تعالى: ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٤). قال ناظر الجيش: «منذ» أصل «مذ» بدليلين (٥): - أحدهما: أنّ ذال «مذ» تضم لملاقاة ساكن كما تفعل بميم هم، وليس ذلك إلا لأن أصلها منذ بالضم، فروجع بها الأصل حين احتيج إلى تحريكها، فقيل: لم أره -

стр. 1931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مذ الجمعة، كما روجع الأصل في نحو: هم القوم، ولو لم يكن الأصل الضم لقيل: مذ الجمعة كما قيل: قم الليل (١)، وقد يقال: مذ الجمعة كما يقال: وهم القضاة ومنهم الحكام. والثاني: أن بني غنى يضمون الذال قبل متحرك باعتبار أن النون محذوفة لفظا لا نية، فلو لم يكن الأصل منذ لم يصح هذا الاعتبار، ونظير هذا قولهم في «لدن وقط». «لد وقط» بضم الدال والطاء بعد الحذف على تقدير ثبوت المحذوف، وبنو سليم يقولون: منذ ومذ بكسر الميم (٢) وهما اسمان في موضع، وحرفا جرّ في موضع، ويتعين اسميتهما إن وليهما مرفوع أو جملة تامة، ويتعين حرفيتهما إن وليهما مجرور (٣) ويجوز الأمران قبل «أنّ» وصلتها، وإذا وليهما جملة تامة فهما عند سيبويه ظرفان لها، فإنه قال في باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء: ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولهم: ما رأيته مذ كان عندي ومذ جاءني (٤). وقال ابن خروف في الشرح: وأما منذ ومذ من الظروف فهما مضافان إلى الفعل عنده لا على حذف مضاف، ولولا ذلك لم ندخلهما في الباب، وقول السيرافي موافق لقوله (٥)، فمن زعم خلاف ذلك فقد خالف سيبويه بما لا دليل عليه، وزعم الأكثرون أن الواقع منهما قبل مرفوع مبتدأ بمعنى أول المدة في مثل: لم أره مذ يوم الجمعة، وبمعنى جميعها في مثل: لم أره [٢/ ٤٣٦] مذ يومان، وما بعده خبر (٦)، والصحيح عندي أنهما ظرفان مضافان إلى جملة حذف صدرها، -

стр. 1932

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتقدير: مذ كان يوم الجمعة، ومذ كان يومان (١) وهو قول المحققين من الكوفيين (٢)، وإنما اخترته لأن فيه إجراء «مذ ومنذ» في الاسمية على طريقة واحدة مع صحة المعنى، فهو أولى من اختلاف الاستعمال، وفيه تخلص من ابتداء بنكرة بلا مسوغ إن ادعي التنكير، ومن تعريف غير معتاد إن ادعي التعريف، وفيه أيضا تخلص من جعل جملتين في حكم جملة واحدة من غير رابط ظاهر ولا مقدر (٣)، ويعامل المصدر المعين زمانه بعد «مذ ومنذ» معاملة الزمان المعين في الرفع والجر، فيقال: ما رأيته مذ قدوم زيد ومنذ قدوم زيد، والأصل: مذ زمن قدوم زيد، ومنذ زمن قدوم زيد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما فعل في غير هذا المكان (٤) وأجاز ابن كيسان أن يقال: إنّ منذ جئت زيدا غائب كما يقال: إن حين جئت زيد غائب، وقد يجران المستفهم به عن الوقت نحو: مذ متى رأيته، ومذ كم فقدته، وقد تقع أنّ وصلتها بعد «مذ» فيحكم لموضعها بما حكم به للفظ المصدر؛ لأنها مؤولة بمصدر، ومثال الإضافة إلى جملة مصرح بجزأيها قول الشاعر: - ١٥٥٢ - ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من خوافق تلتقي ... في ظلّ معترك العجاج مثار (٥) -

стр. 1933

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله قول الآخر: - ١٥٥٣ - قالت أمامة ما لجسمك شاحبا ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع (١) ومثله قول الآخر في الجملة الاسمية: - ١٥٥٤ - وما زلت محمولا عليّ ضغينة ... ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع (٢) وروى الكوفيون مذ ومنذ بكسر الميم، وجعلوا ذلك حجة على تركيبهما من «من وذو» الطائية (٣)، ولا حجة فيه؛ لأنّ الأصل عدم التركيب، وإذا ولي مذ ساكن ضمت ذالها كقولك: لم أر فلانا مذ اليوم؛ لأن أصلها منذ فحرّك لالتقاء الساكنين وضم للإتباع. فلما حذفت النون سكنت الذال؛ إذ لا موجب للحركة، فلما وليها لام التعريف حركت الذال؛ لئلا يلتقي في الوصل ساكنان، وكان أولى الحركات بها الضمة؛ لأنها حركتها قبل أن تحذف النون، وبعض العرب يقول: مذ اليوم بالكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تقدم الكلام على ذلك، هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى (٤)، وقد استفيد منه أن «مذ» و «منذ» إما أن يليهما جملة أو مفرد، والمفرد إما مرفوع وإما مجرور، وأنهما إذا وليهما جملة اسمية كانت أو فعلية فهما ظرفان معمولان لما يصح عمله فيهما من أجزاء الجملة الواقعة بعدهما، وإذا وليهما مفرد مرفوع فالمختار عنده أن ذلك المرفوع يقدر له رافع محذوف، وعلى هذا يكون الواقع بعدهما حينئذ [٢/ ٤٣٧] جملة فيحكم على مذ ومنذ بالظرفية أيضا، كما كان الحكم فيهما إذا وقعت الجملة تامة بعدهما، وإذا -

стр. 1934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وليهما مفرد مجرور كانا حرفين جارين لما بعدهما يتعلقان بالعامل قبلهما كسائر حروف الجر، ودل قوله: (وقد يجران الوقت أو ما يستفهم به) «عنه» أن الجر بهما أقل من وقوع المرفوع بعدهما، وأن الذي بعدهما لا يكون إلا ظرفا؛ لأن الذي يستفهم به عن الوقت لا بد أن يكون وقتا، وإذ قد عرف هذا فأنا أذكر كلام غير المصنف على هاتين الكلمتين. قال ابن عصفور رحمه الله تعالى: «مذ ومنذ يكونان اسمين وحرفين، فيكونان اسمين إذا ارتفع ما بعدهما وحرفين إذا انخفض ما بعدهما، إلا أن الغالب على «مذ» الاسمية، وعلى «منذ» الحرفية، وسبب ذلك أنها مخففة من منذ، والحذف في الأسماء أكثر منه في الحروف؛ لأنه تصرف وبابه أن يكون في الأسماء (١)، وزعم بعض النحويين أن مذ ومنذ لا يكونان إلا اسمين مستدلّا على ذلك بأن الاسمية قد ثبتت لهما إذا كان ما بعدهما مرفوعا، ويمكن بقاء الاسمية إذا كان مخفوضا بأن يكونا ظرفين في موضع نصب بالفعل (٢)، وهو ضعيف. ومذ ومنذ إما أن يدخلا على الماضي أو على الحال، فإن دخلتا على الحال فلا يكون إلا مخفوضا، والحال هو اليوم والليلة والآن والحين والساعة وما أضفته إلى نفسك قرب أو بعد مثل: يومنا وشهرنا وعامنا، وكل زمان أشرت إليه نحو: هذا العام وهذا الشهر وهذه الأيام الثلاثة؛ لأنك لم تشر إلى شيء إلا وقد قدرته حاضرا، ولم تضفه إلى نفسك إلا على هذا المعنى، ومعناهما إذا دخلتا على الحال الغاية، وإن دخلتا على الماضي فإما أن يكون الداخل «مذ» أو «منذ»، فإن كان «مذ» فلا يكون إلا مرفوعا مثل: ما رأيته مذ يوم الجمعة، ولا يجوز الخفض إلا قليلا ومنه: - ١٥٥٥ - أقوين مذ حجج ومذ دهر (٣) في رواية من رواه مذ، فإن كان الداخل منذ جاز الرفع والخفض، والرفع قليل، -

стр. 1935

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم ليعلم أن الاسم الواقع بعد مذ ومنذ إن كان مرفوعا فإما معدود أو غير معدود. إن كان معدودا فهما للغاية، وإن كان غير معدود فهما لابتداء الغاية، وإن كان مخفوضا فالأمر كذلك إلا أن يكون المخفوض حالا؛ فهما للغاية، ولا يدخلان إلا على الزمان، واختلف في المرفوع بعدهما: فقيل: فاعل لفعل مضمر وهو مذهب الكسائي، وقيل هو مبتدأ ومذ ومنذ الخبر، وقيل العكس وهو قول الفارسي (١)، وهو الصحيح (٢)، وقال الشيخ - في شرح الغاية له -: إما أن يكون ما بعد مذ ومنذ حالا أو ماضيا، إن كان حالا فعامة العرب على الجر بهما نحو: ما رأيته مذ اليوم أو الساعة أو يومنا، وإن كان ماضيا والكلمة «مذ» فالرفع وقل الجر، أو «منذ» فالجر وقل [٢/ ٤٣٨] الرفع، ثم إن كان الاسم معدودا فهما للغاية نحو: ما رأيته مذ يومان، ومعناه أمد انقطاع رؤيتي له يومان، أو غير معدود فإما أن يكون حالا أو ماضيا؛ إن كان حالا نحو: ما رأيته مذ اليوم فلابتداء الغاية، وتقديره: أول انقطاع رؤيتي له اليوم، أو ماضيا نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس فللغاية، والفرق بين تقدير «أمد وأوّل» أنه في تقدير «أمد» تنتفي الرؤية عن جميع أجزاء الزمان، وفي تقدير «أول» قد لا تنتفى. ثم إذا انجر ما بعدهما فبهما، وهما حرفان يتعلقان بالفعل قبلهما والكلام جملة واحدة، وإذا ارتفع فالصحيح أنه خبر عن مذ أو منذ، وهما ظرفان معناهما أمد وأول على التفسير السابق، وزعم الزجاجي أنه مبتدأ ومذ ومنذ خبر عنه، وزعم الكسائي أنه فاعل بفعل مضمر، وزعم بعض الكوفيين أنه خبر مبتدأ مضمر (٣). انتهى. إلا أن قوله: إن كان حالا نحو: ما رأيته مذ اليوم فلابتداء الغاية وتقديره: أول انقطاع رؤيتي له اليوم - لم ينتضم لي مع قول ابن عصفور: ومعناهما -

стр. 1936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا دخلتا على الحال الغاية، وكذا قوله: أو ماضيا نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس فللغاية - مع قول ابن عصفور: وإن كان الاسم الواقع بعدهما غير معدود فهما لابتداء الغاية. والظاهر أن الصواب هو الذي ذكره ابن عصفور. وبعد وقوف على كلام هذين الرجلين الكبيرين في هذه المسألة يتبين له أن كلام المصنف فيها مع وجازته ولطافته شاف واف بالمقصود، فإن قيل: ليس في كلامه تعرض إلى ما تفيده هاتان الكلمتان من الغاية وابتداء الغاية، فالجواب: أنه إن لم يذكر ذلك صريحا فإنه يفهم من كلامه؛ لأنه ذكر أنهما إذا جرّ ما بعدهما فإما أن يكونا بمعنى «من» أو بمعنى «في وإلى» معا (١)، فحيث كانا بمعنى «من» فهما لابتداء الغاية، وحدث كانا بمعنى من وإلى معا؛ فهما لابتداء الغاية وانتهائها، وحيث كانا بمعنى «في» فهما للحال أي الزمان الذي هو حال، ولا شك أنهما في نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس بمعنى «من» فهما في مثله لابتداء الغاية، وأنهما في نحو: ما رأيته مذ ثلاثة أيام بمعنى «من وإلى» معا، فهما لابتداء الغاية وانتهائها، وابن عصفور قد قال: إن كان الواقع بعدهما (٢) معدودا فهما للغاية، ولكن قولنا: لابتداء الغاية وانتهائها أولى من الاقتصار على ذكر الغاية، وأنهما في: ما رأيته مذ اليوم بمعنى «في» وابن عصفور قد قال: إن معناهما إذا دخلتا على الحال الغاية (٣) ولا يتحقق ذلك؛ لأن الغاية إنما تكون فيما له ابتداء، وزمان الحال حاضر بجملته، فلا يعقل معه لنفي الرؤية ابتداء وانتهاء، ولأن انتهاء الغاية إنما يقصد حيث يمكن أن يتحلل بين الابتداء والانتهاء وقوع ذلك المعنى المنفي مثلا، والزمان إذا فرض حالا كان ذلك المعنى المذكور معه واقعا فيه لا يتصور وقوعه في غيره [٢/ ٤٣٩] وعلى هذا تعبير المصنف عن ذلك بمعنى «في»، وعدوله عن قولهم: إن معنى الحرف الغاية أسدّ. بقي أن يقال: الظاهر من كلام المصنف حيث قال: (وقد يجران الوقت بمعنى من أو في) إلى آخره - أنهما إنما يكونان بمعنى ما أشار إليه من الحروف المذكورة إذا انجرّ ما بعدهما أي حيث يكونان حرفين، وظاهر كلام ابن عصفور والشيخ أنهما -

стр. 1937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكونان بمعنى الحروف المذكورة سواء أكانا حرفين أم اسمين، وإذا حقق النظر ظهر أنه يحتاج إلى تفسيرهما بأحد الحروف المذكورة إذا كانا حرفين، أما إذا كانا اسمين ورفع ما بعدهما فقد عرفت أن الجماعة يقولون: إنهما إما أن يكونا لابتداء الغاية كما في نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس، فيقدرونهما حينئذ بأول، وإما أن يكونا للغاية كما في نحو: ما رأيته مذ أربعة أيام فيقدرونهما حينئذ بأمد (١)، وإذا كان كذلك فابتداء الغاية إنما يستفاد من أول، وانتهاؤها إنما يستفاد من أمد، وأما المصنف فقد عرفت أن اختياره إذا رفع ما بعد هاتين الكلمتين تقدير رافع، ليصير الواقع بعدهما جملة، فما كان معنى مذ ومنذ من الظرفية حال الإتيان بجزأي الجملة بعدهما لفظا كان معناهما حين يذكر المرفوع، ويحذف رافعه. وبهذا الذي قلناه يتبين أن ما فعله المصنف من أنه قصر تفسيرهما بالحروف المذكورة على حالة الجر بهما أولى من إطلاق غيره الكلام في ذلك، فإن قيل: إذا كان المصنف حال رفع الاسم الواقع بعدهما لا يقدرهما بأول ولا بأمد، والغرض أنه لا يجعلهما بمعنى ما ذكره من الحروف إلا إذا جرا ما بعدهما، فمن أين يستفاد كونهما لابتداء الغاية في صورة وللغاية في صورة؟ فالجواب أن يقال: معنى الغاية أن العمل يتحتم كونه في جميع المدة، ومعنى ابتداء الغاية أن لا يتحتم ذلك، ولا شك أنهما إنما يكونان للغاية إذا كان اسم الزمان الذي بعدهما معدود، وإنما يكونان لابتداء الغاية إذا كان اسم الزمان بعدهما مختصّا غير معدود، وإذا كان كذلك فالمصنف قد أفاد ذلك بقوله في أوائل هذا الباب: إن مظروف ما يكون جوابا لكم واقع في جميعه، وإن مظروف ما يكون جوابا لمتى إذا لم يكن اسم شهر غير مضاف إليه شهر جائز أن يكون العمل في جميعه أو بعضه. وإذ قد عرف هذا فلنذكر أبحاثا: - الأول: قد عرفت أنهم ذكروا أن «مذ» أصلها «منذ» وتقدم استدلال المصنف على ذلك، لكن ذهب بعضهم (٢) إلى أن كلّا منهما أصل، قال: لأن الحذف -

стр. 1938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تصريف، والتصريف لا يكون في الحروف ولا في الأسماء غير المتمكنة. ورد الشلوبين ذلك بأن الحذف قد جاء في الحروف؛ فقد خففوا إنّ وأنّ وكأنّ [٢/ ٤٤٠] قال: وقد جعل سيبويه على من العلو (١)، فقال الشيخ: والعجب لهم أنهم يجعلون «مذ» فرعا من «منذ»، وأن الغالب على مذ الاسمية وعلى «منذ» الحرفية، ويستدلون على ذلك بأن الحذف في الأسماء أكثر منه في الحروف؛ لأنه تصرف، والتصرف بابه أن يكون في الأسماء، وكون «مذ» محذوفة من «منذ» يقتضي أن يكون «منذ» اسما؛ لأنها هي، ومحال أن يكون الشيء حرفا فإذا أخذ منه شيء صار اسما؛ لأن الحذف من الشيء لا يغير الماهية، ألا تراهم حين حذفوا من «حر» الحاء وهو اسم بقي اسما، وكذا «رب» هي بعد الحذف حرف أيضا كما كانت قبله، وكذا «يعد» لما حذفوا منه الواو باق على الفعلية، قال: فالذي ينبغي أن يقال: إن «مذ» إذا استعملت اسما مرفوعا ما بعدها فهي محذوفة من «منذ» الاسمية أيضا، لكن جاء الرفع بعدها أكثر مما جاء بعد منذ، وقد يغلب على الفروع حكم يقل في الأصول (٢). انتهى، وهو كلام حسن. الثاني: قد تقدم من كلام المصنف أن «مذ ومنذ» إذا وليهما جملة تامة كانا ظرفين لها وأنهما مضافان إلى الجملة، وتقدم أن ذلك مذهب السيرافي ورأي ابن خروف، وأنه مذهب سيبويه، وأشعر كلامه بأن في المسألة خلافا؛ لأنه قال بعد ما تقدم من كلام سيبويه: فمن زعم خلاف ذلك فقد خالف سيبويه بما لا دليل عليه، والمخالف في ذلك أبو الحسن، فإنه ذهب إلى أنهما إذا وليهما الجملة لفظا لا يكونان إلا مرفوعين على الابتداء، ولا بد من تقدير اسم زمان محذوف يكون خبرا عنهما؛ لأنهما لا يدخلان عنده إلا على أسماء الزمان ملفوظا بها أو مقدرة (٣)، وقد اختار ابن عصفور هذا المذهب، فإنه قال: مذ ومنذ لا يدخلان إلا على الزمان، فإن دخلتا على جملة فعلى حذف اسم الزمان، فإذا قلت: ما رأيته مذ زيد قائم، -

стр. 1939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالتقدير: ما رأيته مذ زمن زيد قائم (١)، انتهى. ولا شك أن هذا مصادمة لقول سيبويه: ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولهم: ما رأيته مذ كان عندي ومذ جاءني (٢)، وقد شرح الفارسي كلام سيبويه فقال: مذ فيمن رفع بهما بمنزلة «إذ» و «حيث» ووجه الجمع بينهما أنه إذا رفع بها تصير اسما من أسماء الزمان كقولك: مذ يومان، وخبر المبتدأ لا يكون إلا المبتدأ في المعنى. فإذا كان كذلك علمت أن «مذ» إذا رفعت اسم (٣)، وإذا جعل اسما من أسماء الزمان جاز إضافته إلى الجملة كما جاز إضافة «إذا» إليها، وذلك نحو قولهم: لم أره مذ كان كذا ومذ خرج زيد، ألا ترى أن «مذ» المتصلة بالفعل لا تخلو من أن تكون اسما أو حرفا، فلا يجوز أن تكون حرف جر؛ لأن حروف الجر لا تدخل على الأفعال، فإذا لم يجز أن تكون حرف جر ثبت أنها اسم، وأنه أضيف إلى الفعل لما كان اسما من أسماء الزمان (٤) [٢/ ٤٤١]. الثالث: قد تقدمت الإشارة إلى حكم مذ ومنذ إذا وليتهما جملة، وكذا حكمهما إذا وليهما اسم مرفوع، وتقدم ذكر المذاهب في ذلك. والقصد الآن ذكر ذلك ملخصا كي يحصل ضبط ذلك المحصل، فيقال: مذ ومنذ إما أن يقع بعدهما جملة مصرح بها ففيهما مذهبان: قيل: ظرفان مضافان إلى الجملة وهو الأصح، وقيل: مبتدآن، وحينئذ لا بد من تقدير خبر، فيقدر زمان يضاف إلى الجملة يكون ذلك المقدر هو الخبر، وإما أن يقع بعدهما اسم مرفوع فالمذاهب فيهما أربعة: - قيل: مبتدآن، والمرفوع بعدهما الخبر، وقيل: ظرفان مخبر بهما عما بعدهما، فإذا قلت: ما رأيته مذ يومان فالتقدير: بيني وبين لقائه يومان، ومستند القائل بهذا القول أنهما إذا كانا خبرين لم يخرجا عن الظرفية بخلاف ما إذا كانا مبتدأين، وقيل: إن المرفوع خبر مبتدأ محذوف، قال بعض الكوفيين: ولا يخفى ضعفه، وقيل: إنه مرفوع بفعل مقدر، فالذي بعد «مذ» و «منذ» حينئذ جملة (٥)، وقد -

стр. 1940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عرفت حكمهما قبل الجملة التامة ما هو، ومن القائلين بالمذهب الأول ابن السراج والفارسي (١)، وأما المذهب الثاني فهو لبعض الكوفيين، والمذهب الثالث مذهب طائفة من البصريين منهم الزجاج ونسب إلى الأخفش. وأما المذهب الرابع فهو مذهب الكوفيين (٢)، وقد عرفت أنه مختار المصنف، وتقدم توجيهه، وقد ضعف هذا المذهب بشيء وهو: قول العرب: ما رأيته مذ أن الله خلقه، فإنه روي بالفتح والكسر (٣)، قلت: وسيأتي الكلام في هذه المسألة، وفي شرح الشيخ: قال بعض أصحابنا: والصحيح مذهب الفارسي وابن السراج من وجهين: - أحدهما: أنهما مفردان لم يعطف عليهما غيرهما، كما أن الأمد وأول الوقت كذلك، فكان الحكم لهما بحكم ما يساويهما في الإفراد أولى، وليس كذلك بيني وبين لقائه؛ لأنهما اسمان منصوبان على الظرفية معطوف أحدهما على الآخر. الوجه الثاني: تقديرهما ببين في بعض الصور لا يتصور، وذلك إذا قلت مثلا يوم الأحد: ما رأيت زيدا مذ يوم الجمعة؛ فليس بينك وبين لقائه يوم الجمعة (٤)، بل قدر من الزمان أوله يوم الجمعة وآخره الوقت الذي أنت فيه، ولا يقدر بيني وبين لقائه يوم الجمعة وما بعده إلى الآن؛ لأن فيه حذف حرف العطف والمعطوف وهو قليل، وأيضا فلم يصرحوا بهذا المعطوف المقدر في موضع ما؛ فدل على عدم إرادته (٥). انتهى. ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال، ولا سيما ضعف الوجه الأول، ثم على تقدير صحة الوجهين المذكورين. إنما يلزم من ذلك بطلان قول من يجعلهما - أعني «مذ ومنذ» - خبرين، أما من يجعلهما ظرفين، وقد حذف رافع ذلك الاسم، فيكون -

стр. 1941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما بعدهما جملة، فكيف يبطل مذهبه بهذا [٢/ ٤٤٢] الاستدلال، والمستدل قد قال: والصحيح مذهب الفارسي وابن السراج، فدل على أن مذهبهما أصح المذاهب في المسألة، وقد يتبين أن الأمر ليس كذلك، ثم قال الشيخ: وعلى هذا المذهب - يعني به مذهب الفارسي وابن السراج - الكلام جملتان، قال: فإذا قلنا: إنه جملتان، فاختلفوا في الجملة من «مذ» أو «منذ» وما بعدها من المرفوع، فذهب الجمهور إلى أنها لا موضع لها من الإعراب، وذلك لأنها خرجت مخرج الجواب، كأنه قيل له: ما أمد ذلك؟ فقال: أمد ذلك يومان، وذهب السيرافي إلى أن لها موضعا من الإعراب وهي في موضع الحال، كأنه قال: ما رأيته متقدما، ولا يخفى ضعف هذا القول، ثم مما يبطل كون الجملة حالا أن الجملة الحالية لا بد فيها من رابط يعود على ذي الحال أو واو الحال، والجملة المذكورة خالية من ذلك (١). وإما أن يقع بعد «مذ» و «منذ» اسم مجرور، فيحكم بحرفيتهما حينئذ، وتقديرهما إما «بمن» أو «بمن وإلى» أو «بفي». وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى، وقد تقدم أن بعضهم لا يثبت حرفيتهما، بل يدعي بقاءهما على الاسمية مع انجرار ما بعدهما مستدلّا على ذلك بأنه قد ثبت اسميتهما، فلا تخرجهما عنهما ما أمكن بقاؤهما عليها، قال: وقد أمكن ذلك بأن يجعلا ظرفين في موضع نصب بالفعل قبلهما، ورد هذا القول بأن الظرف إذا نفي عنه الفعل لم يقع الفعل في جزء منه، تقول: ما رأيته يوم الجمعة، فالرؤية منتفية في جميع أجزاء اليوم، وإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة أمكن أن يكون رأيته في بعضه ثم انقطعت الرؤية أو لم تره، وأيضا فالظرف إذا نفي عنه الفعل لم ينتف إلا عنه خاصة، فإذا قلت: ما رأيته يوم الجمعة انتفت الرؤية عن يوم الجمعة خاصة، وأمكن إن رأيته قبل إخبارك إلى آخر انقضاء يوم الجمعة، ومنذ ليست كذلك، فإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة إلى زمن إخبارك، والذي يدل على حرفيتهما إيصالهما الفعل إلى كم، كما يوصل حرف الجرّ نحو قولك: منذ كم سرت كما تقول: بمن تمرّ، ولو كانا منصوبين على الظرف لجاز أن يستغني الفعل الواقع بعدهما عن العمل فيهما بإعماله في ضمير عائد عليهما، فكنت تقول: منذ كم سرت فيه أو سرته إن اتسعت في الضمير كما تقول: يوم الجمعة -

стр. 1942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قمت فيه أو قمته، وامتناع العرب من التكلم بذلك دليل على أنهما حرفا جر (١). البحث الرابع: قد تقدم من كلام المصنف أن المصدر المعين الزمان يعامل بعد «مذ ومنذ» معاملة الزمان في الرفع والجر، وتقدم تمثيل ذلك، وذكر أن الأصل في: مذ قدوم زيد، مذ زمن قدوم زيد، وتقدم أن «أنّ وصلتها» [٢/ ٤٤٣] تقع بعدهما، فيحكم لموضعهما بما حكم به للفظ المصدر؛ لأنها مؤولة بمصدر، واحترز المصنف بمعين الزمان من مبهمه نحو: ما رأيته مذ قدوم أو مذ قدوم رجل. وعرف من هذا أن أنّ مع صلتها يجوز الحكم عليها بالجر وبالرفع، كما كان الأمر مع المصدر الصريح، وكذا يقدر المضاف معها أيضا كما قدر مع المصدر، واعلم أن الشيخ لما ذكر المصنف فيما إذا ولي «مذ» فيه اسم مرفوع أنه يقدر لذلك الاسم رافعا، لتكون «مذ» مضافة إلى جملة حذف أحد جزأيها إلى آخره، وذكر أن ذلك مذهب الكوفيين، قال: وقد رد هذا المذهب بأن العرب تقول: ما رأيته مذ أن الله خلقه بالفتح والكسر ولو كان كما زعموا لم يجز إلا فتح «أن»؛ لأن الموضع الذي ينفرد بالاسم أو بالفعل تفتح فيه «أنّ» ليس إلا، وهذا قد انفرد بالفعل، فكان يجب التزام فتحها، وهم قد كسروها فيه (٢). انتهى. والجواب عن هذا الذي ذكره أن يقال: لا شك أن فتح «أنّ» في هذا المثال هو المتفق عليه، وأما الكسر فالذي صرح بإجازته الأخفش، وغيره ساكت عن ذلك كسيبويه وابن السراج كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب «إنّ» (٣) وهذا يدل على مرجوحية الكسر، ولا يلزم من إجازة الأخفش لذلك أن يكون مسموعا، فقد تكون إجازته له بطريق النظر، ثم إنّ المعروف من مذهب الأخفش أنه يقدر بعد مذ ومنذ اسم زمان مضافا إلى الجملة التي تذكر بعدهما وإذا كان يقدر مضافا فلا أعرف كيف يتوجه له القول بالكسر، ثم على تقدير تسليم صحة الكسر للمصنف -

стр. 1943

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن نجيب عنه بأن نقول: القاعدة المقررة أن كل موضع يصح تقدير المصدر فيه وتقدير الجملة، وتقع فيه «إنّ» فإنه يجوز فيها الفتح والكسر، ولا شك أن المثال المذكور وهو مذ أن الله خلقه يجوز أن يكون التقدير فيه: مذ خلق الله إياه، وأن يكون: مذ هو مخلوق، وإذا كان الكسر إنما يجوز بهذا الاعتبار فكيف يلزم من القول بجوازه إبطال أن يكون الاسم المرفوع الواقع بعد «مذ أو منذ» مرفوعا بعامل مقدر، فإن المصنف يقول: إذا فتحت «أن» فتقدير العامل أعني الواقع لا شك فيه، وإذا كسرت كانت الجملة بتمامها واقعة بعد «مذ» واستحقت «إنّ» الكسر لذلك، فما وجه فتح «أن» على هذا التقدير؟. ثم اعلم أن ابن عصفور ذكر أحكاما تتعلق بهاتين الكلمتين أعني «مذ ومنذ»، فمنها: أن الفعل الواقع قبلهما إن كان منفيّا فلا تفصيل فيه، بل كل نفي جائز أن يقع قبلهما، وقد مرت أمثلة ذلك، وإن كان الفعل الواقع قبلهما موجبا فلا بد أن يكون ذلك الفعل متطاولا ممتدّا، وإلا لم يجز فتقول: مررت مذ يوم الجمعة، ولا تقول: قتلت عمرا منذ يوم الجمعة؛ لأن السير يمتد والقتل لا [٢/ ٤٤٤] يمتد، وكذا الحكم فيما هو للحال، لا يجوز قتلت زيدا منذ يومنا؛ لأن معناه: في يومنا، والقتل لا يمتد في اليوم أجمع، وإنما يكون في جزء منه، ولا شك أنهما يقدران مع زمن الحال بفي، قال: فتقول: ما رأيته في يومنا، فهو لم يره في جزء من اليوم، وإذا قلت: سرت مذ يومنا، فالسير في جملة اليوم بخلاف قولك: سرت في اليوم، فهي مع المنفي توافق سائر الظروف في أن الفعل لم يقع في جزء من اليوم، ومع الموجب تخالف، لأنك إذا قلت: سرت اليوم أمكن أن يكون السير في بعض اليوم بخلاف «مذ»؛ لأنه لا يكون السير الموجب إلا في جميع اليوم (١). ومنها: أن الواقع بعدهما إذا كان معدودا فإن العرب تختلف فيه، فمنهم من لا يعتد بالناقص أصلا، وإنما يعتد بالكامل، فإذا قال: ما رأيته مذ ثلاثة أيام فلا بد أن تكون الثلاثة بجملتها لم يره فيها، ومنهم من يعتد بالناقص الأول، فإذا رأى شخصا ظهر يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر يوم الاثنين قال: ما رأيته مذ ثلاثة أيام، ولا يعتد بالناقص الثاني. -

стр. 1944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنهم من يعتد في هذه المسألة بالناقص الثاني ولا يعتد بالأول، فيكون اللفظ واحدا. ومنهم من يعتد بالناقص الأول والثاني فيقول في هذه المسألة: ما رأيته مذ أربعة أيام. والأقيس الأول؛ لأن تسمية الناقص يوما مجاز، ومن يعتد بالناقص لا يفعل ذلك إلا إذا كان ثم يوم كامل؛ فإن لم يكن ثم يوم كامل لم يجز، لأن الكلام كله مجاز، فلو رأيت شخصا ظهر يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر السبت لم يجز في هذا أن يقال: ما رأيته منذ يومان ولا مذ يوم، لأنه ليس معك يوم كامل، فإنما يكون المجاز إذا اختلط بالحقيقة (١). ومنها: أنك إذا عطفت على مدخولهما، فإما أن تعطف حالا على حال أو ماضيا على ماض، أو حالا على ماض، أو ماضيا على حال، فعطف الحال على الحال جائز نحو: ما رأيته مذ يومنا وليلتنا ومذ شهرنا وعامنا، ويكون في بعض هذه المسائل ما في قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٢)، وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ (٣) من تكرار ما يدخل تحت عموم ما قبله. وإن عطفت ماضيا على ماض لم يجز، قدمت المتقدم في الزمان أو أخرته فلا يجوز ما رأيته مذ يوم الخميس ويوم الجمعة؛ لأن قولك: مذ يوم الخميس يقتضي أنك لم تره في يوم الجمعة، وقولك: ويوم الجمعة يقتضي أنك رأيته في أوله؛ لأن «مذ» إذا دخلت على الماضي المعرفة كانت لابتداء الغاية، فالفعل واقع في أول ذلك الزمان، ثم يتصل انقطاعه، فكان عطف الماضي على الماضي مؤديا إلى التناقض فلم يجز. وكذلك لو قدمت يوم الجمعة فقلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة ويوم الخميس لم يجز؛ لأن يوم الخميس يقتضي أنك رأيته في أوله، ثم انقطعت الرؤية فيما بعد، وقولك: يوم الجمعة تقتضي أنك رأيته في أوله، وذلك تناقض، فإن قيل: هل يجوز النصب على إضمار فعل، فالجواب أن تقول [٢/ ٤٤٥]: إن بدأت بالمتأخر جاز فقلت: ما رأيته مذ يوم الخميس ويوم الأربعاء، لأن الرؤية انقطعت عما بعد يوم الخميس، ثم أخبرت أنك لم تره يوم الأربعاء، ولو عكست فبدأت بالمتقدم لم يجز وكان عيّا، لأنك إذا قلت: -

стр. 1945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما رأيته مذ يوم الخميس، ويوم الجمعة اقتضى أنك لم تره في يوم الجمعة، فلا فائدة في قولك بعد ويوم الجمعة، وإن عطفت ماضيا على حال لم يجز، فلا تقول: ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة ولا عكسه؛ لأن «مذ» إذا دخلت على الحال كانت بمعنى «في»، وإذا دخلت على الماضي كانت بمعنى «من» فهما مختلفان، وإذا اختلفا امتنع العطف، فإن قيل: فهل يجوز النصب على إضمار فعل؟ فالجواب أن يقول: إن تقدم الحال جاز، وإن تقدم الماضي لم يجز، ألا ترى أنه سائغ أن تقول: ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة على تقدير: وما رأيته يوم الجمعة، ولا يسوغ أن تقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة ويومنا؛ لأن قولك: يوم الجمعة يقتضي أنك رأيته في أوله وانقطعت الرؤية إلى زمن الإخبار، فلا فائدة في قولك: ويومنا إلا أن يكون من باب قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (١). ومنها: أنهما لا يدخلان إلا على الزمان كما تقدم ذكر ذلك، فإن دخلا على غيره فمؤول، ولا يدخلان منه إلا على المعدود أو معرفة، فلا يجوز: ما رأيته مذ حين، ولا مذ زمان، ولا مذ وقت، بخلاف مذ الليلة ومذ اليوم، ولا يجوز مذ الليل ولا مذ النهار؛ لأنّ النهار عبارة عن الضياء والليل عبارة عن الظلام، وذلك لا يحصل شيئا، فإن قيل: ألم يجز سيبويه: سرت الليل تريد ليل ليلك، والنهار تريد نهار نهارك؟ (٢) فهلا أجزتم مذ الليل ومذ النهار على هذا المعنى؟ فالجواب: أن ذلك لا يتصرف و «مذ» توجب التصرف لما تدخل عليه، لأنها ترفعه أو تجره (٣). ومنها: أنهما لا يجران الصباح والمساء إلا قليلا؛ لأن الصباح والمساء اسما مصدر، والأصل الإصباح والإمساء، وهاتان الكلمتان إنما يدخلان على الزمان، والصباح والمساء وإن استعملا في الزمان ليس ذلك لهما بطريق الأصالة فلذلك لا تدخل عليهما مذ ومنذ في الغالب، نعم إذا استعملا مرادا بهما الزمان جاز دخول «مذ ومنذ» حينئذ، هذا معنى كلامه (٤)، ومن هنا نشأ بحث وهو أنك إذا قلت: ما رأيته مذ أن الله خلقني، فإن الفارسي يقدر زمانا محذوفا؛ لأن (أن) ليست -

стр. 1946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زمانا (١)، ومن الناس من لم يقدر ذلك، وجعل «أن» مع صلتها مصدرا يراد به الزمان بمنزلة خفوق النجم ومقدم الحاج، فقال ابن عصفور: القول الأول أحب إليّ؛ لأنهم لا يقولون: مذ الصباح إلا قليلا، فالأولى أن لا يجروا بها «أنّ» التي تتقدر بالمصدر (٢)، ثم يكون ذلك المصدر زمانا. انتهى. ولا يخفى ضعف هذا الذي ذكره؛ لأن نيابة المصادر عن ظروف الزمان قد ثبتت كثيرا في كلام العرب، ولا فرق بين المصدر المؤول [٢/ ٤٤٦] والمصدر الصريح في ذلك. ومنها: أنهما إذا وقع بعدهما الزمان ووقع بعد الزمان فعل، وجب أن يكون ذلك الفعل ماضيا، فلا يقال: ما رأيته مذ زمن يقوم أمس، ولا ما رأيته مذ زمن يقول غدا، أما الأول فلتنافر ما بين يقوم وأمس، وأما الثاني فلأن معنى الكلام على المضي، ولا يقع المضارع موقع الماضي إلا في مواضع محفوظة، فإن جئت بالمضارع غير معمل في شيء جاز، ويكون على حكاية الحال نحو: ما رأيته مذ زمن يقوم، تريد مذ زمن كان فيه يقوم، أما إذا دخلتا على الفعل مباشرة، فلا بد أن تكون الصيغة ماضية فتقول: ما رأيته مذ قام، ولا يجوز مذ يقوم، قال: وعلة ذلك أن الفعل إذا وقع بعدهما فلا بد من تقدير زمن محذوف، فهو مجاز، فكرهوا أن يكون ثم مجازان حذف الزمان وحكاية الحال (٣). ومنها: أنك إذا أوقعت بعدهما الليالي فإن الأيام داخلة معها؛ فإذا قلت: ما رأيته مذ ليلتان كنت فاقدا له ليلتين ويومين، وهو قد انقطعت رؤيته مثلا في عشية يوم الجمعة ثم اتصل ذلك إلى عشية يوم الأحد؛ لأن العرب كنّت بالليالي عن الأيام ولم تفعل ذلك بالأيام، فإذا قلت: ما رأيته مذ ثلاثة أيام، أمكن أن يكون انقطاع الرؤية في ليلتين، لأنها لم تكنّ عن الأيام إلا بالبياض (٤). انتهى. وقد تعرض الشيخ في شرحه إلى ذكر شيء آخر غير ما ذكره ابن عصفور، فتركت إيراده خشية الإطالة مع أنه لا يتعلق به كثير فائدة (٥)، وكذا تركت من -

стр. 1947

[أحكام الآن وبناؤه وإعرابه] قال ابن مالك: (ومنها الآن لوقت حضر جميعه أو بعضه، وظرفيته غالبة لا لازمة، وبني لتضمن معنى الإشارة، أو لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد، وقد يعرب على رأي، وليس منقولا من فعل خلافا للفرّاء). ــ كلام ابن عصفور بقية لهذا المعنى. قال ناظر الجيش: مسمى الآن الوقت الحاضر (١) جميعه كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه؛ كقوله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٢) وكقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ (٣) وكقول النبي ﷺ : «تصدّقوا فيوشك الرّجل أن يمشى بصدقته فيقول الّذي أعطيها: لو جئتني بالأمس لأخذتها، وأمّا الآن فلا حاجة لي بها» (٤)، ومثله قول علي رضي الله تعالى عنه: كان ذلك والإسلام قلّ، وأمّا الآن فقد اتّسع نطاق الإسلام فامرأ وما اختار (٥). ومثل قول الشاعر (٦): ١٥٥٦ - فلو أنّها إحدى يديّ وزئتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي فآليت لا آس على إثر هالك ... قدي الآن من وجد على هالك قدي (٧) ومثله قول عنترة: - -

стр. 1948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥٥٧ - فإني لست خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت أناها (١) وليست ظرفيته لازمة، بل وقوعه ظرفا أكثر من وقوعه غير ظرف، ومن وقوعه غير ظرف قول النبي ﷺ وقد سمع [٢/ ٤٤٧] وجبة: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النّار الآن حين انتهى إلى قعرها» (٢)، فإن الآن هنا في موضع رفع بالابتداء، وحين انتهى خبره، وهو مبني لإضافته إلى جملة مصدرة بفعل ماض. ومن وقوع «الآن» غير ظرف قول الشاعر: - ١٥٥٨ - أإلى الآن لا يبين ارعواؤك ... بعد المشيب عن ذا التّصابي (٣) وبني لتضمنه معنى الإشارة، فإن معنى قولك: افعل الآن، افعل في هذا الوقت (٤)، وجائز أن يقال: بني لشبهه بالحروف في ملازمة لفظ واحد، فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر، بخلاف حين ووقت وزمان ومدة، وقيل: بني لتضمن معنى حرف التعريف، والحرف الموجود غير معتد به (٥) وضعف هذا القول بيّن؛ لأن -

стр. 1949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تضمن اسم معنى حرف اختصار ينافي زيادة ما لا يعتد به، هذا مع كون المزيد غير المتضمن معناه، فكيف إذا كان إياه. وجعل الزمخشرى سبب بنائه وقوعه أول أحواله بالألف واللام (١)؛ لأن حق الاسم في أول أحواله التجرد منها، ثم يعرض تعريفه فيلحقانه كقولك: مررت برجل فأكرمني الرجل، فلما وقع الآن في أول أحواله بالألف واللام خالف الأسماء وأشبه الحروف، ولو كان هذا سبب بنائه لبني الجماء الغفير واللات ونحوهما مما وقع في أول أحواله بالألف واللام، ولو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره، وعدم اعتبار ذلك مجمع عليه، فوجب اطراح ما أفضى إليه، وزعم بعض النحويين أن بعض العرب يعرب الآن، واحتج على ذلك بقول الشاعر: - ١٥٥٩ - كأنّهما ملآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر (٢) أراد: من الآن، فحذف نون من لالتقاء الساكنين، كقول الشاعر: - ١٥٦٠ - ليس بين الحي والميت نشب ... إنّما للحي ملميت النّصب (٣) وكسر نون «الآن» لدخول «من» عليها، فعلم أن «الآن» عند هذا الشاعر معرب، قلت: وفي الاستدلال بهذا ضعف لاحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء «الآن» لغتان الفتح والكسر كما في «شتّان» إلا أن الفتح أكثر وأشهر، وزعم الفراء أن «الآن» منقول من آن بمعنى «حان» ثم استصحب فيه الفتحة التي كانت فيه إذا كان فعلا (٤)، وجعله نظير قولهم: من شبّ إلى دبّ، -

стр. 1950

[أحكام قط وعوض] قال ابن مالك: (ومنها قطّ للوقت الماضي عموما، ويقابله عوض، ويختصّان بالنّفي، وربّما استعمل «قطّ» دونه لفظا ومعنى أو لفظا لا معنى، وقد ترد «عوض» للمضيّ، وقد يضاف إلى العائضين أو يضاف إليه فيعرب، ويقال: قطّ وقطّ وقط وقط وعوض وعوض). ــ ونظير قوله ﵊: «أنهاكم عن قيل وقال» (١) ولو كان الآن مثل هذه لم يدخل عليه الألف واللام كما لا يدخلان عليها ولاشتهر فيه الإعراب والبناء كما اشتهرا فيها، فإنه يقال فيه: من شبّ إلى دبّ وعن قيل وقال كما قال: من شبّ إلى دبّ، وعن قيل وقال. هذا كلام المصنف (٢). وذكروا أن ألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه: الأوان، وقيل: هي عن ياء؛ لأن الكلمة من أن يئين إذا قرب (٣)، وفي ذلك نظر لأنّ هذه الكلمة مبنية، فلا مدخل للتصرف فيها. وقد علم من قواعد التصريف أن الألف في [٢/ ٤٤٨] الحروف والكلمات المبنية محكوم لها بالأصالة. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): إذا قصد عموم وقت الفعل الماضي المنفي جيء مع نفي الفعل بعوض أو عوض أو عوض، قال الشاعر: - ١٥٦١ - يرضى الخليط ويرضى الجار منزله ... ولا يرى عوض صلدا يرصد العللا (٥) وقد يضاف أو يضاف إليه فيعرب بإضافته كقولهم: لا أفعل ذلك عوض العائضين أي دهر الداهرين، والإضافة إليه كقول الشاعر (٦): - -

стр. 1951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥٦٢ - ولولا نبل عوض في ... حظبّاي وأوصالي (١) وقد تقع عوض موقع قط كقول الشاعر: - ١٥٦٣ - فلم أر عاما عوض أكثر هالكا ... ووجه غلام يشترى وغلامه (٢) وقد تقع «قط» موقع فعل غير منفي لفظا ولا معنى كقول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: «قصرنا الصّلاة في السّفر مع النّبي ﷺ أكثر ما كنّا قطّ وآمنة» (٣). وقد يخلو من النفي لفظا لا معنى وذلك كما في الحديث أن أبيّا (٤) قال: كائن تقرأ سورة الأحزاب، فقال عبد الله: ثلاثا وسبعين، فقال: قطّ (٥)، أي ما كانت كذا قط، وبني قط لتضمن معنى «في» و «من» الاستغراقية على سبيل اللزوم أو لشبه الحرف في الافتقار إلى جملة وعدم الصلاحية لأن يضاف أو يضاف إليه أو يسند أو يسند إليه، وبني في التضعيف على حركة لئلا يلتقي ساكنان، وكانت ضمة حملا على «قبل» المنوي الإضافة، أو لأنه لو فتح لتوهم النصب بمقتضى الظرفية، ولو كسر لتوهم الجر «بمن» المضمن معناها (٦)، وكان يعتذر عن زوال التنوين -

стр. 1952

[أحكام أمس من بنائه وإعرابه] قال ابن مالك: (ومنها أمس مبنيّا على الكسر بلا استثناء عند الحجازيّين وباستثناء المرفوع ممنوع الصّرف عند التّميميين، ومنهم من يجعل كالمرفوع غيره، وليس بناؤه على الفتح لغة خلافا للزّجاجيّ، فإن نكّر أو أضيف أو قارن الألف واللّام أعرب باتفاق، وربما بني المقارن لهما). ــ بكثرة الاستعمال، ومن بناه على الكسر راعى أصل التقاء الساكنين ولم يلتفت إلى توهم الجر؛ لأن الكسرة لا تكون علامة جر إلا مع تنوين أو إضافة أو ألف ولام، ولا واحد منها في «قط» فلا إيهام، ومن قال «قط» بالضم والتخفيف فمخفف ناو للتضعيف، فلذلك استصحب ما كان معه من الحركة، ومن قال: قط بالتسكين خفف ولم ينو التضعيف فعامله معاملة «منذ» إذ قيل فيه «مذ» (١). وبني «عوض» لأنه مثل قط فيما نسب إليه مما سوى الصلاحية لأن يضاف ويضاف إليه، وبني على حركة لئلا يلتقي ساكنان، ومن ضمّ فحملا على «بعد» أو لتحرك آخره بحركة تجانس ما قبله، ومن فتح كره اجتماع مستثقلين الضمة والواو، ومن كسر راعى أصل التقاء الساكنين، وأعرب حين يضاف أو يضاف إليه؛ لأنه عومل بما لم يعامل [٢/ ٤٤٩] مقابله مما هو خاص بالأسماء (٢) فاستحق مزية عليه (٣). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): إذا قصد «بأمس» اليوم الذي وليه اليوم الذي أنت فيه بناه الحجازيون في موضع الرفع والنصب والجر على الكسر لتضمنه معنى الألف واللام، ولشبهه بضمير الغائب في التعريف بغير أداة ظاهرة، وكون حضور مسماه مانعا من إطلاق لفظه عليه، ولشبهه «بغاق وحوب» في الانفراد بمادة مع التوافق في الوزن، ووافق فيه الحجازيون أكثر التميميين في موضعي النصب والجر، وأعربوه في موضع الرفع غير منصرف للتعريف والعدل عن الألف واللام -

стр. 1953

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيقولون: مضى أمس بما فيه، وكان ذلك أمس وأول من أمس، فيتفقون في موضعي النصب والجر ويختلفون في موضع الرفع (١). ومن لغة الحجازيين قول الشاعر (٢): - ١٥٦٤ - اليوم أعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس (٣) ومن لغة تميم قول الآخر: - ١٥٦٥ - اعتصم بالرّجاء إن عزّ بأس ... وتناس الّذي تضمّن أمس (٤) ومن بني تميم من يسوي المجرور والمنصوب بالمرفوع في الإعراب ومنع الصرف، وعليه قول الراجز: - ١٥٦٦ - لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السّعالي خمسا (٥) -

стр. 1954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وزعم أبو القاسم الزجاجي أن من العرب من يبني أمس على الفتح واستشهد بهذا الرجز (١)، ومدعاه غير صحيح، لامتناع الفتح في موضع الرفع، ولأن سيبويه استشهد بالرجز على أن الفتحة في «مذ أمسا» فتحة إعراب (٢) وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه، فقد غلط فيما ذهب إليه واستحق أن لا يعول عليه. وإذا نكر «أمس» أو أضيف أو قارن الألف واللام أعرب بلا خلاف لزوال سبب البناء، أعني تضمن معنى حرف التعريف، وشبه الضمير من الوجه المذكور (٣)، ومن العرب من يستصحب البناء مع مقارنة الألف واللام كقول الشاعر: - ١٥٦٧ - وإني وقفت اليوم والأمس قبله ... ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب (٤) فكسر السين وهو في موضع نصب، والوجه فيه أن يكون زاد الألف واللام لغير تعريف واستصحب تضمين معنى المعرفة واستدام البناء، أو تكون هي المعرفة وقد زال البناء لزوال التضمين ومشابهة ضمير الغائب، فتكون الكسرة كسرة إعراب على تقدير ياء حذفت، وبقي عملها كما حذفت «من» وبقي عملها في رواية من روى: - ١٥٦٨ - ألا رجل جزاه الله خيرا (٥) وكما حذفت «إلى» وبقي عملها في قول الآخر: - -

стр. 1955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٥٦٩ - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة ... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع (١) أراد: إلى كليب فحذف [٢/ ٤٥٠] وأبقى العمل. انتهى كلام المصنف (٢)، وعرف منه أنه لا فرق في «أمس» بين أن تستعمل ظرفا أو غير ظرف بالنسبة إلى ما حكاه من لغتي الحجازيين والتميميين، لكن كلام ابن عصفور يقتضي التفرقة بين الاستعمالين، فإن كان ظرفا كان مبنيّا على الكسر، وإن كان غير ظرف كان فيه اللغتان (٣)، وتبع الشيخ ابن عصفور في ذلك فلم يذكر فيه اللغتين إلا حال استعماله غير ظرف (٤)، ثم إن المصنف ذكر في شرح الكافية أن «أمس» إذا صغر أعرب باتفاق كما الحال فيه إذا نكر أو أضيف أو قارنته الألف واللام (٥) فاعترض الشيخ عليه بأن قال: قد خالف سيبويه فإنه نص على أن «أمس» لا يصغر (٦)، وأقول: كما اعترض الشيخ على المصنف في ذلك كان الواجب أن يعترض على ابن عصفور أيضا؛ فإنه حين استثنى المنكر والمضاف والمقارن للألف واللام استثنى المصغر أيضا، والمجموع كأموس، وآمس (٧)، والعذر للمصنف في ذكر المصغر أن جماعة من النحويين أجازوا تصغيره، وقد نقل الشيخ أنه مذهب المبرد (٨) فكان المصنف مشى في شرح الكافية على قول المجيز للتصغير، وأما في التسهيل فعول على مذهب سيبويه، فلهذا لم يتعرض إلى ذلك، وقد أطال الشيخ الكلام في سبب بناء «أمس» (٩) والتعرض إلى إيراد ذلك لا يجدي طائلا فتركته.

стр. 1956

[الصالح للظرفية المكانية من أسماء الأمكنة] قال ابن مالك: (الصّالح للظّرفيّة القياسيّة من أسماء الأمكنة ما دلّ على مقدّر أو مسمّى إضافي محض أو جار باطّراد مجرى ما هو كذلك، فإن جيء بغير ذلك لظرفيّة لازمة غالبا لفظ «في» أو ما في معناها، ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق من اسم الواقع فيه، فيلحق بالظروف، قياسا إن عمل فيه أصله أو مشارك في الفرعيّة، وسماعا إن دلّ على قرب أو بعد نحو: هو منّي منزلة الشّغاف ومناط الثّريّا). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): قد تقدم الإعلام بأن المسمى ظرفا في النحو هو ما استغنى فيه بمعنى «في» عن لفظها استغناء مطردا من اسم زمان أو مكان، وأن ذلك واقع في أسماء الزمان كلها مختصها ومبهمها، فلما استوفيت الكلام على أسماء الأزمنة أخذت في أسماء الأمكنة، وبيان ما يصلح فيها للظرفية القياسية وما لا يصلح، فبيّنت أن الصالح لها أربعة أنواع: - أحدها: ما دل على مقدار كميل وفرسخ وبريد (٢). والثاني: ما دل على مسمى إضافي محض أي على مسمى لا يعرف حقيقة بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وأمام ووراء ووجهة وجهة وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها، يعنون: خطين اكتنفا أنف الظبية (٣)، وكجنبي في قول الشاعر: - ١٥٧٠ - نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية ... جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل (٤) -

стр. 1957

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر (١) [٢/ ٤٥١]: ١٥٧١ - إذا ما نعشناه على الرّحل ينثني ... مساليه عنه من وراء ومقدم (٢) قال سيبويه: مسالاه عطفاه فصار كجنبي فطيمة (٣). والثالث: ما جرى باطراد مجرى ما هو كذلك، وذلك صفة المكان الغالبة نحو: قريبا منك وشرقيّ المسجد، قال الشاعر: - ١٥٧٢ - هبّت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصّفاة التي شرقيّ حورانا (٤) ومن الجاري مجرى ما هو كذلك مصادر قامت مقام مكان مضاف إليها تقديرا نحو قولهم: قرب الدار ووزن الجبل أي زنته أي مكان مسامته، والمراد هنا بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل ما كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه (٥). الرابع: ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد ومصلّى ومعتكف، ولا يعمل في هذا النوع إلا أصله كقولك: قعودي مقعد زيد، أو مشارك له في الفرعية كقولك: قعدت مقعد زيد، فلو قلت: اعتكفت مقعدك أو قعدت معتكفك لم يجز، لأن العامل ليس أصلا للمذكور كقعود بالنسبة إلى مقعد، ولا مشاركا له في الفرعية كاعتكفت بالنسبة إلى معتكف، ولذلك عد من -

стр. 1958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشواذ: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، ومناط الثريا ونحو ذلك؛ لأن العامل ليس أصلا للفعل ولا شريكا له في الرجوع إلى أصل واحد (١)، وأما الأول والثاني والثالث فظرفيتها غير مقيدة بعامل دون عامل، فيقال: سرت ميلا وعدوت فرسخا وسرت بريدا وجلست يمين الكعبة وأمام زيد وعند خالد ومع محمد وتلقاء بشر ونحو ذلك، ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف (٢)، ونحو قول الشاعر (٣): - ١٥٧٣ - وإنّ بني حرب كما قد علمتم ... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها (٤) على تقدير مكان موصوف مثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامها، وهذا تقدير لائق ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره ومغايرة لفظ باقية للفظ محذوفة بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص؛ فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، ولكون هذا النوع مقصورا على السماع، قال سيبويه: وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك ومتّكأ زيد ومربط الفرس لم يجز (٥) -

стр. 1959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإلى المسموع من هذا النوع أشرت بقولي: (وسماعا إن دل على قرب أو بعد نحو: هو مني بمنزلة الشغاف ومناط الثريا)، وقيدت الإضافي بمحض احترازا من الإضافي الذي يدل بنفسه على معنى لا يصلح لكل مكان نحو جوف وباطن وظاهر وداخل وخارج [٢/ ٤٥٢] فإن هذه وما أشبهها من أسماء المكان المختصة إذا قصد بشيء منها معنى الظرفية لازمة لفظ «في» أو ما في معناها (١) إلا أن يرد شيء بخلاف ذلك فيحفظ كقوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (٢)، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (٣) وكقول العرب: رجع فلان أدراجه أي في الطريق الذي جاء فيه، وهم درج السيول أي في مجاريها (٤)، قال الشاعر في المعنى الأول: - ١٥٧٤ - لماّ دعا الدّعوة الأولى فأسمعني ... أخذت برديّ واستمررت أدراجي (٥) وقال (٦) في المعنى الثاني: - ١٥٧٥ - أنصب للمنيّة تعتريهم ... رجالي أم هم درج السّيول (٧) فهذا مما حفظ في الاختبار ولا يقاس عليه، وأما قوله: ١٥٧٦ - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثّعلب (٨) -

стр. 1960

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: - ١٥٧٧ - فلأبغينّكم قنا وعوارضا ... ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد (١) وقوله: - ١٥٧٨ - قلن عسفان ثمّ رحن سراعا (٢) فمن الضروريات، وقنا وعوارض وعسفان أمكنة مختصة، وزعم قوم أن الطريق من الظروف القياسية؛ لأن لفظه صادق على كل مكان، فإن كل مكان صالح أن يجعل طريقا، ولذلك عبر عن القفر الذي يعسل فيه الثعلب بطريق، وهذا الاعتبار فاسد؛ لأن الطريق اسم لمكان مرور به وذهاب، ولا يطلق على المكان طريق لمجرد -

стр. 1961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صلاحيته أن يكون طريقا، لا يطلق عليه بيت لمجرد صلاحيته أن يكون بيتا؛ فالطريق إذا مكان مختص كما أن البيت مكان مختص، ومن قال: إن الطريق حقيق الظرفية القياسية ابن الطراوة، وزعم أنه يقال: ذهبت طريقي ومروا طرقاتكم (١)، قال أبو علي الشلوبين: والرد عليه تكذيبه، قلت: ويناسب قول ابن الطراوة في الطريق حكاية السيرافي عن بعض النحويين أنه قال: إنما قالت العرب: ذهبت الشأم، لأن الشأم بمعنى اليسار، فإنه يقال: شامه إذا قابل يساره، وأجاز هذا القائل أن يقال: ذهبت اليمن، لأن اليمن بمعنى اليمين، ولم يجز أن يقال: ذلك في عمان ومكة؛ لأنه ليس فيهما ذلك المعنى، ويلزم هذا أن يجيز ذلك في العالية؛ لأن فيها معنى فوق (٢). هذا معنى قول السيرافي، قلت: ولو كان قولهم: ذهبت الشام لكونه بمعنى يسار لكان غير ذهب أولى بذلك من ذهب، فكان يقال: أقمت الشام كما يقال: أقمت يسار الكعبة، ففي عدم معاملة غير «ذهب» بهذه المعاملة دلالة على أن باعثهم على ذلك إنما هو كثرة الاستعمال، ولذلك شبهه سيبويه بدخلت البيت (٣)، وقال الفراء: العرب تعدي ذهب وانطلق إلى جميع البلدان، فيقال: ذهبت الكوفة وانطلقت الغور (٤)، فعلى قول الفراء لا تختص ذهب بنصيب الشام بل ينتصب به كل بلد، وكذلك انطلق، ولا علة لذلك إلا كثرة الاستعمال كما فعل بدخل [٢/ ٤٥٣] مع جميع الأمكنة المختصة، وفي فعل هذا بانطلق دلالة واضحة على أن الأصل في هذه الأفعال الثلاثة التعدي بحرف جر، إذ لا يوجد الفعل متعد بنفسه (٥). هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنتبعه بأمور ننبه عليها: منها: أن النحاة مطبقون على أن اسم المكان لا ينصب منه على الظرف إلا ما كان مبهما (٦)، معتلين لذلك بأن أصل العوامل الفعل، ودلالته على الزمان أقوى -

стр. 1962

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من دلالته على المكان؛ لأنه يدل على الزمان بصيغة وبالتزام، ويدل على المكان بالتزام فقط. فلما كانت دلالة الفعل على الزمان قوية تعدى إلى المبهم من أسمائه والمختص، ولما كانت دلالته على المكان ضعيفة لم يتعد إلا إلى المبهم منها؛ لأن في الفعل دلالة عليه في الجملة، وذكروا أيضا تعليلا ألطف من هذا وهو أن الأفعال لها دلالة على الزمان المعين فتعدت إلى المعين وإلى غير المعين؛ لأن ما تعدى إلى الأخص تعدى إلى الأعم، وليس للأفعال دلالة على الأمكنة المعينة، وإنما تقتضي مكانا غير معين وهو المبهم، فتعدت إلى ما اقتضته خاصة (١). وإذا كان النحاة قد ذكروا أن الذي يتعدى إليه العوامل من ظروف المكان شيء واحد، فيقال: إن المصنف قد ذكر أن الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة أربعة أنواع، وهذا بظاهره يوهم أن كلامه لم يطابق كلام الجماعة، والجواب أن الذي ذكره إنما هي أنواع داخلة تحت جنس المبهم، وذلك أن الجنس لما تنوع قصد أن يميز نوعا عن نوع وما للإيضاح والبيان، فذكر أولا ما دل على مقدر كميل وفرسخ وبريد، ولا شك أن هذا مبهم كما سيأتي بيانه، وذكر ثانيا ما دل على مسمى إضافي محض، وفسر ذلك بأنه الذي لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وما شابههما مما ذكره، وإبهام هذا القسم أوضح من إبهام القسم الأول، وذكر رابعا ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد بشرط أن يكون العامل فيه أصله أو مشارك له في الفرعية، وأما الذي ذكره ثالث الأقسام وهو ما جرى باطراد مجرى ما ذكره قبله كما قال، وذلك كصفة المكان الغالبة نحو: هم قريبا منك وشرقي المسجد وقرب الدار فليس قسما مستقلّا إنما هو في الأصل صفة لمكان مبهم منصوب على الظرفية نصبا قياسيّا؛ فلما حذف الموصوف أقيم هو مقام موصوفه، فنصبه على الظرف ليس بحق الأصالة إنما هو بطريق النيابة عما يستحق ذلك، وإذا كان كذلك فالأقسام بالحقيقة ثلاثة لا أربعة، واعلم أن ابن عصفور جعل نحو قعد مني مقعد القابلة ونحوه مما هو مشتق من لفظ الفعل العامل فيه من الظروف المختصة، وقال: إن الفعل تعدى إليها لشبهها بالمصدر في أن الفعل يدل على أن كل واحد [٢/ ٤٥٤] منهما بلفظه، والإمام بدر الدين -

стр. 1963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولد المصنف جعل ذلك من قبيل الظروف المختصة أيضا واعتذر عن تعدي العامل إليه في قولك: قعدت مقعد زيد دون بقية الأمكنة المختصة بقوة دلالة العامل عليه حينئذ (١)، فوافق كلامه كلام ابن عصفور في الحكم والتعليل. والذي يظهر لي أن الأمر بخلاف ما قالاه، لأن نحو: مقعد زيد ومرقد عمرو ومعتكف خالد ومصلى فلان لا يعلم حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، وهذا شأن المبهم كما عرفت قبل من كلام المصنف، ويدل على ذلك قوله في الألفية: وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى بعد قوله: نحو الجهات والمقادير (٢) فإن ما صيغ معطوف على المجرور بقوله نحو، فالمعنى: ولا تقبل المكان إلا مبهما نحو الجهات والمقادير ونحو ما صيغ من الفعل؛ فكل هذا تفسير للمبهم، فإن قيل: إذا كان هذا القسم داخلا في المبهم فلأي شيء ذكره؟ فالجواب: أن ذكره له كذكره لغيره، ولأنه لما كان شرط صحة نصبه على الظرفية أن يعمل فيه ما شاركه في الحروف والمعنى احتاج أن ينص عليه ليذكر شرطه، وكلام ابن أبي الربيع يدل على ما قلته؛ فإنه قال: وأما المشتقات فلا يتعدى إليها إلا ما اشتقت منه؛ لأنها تدل عليها وتتنزل من أفعالها منزلة المبهم من جميع الأفعال، ألا ترى أنك إذا قلت: جلست فإنه يقتضي مجلسا يقع فيه كما يقتضي المبهم، فيتعدى إليه كما يتعدى إلى المبهم. ومنها: أن العادات اختلفت في تفسير المبهم من الأمكنة، فمن النحاة من لم يفسره بشيء، وإنما قال: المبهم الجهات الست (٣)، واحتاج القائل ذلك أن يقول: وحمل عليها - يعني على الجهات الست - عند ولدى وشبههما، لإبهامها (٤). ومنهم من فسره بأن قال: المبهم ما ليس له نهاية معروفة ولا حدود محصورة -

стр. 1964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سواء أكان مضافا نحو: أمامك وخلفك ووراءك وفوقك وتحتك، أو نكرة غير معدود نحو يمين وشمال وناحية من الدار (١)، ومنهم من قال: المبهم ما له اسم (٢) باعتبار ما ليس داخلا في مسماه، والمؤقت منه ما له اسمية باعتبار ما هو داخل في مسماه، فالدار مؤقتة لأن لها اسمها من جهة ما هو داخل في مسماها من البنيان والسقف وغيره، والفرسخ مبهم؛ لأن له اسما باعتبار قياس غير داخل في مسماه (٣) وهو حسن، ويظهر لي أن قول المصنف في القسم الثاني أنه ما دل على مسمى إضافي محض يكون كافيا في تفسير المبهم؛ لأنه فسر ذلك بما لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه، وهذا هو معنى قول غيره: المبهم كل مكان له اسمه بأمر لا يدخل في مسماه. ومنها: أن ابن عصفور ذكر في شرحه للإيضاح أن الشلوبين ذهب إلى أن ما دل على مقدر كميل وفرسخ ليس مبهما، قال: لأن المبهم لا يكون له نهاية معروفة ولا حدود محصورة (٤)، ثم ذكر أن الصحيح خلاف ذلك (٥)، قلت: وهذا هو الحق، لأن نحو ميل وفرسخ وبريد وإن دل على مقدر [٢/ ٤٥٥] محدود، ذي نهاية معروفة مجهول العين، بخلاف الدار والمسجد وأشباههما من الظروف المحضة؛ فإنها معلومة العين مع العلم بحدودها وبدئها ونهايتها، واعلم أن سيبويه قال: ويتعدى إلى ما كان وقتا في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتا في الأزمنة؛ لأنه وقت يقع في المكان لا يختص به مكان واحد، كما أن ذلك وقت في الأزمان -

стр. 1965

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يختص به زمن بعينه، ثم قال: وذلك قولك: ذهبت فرسخين وسرت ميلين كما تقول: ذهبت الشهرين وسرت الميلين (١). انتهى. قال الشراح (٢): فمن حيث التوقيت ظاهره أنه مختص، ومن حيث قوله: لا يختص به مكان ظاهره الإبهام (٣)، فمن ثم قال الشيخ: والصحيح أنه شبه بالمبهم، ولذلك وصل إليه الفعل بنفسه (٤)، ثم ذكر الشيخ عن السهيلي أنه يرى أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف، وعلل ذلك بأن الميل ليس بظرف؛ لأنه ليس كالجهات الست المضافة، لأن الجهة لا معنى لها إلا بإضافتها إلى من هي له، والميل لا يضاف والظرف مقدر بفي، وقد يصرح بها والميل لا يقدر، ولو قدر بها لجاز إظهارها، وأطال الكلام في ذلك وجنح الشيخ إلى هذا الرأي (٥)، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال الذي أشار إليه، ويكفيه مخالفة إمام الصناعة، ولا شك أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، وذكر الشيخ أيضا أن الكوفيين لا ينصبون المبهم على الظرف لعدم الفائدة، ويقولون: لابد من تخصيصه بوصف أو غيره (٦). واعلم أنني لا أختار ذكر شيء من هذه الأقوال التي لا معول عليها، ولكن قد يترك ذلك فيظن الناظر أنه قد فات الإنسان ما كان ينبغي أن لا يفوته، وأقرب مما قاله السهيلي ما ذهب إليه بعض المغاربة وهو ابن طلحة: أن الأصل سرت سير فرسخين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونظّر ذلك بقولهم: ضربته سوطا أي ضرب سوط، فكأنه يجعل نصب فرسخين نصب المصدر (٧)، وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة، والحق أحقّ أن يتبع. ومنها: أنه قد تقدم أن من الضرورات قول الشاعر: - ١٥٧٩ - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطّريق الثّعلب (٨) -
следующие страницы →