. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٤٧ - فمن يك سائلا عني فإنّي ... وجروة لا ترود ولا تعار (١)
ولمجيء هذه الواو بعد مبتدأ أو بعد اسم «إن»، قال المصنف (٢): ويجب العطف، ولم أقل ويجب الرفع، فإن المعطوف بعد مبتدأ يرفع وبعد اسم إنّ ينصب، فعمتهما العبارة، واعلم أنه قد تقدم الكلام في باب المبتدأ على إعراب:
«كل رجل وضيعته» ومثله أنت ورأيك، فاستغنى عن إعادته هنا. وأما أنت أعلم ومالك فالعطف فيه ظاهر الإشكال؛ لأنه إما أن يعطف على الخبر الذي هو أعلم فيلزم منه الإخبار بالمال عن «أنت» لأن المعطوف على خبر شيء خبر لذلك الشيء أيضا، ولا شك أنه لو قيل: «أنت مالك» لم يصح، وإما أن يعطف على الضمير المستكن في الخبر، فيلزم منه إسناد «أعلم» إلى المال، كما أنه مسند إلى الضمير المعطوف عليه، ولا يصح كون المال فاعلا لأعلم [٢/ ٤٩٣]، ثم إن العطف على الضمير يستلزم أمرين آخرين وهما:
العطف على الضمير المتصل المرفوع دون فصل بتوكيد ولا غيره.
والآخر: رفع أفعل التفضيل الظاهر، وقد يدعى جواز العطف على الضمير المذكور دون فصل على قلة (٣)، وأنه لا يلزم من مجيء الظاهر مرفوعا بعد المرفوع بأفعل التفضيل صحة رفع أفعل لذلك الظاهر؛ لأن العطف لا يشترط في صحته حلول المعطوف محل المعطوف عليه، بدليل «رب رجل وأخيه» (٤)، فالأولى أن تقول علة المنع
على ما ذكرناه أولا. -
стр. 2032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإما أن يعطف على المبتدأ الذي هو أنت ويكون «أعلم» خبرا عنهما، أعني عن أنت وعن مالك، إن جاز ذلك، أو يقدر له خبر يكون معطوفا على الخبر الذي هو «أعلم» كما أن «ومالك» معطوف على المبتدأ الذي هو «أنت» فيكون المبتدأ قد عطف على المبتدأ والخبر المقدر قد عطف على الخبر، فيلزم إذ ذاك الإخبار عن المال بالأعلمية، ولا يصح أيضا لأنه كما لم يصح كون الأعلمية مسندة إلى المال على جهة الفاعلية لا يصح كونها مسندة إليه على جهة الخبرية (١)، فقد ظهر امتناع عطف «ومالك» على التقادير الثلاثة، وقد افترق الناس في توجيه ذلك فرقتين: فرقة استقرت بالواو على بابها من اقتضائها التشريك بين المتعاطفين في اللفظ والمعنى فاضطروا إلى دعوى المجاز بأن قالوا: إن مالك معطوف على المبتدأ الذي هو «أنت» وأخبر عنه «بأعلم» تجوزا، وذلك أنه لما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال على اختيار الناظر فيه صار مواتيا له فنسب العلم إليه مجازا (٢).
وفرقة حملت الواو هنا على أنها غير مشركة في المعنى، وأنها إنما شركت في اللفظ فقط وقالوا: إن الواو في هذا المحل نابت عن حرف آخر وهو الباء كما سيأتي، والباء لا دلالة لها على تشريك معنوي فأعطيت الواو حكم ما نابت عنه، ولما كانت صورة العاطفة أعطت حكمها لفظا فشركت في الإعراب لا غير، وهذا القول هو المعول عليه (٣)، وتقديره أن أصل الكلام: أنت أعلم بمالك، فحذفت الباء ونابت الواو منابها كما أنابوها منابها في قولهم: بعت الشاة شاة ودرهما أصله شاة بدرهم، ثم حذفت الباء وأقيمت الواو مقامها، والمعنى مع الواو كحاله مع الباء، فلم
تفد الواو إلا التشريك في اللفظ لا غير (٤)، وإلى هذا ذهب الجرمي وابن طاهر أعني كون الواو عاطفة لفظا لا معنى (٥) وهو اختيار المصنف، وقد -
стр. 2033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقدم ذكر ذلك في أوائل الباب غير أنه قال: أنت أعلم مع مالك كيف تديره فلم يتعرض إلى ذكر الباء، وتبع فيما قاله سيبويه حيث قال: فإنما أردت: أنت أعلم مع مالك [٣/ ١٥]، ويظهر أن كلّا من الاعتبارين صحيح، أما من قال: المراد:
مع مالك فمراده تفسير معنى الواو، ولا شك أن معناها [٢/ ٤٩٤] المعية لأنها واو «مع» أي الواو التي تفيد ما تفيد «مع»، ومن قال: المراد: أنت أعلم بمالك فمراده أن الأصل كان للباء، ثم أقيمت الواو مقامها. فذكر الباء باعتبار أصل التركيب، وذكر «مع» باعتبار ما آل إليه الأمر بعد إبدال الباء بالواو، وأيضا فالخبر الذي هو أعلم مشعر بما كانت الباء تفيده لو ذكرت بخلاف ما لو ذكرت الباء فإنها مع «أعلم» لا دلالة لها على الصحبة، فكان تفسير سيبويه للواو في «ومالك» بمعنى «مع» أولى من تفسيرها بالباء، فإن قلت: ما الموجب لأن عدلوا إلى الواو فأقاموها مقام الباء في مثل هذا قلت: يمكن أن يقال: المراد من قولهم: أنت أعلم ومالك - شيئان:
أحدهما: الدلالة على المعية، والآخر: الدلالة على العلم بطرق التصرف فيه والتدبير، فلو لم يعدل إلى الواو وقيل: أنت أعلم بمالك، لانتفت الدلالة على المعية ظاهرا؛ لأن الباء أصلها أن تكون للإلصاق لا للمعية ولو لم تكن الواو نائبة عن الباء وكانت مأتيّا بها ابتداء انتفت الدلالة على العلم بطرق التصرف والتدبير في المال وتمحضت الدلالة على المعية والغرض أن كلا الأمرين مراد، فإذا ادعي في الواو النيابة عن الباء حصلت إفادة الأمرين معا؛ لأنها تفيد معنى الباء بالنيابة، وتفيد المعنى الآخر بالأصالة، فإذا عرفت أن الواو هنا نائبة عن الباء وأن العطف روعي فيه اللفظ دون المعنى، وقد تقدم الواو اسمان مبتدأ وخبر وهما أنت وأعلم وجب أن نبحث عن المعطوف ما هو من هذين الاسمين، وقد قيل بعطفه على كل منهما، ولا شك أنه إذا تقرر أن العطف هنا لفظي لا شركة بينه وبين
المعطوف عليه في المعنى كان العطف سائغا على أيهما شئت، لكن تنظير المصنف هذا الاستعمال باستعمال النعت على الجواز يقتضي أن يكون المعطوف عليه هو الخبر لقربه وبجواره لا الاسم، وقد صرح بعطفه على الخبر أبو بكر بن طاهر فقال: هو معطوف على «أعلم» لأن الأصل بمالك، فوضعت الواو موضع الباء فعطفت على ما قبلها ورفعت -
стр. 2034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما بعدها في اللفظ وهي بمعنى الباء متعلقة بأعلم (١).
قال الشيخ: وهذا أقرب لتفسير كلام سيبويه لأنه قال في الواو: تعمل فيما بعدها المبتدأ، يريد أنك تعطفه على «أعلم» فيعمل فيه ما عمل في أعلم وهو المبتدأ (٢)، هذا ما انتهى إليه الكلام في هذه المسألة، وقد قيل: إن «ومالك» خبر عن مبتدأ مقدر والتقدير: أنت أعلم وأنت ومالك فحذف المبتدأ، ثم حذفت الواو الداخلة لالتقائها مع الواو الأخرى، وعلى هذا يئول الأمر إلى عطف جملة على جملة (٣)، ولا يخفى ما في هذا الإعراب من التكلف وتقدير مستغنى عنه، مع أنه يؤدي إلى أن القصد هو الإخبار عن المخاطب بأنه أعلم من غيره، ثم الإخبار بأنه مع ماله، ولا يخفى أن هذا ليس بمراده، ثم إنه إنما يتأتى جعل «ومالك» خبرا عن «أنت» [٢/ ٤٩٥] المقدر إلا على رأي ابن خروف، كما يدعيه في «كل رجل وضيعته» (٤) وقد تقدم بيان ضعفه، وإما أن يكون «ومالك» مبتدأ والخبر محذوف فمنعه ظاهر (٥)، وقد تقدم في كلام المصنف قوله: (ومالك) معطوف في اللفظ ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر؛ لأن المال لا يخبر عنه «بأعلم» وشرط المبتدأ المضمر خبره أن يكون خبره مثل خبر المعطوف عليه. ثم إن المصنف لما أتم كلامه على مسألة: أنت أعلم ومالك قال: وأما قولهم: أنت أعلم وعبد الله فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الواو بمعنى «مع» وعطف بها في اللفظ مبتدأ حذف خبره وجوبا لوقوعه موقع المجرور بمع والاستطالة.
والثاني: أن تكون الواو لمجرد العطف وعبد الله مبتدأ محذوف الخبر جوازا، والتقدير: أنت أعلم بعبد الله وعبد الله أعلم بك، ثم دخله الحذف كما دخل في -
стр. 2035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: أأنت خير أم زيد؟ والأصل: أأنت خير من زيد أم زيد خير منك؟
الثالث: أن يكون عبد الله معطوفا على أنت وأعلم خبر عنهما كأنه قال: أنت وعبد الله أعلم من غير كما فيشتركان في المعنى، ويكون أعلم خبرا لهما (١) متوسطا بينهما (٢). انتهى.
وأورد الشيخ هذه التوجيهات الثلاث في شرحه كما أوردها المصنف من غير زيادة ولا نقص، غير أنه قال بعد ذلك: قال أبو الفضل البطليوسي (٣) في شرح الكتاب: فعلى هذا يجوز: زيد قائمان وعمرو ولا مانع منه، ثم قال الشيخ:
ولا ينبغي أن يجوز إلا بسماع من العرب. والفرق بين المسألتين أن «أعلم» أفعل التفضيل فيجري مفردا مذكرا على المفرد المذكر وفروعهما؛ فلا يظهر في ذلك مخالفة خبر لمخبر عنه فنقول: أنت أعلم وزيد كما تقول: أنت وزيد أعلم بخلاف إذا قلت: زيد قائمان وعمرو؛ إذ لا يصح: زيد قائمان للمخالفة فلا يصح: زيد قائمان وعمرو، والذي ينبغي منع زيد قائمان وعمرو، لأن فيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما هو خبر لهما ومخالفة لفظه لفظ المبتدأ (٤). انتهى.
وهذا الكلام من البطليوسي ومن الشيخ يقتضي صحة: زيد أعلم وعبد الله، على أن أعلم خبر عنهما كما رآه المصنف، وفي جواز ذلك نظر؛ وذلك أن المبتدأ في هذه المسألة هو مجموع الاسمين، لأن الخبر إنما هو خبر عنهما معا فوجبت نسبة المبتدأ فيه إليهما وشأن الخبر أن يذكر بعد مبتدأ به أو قبله، حيث يجوز تقديمه عليه، وأما أن يتوسط بين أجزائه فلا.
وأما الوجه الأول فلا يتجه فيه القول بوجوب حذف الخبر، وليس خبر هذا الاسم -
стр. 2036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واقعا موقع المجرور بمع، فيجب حذفه (١)، وأما قوله في الواو الداخلة على المبتدأ:
إنها بمعنى «مع» فلا يتحقق، وليست هذه الواو [٣/ ١٦] واو «مع» لأن «مع» لا تقع موقعها، وكيف تحكم بأنها واو «مع» وقد وقعت أول [٢/ ٤٩٦] الكلام؛ لأن الغرض أن عبد الله مبتدأ لا معطوف على ما قبله وواو «مع» لا تقع أولا، والذي يظهر أن هذا الوجه لا يتصور ولم يتحقق من الأوجه الثلاثة التي ذكرها غير الوجه الثاني وهو أن الواو عاطفة وعبد الله مبتدأ حذف خبره جوازا، لدلالة ما تقدم عليه، وتقديره: أنت أعلم بعبد الله وعبد الله أعلم بك كما ذكر المصنف.
القسم الثاني: ما يجب فيه النصب على المعية: ولوجوب النصب سببان: لفظي ومعنوي، أما المعنوي فيأتي الكلام عليه حيث أشار إليه المصنف، وأما اللفظي فقد مثّل له بنحو: مالك وزيدا، وما شأنك وعمرا.
قال المصنف: والإشارة بذلك إلى كل جملة آخرها واو المصاحبة، وتاليها وأولها «ما» المستفهم بها على سبيل الإنكار قبل ضمير مجرور باللام أو الشأن أو ما يؤدي ما يؤديانه (٢). انتهى.
وتوجيه وجوب النصب: أن العطف في مثله ممتنع؛ إذ لا يصح العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، وإذا لم يصح العطف تعين النصب، لكن ليس في الجملة السابقة عامل ينصب المفعول معه فوجب أن يقدر له ناصب (٣) وقد ذكر المصنف أن الذي يقدر أحد أمرين: إما كان مضمرة قبل الجار للضمير، فيكون المنصوب مفعولا معه، وإما مصدر «لابس» منويّا بعد الواو، وجعل التقديرين في هذين المثالين وما أشبههما مذهبين لسيبويه (٤)، وإذا قدر المصنف فقد يقدره منويّا وقد يقدره مضافا إلى ضمير المخاطب.
قال سيبويه: هذا باب ما يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على -
стр. 2037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أوله، وذلك قولك: مالك وزيدا وما شأنك وعمرا (١)، ثم قال في متن الباب: فإذا أظهر الاسم فقال: ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر، ثم قال: وإذا أضمرت فكأنك قلت: ما شأنك وملابسة زيدا أو وملابستك زيدا فكان أن يكون على فعل وتكون الملابسة على الشأن؛ لأن الشأن معه ملابسة أحسن من أن يجروا المظهر على المضمر (٢). هذا نصه.
قال المصنف: فحمل أبو علي الشلوبين كلامه على ظاهره واعتذر عن إعمال المصدر مضمرا بأنه هنا في قوة الملفوظ به، لوضوح الدلالة عليه (٣)، ودعاه إلى الاعتذار أن سيبويه منع في باب الوصف بإلا حذف أن يكون وارتفاع «الفرقدان» به فقال بعد إنشاده:
١٦٤٨ - وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان (٤)
كأنه قال: وكل أخ غير «الفرقدان» مفارقه أخوه، ثم قال: ولا يجوز على «إلا» أن يكون لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن أن يكون اسم (٥)، فظاهر كلامه أن المصدر العامل لا يضمر، فحمل كلامه ثمّ على أنه لا يضمر لضعف الدليل ووجود مندوحة عن حذفه وحكم هنا بجواز الحذف لقوة الدلالة عليه، وما ذهب إليه الشيخ [٢/ ٤٩٧] أبو علي هو الصحيح لا ما ذهب إليه من منع حذف المصدر مطلقا، فإن حذفه إذا قويت الدلالة عليه وارد في الكلام الفصيح (٦) -
стр. 2038
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كقوله تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ (١) أي وصد عن المسجد الحرام (٢)، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ (٣)، فحذف «صد وعن» قبل المسجد لدلالة مثلهما من قبل عليهما، ولا يجوز عطف المسجد على سبيل الله، وقد عطف كفر على «صد» فيلزم عطف على مصدر قبل ذكر ما يتعلق به، ولا يجوز عطف المسجد على «الهاء» من «به»، لأن العطف على ضمير الجر لا يجوز عند الأكثر إلا إذا أعيد الجار (٤)، ولا يصح أيضا من جهة المعنى، لأن المشركين كانوا يعظمون المسجد الحرام، فلا يصح أن ينسب إليهم الكفرية إلا لكونهم لا يعظمونه تعظيما مستندا إلى أمر الله تعالى، بل إلى أهوائهم، فهو حقيق بإطلاق الكفر عليه (٥)، ومن حذف المصدر وبقاء ما يتعلق به قول الشاعر:
١٦٤٩ - لصونك من تعول أتمّ نفعا ... لهم عن ضلة وهوى مطاع (٦)
ومثله:
١٦٥٠ - المنّ للذّمّ داع بالعطاء فلا ... تمنن فتلفى بلا حمد ولا مال (٧)
فعن من البيت الأول متعلق بصون محذوف وبالعطاء من البيت الثاني متعلق «بمنّ» محذوف والمحذوفان بدلان من الموجودين فاستغني بمعمول البدل كما استغني في الآية الشريفة بمعمول المعطوف (٨). انتهى. -
стр. 2039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد أفهم كلامه لما حكم بإضمار «كان» حيث قال: فيكون المنصوب مفعولا معه - أنه مع إضمار المصدر الذي هو ملابسة لا يكون نصب على أنه مفعول معه، وهو الحق، بل يتعين كونه مفعولا به كما سيأتي الكلام في ذلك، ومن منع تقدير المصدر هنا جعل تقدير سيبويه «وملابسة» تفسير معنى لا تفسير إعراب، وجعلوا العامل المضمر كان (١)، وقالوا: يدل على ذلك ترجمة الباب وهي قوله: هذا باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله، وذلك قولك: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا (٢)، فبنى الباب على إضمار الفعل. هذا مع ما تقرر من أن مذهب البصريين أنه لا يجوز حذف المصدر وإبقاء معموله لأنه موصول، ولا يجوز حذف الموصول (٣)، ويدل على ذلك منع سيبويه له في قوله: «إلا الفرقدان» (٤)، وقال أبو الحسن بن الضائع: آخر ما أخذت عن الأستاذ أبي علي في ذلك هو أن الاسم هنا منصوب على أنه مفعول معه، وأن تقدير سيبويه معنوي لا إعرابي بل تقدير الإعراب فيه: ما لك تلتبس وزيدا، قال: ويدل على أنه عند سيبويه كذا ذكر هذه المسألة في باب المفعول معه، ولو كان النصب على أنه [٣/ ١٧] مفعول به لم يذكرها «هنا». انتهى كلام ابن الضائع.
وما أشار إليه من أن تقدير المصدر في هذه المسألة لو كان [٢/ ٤٩٨] تقديرا إعرابيّا لكان المنصوب مفعولا به لا مفعولا معه ظاهر، وقد تقدم أن كلام المصنف يفهم أنه مع تقدير المصدر يكون مفعولا به، وحمل كلام سيبويه هنا على التفسير المعنوي أقرب، بل متعين لتصريحه بمنع حذف المصدر في «إلا الفرقدان»، وما استدل به المصنف ليس متعينا للدلالة على مطلوبه، أما الآية الشريفة فقد ذكر هو فيها الوجوه المحتملة لغير ما ذكره، كيف وقد أجاز هو العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، وقوى ذلك واستدل بشواهد كثيرة نثرا ونظما (٥)، وأما البيتان فيمكن أن يكون المقدر فيهما فعلا مشتقّا من المصدر الملفوظ به ويكون المصدر دالّا عليه، ومما يستدل به على أن سيبويه قصد تفسير المعنى لا تفسير الإعراب أن المفعول -
стр. 2040
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معه حينئذ يكون نفس ملابسه ولا بد له من عامل، فيحتاج إلى تقدير كان بعد «ما» فلم يكن تقدير ملابسه مغنيا عن تقدير الفعل إذ ذاك.
واعلم أن السيرافي ذهب إلى أن العامل فعل مقدر بعد الواو، ووافقه ابن خروف وأوّل كلام سيبويه على هذا فقال في قوله: فكأنك قلت: ما شأنك وملابسة زيدا: إنما قدر بالمصدر حين أظهر؛ ليكون محمولا على الشأن والمضمر الفعل، لأنه لا يجوز أن يعمل المصدر مضمرا، والكوفيون يعملونه مضمرا غير ملفوظ به، ثم قال ابن خروف: يريد بهذا ما أراده بقوله: «من لد أن كانت شولا»؛ لأنه لا يضمر الموصول مع بعض الصلة فكلامه هنا محمول على المعنى، وجاز إضمار الفعل هنا وهو لا يحمل على الأول من حيث لم يصرح بظهوره، فإن أظهرته على جهة التقدير جئت بالمصدر (١)، هذا كلام ابن خروف وهو تخريج حسن، غير أن نصب الاسم حينئذ إنما يكون نصبا على أنه مفعول به لا مفعول معه، كما يلزم ذلك على قول من قدر المصدر تقديرا إعرابيّا. ولا شك أنّا إذا فعلنا ذلك وقدرنا الفعل بعد الواو والمصدر أحلنا المسألة وأخرجناها من باب المفعول معه إلى غيره، وقد عرفت أن سيبويه ذكرها في باب المفعول معه، فتعين القول بأن النصب ليس بعامل مقدر بعد الواو. وإلى رد هذا القول أشار المصنف بقوله: (لا بلابس خلافا للسيرافي وابن خروف).
وقال في الشرح: قلت: يكفي من الرد على ابن خروف اعترافه بأن الموضع لا يصلح للفعل، واعترافه بأن سيبويه حمل قول الشاعر:
١٦٥١ - من لد شولا فإلى إتلائها (٢)
على أن أصله: من لد أن كانت شولا، فحكم بحذف أن والفعل في هذا الرجز لقوة الدلالة، وحكم بمنع ذلك في:
١٦٥٢ - لعمر أبيك إلّا الفرقدان (٣)
لضعف الدلالة (٤)، واعلم أنه قد تقدمت الإشارة إلى أن المقتضي لوجوب النصب -
стр. 2041
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في نحو: ما لك وزيدا وما شأنك [٢/ ٤٩٩] وعمرا، إنما هو امتناع العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، ولكن ليس امتناع العطف مجمعا عليه، فإن الكوفيين يجيزون ذلك، ووافقهم بعض البصريين (١)، فلذلك قيد المصنف وجوب النصب بكونه عند الأكثر، وقال في الشرح: ونسبت وجوب النصب في نحو: ما لك وزيدا وما شأنك وعمرا إلى الأكثر؛ لأن ابن خروف حكى عن الكسائي أنه قال: إذا أوقعت «ما بال» و «ما شأن» على اسم مضمر، ثم عطف عليه اسم ظاهر كان الوجه في المعطوف النصب والخفض جائز، فصرح الكسائي بجواز الجر، وبه أقول لا على العطف، بل على حذف مثل ما جرّ به الضمير لدلالة السابق عليه (٢). انتهى.
ومقتضى إجازته ذلك أن لا نقول بوجوب النصب في نحو هذين المثالين.
وحكايته ذلك عن الأكثر لا يلزم منها أن يكون المحكي مذهبه. والعجب من المصنف أنه لم يوجب النصب في نحو: ذهبت وزيد بل جعله مختارا كما سيأتي، وقد جعله ابن عصفور واجبا، فمثل لهذا القسم - أعني ما يجب فيه نصب الاسم - بنحو: ما لك وزيدا وما شأنك وعمرا، وجعل ضابطه أن يتقدم الواو جملة اسمية مضمنة معنى جملة فعلية وضمير خفض، وبنحو: ما صنعت وأباك، وجعل ضابطه أن يتقدم الواو جملة فعلية وضمير متصل مرفوع غير مؤكد ولا مفصول (٣)، وتسوية ابن عصفور بين هذين التركيبين في وجوب النصب ظاهر ويلزم المصنف التسوية بينهما، بل يلزمه أن يكون الحكم عنده بوجوب النصب مع الضمير المرفوع أولى منه مع الضمير المجرور؛ لأنه قد حكم في باب العطف من كتاب التسهيل بضعف العطف على ضمير الرفع المتصل دون فصل، ولم يشترط إعادة الجار في العطف على ضمير الجر، بل جعل ذلك مختارا (٤)، وقال في الألفية: -
стр. 2042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن على ضمير رفع متّصل ... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد ... في النّظم فاشيا وضعفه اعتقد
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا
وليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النّظم والنثر الصّحيح مثبتا
فجعل العطف على ضمير الجر دون إعادة الجار واردا في النظم وفي النثر. وأشار بالصحيح إلى المقطوع بصحته وهو القرآن العزيز، وجعل العطف على الضمير المتصل المرفوع واردا في النظم وضعفه مع ذلك، فكان الواجب إجراء هذين التركيبين مجرى واحدا إما في وجوب النصب أو رجحانه، وهو [٢/ ٥٠٠] قد فرق بينهما إلا أن يقال: قد أشير إلى أنه لا يلزم من حكايته لوجوب النصب في:
«ما لك وزيدا» [٣/ ١٨] عن الأكثر أن يكون المحكي مذهبا له، وإذا لم يلزم ذلك وهو قد أجاز العطف على الضمير المجرور إما بتقدير محذوف أو دونه فينبغي أن لا يكون قائلا بوجوب النصب، وحينئذ يكون النصب راجحا وقد صرح هو برجحانه في نحو: ذهبت وزيدا (١)، فعلى هذا استوى الموضعان عنده في رجحانية النصب، وارتفع الإشكال عن كلامه، ولزم أن يكون لوجوب النصب عنده سبب واحد وهو المعنوي وسيذكره، فيكون موجب النصب عنده على هذا منحصرا في الأمر الراجع إلى المعنى، ثم إذا كان المجرور باللام أو الشأن بعد «ما» الاستفهامية اسما ظاهرا نحو: ما لزيد وأخيك، وما شأن عبد الله وعمرو، رجح العطف لانتفاء المحذور حينئذ ولم يمتنع النصب، لكنه مرجوح لعدم عامل ملفوظ به والاحتياج إلى تقدير عامل، ومنع بعض النحاة المتأخرين النصب في هذا (٢) مستندا في ذلك إلى قول سيبويه: فإذا ظهر الاسم فقال: ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر (٣)، ولا شك أن هذا الكلام من سيبويه يدل دلالة صريحة على أن -
стр. 2043
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النصب ممتنع (١).
قال المصنف: وهو لا يريد ذلك لأنه قال بعد هذا بقليل: ومن قال: ما أنت وزيدا قال: «ما شأن عبد الله وزيدا، كأنه قال: ما كان شأن عبد الله وزيدا» (٢)، فعلم بهذا أن مذهبه جواز النصب لكنه غير الوجه المختار، ويتبين أنه أراد
بقوله أولا:
«فليس إلا الجر» ما أريد بنحو: «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار» (٣) قال: ولو قرأ - يعني مانع النصب - ما بعد الكلام الأول من كلام سيبويه لم يقع فيما وقع، ومثل هذا اتفق للزمخشري في انته أمرا قاصدا حين جعله من المنصوبات اللازم إضمار عاملها (٤)؛ لأن سيبويه ذكره بعد أمثلة التزم إضمار ناصبها، ثم بين بعد ذلك بقليل أن الذي نصب أمرا قاصدا يجوز إظهاره (٥)، وغفل الزمخشري عن ذلك (٦).
واعلم أن المصنف لما ذكر وجوب تقدير عامل في هذه المسألة أعني مسألة «ما لك وزيدا» و «ما شأنك وعمرا» أتبع ذلك بذكر مواضع شاركت المسألة المذكورة في تقدير العامل، لكنها خالفتها في أن العطف فيها ممتنع بخلاف ما ذكره أولا، ولكون العطف في هذه المواضع لا مانع منه، والنصب يحتاج معه إلى تقدير عامل كان العطف أولى فلا جرم أن المصنف قال: (وربما نصب بفعل مقدر بعد «ما» أو «كيف») إلى آخره، فنبه بذلك على مرجوحيته، وعلى هذا فالرفع في «ما أنت -
стр. 2044
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وزيد»، و «كيف أنت وقصعة من ثريد» هو الجيد الراجح لعدم الفعل وما يعمل عمله (١)، وقد قال سيبويه: وزعموا أن ناسا يقولون: كيف أنت وزيدا وما أنت وزيدا، وهو قليل [٢/ ٥٠١] في كلام العرب، ولم يحملوا الكلام على «ما» و «كيف»، (لكنهم) (٢) حملوه على الفعل؛ لأن كنت وتكون يقعان هنا كثيرا وأنشد سيبويه (٣):
١٦٥٣ - وما أنت والسّير في متلف ... يبرّح بالذّكر الضّابط (٤)
وأنشد:
١٦٥٤ - أتوعدني بقومك يا ابن حجل ... أشابات يخالون العبادا
بما جمّعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا (٥)
ثم قال: وزعموا أن الراعي كان ينشد هذا البيت:
١٦٥٥ - أزمان قومي والجماعة كالّذي ... لزم الرّحالة أن تميل مميلا (٦)
-
стр. 2045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كأنه قال: أزمان (كان) (١) قومي والجماعة، فحملوه على كان لأنها تقع في هذا الموضع كثيرا (٢).
وعلل سيبويه إضمار الفعل في نحو: ما أنت وزيدا، وكيف أنت وقصعة، بأن العرب يستعملون الفعل مع الاستفهام
كثيرا فيقولون: ما كنت وكيف تكون، إذا أرادوا معنى مع، قال: من ثم قالوا:
١٦٥٦ - أزمان قومي والجماعة
لأنه موضع يدخل فيه الفعل كثيرا فيقولون: أزمان كان قومي، وحين كان (٣)، هذا نصه، وقد ذكر المصنف ثلاثة المواضع التي ذكرها سيبويه، وضم إليها رابعا وهو الذي أشار إليه بقوله: (أو قبل خبر ظاهر)، وتبع في ذلك ابن خروف فإنه قال في شرح الكتاب يشير إلى سيبويه: ولم يذكر في قولهم: أنت وشأنك، وكل رجل وضيعته، وما أشبهه إلا الرفع، ثم قال ابن خروف: وبعض العرب تنصب إذا كان معه خبر (٤)، وجعل من ذلك قول عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ ينزل عليه الوحي وأنا وإيّاه في لحاف» (٥)، (٦).
قال المصنف: ويجوز عندي أن يكون «إيّاه» في موضع رفع عطفا على «أنا» على سبيل النيابة عن ضمير الرفع، كما ناب عن ضمير الجر فيما حكى الفراء من قول العرب: مررت بإياك، قال: وأنشد الكسائي: -
стр. 2046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٥٧ - فأحسن وأجمل في أسيرك إنّه ... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر (١)
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير الجر في قول بعض العرب وقد سئل عن الصعلوك: هو الغداة كأنا، وليس هذا ببدع لأن أصل المبني أن لا يختص بموضع من الإعراب دون موضع، والمضمرات من المبنيات فلا يستبعد ذلك
فيها إلا أن حمل «أنا وإياه في لحاف» على باب المفعول معه أولى؛ لأنه قد روي في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: «أبشروا فو الله لأنا وكثرة الشّيء أخوف عليكم من قلّته» (٢) بنصب «وكثرة» ذكره الشلوبين وعضده بما حكاه الصيمري (٣) من جواز النصب في أنت وشأنك، وكل رجل وضيعته (٤)، (٥) انتهى.
وبقي الكلام ها هنا في أمرين:
أحدهما: أنهم اختلفوا في «كان» هذه المضمرة، فمنهم من جعلها التامة وهو رأي الفارسي، وهو قول مبني على أن الناقصة لا عمل لها في غير الاسم والخبر، لكونها سلبت الدلالة على الحدث (٦)، قال الشيخ: وهو اختيار الشلوبين (٧) فعلى هذا [٣/ ١٩] كيف [٢/ ٥٠٢] في موضع نصب على الحال، ولكن يشكل أمر «ما»؛ لأنها لا تكون حالا، لأنها سؤال عن الذات لا عن أحوال الذات، حتى زعم بعضهم أنها مخرجة هنا عن أصلها إلى السؤال عن الحال (٨)، قلت: ودعوى -
стр. 2047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الابتدائية فيها ممكن فتقدير ما أنت وزيدا: ما كان شأنك وزيدا، المعنى: أي شيء وقع شأنك مع زيد، ثم بعد حذف «كان» حذف المضاف الذي هو شأن، وأقيم المضاف إليه وهو ضمير المخاطب مقامه. ومنهم من جعلها الناقصة وهم الذين يصححون عمل الناقصة في غير الاسم والخبر، ووجه تصحيحهم ذلك أن دلالتها على الحدث عندهم باقية، وهذا المذهب هو أصح المذهبين (١)، فعلى هذا تكون «كيف» في موضع الخبر، وكذا «ما» أيضا
التقدير: على أي حال تكون مع قصعة من ثريد، وأي شيء تكون مع زيد (٢).
الأمر الثاني: أن سيبويه قدر مع «ما كنت» ومع «كيف» تكون (٣) فاختلفوا: هل ذلك مقصود لسيبويه أو لا، فقال السيرافي: إنه غير مقصود، ولو عكس لأمكن (٤)، وقال بعضهم: إن ذلك مقصود من سيبويه، وذلك أن قولهم: ما أنت وزيدا، إنما يقال لمن أنكر عليه أن قال: خالطت زيدا أو لابسته، فيقال له: ما كنت وزيدا، ولا يقال له إذا قال ما لابسته: ما أنت وزيدا لأنه لا ينكر ما لم يقع إنما ينكر الواقع، وأما كيف أنت وقصعة، فإنما يقال على معنى كيف تكون، كذا يستعمل عندهم، ولم ينقل خلاف هذا، فهذا النصب إنما يقال منه ما سمع (٥). انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التقدير، فالحق ما قاله السيرافي.
واعلم أنه قد تبين مما تقدم أن العطف راجح في صور خمس وهي: ما لزيد وأخيه، وما أنت والسير، وكيف أنت وقصعة، و:
١٦٥٨ - أزمان قومي والجماعة (٦)
و «أنا وإياه في لحاف»، وضابطها: أن لا يكون ثم فعل ملفوظ به، ولكن في -
стр. 2048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجملة ما يدل عليه لو قدر، وليس ثم مانع يمنع من العطف (١)، وإذا كان العطف في هذه الصور راجحا، لوجود ما يصح العطف عليه دون مانع، فالنصب على المعية مرجوح حينئذ للاحتياج إلى تقدير عامل، وينبغي أن تذكر هذه الصور فيما ترجح عطفه على أنها داخلة في الضابط الذي ذكره لما ترجح فيه العطف على النصب كما سيجيء الإشارة إليه، وإنما قدم ذكرها قبل الشروع في ذكر راجح العطف لأنها فروع مسألة: «ما لك وزيدا» فنبه بذكرها على أنها شاكلت ما قبلها في تقدير العامل، إلا أنها خالفته بكون النصب فيها مرجوحا.
القسم الثالث: ما ترجح فيه العطف، واعلم أن المصنف أشار إلى هذا القسم وإلى القسم الرابع وهو ما ترجح فيه
النصب على المعية، ووقعت الإشارة أيضا في كلامه هنا إلى الضرب الثاني من القسم الذي يجب فيه النصب لسبب [٢/ ٥٠٣] معنوي، وهو الذي تقدم الوعد بأنه سيأتي ذكره، غير أن المصنف مزج الكلام في إيراد ذلك، ودل ما ذكره على شيء بالمنطوق وشيء بالمفهوم، وذلك أنه ذكر قيودا لما ترجح عطفه، تلك القيود منها ما ترجح النصب مع انتفائه، ومنها ما يجب مع انتفائه النصب، فنشير أولا إلى كل من القسمين على سبيل الإجمال، ثم نعود إلى تطبيق ذلك على لفظ الكتاب.
أما رجحان العطف فله سببان:
أحدهما: يرجع إلى المعنى وهو انتفاء التكلف أي إذا كان تصحيح الكلام يحتاج إلى تقدير متكلف لو عطفنا، فحينئذ لا يكون العطف راجحا كما سيتبين.
وثانيهما: يرجع إلى اللفظ وهو انتفاء الموهن أي المضعف للعطف، فإذا انتفى الأمران فيما لا يمتنع العطف فيه لأمر خارجي، كان العطف راجحا على النصب على المعية، وذلك نحو: جئت أنا وزيد، وقام زيد وعمرو (٢)، ومن أمثلة النحاة:
كنت أنا وزيدا كالأخوين (٣)، ويدخل في هذا الضابط الذي ترجح العطف معه، أعني انتفاء التكلف، وانتفاء الموهن - ما تقدمت الإشارة إليه آنفا وهو خمس -
стр. 2049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسائل التي ذكر أن النصب فيها على المعية مرجوح وهي: ما شأن عبد الله وأخيه، وما أنت وزيد، وكيف أنت وقصعة؟ و:
أزمان قومي والجماعة
و «أنا وإياه في لحاف».
وأما رجحان النصب فعند وجود أحد الأمرين المشروط انتفاؤهما فيما تقدم، فيكون له سببان أيضا:
أحدهما: يرجع إلى المعنى وهو حصول التكلف لو عطفنا، والآخر: يرجع إلى اللفظ وهو حصول الموهن للعطف، وسيأتي أمثلة ذلك في كلام المصنف.
إذا عرف هذا فاعلم أن المصنف اشترط لرجحان العطف ثلاثة أمور وهي: انتفاء التكلف، وانتفاء المانع، وانتفاء الموهن، فأشار بالأول إلى نحو قول الشاعر:
١٦٥٩ - فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطّحال (١)
قال: فإن العطف فيه حسن من جهة اللفظ وفيه تكلف من جهة المعنى لأن مراد الشاعر: كونوا لبني أبيكم، فالمخاطبون هم المأمورون، وإذا عطف يكون التقدير:
كونوا لهم، وليكونوا لكم، وذلك خلاف المقصود وكذا قول الآخر:
١٦٦٠ - إذا أعجبتك الدّهر حال من امرئ ... فدعه وواكل أمره واللّياليا (٢)
معناه: وواكل أمره لليالي، وتقدير العطف فيه تكلف بيّن. -
стр. 2050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأشار بالثاني إلى نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، أي مع إتيانه، فالعطف هنا بيّن الامتناع (١)، وكذا في: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل (٢)، قلت:
وهذا هو السبب المعنوي الموجب للنصب الذي تقدم الوعد بذكره، وأشار بالثالث إلى نحو: ما صنعت وأباك، فإن نصبه على المعية مختار وعطفه جائز على ضعف؛ لأن المعطوف عليه ضمير رفع [٢/ ٥٠٤] متصل غير مفصول بينه وبين العاطف، وما كان كذلك فعطفه ضعيف، وأكثر ما يكون في الشعر كقول الشاعر:
١٦٦١ - ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم [٣/ ٢٠] يكن وأب له لينالا (٣)
فلو نصب الأب لكان أجود لما تبين من ضعف العطف، هذا آخر كلام المصنف (٤) في تقرير هذا الموضع، وقد تبين منه أن رجحان العطف متوقف على انتفاء كل من الأمور الثلاثة، أما إذا لم ينتف ما ذكر، وذلك بأن يوجد التكلف أو المانع أو الموهن فإن رجحان العطف ينتفي حينئذ، ولكن إذا انتفت رجحانية العطف فقد يكون العطف جائزا ولكنه يكون مرجوحا؛ لأن النصب على المعية هو الراجح إذ ذاك كما إذا وجد التكلف أو الموهن وقد يكون العطف ممتنعا كما إذا وجد المانع منه، وإنما احتاج إلى ذكر انتفاء المانع، لأنه لو اقتصر على قوله: (بلا تكلف ولا موهن) لورد عليه نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، لانتفاء التكلف والموهن فيه، مع أن العطف لا غير راجح، بل هو ممتنع، فإن قيل: كيف يصدق انتفاء رجحانية العطف على الصورة التي يمتنع فيها العطف؟ فالجواب: أن انتفاء رجحانيته أعم من جوازه مع مرجوحيته، ومن (امتناعه) (٥) أصلا، ولا شبهة في -
стр. 2051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جواز صدق الأعم على الأخص، فعند امتناع العطف يصدق أنه غير راجح، واعلم أن الذي يعطيه كلام المصنف ظاهرا أنه عند وجود التكلف أو الموهن تنتفي رجحانية العطف، ولكن لا يلزم من انتفائها كون العطف مرجوحا، فجاز أن يستوي الأمران أعني العطف والنصب على المعية، وليس هذا بمراد له وإنما يقصد أن العطف يكون مرجوحا حينئذ، والذي يدفع هذا الظاهر أن يقال: إنه تقدم أن أقسام مسائل هذا الباب عند المصنف أربعة:
أحدها: ما ترجح نصبه: وهو لم يتقدم له ذكر هذا القسم، وقد قلنا آنفا: إنه مزج ذكره بذكر ما ترجح عطفه، وإن
كلامه دلّ على أحدهما بالمنطوق وعلى الآخر بالمفهوم، والذي دلّ عليه بالمنطوق هو رجحان العطف، فيتعين أن يكون المدلول عليه بالمفهوم هو رجحان النصب، وإذا كان كذلك انتفت الدلالة على الاستواء، وإذا تقرر هذا، فمن الأمور الثلاثة التي ذكرها أمران إذا وجدا كان النصب على المعية راجحا على العطف وهما التكلف والموهن، وقد عرفت أن الأول يرجع إلى المعنى، وأن الثاني يرجع إلى اللفظ، وتقدم لك ذكر أمثلتهما، لكن قول المصنف في:
١٦٦٢ - فكونوا أنتم وبني أبيكم (١)
وإذا عطفت يكون التقدير: كونوا لهم وليكونوا لكم، وذلك خلاف المقصود يقتضي أن يكون النصب فيه واجبا لا راجحا، أما عبارة متن الكتاب أعني التسهيل فلا تقتضي ذلك.
وأما الأمر الثالث من الأمور الثلاثة وهو المانع فلا شك أنه إذا وجد [٢/ ٥٠٥] كان النصب على المعية واجبا نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، واستوى الماء والخشبة، وهذا هو أحد السببين الموجبين للنصب على المعية وهو المعنوي، فقد دل هذا الكلام أعني كلام المصنف بمفهومه على ما يجب نصبه على المعية وإلى ما يرجح فيه ذلك، ثم إن المصنف ذكر صورة أخرى ترجح النصب على المعية فيها على العطف، وإليها أشار بقوله: (فإن خيف فيه فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعية) (٢)، وهذا -
стр. 2052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكلام من تتمة ما قبله، وكأنه لما قال: إن العطف يرجح عند انتفاء كل من الأمور الثلاثة - وكانت هذه الصورة التي سيمثل لها داخلة تحت هذا الضابط لانتفاء الأمور المذكورة عنها، مع أن العطف فيها مرجوح - أفردها بالذكر ونص عليها بخصوصها، قال في الشرح: وأشرت بقولي: فإن خيف به أي بالعطف فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعية - إلى نحو: لا تغتد بالسمك واللبن ولا يعجبك الأكل والشبع بمعنى لا تغتد بالسمك مع اللبن، ولا يعجبك الأكل مع الشبع، فالنصب في هذين المثالين وأشباههما على المعية يبين مراد المتكلم والعطف لا يبينه (١) فتعين رجحان النصب للسلامة من فوات ما يضر فواته، وضعف العطف إذ هو بخلاف ذلك (٢). انتهى.
وعلى هذا صار لمرجح النصب على العطف ثلاثة أمور وهي: التكلف والموهن والخوف من فوات المعنى المقصود، إلا أنه قد تتوجه المنازعة للمصنف في إدراجه هذه الصورة في قسم ما ترجح نصبه، ويدعى أن العطف فيها ممتنع لإفهامه غير المراد، ويقال: إن هذين المثالين وما أشبههما داخلة في قسم ما يجب نصبه ويكون قد
شملها مفهوم قوله: (ولا مانع) فنقول: كما استفدنا من قوله: (ولا مانع) أن النصب واجب في: لا تنه عن القبيح وإتيانه لوجود مانع يمنع من العطف، هكذا نستفيد منه وجوب النصب في نحو: لا تغتد بالسمك واللبن لوجود المانع من العطف أيضا، ومما يدل على أن النصب واجب في مثل هذا وجوب نصب الفعل بإضمار «أن» في نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن إذا لم يقصد العطف ولا الاستئناف، وإذ قد انتهى القول في الأقسام الأربعة أعني: ما يجب عطفه وما يجب نصبه وما ترجح عطفه وما ترجح نصبه، وكنت قد عرفت أن القسم الرابع منها وهو ما ترجح نصبه لم يتضمنه كلام ابن عصفور، وأنه ذكر قسما لم يتضمنه كلام المصنف وهو ما يتساوى فيه الأمران أعني العطف والنصب على المعية (٣)، وأنه ينتظم من كلام الرجلين خمسة أقسام، فلنذكر الأقسام المذكورة الآن منتظمة كي يسهل ضبطها على -
стр. 2053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناظر [٢/ ٥٠٦].
أما وجوب العطف فله سبب واحد لفظي وهو أن تكون الواو المفيدة للمعية بعد ذي خبر لم يذكر أو ذكر وهو أفعل التفضيل نحو: كل رجل وضيعته، وأنت أعلم ومالك.
وأما وجوب النصب فله سببان لفظي ومعنوي كما عرفت:
أما اللفظي فمقتضيه أن يكون ثم جملة آخرها واو المصاحبة، وتاليها وأوّلها «ما» المستفهم [٣/ ٢١] بها على سبيل الإنكار قبل ضمير مجرور باللام أو الشأن أو ما يؤدي ما يؤديانه نحو: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا. هذا هو الضابط الذي ذكره المصنف؛ لأنه قصر السبب اللفظي الموجب للنصب على ما ذكره، وأما ابن عصفور فلم يقصر الأمر على ذلك، بل عداه إلى نحو: ما صنعت وأباك فأوجب فيه النصب أيضا، ولهذا جعل الضابط لما يجب نصبه أن يكون ثم جملة فعلية وقبل الواو ضمير خفض (١)، وقد تقدم البحث مع المصنف في كونه أوجب النصب في: ما لك وزيدا، ورجحه في: «ما صنعت وأباك» مع أنه يجيز العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، ويجيز إضمار الجار مع المعطوف أيضا، وأنه كان يجب عليه بمقتضى مذهبه في العطف على الضمير المجرور أن يسوّي المسألتين إما في الوجوب أو في الرجحان، أما كونه يوجب في إحدى المسألتين ويرجح في الأخرى فغير
ظاهر، ولكن تقدم أيضا ذكر ما يصلح أن يكون جوابا عن إيجابه النصب في نحو: ما لك وزيدا، وهو أن ذلك قد لا يكون اختياره، وإنما حكاه حكاية لكونه مذهب الأكثرين، وأما المعنوي فالمقتضي له أن لا يصلح العطف من حيث المعنى، مع أنه ليس في اللفظ ما يمنع منه، وموجب عدم صحة العطف انتفاء مشاركة ما بعد الواو لما قبلها في الحكم المذكور نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، واستوى الماء والخشبة، وسار زيد والنيل.
واعلم أن ابن عصفور لم يتعرض إلى ذكر السبب المعنوي الموجب للنصب، وكأن المقتضي عنده لعدم التعرض إليه ما أذكره، أما نحو: استوى الماء والخشبة، وسار زيد والنيل، فيظهر من كلامه وكلام غيره أنه لا يجب فيه النصب، ومن ثم -
стр. 2054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غلطوا الزجاجي في ادعائه وجوب النصب في استوى الماء والخشبة وقالوا: إن لم يصح العطف حقيقة فإنه يصح مجازا (١)، ولا شك أن هذا القول هو جار على مقتضى ما يقال: إن أصل المفعول معه العطف، وإن الواو هي العاطفة في الأصل وقد عرفت أنه قول الأكثرين، وأما نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه فقد يقول أعني ابن عصفور: إن العطف في هذا ممتنع لأن تشريك ما بعد الواو لما قبلها في الحكم [٢/ ٥٠٧] لا يجوز أن يكون مرادا هنا والمعية مرادة قطعا، وحينئذ يكون النصب متعينا بنفسه والعطف ممتنع من أصله لفساد المعنى إذا عطف، وإذا كان العطف غير متصور فهو منتف من الأصل، فليس النصب في مثل هذا إلا لأن الكلام لا يتصور فيه غير المعية، وإذا كان كذلك فلا نذكر هذه المسألة مع مسائل هذا الباب؛ لأنها إنما يقال فيها: يجب العطف أو يرجح أو يجب النصب أو يرجح، ألا وقد تصورنا صحة كل من العطف والمعية في تلك المسألة لكن منع من أحد الأمرين مانع أو جعله مرجوحا.
وأما رجحان العطف فله سببان أيضا معنوي ولفظي كما تقدم:
فالمعنوي هو انتفاء التكلف، وضابطه أن الكلام لا يكون فيه مانع من العطف من جهة اللفظ، ولا يحتاج فيه إلى تقدير فيه تكلف؛ لأنه إذا احتيج في العطف إلى ما فيه تكلف يكون النصب على المعية هو الراجح حينئذ، فيكون العطف مرجوحا لا محالة، واللفظي هو انتفاء الموهن أي المضعف للعطف، وضابطه أن يكون ثم ما لا يضعف العطف عليه، ثم قد لا يوجد عامل لفظا يصح توجهه إلى نصب المفعول معه، فيحتاج في النصب على المعية إلى تقدير عامل نحو: ما لزيد وأخيك، وما أنت والسير، وكيف أنت وقصعة، و:
١٦٦٣ - أزمان قومي والجماعة (٢)
و «أنا وإياه في لحاف»، وقد يوجد عامل نحو: جئت أنا وزيد، هذا عند المصنف. وأما عند ابن عصفور، فإنما ترجح العطف عنده في الأول أعني الذي لم -
стр. 2055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يذكر فيه عامل، وأما الثاني وهو الذي ذكر العامل فيه فهو من قبيل ما يستوي فيه الأمران عنده أعني العطف والنصب على المعية؛ ولهذا جعل ضابط ما ترجح عطفه أن تكون الجملة اسمية متضمنة معنى الفعل، وأن يتقدم الواو اسم لا يتعذر العطف عليه (١)، وكأنه يعني بقوله: لا يتعذر: لا يضعف، ثم قال: وإذا كانت الجملة فعلية وتقدم الواو اسم يسوغ العطف عليه نحو: جاء البرد والطيالسة، استوى الأمران (٢)، وما جنح إليه ابن عصفور هو الظاهر، وقد تقدم ما يدل على أرجحية رأيه في هذه المسألة، وأما رجحان النصب فله سببان أيضا لفظي ومعنوي وهما الأمران اللذان قلنا: إن انتفاءهما موجب لأرجحية العطف، فإذا وجدا كان العطف مرجوحا كما تقدم، وحينئذ يكون النصب على المعية هو الراجح، فاللفظي هو وجود موهن للعطف نحو: ما صنعت وأباك، والمعنوي هو وجود التكلف لو عطفنا نحو:
١٦٦٤ - فكونوا أنتم وبني أبيكم (٣)
والخوف من فوات المعنى المقصود [٢/ ٥٠٨] لو عطفنا أيضا نحو: لا تغتد بالسمك واللبن، وقد تقدم البحث مع المصنف في إيراده هذا الضرب في قسم ما يرجح نصبه، وكونه لم يورده في قسم الواجب النصب، وقد تقدمت الإشارة إلى أن ابن عصفور لم يتضمن كلامه هذا القسم أعني ما يرجح نصبه على عطفه، والموجب لأن لم يذكره أنه في نحو: ما صنعت وأباك يوجب النصب لعدم تجويزه العطف، وأما في:
فكونوا أنتم وبني أبيكم
فقد تقدم أنه ربما يدعى فيه وجوب النصب، وأما في نحو: لا تغتد [٣/ ٢٢] بالسمك واللبن فإنه إن ادعي أن النصب واجب في:
فكونوا أنتم وبني أبيكم
وجب أن يدعى وجوبه في: لا تغتد بالسمك واللبن بطريق الأولى، هذا آخر الكلام -
стр. 2056
[تعقيب على أقسام المفعول معه السابقة]
قال ابن مالك: (فإن لم يلق الفعل بتالي الواو جاز النصب على المعيّة وعلى إضمار الفعل اللّائق إن حسن «مع» موضع الواو وإلّا تعين الإضمار).
ــ
على تقرير أقسام مسائل هذا الباب، وإذا تأملت ما أتى به المصنف من نظم مسائله وتقرير أحكامها والإشارة إلى القيود الراجعة إلى قسم قسم، منها المدلول عليها من كلامه بالمنطوق والمفهوم من حسن الترتيب والتنقيح والتهذيب، علمت أنه قد رزق من التوفيق النصيب الأكمل وأن رتبته دونها رتبة السماك الأعزل، وقد ذكر الشيخ أبو عمرو بن الحاجب تقسيما فيه اختصار ولطافة بأن قال بعد ذكره حد المفعول معه: الذي قدمنا ذكره عنه المشتمل على أن المصاحب معمول فعل لفظا أو معنى، فإن كان العامل لفظيّا وجاز العطف فالوجهان، مثل: جئت أنا وزيدا، وإن لم يجز العطف تعيّن النصب مثل: جئت وزيدا، وإن كان العامل معنويّا وجاز العطف تعين مثل: ما لزيد وعمرو، وإلا تعين النصب مثل: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا؛ لأن المعنى: ما تصنع؟ (١). انتهى.
وهذا الذي ذكره أقرب إلى ضبط مسائل الباب من كلام أكثر المصنفين، وما ذكره هو أصل قواعد الباب، والفروع الزائدة ممكن بناؤها عليه، فرحمه الله تعالى وجزاه الجنة بمنّه وكرمه.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المصنف لما ذكر المسائل التي يجوز فيها العطف راجحا تارة ومرجوحا أخرى، ودخل في عموم الصور ما إذا ذكر بعد الواو منصوب، وكان ثم منصوب فعل مذكور قبلها، وكان مثل هذا لا يجوز فيه العطف إلا بشرط أن يكون الفعل صالحا للعمل فيما بعد الواو - نبّه على اشتراط ذلك بقوله: (فإن لم يلق الفعل بتالي الواو) إلى آخره، ودلّ هذا الكلام بمنطوقه على أن النصب إذا لم يكن الفعل لائقا إما على المعية أو على إضمار الفعل أو على الإضمار خاصة، وبمفهومه [٢/ ٥٠٩] على أن النصب على العطف في هذه الصورة غير جائز وكأنه -
стр. 2057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعد أن ذكر العطف والنصب على المعية قال: إنما يجوز الأمران إن كان الفعل لائقا بتالي الواو، فإن لم يكن الفعل لائقا امتنع النصب على جهة العطف وحينئذ فإن حسن مع موضع الواو جاز أن يكون النصب على المعية وعلى أن يكون العامل فعلا لائقا مقدرا بعد الواو ويصير الكلام إذ ذاك جملتين، وإن لم يحسن مع موضع الواو تعين أن يكون النصب بفعل مقدر.
قال المصنف: إن كان الفعل الذي قبل الواو غير صالح للعمل فيما بعدها، وحسن في موضعها «مع» جاز فيما بعدها أن يجعل مفعولا معه وأن ينصب بفعل صالح للعمل فيه، ومثاله قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ (١) فلا يجوز أن يجعل «شركاءكم» معطوفا؛ لأن «أجمع» لا ينصب الأمر والكيد ونحوهما ولك أن تجعل «شركاءكم» مفعولا معه، وأن تجعله مفعولا بـ «أجمعوا» مقدرا كأنه قيل:
فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، ومثله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ (٢) فلك أن تجعل «الإيمان» مفعولا معه، ولك أن تنصبه باعتقدوا مقدرا (٣)، فإن كان الفعل غير صالح للعمل فيما بعد الواو ولم تصلح «مع» في موضعها تعين إضمار فعل صالح للعمل، فمن ذلك قول الشاعر:
١٦٦٥ - إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزجّجن الحواجب والعيونا (٤)
فنصب العيون بكحلن مقدرا، ولا يجوز غير ذلك؛ لأن زججن غير صالح للعمل في العيون، وموضع الواو غير صالح لـ «مع» (٥). انتهى.
وتجويزهم النصب على المعية فيما لا يكون الفعل فيه لائقا بتالي الواو - دليل على أن الواو في هذا الباب ليس أصلها العطف، وقد أورد ابن عصفور على نفسه قوله -
стр. 2058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ فقال: قد زعمتم أن واو «مع» لم تستعمل إلا حيث يسوغ العطف وعطف الشركاء على الأمر غير سائغ في مشهور اللغة، فكيف أجزتم أن تكون الواو هنا بمعنى «مع»؟ وأجاب عن ذلك بأنه قال: وإن امتنع عطف الشركاء على الأمر بالنظر إلى مشهور اللغة لم يمتنع عطفه على الضمير المرفوع في «أجمعوا»، ألا ترى أنه لولا أن القراءة سنة متبعة لأمكن «وشركاؤكم» بالعطف على الضمير المرفوع لحصول الفصل بالمفعول (١) انتهى.
وهو كلام عجيب؛ لأن العطف على الضمير وإن كان لا مانع منه لفظا يغير المعنى المقصود من الآية الكريمة، وينقلب به الكلام إلى معنى آخر، ثم الظاهر من كلامهم حيث شرطوا صحة العطف في مسائل هذا الباب أن مرادهم أن يكون العطف يصح على ما من شأنه أن يكون مصاحبا لما بعد [٢/ ٥١٠] الواو على تقدير نصبه على المعية لا أن يصح العطف على أي شيء كان في الجملة.
ثم اعلم أن الذي ذكره المصنف في نحو:
١٦٦٥ م - .... ... وزجّجن الحواجب والعيونا
من أنه يقدر فيه فعل بعد الواو ناصب لما ذكر بعدها هو أحد القولين في هذه المسألة، وهو رأي الفراء والفارسي وجماعة من البصريين والكوفيين (٢)، فكما يقدر «كحّلن» في هذا البيت يقدر «يفقأ» في قول الشاعر:
١٦٦٦ - تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر (٣)
-
стр. 2059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وترى في قول الآخر:
١٦٦٧ - تسمع للأحشاء منه لغطا ... ولليدين جسأة وبددا (١)
والقول الآخر أن لا إضمار في نحو ذلك، بل الثاني معطوف على الأول على أن العامل ضمن معنى يصح اشتراك المتعاطفين فيه وهو رأي المبرد والمازني والجرمي وجماعة (٢)، فتضمن متقلدا في قول الشاعر:
١٦٦٨ - يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا (٣)
[٣/ ٢٣] معنى حاملا، وتضمن يجدع في البيت المتقدم معنى يذهب؛ لأنه إذا أجدع أنفه أذهبه، وتضمن تسمع للأحشاء معنى تعلم، وتضمن زجّجن معنى حسّنّ؛ لأن التزجيج تحسين، واحتج أصحاب القول الأول بأنه لا يسوغ:
علفتها ماء وتبنا كما يسوغ: علفتها تبنا وماء (٤)، ولو كان على التضمين لجاز، قال أصحاب القول الثاني: الذي يدل على التضمين ويقطع ببطلان إضمار الفعل أنه قد وجد في كلامهم ما ادعوا أنه لا يسوغ وهو مثل علفتها ماء وتبنا، قال طرفة: -
стр. 2060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٦٩ - أعمرو بن هند ما ترى رأي ضربة ... لها سبب ترعى به الماء والشّجر (١)
وقال آخر:
١٦٧٠ - ونابغة الجعديّ بالرّمل بيته ... عليه صفيح من تراب وجندل (٢)، (٣)
قالوا: وممّا يضعف مذهب القائل بالإضمار أنه جاء منه ما هو بعد مخفوض بالإضافة، كقول القائل (٤):
١٦٧١ - شرّاب ألبان وتمر وأقط (٥)
لأنه إذا أضمر أكّال تمر كان قد حذف المضاف ولم يقم الثاني مقامه مع أنه لم يتقدم له ذكر في اللفظ، وذلك غير سائغ، قال الشيخ: واختلف في هذا النوع من العطف أهو قياس أم سماع، قال: والأكثرون على أنه قياس، وضابطه: أن يكون الأول والثاني يجتمعان في عاملهما (٦). -
стр. 2061
[أمثلة مختلفة في هذا الباب وما يجوز فيها]
قال ابن مالك: (والنّصب في نحو حسبك وزيدا درهم، بـ «يحسب» منويّا وبعد «ويله» و «ويلا له» بناصب المصدر، وبعد «ويل له» بألزم مضمرا وفي «رأسه والحائط» و «امرءا ونفسه» و «شأنك والحجّ» على المعيّة أو العطف بعد إضمار «دع» في الأول والثّاني و «عليك» في الثّالث، ونحو: «هذا لك وأباك» ممنوع في الاختيار).
ــ
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): ومما يشبه المفعول معه وهو عند سيبويه مفعول به المنصوب بعد حسبك وكفيتك وأخواتهما، وبعد «ويله» و «ويلا له».
قال سيبويه: قالوا: حسبك وزيدا درهم لما كان فيه [٢/ ٥١١] معنى كفاك، وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل، كأنه قال: حسبك ويحسب أخاك درهم، وكذلك كفيتك، وأما ويلا له وأخاه، وويله وأباه فانتصب على معنى الفعل الذي نصبه كأنك قلت: ألزمه الله ويله وأباه، ثم قال: وإن قلت: ويل له وأباه نصبت لأن فيه ذلك المعنى، كما أن حسبك مرتفع بالابتداء، وجعل لما فيه من معنى كفاك دليلا على فعل يوافقه معنى وهو يحسب، وكذا ويل له يرتفع بالابتداء، وفيه معنى: ألزمه الله ويلا، فجعل دليلا على فعل يوافقه معنى وينصب أباه (٢).
انتهى ما ذكره المصنف عن سيبويه رحمه الله تعالى (٣)، وإنما قال المصنف في نحو: حسبك ليدخل كفيتك وقطك وقدك؛ لأن هذه الكلمات بمعنى حسب، قال الشاعر (٤):
١٦٧٢ - فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد (٥)
-
стр. 2062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والزمخشري جعل هذا المنصوب مفعولا معه (١)، وليس كذلك؛ لأن المفعول معه لا ينصبه إلا الفعل أو ما جرى مجراه، و «حسبك» ليس جاريا مجرى الفعل، وإن كان فيه معنى الفعل، وقد تقدمت الإشارة في أول الباب أن العامل المعنوي لا ينصب المفعول معه عند سيبويه، وها هو قد صرح الآن أن النصب في: حسبك وأخاك درهم بفعل مقدر أي: ويحسب أخاك درهم (٢)، ويحسب مضارع أحسب، يقال: أحسب فلان فلانا إذا أعطاه حتى يقول حسبي قالوا: والتقدير في: كفاك وزيدا درهم أوضح؛ لأن كفاك هو مصدر الفعل الذي يضمره، التقدير: ويكفي زيدا درهم وهو في: قطك وزيدا درهم أبعد؛ لأن قطك ليس في الفعل المضمر شيء من لفظه، وإنما هو ناصب مفسر من حيث المعنى فقط (٣)، قال الشيخ: وفي الفعل المضمر يعني في الأمثلة المذكورة فاعل مضمر يعود على الدرهم والنية بالدرهم التقديم، فالتقدير حسبك درهم، ويحسب زيدا، قال: فيصير من عطف الجمل، ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال؛ لأن طلب المبتدأ للخبر، وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مجراه، ولا عمله فلا يتوهم ذلك فيه (٤). انتهى.
والكلام فيما ذكره من وجهين:
أولهما: أن تقول: العلة التي ذكر أنها مانعة أن يكون «حسبك وزيدا درهم» من باب الإعمال غير ظاهرة؛ لأن المبتدأ عامل، كما أن الفعل عامل، فإذا توجه طلب المبتدأ إلى شيء مع توجه عامل آخر هو فعل في ذلك التركيب إلى ذلك الشيء -
стр. 2063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان كل منهما أعني المبتدأ والفعل طالبا لذلك المعمول صالحا للعمل فيه، وليس المراد من تنازع العاملين سوى ذلك، نعم قد يمتنع جعله من باب الإعمال لأمر آخر غير الذي ذكره كما ستجيء الإشارة إلى ذلك.
ثانيهما: أن قوله: فيصير هذا من عطف الجمل غير ظاهر أنه كذلك، وبيانه:
أن الفعل المقدر إذا كان رافعا لضمير الدرهم فـ «درهم» الملفوظ به هو خبر المبتدأ الذي هو حسبك، وعلى هذا فحسبك درهم هو الجملة والعطف [٢/ ٥١٢] على الجملة إنما يكون بعد تمامها، وتقديره يلزم منه تقدم الجملة المعطوفة على أحد جزأي الجملة المعطوف عليها.
ومن هذا يعلم امتناع كون المسألة من الإعمال؛ لأنك إذا أعملت الأول كان «درهم» خبرا عن حسبك، والفعل المقدر معطوف، فإن كان من عطف الجمل فكيف يعطف على الجملة قبل تمامها، وإن كان من عطف المفردات فعطف فعل على اسم لا يشبه الفعل غير جائز (١)، ثم لازم تقرير الشيخ شيء آخر وهو تأخر مفسر الضمير [٣/ ٢٤] عنه (٢) في غير الأبواب المعروفة بجواز تقديم الضمير على مفسره، وأما قوله: إن «درهم» يقدر تقديمه فغير ظاهر ولا يسلم له ذلك.
وبعد؛ فإن صح العطف على الوجه الذي قرره الشيخ فلا كلام وإلا فتصحيح العطف أن يقال: إن فاعل الفعل المقدر هو درهم الملفوظ به ويقدر للمبتدأ الذي هو حسبك خبر محذوف يدل عليه فاعل الفعل المقدر، فيكون التقدير: حسبك درهم ويحسب زيدا درهم، وتكون الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، ثم لقائل أن يدعي أن العطف في المسألة من قبيل عطف المفرد على المفرد، وذلك أن معنى حسبك كافيك، وكافيك يجوز عطف الفعل عليه؛ لأنه اسم يشبه الفعل، ولا شك أن حسبك بمعناه فجاز عطف الفعل عليه؛ لأن العطف على المعنى قد ثبت في -
стр. 2064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلام العرب (١)، وعلى هذا يتصور أن تكون المسألة من باب الإعمال، فإن أعملت الأول الذي هو حسبك كان درهم هو الخبر، وعاد الضمير الذي هو فاعل الفعل المقدر عليه، وإن أعملت الثاني كان «درهم» الملفوظ به فاعلا، وتضمره للعامل الأول فتقول: حسبك هو ويحسب زيدا درهم، ثم تحذفه لأن حذف الخبر جائز إذا دل عليه دليل فيؤول الكلام إلى حسبك وزيدا درهم، وهذا البحث إن سلم من خدش وجب الاستمساك به إذ لا يتوجه عليه شيء من الإشكالات التي تقدم ذكرها والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما المنصوب بعد ويله وويلا له إذا قلت: ويله وأباه وويلا له وأباه، فقد قال المصنف: إنه ينتصب بناصب المصدر، وأنه بعد ويل له «بألزم» مضمرا (٢)، فأفاد أنه ليس مفعولا معه، وأن نصبه نصب المفعول به. نسأل الله تعالى أن يهدينا ويرشدنا إلى الحق، إنه على كل شيء قدير. وإذا كان مفعولا به فهو معطوف على ما قبله ولا جائز أن يكون معطوفا على «ويله» إذ لا معنى لذلك، ولأن «الأب» مدعو عليه بالويل، فوجب أن يكون معطوفا على شيء محذوف مدلوله مدلول المدعو عليه وهو الضمير المنصوب «بألزمه» الذي قدره سيبويه (٣)، فالعامل في «أباه» هو العامل في الضمير؛ لأن «أباه» معطوف عليه، وإذا كان كذلك فلم يتضح لي قول المصنف: (والنصب بعد «ويله» و «ويلا له» بناصب المصدر)؛ لأن المصدر هنا [٢/ ٥١٣] منصوب على أنه مفعول مطلق، وناصب المفعول المطلق إنما يكون فعلا من معناه والفعل الذي من معناه لا طلب له للمفعول به، فكيف يصح عمل شيء في شيء لا يقتضيه؟ وكأن المصنف اعتمد فيما ذكره على قول سيبويه.
وأما «ويلا له وأخاه» و «ويله وأباه» فانتصب على معنى الفعل الذي نصبه كأنه قال: ألزمه الله ويلا وأباه (٤)؛ لأن ظاهر هذه العبارة يعطي أن الناصب لأباه -
стр. 2065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو الذي نصب ويلا، فيقول المصنف: وويلا مصدر فاتجه أن تقول: إن ناصب المصدر هو الناصب لأباه، ولكن القول بذلك غير ظاهر، فإن ويلا له إذا كان مفعولا مطلقا كان العامل فيه فعلا من معناه و «ألزم» ليس من معناه
كما تقدم، ولا شك أن كلام سيبويه ليس فيه تصريح بما قاله المصنف بل هو محتمل لذلك ولغيره؛ لأن قوله: كأنك قلت: ألزمه الله (١)، يقتضي أن (٢) الناصب للمعطوف هو عامل من معنى الفعل الذي نصب ويلا لا أنه هو نفسه فيكون ويلا مفعولا مطلقا، والناصب له فعل من معناه، وأباه مفعول به، والناصب له فعل من معنى الفعل الناصب للمفعول المطلق، فوجب النظر في كلام سيبويه والتفهم لما أراده؛ إلا أن النصب بعد «ويل له وأباه» يقوي أن الناصب للمعطوف غير الذي نصب ويلا.
وبعد؛ فإذا حملنا كلام سيبويه على ظاهره وقدرنا أن أصل الكلام «ألزمه الله ويلا وأباه» كان «ويلا» مفعولا به لا مفعولا مطلقا، وبعد فقد تعذر عليّ فهم هذا الموضع كما ينبغي ولم أجد في كلام المصنف ولا في كلام الشيخ في ذلك ما يشفي، وكلام سيبويه فيه احتمال كما عرفت مع ما فيه من الإشكال، ولو قيل بأن «ويله» وكذا «ويلا له» في هذا التركيب ليس مفعولا مطلقا إنما هو مفعول به، وهو مفعول ثان لألزم المضمر - لكان متجها فإن ابن الضائع ذكر أن مذهب سيبويه في نحو ضربا زيدا أنه منصوب بالزم مضمرا، وإذا كان كذلك فهو مفعول به، ولا شك أن «ويلا» مثله في كونه مصدرا بدلا من اللفظ بالفعل فيقدر له «ألزم» ناصبا كما قدر في «ضربا» فإن تم هذا الذي ذكرناه سهل الأمر واندفع الإشكال ويصير التقدير: ألزمه الله وأباه ويلا، وحينئذ يحمل قول المصنف بناصب المصدر على أنه أراد بالناصب الذي نصب «ويلا» الذي هو مقدر لأنه أراد بالمصدر المفعول المطلق، وبعد فالله تعالى أعلم بالصواب. -
стр. 2066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم إن المصنف بعد أن ذكر المسائل التي ظاهرها أن المنصوب فيها مفعول معه، وحكم بأن ذلك المنصوب مفعول به أشار إلى ثلاث المسائل التي ذكرها بعد - يجوز في المنصوب فيها أن يكون مفعولا معه وأن يكون معطوفا على ما قبله [٢/ ٥١٤] وهي: رأسه والحائط وامرأ ونفسه، وشأنك والحج، وذلك أن العامل المقدر الذي هو «دع» في الأولى والثانية، و «عليك» في الثالثة صالح للعمل في المفعول معه ولا مانع منه.
والعطف أيضا سائغ ولا منافاة بين المعنيين، بل المعنى إن عطفت أو لم تعطف واحد، فجاز الأمران. لذلك قال سيبويه ﵀ [٣/ ٢٥] تعالى: «ومن ذلك رأسه والحائط كأنه قال: خلّ أو دع رأسه مع الحائط، فالرأس مفعول والحائط مفعول معه فانتصبا جميعا، ومن ذلك قولهم: شأنك والحج، كأنه قال: شأنك مع الحج، ومن ذلك امرأ
ونفسه كأنه قال: دع امرأ ونفسه، فصارت الواو في معنى «مع» كما صارت في معنى «مع» في قولهم: ما صنعت وأباك، وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى فهو عربي جيد، كأنك قلت: عليك رأسك، وعليك الحائط، وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه، فليس ينقض هذا ما أردت في معنى «مع» من الحديث» (١). انتهى.
فانظر إلى هذا الرجل المسدد الموفق وإلى الإفصاح عن المقصود بهذه العبارة السعيدة المفيدة الحكم مع التعليل، وقد استفيد من تجويزه النصب على المعية في هذه المسائل الرد على من يعتقد أن المفعول معه لا يكون إلا مع الفاعل (٢)، ثم إن الشيخ ناقش المصنف في قوله: (وعليك في الثالث)، قال: لأن اسم الفعل لا يعمل مضمرا، قال: والعلة في ذلك أن أصل العمل في المفعول به للفعل واسم الفعل نائب عنه فهو فرع، فلم يتصرفوا فيه تصرف الفعل بأن يجيزوا إعماله مضمرا؛ لئلا يساوي الفرع الأصل، قال: وإنما غرّ المصنف في ذلك تمثيل سيبويه ذلك بعليك (٣) -
стр. 2067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتفسير الإعراب هو الزم شأنك، بهذا قدره النحويون وقالوا: لا يضمر عليك، وإنما يضمر الفعل (١). انتهى.
وأقول: إن كان اسم الفعل لا يعمل مضمرا إجماعا منهم فلا كلام ووجب حمل كلام سيبويه على ما قاله، وإن لم تكن المسألة إجماعية فكلام سيبويه يحمل على ظاهره دون تأويل ولا تتوجه مناقشة الشيخ للمصنف حينئذ (٢)، وأما التعليل الذي ذكره فلا يخفى ضعفه، ويلزم منه أن اسم الفعل لا يعمل مقدرا لأنه فرع على الفعل أيضا ولا قائل بذلك، وأما قول المصنف: (ونحو هذا لك وأباك ممنوع في الاختيار) فقد تقدمت الإشارة إليه عند الكلام على العامل في المفعول معه، وأعاد المصنف الكلام هنا فقال: قال سيبويه: «وأما هذا لك وأباك فقبيح لأنه لم يذكر فعلا ولا حرفا فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل» (٣).
قال المصنف: كثر في كلام سيبويه التعبير بالقبيح عن عدم الجواز وقد استعمله قبل إذ قال في: حسبك وزيدا درهم: لما كان فيه معنى كفاك، وقبح أن يحملوه على المضمر [٢/ ٥١٥] نووا الفعل، واستعمله هنا أيضا في قوله: وأما هذا [لك] وأباك فقبيح (٤)، قال: والحاصل أن سيبويه قد أفصح بأن اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن
معنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه؛ لأنه حكم على أن «هذا لك وأباك» بأنه قبيح ومراده أنه غير جائز، ولو كان اسم الإشارة صالحا عنده لنصب المفعول معه أو ما تضمن معنى الاستقرار من ظرف أو حرف جر لأجاز أن يقال: هذا لك وأباك مجيزا بين أن يثبت العمل لهذا أو لك، وقد أجاز أبو علي رحمه الله تعالى في قول الشاعر: -
стр. 2068
[مسألتان في ختام هذا الباب]
قال ابن مالك: (وفي كون هذا الباب مقيسا خلاف ولما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ما له متقدّما، وقد يعطى حكم ما بعد المعطوف خلافا لابن كيسان).
ــ
١٦٧٣ - هذا ردائي مطويّا وسربالا (١)
أن ينصب السربال بهذا مفعولا معه، وأجاز بعض النحويين أن يعمل في المفعول معه الظرف وحرف الجر (٢)، (٣).
قال ناظر الجيش: ختم المصنف الباب بذكر مسألتين:
الأولى:
هل يقتصر في مسائل هذا الباب على السماع أو لا؟
قال المصنف: وبعض النحويين يقتصر في مسائل هذا الباب على السماع (٤).
والصحيح استعمال القياس فيها على الشروط المذكورة (٥). انتهى.
ولابن عصفور في ذلك كلام وكذا لغيره (٦) وهو لا يجدي طائلا، وهو مبني -
стр. 2069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عند ابن عصفور على أن الواو في ذا الباب أصلها العطف (١)، ومن ثمّ منع القياس، وقد عرفت أن الحق خلاف ذلك، وبعد ففي قول المصنف: والصحيح استعمال القياس فيها على الشروط المذكورة كفاية.
المسألة الثانية:
قد عرفت أنك عند نصب ما بعد الواو على المعية قاصد إلى نسبة الحكم أو إيقاعه على الأول مصاحبا لما بعد الواو، فقد لا يشارك ما بعد الواو ما قبلها فيما نسب إليه أو واقع عليه، وقد لا يشاركه، لكن المتكلم لم يقصد بكلامه التشريك، بل أعرض عن ذلك وجرد القصد إلى المصاحبة فقط، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يقال: كان زيد وعمرا متقنا، فتفرد الخبر كحاله لو تقدم فقلت: كان زيد متقنا وعمرو، كذا يقال: جاء البرد والطيالسة شديدا فيفرد شديدا الذي هو الحال كحاله لو تقدم فقلت: جاء البرد شديدا والطيالسة (٢)، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله:
(ولما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ما له متقدما)، ثم أشار بقوله: (وقد يعطى ما بعد المعطوف) إلى
أنه قد يعطى الخبر والحال مع المفعول معه حكم ما بعد الاسم المعطوف عليه بالواو، فيطابق الخبر والحال الاسم والمفعول معه كما يطابق الاسم والمعطوف عليه فيقال: كان زيد وعمرا مذكورين، وجاء [٢/ ٥١٦] زيد وعمرا ضاحكين (٣).
قال المصنف: وأجاز الأخفش: كنت وزيدا مذكورين كما يقال مع العطف والإفراد أولى، كما يكون مع «مع»، وهو عند ابن كيسان لازم (٤) أعني مطابقة ما قبل الواو، ومما يدل على أن «مع» يكون ما بعدها بمنزلة المعطوف بالواو قول الشاعر: -
стр. 2070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٧٤ - مشق الهواجر لحمهنّ مع السّرى ... حتّى [٣/ ٢٦] ذهبن كلا كلا وصدورا (١)
أراد مزّقت الهواجر والسرى لحمهن، فأقام «مع» مقام الواو (٢). انتهى.
ولم يظهر لي كون «مع» يكون ما بعدها بمنزلة المعطوف بالواو في هذا البيت إذ لا يمنع أن يكون الشاعر أراد: مزقت الهواجر لحمهن مصحوبة بالسرى أي مضمومة إليه، وكأن المصنف يقول: لا مصاحبة بينهما؛ لأن الهواجر تكون نهارا، والسرى يكون ليلا، والجواب: أن المصاحبة بينهما في التمزيق، وعلى هذا يكون الإفراد لازما كما هو رأي ابن كيسان، ولا يشكل على ذلك إلا قولهم: كنت أنا وزيدا كالأخوين إن ثبت أنه من كلام العرب وتقوم الحجة به على ابن كيسان، قال الشيخ: وإجراء مع مجرى الواو العاطفة فيراعى مجرورها مراعاة المعطوف فيه خلاف، أجاز الكسائي وهشام: عبد الله مع جاريته قاعدان، على أن «مع» محمولة على الواو والتقدير: عبد الله وجاريته قاعدان، ومنعه الفراء، وأجاز الكسائي وأصحابه: اختصم زيد مع عمرو بمعنى اختصم زيد وعمرو، ولم يجزه الفراء أيضا، قال: والمختار هو مذهب الفراء (٣)، قال: ويجوز الفصل بين الواو العاطفة وبين معطوفها بالظرف فتقول: قام زيد واليوم عمرو، ولا يجوز ذلك في الواو التي بمعنى «مع» لا بظرف ولا بغيره؛ لأنها صارت بمنزلة «مع» و «مع» لا يفصل بينها وبين مجرورها (٤).
الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. -