. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غدوة وعشية، فقد أجاز أبو الحسن الجر في المعطوف والنصب، أما النصب فوجهه ظاهر (١)، وأما الجر فقالوا: لأن «غدوة» وإن لم تجر لفظا فهي في موضع جر (٢)، قال المصنف - في شرح الكافية الشافية -: والنصب في المعطوف بعيد عن القياس (٣)، قال الشيخ: والذي أختاره أنه لا يجوز في المعطوف إلا النصب، لأن «غدوة» عند من نصب ليس في موضع جر، فليس من باب [٢/ ٤٧١] العطف على الموضع وهو نصب صحيح؛ فإذا عطف عليه، ولا سيما على مذهب من جعل «غدوة» منصوبة بكان مضمرة فلا يتخيل فيه إذ ذاك جرّا البتة، فإن قلت: يلزم من ذلك أن تكون «لدن» قد انتصب بعدها ظرف غير «غدوة» ولم يحفظ نصب بعدها إلا في غدوة، فالجواب: أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل (٤). انتهى.
وأما الرفع بعد «لدن» فعلى تقدير «كان» أي لدن كانت غدوة، قال الشيخ:
وظاهر كلام ابن جني أنها مرفوعة بلدن فإنه قال: وقد شبهه بعضهم بالفاعل فرفع فقال: لدن غدوة كما تقول في اسم الفاعل: ضارب زيد. انتهى (٥). ولا يخفى بعد القول بأنها مرفوعة (٦) [٣/ ٤] بلدن، وكلام ابن جني ليس صريحا في ذلك.
البحث التاسع:
قال الشيخ: قول المصنف: وتفرد - يعني مع - فتساوي جميعا معنى ليس بصحيح، قال: وهذه المسألة جرت بين أحمد بن يحيى (٧) وأحمد بن قادم (٨)، وهما من شيوخ الكوفة، سأل أحمد بن يحيى عنها ابن قادم قال: فلم يزل يركض -
стр. 1997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها إلى الليل وفرق أحمد بن يحيى بأن جميعا تكون للقيام في وقتين وفي وقت واحد، إذا قلت: قام زيد وبكر معا (١)، ثم قد عرفت أن المصنف اختار مذهب يونس والأخفش في أن «معا» كفتى لفظا لا كيد إذا نصبت، واستدل لصحة ذلك بأنك تقول: الزيدان معا والعمرون معا، فتوقع معا في موضع رفع كما توقع الأسماء المقصورة كقولك: هو فتى وهم عدى، ولو كان باقيا على النقص لقيل: الزيدون مع، كما يقال: هم يد واحدة على من سواهم، لكن قد قال الشيخ: ما ذكره المصنف من أنه لو كان الأمر كما ذهب غير يونس والأخفش، لكان يلزم الرفع في مثل قولنا: الزيدون معا خطأ فاحش؛ لأن «مع» قد تقرر أنها ظرف لا يتصرّف، وقد ذكر هو ذلك، فقولك: الزيدون معا، هو منصوب على الظرف الواقع خبرا كما تقول: الزيدون عندك، وإذا كان ظرفا لا يتصرف فلا يرفع (٢). انتهى.
ولك أن تجيب عن المصنف فتقول: إن الظرف الذي لا يتصرف إنما هو «مع» الملازمة للإضافة، أما المفردة عن الإضافة فليست كذلك، بل تقول: إن الظرفية لا يتعقل فيها حالة الإفراد، وإنما يتعقل ظرفيتها حال إضافتها، وإذا لم يحكم عليها بالظرفية حال الإفراد فمعناها في نحو: جاء الزيدان أو الزيدون معا، إما معنى جميعا كما رأى المصنف ومن وافقه، وإما معنى مصطحبين أو مصطحبين فالظرفية منفية عن كل من المعنيين، والنصب في كلتا الكلمتين أعني جميعا ومصطحبين لو صرح بهما إنما هو على الحال فكذلك نصب معا إذا وقعت هذا الموقع إنما هو على الحال لا على الظرف، وكذا يكون المعنى في قول الشاعر:
١٦٢٥ - وشعباكما معا (٣) [٢/ ٤٧٢]
وقول الآخر:
١٦٢٦ - وأهواؤنا معا (٤)
والتقدير: وشعبا كما مصطحبان أي مقترنان، وأهواؤنا مصطحبة أي مقترنة، فمعا مرفوعة في هذين البيتين على الخبرية، وليست منصوبة على الظرف، إذ قد بينا أنه لا ظرفية حينئذ، وإذا كان كذلك فلو كانت «مع» حال إفرادها «كيد» -
стр. 1998
[التوسع في الظرف المتصرف]
قال ابن مالك: (ويتوسّع في الظّرف المتصرف فيجعل مفعولا به مجازا ويسوغ حينئذ إضماره غير مقرون بفي والإضافة والإسناد إليه، ويمنع من هذا التّوسّع على الأصحّ تعدّي الفعل إلى ثلاثة).
ــ
لوجب الرفع، فكان يقال: «مع» فصح كلام المصنف بهذا التقدير وانتفى عنه الخطأ الفاحش والحمد لله.
قال ناظر الجيش: قال المصنف رحمه الله تعالى (١): من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه ومقام المفعول الموقع به الحدث، فالأول: كقوله تعالى: اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ (٢) وقوله تعالى: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (٣) وكقول الشاعر (٤):
١٦٢٧ - أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيّق الحجر معور (٥)
والثاني: كقولهم: ولد له ستون عاما (٦)، وصيد عليه الليل والنهار (٧)، وكقول الشاعر:
١٦٢٨ - أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة ... واللّيل في جوف منحوت من السّاج (٨)
-
стр. 1999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يعني نفسه وكان مأسورا فأخبر أن نهاره مقيد وليله مسجون مبالغة ومجازا، ويضاف المصدر إلى الظرف المتوسع فيه على الوجهين، فإضافته إليه على تقدير كونه فاعلا، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا (١) كان الأصل:
ليلكم ونهاركم ماكران، ثم أضيف المصدر إلى المخبر عنه بمعناه مجازا كما يضاف إلى المخبر عنه بمعناه حقيقة، وإضافته إليه على تقديره مفعولا به كقوله تعالى:
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (٢) أي إمضاء أربعة أشهر، وكما أضيف إليه المصدر على تأويل الفاعلية وعلى تأويل المفعولية أضيفت إليه الصفة بلفظ اسم الفاعل ولفظ اسم المفعول، فمن الأول:
١٦٢٩ - يا سارق اللّيلة أهل الدّار (٣)
ومن الثاني: يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما سيبويه، وإذا ثبت أن من كلامهم: التوسع بجعل الظرف المتوسع فاعلا ومفعولا به ومضافا إليه على معنى الفاعلية والمفعولية لزم من ذلك جواز الحكم عليه في حال النصب بأنه مفعول به تجوزا ما لم يمنع من ذلك مانع، وتظهر فائدة ذلك في إضماره مستغنيا عن لفظ «في» فإن الظرف أصله أن يكون مقرونا بلفظها، فاستغني عن لفظها بمعناها مع الظاهر ولزم [٢/ ٤٧٣] الرجوع إلى الأصل مع الضمير؛ لأن الإضمار يرد الشيء إلى أصله، ولذلك لزم من يقول: لد زيد، أن يقول: من لدنه يرد النون، ولزم من يقول: لم تك صديقا، أن يقول: أما الصديق فإن لم تكنه فمن يكنه؟ فيرد النون أيضا، ولزم من يقول: قعدت جبنا:
الجبن قعدت له فيرد اللام، ولا يستغنى مع المضمر بمعناها كما استغني مع الظاهر ولزم من يقول: المال لزيد بكسر اللام أن -
стр. 2000
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقول: المال له فيفتح لأن فتحها هو الأصل (١)، فعلى هذا يلزم من أضمر الظرف مقصودا به معنى الظرفية أن يقرنه بفي، كقولك في صمت اليوم: اليوم صمت فيه، فمن قال: صمته علم أنه لم يقصد الظرفية، وإنما قصد جعله مفعولا به توسّعا (٢)، فمن ذلك قول الشاعر: -
١٦٣٠ - ويوما شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى الطّعن النّهال نوافله (٣)
ومثله: -
١٦٣١ - فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فدعه إلى اليوم الّذي أنت قادره (٤)
ومثله (٥): -
١٦٣٢ - يا ربّ يوم لي لا أظلّله ... أرمض من تحت وأضحى من عله (٦)
وهذا التوسع في باب «أعلم» جائز على ظاهر قول [٣/ ٥] سيبويه، فإنه قال في -
стр. 2001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول بعد أن مثل بأرى عبد الله أبا فلان: لو أدخلت في هذا الفعل وبنيته له لتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين، ثم قال: واعلم أن الأفعال إذا انتهت ها هنا فلم تجاوز، تعدت إلى جميع ما يتعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى المفعول وذلك قولك: أعطى عبد الله الثوب إعطاء جميلا ونبئت زيدا أبا فلان تنبؤا، وسرق عبد الله الثوب الليلة، لا تجعله ظرفا ولكن تجعله على قولك:
يا مسروق الليلة الثوب (١) هذا نصه، قال ابن خروف في شرحه: أجاز سيبويه نصب الظرف مفعولا به بالمتعدي إلى ثلاثة، وإنما قاسه ولم يقس النقل؛ لأن النقل فيه نصب الفاعل ولا ينصب الفاعل إلا تشبيها بما ثبت أصله في الكلام كما نصب الفاعل في حسن الوجه تشبيها بضارب زيدا، ونصب الظرف على الاتساع ليس فيه تغيير عما كان عليه وجميعه مجاز في متعد لواحد أو أكثر، والنقل كله حقيقة فاقتصر فيه على السماع بخلاف نصب الظرف على الاتساع، فإنه مجاز فلا معنى لمراعاة التعدي وغير التعدي فيه (٢)، ومنعه قوم في باب «أعلم» قياسا على النقل.
قال محمد بن مالك (٣) غفر الله تعالى له: جواز تعدي ذي ثلاثة إلى ظرف على أنه مفعول به يستلزم مشبها دون
مشبه به؛ لأنه إذا فعل ذلك بما له مفعول واحد أو مفعولان لم يعدم أصلا يحمل عليه بخلاف نصبه بما له ثلاثة؛ فإنه يلزم منه فرع لا أصل له ومشبه دون مشبه به فوجب منعه، ولأن جواز ذلك [٢/ ٤٧٤] في غير باب أعلم مرتب على ما سمع من إقامة الظرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه ومقام ما يوقع به في إخبار عنه وإضافة إليه، ولم يسمع من ذلك شيء في باب «أعلم» فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه (٤). هذا كلام المصنف ولنتبعه بأمور يتعين التنبيه عليها:
١ - منها: أن قول المصنف: (ويتوسع في الظرف المتصرف) - يشمل ظرف الزمان وظرف المكان، لكنه لم يمثل إلا لظرف الزمان وقد مثل لظرف المكان بقول الشاعر: - -
стр. 2002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٣٣ - ومشرب أشربه وشيل ... لا آجن الطّعم ولا وبيل (١)
فالضمير في أشربه عائد على مشرب وهو مفعل من الشرب أي مكان شرب.
هكذا ذكر الشيخ في هذا البيت (٢)، والظاهر أن المراد بمشرب في هذا البيت المصدر وأريد بالمصدر المفعول، فالمراد بمشرب شرب والمراد بشرب المشروب.
وإذا كان كذلك فلا يتم الاستدلال بهذا البيت على الاتساع في ظرف المكان ولا شك في صحة الاتساع في ظرف المكان المتصرف، فمن أمثلة سيبويه: سير عليه فرسخان (٣)، لكن نقل الشيخ عن صاحب البسيط أن التوسع في ظرف المكان لا يطرد بخلاف ظرف الزمان، قال: يقال: نحى نحوك وقصد قصدك وأقبل قبلك، قال: رفعوا فدلّ على نصب التوسع، ولا يجوز: ضربت خلفك فيجعله مضروبا وكذلك لا يتوسع فيجعله فاعلا، فتوسع الفاعل والمفعول غير مطرد في المكان، وإنما كان ذلك لأن ظرف الزمان أشد تمكنا منها (٤).
٢ - ومنها: أن اشتراط التصرف في الظرف الذي يتوسع فيه ظاهر؛ لأن غير المتصرف لا يسند إليه ولا يضاف إليه.
٣ - ومنها: أنهم شرطوا في جواز التوسع أن يكون العامل في الظرف الذي يتوسع فيه فعلا أو ما يعمل عمله إذا كان من جنس ما ينصب المفعول به (٥)، فمثال الفعل قوله: -
стр. 2003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٣٤ - ويوما شهدناه ... ... ... البيت (١)
وقول الآخر: -
١٦٣٥ - قد أصبحت صحبها السّلام ... بكبد خالطها سنام
في ساعة يحبّها الطّعام (٢)
أي يحب فيها الطعام، والمراد بما يعمل عمل الفعل ما يرفع الفاعل إذا كان من فعل لا يتعدى، وما ينصب المفعول إذا كان من فعل يتعدى، مثال الأول: منطلق، ومثال الثاني: أكل، فيقال: أما الليلة فأنا منطلقها، تريد فأنا منطلق فيها، وأما اليوم فأنا آكله خبزا، تريد فأنا آكل فيه خبزا، فجاز هذا كما يجوز في الفعل إذا قلت: الليلة انطلقتها أي انطلقت فيها، واليوم أكلته خبزا أي أكلت فيه خبزا، ولا يجوز أن يقال: أما اليوم فليته زيدا منطلق، تريد ليت فيه زيدا منطلق، ولا أما الليلة فما أتاها زيد منطلقا، تريد فما فيها زيد منطلقا؛ لأن ما وليت وأخواتها ليس ينصب شيء منها
المفعول في موضع من المواضع، فلذا [٢/ ٤٧٥] لم ينصب ما اتسع فيه من الظروف وجعل بمنزلة المفعول به، وقد نقل عن الأخفش جواز ذلك في ما، والذي صححه الجمهور أن ذلك لا يجوز، وإنما قيدوا العامل عمل الفعل بقولهم: إذا كان من جنس ما ينصب المفعول به؛ ليخرج المجرور والظرف الواقعان (٣) موضع الخبر نحو قولك: زيد في الدار يوم الجمعة، وزيد عندك يوم الخميس، فإنهما يرفعان الفاعل كما يرفعه الفعل إلا أنهما ليسا من جنس ما ينصب المفعول به، فلا يجوز نصب يوم الجمعة ويوم الخميس على الاتساع، بل هما منصوبان على الظرف.
والدليل على أنهما ليسا فيما ذكرنا منصوبين على الاتساع أنه لا يجوز أن يأتي في مثل ذلك بضمير منصوب، فلا يجوز أن تقول: أما يوم الجمعة فزيد في الدار -
стр. 2004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إياه، تريد فزيد في الدار فيه، ولا أما يوم الخميس فزيد عندك إياه، تريد فزيد عندك فيه، وذلك لأنهما ليسا من جنس ما ينصب المفعول به، لأن العرب لم تنصب بالظرف والمجرور الواقعين موقع الخبر المفعول به في موضع من المواضع كما نصبته بالفعل واسم الفاعل.
٤ - ومنها: أن الضمائر من الزمان والمكان لا تقع خبرا للمبتدأ [٣/ ٦] منصوبة كما يقع الظرف في شيء من كلام العرب، فتقول: يوم الخميس سفري فيه، ولا تقول: سفري إياه إلا أن تدخل عليه «في» وهذا يدل على أن الضمائر لا تنصب ظروفا؛ لأن كل ما ينتصب ظرفا يجوز وقوعه خبرا إذا كان مما يصح عمل الاستقرار فيه، ذكر ذلك ابن هشام الخضراوي (١) قال: ولم أر أحدا نبّه على هذا، أشار إلى ذلك الشيخ في شرحه (٢).
قلت: وما ذكره قد عرف من قول المصنف وقول غيره: إنك إذا قصدت الاتساع في الظرف قلت: يوم الجمعة صمته، وإذا لم تقصد الاتساع فيه يجب أن تقول: يوم الجمعة صمت فيه، فعلم من هذا أنه متى قصدت الظرفية
مدلولا عليها بالضمير، وجب اقتران ذلك الضمير «بفي» ولا يجوز الإتيان به غير مقرون بها، وقد تقدم في كلام المصنف إشارة إلى العلة الموجبة لذلك، ومع ذلك لا يحتاج إلى ما ذكره ابن هشام.
٥ - ومنها: أنه قد فهم من قول المصنف: (ويسوغ حينئذ - أي حين إذ يتوسع فيه - إضماره غير مقرون «بفي» والإضافة والإسناد إليه) أنه لا يضاف إلى الظرف وهو باق على الظرفية، بل إنما يضاف إليه بعد التوسع فيه، وهذا كالمجمع عليه عند النحاة، وعلل الفارسي ذلك بأن قال: إذا قلت: يا سائر اليوم ويا ضارب اليوم لم يكن اسما وخرج بالإضافة إليه عن أن يكون ظرفا؛ لأنه إذا كان ظرفا كانت «في» مرادة ومقدورة معه بدليل ظهورها مع الضمير، قال: فإرادة ذلك فيه تمنع الإضافة إليه (٣)، قال ابن هشام الخضراوي: ولا يظهر عندي، يعني تعليل -
стр. 2005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفارسي، قال: لأن كل مضاف سوى باب الحسن [٢/ ٤٧٦] الوجه يقدر باللام أو بمن ولم يمنع ذلك من الإضافة، وقولنا: الظرف مقدر «بفي» معناه: يصلح في اللفظ إن كان متمكنا ولا يعني إضمارها لعدم الخفض ولا تضمينها لعدم البناء، وإذا لم تضمر ولم تضمن فتقديرها تقدير معنى كتقدير لام الملك في غلام زيد و «من» للتبيين في ثوب خز، وكذا تقول: هنا في للوعاء، ولا يمنع الإضافة كما لا يمنعها تقدير لام الملك (١). انتهى.
والذي يظهر أن الحق ما قاله الفارسي؛ لأن تقدير الحرف في الإضافة إنما هو تقدير معنوي ليفيد الاختصاص إن كان المقدر اللام، والجنسية إن كان المقدر «من»، وأما تقدير الحرف مع الظرف فإنه مقدر لفظا مع كونه مقدرا معنى، وإذا كان مقدرا لفظا كان في حكم الملفوظ به، وإذا كان كذلك فلا يجوز الإضافة إلى الظرف وهو باق على الظرفية لما يلزم من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، والدليل على أن التقدير في الإضافة يخالف التقدير في باب الظرف أنك لو أتيت بالحرف في الإضافة فقلت: غلام لزيد وثوب من خز تغير معنى الإضافة، أما إذا أتيت بالحرف في نحو: سرت يوم الخميس فقلت: سرت في يوم الخميس فمعنى الظرفية باق، لكن مع وجود «في» لا يطلق على مدخولها ظرف في اصطلاح النحاة؛ لأن الظرف عنده هو المنصوب من أسماء الزمان والمكان على تقدير «في».
وقد قال ابن أبي الربيع: لو تعدى الفعل إلى المفعول فيه على حسب ما يطلبه لتعدى إليه بحرف الجر، ويجوز ذلك
فيه فتقول: جلست في يوم الجمعة ومشيت في يوم الخميس، ولا يكون حينئذ ظرفا إنما يكون من قبيل ما يصل الفعل إليه بحرف الجر، ولا يسمي النحويون ظرفا إلا ما انتصب بالفعل على معنى «في» مما يكون زمانا أو مكانا وإن كان المعنى واحدا. انتهى.
فقوله: إن المعنى واحد مع قوله: إن النحويين لا يسمون مدخول «في» ظرفا يحقق ما ذكرته ويقوي ما أشرت إليه وجوب ذكر «في» مع ضمير الظرف، وتعليل ذلك بأن الضمائر ترد معها الأشياء إلى أصولها؛ فلولا أن الأصل في الظرف أن تباشره «في» لما صح هذا التعليل، فإن قيل: قد قلتم: إن «في» إذا باشرت -
стр. 2006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الظرف خرج عن الظرفية إلى الاسمية، وتقدم الدليل على ذلك في أول الباب. فإذا حكمتم بأن «في» مقدرة لفظا لزم خروج الظرفية عن الظرفية إلى الاسمية، فالجواب: أن الكلمة إنما تخرج عن الظرفية إذا لفظ معها «بفي» أما تقديرها فلا يلزم منه ما يلزم من النطق بها، ولا شك في ظهور الفرق بين ما هو ملفوظ به وبين ما هو في حكم الملفوظ به (١)، وقد استضعف ابن عصفور قول الفارسي أيضا فقال: هذا الذي استدل به الفارسي هو الذي عول عليه أكثر النحويين، وهو عندي ضعيف لأن العرب تفصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر ملفوظ به في باب لا [٢/ ٤٧٧] نحو قولك: لا أبا لك، وإذا لم يعتدوا به فاصلا وهو ملفوظ به فبالأحرى أن لا يعتدوا به فاصلا، وهو مقدر، وليس ما ذكروه من أن المقدر بمنزلة الملفوظ صحيحا، إذ لو كان كذلك لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع اللفظ «بفي» بل لقائل أن يقول: كما لم يعتدوا بفي المقدرة ولذلك نصبوا، كذلك ينبغي أن لا يعتد بها إذا أضافوا، قال: وإلى ذلك ذهب الجزولي، فإنه أجاز الإضافة مع بقاء الظرفية، ثم قال: والصحيح عندي أنه لا يضاف إلى الظرف إلا بعد الاتساع فيه كما ذهب إليه أبو علي، لكن العلة فيه هو ما ذكره، وهي أن الظرف إذا دخل عليه الخافض خرج عن الظرفية، والسبب في ذلك أي في خروج الظرف بالخفض عن الظرفية إلى الاسمية ما ذكره أبو الحسن في كتابه الكبير من أنهم جعلوا الظرف بمنزلة الحرف الذي ليس باسم [٣/ ٧] ولا فعل لشبهه به، من حيث كان أكثر الظروف قد أخرج منها الإعراب وأكثرها أيضا لا يثنى ولا يجمع ولا يوصف، قال: فلما كانت كذلك كرهوا أن يدخلوا فيها ما يدخلون في الأسماء (٢). انتهى ما ذكره ابن عصفور، ولقائل أن يقول: ما ذكره من الفصل في «لا أبا لك» يجاب عنه من وجهين: -
أحدهما: أن هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وما كان خارجا عن القواعد والقياس لا عبرة به. -
стр. 2007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانيهما: أن مذهب جماعة من أكابر النحاة أن لا إضافة وأن المجرور بعد اسم «لا» في موضع الصفة ولكن الموصوف شبيه بالمضاف، فعومل معاملته، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «لا» العاملة عمل «إنّ» وأما قوله: إنه لو كان المقدر بمنزلة الملفوظ لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع التلفظ «بفي» فالجواب عنه: أن الفعل إنما لم يصل إلى النصب مع التلفظ «بفي» لأن المحل قد شغل بعمل «في» عن قبول غير ما شغل به، أما إذا لم يلفظ بها فلا يكون لها عمل؛ إذ لا يجر بحرف مقدر إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها، وإذا لم يكن لها عمل فأي مانع يمنع من وصول الفعل إلى ما يطلبه، وأما التعليل الذي علل هو به ونقله عن أبي الحسن فلم يتوجه لي على التحقيق فعلى الناظر أن يتأمله، فإن كان صحيحا فهو تعليل آخر يضاف إلى تعليل الفارسي.
٦ - ومنها: أنك عرفت أن المصنف ذكر في الاتساع في الفعل المتعدي إلى ثلاثة - مذهبين، الجواز وقال: إنه ظاهر قول سيبويه، والمنع واختاره هو واستفيد من كلامه أن الاتساع فيما يتعدى إلى اثنين جائز كما هو جائز في غير المتعدي وفي المتعدي إلى واحد، قال ابن عصفور: وهو مذهب الأكثرين وهو مذهب سيبويه أعني جواز الاتساع في الفعل الذي يتعدى إلى اثنين (١)، ثم ذكر أعني ابن [٢/ ٤٧٨] عصفور مذهبا ثالثا وهو أن الاتساع إنما يجوز في غير المتعدي وفي المتعدي إلى واحد خاصة، واختار هو هذا المذهب، قال: وإنما امتنع عند هؤلاء الاتساع في الظرف المنتصب بالفعل المتعدي إلى اثنين؛ لأنه ليس في الأفعال ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين بحق الأصالة، فلحق به الفعل المتعدي إلى اثنين إذا اتسع في الظرف المنتصب به، وذلك أن أعلم وأرى إنما تعديا إلى ثلاثة بالنقل بالهمزة، وأما أنبأ وأخواتها فإنما تعدت بالتضمين، ثم قال: ومما يؤيد هذا المذهب أن الاتساع لا يحفظ في الظروف المنتصبة بالأفعال، إلا إذا كان الفعل الناصب لها غير متعد أو متعد إلى واحد (٢). انتهى.
وقال الشيخ: تعدي الفعل إلى الظرف اتساعا غير معتد به ولا يراعى مراعاة -
стр. 2008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعدّيه إلى المفعول به غير المتسع فيه، ودليل ذلك تعدي ما لا يتعدى إليه، فلولا أنه لا يتعدى به لم يجز في «قام» ونحوه مما لا يقتضي مفعولا به، فلما كان كذلك صحّ الاتساع في الظرف فيما يتعدى إلى ثلاثة، قال: ولم يلتفت سيبويه إلى ما يكون نظيرا له في كلام العرب أصح أم لا، كأنه لا يلزم ذلك ولا يعتدّ بهذا التعدي، وكأنه لم يجعل الظرف مفعولا به، ولم يتوسع فيه إذ ذاك مجاز لا حقيقة، ولولا ذلك لم يجز في قام ونحوه؛ لأن ذلك ممتنع في الحقيقة وإنما جاز لضرب من المجاز، قال: وأما قوله يعني المصنف: لم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم، فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه؛ فهذا أمر لازم له فيما يتعدى إلى اثنين، وقد جوز هو التوسع فيما يتعدى إلى اثنين ولم يسمع من ذلك شيء فيما يتعدى إلى اثنين؛ فينبغي على ما قررنا أن لا يجوز ذلك، وقد جوز الاتساع فيما يتعدى إلى اثنين فتناقض (١). انتهى.
والذي ذكره الشيخ هو الظاهر، وقد عرفت أن المصنف قال: إن ظاهر قول سيبويه يعطي جواز الاتساع فيما يتعدى إلى ثلاثة، وعرفت كيف قرر ابن خروف ذلك، فعلى ما ذكره الشيخ يتمشى مذهب سيبويه، ويتبين صحة تقرير ابن خروف. فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنّه وكرمه.
٧ - ومنها: أن ابن عصفور تعرض إلى ذكر المصدر بالنسبة إلى جواز الاتساع فيه، فقال: الاتساع في المصدر أن ينصب نصب المفعول به، وأعني بذلك أن يعامل معاملة المفعول لا معاملة المصدر، بدليل أنه يجوز أن يؤتى بعده إذ ذاك بالمصدر كما يؤتى به بعد المفعول به، ومن ذلك قول العرب: سير عليه سير شديد، أيما سير فسير شديد كان قبل بناء الفعل للمفعول منصوبا على التشبيه بالمفعول به، بدليل أنهم أتوا بعده باسم منتصب على المصدر [٢/ ٤٧٩] وهو أيما سير (٢). انتهى.
ومن أجل هذا ابتدأ الشيخ شرح هذا الموضع كأنه يستدرك على المصنف بأن قال: ظاهر كلامه اختصاص الظرف المتصرف بالتوسع فيه بأن يجعل مفعولا به على التوسع والمجاز ولا يختص ذلك بهذا الظرف، بل يجوز ذلك في المصدر المتصرف -
стр. 2009
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيضا فينصب مفعولا به على التوسع والمجاز، ولو لم يصح فيه ذلك ما جاز لفعل ما لم يسم فاعله حين قلت: ضرب ضرب شديد؛ لأن بناءه لما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به وتقول: الكرم
أكرمته زيدا، ويا ضارب الضرب زيدا (١). هذا كلام الشيخ.
واعلم أن في كون المصدر يتوسع فيه بأن يجعل مفعولا به نظرا، وموجبه أن التوسع مجاز والمجاز لا يرتكب إلا بدليل، وقد وجد في الظرف ما يدل على أنه ينصب مفعولا به على السعة وهو أنهم أوصلوا العامل إلى ضمير الظرف بنفسه [٣/ ٨] دون «في» فدلّ ذلك على أنهم إنما أوصلوه إلى الضمير بعد إيصالهم إياه إلى الظاهر بنفسه أيضا؛ إذ لو لم يقدر ذلك في الظاهر لم يجئ في مضمره، فثبت نصب الظرف مفعولا به على التوسع بهذا الطريق، وأما المصدر فأي دليل يدلنا على أنه إذا نصب، أما مع عدم ذكر مفعول أو مع ذكر مفعول على أنهم توسعوا فيه فنصبوه مفعولا به، وإذا لم يكن ثمّ دليل على ذلك فندعي أنه منصوب على المصدر، ولو ذكر معه المفعول به؛ إذ لا مانع من ذلك، وما قاله ابن عصفور من أنه يجوز أن يؤتى بعده إذ ذاك بالمصدر ممنوع، وأما استدلاله بقول العرب: سير عليه سير شديد أيما سير إلى آخر ما ذكره فمنازع فيه؛ لأن لمدّع أن يدعي أن أيما سير باق على المصدرية وأنه منصوب على الحال من سير شديد؛ لأن سيرا وإن كان نكرة قد تخصص بالوصف، وكما أن الحال يكون عن المعرفة يكون عن النكرة المخصصة لا فرق بينهما كما هو المعروف عند أهل الصناعة النحوية، وأما ما مثّل به الشيخ وهو: الكرم أكرمته زيدا فلا أعرف ما المانع فيه من أن يكون الضمير منصوبا على المصدر، وكذا: يا ضارب الضرب زيدا أصله:
يا ضاربا الضرب زيدا، فالضرب منصوب على المصدر وأضفنا إليه وهو باق على مصدريته إذ لا مانع من ذلك، وإنما احتجنا إلى إخراج الظرف عن الظرفية حال الإضافة إليه لأجل «في» المقدرة كما تقدم تقريره.
وأما قوله: «إنه لو لم يصح فيه ذلك ما جاز أن يقام مقام المفعول إذا بني الفعل له، وتعليله ذلك بأن بناءه لما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به» فغير ظاهر [٢/ ٤٨٠] ولا نسلم أن إقامته مقام المفعول فرع عن نصبه نصب -
стр. 2010
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المفعول به، بل نقول: إن المصحح لإقامة المصدر مقام الفاعل هو المصحح لوقوعه فاعلا وهو الملابسة التي بينه وبين الفعل، كما أن ذلك واقع في الظرف
وحاصل الأمر: أن المصدر يتوسع فيه بالإسناد إليه ولا يتوسع فيه بأن ينصب مفعولا به ولا بأن يضاف إليه؛ إذ لا داعية تدعو فيه إلى ذلك بخلاف الظرف فإنه يتوسع فيه بالإسناد كالمصدر ويتوسع فيه أيضا بنصبه مفعولا به
والإضافة إليه (١)؛ ولأجل ذلك لم يتعرض المصنف إلى ذكر التوسع في المصدر في هذا الباب حين ذكر التوسع في الظرف، لأن التوسع في الظرف عام في ثلاثة الأمور المذكورة والتوسع في المصدر خاص بأمر واحد، وقد ذكر المصنف ذلك الأمر في باب ما لم يسم فاعله لأنه مكانه فلم يبق لذكره في هذا الباب وجه، وهذا يدل على جلالة قدر المصنف وعلو رتبته وأنه موفق في نظره مهدي إلى طريق الصواب؛ فرحمه الله تعالى وأسكنه غرفات الجنان بمنه وكرمه.
* * *
стр. 2011
الباب السادس والعشرون باب المفعول معه
[تعريفه وشرح التعريف]
قال ابن مالك: ((وهو التّالي) (١) واوا تجعله بنفسها كمجرور مع وفي اللّفظ كمنصوب معدّى بالهمزة).
قال ناظر الجيش: ختم المصنف بهذا الباب أبواب المفاعيل؛ لأن المذكور فيه هو خامسها، وذكر في الشرح أن المفعول معه يطلق في اللغة على أربعة أشياء وهي:
المجرور بمع أو بالياء التي للمصاحبة والمعطوف المراد به المصاحبة والمنصوب بعد الواو بالشروط المذكورة (٢).
فالأول: نحو: جلست مع زيد، والثاني: نحو: وصلت هذا بذاك، والثالث:
نحو: مزجت عسلا وماء، والرابع: نحو: ما صنعت وأباك، واستوى الماء والخشبة، وما زلت وزيدا حتى فعل، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، إلا أن النحاة قصروا المفعول معه على الرابع فلذلك قال: (التالي واوا)؛ ليخرج التالي غيرها، وقيد الواو بأن تجعله في المعنى كمجرور مع ليخرج المعطوف بالواو والمفيدة مطلق الجمع، وقال: (بنفسها)، ليخرج المعطوف بعد ما يفهم منه المصاحبة نحو: أشركت زيدا وعمرا، ومزجت العسل والماء، فإن المصاحبة في مثل هذا مفهومة قبل ذكر الواو بخلاف قولك: سرت والنيل، فإن المصاحبة لا تفهم منه إلا بالواو، ونبه بقوله: (كمنصوب معدى بالهمزة) على أن الواو معدية ما قبلها من العوامل إلى ما بعدها فينصب به بواسطة الواو فعلا كان أو عاملا عمل الفعل. هذا كلام المصنف (٣)، وفيه أمران:
أحدهما: أن قوله: (وفي اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة) غير محتاج إليه في الحد؛ لأنه لم يحترز به عن شيء خيف
دخوله مع [٢/ ٤٨١] المحدود بل لا يجوز إدخاله في الحد؛ لأنه إنما ذكر بيان العامل في المحدود، وذلك شيء خارج عن -
стр. 2012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ماهيته فلا وجه لذكره، وعلى هذا يجب الاقتصار على قوله: (وهو الاسم التالي واوا تجعله بنفسها كمجرور مع).
الأمر الثاني: أنه قال: قلت: تجعله في المعنى كمجرور مع ليخرج المعطوف بالواو المفيدة مطلق الجمع، فأفهم كلامه أن المعطوف بالواو المفيدة للمصاحبة لم تخرج بهذا القيد؛ ولهذا احتاج أن يقول: (بنفسها) ليخرج هذا القسم، لكن في كلام الإمام بدر الدين ولده ما يقتضي أن القيد الأول وهو: تجعله في المعنى كمجرور مع - كاف في خروج القسمين، أعني المعطوف بعد الواو الدالة على مطلق الجمع وبعد الواو الدالة على المصاحبة؛ لأنه حد المفعول معه بأنه: الاسم المذكور بعد واو بمعنى مع، قال: فاحترزت بقولي: بعد واو من نحو: خرجت مع زيد، وبقولي: بمعنى مع مما بعد واو غيرها كواو العطف وواو الحال، فواو العطف كما في نحو: اشترك زيد وعمرو، وكل رجل وضيعته؛ فالواو في هذين المثالين وإن دلت على المصاحبة فهي واو العطف؛ لأنها شركت بين زيد وعمرو [٣/ ٩] في الفاعلية، وبين كل رجل وضيعته في التجرد للإسناد، فما بعدها ليس مفعولا معه، وأما واو الحال فكما في نحو: جاء زيد والشمس طالعة، وسرت والنيل في زيادة، فما بعد هذه الواو أيضا ليس مفعولا معه؛ لأنها واو الحال، وهي في الأصل الواو التي يعطف بها جملة على جملة بجهة جامعة بينهما لا الواو التي بمعنى مع (١) انتهى.
وعنى بقوله: يعطف بها جملة على جملة بجهة جامعة، أنها مفيدة للتشريك أيضا كما في المفردات إلا أنها في المفردات تشرك في الحكم، وأما في الجمل فتشرك في الجهة الجامعة بينهما، وقد اقتضى كلامه أن واو «مع» غير صادقة على واو العطف المراد بها المصاحبة من حيث إن واو العطف تشرك ما بعدها في حكم ما قبلها، واو «مع» لا تقتضي تشريكا، على أنه صرح بعد كلامه الأول بأن المراد بالواو التي بمعنى «مع» الدلالة على المصاحبة بلا تشريك في الحكم، وبأن الحد الذي ذكره شامل لما كان من المفعول معه غير مشارك لما قبله في حكمه نحو: -
стр. 2013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سرت والطريق، ولما كان مشاركا لما قبله في حكمه ولكنه أعرض عن الدلالة على المشاركة وقصد إلى مجرد الدلالة على المصاحبة نحو: جئت وزيدا (١)، هذا كلام الإمام بدر الدين.
ومقتضاه أن نحو: أشركت زيدا وعمرا ومزجت العسل والماء ليس القصد فيه إلى الدلالة على المصاحبة، بل القصد فيه إلى تشريك الثاني مع الأول في حكمه (٢)، وهذا خلاف ما ذكره المصنف وما قاله الإمام بدر الدين الظاهر [٢/ ٤٨٢] أنه الصواب؛ لأن الواو التي بمعنى مع حقها أن يفاد بها ما يفاد بمع، و «مع» لا دلالة لها على المشاركة، بل إنما جيء بها لقصد الدلالة على المصاحبة، فإذا قلت: جئت مع عمرو، أفاد هذا الكلام الإخبار عن مدلول التاء بالمجيء مصاحبا لعمرو، وإن كان عمرو قد جاء أيضا، لكن ليس مقصود المتكلم الإخبار بمجيئه، وهكذا يجب أن يكون الحكم مع الواو إذا قلت: جئت وزيدا، ويعضد ذلك أيضا: أنه إذا جيء بخبر بعد المفعول معه جيء به مطابقا للاسم المذكور قبل الواو لا للاسمين (٣)، قال الشاعر يصف رجلا مات معانق امرأة لقيها بعد فراق:
١٦٣٦ - فكان وإيّاها كحرّان لم يفق ... عن الماء إذ لاقاه حتّى تقدّدا (٤)
وكذا إذا جيء بحال أيضا إنما يطابق ما قبل الواو فنقول: جاء البرد والطيالسة قويّا كما تقول: كان زيد وعمرو قائما، ولكن إنما يشكل على بدر الدين أنه مثل لما يختار فيه العطف بقول القائل: كنت أنا وزيد كالأخوين ثم قال: ويجوز نصبه -
стр. 2014
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: كنت أنا وزيد كالأخوين على الإعراض عن التشريك في الحكم والقصد إلى مجرد المصاحبة (١)، ووجه إشكاله أنه إذا أعرض عن التشريك في الحكم يتعين إفراد الخبر؛ إذ لا يخبر بمثنى عن مفرد، ومما يحقق صحة الحد الذي ذكره بدر الدين قول الشيخ أبي عمرو بن الحاجب في حده: «هو المذكور بعد الواو المصاحبة معمول فعل لفظا أو معنى» (٢). وهو أحسن من حد بدر الدين، وأفيد لما تضمنه من الإشارة إلى ما يرشد إلى الصور التي يشتمل عليها باب المفعول معه بالنسبة إلى ما يصح فيه العطف وما لا يصح، ثم قال المصنف بعد كلامه الذي تقدم نقله عنه، وربما سماه سيبويه مفعولا به، فمن ذلك قوله: هذا باب ما يضمر فيه الفعل وينصب فيه الاسم لأنه مفعول معه ومفعول به، وقوله بعد أن مثّل بما زلت وزيدا أي ما زلت بزيد حتى فعل، ثمّ قال: فهو مفعول به (٣). هذه عبارة سيبويه رحمه الله تعالى، فأما المصنف فإنه أوّل هذا الكلام بأن قال: وهذا من أجل أن الباء تساوي (مع) في الدلالة على المصاحبة كقولك: بعت الفرس بسرجه ولجامه، والدار بأثاثها، أي مع سرجه ولجامه ومع أثاثها (٤)، وأما ابن عصفور فحمل كلامه على ظاهرة المفعول معه هو الاسم المنتصب بعد الواو بمعنى مع المتضمن معنى المفعول به، وذلك نحو: ما صنعت وأباك، ألا ترى أن الواو التي بمعنى مع المتضمن معنى المفعول به، وذلك نحو: ما صنعت وأباك، ألا ترى أن الواو بمعنى مع والأب في المعنى مفعول به، كأنك قلت: ما صنعت بأبيك، ولو لم ترد هذا المعنى لكان الاسم الذي بعد الواو معطوفا على الاسم الذي قبله (٥). انتهى. وما قاله غير ظاهر إذ لا يتأتى له هذا التقدير في أكثر صور مسائل الباب، وقوله: إن المعنى ما صنعت بأبيك لا يلزم منه كون الأب مفعولا به؛ لأن الباء يجوز أن تكون بمعنى مع [٢/ ٤٨٣] والمراد ما صنعت مع أبيك؛ فإن قيل: المراد من هذا السؤال هو ما أوقعت من الصنع بأبيك، أجيب: بأن الباء تكون حينئذ معدية ويكون الأب مفعولا به في المعنى -
стр. 2015
[ناصب المفعول معه والآراء في ذلك]
قال ابن مالك: (وانتصابه بما عمل في السابق من فعل أو عامل عمله لا بمضمر بعد الواو خلافا للزّجّاج، ولا بها
خلافا للجرجاني، ولا بالخلاف خلافا للكوفيّين).
ــ
ويخرج الكلام عن معنى المصاحبة والمعية إلى معنى آخر.
قال ناظر الجيش: شرع المصنف بعد ذكر الحد في ذكر العامل في المفعول معه، وذكر فيه أربعة مذاهب:
الأول (١): وهو قول سيبويه وأكثر البصريين أنه العامل في الاسم السابق على الواو (٢)، ثم العامل في الاسم السابق قد يكون فعلا وقد يكون عاملا عمل الفعل (٣)، فأما الفعل فنحو: ما صنعت وأباك، واستوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة (٤)، وما زلت وزيدا حتى فعل، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، ولا فرق بين المتعدي واللازم في ذلك، وذهب بعضهم إلى أن المفعول معه لا يكون إلا مع اللازم، [٣/ ١٠] فلا يقال: ضربتك وزيدا على أن زيدا مفعول معه، قالوا:
لئلا يلتبس بالمفعول به، والجمهور على خلاف ذلك (٥) وقد جوز سيبويه في نحو:
امرأ ونفسه والعطف والنصب على المعية (٦)، والفعل المقدر أترك وهو متعد والجمهور على أن كان الناقصة تنصب المفعول معه؛ لأن الأصح فيها أنها مشتقة وأنها تدل على الحدث، فعلى هذا تعمل في الظرف ويتعلق بها الجار وتنصب المفعول معه كسائر الأفعال، ومن سلبها الدلالة على الحدث منع أن تعمل في الثلاثة المذكورة، ولا تعويل على ذلك (٧). وأما العامل عمل الفعل فالمصدر نحو: عرفت -
стр. 2016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
استواء الماء والخشبة (١)، واسم الفاعل نحو: لست زائلا وزيدا حتى تفعل، واسم المفعول نحو: الناقة متروكة وفصيلها، وعليه ما أنشده أبو علي:
١٦٣٧ - لا تحبسنّك أثوابي فقد جمعت ... هذا ردائي مطويّا وسربالا (٢)
فسربالا المفعول معه وعامله مطويّا، وقد علم من اقتصار المصنف في العامل على ما ذكره أن العامل المعنوي، وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه، لا ينصب المفعول معه، وذلك كحرف التنبيه والظرف المخبر به والجار والمجرور واسم الإشارة، وهذا مذهب سيبويه (٣)، قال المصنف: وينبغي أن تعلم أن مذهبه عدم الاكتفاء في نصب المفعول معه بما يكتفى به في نصب الحال، فلا ينصبه العامل المعنوي معه بما يكتفى به في نصب الحال فلا ينصبه العامل المعنوي؛ ولذا لم ينصبه بلك في: «هذا لك وأباك» ولا بحسبك في: حسبك وزيدا درهما (٤)، وأكثر المتأخرين يغفلون عن هذا.
قال: وقد أجاز أبو علي أن يكون العامل في سربالا «هذا» يعني اسم الإشارة (٥). وظاهر كلام سيبويه المنع؛ لأنه قال في آخر أبوابه: وأما هذا لك وأباك فقبيح؛ لأنه لم [٢/ ٤٨٤] يذكر فعلا ولا حرفا فيه معنى فعل (٦)، أراد بقبيح ممنوعا وبالحرف الذي فيه معنى الفعل: حسبك وكفيتك وما ذكر بعدهما في الباب؛ فلو كان اسم الإشارة عنده مثلها لم يحكم بقبح هذا لك وأباك، بل كان يحكم فيه بما حكم في: ويله وأباه، وهذا واضح (٧). انتهى. وظاهر التمثيل بحسبك وكفيتك -
стр. 2017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للحرف الذي فيه معنى الفعل يقتضي أن هاتين الكلمتين ينصبان المفعول معه، لكن سيأتي في آخر الباب أن
المنصوب بعدهما إنما هو مفعول به وأن الناصب له فعل مقدر على ما يعطيه كلام سيبويه في آخر أبواب المفعول معه أيضا، وإذا كان كذلك فالظاهر أن مراد سيبويه هنا أن النصب في: هذا لك وأباك يمتنع على أنه مفعول معه؛ لأنه لم يذكر في الكلام فعل وعلى أنه مفعول به بفعل مقدر لأنه لم يذكر في الكلام ما فيه معنى فعل أي ما يدل على الفعل المقدر بمشاركة في اللفظ كما في:
حسبك وزيدا درهم، ويدل على أن هذا هو المراد من قول المصنف: بل كان يحكم فيه بما حكم في: ويله وأباه.
ولا شك أن المنصوب بعد «ويله» ليس مفعولا معه إنما هو مفعول به. وإذا تقرر أن العامل في المفعول معه هو العامل في الاسم السابق من فعل أو عامل عمله فاعلم أن عمله إنما هو بوساطة الواو، فهي معدية له إلى ما بعدها، وإنما استغنى المصنف عن ذكر هذا القيد؛ لأنه قد علم أن قوله: إن الواو تجعله في اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة، قال سيبويه - في: ما صنعت وأباك ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها -: إنما أردت مع أبيك ومع فصيلها، فالفصيل مفعول معه والأب كذلك والواو لم تغير المعنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها (١). قال المصنف: وكان حق الواو إذ هي معدية أن تجر ما عدت الفعل إليه كما فعلت حروف الجر إلا أنها أشبهت الواو العاطفة لفظا ومعنى، فلم تعط عملا بل أعطيت ما للعاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلى ما بعدها لكن لا على سبيل الإتباع، وكان في ذلك أيضا تنبيه على أن أصل المجرور بحرف أن يكون منصوبا، ولكنه لما جر لفظا حكم على موضع معموله بالنصب؛ إذ لم تتمخض عامليته فإنه معد، ولتظهر بذلك مزية المتعدي بنفسه على المتعدي بواسطة، وقد ترتب على شبه الواو المرادفة «لمع» بالواو العاطفة ما ذكرته، وأمر آخر وهو أنها لم تجر مجرى «مع» في جواز التقديم بل جرت مجرى العاطفة في التأخير كما سيأتي (٢).
المذهب الثاني: أن العامل فيه فعل مقدر بعد الواو وينسب إلى الزجاج (٣)، -
стр. 2018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال المصنف: كأن تقول: إنّا إذا قلنا: ما صنعت وأباك فالنصب بإضمار كأنه قال: ما صنعت [٢/ ٤٨٥] ولابست أباك لأنه لا يعمل الفعل في المفعول وبينهما الواو، وهذا غير صحيح؛ لأن الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يصح به الارتباط؛ فإن ارتبطا بلا واسطة فلا معنى لدخول حرف بينهما، وإن لم يرتبطا إلا بواسطة فلا بد منها
تقول: ضربت زيدا وعمرا، فتنصب عمرا بضربت كما تنصب به زيدا، لكننا استغنينا في تعليق زيد بالعامل عن واسطة، واحتجنا إليها في تعليق عمرو فأتينا بها (١)، ومثله في الحاجة إلى واسطة: ما ضربت إلا زيدا، وضربت إما زيدا وإما عمرا، فنصب ما بعد إلا بالفعل ولا تمنع الواسطة من ذلك؛ لأن المعنى لا يصح بدونها فكذا تنصب ما بعد الواو بما قبلها؛ لأن المعنى لا يصح إلا بها.
ومما يبين فساد تقدير الزجاج أنه إما أن يقصد تشريك صنعت ولا بست في الاستفهام فلا يصح؛ لأن صحة عطف الفعل على الفعل بعد الاستفهام يقتضي جواز الاستغناء بالثاني عن الأول، والأمر بخلاف ذلك في التقدير المذكور، إذ لا معنى لقول القائل: ما لابست أباك، وإما أن لا يقصد التشريك فلا يصح أيضا؛ إذ لا يعطف جملة خبرية على جملة استفهامية مع استقلال كل [٣/ ١١] واحدة منهما، فأن لا يجوز ذلك مع عدم الاستقلال كما في المثال المذكور أحق وأولى، وأيضا لو كان ما بعد الواو منصوبا بفعل مضمر، لم يحتج إلى الواو كما لا يحتاج إليها مع إظهاره، ألا ترى أنك لو أظهرت فعل الملابسة في: ما شأنك وزيدا، قلت:
ما شأنك تلابس زيدا دون واو، فيلزم من حكم بإضمار تلابس الاستغناء عن الواو كما يستغنى عنها مع الإظهار، والاستغناء عنها باطل وما أفضى إليه باطل (٢).
انتهى. قلت: وإذا كان الناصب فعلا مقدرا كما قال الزجاج: يكون المنصوب الواقع بعد الواو مفعولا به لا مفعولا معه، وإن كان الزجاج يقدر ذلك في كل صورة من صور هذا الباب، فلا مفعول معه عنده (٣). -
стр. 2019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهب الثالث: أن الواو نفسها هي العاملة وهو رأي الجرجاني (١)، قال المصنف: وهو باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن النصب لو كان بنفسها لم يشترط وجود فعل قبلها أو معنى فعل، كما لا يشترط في غيرها من النواصب، ولجاز أن يقال: كل رجل وضيعته (٢).
الثاني: أن الحكم بكون الواو ناصبة حكم بما لا نظير له، إذ ليس في الكلام حرف ينصب الاسم إلا وهو يشبه الفعل كإنّ وأخواتها أو يشبه ما أشبه الفعل كلا المشبه بإنّ، والواو المرادفة «لمع» لا تشبه الفعل ولا ما أشبه الفعل، فلا يصح جعلها ناصبة للاسم.
الثالث: أنها لو كانت هي الناصبة لوجب اتصال [٢/ ٤٨٦] الضمير إذا وقع مفعولا معه (٣)، ولعد من الضرورات قول الشاعر:
١٦٣٨ - فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة ... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي (٤)
ولا خلاف في وجوب الانفصال في مثل هذا، فعلم بذلك أن الواو غير عاملة، إذ ليس في الكلام ضمير نصب يجب انفصاله مع مباشرة الناصب له (٥). -
стр. 2020
[واو المفعول معه وحديث عنها]
قال ابن مالك: (وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصحّ عطفه خلافا لابن جنّي).
ــ
المذهب الرابع: وهو للكوفيين أن المفعول معه منصوب بالمخالفة (١)، قال المصنف: وقد تقدم في باب الابتداء إبطال نسبة العمل إلى المخالفة بدلائل أغنى ذكرها ثم عن ذكرها ها هنا (٢).
وثمّ مذهب خامس لم يذكره المصنف: وهو أن المنصوب بعد الواو المذكورة منصوب على الظرف، وهو منسوب إلى الأخفش (٣)، وذلك أن النصب الذي تستحقه «مع» لو ذكرت انتقل إليه لما جيء بالواو مكانها لتعذر نصب
الواو، وفي شرح الشيخ: أن المذهب الرابع الذي تقدم ذكره هو قول بعض الكوفيين، وأن معظم الكوفيين والأخفش ذهبوا إلى أن الواو مهيئة لما بعدها أن ينتصب انتصاب الظرف لا بالخلاف؛ لأنه لما حذفت «مع» وقد كانت منتصبة على الظرف وأقيمت الواو مقامها انتصب الاسم بعدها على معنى انتصاب «مع» إذ لا يصح انتصاب الحرف، ونظّر ذلك بقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٤) لما قامت غير (٥)، وقد ردّ هذا المذهب بأنه لو كان انتصاب الاسم على الظرف لكان إذا أضمر يلزم ذكر «في» فيتعين أن يقال في «تكون وإياها مثلا بعدي»: تكون وفيها (٦).
قال ناظر الجيش: ذكر ابن خروف أن أبا الفتح بن جني قال: إن العرب لم تستعمل الواو بمعنى «مع» إلا في موضع يصح أن تقع عاطفة، وأنكر قوله ابن خروف نفسه (٧)، قال المصنف: وهو بالإنكار حقيق، فإن العرب استعملت -
стр. 2021
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواو بمعنى «مع» في مواضع لا يصلح فيها العطف، وفي مواضع يصلح فيها، والمواضع التي لا يصلح فيها العطف على ضربين: -
أحدهما: ترك فيها العطف لفظا ومعنى.
والثاني: استعمل فيها العطف لمجرد اللفظ كاستعمال النعت على الجوار، الأول قولهم: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل، ومنه قول الشاعر:
١٦٣٩ - فكان وإيّاها كحرّان لم تفق ... ... (١)
البيت الذي تقدم إنشاده.
ومن الثاني قولهم: أنت أعلم ومالك أي أنت أعلم مع مالك كيف تديره، ومالك معطوف في اللفظ ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر؛ لأن المال لا يخبر عنه «بأعلم» وشرط المبتدأ المضمر خبره أن يكون خبره مثل خبر المعطوف عليه، وأما وقوع الواو بمعنى «مع» في موضع يصلح للعطف فكثير، وفيه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى (٢). انتهى. والذي ذكره يظهر أنه الحق [٢/ ٤٨٧] لكن المنقول أن ما ذكره عن ابن جني هو قول الجمهور، وأنه محكي عن الأخفش (٣) وأنه قول السيرافي (٤) والفارسي ومختار الشلوبين (٥) وأتباعه كابن عصفور (٦) وابن الضائع، حتى قال ابن الباذش: يمتنع بإجماع أن يكون المفعول معه غير منقول من العطف (٧)، ونقل الشيخ عن صاحب البديع: تقول: جلست والسارية، -
стр. 2022
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأخفش لا يجيز هذا، قال: ولا أقول: ضحكت وطلوع الشمس حتى لا يصح فيه العطف؛ إذ الطلوع لا يكون منه ضحك، وأجاز جاء البرد والطيالسة؛ لأن المجيء يصح منهما، وقد استدل على أن أصلها العطف بثلاثة أمور:
الأول: أنها لو لم تكن العاطفة لكانت مختصة وللزم خفضه بها، فلما لم يخفض دل على أنها حرف عطف في الأصل، فروعي ذلك الأصل.
الثاني: امتناع تقديم ما بعدها على الفعل كما لا يتقدم المعطوف على الفعل، ولو لم يكن أصلها العطف لتقدم كما يتقدم سائر المفعولات.
الثالث: أنه لا يجوز أن تستعمل إلا حيث يجوز فيه العطف حقيقة، نحو: جاء البرد والطيالسة، وما صنعت وأباك، أو مجازا نحو: سار زيد والنيل؛ لأنه يصح فيه العطف بطريق المجاز، وذلك أنه لا يفارق زيدا في حال سيره كما لا يفارقه من سايره، وهذا بخلاف: ضحكت وطلوع الشمس؛ إذ لا يصح إسناد هذا الفعل إلى طلوع الشمس لا حقيقة ولا مجازا (١)، ومقتضى كلامهم واستدلالهم أنه لابد من تصور صحة العطف في جميع صور مسائل هذا الباب، [٣/ ١٢] إما بطريق الحقيقة وإما بطريق المجاز، حتى غلطوا الزجاجي في دعواه أنه لا يجوز في: استوى الماء والخشبة إلا النصب (٢)، وقالوا: العطف جائز بطريق المجاز لكنه ضعيف (٣)، وحتى إنهم قالوا في:
١٦٤٠ - فكان وإيّاها كحرّان (٤)
إن المراد كحران والماء لأنه لا يشبه اثنان بواحد، وعلى هذا يصح العطف؛ إذ يصير التقدير: فكان هو وهي كحران والماء، وقالوا في: «أنت أعلم ومالك»: لما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال على اختيار الناظر فيه صار موافقا -
стр. 2023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له فنسب إليه العلم مجازا (١)، لكن قد تقدم تقرير ما يقتضي أن واو «مع» غير واو العطف وهو أن واو العطف إنما هي لتشريك الثاني مع الأول في الحكم، وأما واو «مع» فلا تقتضي تشريكا، وإنما هي للدلالة على المصاحبة لا غير، فقد لا يكون الثاني مشاركا للأول نحو: سرت والطريق، وقد يكون مشاركا نحو: جئت وزيدا، لكن الواو لا دلالة لها على ذلك إنما جيء بها لقصد الدلالة على المصاحبة فقط ولم تقصد الدلالة على المشاركة، ولا شك أن هذا يبعد أن يكون العطف هو الأصل في ذا الباب، فإن قيل: قصد المصاحبة بالواو لا ينافي في كونها واو العطف في الأصل فما وجه تبعيده؟
أجيب بأن يقال: إن سلمنا ذلك فأي ضرورة تدعو إلى القول به [٢/ ٤٨٨] فإن المعنى المراد من العطف مع قصد
المصاحبة ممتنع كما عرفت، وليس المفعول معه محتاجا في تصوره إلى أن يقدروا واوه واوا عطفت في الأصل.
وأما ما استدل به من الأمور الثلاثة المتقدمة فلا حجة فيه:
أما الأمران الأولان وهما أن الواو لو لم تكن عاطفة لكانت مختصة، فكان يلزم خفض الاسم، وأنها لو لم تكن عاطفة لجاز تقدم ما بعدها على الفعل، لكنه ممتنع كما يمتنع مع العاطفة، فقد تقدم من كلام المصنف ما هو الجواب عن الأول وهو قوله: إنها إنما لم يجر ما بعدها؛ لأنها أشبهت الواو العاطفة لفظا ومعنى فلم تعط عملا، بل أعطيت ما للعاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلى ما بعدها، لكن لا على سبيل الإتباع، وكما أن هذا جواب عن الأمر الأول فهو جواب عن الأمر الثاني أيضا، وهو أنها لما أشبهت العاطفة منعت التقدم على الفعل كما أن العاطفة ممنوعة من ذلك.
وأما الأمر الثالث وهو أنه لا يجوز أن تستعمل واو المعية إلا حيث يجوز العطف فلا يتوجه دليلا؛ لأن هذا هو محل النزاع، فالمخالف لا يلتزم ذلك ويجوز الاستعمال حيث لا يصلح العطف، وأما جوابهم عن نحو: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل، وأنت أعلم ومالك بأن العطف إن لم يصح في هذه الأمثلة حقيقة فإنه يصح مجازا - فغير مرضي إذ لم يقم دليل يوجب المصير إلى ذلك، ولا يخفى بعد -
стр. 2024
[المفعول معه وحكم تقديمه]
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم المفعول معه على عامل المصاحب باتّفاق ولا عليه خلافا لابن جنّي).
ــ
وجه المجاز الذي أيدوه في «أنت أعلم ومالك» على أن ما ذكروه في استوى الماء والخشبة وسار زيد والنيل من صحة العطف مجازا لا يتأتى في قول الشاعر:
١٦٤١ - فكان وإيّاها كحرّان
وقولهم: إن المراد كحران والماء؛ لأنه لا يشبه اثنان بواحد - كلام عجيب إذ لا مانع من تشبيه اثنين وأكثر من اثنين بواحد، ولو سلم ذلك فالمقصود بالتشبيه في البيت إنما هو الرجل، فهو المشبه حال مصاحبته لمدلول «إياها» وهو المراد بالحران إذ المعنى على ذلك، ويدل عليه قوله:
١٦٤٢ - لم يفق ... عن الماء إذ لاقاه حتّى تقدّدا
ولو كان المراد ما ذكر من تشبيه الرجل بالحران والمرأة بالماء، لكان ينفي الإفاقة عن المرأة لا عن الماء، وإذ قد تقرر هذا فنقول: الذي اختاره المصنف ونقله عن ابن خروف هو الحق وكلام بدر الدين الذي تقدم إيراده يقتضي أن واو المعية غير واو العطف (١).
قال ناظر الجيش: اعلم أن منع تقديم المفعول معه ظاهر على مذهب القائلين بأن أصل واو «مع» العطف، أما [٢/ ٤٨٩] كونها لا تتقدم على العامل، فلأن واو العطف لا تتقدم عليه (٢)، وأما كونها لا تتقدم على المصاحب دون العامل وإن كان ذلك يجوز في واو العطف بشروط فقالوا: لأنها لما خرجت عن أصلها من العطف المحض لم يتصرف فيها كما تصرفوا في الأصل، لكن ابن جني مذهبه أن أصل الواو العطف (كما عملت) (٣)، وقد جوز مع ذلك التقديم على المصاحب (٤) كما -
стр. 2025
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سيأتي، وقد يعتل له بأن الأصل في المفعول معه أن لا يمتنع تقديمه بخلاف المعطوف فإنه تابع، والأصل في التابع أن لا يتقدم على متبوعه، فليست في المفعول معه العلة المانعة من التقديم، وإنما المانع تشبيهه به، وهو قد جاز فيما هو الأصل مع وجود العلة المانعة وهي التبعية، فأن تجوز في الفرع مع فقد العلة أولى (١)، وأما منع تقديم المفعول معه على مذهب الآخرين وهم الذين لا يرون أن أصل الواو العطف، فقد يقال: إنه غير ظاهر؛ لأنها إذا لم يكن أصلها العطف فلا مانع من التقديم حينئذ، ولكن التقديم ممتنع عندهم كما هو عند أصحاب المذهب الآخر، ويعتلون لذلك بمشابهة هذه الواو واو العطف فيجب أن تعطى حكمها. وقد أشعر كلام المصنف أن المانع من التقديم شبه الواو بهمزة التعدية؛ فإنه قال في شرح هذا الموضع: قد تقدم بيان كون الواو التي بمعنى «مع» معدية وأن لها شبها بالواو العاطفة في اللفظ والمعنى؛ ولذلك لم تعمل عمل حروف الجر في لفظ ما عدت إليه العامل، بل أوصلت إليه عمل العامل لفظا ومحلّا ولازمت حملا واحدا لشبهها بهمزة التعدية فلا تتقدم على عامل المصاحب كما تتقدم «مع» في قولهم: مع الخشبة استوى الماء، فلا يقال: والخشبة استوى الماء، وكذا لا يقال:
استوى والخشبة الماء، فالأول مجمع على منعه، والثاني ممنوع إلا عند ابن جني فإنه أشار في الخصائص إلى جوازه (٢)، وله شبهتان:
إحداهما: أنه قد جاز ذلك في العاطفة، فليجز فيها لأنها محمولة عليها.
والثانية: أن ذلك قد ورد في كلامهم، فينبغي [٣/ ١٣] أن يحكم بذلك، ومن الوارد في ذلك قول الشاعر (٣):
١٦٤٣ - أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسّوءة اللّقبا (٤)
ومثله قول الآخر: -
стр. 2026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٤٤ - جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... خصالا ثلاثا لست عنها بمرعوي (١)
ولا حجة في الشبهتين، أما الأولى فالجواب عنها من وجهين:
أحدهما: أن العاطفة أقوى وأوسع مجالا فجعل لها مزية بتجويز التقديم، ولأن المعطوف بالواو نسبة العامل إليه كنسبته إلى المتبوع فلم يكن في تقديمه محذور، بل كان فيه إبداء مزية للأقوى على الأضعف [٢/ ٤٩٠]، فلو أشرك بينهما في الجواز خفيت المزية.
والثاني: أن واو «مع» وإن أشبهت العاطفة فلها شبه يقتضي لها لزوم مكان واحد كما لزمت الهمزة مكانا واحدا.
وأما الشبهة الثانية عن احتجاجه بالبيتين المذكورين فضعيفة أيضا، إذ لا يتعين جعل ما فيهما من المنصوبين من باب المفعول معه، بل جعله من باب العطف ممكن وهو أولى؛ لأن القول بتقديم المعطوف في الضرورة مجمع عليه وليس كذلك القول بتقديم المفعول معه.
أما البيت الأول: فالعطف فيه ظاهر لأن تقديره: جمعت غيبة ونميمة وفحشا، وبهذا وجهه أكثر النحويين (٢).
وأما البيت الثاني: فهو من باب:
١٦٤٥ - وزجّجن الحواجب والعيونا (٣)
-
стр. 2027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فنصب «العيون» بفعل دل عليه «زججن» تقديره: وكحلن العيون؛ فلو دعت ضرورة إلى التقديم لم يختلف التقدير، فكذلك أصل:
١٦٤٦ - ولا ألقّبه والسوأة اللّقبا (١)
ولا ألقبه اللقب وأسوؤه السوأة فحذف أسوؤه لدلالة ألقبه عليه ثم قدم مضطرّا وبقي التقدير على ما كان عليه (٢). انتهى.
وهو كلام حسن غير أن قوله في الوجه الأول وجهين، فالجواب عن الشبهة الأولى أن العاطفة أقوى وأوسع مجالا فجعل لها مزية، لا يحسن ردّا على ابن جني؛ لأن واو «مع» عنده ليست غير العاطفة. فإذا ثبت للعاطفة حكم وجب ثبوته لها وهي للمعية، وقد قدمت العاطفة في الضرورة فليجز تقديم واو المعية للضرورة.
وأما الجواب عن الوجه الثاني فغايته أنها معدية ما قبلها إلى ما بعدها، بمعنى أن العامل يصل بسببها إلى ما بعدها،
ولا شك أن واو العطف كذلك؛ لأن الأصح من المذاهب أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بوساطة حرف العطف، وليست واو «مع» في التعدية كالهمزة؛ لأن الهمزة ما عدت الفعل التي هي فيه، بل صار الفعل بسببها متعديا، والهمزة صارت من جملة حروف الفعل، فحكمها حكم أحد أجزائه، وجزء الكلمة لا يتقدم عليها، وأما الواو فهي معدية ومنفصلة عن الفعل الذي عدته وليست جزءا منه والفارق يمنع القياس، وأما الجواب الذي ذكره في البيتين فظاهر، لكن قد يقال في الجواب عن:
ولا ألقّبه والسوأة اللّقبا
لا يلزم من جواز تقديم المعطوف على المعطوف عليه إذا كان عاملهما واحدا جواز ذلك إذا كان لكل منهما عامل.
стр. 2028
[أقسام خمسة لما بعد الواو وحكم كل قسم]
قال ابن مالك: (ويجب العطف في نحو: أنت ورأيك وأنت أعلم ومالك، والنّصب عند الأكثر في نحو: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا، والنّصب في هذين ونحوهما بكان مضمرة قبل الجارّ أو بمصدر «لابس» منويّا بعد الواو لا بـ «لابس» خلافا للسيرافي وابن خروف، فإن كان [٢/ ٤٩١] المجرور ظاهرا رجّح العطف وربّما نصب بفعل مقدّر بعد «ما» أو «كيف» أو زمن مضاف أو خبر ظاهر في نحو: ما أنت والصّبر، وكيف أنت وقصعة، وأزمان قومي والجماعة، وأنا وإيّاه في لحاف. ويترجّح العطف بلا تكلّف ولا مانع ولا موهن، فإن خيف به فوات ما يضرّ فواته رجّح النّصب على المعيّة).
قال ناظر الجيش: اعلم أنه قد تقدم أن المفعول معه لا بد له من عامل يتقدم الواو، وأنه إما فعل أو عامل عمل الفعل كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول، وأن العامل المعنوي وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه لا عمل له
فيه، ولا شك أن دلالة الواو على المعية لا تتوقف على وجود العامل المذكور؛ لأنه ليس من شرط دلالتها على المعية نصب ما بعدها، فقد تفيد المعية ولا نصب أصلا كما في «كل رجل وضيعته» (١) فكون الواو صالحة للدلالة على المعية أعم من كونها صالحة لأن ينصب ما بعدها مفعولا معه، فليس النصب لازما للدلالة على المعية؛ إذ الأخص غير لازم للأعم، وإذا كان كذلك ساغ انقسام ما يذكر بعد الواو المفيدة للمعية إلى ما يصح فيه أن يكون معطوفا على ما قبله ولا يصح فيه النصب على المعية، وإلى ما يصح فيه أن ينصب على المعية، وعلى هذا كان ينبغي أن يقال: إذا قصدت المعية فإما أن لا -
стр. 2029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون ثمّ عامل يصح عمله في المفعول معه فالعطف أو يكون ثم عامل يصح منه ذلك فالنصب على المعية، فيكون أحد الأمرين أعني العطف المفهوم منه المعية والنصب على المعية لازما؛ لأن المعية إذا كانت مقصودة للمتكلم لا يجوز العدول عنها إلى ما لا يدل عليها وهو العطف المراد به التشريك في الحكم، لكن النحاة ضموا إلى القسمين قسمين آخرين، وهما جواز العطف مع أرجحيته وجواز النصب على المعية مع أرجحيته، فصارت الأقسام أربعة:
واجب العطف وواجب النصب وراجح العطف وراجح النصب.
وقد ذكرها المصنف في هذا الكتاب وفي بقية كتبه (١)، وذكر ابن عصفور قسما آخر وهو ما يستوي فيه الأمران (٢)، أعني العطف والنصب، لكنه لم يذكر راجح النصب في الأقسام فتضمن كلامه أربعة أقسام كما تضمنها كلام المصنف، لكن أحد الأقسام الذي ذكره هذا غير القسم الذي ذكره هذا، فيخرج من كلام الرجلين خمسة [٣/ ١٤] أقسام، لكنك قد عرفت أن النصب عند قصد المعية لازم فكيف يحكم برجحانه على العطف في بعض الصور، بل كيف يحكم بتساوي الأمرين في بعضها أيضا، والذي يرفع هذا الإشكال أن يقال: إنهم إنما حكموا بالرجحان أو بالتساوي نظرا إلى مجرد صور التراكيب [٢/ ٤٩٢] اللفظية مع قطع النظر عما يقصد من أحد المعنيين، أعني العطف والمعية، ولكن يشكل على هذا التقدير حكم المصنف برجحان العطف في مثل: كنت أنا وزيد كالأخوين (٣)؛ لأن تجويز هذا المثال يسوغ فيه كل من الأمرين دون ضعف فينبغي الحكم فيه بالتساوي، نعم ينبغي الحكم
برجحان العطف في مثل: ما أنت وزيد وما شأن عبد الله وزيد، وبنحو هذا مثّل ابن عصفور لهذا القسم (٤)، وإنما رجح العطف فيه لعدم ما يصلح أن يكون عاملا في المفعول معه في اللفظ والاحتياج إلى تكلف تقدير إذا نصبنا، وأما القسم -
стр. 2030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي يحكم فيه برجحان النصب فإنما لم يتضمنه تقسيم ابن عصفور لما سنذكره بعد، وبهذا التقرير يظهر أن الصور في هذا الباب خمس لا أربع. إذا عرف هذا فلنشرع في إيراد الأقسام مع مراعاة ترتيب الكتاب ولفظه.
القسم الأول: ما يجب فيه العطف: ولوجوب العطف سبب واحد لفظي وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (ويجب العطف في نحو: أنت ورأيك، وأنت أعلم ومالك)، وضابطه: أن كل موضع كانت فيه الواو بمعنى «مع» بعد ذي خبر لم يذكر أو ذكر وهو أفعل التفضيل، وإنما لزم العطف في مثل هذا لعدم فعل وما يعمل عمله، والمراد بالعامل عمله أن يكون من جنس ما ينصب مفعولا به (١)، فلا أثر لوجود أفعل التفضيل؛ لأنه لا ينصب المفعول به (٢).
قال المصنف: ولا خلاف في وجوب الرفع فيما أشبه المثالين المذكورين، ومن ادعى جواز النصب في: «كل رجل وضيعته» (٣) على تقدير كل رجل كائن وضيعته فقد ادعى ما لم يقله عربي، فلا التفات إليه ولا تعريج عليه، ومثل كل رجل وضيعته وأنت ورأيك قول العرب: الرجال وأعضادها، والنساء وأعجازها (٤) حكاه الأخفش ومثله: إنك ما وخيرا (٥) حكاه سيبويه (٦)، و «ما» زائدة، ومثله قول شداد أبي عنترة: -
стр. 2031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٦٤٧ - فمن يك سائلا عني فإنّي ... وجروة لا ترود ولا تعار (١)
ولمجيء هذه الواو بعد مبتدأ أو بعد اسم «إن»، قال المصنف (٢): ويجب العطف، ولم أقل ويجب الرفع، فإن المعطوف بعد مبتدأ يرفع وبعد اسم إنّ ينصب، فعمتهما العبارة، واعلم أنه قد تقدم الكلام في باب المبتدأ على إعراب:
«كل رجل وضيعته» ومثله أنت ورأيك، فاستغنى عن إعادته هنا. وأما أنت أعلم ومالك فالعطف فيه ظاهر الإشكال؛ لأنه إما أن يعطف على الخبر الذي هو أعلم فيلزم منه الإخبار بالمال عن «أنت» لأن المعطوف على خبر شيء خبر لذلك الشيء أيضا، ولا شك أنه لو قيل: «أنت مالك» لم يصح، وإما أن يعطف على الضمير المستكن في الخبر، فيلزم منه إسناد «أعلم» إلى المال، كما أنه مسند إلى الضمير المعطوف عليه، ولا يصح كون المال فاعلا لأعلم [٢/ ٤٩٣]، ثم إن العطف على الضمير يستلزم أمرين آخرين وهما:
العطف على الضمير المتصل المرفوع دون فصل بتوكيد ولا غيره.
والآخر: رفع أفعل التفضيل الظاهر، وقد يدعى جواز العطف على الضمير المذكور دون فصل على قلة (٣)، وأنه لا يلزم من مجيء الظاهر مرفوعا بعد المرفوع بأفعل التفضيل صحة رفع أفعل لذلك الظاهر؛ لأن العطف لا يشترط في صحته حلول المعطوف محل المعطوف عليه، بدليل «رب رجل وأخيه» (٤)، فالأولى أن تقول علة المنع
على ما ذكرناه أولا. -
стр. 2032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإما أن يعطف على المبتدأ الذي هو أنت ويكون «أعلم» خبرا عنهما، أعني عن أنت وعن مالك، إن جاز ذلك، أو يقدر له خبر يكون معطوفا على الخبر الذي هو «أعلم» كما أن «ومالك» معطوف على المبتدأ الذي هو «أنت» فيكون المبتدأ قد عطف على المبتدأ والخبر المقدر قد عطف على الخبر، فيلزم إذ ذاك الإخبار عن المال بالأعلمية، ولا يصح أيضا لأنه كما لم يصح كون الأعلمية مسندة إلى المال على جهة الفاعلية لا يصح كونها مسندة إليه على جهة الخبرية (١)، فقد ظهر امتناع عطف «ومالك» على التقادير الثلاثة، وقد افترق الناس في توجيه ذلك فرقتين: فرقة استقرت بالواو على بابها من اقتضائها التشريك بين المتعاطفين في اللفظ والمعنى فاضطروا إلى دعوى المجاز بأن قالوا: إن مالك معطوف على المبتدأ الذي هو «أنت» وأخبر عنه «بأعلم» تجوزا، وذلك أنه لما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال على اختيار الناظر فيه صار مواتيا له فنسب العلم إليه مجازا (٢).
وفرقة حملت الواو هنا على أنها غير مشركة في المعنى، وأنها إنما شركت في اللفظ فقط وقالوا: إن الواو في هذا المحل نابت عن حرف آخر وهو الباء كما سيأتي، والباء لا دلالة لها على تشريك معنوي فأعطيت الواو حكم ما نابت عنه، ولما كانت صورة العاطفة أعطت حكمها لفظا فشركت في الإعراب لا غير، وهذا القول هو المعول عليه (٣)، وتقديره أن أصل الكلام: أنت أعلم بمالك، فحذفت الباء ونابت الواو منابها كما أنابوها منابها في قولهم: بعت الشاة شاة ودرهما أصله شاة بدرهم، ثم حذفت الباء وأقيمت الواو مقامها، والمعنى مع الواو كحاله مع الباء، فلم
تفد الواو إلا التشريك في اللفظ لا غير (٤)، وإلى هذا ذهب الجرمي وابن طاهر أعني كون الواو عاطفة لفظا لا معنى (٥) وهو اختيار المصنف، وقد -
стр. 2033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقدم ذكر ذلك في أوائل الباب غير أنه قال: أنت أعلم مع مالك كيف تديره فلم يتعرض إلى ذكر الباء، وتبع فيما قاله سيبويه حيث قال: فإنما أردت: أنت أعلم مع مالك [٣/ ١٥]، ويظهر أن كلّا من الاعتبارين صحيح، أما من قال: المراد:
مع مالك فمراده تفسير معنى الواو، ولا شك أن معناها [٢/ ٤٩٤] المعية لأنها واو «مع» أي الواو التي تفيد ما تفيد «مع»، ومن قال: المراد: أنت أعلم بمالك فمراده أن الأصل كان للباء، ثم أقيمت الواو مقامها. فذكر الباء باعتبار أصل التركيب، وذكر «مع» باعتبار ما آل إليه الأمر بعد إبدال الباء بالواو، وأيضا فالخبر الذي هو أعلم مشعر بما كانت الباء تفيده لو ذكرت بخلاف ما لو ذكرت الباء فإنها مع «أعلم» لا دلالة لها على الصحبة، فكان تفسير سيبويه للواو في «ومالك» بمعنى «مع» أولى من تفسيرها بالباء، فإن قلت: ما الموجب لأن عدلوا إلى الواو فأقاموها مقام الباء في مثل هذا قلت: يمكن أن يقال: المراد من قولهم: أنت أعلم ومالك - شيئان:
أحدهما: الدلالة على المعية، والآخر: الدلالة على العلم بطرق التصرف فيه والتدبير، فلو لم يعدل إلى الواو وقيل: أنت أعلم بمالك، لانتفت الدلالة على المعية ظاهرا؛ لأن الباء أصلها أن تكون للإلصاق لا للمعية ولو لم تكن الواو نائبة عن الباء وكانت مأتيّا بها ابتداء انتفت الدلالة على العلم بطرق التصرف والتدبير في المال وتمحضت الدلالة على المعية والغرض أن كلا الأمرين مراد، فإذا ادعي في الواو النيابة عن الباء حصلت إفادة الأمرين معا؛ لأنها تفيد معنى الباء بالنيابة، وتفيد المعنى الآخر بالأصالة، فإذا عرفت أن الواو هنا نائبة عن الباء وأن العطف روعي فيه اللفظ دون المعنى، وقد تقدم الواو اسمان مبتدأ وخبر وهما أنت وأعلم وجب أن نبحث عن المعطوف ما هو من هذين الاسمين، وقد قيل بعطفه على كل منهما، ولا شك أنه إذا تقرر أن العطف هنا لفظي لا شركة بينه وبين
المعطوف عليه في المعنى كان العطف سائغا على أيهما شئت، لكن تنظير المصنف هذا الاستعمال باستعمال النعت على الجواز يقتضي أن يكون المعطوف عليه هو الخبر لقربه وبجواره لا الاسم، وقد صرح بعطفه على الخبر أبو بكر بن طاهر فقال: هو معطوف على «أعلم» لأن الأصل بمالك، فوضعت الواو موضع الباء فعطفت على ما قبلها ورفعت -
стр. 2034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما بعدها في اللفظ وهي بمعنى الباء متعلقة بأعلم (١).
قال الشيخ: وهذا أقرب لتفسير كلام سيبويه لأنه قال في الواو: تعمل فيما بعدها المبتدأ، يريد أنك تعطفه على «أعلم» فيعمل فيه ما عمل في أعلم وهو المبتدأ (٢)، هذا ما انتهى إليه الكلام في هذه المسألة، وقد قيل: إن «ومالك» خبر عن مبتدأ مقدر والتقدير: أنت أعلم وأنت ومالك فحذف المبتدأ، ثم حذفت الواو الداخلة لالتقائها مع الواو الأخرى، وعلى هذا يئول الأمر إلى عطف جملة على جملة (٣)، ولا يخفى ما في هذا الإعراب من التكلف وتقدير مستغنى عنه، مع أنه يؤدي إلى أن القصد هو الإخبار عن المخاطب بأنه أعلم من غيره، ثم الإخبار بأنه مع ماله، ولا يخفى أن هذا ليس بمراده، ثم إنه إنما يتأتى جعل «ومالك» خبرا عن «أنت» [٢/ ٤٩٥] المقدر إلا على رأي ابن خروف، كما يدعيه في «كل رجل وضيعته» (٤) وقد تقدم بيان ضعفه، وإما أن يكون «ومالك» مبتدأ والخبر محذوف فمنعه ظاهر (٥)، وقد تقدم في كلام المصنف قوله: (ومالك) معطوف في اللفظ ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر؛ لأن المال لا يخبر عنه «بأعلم» وشرط المبتدأ المضمر خبره أن يكون خبره مثل خبر المعطوف عليه. ثم إن المصنف لما أتم كلامه على مسألة: أنت أعلم ومالك قال: وأما قولهم: أنت أعلم وعبد الله فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الواو بمعنى «مع» وعطف بها في اللفظ مبتدأ حذف خبره وجوبا لوقوعه موقع المجرور بمع والاستطالة.
والثاني: أن تكون الواو لمجرد العطف وعبد الله مبتدأ محذوف الخبر جوازا، والتقدير: أنت أعلم بعبد الله وعبد الله أعلم بك، ثم دخله الحذف كما دخل في -
стр. 2035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو: أأنت خير أم زيد؟ والأصل: أأنت خير من زيد أم زيد خير منك؟
الثالث: أن يكون عبد الله معطوفا على أنت وأعلم خبر عنهما كأنه قال: أنت وعبد الله أعلم من غير كما فيشتركان في المعنى، ويكون أعلم خبرا لهما (١) متوسطا بينهما (٢). انتهى.
وأورد الشيخ هذه التوجيهات الثلاث في شرحه كما أوردها المصنف من غير زيادة ولا نقص، غير أنه قال بعد ذلك: قال أبو الفضل البطليوسي (٣) في شرح الكتاب: فعلى هذا يجوز: زيد قائمان وعمرو ولا مانع منه، ثم قال الشيخ:
ولا ينبغي أن يجوز إلا بسماع من العرب. والفرق بين المسألتين أن «أعلم» أفعل التفضيل فيجري مفردا مذكرا على المفرد المذكر وفروعهما؛ فلا يظهر في ذلك مخالفة خبر لمخبر عنه فنقول: أنت أعلم وزيد كما تقول: أنت وزيد أعلم بخلاف إذا قلت: زيد قائمان وعمرو؛ إذ لا يصح: زيد قائمان للمخالفة فلا يصح: زيد قائمان وعمرو، والذي ينبغي منع زيد قائمان وعمرو، لأن فيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما هو خبر لهما ومخالفة لفظه لفظ المبتدأ (٤). انتهى.
وهذا الكلام من البطليوسي ومن الشيخ يقتضي صحة: زيد أعلم وعبد الله، على أن أعلم خبر عنهما كما رآه المصنف، وفي جواز ذلك نظر؛ وذلك أن المبتدأ في هذه المسألة هو مجموع الاسمين، لأن الخبر إنما هو خبر عنهما معا فوجبت نسبة المبتدأ فيه إليهما وشأن الخبر أن يذكر بعد مبتدأ به أو قبله، حيث يجوز تقديمه عليه، وأما أن يتوسط بين أجزائه فلا.
وأما الوجه الأول فلا يتجه فيه القول بوجوب حذف الخبر، وليس خبر هذا الاسم -