← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على أنّ المصنف قد اعتذر عن انفصال الضمير بعد (إلّا) بما ليس بالقوي (١)، وقد ذكروا - في هذا المذهب - أنّه ليس لنا حرف ينصب فقط، وإنّ الحرف العامل في الاسم حقّه أن يعمل ما اختصّ الاسم به وهو الجرّ (٢). وأمّا المذهب الثاني: وهو أنّ العامل ما قبل (إلّا) بواسطة (إلّا) فهو أقوى المذاهب المذكورة، وأرجحها (٣) وهو رأي الجمهور (٤)، وعزاه جماعة إلى سيبويه (٥)، ونظّروه بالمفعول معه، فإنّ العامل فيه ما قبل الواو، وبواسطتها، وهو الصحيح (٦)، وقد ردّه المصنّف بصحة تكرير الاستثناء، نحو: قبضت عشرة إلّا أربعة إلّا درهما إلّا ربعا، إذ لا فعل في المثال المذكور - إلّا (قبضت)، فإذا جعل معدّى بـ (إلّا) لزم تعديته إلى الأربعة بمعنى الحطّ، وإلى الدّرهم بمعنى الجبر، وإلى الرّبع بمعنى الحطّ، وذلك حكم بما لا نظير له، فإنّه استعمال فعل واحد، معدّى بحرف واحد، على معنيين متضادين». اه (٧). والجواب: أنّ (إلّا) - في هذا الكلام - ليست بمعنى الحطّ فقط؛ وإنما جاء إدخال الدرهم في الحكم، من جهة أنه مستثنى [٣/ ٣٣] من منفيّ فهو مثبت، فـ (إلّا) حطته من الأربعة الخارجة، فلزم دخوله في الحكم لذلك (٨)، ومما ردّ به المصنف هذا المذهب قولنا: قاموا إلا زيدا إلّا عمرا، فإنّ الثاني موافق للأول، في المعنى، فإن جعلا منصوبين بالفعل، معدّى إليهما بـ (إلّا) لزم من ذلك عدم النظير؛ إذ ليس في الكلام فعل معدّى بحرف واحد، إلى شيئين، دون عطف، فوجب اجتنابه». اه (٩). -

стр. 2102

[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي] قال ابن مالك: (فإن كان المستثنى بـ «إلّا» متصلا، مؤخّرا عن المستثنى منه المشتمل عليه نهي أو معناه، أو نفي، صريح أو مؤول، غير مردود به كلام، تضمّن الاستثناء اختير فيه - متراخيا - النصب، و - غير متراخ - الإتباع إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين). ــ ويمكن الجواب عنه بأن يقال: لا تسلم أنّ مدلول (إلّا) الثانية، في هذا التركيب مدلول (إلّا) الأولى، فيلزم ما قاله، ولو كان مدلولها كالأولى وجب العطف، ونحن نعقل الفرق بين قولنا: قاموا إلّا زيدا إلّا عمرا، وقولنا: قاموا إلّا زيدا، وإلّا عمرا؛ لأن (إلّا) - مع العطف - أخرجت زيدا وعمرا من القوم، فمدلول الأولى والثانية واحد (١)، ولذا احتيج إلى العطف، وأمّا مع عدم العطف فليس مدلولها واحد؛ لأنّ الثانية أخرجت عمرا من قوم ليس زيد منهم، ولا يلزم ما ذكره المصنف، وليعلم أنّ صاحب الكتاب وغيره ذكروا الخلاف في المسألة، ولم يفرقوا بين المتّصل (٢)، وقال ابن الحاجب - بعد ذكر الخلاف وتقريره: وإنّما هذا في الاستثناء المتّصل، فامّا المنقطع فالعامل فيه نفس (إلّا)؛ لأنّها تعمل عمل (لكن) ولها خبّر مقدّر على حسب المعنى (٣)، ومنهم من يقول: إنّه يظهر (٤) ومنهم من يجعله إذا كلاما مستأنفا. اه. وقد تقدّم أنّ تقدير (إلّا) بـ (لكن) في المنقطع، هل هو تفسير معنى، أو على أنّ (إلّا) قامت مقامها لفظا، والأوّل (٥) أظهر؛ فعلى هذا لا فرق بين المتّصل والمنقطع، بالنسبة إلى ما يدعى كونه عاملا، وقد صرّح سيبويه بذلك. قال ناظر الجيش: تقدّم أنّ المستثنى بـ (إلّا)، إذا ذكر المستثنى منه ينصب مطلقا، وأنّه قد يشارك النصب في بعض الصّور، والغرض الآن تبيّن مواضع -

стр. 2103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المشاركة، فإن تعينت علم أنّ النصب متعين لما سواها، وبدأ المصنف بذكر المتصل؛ لأنّ البدل فيه راجح، بشروط، وأخّر الكلام على المنقطع؛ لأنّ النصب فيه راجح، أو واجب. واشترط في جواز البدل مع الاتصال ثلاثة شروط: تأخير المستثنى عن المستثنى منه، وأن يشتمل على المستثنى منه نفي أو نهي، وأن يكون الكلام داخلا عليه النفي غير مردود به كلام تضمن الاستثناء. أمّا الشرط الأول فواضح، وحكم المستثنى إذا قدّم النصب، وله حكم آخر، يأتي الكلام عليه. وأما الشرط الثاني فاحترز به من الموجب، نحو: اذهبوا إلّا زيدا، وسيظفرون إلّا عمرا، والموجب من الكلام في الاستثناء ما كان الكلام بعد (إلّا) مثبتا فيه، فيدخل الأمر، والتخصيص، وإن كانا - في الجواب بالفاء، والنيابة عن الشرط - غير واجبين، ويدخل الشّرط أيضا، وقد ذكر مثال الخبر والأمر، وأما التخصيص فكقولك: لولا خاصمت القوم إلّا زيدا، ومثال الشّرط: إن قام القوم إلّا زيدا، ومثال النهي: لا يقم أحد إلّا زيد، وأمّا معنى النّهي فكقول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: «نهى عن قتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين» (١) التقدير: لا تقتل جنان البيوت إلّا الأبتر، وذو الطفيتين (٢). ومثال النفي الصّريح: ما قام أحد إلا زيد، ومثال المؤول قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ (٣)، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا -

стр. 2104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الضَّالُّونَ (١). فإن (من) استفهام في اللفظ ونفي في المعنى، والبدل من الضمير في (يغفر) ومن الضمير في (يقنط) وأكثر ما يكون معنى النّفي في الاستفهام إذا كان بـ (هل) أو (من) وقد يكون في الاستفهام بـ (أيّ) ولذلك عطف بعدها بـ (إلّا) في قول الشّاعر: ١٦٨٤ - فاذهب فأيّ فتى في النّاس أحرزه ... عن حتفه ظلم «دعج» ولا جبل (٢) ومن النّفي المؤوّل: قلّ رجل يقول ذلك إلّا زيد وكذا: أقل رجل يقول - إذا قصد بهما النفي - (٣). قال الشيخ: وارتفاع (زيد) على أنّه بدل من الضمير المستكن في المثالين؛ لأنّ المعنى: ما يقول ذلك إلا زيد، ولا يجوز أن يكون المستكن بدلا من (رجل) في (قلّ رجل)؛ لأن (قلّ) لا تعمل إلّا في النكرة ولا تعمل إلا في منفيّ، ولا من (أقلّ) في (أقل رجل)؛ لأن (أقلّ رجل) لا يمكن تعريفه (٤) كقولك: إلا زيد، وإن أريد بـ: (قلّ رجل) أو (أقلّ رجل) التعليل، لا النّفي المحض، فمذهب ابن خروف أنه لا يجوز في (إلا زيد) النصب للإيجاب (٥). وأجاز السيرافي البدل؛ لأنه نفي للتكثير، فالمعنى: ما يقول ذلك كثيرا إلا زيد (٦). اه. ولا يعد فيما أجازه السيرافي، ومن النفي المؤول قراءة بعض السلف (٧) فشربوا -

стр. 2105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منه إلا قليل منهم (١) لأنّ قبله فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي (٢)؛ فلذلك صار فَشَرِبُوا مِنْهُ بمعنى: لم يتركوه [٣/ ٣٤] فلم يكونوا منه (٣) ومنه أيضا ما أنشده الأخفش: ١٦٨٥ - لدم ضائع تغيّب عنه ... أقربوه إلا الصبا والجنوب (٤) وكذلك قول الآخر: ١٦٨٦ - وبالصّريمة منهم منزل خلق ... عاف تغيّر، إلّا النؤي والوتد (٥) لأنّ (تغيّب) بمعنى: لم يحضر، (وتغير) بمعنى: لم يبق على حاله (٦). ونقل الشيخ في إعراب: قليل منهم أن يكون مبتدأ، والخبر محذوفا وهو رأي الفراء (٧) وأن يكون إلا قليل صفة للضّمير في: شربوا (٨) على رأي من يجوّزه (٩)، وهو ابن عصفور، وأن يكون إلا قليل بدلا من الضمير، -

стр. 2106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتكون (إلّا) محكوما لها بحكم (غير) ثم قال: وما ساغ من التأويل في الآية الكريمة (١) ساغ في التبيين. اه. (٢). قال المصنف (٣): وقلت: المشتمل عليه ولم أقل: الكائن معه أو نحو ذلك؛ تنبيها على أنّ النهي والنفي قد يوجد ولا يكون له حكم لكونه منقوصا نحو: لا تأكلوا إلّا اللحم إلا زيدا، وما شرب أحد إلا الماء إلا عمرا، فإن هذا، وأمثاله بمنزلة ما لا نهي فيه ولا نفي إذ المراد: أكلوا اللحم إلا زيدا، وشربوا الماء إلا عمرا. انتهى. ولو قلت: ما شارب أحد إلا الماء إلا زيد رفعت، إما على الخبريّة عن (شارب) وإما على الابتدائيّة وهو أولى. قال ابن عمرون (٤): فإن لم تجعل للمبتدأ خبرا، كما في: أقائم الزيدان ما أرى لمنع نصب (زيد) وجها. انتهى (٥). والظاهر أنّ نصبه متعين ثم قال المصنف - بعد تمثيله بما تقدم -: ومنه: ما مررت بأحد إلا قائما إلّا أخاك، ذكره الفارسيّ في التذكرة (٦)، وقال: لا يجوز كون (قائم) صفة لـ (أحد) لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصفة والموصوف، ولا كونه حالا من التاء؛ لأنه يصير المعنى: مررت قائما بأحد، وهو لا يجوز، فكذا ما في معناه، وإذا بطل هذا ثبت أنّ (قائما) حال من (أحد) منصوب؛ لأنّه بعد إيجاب. ونقل الشيخ عن ابن هشام (٧) تمهيد هذه القاعدة وتقريرها بالأمثلة واستطرد إلى أن قال: تقول: ما أتاني بنو محمد، إلّا بنو جعفر، إلا خالدا، فنفيت عن بني محمد الإتيان سوى بني جعفر، وأوجبته لبني جعفر ثم أخرجت (خالدا) وهو منهم - مما أدخلتهم فيه من الإتيان فلم يكن فيه إلّا النصب، لا غير، وعكس هذه -

стр. 2107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المسألة: أتاني بنو محمد إلا بنو جعفر إلا خالد، برفعه حملا على المعنى؛ لأنك لما استثنيت من إيجاب نصبت، كما قدمنا، فـ «بنو جعفر» قد تغيب عنهم الإتيان وكأنك قلت: ما أتاني (بنو جعفر) ثم استثنيت منهم خالدا فأدخلته فيما نفيته فصار موجبا له بعد نفي (١). انتهى. وفي المثالين اللذين ذكرهما ابن هشام (٢) نظر؛ فإنّ الظاهر فيهما الانقطاع وكلاهما إنما هو في المتصل إلا (أن) (٣) يريد الاتصال بتأويل. وأما الشرط الثالث: وهو أن يكون غير مردود به كلام تضمن الاستثناء فاحترز به عن رد قول القائل: قاموا إلا زيدا، وأنت تعلم أنّ الأمر بخلاف ذلك، فتدخل النفي وتأتي بالكلام، مثل ما نطق به المردود عليه، فتنصب (زيدا) ولا ترفعه؛ لأنك لم تقصد معنى: ما قام إلا زيد، وكذا إذا قال: لي عندك مائة إلا درهمين، وأردت جحد ما ادعاه، فإنك تقول: ما لك عندي مائة إلا درهمين، كأنّك قلت: ما لك عندي الذي ادّعيته، ولو رفعت الدرهمين كنت مقرّا بهما، جاحدا لثمانية وتسعين؛ لأنّ المستثنى المبدل ممّا قبله في حكم الاستقلال فكأنّك قلت - إذا رفعت -: مالك عندي إلا درهمان (٤)، وهذه الثلاثة شروط جواز البدل. وبقي لرجحان النصب على الاستثناء شرط رابع: وهو ألا يتراخى، أي: يتباعد ذكر المستثنى، عن ذكر المستثنى منه نحو الأمثلة المتقدمة فإن حصل التراخي كان النصب على الاستثناء راجحا، والبدل مرجوحا وذلك نحو قولك: ما ثبت أحد في الحرب ثباتا نفع الناس إلا زيدا، ولا تنزل على أحد من تميم إن وافيتهم إلا قيسا (٥)؛ لأنّه إنّما رجح الإتباع في غير الإيجاب على النّصب؛ لأنّ معناه ومعنى النّصب واحد، وفي الإتباع تشاكل اللفظين، وهو مطلوب وللقرب تأثير في طلب المشاكلة، فلما تباعدا تباعدا بينا رجح النصب، لضعف الداعية، والأصل في هذا -

стр. 2108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قول النبيّ ﷺ : «لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها» فقال له العباس ﵁: «إلا الإذخر؟» فقال ﷺ : «إلّا الإذخر» (١). وقد يكون من هذا: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل الدّنيا، ثم احتسبه إلا الجنّة» (٢) وعللّ قوم هذا النوع بعروض الاستثناء، قال ابن السّراج: فإن لم تقدّر البدل، وجعلت قولك: (ما قام أحد) كلاما، لا تنوي فيه الإبدال من (أحد) ثم استثنيت؛ نصبت، فقلت: ما قام أحد، إلا زيدا (٣). قال المصنف - بعد ذلك -: فعلى هذا يكون للزوم النصب - بعد النفي سببان، التراخي، وعروض الاستثناء (٤). ومراده بلزوم النّصب لزوم اختيار النّصب؛ لأن النصب غير لازم وقوله: إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين إشارة إلى الخلاف في المستثنى، إذا جعل تابعا لما قبله، فمذهب البصريين أنه بدل، وقد نصّ عليه سيبويه (٥)، وعليه إشكالان: أحدهما: أنّه بدل بعض وليس معه - في نحو: ما قام أحد إلا زيد - ضمير يعود على المبدل منه. والثّاني: ما بينهما من التخالف فإنّ المبدل موجب، والمبدل منه منفيّ. وأجابوا عن الأول بأن (إلّا) وما بعدها من تمام الكلام الأول، و (إلّا) قريبة مفهمة أنّ الثّاني قد كان يتناوله [٣/ ٣٥] الأول، فمعلوم أنّه بعض الأول، فلا يحتاج فيه إلى رابط بخلاف: قبضت المال بعضه. وأما الإشكال الثاني فأجاب السيرافي عنه بأن قال: هو بدل منه في عمل العامل فيه وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية؛ لأن مذهب البدل فيه أن يجعل الأول كأنّه لم يذكر، والثاني في موضعه، وقد يخالف الصفة والموصوف نفيا وإثباتا، نحو: مررت برجل لا كريم -

стр. 2109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا لبيب (١). وقال غيره - ممّن تعرض لشرح كتاب سيبويه -: إنّما يشترط في البدل أن يحلّ محلّ الأول، في العامل خاصة، وأما أن يكون على معناه فلا وقال ابن الضائع (٢): لو قيل: إنّ البدل في الاستثناء قسم على حدته، ليس من تلك الأبدال، التي بينت في غير الاستثناء؛ لكان وجها وهو الحقّ، وقال - في موضع آخر -: اعلم أنّ البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فـ (إلّا زيد) هو البدل وهو الذي يقع موقع (أحد)، فليس (زيد) وحده بدلا من (أحد) و (إلا زيد) هو الذي نفيت عنه القيام، فـ (إلا زيد) بيان لل (أحد) الذي عنيت. ثم قال - بعد ذلك - «فهذا البدل - في الاستثناء - أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل. اه. ومذهب الكوفيين أنه معطوف وجعلوا «إلا» من حروف العطف في هذا الباب خاصّة، والحامل لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة قال: فعليه كيف يكون بدلا وهو موجب ومتبوعه منفيّ؟ والعطف توجد فيه المخالفة في المعنى كالمعطوف بـ (بل) و (لكن) فلذا قالوا به. قال الشيخ: وما ذهبوا إليه ممكن خال من التكلف، وقد ردّ القول بالعطف بأنّه: لو كانت (إلّا) عاطفة لم تباشر العامل في نحو: ما قام إلا زيد، وحروف العطف لا تلي العوامل، ذكر ذلك الشيخ وفيه نظر؛ لأنّ لهم أن يقولوا: إنّ (إلّا) التي باشرت العامل، ليست هي العاطفة. وقال المصنف - بعد نقل جواب السيرافي على التخالف (٣): ويقوّى العطف أن يقول: تخالف الصفة والموصوف كلا تخالف؛ لأنّ نفي الكرم واللّبابة إثبات لضدّهما وليس كذلك تخالف المستثنى والمستثنى منه، فإن جعل «زيد» بدلا من (أحد) إذا قيل: ما فيها أحد إلا زيد يلزم منه عدم النظير؛ إذ لا بدل في غير محلّ -

стр. 2110

[مسألتان في الاستثناء التام] قال ابن مالك: (ولا يشترط في جواز نصبه تعريف المستثنى منه، خلافا للفرّاء، ولا في جواز الإبدال عدم الصلاحية للإيجاب خلافا لبعض القدماء). ــ النزاع إلّا وتعلق العامل به مساو لتعلقه بالمبدل منه، والأمر في (زيد) و (أحد) بخلاف ذلك، فيضعف كونه بدلا؛ إذ ليس في الأبدال ما يشبهه، وإن جعل معطوفا لم يلزم من ذلك مخالفة المعطوفات، بل يكون نظير المعطوف بـ (لا) و (بل) و (لكن) فكان جعله معطوفا أولى من جعله بدلا. قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان: الأولى: أنّ الفراء اشترط في جواز النّصب والإتباع تعريف المستثنى منه بخلاف قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ (١) فإنّ الاستثناء فيه من نكرة فيلزم فيه - على مذهب الفراء - الإتباع (٢). قال المصنف (٣): ولا حجة له؛ لأنّ النصب هو الأصل، والإتباع داخل عليه، وقد رجح عليه بطلب المشاكلة، فلو جعل بعد ترجيحه عليه مانعا منه لكان ذلك إجحافا بالأصل، فضعف هذا الاعتبار قول الفرّاء. قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ (٤) في قراءة النصب، على أن يجعل مستثنى من (أحد) لا من الأهل، تتفق القراءتان في الاستثناء من شيء واحد، ولأنّه قد قيل: إنه قد أخرجها معهم، وقد روى سيبويه عن يونس وعيسى، أنّ بعض العرب، الموثوق بعربيّتهم يقول: ما مررت بأحد إلا زيدا، وما أتاني أحد إلا زيدا، بالنصب بعد النكرة، وهذا ينقض دعوى الفراء (٥). الثانية: أنّ بعض القدماء، ممن لم يسمّه سيبويه منع الإتباع في كلّ منفيّ، جاز -

стр. 2111

[حكم تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه] قال ابن مالك: (وإتباع المتوسّط بين المستثنى منه وصفته أولى من النّصب، خلافا للمازني في العكس). ــ في لفظ الإيجاب ولم يجوّز فيه إلا النصب على الاستثناء (١). نحو: ما أتاني القوم إلا أباك بخلاف: ما جاء أحد إلا زيد؛ لأن الإيجاب لا يصلح فيه، وردّ ذلك سيبويه (٢). قال المصنف (٣): وهو بالردّ حقيق، لمخالفته السماع والقياس، فمن السّماع الدالّ على البدل قوله تعالى: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (٤) وفَعَلُوهُ يقع في الإيجاب، وأما القياس فإنّه يقتضي جواز البدل أيضا؛ وذلك أنّ المسوّغ للبدل - فيما أجمع على جواز البدل فيه - الصلاحية لحذف المستثنى منه، وإقامة المستثنى مقامه، وذلك موجود - في: «ما أتاني أحد إلّا أبوك» فوجب تساويهما في الحكم بجواز البدل كما تساويا في تضمّن المسوّغ. قال ناظر الجيش: إذا توسط المستثنى، بين المستثنى منه وصفته نحو: ما فيها أحد إلّا زيد خير من عمرو، وما مررت بأحد إلا عمرو خير من زيد؛ فالإتباع عند سيبويه (٥) والمبرد (٦) أولى من النصب، ومذهب المازنيّ عكس ذلك: وهو أنّ النصب على الاستثناء أولى من الإتباع، ولهذا قال المصنف: خلافا للمازنيّ في العكس (٧) والصحيح [٣/ ٣٦] ما ذهب إليه سيبويه؛ لأنّ الصفة فضلة، فلا اعتداد -

стр. 2112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالمقدّم عليها، ولأن المستثنى في نحو: ما جاء أحد إلا زيدا، إنما رجح إتباعه على نصبه، ولأنّه إذا أتبع شاكل ما قبله لفظا، فإذا أتبع وبعده صفة متبعة شاكل ما قبله، وما بعده، فكان إتباعه متوسطا أولى من إتباعه غير متوسّط، ووجه ترجيح الإتباع أن الوصف فضلة، فلا اعتداد بالتقدم عليها. قال المبرد: وكان المازنيّ يختار النصب ويقول: إذا أبدلته من شيء فقد طرحته من لفظي وإن كان في المعنى موجودا فكيف أنعت ما قد سقط (١). قال المبرد: والقياس عندي قول سيبويه؛ لأنّ الكلام إنّما يراد معناه، والمعنى الصحيح أن البدل والمبدل منه موجودان معا لم يوضعا على أن يسقط أحدهما إلّا في بدل الغلط، فإنّ المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام (٢). وقد رجح اختيار المازنيّ بأمرين: أحدهما: أن البدل على نية تكرار العامل، فإذا أبدلت كنت قد فصلت بين الصفة والموصوف بجملة، وإمّا الفصل الثاني بالاستثناء، فيسهله كونه مفردا معمولا لما تقدّم (٣). الثاني: أنه إذا اجتمعت صفة وبدل قدمت الصفة عليه، والذي يظهر أنّ حكم البدل في باب الاستثناء - ليس جاريا على أحكام البدل في غيره، وتسميته بدلا إنّما هو باعتبار عمل العامل فيه وصحة حلوله محلّ المبدل منه، وبهذا يندفع ما أورده من الإشكالات، ومن أمثلة هذه المسألة: من لي إلّا زيد صديقا، مثّل بها سيبويه (٤)، فـ (من) مبتدأ و (لي) خبره، وفيه ضمير مرفوع ومنه استثني، و (صديقا) حال منه، والحال صفة في المعنى، فقد تقدّم المستثنى على الصّفة، وتعرض المصنف له في الشرح.

стр. 2113

[مسائل لا يجوز فيها الإتباع على اللفظ] قال ابن مالك: (ولا يتبع المجرور بـ «من» والباء الزائدتين، ولا اسم «لا» الجنسيّة إلّا باعتبار المحلّ) (١). - قال ناظر الجيش: كلامه واضح، ومثال الأول: (٢) ما فيهما من أحد إلا زيد. ومثال الثاني: (٣) ليس زيد بشيء، إلا شيئا لا يعبأ به. ومثال الثّالث (٤): لا إله إلّا الله، رفعت البدل من (أحد) لأنه في موضع رفع بالابتداء ولم تحمله على اللفظ فتجرّه؛ لأنه معرفة موجبة و (من) الزائدة لا تجر إلّا منكرا غير موجب. وخلاف الكوفيين والأخفش في ذلك معروف (٥)، وتقرير المصنف إنما هو على مذهب سيبويه وجمهور البصريين، ونصب أيضا المبدل من (شيء)؛ لأنّه في موضع نصب بـ (ليس) ولم يحمله على اللفظ فيجره؛ لأنّه خبر موجب ولا عمل للباء (الزائدة) (٦) في خبر موجب (٧)، ورفعت البدل من اسم (لا)؛ لأنّه في موضع رفع بالابتداء، ولم تحمله على اللفظ فتنصبه؛ لأنّه معرفة موجب، وكذا لو كان ما بعد (إلّا) نكرة نحو: لا رجل في الدار إلّا رجل من بني تميم؛ لأنّ (لا) لا تعمل إلّا في منكّر منفي ومن الإتباع على محله المجرور بالباء قول الشاعر - أنشده سيبويه -: ١٦٨٧ - يا ابني لبينى لستما بيد ... إلّا يدا ليست لها عضد (٨) ونقل الشيخ عن الشلوبين قال: إن قلت: كيف يكون (عبد الله) في قولك: -

стр. 2114

[إتباع المستثنى المنقطع عند بني تميم] قال ابن مالك: (وأجاز بنو تميم إتباع (١) المنقطع المتأخر إن صحّ إغناؤه عن المستثنى منه وليس من تغليب العاقل على غيره فيختصّ (٢) بأحد وشبهه خلافا للمازنيّ) (٣). - لا أحد فيها إلّا عبد الله بدلا من (أحد) وأنت لا يمكنك أن تحلّه محلّه؟ فالجواب: أنّ هذا إنما هو على توهّم: ما فيها من أحد إلّا عبد الله فالمعنى واحد وهذا يمكن فيه الإحلال وتقديره: ما فيها إلّا عبد الله (٤)، ثمّ قال (٥): قال ابن عصفور: وهذا الإشكال الذي ذكره لا يتقرر في المسألة وإذا لم يتقرر ولم يحتج إلى الانفصال عنه من جهة أنّه لا يلزم أن يحلّ إلّا عبد الله محل (أحد) الواقع بعد (إلّا)؛ لأنّ البدل إنّما يلزم أن يكون على نيّة تكرار العامل، وقد حصل ذلك في هذه المسألة وأمثالها ألا ترى أنّ (عبد الله) بدل من موضع لا أحد، فيلزم أن يكون العامل فيه الابتداء، كما أنّ العامل في موضع (لا أحد) الابتداء ولا شكّ أنك إذا أبدلته منه كان مبتدأ في التقدير وخبره محذوف، وكذلك حرف النّفي لدلالة ما قبله عليه والتقدير: لا أحد فيها، لا فيها إلّا عبد الله ثمّ حذف ذا واختصر (٦)، والّذي ذكره ابن عصفور غير ظاهر؛ لأنّه لو كان الأمر كما زعم لصحّ البدل مع الإيجاب في نحو: قام القوم إلّا زيدا، لصحة تقدير العامل، وهم قد منعوه، معللين ذلك بعدم صحّة حلول الثاني محلّ الأول، فدل ذلكّ على أنّه مشترط، وأمّا قوله (٧): إن البدل المذكور مبتدأ، وخبره محذوف، وكذلك حرف النّفي لدلالة ما قبله عليه فبعيد جدّا، وما قرره أبو علي الشلوبين فظاهر، لا غبار عليه. قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على المتّصل بالنسبة إلى الإتباع شرع في المنقطع بالنسبة إليه أيضا واستغنى عن إعادة ذكر بعض الشروط ليكون الكلام الّذي -

стр. 2115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو فيه ليس موجبا ونحوه ممّا تقدم وأمّا المتأخّر فذكره هنا وفهم من قوله: وأجاز بنو تميم أنّ الحجازيين يوجبون نصبه وشرط الإتباع عند التميميين أن يستقيم حذف المستثنى منه ويستغنى عنه بالمستثنى وإليه الإشارة بقوله: إن صحّ إغناؤه عن المستثنى منه فلو لم يصح الإغناء وافق التميميون الحجازيين (١)، وقد تقدّم في المبحث التاسع من المباحث السابقة أنّ المنقطع قسمان: قسم يتصور فيه الاتصال على جهة المجاز، وقسم لا يتصور فيه الاتصال على حال [٣/ ٣٧]. وأنّ اللغة الحجازية والتميمية بنيت على القسمين، وتقدّم تقدير جهة المجاز في ذلك فقول المصنف: إن صحّ إغناؤه ... إلخ، هو عبارة عن القسم الّذي ذكروا أنّه يتصور فيه الاتصال لأنّ مراد المصنّف أن يصحّ معه تفريغ ما قبل (إلّا) لما بعدها، فإن صحّ جاءت (٢) اللغة التميمية وإلّا فلا، ومتى تصوّر التفريغ عاد الاستثناء متصلا لما تقدّم أنّ التفريغ من قبيل المتّصل وإنما عدل المصنّف إلى هذه العبارة دون تلك؛ لأنّه لم يقرر في المنقطع ما قرره غيره من انقسامه إلى قسمين، وقد تقدّم التنبيه عليه، وتقدمت الإشارة أيضا في المبحث الثامن إلى عدة أمثلة من الاستثناء المنقطع إلّا أنّه لم يفصل فيها بين ما يصحّ إغناء المستثنى عن المستثنى منه، وما لا يصحّ، والغرض الآن التمييز بينهما. فمن أمثلة الأول، وهو ما يجوّز التميميون فيه الإتباع كما هو في المتصل لوجود الشرط: ما فيها أحد إلا حمار، ومنها قول الشاعر: ١٦٨٨ - وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس (٣) -

стр. 2116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الآخر: ١٦٨٩ - وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لنا خاطب إلّا السّنان وعامله (١) قال المصنّف (٢): ويلحق بهذا إتباع أحد المتباينين الآخر نحو: ما أتاني زيد إلّا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلّا إخوانه، وهما من أمثلة سيبويه والأصل: ما أتاني أحد إلّا عمرو، وما أعانه أحد إلّا إخوانه، فجعل مكان (أحد) بعض مدلوله وهو (زيد) و (إخوانكم)، ولو لم يذكر لدخلا فيمن نفى عنه الإتيان والإعانة، لكن ذكرا توكيدا لقسطهما من النّفي، ودفعا لتوهّم المخاطب لو لم يعترض له هذا الذي أكّد به واستشهد سيبويه بقول الشاعر: ١٦٩٠ - والحرب لا يبقى لجا ... حمها التّخيّل والمراح إلّا الفتى الصبّار في الن ... نجدات والفرس الوقاح (٣) ويقول الآخر: ١٦٩١ - عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النّبل إلّا المشرفيّ المصمّم (٤) -

стр. 2117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجعل المصنف من ذلك قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ (١) حتّى قال: إنّهم يقرؤون ذلك بالرّفع، إلّا من لقّن النّصب، وابن عصفور جعل هذه الآية من القسم الّذي لا يتصوّر فيه الاتصال (٢)، ومقتضى كلام المصنّف عكس ذلك (٣). وأما أمثلة القسم الثّاني، وهو الّذي لا يصحّ فيه إغناء المستثنى عن المستثنى منه فمنها قولهم: ما زاد إلّا ما نقص وما نفع إلّا ما ضرّ، ففي (زاد)، (ونفع) ضميران فاعلان والمعنى: لكنّه نقص، ولكنّه ضرّ، وما مصدرية، وتقديره: إلّا النقص وإلّا الضّرّ. وزعم السيرافي أنّ المصدر المقدّر مبتدأ محذوف الخبر، كأن قال: ما زاد النّهر لكن النقصان أمره، وما نفع زيد لكنّ الضرّ شأنه. وأقول: هذا منه إن لم يكن قصد به تفسير المعنى، كان على رأي من جعل إلّا في المنقطع قامت مقام لكن لفظا، وينصب ما بعدها بها نفسها، وقدّر لها خبرا محذوفا، وقد تقدّم الكلام عليه وجعل الشّلوبين (ما زاد إلّا ما نقص) من قبيل المتّصل، وقال: المصدر هنا مفعول به حقيقة والعامل فيه (زاد) وتقديره: ما زاد شيئا إلّا النقصان، ثمّ حذف شيئا وفرّغ زاد لما بعد (إلّا)، وردّ بأنّ النقصان لا نسبة بينه وبين الزّيادة، وكذلك لا نسبة بين الضّرّ والنّفع وفيه نظر، ومنها أيضا قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٤). قال المصنّف (٥): مَنْ رَحِمَ لا يجوز فيه الإتباع؛ لأنّ الاستغناء به عمّا قبله ممتنع إلّا بتكلّف، وأقول: هذا الذي قرّره على أحد الأوجه المتقدمة وهو: لا عاصم إلّا المرحوم ومنها قول الشاعر: ١٦٩٢ - ألا لا مجير اليوم ممّا قضت به ... صوارمنا إلّا امرأ [دان] مذعنا (٦) -

стр. 2118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال المصنّف (١): وزعم الزمخشريّ أنّ قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (٢) استثناء منقطع جاء على لغة تميم؛ لأنّ الله تعالى وإن صحّ الإخبار عنه بأنّه في السّموات والأرض فإنما ذلك على سبيل المجاز؛ لأنّه مقدّس عن الكون في مكان، بخلاف غيره، فإنّ الإخبار عنه بأنّه في السّماء أو في الأرض ليس مجازا، وإنمّا هو حقيقة ولا يصحّ حمل اللّفظ في حال واحد على الحقيقة والمجاز (٣). قال المصنف (٤): والصحيح عندي أنّ الاستثناء في الآية متّصل و (فى) متعلقة بغير (استقرّ) من الأفعال المنسوبة حقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين (ذكر) ويذكره فكأنّه قيل: لا يعلم من يذكر في السموات والأرض الغيب إلّا الله، ويجوز تعليق (فى) بـ (استقرّ) مسند إلى مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والأصل: لا يعلم من استقرّ ذكره في السموات والأرض الغيب إلّا الله، ثمّ حذف الفعل والمضاف واستتر المضمر لكونه مرفوعا، هذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، وليس عندي ممتنعا لقولهم: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (٥) وقول النبي ﷺ : «الأيدي ثلاث: يد الله ويد المعطي ويد السائل». انتهى. وجعله (فى) متعلّقة بغير (استقرّ) أو بـ (استقرّ) مسند إلى مضاف، إلى ضمير (من) فيه نظر لا يخفى وقد فهم من قول المصنّف: وبنو تميم لا يوجبون الإتباع (٦)، قال الشيخ: «بل الأفصح عندهم النّصب، وأمّا البدل فهو ضعيف وعلّل ضعفه بأنّه لا يتصوّر إلّا على تأويل (٧) وجعل قول المصنّف: «إنّ بني تميم يقرؤون ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [٣/ ٣٨] بالرفع إلّا من لقّن النصب مخالفا لما حكي، قلت: قد تقدّم من كلام المصنّف أنّ النصب في المنقطع إمّا -

стр. 2119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ راجح، أو واجب ورجحانه إنّما هو في لغة التميميين؛ لأنّ الحجازيين هم الذين يوجبون النّصب (١)، فعلم من هذا أنّ النّصب هو الأرجح عندهم، والبدل مرجوح. وزعم المازنيّ: أنّ إتباع المنقطع من تغليب ما يعقل على ما لا يعقل. قال ابن خروف: وهو فاسد؛ لأنّه لا يتوهّم ذلك [محصورا] في لفظ واحد والّذي يبدل منه في هذا الباب - وليس لفظ (أحد) - أكثر من أن يحصى (٢). قال ابن عصفور: وزعم المازنيّ أنّ وجه البدل - أي: في المنقطع - أن يكون أطلق (الأحد) على (الأحد) وغيره؛ لأنّه لما يعقل فلمّا اجتمع مع ما لا يعقل، أطلق عليهما تغليبا (٣) وعلى ذلك يحمل قوله: ١٦٩٣ - ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير ... (٤). لأن الأنيس لمن يعقل، ثمّ غلّبه وذلك فاسد؛ لأنّه لا يطرد في المنقطع ولا يسوغ له ذلك، في مثل قول الشاعر: ١٦٩٤ - ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب (٥) لأنّ (عتاب) لا يقع على من يعقل حتّى يقال فيه بالتغليب، وقد أبدلت (غير) المضافة إلى الطّعن والضّرب من (عتاب)، والطعن والضّرب ليسا من العتاب. قال الشيخ: والحكم المذكور للمستثنى المنقطع على اللّغتين ثابت إن كان الاستثناء بلفظ (إلّا) أو (غير)، وإن كان الاستثناء بأداة غير لفظ (غير، إلّا) كان حكم المستثنى حكمه إذا كان الاستثناء متّصلا (٦)، ومن الاستثناء المنقطع بأداة غير (إلّا وغير) قول الشاعر: -

стр. 2120

[جواز الإتباع على الاسم الظاهر أو ضميره] قال ابن مالك: (وإن عاد ضمير قبل المستثنى بـ «إلّا» الصالح للإتباع على المستثنى منه العامل فيه ابتداء، أو أحد نواسخه أتبع الضمير جوازا، وصاحبه اختيارا، وفي حكمهما المضاف إليه في نحو: ما جاء أخو أحد إلّا زيد). ــ ١٦٩٥ - لم ألف بالدّار ذا نطق سوى طلل ... قد كاد يعفو وما بالعهد من قدم (١) وعلى هذا القول: ما بالدّار أحد ليس حمارا، أو لا يكون حمارا، أو عدا حمارا، أو عدا حمار، وكذا باقي الأدوات، وهذا الّذي أشار إليه الشيخ، يؤخذ من كلام المصنّف في الكتاب فإنّه قد نصّ على حكم المستثنى بغير (إلّا وغير) من الأدوات، وأنّه إمّا مجرور أو منصوب، وأمّا (إلّا) فهي المقصودة بالكلام عليها من أول الباب إلى هنا، وأمّا كون حكم (غير) في المنقطع (إلّا) فقد ذكر المصنف في الفصل الأخير أنّ (غيرا) مستثنى بها، فتجرّ المستثنى، وتكون هي معربة بما له بعد (إلّا) فعمّ الحكم بذلك في المنقطع وغير المنقطع، ولهذا لمّا ذكر حكم الإتباع قال: فإن كان المستثنى بـ (إلّا) متّصلا ... إلى آخره، ولم يذكر (غير) مع أنّ الحكم فيهما واحد اعتمادا على ما ذكره في فصل (غير) كما نبّه عليه. واعلم أنّه تقدّم من كلام الشيخ - في اعتراضه على المصنّف - أنّ الأفعال لا يستثنى بها المنفصل (٢)؛ كـ (خلا) وأختيها، وهاهنا قد مثّل بالأفعال في المنقطع، فينبغي أن يتأمل ما أورده. قال ناظر الجيش: اعلم أنّ كلّ مسألة تقدّم فيها على المستثنى اسمان أحدهما ظاهر معمول للابتداء (٣) أو لأحد نواسخه (٤) والآخر مضمر واقع في خبر ذلك -

стр. 2121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الظاهر أو في صفته، وهو عائد عليه، يجوز للمتكلم أن يبدل ذلك المستثنى من أيّهما شاء، وذلك نحو: ما أحد يقول ذلك إلّا زيد، وما حسبت أحدا يفعل ذلك إلّا زيد، وما كان أحد يجترئ عليك إلّا زيد، فلك أن تجعله تابعا في تلك الأمثلة، لما عاد إليه المضمر من المبتدأ، أو المفعول الأول لـ (حسبت)، فيكون إعرابه على حسب إعراب متبوعه (١)، ولك أن تجعله تابعا للمضمر العائد من خبر المبتدأ، أو المفعول الثاني أو خبر (كان) (٢)؛ لأنّ العامل في الضمير خبر ما دخل النّفي عليه، وإذا دخل نفي على ذي خبر فالخبر هو المنفيّ، فهذه أمثلة الضمير واقعا في الخبر. وأمّا أمثلته واقعا في الصّفة نحو: ما فيهم أحد اتّخذت عنده يدا إلّا زيدا، فيجوز في زيد الرّفع إتباعا للمبتدأ، والخفض إتباعا للضّمير الواقع في صفته؛ لأنّ المعنى ما اتخذت عند أحد يدا إلّا زيد، وكذا ما ظننت فيهم أحدا يقول ذلك إلّا زيدا، وما كان فيهم أحد يفعل ذلك إلّا زيد، وإتباع الظاهر المخبر عنه أو الموصوف في الصّور المذكورة أولى من إتباع المضمر؛ لأنّ المسوّغ للإتباع هو النّفي، وهو أقرب إلى الظاهر منه إلى المضمر (٣). قال سيبويه - بعد أن مثّل بقوله: ما علمت أحدا يقول ذلك إلّا زيدا -: وإنّما اختير النصب هنا؛ لأنّهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه وأن لا يكون إلّا من منفيّ، والمبدل منه منصوب منفيّ، ومضمره مرفوع فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا منه؛ لأنّه هو المنفيّ، وهذا وصف أو خبر، وقد تكلّموا بالآخر؛ لأنّ معناه النّفي، إذا كان وضعا لمنفي، كما قالوا: عرفت زيدا أبو من هو، كما ذكرت لك؛ لأنّ معناه معنى المستفهم منه. انتهى (٤). فلو كان الضمير العائد في غير خبره، وغير صفة مخبرا عنه، امتنع إتباعه ولزم إتباع الظّاهر كقولك: ما شكر رجل أكرمته إلّا زيد، وما مررت بأحد أعرفه إلّا -

стр. 2122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمرو؛ لأنّ المعنى: ما شكر ممّن أكرمته إلّا زيد، وما مررت ممّن أعرفهم إلّا بعمرو، فلا أثر للنفي في (أكرمت) ولا في (أعرف) بل هما مثبتان، فلذلك امتنع إتباع معمولهما وقد عرف هذا من اشتراط المصنّف في العائد عليه الضمير أن يكون معمولا للابتداء، ولأحد نواسخه. قال سيبويه: وتقول: ما ضربت أحدا يقول [٣/ ٣٩] ذلك إلّا زيدا، لا يكون في ذلك إلّا النّصب؛ وذلك لأنّك أردت في هذا الموضع أن تخبر بوقوع فعلك ولم ترد أن تخبر أنّه ليس يقول ذلك إلّا زيد، ولكنّك أخبرت أنّك ضربت ممّن يقول ذلك زيدا. انتهى (١). وهذا الحكم المذكور من جواز إتباع الظّاهر والمضمر ليس خاصّا بالمتّصل بل هو جار في المنقطع أيضا وهو غنيّ عن الأمثلة (٢)، وعلى الانقطاع جاء قول الشاعر إلّا أنّه أتبع الضمير - أنشده المصنّف وهو من إنشادات سيبويه أيضا -: ١٦٩٦ - في ليلة لا ترى بها أحدا ... يحكي علينا إلّا كواكبها (٣) فـ (كواكبها) بدل من فاعل (يحكي)، (ترى) بمعنى: تعلم فـ (يحكي) وقعت مفعولا ثانيا لها، ومعنى (يحكي علينا): يخبر عنّا، وقبله: ١٦٩٧ - ما أحسن الجيد من مليكه وال ... لبّات إذ زانها ترائبها (٤) يا ليتني ليلة إذ هجع النّاس ... ونام الكلاب صاحبها وإنما قيّد المصنّف المستثنى بـ (إلّا) ليخرج ما سوى (إلّا) و (غير) من بقيّة الأدوات، كما تقرّر أنّ ما سواهما ينصب المستثنى أو يجرّه، ثمّ خصّ (إلّا) بالذّكر، وأمّا (غير) فيأتي في كلامه أنّ لها حكم ما بعد إلّا من الإعراب، كما تقدّم، وعلى هذا تقول: ما أظنّ أحدا يفعل ذلك غير زيد، نصبا ورفعا. قال -

стр. 2123

[مجيء المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا] قال ابن مالك: (وقد يجعل المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا). ــ الشّيخ: واحترز المصنّف بقوله: قبل المستثنى من أن يكون الضمير العائد بعده فإنّه لا يتصوّر فيه ذلك نحو: ما أحد إلّا زيدا يقول ذلك، فهذا لا يكون فيه إلّا النّصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون مبدلا من الضّمير في (يقول). اه (١). وقيّد المصنّف المستثنى بصلاحيته للإتباع تنبيها منه على أنّه لا بدّ أن يتقدّمه نفي أو ما يجري مجراه ليوجد شرط الإتباع فيصحّ، وإنما احتاج إلى هذا القيد؛ لأنّ عبارته ليس فيها إشعار باشتراط ما ذكره ولا بدّ منه، فاكتفى عن ذلك بوصفه المستثنى بالصّلاحية للإتباع؛ لأنّه يعلم منه اشتراط ألّا يكون الكلام موجبا، إذ لو كان موجبا لم يصلح المستثنى للإتباع لما قد عرفته (٢). وقد ذكر الشيخ أنّ المصنّف احترز بذلك من أن يكون المستثنى منقطعا لا يمكن توجيه العامل عليه (٣)، وتكلّف في تمثيله (٤)، وجعل اشتراط النّفي وما جرى مجراه مستفادا من قوله: أتبع أو نحو ذلك، وفيه بعد، وما تقدّم أسهل منه وأقرب وقوله: وفي حكمهما المضاف والمضاف إليه أي في حكم الظّاهر والمضمر المتقدّم ذكرهما المضاف والمضاف إليه في المثال المذكور فلك أن تقول: ما جاء أخو أحد إلّا زيد بالرّفع مبدلا من المضاف، والخفض مبدلا من المضاف إليه كما قلت: ما فيهم أحد اتّخذت عنده يدا إلا زيد، وإلّا زيد (٥) ويحتاج توجيه جواز الخفض في الإضافة إلى فضل تأمّل (٦). قال ناظر الجيش: قد علم ممّا تقدّم أنّ حكم المستثنى إذا قدّم النّصب، فأشار هنا إلى أنّه قد يقدّم في غير الإيجاب فلا ينصب، وإنما يتوافق مع ما بعده في الإعراب. وقد أشار إلى ذلك سيبويه قال: حدّثنا يونس أنّ بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلّا أبوك أحد؛ فيجعلون (أحد) بدلا، كما قالوا: ما مررت -

стр. 2124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بمثله أحد، فجعلوه (١) بدلا. اه. وأنشد المصنف على ذلك قول حسّان ﵁: ١٦٩٨ - لأنّهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلّا النّبيّون شافع (٢) قال: وأنشد الفرّاء (٣): ١٦٩٩ - مقزّع أطلس الأطمار ليس له ... إلّا الضّراء، وإلّا صيدها نشب (٤) وأنشد الكوفيّون: ١٧٠٠ - رأت إخوتي بعد الولاء تتابعوا ... فلم يبق إلّا واحد منهم شفر (٥) ولابن عصفور في هذه المسألة خبط؛ فتارة أجازها، وتارة جعل ذلك ضرورة وتارة جعله مذهب الكوفيين (٦). ونقل الشيخ أيضا عن بعض النّحاة أنّ مذهب البصريّين في المستثنى إذا قدّم على المستثنى منه النصب خاصة (٧)، وجعلها الشيخ -

стр. 2125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسألة خلاف، وطوّل الكلام فيها، وكلّ هذا مضادّ منه؛ لكلام سيبويه، ولما نقله عن العرب الموثوق بهم. وعلّل ابن عصفور المنع فقال: يجوز الرفع على الفاعلية وجعل (أحد) بدلا منه، يعني في: ما قام إلّا زيد أحد، قال: لأنّ (أحد) أعمّ من (إلّا زيد) والأعمّ لا يبدل من الأخصّ، وقال في موضع آخر: وقد يجوز ذلك على وضع العامّ موضع الخاصّ، فيكون من بدل الشيء من الشيء، إلّا أنّه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة، مثل: ١٧٠١ - ... فلم يبق إلا واحد منهم شفر (١) ونقل الشيخ عن ابن الضائع كلاما قاله رادّا على ابن عصفور مضمونه أنّ جعل (أحد) و (شفر) - في قولك: ما لي إلّا أبوك أحد، ولم يبق إلّا واحد منهم شفر - بدلا، خطأ؛ لأنّه يلزم منه أن يكون (أحد) و (شفر) مستعملين في الواجب وهو لا يجوز، قال: والوجه أن يقال: إنّه بدل من الاسم مع (إلّا) مجموعين فقدّر العامل: لم يبق شفر (٢). اه. وهذا منزع نزع إليه ابن الضائع (٣)، فالمحكوم عليه البدلية في الاستثناء وقد تقدّم عنه في مثل: ما قام أحد إلّا زيد، أنّ البدل من (أحد) هو مجموع (إلّا زيد) (٤) لا (زيد) وحده، فكذا قال في عكسه وهو: «فلم يبق إلّا واحد منهم (شفر) إنّ (شفر) بدل من (إلّا واحد) لا من (واحد) وحده، وإنمّا ادّعى ذلك هنا أيضا، لئلا يلزم منه استعمال (شفر) في الواجب، ويمكن أن يقال: إنّ تسميته (شفر) بدلا في مثل: «فلم يبق إلّا واحد منهم شفر» إنّما هو باعتبار الأمر اللفظيّ من غير التفات [٣/ ٤٠] إلى معناه، ويدلّ على ذلك أنّك إذا قلت: لم يبق منهم شفر إلّا واحد؛ كان (شفر) هو المستثنى منه، وإذا قلت: فلم يبق إلّا واحد منهم شفر؛ كان بمعنى الأوّل إلّا أنّ اللفظ لا يمكن حمله على ذلك؛ إذ لا يتأخّر المبدل منه ويقدّم البدل فادّعى أنّ المؤخّر بدل من المقدّم، وإن كان المعنى على العكس مراعاة للقاعدة في مثله، وإذا كان تسميته بدلا إنما هو باعتبار اللفظ خاصة؛ يلزم ما قاله ابن عصفور من أنّه: كيف تصحّ البدلية في مثل: ما قام إلّا زيد أحد، و (أحد) أعمّ من الأول؟! ولا يحتاج أيضا إلى تأويل ابن الضائع (٥).

стр. 2126

[تقديم المستثنى] قال ابن مالك: (ولا يقدّم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ بل على أحدهما، وما شذّ من ذلك فلا يقاس عليه خلافا للكسائيّ). ــ قال ناظر الجيش: المستثنى جار من المستثنى منه مجرى الصفة المختصّة، من الموصوف بها ومجرى المعطوف بـ (لا) من المعطوف عليه، فكما لا تتقدّمان على متبوعهما، كذا ينبغي أن لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، لكن تقدّم الصفة والمعطوف غير ممكن من جهة أنّ التابع لا يتقدم على المتبوع، بخلاف المستثنى، فلهذا إذا تقدّم أول الكلام ما يشعر بالمستثنى منه ما هو مسند إليه أو واقع عليه جاز تقدمه، نحو: قام إلّا زيدا القوم، وضربت إلّا زيدا القوم، قاله المصنف، فلو لم يتقدم ما يشعر بالمستثنى منه من مسند أو واقع لم يجز التقديم، وإليه الإشارة بقوله: ولا يتقدم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه والمنسوب إليه معا، بل على أحدهما؛ فعلم بذلك أنّه لا يجوز: إلّا زيدا قام القوم، وإلّا زيدا ضربت القوم (١). وإنما قال: والمنسوب إليه؛ ليشمل المسند والواقع، وممّا مثّل به المصنف في الجائز التقديم: القوم إلّا زيدا ذاهبون، وأدرجه في التّمثيل مع: (ما قام إلّا زيدا القوم) ولا ينتظم لي تمثيله بـ: القوم إلّا زيدا ذاهبون، مع قوله في المتن: إنّه لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ لأنه قدّم عليهما في المثال المذكور، فإنّ المستثنى منه الضمير، وذاهب مسند إليه إلّا أن يقول: قد تقدم ما يشعر بالمستثنى منه وهو القوم؛ لإشعاره بالضّمير من حيث إنّ مدلولهما واحد، وإذا جاز التقديم في مثل: قام إلّا زيدا القوم لتقدّم (قام) المشعر بالمسند إليه من حيث هو مسند، جاز: القوم إلّا زيدا ذاهبون، من طريق أولى، لكن ينكر عليه كونه قيّد المشعر المتقدم بكونه مسندا إلى المستثنى منه أو واقعا عليه، ولو أطلق فقال: إذا تقدم ما يشعر به كان المثال المذكور مندرجا تحت الإطلاق. ونحن نتذكر أحوال التقديم لننبّه على محلّ الوفاق ومحلّ الخلاف منها، فنقول: -

стр. 2127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المستثنى إمّا أن يتقدم أول الكلام أو يقدّم على المستثنى منه دون المنسوب إليه مع توسطه بين جزئي كلام، أو يقدّم على المستثنى منه، أو يقدّم على المنسوب دون المستثنى منه، أمّا تقديمه أول الكلام فلم يجزه أحد إلّا الكسائي (١). قال الشيخ: والزجاج - أيضا - (٢) واستدلّ لهما بقول الشاعر: ١٧٠٢ - خلا الله لا أرجو سواك وإنّما ... أعدّ عيالي شعبة من عيالكا (٣) وبقول الآخر - وهو استثناء منقطع -: ١٧٠٣ - وبلدة ليس بها طوريّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ (٤) ففي تقديم (خلا) إشعار بتقديم (إلّا) لأنّها الأصل ولا يقع الفرع في موضع لا يقع فيه الأصل، فعلى هذا جوّز الكسائيّ (٥) إلّا زيدا قام القوم؛ قياسا، وحكم الجمهور على ما استدل به بالشذوذ، وعن ذلك احترز المصنف بقوله: دون شذوذ. ووجه الشذوذ بأن قال: قد يكون المستثنى منه جائز التقديم، فيقدر وقوعه مقدما ويقدم لذلك المستثنى عليه وعلى ما عمل فيه، وأنشد البيتين المتقدّمين، ثمّ قال قدّر أنّه قال: سواك خلا الله إلّا أرجو، وأنّه قال: ولا بها إنس خلا الجنّ، فاستجاز مع المقدّر ما استجاز مع المحقّق. وأمّا تقديمه على المستثنى منه وما نسب إليه وهو متوسّط الكلام ففيه ثلاثة مذاهب، -

стр. 2128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يفرق في الثّالث بين أن يكون العامل متصرفا، فيجوز نحو: القوم إلّا زيد جاؤوا، أو غير متصرف فلا يجوز، نحو: القوم إلا زيدا في الدّار، وهو مذهب الأخفش (١). قال الشيخ: ولم يسمع التقديم إلّا مع العامل المتصرف فينبغي الاقتصار عليه (٢). ومن شواهد التقديم قول ذي الرّمة: ١٧٠٤ - معرّسا في بياض الصّبح وقعته ... وسائر الشّيء إلّا ذاك منجذب (٣) فاستثنى من الضّمير المستتر في (منجذب) و (منجذب) العامل فيه، وقول لبيد: ١٧٠٥ - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل (٤) فـ (ما خلا الله) استثناء من الضمير المستتر في (باطل) و (باطل) مسند إليه، عامل فيه (٥). وأنشد المصنف قول ابن أبي الصّلت (٦): ١٧٠٦ - كلّ دين يوم القيامة عند اللّ ... هـ إلا دين الحنيفة بور (٧) وقول الآخر: ١٧٠٧ - تعلم بأنّ الوفد إلّا عويمرا ... هم الكاذبون المخلفو كلّ موعد (٨) -

стр. 2129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد علمت أنّ عبارة المصنّف - في المتن - تقتضي امتناع التقديم وأنّ تمثيله بنحو: القوم إلّا زيدا ذاهبون؛ تقتضي جوازه، وأمّا تقديمه على المستثنى منه نحو: قام إلّا زيدا القوم، فنقل الشيخ أنّه لا خلاف في جوازه ومن ذلك ما أنشده سيبويه: ١٧٠٨ - النّاس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر (١) وأنشد الزّجّاجي (٢): ١٧٠٩ - وما لي إلّا آل أحمد شيعة ... وما لي إلّا مشعب الحقّ مشعب (٣) وجعل المصنف التقديم في نحو: قام إلّا زيدا القوم، أقوى منه في نحو [٣/ ٤١]: ضربت إلّا زيدا القوم، قال: لأنّ طلب الفعل لما هو فضلة ليس كطلبه لما هو عمدة، وتقدم ما يطلب المستثنى منه وهو عمدة، بمنزلة تقدمه نفسه، وليس كذلك تقدم ما يطلب المستثنى منه، وهو فضلة، ونظير ما أنشده سيبويه من تقديم المستثنى على المستثنى منه ما نقله المصنّف عن الأخفش من قوله: هاهنا إلّا زيدا قومك، وأين إلّا زيدا قومك، وكيف إلّا زيدا قومك؟. وأمّا تقديمه على المنسوب إلى المستثنى منه فقط، نحو: القوم إلّا زيدا ضربت، فيظهر أنه في الجواز كالقسم الّذي قبله بل أولى، وكأنّه لوضوحه لم يتعرّض المصنف لتمثيله ولنختم الكلام على هذا الفصل بمسألتين تتعلقان بالاستثناء المقدم من جهة العطف: إحداهما: ما نبّه عليه سيبويه، وهي: ما لي إلّا زيدا صديق وعمرا. وعمرو، وما لي إلّا إيّاك صديق وزيدا، وزيد. قال سيبويه: فأمّا النصب فعلى الكلام الأول -

стр. 2130

[استثناء شيئين بأداة واحدة] قال ابن مالك: (فصل؛ لا يستثنى بأداة واحدة - دون عطف - شيئان، وموهم ذلك بدل ومعمول عامل مضمر، لا بدلان؛ خلافا لقوم). ــ وأما الرفع فكأنّه قال: وأبوك لي، يعني أنّه مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف لتقدم ما يدلّ عليه، كأنّه قال: وعمرو لي صديق أيضا، وهو نظير: إنّ زيدا قائم وعمرو (١). وهذا تخريج الخليل، وخرّجه غيره على غير ذلك، وقد نبّه عليه ابن عصفور فقال: فإن عطفت على المستثنى المقدم فإنّه يفارق العطف على المستثنى المؤخر في أنّه يجوز في العطف النصب على اللّفظ والرفع على المعنى فنقول: ما قام إلّا زيدا أحد وعمرا؛ على لفظ (زيدا)، وعمرو على ما كان يجوز في (زيد) لو تأخّر فكأنّك قلت: ما قام أحد إلّا زيد وعمرو، ثمّ قال: وهذا الوجه ضعيف جدّا. المسألة الثانية: قال الشيخ: إذا عطفت على المستثنى المقدم المنصوب اسما؛ نصبت نحو: قام إلّا زيدا وعمرا القوم، ولا يجوز غير النّصب، فإن أخرت المعطوف بعد المستثنى منه فالاختيار النصب، نحو: قام إلّا زيد القوم وعمرا، ويجوز أن يرفع حملا على المعنى؛ لأنّ (قام إلّا زيدا القوم) في معنى: لم يقم زيد من القوم، فكما يجوز: لم يقم زيد من القوم وعمرو؛ كذلك جاز: قام إلّا زيدا القوم وعمرو (٢). اه. وإذا جاز الحمل على المعنى في هذه المسألة فجواز الحمل عليه في المسألة الّتي قبلها أولى. قال ناظر الجيش: أي: لا يقال: قام القوم إلّا زيدا عمرا، بل إنّما يقال: قام القوم إلّا زيدا وعمرا؛ بالعطف، أو إلا زيدا إلّا عمرا، بحسب ما نريد من المعنى، على ما يأتي في الفصل بعده، وكذا إذا استثنيت بعد الأفعال المتعدّية إلى مفعولين، نحو: أعطيت، لا تقول: أعطيت الناس المال، إلّا عمرا الدنانير، أشار إلى منع ذلك ابن السّراج (٣) قال: لأنّ حرف الاستثناء إنما يستثنى به واحد فتقول: أعطيت الناس دراهم إلّا عمرا، ثمّ قال: فإن قلت: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا -

стр. 2131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دانقا (١)، وأردت الاستثناء؛ لم يجز، فإن أردت البدل جاز، وأبدلت (عمرا) من (أحد) و (دانقا) من (دراهم) كأنّك قلت: ما أعطيت إلّا عمرا دانقا. قال المصنف: حاصل كلامه - يعني ابن السراج - جواز أن يقال: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا، على أن يكون الاسمان اللّذان بعد (إلّا) بدلين، لا منصوبين على الاستثناء. وفي هذا ضعف بيّن؛ لأنّ البدل في الاستثناء لا بدّ من اقترانه بـ (إلّا) فكان ذلك أشبه شيء بالمعطوف بحرف، فكما لا يقع بعد حرف معطوفان، كذلك لا يقع بعد حرف الاستثناء بدلان، فإن ورد ما يوهم ذلك قدّر ناصب للثاني (٢) كما يقدّر خافض للثاني في نحو: ١٧١٠ - أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقّد بالليل نارا (٣) وفي منع المصنف ما أجازه ابن السراج من جعل الاسمين بعد (إلّا) في المثال المتقدم بدلين - نظر؛ فإنّ غاية مستنده في المنع أنّه شبهه بالمعطوف بحرف، كما تقدّم، وعلى تقدير تسليم هذا الشبه لا خلاف في صحة عطف اثنين بحرف واحد، بعد (أعطيت) وشبهه، مما يقتضي معمولين نحو: ما أعطيت أحدا درهما عمرا دانقا؛ لأنه يصحّ عطف معمولين على معمولين لعامل واحد، وإذا جاز العطف جاز البدل؛ لأنّه أسند منع البدل إلى عدم صحة العطف وقد تبيّن جوازه، والعطف الممتنع الّذي أشار إليه المصنف إنّما هو عطف معمولين على معمولي عاملين، كما -

стр. 2132

[استثناء النصف، وما هو أكثر] قال ابن مالك: (ولا يمتنع استثناء النصف خلافا لبعض البصريين، ولا استثناء الأكثر وفاقا للكوفيين). ــ تبيّن ذلك من تمثيله بقول الشاعر: ١٧١١ - أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ............. البيت وليس هذا ممّا تقدّم في شيء، والّذي يظهر أنّ تعدّد البدل، وعدم تعدده إنّما هو بحسب ما يقتضيه العامل قبل (إلّا)، فإن اقتضى معمولا واحدا لم يجز أن يقع بعد (إلّا) بغير عطف إلّا بدل واحد، نحو: ما ضربت أحدا إلّا زيدا، وإن اقتضى معمولين جاز أن يقع البدلان منهما بعد (إلّا) كما تقدّم من قولهم: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا، ولا يحتاج إلى تقدير عامل للثاني، نعم إذا جاء مثل: ما ضربت أحدا إلّا زيدا عمرا، تعيّن نصب الثاني بـ (ضرب) مقدرة، لعدم اقتضاء (ضربت) معمولين، وينبغي أن يكون من صور المسألة المتقدمة: ما ضرب أحدا إلّا عمرو خالدا، فيجعل (عمرو) بدلا من الفاعل، و (خالدا) بدلا من المفعول، وكذا ما أخذ أحد شيئا إلّا عمرو درهما، ونسبها الشيخ (١) إلى الفارسي، فـ (عمرو) بدل من الفاعل، و (درهم) بدل من المفعول، والمصنف يجعل الثاني معمولا لعامل مضمر كما تقدّم، وأمّا منع الاستثناء في مثل: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا [٣/ ٤٢] ففي النّفس منه شيء. قال ناظر الجيش: اختلف النحاة في المخرج بالاستثناء: هل يكون أكثر من الباقي أو مساويا له بعد اتفاقهم على جواز أن يكون أقل من الباقي، وعلى منع كونه زائدا على المستثنى عن الباقي، وعلى منع كونه زائدا على المستثنى منه، أو مستغرقا له. قال المصنف: اشترط بعض البصريين نقصان المخرج بالاستثناء عن الباقي (٢) واشترط أكثرهم عدم الزيادة على الباقي، فلا يجوز على القولين عندي عشرة إلا ستة، ولا على الأول: عندي عشرة إلا خمسة، وهو على القول الثاني جائز، وكلاهما -

стр. 2133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جائز عند الكوفيين (١) وهو الصحيح، وممن وافقهم ابن خروف (٢). واستدلّ المصنف على استثناء الأكثر بقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (٣) قال: لأنّ من سفه نفسه أكثر ممن لم يسفه نفسه، فإنّ المراد ب مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ المخالفون لملة إبراهيم، وهم أكثر من الذين تبعوها لأنّ القوم (الخاسرين) (٤) هم غير المؤمنين، لقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (٥). واستدلّ ابن خروف بقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ (٦) قال: «فالقليل هو المستثنى وليس معلوم القدر، فأبدل منه النصف على جهة البيان لمقدار القليل، والضمير عائد إلى الليل، والمعنى: قم نصف الليل، والضمير في «منه) عائد إلى النصف وكذا الضمير في عليه فالتقدير: قم نصف الليل أو أقلّ منه أو أكثر منه، قال: فخرج من هذا أن المستثنى النصف، أو أقلّ منه أو أكثر، ولا محيص عنه. انتهى. وإدخال ابن خروف أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ في حيّز الاستثناء، وقوله: فخرج من هذا أنّ المستثنى أقلّ من النّصف أو أكثر، غير ظاهر؛ إذ ليس قوله تعالى: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ (٧) من الاستثناء في شيء، وأمّا استدلاله على صحة استثناء النّصف بقوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ (٨) فظاهر في المراد، وكذا ما تقدّم من أدلّة المصنف على صحّة استثناء الأكثر وقد أوّل المخالفون ذلك، أمّا: مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (٩) فجعلوه منقطعا، إذ ليس الكلام فيه (١٠). -

стр. 2134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأمّا فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (١). فقال الشيخ: هذا مفرّغ ولم يذكر المستثنى منه، ولو صرّح به قدّر عامّا، أي: فلا يأمن مكر الله أحد. وهذا الذي ذكره الشيخ لا يدفع استدلال المصنف فإنه لا بدّ من تقدير الإخراج وإن كان مفرّعا، والمخرج الْخاسِرُونَ وهم غير المؤمنين بالدليل الّذي ذكره. أمّا قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ (٢)؛ فالنّاس فيه أقوال: أحدها: ما تقدّم عن ابن خروف وهو أنّ نِصْفَهُ بدل من قَلِيلًا وهو بدل شيء من شيء (٣). الثاني: أنّه بدل منه كالأول، إلّا أنّه بدل بعض من كل، والضمير للقليل. قال ابن عصفور: وجاز إن كان القليل مبهما؛ لأنّ القليل قد يعيّن بالعادة والفرق، أي ما يسمّى قليلا في العادة (٤). الثالث: أنّه بدل من اللّيل بدل إضراب، قاله ابن الضائع (٥). الرابع: أنّه مفعول بفعل يدل عليه المتقدّم، أي قم نصفه، إن شئت فليس النصف مستثنى، قاله الأبذي (٦). الخامس: نقله الشيخ عن بعضهم، أنّه بدل بعض من كلّ قال: فيكون قد أمر بقيام نصف الليل، وقد عورض القول الأوّل بأنه يلزم منه إطلاق القليل على النّصف، ومثله يتوقف على نقل أهل اللّغة. قال ابن عصفور: ويدلّ على بطلان أن يكون القليل هو النصف أنّ النّصف ليس بقليل، فمن قام نصف الليل لا يقال فيه: قام الليل إلّا قليلا (٧). وأمّا القول الثاني: فقد ردّه ابن الضّائع على ابن عصفور بأنّه أراد بتعيين القليل بالعادة أنّ العادة عينت شخصه، حتّى صار يقع على ثلث الليل مثلا فهو باطل، بل كلّ ما دون النصف قليل، فيقع على الثلث والربع والسدس إلى غير ذلك، وإن أراد خلاف ذلك، بل ما يقع عليه القليل، فلا فائدة كبيان بإبدال النّصف منه؛ لأنّ نصف الليل قليل أيضا (٨). -

стр. 2135

[ما هو أولى بالاستثناء] قال ابن مالك: (والسّابق بالاستثناء أولى من المتأخّر عند توسّط المستثنى، وإن تأخّر عنهما فالثّاني أولى مطلقا، وإن تقدّم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى وإن يكنه فهو أولى مطلقا إن لم يمنع مانع). ــ وأمّا القول الخامس: فقد ردّ بأنّه يؤدّي إلى أن يكون النصف الباقي بعد القليل من الليل وذلك مبهم وأمّا قول ابن الضّائع - وهو القول الثالث - فقريب منه قول الأبّذي: أنّه مفعول بفعل مضمر وإنّ التقدير قم نصفه، لسلامته من المعارضات الواردة على بقية الأقوال المذكورة، وهو يوافق قول ابن الضائع من حيث المعنى (١). قال الشيخ: وما قاله - يعني الأبّذي - فيه نظر، وذلك أنّه قد أمره أولا بقيام الليل إلّا قليلا، فيكون أمرا بقيام أكثر الليل، وتقدير قم نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه، يقتضي أن يكون أمرا بقيام نصف الليل أو أقلّ منه، أو أزيد وهو مخالف للأمر الأول، فيلزم أن يكون ناسخا له، وليس كذلك؛ لأنّه متّصل به، وشرط النّاسخ أن يكون الخطاب الثّاني مرتخيا عن الأوّل، كما ثبت في أصول الفقه. اه (٢). وما اعترض به على الأبذي غير ظاهر، قال الشيخ: إنّما يحكم به بعد تحقيق حكم الأول وثبوته، ولم يتحقّق الوجوب في قُمِ اللَّيْلَ؛ لمجيء نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ بعد ذلك، وهو قرينة صارفة الأمر الأول عن الوجوب، ويصير مقتضى الآية الكريمة على تقدير الأبّذي، إيجاب قيام الليل مع التّخيّر بين أربعة أشياء، قيام الليل إلّا القليل منه، والمراد أكثره، وقيام نصف الليل [٣/ ٤٣] وقيام النصف مع نقصان قليل منه، وقيام النصف مع زيادة قليل عليه (٣). قال ناظر الجيش: إذا ذكر المستثنى مع شيئين يمكن استثناؤه من كل منهما فقد يمتنع استثناؤه منهما معا وقد لا يمتنع. أمّا القسم الأول: فأشار إليه بقوله: والسّابق أولى إن لم يمنع مانع. وحاصله: -

стр. 2136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنّ المستثنى له أن يتوسط بينهما أو يتأخّر عنهما، أو يتقدّم عليهما، فإن توسّط فالاستثناء من السّابق أولى؛ لأنّ تأخّر المستثنى عن المستثنى منه هو الأصل، فلا يعدل عنه إلّا بدليل، فمن ذلك قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (١) فالقليل مستثنى من الليل لا من النصف لما ذكرته (٢)، وإن تأخّر جعل الاستثناء من الأخير مطلقا أي فاعلا كان أو مفعولا مراعاة للقرب، نحو: غلب مائتي كافر مائة مؤمن إلّا اثنين، وغلب مائة مؤمن مائتي كافر إلّا اثنين (٣). وإليه الإشارة بقوله: وإن تأخّر عنهما فالثّاني أولى مطلقا، وإن تقدّم ولم يكن أحدهما مرفوعا ولا في معنى مرفوع، فالاستثناء من الأوّل أولى؛ لأنّه أقرب، وذلك نحو: استبدلت إلا زيدا من أصحابنا بأصحابكم (٤)، فإن كان أحدهما مرفوعا فالاستثناء منه أولى وإن تأخّر، نحو: ضرب إلّا زيدا أصحابنا أصحابكم (٥). وكذا إن كان أحدهما مرفوعا في المعنى دون اللفظ نحو: ملكت إلا الأصاغر عبيدنا أبناءنا (٦)، وإلى هذا الإشارة بقوله: وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى وإن يكنه فهو أولى مطلقا. ونبه بقوله: إن لم يمنع مانع على أنه قد يكون الأمر بخلاف ما قرره لمعارض وذلك نحو: طلق نساءهم الزيدون إلا الحبيبات، وأصبى الزيدين نساؤهم إلا ذوي النهى، ونحو: ضرب إلا هندا بنونا بناتنا، فترك القرينة اللفظية في هذه الأمثلة ونحوها لمنع المعنى من الحمل عليها (٧).

стр. 2137

[تعدد المستثنى منه] قال ابن مالك: (وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع ما يليه غيره لم يقتصر عليه إن كان العامل واحدا وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى). قال ناظر الجيش: هذا إشارة إلى القسم الثاني: وهو الذي لا يمتنع فيه الاستثناء من شيئين معا، فـ (ما) في قوله: مع ما يليه بمعنى: الذي، والضمير المنصوب في يليه عائد عليها وكذا الضمير في (غيره) وفي (عليه)، وفاعل (يليه) عائد على الاستثناء، والتقدير: وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع الذي يليه الاستثناء غير الذي وليه الاستثناء لم يقتصر عليه، بل يشاركه ما قبله. وهذه العبارة تشمل ما يكون المذكور فيه مع المستثنى شيئين أو أكثر، ثم إنه إذا أمكن الاشتراك فقد لا يمنع من الحمل عليه مانع وقد يمنع منه مانع، وقد تعرّض المصنف لتمثيل القسمين فقال (١): إذا ذكر شيئان أو أكثر والعامل واحد، فالاستثناء معلق بالجميع إن لم يمنع مانع نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح، فـ (من صلح) مستثنى من الجميع؛ إذ لا موجب للاختصاص فلو ثبت موجب عمل بمقتضاه نحو: لا نحدث النساء ولا الرجال إلا زيدا، وقد تضمنت الأمرين آية المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... إلى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ (٢) فاشتملت على ما فيه مانع وهو وَما أُهِلَّ وما قبله، وعلى ما لا مانع فيه وهو ما بين (به) و (إلا) فـ ما ذَكَّيْتُمْ مستثنى من الخمسة إذا كانت تذكيته سبب موته. انتهى كلامه فيما العامل فيه واحد. قال الشيخ - بعد نقل كلام المصنف هذا -: وينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كرر العامل لمجرد التوكيد نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من كان صالحا. انتهى (٣). ثمّ قال المصنف - مشيرا إلى صحة الصورة الّتي يتعدّد العامل فيها -: ويتعلّق الاستثناء أيضا بالجميع إن كان قبله جملتان أو أكثر، والعامل غير واحد، والمعمول واحد في المعنى نحو قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ... (٤) إلى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (٥). -

стр. 2138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال المصنف: واتفق العلماء على تعليق الشّرط بالجميع في نحو: لا تصحب زيدا ولا تزره، ولا تكلّمه إن ظلمني، واختلف في الاستثناء في نحو: لا تصحبه ولا تزره ولا تكلمه إلّا تائبا من الظّلم؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى تساوي الاستثناء والشرط في التعليق بالجميع (١)، وهو الصحيح؛ للإجماع على سدّ كلّ منهما مسدّ الآخر في نحو: اقتل الكافر إن لم يسلم، واقتله إلّا أن يسلم (٢). انتهى كلامه. وهذه المسألة - أعني التي يتعدّد فيها الاستثناء حملا - قد تكلّم عليها في أصول الفقه، وانتهت الأقوال إلى ستة؛ منها: القولان المشهوران: أحدهما: رجوع الاستثناء إلى الجميع، وهو رأي الشافعي. والثاني: رجوعه إلى الجملة الأخيرة وهو رأي أبي حنيفة، وقيّد الأصوليّون الجمل بكونها معطوفة بالواو، ولم يتعرّض المصنف له وقيّد المصنف المعمول بكونه واحدا في المعنى، ولم يجعل أصحاب الأصول ذلك قيدا إلّا رأي منسوب لأبي الحسين في تفصيل نقلوه عنه في المسألة المذكورة وقد فرّق الأصوليون بين الاستثناء والشرط، بأنّ الشرط مقدّر التقديم، وإذا قدّر تقديمه انسحب حكمه على المذكور بعد، بخلاف الاستثناء، فلا يلزم عوده إلى جميع ما تقدّم، ونقل الشيخ عن المهاباذيّ (٣)، أنّه قال في شرح اللمع له: إذا استثني من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلّا من الجملة التي تليه، نحو قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (٤) فالّذين تابوا مستثنى من الفاسقين، لا غير. وحمله على أنّه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنّه لا يجوز أن يكون معمولا لعاملين [٣/ ٤٤] مختلفين، ويستحيل ذلك، ولأنّك لو حملته على أنّه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا (٥). -

стр. 2139

[حكم تكرار «إلّا» للتوكيد] قال ابن مالك: (فصل: تكرّر «إلّا» بعد المستثنى بها، توكيدا، فيبدل ما يليها ممّا يليه إن كان مغنيا عنه وإلّا عطف بالواو). ــ قال الشيخ: وإنّما أجاز المصنف أن يعود إلى الجميع لأنّ العامل عنده (١) إنّما هو (إلّا)، لا الأفعال السابقة المسلطة على المستثنى منهم (٢). اه. قال ناظر الجيش: يؤتى بـ (إلّا) بعد المستثنى بها لتوكيد (إلّا) الّتي قبلها، ولغير توكيد، بل لقصد الاستثناء، كما قصد بما قبلها، أمّا التي لغير توكيد فسيأتي الكلام عليها، وأما الّتي للتّوكيد فالمذكور بعدها إمّا أن يكون هو الأوّل في المعنى - أعني المذكور بعد «إلّا» الأولى - أو غيره إن كان هو الأول كان بدلا منه ولا احتياج إلى العطف بل لا يجوز، وذلك كقولك: ما مررت إلّا بأخيك إلّا زيد، تريد: ما مررت إلّا بأخيك زيد، فأكّدت (إلّا) الأولى بالثّانية، داخلة بين البدل والمبدل منه، ومثله أيضا: قام القوم إلّا زيدا إلّا أخاك، إن كان (زيد) هو الأخ. ومنه قول الشاعر (٣): ١٧١٢ - ما لك من شيخك إلّا عمله ... إلّا رسيمه وإلّا رمله (٤) لأنّ الرسيم والرمل ضربان من العدو، وكلاهما بدل من (عمله)، وهذا القسم الذي الثّاني فيه هو الأول، عبّر عنه المصنف بقوله: إن كان مغنيا عنه أي: إن كان ما يلي (إلّا) الثانية مغنيا عمّا يلي (إلّا) الأولى، وهو لا يغني عنه إلّا إن كان بمعناه، فلو قيل في الأمثلة المتقدّمة: ما مررت إلّا بزيد، وقام القوم إلّا أخاك، وما لك من شيخك إلّا رسيمه، وإلّا رمله؛ صحّ (٥). قال المصنّف (٦): وقد يكون مثل: إلّا رسيمه وإلّا رمله قول الفرزدق: -

стр. 2140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٧١٣ - ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلّا دار مروانا (١) فظاهر كلامه أنّ (غير واحدة) استثناء وإنّ (دار مروان) بدل منه و (إلّا) تأكيد لـ (غير) الواقعة استثناء فهو من باب التّأكيد بالمرادف، وقد عدّوه من أقسام التأكيد اللّفظي، كقولهم: أنت بالخير حقيق، مقتضى هذا التقدير أنّ الدار الواحدة هي دار مروان، فكأنّه قال: ما بالمدينة دار إلّا دار مروان، لما تقدّم أنّ من شرط الحكم بالبدلية صحّة الاستغناء بالثّاني عن الأوّل، وكان الأصل ما بالمدينة دار إلّا واحدة إلّا دار مروان. وفي قول المصنّف: وقد يكون مثل (إلّا رسيمه وإلّا رمله) قول الفرزدق، كذا وإنشاده البيت المذكور إشعار بأنّ البيت يحتمل وجها آخر وبأنّه قيل في غير ذلك، وقد قال سيبويه بعد إنشاده لحارثة بن بدر (٢): ١٧١٤ - يا كعب صبرا على ما كان من حدث ... يا كعب لم يبق منا غير أجلاد إلّا بقيّة أنفاس نحشرجها ... كراحل رائح أو باكر غاد (٣) وحكم على (غير) في البيت الأوّل بأنّها بمنزلة (مثل) كأنّه قال: لم يبق منّا مثل أجساد إلّا بقية أنفاس، وعلى ذلك أنشد بعض النّاس هذا البيت رفعا للفرزدق: ما بالمدينة دار ... البيت ثمّ قال: جعلوا (غير) صفة بمنزلة (مثل) (٤) فأشار سيبويه إلى أنّ غير واحدة ليست -
следующие страницы →