← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنّ المستثنى له أن يتوسط بينهما أو يتأخّر عنهما، أو يتقدّم عليهما، فإن توسّط فالاستثناء من السّابق أولى؛ لأنّ تأخّر المستثنى عن المستثنى منه هو الأصل، فلا يعدل عنه إلّا بدليل، فمن ذلك قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (١) فالقليل مستثنى من الليل لا من النصف لما ذكرته (٢)، وإن تأخّر جعل الاستثناء من الأخير مطلقا أي فاعلا كان أو مفعولا مراعاة للقرب، نحو: غلب مائتي كافر مائة مؤمن إلّا اثنين، وغلب مائة مؤمن مائتي كافر إلّا اثنين (٣). وإليه الإشارة بقوله: وإن تأخّر عنهما فالثّاني أولى مطلقا، وإن تقدّم ولم يكن أحدهما مرفوعا ولا في معنى مرفوع، فالاستثناء من الأوّل أولى؛ لأنّه أقرب، وذلك نحو: استبدلت إلا زيدا من أصحابنا بأصحابكم (٤)، فإن كان أحدهما مرفوعا فالاستثناء منه أولى وإن تأخّر، نحو: ضرب إلّا زيدا أصحابنا أصحابكم (٥). وكذا إن كان أحدهما مرفوعا في المعنى دون اللفظ نحو: ملكت إلا الأصاغر عبيدنا أبناءنا (٦)، وإلى هذا الإشارة بقوله: وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى وإن يكنه فهو أولى مطلقا. ونبه بقوله: إن لم يمنع مانع على أنه قد يكون الأمر بخلاف ما قرره لمعارض وذلك نحو: طلق نساءهم الزيدون إلا الحبيبات، وأصبى الزيدين نساؤهم إلا ذوي النهى، ونحو: ضرب إلا هندا بنونا بناتنا، فترك القرينة اللفظية في هذه الأمثلة ونحوها لمنع المعنى من الحمل عليها (٧).

стр. 2137

[تعدد المستثنى منه] قال ابن مالك: (وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع ما يليه غيره لم يقتصر عليه إن كان العامل واحدا وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى). قال ناظر الجيش: هذا إشارة إلى القسم الثاني: وهو الذي لا يمتنع فيه الاستثناء من شيئين معا، فـ (ما) في قوله: مع ما يليه بمعنى: الذي، والضمير المنصوب في يليه عائد عليها وكذا الضمير في (غيره) وفي (عليه)، وفاعل (يليه) عائد على الاستثناء، والتقدير: وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع الذي يليه الاستثناء غير الذي وليه الاستثناء لم يقتصر عليه، بل يشاركه ما قبله. وهذه العبارة تشمل ما يكون المذكور فيه مع المستثنى شيئين أو أكثر، ثم إنه إذا أمكن الاشتراك فقد لا يمنع من الحمل عليه مانع وقد يمنع منه مانع، وقد تعرّض المصنف لتمثيل القسمين فقال (١): إذا ذكر شيئان أو أكثر والعامل واحد، فالاستثناء معلق بالجميع إن لم يمنع مانع نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح، فـ (من صلح) مستثنى من الجميع؛ إذ لا موجب للاختصاص فلو ثبت موجب عمل بمقتضاه نحو: لا نحدث النساء ولا الرجال إلا زيدا، وقد تضمنت الأمرين آية المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... إلى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ (٢) فاشتملت على ما فيه مانع وهو وَما أُهِلَّ وما قبله، وعلى ما لا مانع فيه وهو ما بين (به) و (إلا) فـ ما ذَكَّيْتُمْ مستثنى من الخمسة إذا كانت تذكيته سبب موته. انتهى كلامه فيما العامل فيه واحد. قال الشيخ - بعد نقل كلام المصنف هذا -: وينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كرر العامل لمجرد التوكيد نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من كان صالحا. انتهى (٣). ثمّ قال المصنف - مشيرا إلى صحة الصورة الّتي يتعدّد العامل فيها -: ويتعلّق الاستثناء أيضا بالجميع إن كان قبله جملتان أو أكثر، والعامل غير واحد، والمعمول واحد في المعنى نحو قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ... (٤) إلى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (٥). -

стр. 2138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال المصنف: واتفق العلماء على تعليق الشّرط بالجميع في نحو: لا تصحب زيدا ولا تزره، ولا تكلّمه إن ظلمني، واختلف في الاستثناء في نحو: لا تصحبه ولا تزره ولا تكلمه إلّا تائبا من الظّلم؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى تساوي الاستثناء والشرط في التعليق بالجميع (١)، وهو الصحيح؛ للإجماع على سدّ كلّ منهما مسدّ الآخر في نحو: اقتل الكافر إن لم يسلم، واقتله إلّا أن يسلم (٢). انتهى كلامه. وهذه المسألة - أعني التي يتعدّد فيها الاستثناء حملا - قد تكلّم عليها في أصول الفقه، وانتهت الأقوال إلى ستة؛ منها: القولان المشهوران: أحدهما: رجوع الاستثناء إلى الجميع، وهو رأي الشافعي. والثاني: رجوعه إلى الجملة الأخيرة وهو رأي أبي حنيفة، وقيّد الأصوليّون الجمل بكونها معطوفة بالواو، ولم يتعرّض المصنف له وقيّد المصنف المعمول بكونه واحدا في المعنى، ولم يجعل أصحاب الأصول ذلك قيدا إلّا رأي منسوب لأبي الحسين في تفصيل نقلوه عنه في المسألة المذكورة وقد فرّق الأصوليون بين الاستثناء والشرط، بأنّ الشرط مقدّر التقديم، وإذا قدّر تقديمه انسحب حكمه على المذكور بعد، بخلاف الاستثناء، فلا يلزم عوده إلى جميع ما تقدّم، ونقل الشيخ عن المهاباذيّ (٣)، أنّه قال في شرح اللمع له: إذا استثني من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلّا من الجملة التي تليه، نحو قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (٤) فالّذين تابوا مستثنى من الفاسقين، لا غير. وحمله على أنّه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنّه لا يجوز أن يكون معمولا لعاملين [٣/ ٤٤] مختلفين، ويستحيل ذلك، ولأنّك لو حملته على أنّه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا (٥). -

стр. 2139

[حكم تكرار «إلّا» للتوكيد] قال ابن مالك: (فصل: تكرّر «إلّا» بعد المستثنى بها، توكيدا، فيبدل ما يليها ممّا يليه إن كان مغنيا عنه وإلّا عطف بالواو). ــ قال الشيخ: وإنّما أجاز المصنف أن يعود إلى الجميع لأنّ العامل عنده (١) إنّما هو (إلّا)، لا الأفعال السابقة المسلطة على المستثنى منهم (٢). اه. قال ناظر الجيش: يؤتى بـ (إلّا) بعد المستثنى بها لتوكيد (إلّا) الّتي قبلها، ولغير توكيد، بل لقصد الاستثناء، كما قصد بما قبلها، أمّا التي لغير توكيد فسيأتي الكلام عليها، وأما الّتي للتّوكيد فالمذكور بعدها إمّا أن يكون هو الأوّل في المعنى - أعني المذكور بعد «إلّا» الأولى - أو غيره إن كان هو الأول كان بدلا منه ولا احتياج إلى العطف بل لا يجوز، وذلك كقولك: ما مررت إلّا بأخيك إلّا زيد، تريد: ما مررت إلّا بأخيك زيد، فأكّدت (إلّا) الأولى بالثّانية، داخلة بين البدل والمبدل منه، ومثله أيضا: قام القوم إلّا زيدا إلّا أخاك، إن كان (زيد) هو الأخ. ومنه قول الشاعر (٣): ١٧١٢ - ما لك من شيخك إلّا عمله ... إلّا رسيمه وإلّا رمله (٤) لأنّ الرسيم والرمل ضربان من العدو، وكلاهما بدل من (عمله)، وهذا القسم الذي الثّاني فيه هو الأول، عبّر عنه المصنف بقوله: إن كان مغنيا عنه أي: إن كان ما يلي (إلّا) الثانية مغنيا عمّا يلي (إلّا) الأولى، وهو لا يغني عنه إلّا إن كان بمعناه، فلو قيل في الأمثلة المتقدّمة: ما مررت إلّا بزيد، وقام القوم إلّا أخاك، وما لك من شيخك إلّا رسيمه، وإلّا رمله؛ صحّ (٥). قال المصنّف (٦): وقد يكون مثل: إلّا رسيمه وإلّا رمله قول الفرزدق: -

стр. 2140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٧١٣ - ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلّا دار مروانا (١) فظاهر كلامه أنّ (غير واحدة) استثناء وإنّ (دار مروان) بدل منه و (إلّا) تأكيد لـ (غير) الواقعة استثناء فهو من باب التّأكيد بالمرادف، وقد عدّوه من أقسام التأكيد اللّفظي، كقولهم: أنت بالخير حقيق، مقتضى هذا التقدير أنّ الدار الواحدة هي دار مروان، فكأنّه قال: ما بالمدينة دار إلّا دار مروان، لما تقدّم أنّ من شرط الحكم بالبدلية صحّة الاستغناء بالثّاني عن الأوّل، وكان الأصل ما بالمدينة دار إلّا واحدة إلّا دار مروان. وفي قول المصنّف: وقد يكون مثل (إلّا رسيمه وإلّا رمله) قول الفرزدق، كذا وإنشاده البيت المذكور إشعار بأنّ البيت يحتمل وجها آخر وبأنّه قيل في غير ذلك، وقد قال سيبويه بعد إنشاده لحارثة بن بدر (٢): ١٧١٤ - يا كعب صبرا على ما كان من حدث ... يا كعب لم يبق منا غير أجلاد إلّا بقيّة أنفاس نحشرجها ... كراحل رائح أو باكر غاد (٣) وحكم على (غير) في البيت الأوّل بأنّها بمنزلة (مثل) كأنّه قال: لم يبق منّا مثل أجساد إلّا بقية أنفاس، وعلى ذلك أنشد بعض النّاس هذا البيت رفعا للفرزدق: ما بالمدينة دار ... البيت ثمّ قال: جعلوا (غير) صفة بمنزلة (مثل) (٤) فأشار سيبويه إلى أنّ غير واحدة ليست -

стр. 2141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ استثناء على هذا الإنشاد وهو الوجه الّذي قلنا: إنّ في عبارة المصنّف إشعارا باحتماله. وقال سيبويه - بعد ذلك -: ومن جعلها بمنزلة الاستثناء - يعني (غير) - لم يكن له بدّ من أن ينصب أحدهما (١) كأن يقول: لا يجوز رفعهما جميعا، على أنّ كلّا منهما بدل من المستثنى منه؛ لأنّه لا يبدل إلّا واحد كما يأتي تقريره، وإنما إذا أبدلت واحدا نصبت الآخر، والّذي قاله حقّ؛ لأنّه قصد أنّ «إلّا دار مروان» مقصود - في الأصل - بها معنى الاستثناء، كما يقصد بغير، وليس مقصودا بها التوكيد كما في مثل: ما مررت إلّا بأخيك إلّا زيد، وإنّما قلنا: إنّ مراده ذلك؛ لأن البيت المذكور أتى به في القسم الذي لم يقصد بـ (إلّا) الثانية فيه توكيد، بل قصد فيه الاستثناء، وإذا تقرّر هذا فلا منافاة بين قول المصنّف، وقد يكون مثل «إلا رسيمه وإلّا رمله» وقول الفرزدق: ١٧١٥ - ما بالمدينة دار ... البيت وبين قول سيبويه: ومن جعلها بمنزلة الاستثناء لم يكن له بدّ من أن ينصب أحدهما (٢)؛ لأنّ المصنف وإن جعل غير واحدة استثناء لم يجعل (إلّا) في «إلا دار مروان» استثناء بل توكيدا لـ (غير) باعتبار تأولها بـ (إلّا) كما تقدّم، وما بعدها بدل من المستثنى لا من المستثنى منه (٣)، وأمّا سيبويه فلم يجعل (إلّا) في «إلا دار مروان» تأكيدا، بل أخذها على معنى الاستثناء وحيث أبدل إنما يبدل من المستثنى منه كما تقدّم. وهذان اعتباران صحيحان، وإن كان المذكور بعد (إلّا) التي للتوكيد غير الأول في المعنى كان معطوفا نحو: ما قام إلّا زيد وإلّا عمرو، وقام القوم إلّا زيدا وإلّا جعفرا، وإليه الإشارة بقوله: وإلّا عطف بالواو أي: وإلّا يكن الثّاني مغنيا عن الأول يعطف عليه، وتقييد العطف بالواو هنا يشعر بأنّ غيره لا يجوز والظاهر أنّه كذلك، وإن قيل بجواز وقوع غيرها من الحروف العاطفة ففيه نظر، وأنشد المصنف شاهدا على التكرار مع العطف (٤): ١٧١٦ - وما الدّهر إلّا ليلة ونهارها ... وإلّا طلوع الشمس ثمّ غيارها (٥) -

стр. 2142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجعل الشيخ من هذا الضرب (وإلّا رمله) من البيت المتقدم قال: لأنّ قوله (وإلّا رمله) لا يغني عن قوله: (عمله)؛ لأنّ هذا من البدل [٣/ ٤٥] التّفصيليّ الّذي يجب في ثانيه الواو (١)، نحو قوله: ١٧١٧ - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت (٢) وهو بدل شيء من شيء إلا أنّه فصل، وأشار سيبويه إلى أنّه يجوز ترك العطف في مثل هذا، وإن كان الثّاني غير الأوّل، قال - بعد أن مثّل بـ (ما أتاني إلّا زيدا إلّا أبو عبد الله) -: على أنّ أبا عبد الله هو زيد، وقد يكون غير زيد على الغلط والنّسيان، كما يجوز أن يقول: رأيت زيدا عمرا؛ لأنّه إنّما أراد عمرا فنسي فتدارك (٣). انتهى كلام سيبويه. وهذا التأويل الّذي يذكره رجعت المسألة إلى القسم الأول وهو ما كان الثاني فيه هو الأول لكنّه على جهة الغلط، وإلى هذا الذي أشار إليه سيبويه جنح ابن عصفور في قول الشاعر: ١٧١٨ - أمّا قريش فلن تلقاهم أبدا ... إلّا وهم خير من يحفى وينتعل إلّا وهم جبل الله الذي قصرت ... عنه الجبال فما ساواهم جبل (٤) فجعل (إلّا) الثانية مع الجملة التي بعدها بدلا من (إلّا) الأولى، والجملة الّتي دخلت عليها وإن لم يتّحد معنى الجملتين على جهة الإضراب كأنه أضرب عن الأولى -

стр. 2143

[حكم تكرار «إلّا» لغير التوكيد ولا يمكن الاستثناء] قال ابن مالك: (وإن كرّرت لغير توكيد، ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض شغل العامل ببعضها إن كان مفرّغا، ونصب ما سواه وإن لم يكن مفرّغا، فلجميعها النّصب إن تقدمت، وإن تأخّرت فلأحدهما ما له مفردا، وللبواقي النصب وحكمها في المعنى حكم المستثنى الأول). ــ إضراب انتقال لا إضراب إبطال. قال الشيخ: ولا يتعين هنا الإضراب، بل يجوز أن يكون إبدالا صحيحا لا على جهة الغلط ولا على جهة الإضراب؛ لأنّ الوصف الثّاني هو الأول في المعنى؛ لأنّه أراد بذكر الوصف شرفهم على الناس (١). انتهى. والذي قاله ظاهر ويصير المعنى به أبلغ، ثم ليعلم أنّ في عبارة المصنف في قوله: تكرر (إلّا) بعد المستثنى بها توكيدا فيبدل ما يليها ممّا يليه إن كان مغنيا عنه وإلّا عطف بالواو - نظرا لأنّ ظاهرها أنّ الإبدال والعطف رتّبا على دخول (إلّا)، وليس كذلك بل الإبدال والعطف متصوّران أولا، ولمّا قصد التوكيد أتى بـ (إلّا) قبل البدل وقبل المعطوف، ولو قال: تكرّر (إلّا) مع البدل والمعطوف كان أوضح وأبين، وقد فهم من تقرير أنّ البدل والعطف متصوّران قبل دخول (إلّا)، أنّ دخولها جائز لا واجب فيجوز: ما مررت إلّا بأخيك زيد، وما قام إلّا زيد وعمرو، وهو الأصل، وفي قول المصنّف: تكرّر (إلّا) توكيدا إشعار أيضا بأنّها لا تتحتّم لأنّ التوكيد غير لازم. قال ناظر الجيش: لمّا ذكر (إلّا) المأتي بها بعد المستثنى بها توكيدا شرع في ذكر (إلّا) المأتي بها لا لتوكيد؛ بل لقصد الاستثناء كما قصد بالأولى، وهذه - أعني المأتيّ بها مقصودا بها استثناء - إمّا أن يكون المستثنى بها بعضا لما قبلها وسيأتي، وإمّا أن يكون مباينا، وإليه الإشارة بقوله: ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض وحينئذ إمّا أن يكون العامل المتقدّم مفرعا أو مشغولا وبتقدير كونه مشغولا إمّا أن يتأخّر المستثنى منه أو يتقدم، وبتقدير تقدّمه وتأخير المستثنيات عنه إمّا أن يكون موجبا أو غير موجب، فهذه أقسام أربعة: -

стр. 2144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول: أن يكون العامل مفرغا فينشغل بأحد المستثنيين، أو المستثنيات وينصب ما سواه (١)، نحو: ما قام إلّا زيد إلّا عمرا إلّا خالدا، وإليه الإشارة بقوله: شغل العامل ببعضها إن كان مفرغا ونصب ما سواه، وأفاد قوله: شغل ببعضها أنّه لا يتعين أحدهما لذلك، بل يجوز أن ينشغل العامل بالأول كما تقدّم، وبالآخر وبالمتوسّط، ونبّه المصنف - في الشّرح - على أنّ الأقرب أولى بذلك من غير الأقرب (٢)، وظاهر كلام سيبويه التسوية بين الأقرب وغيره؛ لأنّه قال - بعد أن مثّل بـ: (ما أتاني إلّا زيد إلّا عمرا) -: وإن شئت قلت: ما أتاني إلّا زيدا إلّا عمرو فأنت في ذا بالخيار (٣). وقد يفيد كلام سيبويه أولوية الأقرب من حيث إنه بدأ به في التمثيل. وجوّز الشيخ في هذا القسم العطف بالواو داخلة على (إلّا) نحو: ما جاءني إلّا زيد وإلّا عمرو، ثمّ قال: ويجوز العطف بغير (إلّا) فتقول: ما جاءني إلّا زيد وعمرو (٤)، وفيما جوّزوه من دخول الواو على (إلا) نظر، فإن (إلّا) الثانية إذا كانت مقصودا بها الاستثناء لا يتّجه دخول العاطف عليها، وأيضا فإنّ: (ما جاءني إلّا زيد إلّا عمرا) العطف فيه ممتنع (٤)، فكذلك ما هو بمعناه وكأنّه اشتبه عليه الأمر فظنّ أنّ (إلّا) التي يقصد بها الاستثناء كـ (إلّا) المأتيّ بها للتوكيد، وليس كذلك، فإنّ العطف مع المؤكدة هو الأصل كما تقدّم (٥)، و (إلّا) أتي بها للتّوكيد ولهذا يجوز سقوطها. وأمّا (إلّا) المقصود بها الاستثناء فليس العطف بها مقصودا أصلا، ولو قصد لم يفرّق بينها وبين المؤكّدة، ويبطل التقسيم المذكور في الفصل، وأيضا فمعنى (إلّا) مقصود إذا كانت للاستثناء، وليس لها معنى مقصودا مع العطف له إلّا التوكيد، وقد تقدّم عند الكلام على عامل الاستثناء الفرق بين: قام القوم إلّا زيدا إلّا عمرا، وقام القوم إلّا زيدا وإلّا عمرا، فأغنى عن الإعادة. وأمّا تجويز الشيخ أيضا العطف بغير (إلّا) في: ما جاءني إلا زيد وعمرو، فهذا إبطال الصورة المسألة كليّة، وكيف يجوز ترك (إلّا) والمقصود بها الاستثناء، وإلى ما له -

стр. 2145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ذلك الاشتباه بالتوكيد كما تقدّم (١) القسم الثاني: [٣/ ٤٦] أن يكون العامل مشغولا بالمستثنى منه وهو متأخّر عن المستثنيات فيستحقّ النّصب، نحو: ما قام إلّا زيدا إلّا عمرا إلّا خالدا أحد، وإليه الإشارة بقوله: إن لم يكن مفرغا فلجميعها النصب إن تقدمت. وأنشد سيبويه قول الكميت: ١٧١٩ - فما لي إلّا الله لا ربّ غيره ... وما لي إلّا الله غيرك ناصر (٢) قال سيبويه: و (غيرك) بمنزلة (إلّا زيدا) (٣). القسم الثالث: أن يتقدّم المستثنى منه على المستثنيات مع كون العامل مشغولا، والكلام موجب، وحكمها النّصب كالقسم الّذي قبله نحو: جاء القوم إلّا زيدا إلّا عمرا إلّا خالدا، والفرق بين هذا وما تقدّم من: قام القوم إلّا زيدا وإلّا عمرا - أنّنا فيهما أخرجنا زيدا وعمرا من القوم معا ولم يقصد بـ (إلّا) الثانية استثناء، بل هي للتوكيد كما تقدّم وأمّا في هذا المثال فإنّنا أخرجنا عمرا من قوم ليس زيد منهم، ثمّ خالدا من قوم ليس منهم زيد ولا عمرو. والقسم الرابع: أن يكون الثالث إلّا أنّ الكلام غير موجب، نحو: ما أتاني أحد إلّا زيد إلّا عمرا وإلّا بكرا، فلواحد منها النصب على الاستثناء والإتباع، وللبواقي النصب (٤)، وقد علم حكم القسمين المذكورين من قوله: «وإن تأخّرت فلأحدهما ما له مفردا، وللبواقي النصب، ومع تقرير ما تقدّم لا يخفى الحكم إذا تقدّم بعض المستثنيات على المستثنى منه وتأخّر البعض، وأشار المصنف بقوله: وحكمها في المعنى -

стр. 2146

[تكرار «إلّا» مع إمكان الاستثناء] قال ابن مالك: (وإن أمكن استثناء بعضها من بعض استثني كلّ من مثلوّه، وجعل كلّ وتر خارجا، وكل شفع داخلا، وما اجتمع فهو الحاصل، وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا أربعة خلافا لمن يخرج الأول والثاني، وإن قدّر المستثنى الأول صفة لم يعتدّ به وجعل الثاني أولا) (١). - حكم المستثنى الأول إلى أنّ ما بعد (إلّا)، وليس من هذا النوع مساو له في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجب، وفي الخروج إن كان من موجب. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المباين ما قبله في الاستثناء المتكرر شرع في ذكر المستثنيات التي كل منها بعض ممّا قبله نحو: له عشرة إلا أربعة إلّا ثلاثة إلّا اثنين، وأشار المصنف إلى أنّ الحكم في ذلك استثناء كلّ من متلوه، أي من الّذي قبله، فالأربعة مستثناة من العشرة والثلاثة مستثناة من الأربعة، والاثنان مستثنيان من الثلاثة، وذكر الشيخ أنّ في المسألة أربعة مذاهب (٢): أحدها: ما ذكره المصنف، قال: وهو مذهب أهل البصرة والكسائي (٣). والثاني: أنّ المستثنيات كلّها راجعة إلى الاسم المستثنى منه، فعلى هذا تخرج الأربعة والثلاثة والاثنان في المثال المذكور من العشرة، قال: وإلى هذا ذهب أبو يوسف القاضي (٤). الثالث: أنّ الاستثناء الباقي منقطع فإذا قال: له عشرة إلّا ثلاثة إلا اثنين لزمه تسعة كما يلزمه على المذهب الأول، لكنّ التخريج مختلف؛ لأنّه في المذهب الأول أخرجت الثلاثة من العشرة، ثمّ أخرج من الثلاثة اثنان، وأما على المذهب الثاني فإنّه أخرج الثلاثة من العشرة فبقي سبعة، وجعل الاثنين منقطعا كأنّه قال: سوى الاثنين اللذين له فإنّهما عندي، قال: وهو مذهب الفراء (٥). ولا أدري ما يقول الفرّاء إذا -

стр. 2147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زادت المستثنيات على اثنين وثلاثة كالمثال المتقدم أوّلا (١). المذهب الرابع: جواز الأمرين المذكورين في المذهب الأوّل والثاني دون تحتم أحدهما والأظهر من هذه المذاهب أولها ولم يذكر المصنف غيره، ثمّ الطريق في. معرفة قدر المخرج وقدر ما بقي بعد الإخراج أن يخرج الأول والثالث وما أشبهها في الوترية. ويدخل الثاني والرابع وما أشبهها في الشفعية، فمجموع الأوتار مخرج، ومجموع الأشفاع داخل، فالمخرج في المثال المتقدم الأربعة؛ لأنّها أول المستثنيات فهي وتر، فصار الباقي ستة، والداخل الثلاثة؛ لأنّها ثاني المستثنيات فهي شفع، فصارت الستة تسعة والمخرج أيضا اثنان؛ لأنها ثالثة المستثنيات فهي وتر، فصار الباقي سبعة ومثّل المصنف بقوله: عندي مائة إلّا خمسين إلّا عشرين إلّا خمسة، قال: فالباقي بعد الاستثناء في المثال المذكور بالعمل المذكور خمسة وستون (٢) لأنّا أخرجنا من المائة خمسين لوتريتها، وأدخلنا عشرين لشفعيتها فصار الباقي سبعين، ثم أخرجنا العشرة لوتريتها فصار الباقي ستين، ثم أدخلنا الخمسة لشفعيتها فصار الباقي خمسة وستين ثم قال: وما زاد من المستثنيات عومل بهذه المعاملة (٣) وإلى هذا أشار بقوله: وجعل كلّ وتر خارجا وكلّ شفع داخلا، وما اجتمع فهو الحاصل. ومن أمثلة هذه المسألة: له عشرة إلا تسعة إلا ثمانية وهكذا على الترتيب إلى: إلّا واحدا والباقي في هذه الصورة بعد المخرج خمسة، بالطريق الّتي تقدمت، وبطريقة أخرى أسهل من الأولى، وهي أن تضم الأشفاع إلى المستثنى منه، وتحفظ جملة ذلك ثمّ تضم الأوتار، حافظا جملتها ثمّ تسقط مجموع الأوتار من المحفوظ فهو الحاصل، فتضم في هذا المثال إلى العشرة ثمانية، وستة، وأربعة، واثنين، فتصير الجملة ثلاثين، وتضم الأوتار وهي التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد، فتصير الجملة خمسة وعشرين تسقطها من الجملة الأولى يبقى بعد ذلك خمسة، وهو المطلوب على مقتضى الطريقة الأولى، قال الشيخ - بعد أن مثّل بهذا المثال -: وهذا يخرج -

стр. 2148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على جواز الأكثر وأمّا من لم يجزه ففي ذلك وجهان: أحدهما: بطلان الاستثناء جميعه؛ لأنّ الأول بطل كونه أكثر، فبطل ما تفرع عليه، والثاني: أنه يبطل الأكثر إلى أن يصل إلى النصف فيصح، ثم يجرى الحكم المذكور في الباقي، نظير ما تقدم قال: ويخرج أيضا على مذهب من أجاز الاستثناء من العدد وفيه مذاهب، كما تقدّم (١). انتهى. وكان قدّم في شرحه الكلام على هذه المسألة حيث تكلّم على شرح الحد الّذي ذكره المصنف للمستثنى وفي ذلك ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا، قال: وهو اختيار ابن الضائع (٢). وثانيها: المنع مطلقا وهو اختيار ابن عصفور (٣). وثالثها: التفصيل بين أن يكون المستثنى عقدا فلا يجوز نحو: له عندي مائة (إلّا عشرة) أو غير عقد فيجوز نحو: له عندي عشرة إلّا اثنين. ويرد المذهب المذكور قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً (٤)؛ فإنّ المستثنى فيه عقد وتمسك بهذه الآية الكريمة من أجاز الاستثناء من العدد مطلقا وهو متمسّك قوي، وقال ابن عصفور - محتجّا على عدم الجواز على الإطلاق -: إنّما العدد نصوص. فلا يجوز أن ترد إلّا على ما وضعت، فكما لا يجوز أن يخرج عن النّص في غير الاستثناء، فكذلك في الاستثناء، قال: إلّا إن كان اسم العدد قد أخرج عن النصيّة، إلى أن صار ممّا يكثر به ولا يراد به ظاهره، فيصير إذ ذاك ظاهرا في العدد فيجوز أن يستثنى منه؛ لأنّه صار كسائر الظواهر التي يستثنى منها، وقال: وعليه قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً إذ لو لم يستثن -

стр. 2149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لجاز أن يراد بألف سنة الزمن الطويل لأنّ الألف والمائة والسبعين مما يستعمل للتكثير (١). وقال ابن الضائع (٢) - ردّا على ابن عصفور في قوله: أسماء العدد نصوص -: نعم ما لم تقترن بها قرينة تزيل نصّيتها، وقد سلم ذلك في الأعداد التي يراد بها التّكثير، قال: ثمّ الآية دليل عليه، فإن لم يرد بها التكثير، فقد أوقع الألف على ما دونه، فإن قال: لمّا كان العدد الكثير قد صار غير نصّ، لكونه يستعمل ولا يراد به تحقيق العدد قلت: ما من عدد إلّا ويتصوّر فيه التّكثير، بالنّظر إلى ما دونه مثل أن يقول القائل: قد رأيتك عشر مرّات، قاصدا بذلك التكثير، قال: ثمّ النحويون يجمعون على جواز: عندي عشرة إلّا واحدا إلّا ثلاثة، وإنمّا اختلفوا في المقرّ به فزعم الأكثرون أنّه إقرار بستّة، وزعم آخرون أنه باثني عشرة. انتهى ردّ ابن الضّائع على ابن عصفور. وقد ردّ الشّيخ (٣) كلام ابن الضائع هذا، وقوّى اختيار ابن عصفور من جهة الدّليل، وقال: لا يكاد يوجد استثناء من عدد في شيء من كلام العرب إلّا في الآية الكريمة (٤) لمّا كانت الألف ممّا يكثر به وأشار المصنف بقوله: وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلّا أربعة، إلى ما نقله عن السيرافي من قوله: فإن كان بعض المستثنيات أكثر من الّذي قبله، نحو: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا أربعة، فالسيرافي يستثني الثلاثة ويزيد على السبعة الباقية: إلّا أربعة، فيكون المقرّ به أحد عشرة، وغير الفرّاء يستثنى من العشرة إلّا أربعة بعد استثناء الثلاثة فيكون المقر به ثلاثة (٥). قال المصنف - بعد نقل هذا الكلام -: وقول الفراء عندي هو الصحيح فإنّه جاز على القاعدة السابقة أعني: جعل الاستثناء الأول إخراجا والثاني إدخالا (٦). انتهى. وما اختاره غير ظاهر فإنّه قرّر أنّ من شرط إخراج الأوّل وإدخال الثّاني صحّة استثناء كلّ من الذي قبله، والشرط المذكور مفقود ههنا فتعيّن إخراج الثّلاثة والأربعة من العشرة كما تعيّن إخراج زيد وعمرو من القوم، في قولنا: قام القوم إلّا -

стр. 2150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زيدا إلا عمرا. قال الشيخ - في مسألة العدد -: فـ إخراج كليهما من الأوّل مذهب أكثر النحويّين (١). انتهى. ثمّ إنّ الفرّاء ليس مستنده في إدخال الأربعة في المثال المتقدم ما ذكره المصنّف، من أنّ القاعدة جعل الاستثناء الأول إخراجا، والثّاني إدخالا، بل مستنده أنّ الأربعة استثناء منقطع، كأنّه قال: عندي عشرة إلّا ثلاثة سوى الأربعة التي له عندي، كما تقدّم أنّ مذهبه حمل الاستثناء الثّاني على الانقطاع في مثل: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا اثنين وإذا كان يحمل الاثنين على الانقطاع مع إمكان استثنائه ممّا قبله، فحمله (إلّا أربعة) بعد (إلّا ثلاثة) عليه أولى لعدم إمكان استثنائه ممّا قبله، ويمكن في مثل: عندي عشرة إلّا ثلاثة إلّأ أربعة (٢) قول ثالث، غير القولين المتقدمين، وهو أن يحكم ببطلان الاستثناء الثاني وهو الأربعة؛ لأنّ القاعدة - كما ذكر المصنف - استثناء كلّ ممّا قبله والاستثناء الزائد على المستثنى منه والمستغرق له باطل فيكون المقرّ به على هذا سبعة، وقال المصنف - بعد الكلام على مسألة الفراء -: وهذا - يعني القول بإخراج الأوّل والثاني معا من الأوّل - إنّما يكون إذا لم يكن المستثنى الثّاني بعض المستثنى الأول - كما في مسألة العدد، فأمّا إن كان بعضه نحو: قام القوم إلّا إخوتك إلّا زيدا، وزيد بعض الإخوة فأخرجه من الإخوة، فيلزم أن يكون قام، ولا يجوز أن يكون مستثنى مع الإخوة؛ لأنّ الإخوة تشمله، فلم يحتج لتخصيصه. انتهى. قال المصنف [٣/ ٤٨] ونبهت بقولي: وإن قدّر المستثنى الأول صفة لم يعتدّ به، وجعل الثاني أولا على أنّ المتكلم بذلك المثال - يعني المثال المتقدم في كلامه وهو: عندي مائة إلّا خمسون إلّا عشرين إلا عشرة إلّا خمسة - يجعل (إلّا) الأولى وما وليها مقصودا بها الوصف لا الاستثناء، كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٣). فعلى هذا التقدير يكون (إلّا) الأولى وما بعدها في حكم المسكوت عنه، ويكون المستثنى الأوّل (عشرين) فكأنّه قال: عندي مائة إلّا -

стр. 2151

[«إلا» الموصوف بها] قال ابن مالك: (فصل: تؤول «إلّا» بـ «غير» فيوصف بها، وبتاليها جمع، أو شبهه، منكر، أو معرّف بأداة جنسية، ولا تكون كذلك دون متبوع، ولا حيث لا يصلح الاستثناء). ــ عشرين إلّا عشرة إلّا خمسة، فالعشرين خارجة من المائة فتصير ثمانين، والعشرة داخلة فتصير تسعين، والخمسة خارجة فالباقي إذا خمسة وثمانون (١). انتهى. وعلى هذا قال ابن السّرّاج: إذا قلت: عندي مائة إلّا اثنين كان الإقرار بثمانية وتسعين، وإذا قلت: إلّا درهمان، فجعلت (إلّا) وما بعدها صفة كان الإقرار بمائة؛ لأنّ المعنى: مائة غير درهمين، وهذا واضح، وعلى هذا ترفع الخمسين في المثال المتقدّم عند قصد الصّفة، فتقول: عندي مائة إلّا خمسون إلّا عشرين إلى آخره. ولم يحتج المصنف إلى التنبيه عليه لوضوحه وكأنّه قال: وإن قدّر المستثنى الأوّل صفة جرت عليه أحكام الصّفة، وتوهم الشيخ أنّ المثال أن: له عندي مائة إلّا عشرين إلا عشرة، إلّا خمسة، فيكون (إلّا عشرين) صفة على زعمه، ثمّ ردّ على المصنف قوله: فالعشرون خارجة من المائة وقال: قوله: إنها خارجة ... إلى آخره - ليس بصحيح؛ لأنّ (العشرين) صفة فليست مخرجة من المائة (٢)، وغاب عنه أنّ المصنف قصد المثال الّذي تقدّم أولا، وهو مائة إلّا خمسين، إلّا عشرين. وقد قال المصنّف: على أنّ المتكلم بذلك المثال، فأشار إليه فمراده بالمستثنى الأول الّذي تقدّره صفة (إلّا خمسين)، والخمسون غير مخرجة، ولهذا قال: ويكون المستثنى الأول (عشرين)، ثمّ أوضح ذلك بقوله: فكأنّه قال: عندي مائة إلّا عشرين إلّا كذا؛ فبيّن أنّ الخمسين في حكم المسكوت عنه، إذا جعلته صفة، وهذا (الكلام) (٣) واضح سديد. قال ناظر الجيش: الأصل في (غير) الوصفية، والأصل في (إلّا) الاستثناء (٤)، -

стр. 2152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويجوز حمل كلّ واحدة منهما على الأخرى، فيما هي أصل فيه، وسبب الحمل أنّ ما بعد كلّ منهما مغاير لما قبلها، إلّا أنّ وقوع (غير) موقع (إلّا) كثير، ووقوع (إلّا) موقع (غير) قليل، وسببه أنّ (غير) اسم، وتصرّفهم في الأسماء أكثر من تصرفهم في الحروف، على أنّ الوصف لا يكون بـ (إلّا) وحدها، بل بـ (إلّا) وما بعدها. ولهذا قال المصنف: تؤوّل (إلّا) بـ (غير) فيوصف بها وبتاليها، وقد أشار سيبويه لذلك فقال: هذا باب ما يكون فيه (إلّا) وما بعدها وصفا (١)، فجعل المجموع هو الوصف، وهو الحقّ. قال المصنف: ولأصالة (غير) في الوصفية جاز أن يوصف بها جمع، وشبه جمع، وما ليس جمعا، ولا شبه جمع كقولك: جاء رجال غير زيد، وقول الشاعر: ١٧٢٠ - فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا (٢) ورجل غيرك أحبّ إليّ. ولأصالتها «أيضا» (٣) في الوصفية جاز أن يحذف الموصوف بها، ولا يوصف بها إلّا جمع، أو شبه جمع، ولا يجوز حذف الموصوف بها وإقامتها مقامه، وقيّد الجمع بكونه منكرا، أو معرفا بأداة جنسية، فمثال الجمع المنكّر: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٤) فـ إِلَّا اللَّهُ صفة لـ آلِهَةٌ (٥)، ومثال الجمع المعرّف بالأداة الجنسية قول الشاعر: -

стр. 2153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٧٢١ - أنيخت فألقت بلدة بعد بلدة ... قليل بها الأصوات إلّا بغامها (١) أي: الأصوات غير بغامها، وقول الآخر (٢): ١٧٢٢ - ويوم الحول إذ حشرت معدّ ... وكان الناس إلا نحن دينا (٣) أي: وكان النّاس المغايرون لنا دينا، ومثال شبه الجمع قول الشّاعر: أنشده سيبويه: ١٧٢٣ - لو كان غيري سليمى الدهر غيره ... وقع الحوادث إلّا الصّارم الذّكر (٤) قال سيبويه: كأنّه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر لغيره، وقع الحوادث، إذا جعلت «غير» الآخرة صفة للأولى، فالمعنى أنّه أراد أن يخبر أنّ الصّارم الذكر لا يغيره شيء (٥). انتهى، ويمكن أن يكون من أمثلة شبه الجمع: ما أتاني أحد إلّا زيد، قال سيبويه - بعد أن مثّل به -: فأنت بالخيار، وإن سميت جعلت (إلّا زيد) بدلا، وإن شئت جعلته صفة. انتهى. وقوله: جعلت (إلّا زيد) بدلا - فيه تجوّز، فإنّ البدل إنّما هو (زيد) وحده، لا (إلّا زيد) ومستغنى عنه لوضوحه، ولم يمثل المصنف لشبه الجمع معرفا بالأداة، -

стр. 2154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن انطوى كلامه في المتن عليه - ويظهر أن قوله: «منكّر»، أو معرّف بأداة جنسية، تقسيم للجمع، لا لشبه الجمع، ولمّا مثّل بما تقدّم من قول الشّاعر: ١٧٢٤ - لو كان غيري ... قال: ومن وقوعها صفة لشبه الجمع المنكّر معنى، الشبيه بالمعرفة لفظا قول الشّاعر: ... وأنشد البيت المذكور، فأمّا كون إِلَّا في الآية الكريمة صفة آلِهَةٌ فهو رأي الأكثرين، وهو قول سيبويه (١)، والأخفش (٢). قال المصنف (٣): ومعنى الصفة - في هذا الباب - التّوكيد لا التّخصيص، فلا فرق بين ثبوتها، وسقوطها، ولذلك إذا قال المقرّ: له عندي عشرة إلّا درهم، حكم عليه بعشرة كاملة، ولا يجوز جعل ما بعد (إلّا) في الآية الكريمة بدلا [٣/ ٤٩] ممّا قبلها؛ لأنّ شرط البدل في الاستثناء صحة الاستغناء به عن الأول، وذلك ممتنع بعد (لو) كما يمتنع بعد (أن)؛ لأنهما حرفا شرط، والكلام معهما موجب؛ ولذا قال سيبويه: لو قلت: لو كان معنا إلّا زيد لهلكنا، لكنت قد أجلت (٤)، أي: أتيت بممنوع، فصحّ. يقول سيبويه (٥): إنّ (لولا) تفرّغ العامل الّذي بعدها لما بعد (إلّا) كما فرّغ بعد النّفي، وإذا لم يصحّ التفريغ امتنع البدل، لما تقدّم. قال المصنف (٦): وكلام المبرد في المقتضب مثل كلام سيبويه وكلام الأخفش أعني أنّ التفريغ والبدل بعد (لو) غير جائز، وذكر ابن السرّاج عن المبرد أنّه قال: لو كان معنا إلّا زيد أجود كلام، وأحسنه (٧) فيجوز التفريغ، ومقتضاه جواز البدل، وتجويز الأمرين منقول عنه، ومستند القائل بجواز البدلية، أمّا المبرّد، أو غيره أنّ ما يدلّ عليه (لو) من الامتناع شبيه بالنّفي، ومعنى: لَوْ كانَ فِيهِما -

стр. 2155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ (١): ما فيهما آلهة إلّا الله، فما كان معناه معنى النّفي جرى في البدل مجراه، وقد ردّ القول بالبدلية بأوجه: أحدها: أنّه لو كانت (لو) بذلك مستحقة لتفريغ ما يليها من العوامل، لكانت مستحقة بغير ذلك، ممّا يختصّ بحروف النّفي، كزيادة (من) في معمول ما يليها، وإعماله في (أحد)، و (غريب)، ونحوهما، وكنصب جواب مقرون بالفاء. الثاني: أنّه لا يجري النّفي المعنوي مجرى النفي اللفظيّ، ألا ترى أنّك تقول: أتى القوم إلّا زيدا، بالنصب، ليس إلّا، ولو كان النفي المعنوي كاللفظيّ لجاز: أتى القوم إلّا زيد، وكان المختار، وههنا أولى؛ لأنّ النفي محقّق، غير مقدّر فيه إثبات، وفي (لو) يقدّر فيما بعدها الإثبات، وإنّما قدّر فيه النّفي لمّا كان الإثبات تقديرا. الثالث: أنّه لو كان على البدل لكان معناه معنى الاستثناء، ولو كان معناه معنى الاستثناء لجاز: «إلّا الله» بالنصب، ولا يستقيم المعنى؛ لأنّ الاستثناء إذا سكت عنه دخل ما بعده فيما قبله، ألا ترى أنّك لا تقول: جاءني رجال إلّا زيد، فكذلك لا يستقيم: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ، وقد نصّوا على أنّه لا يكون المخرج منه في الاستثناء إلّا مختصّا، وممّا يدل أيضا على أنّه ليس بمعنى الاستثناء أنّه لو كان النصب على الاستثناء، لكان المعنى - إذ ذاك - لو كان فيهما آلهة، ولم يكن الله في تلك الآلهة لفسدتا، وهو غير مستقيم؛ لأنّه يلزم عنه لو كان فيهما آلهة فيها الله لم تفسدا، وذلك باطل. قال السيرافي - شارحا لقول سيبويه -: لكنت قد أحلت لأنّه يصير المعنى: لو كان معنا إلّا زيد لهلكنا؛ لأنّ البدل بعد إلّا في الاستثناء موجب، قال: وكذا لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، ولو كان على البدل لكان التقدير: لو كان فيهما الله لفسدتا، وهذا فاسد (٢). انتهى، وفيه نظر وممّا وقعت فيه (إلّا) مع ما بعدها وصفا بيت ذي الرّمة المتقدّم، وهو من إنشادات سيبويه (٣). قال سيبويه كأنّه -

стр. 2156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: قليل بها الأصوات، غير بغامها، إذا كانت غير استثناء، قال سيبويه: ومثل ذلك قول الله : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (١)، يعني في وقوع (غير) صفة لما فيه ألف ولام، فإن رفع كان صفة لـ (القعدون) وإن جرّ كان صفة لـ (المؤمنين.) قال المصنف (٢): ولا يصحّ جعل (غير) في الآية الكريمة بدلا؛ لأنّه لا يستغنى به عمّا قبله، ومن وصف ذي الألف واللام أيضا بـ (غير) قول لبيد: ١٧٢٥ - وإذا أقرضت قرضا فأجزه ... إنّما يجزي الفتى غير الجمل (٣) قال السيرافي: وأمّا قول الشّاعر: ١٧٢٦ - قليل بها الأصوات إلّا بغامها (٤) ففيه وجهان: أحدهما: ما قاله سيبويه، ومقتضاه، أنّه أثبت بها أصواتا قليلة، وجعل: (إلّا بغامها) نعتا للأصوات. والوجه الثاني: يكون (قليل) بمعنى النّفي، كأنّه قال: ما بها أصوات إلّا -

стр. 2157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغامها، وهو استثناء، وبدل صحيح، كما يقول: أقل رجل يقول ذلك إلّا زيد (١). ورّدّ الشّلوبين البدل ههنا، وقال: لا يتصوّر؛ لأنّه يؤول إلى التّفريغ، وهو فاسد. ألا ترى أنّه لم يرد أن يقول: ما بها إلّا بغامها، وكيف يقول ذلك وبها القليل، والراحلة، ورحلها، وغير ذلك، وإنّما أراد ما بها صوت مغاير لبغامها، و (قليل بها الأصوات) في معنى النّفي (٢). قال المصنف: عند نهاية الكلام على الشروط المعتبرة في الوصف بـ (إلّا) والحاصل أنّ (إلّا) لا يوصف بها مفرد محض، ولا يجوز: جاء الرجال إلّا زيد، على أن يكون (الرجال) معهودين؛ لأنّ معرفتهم حينئذ محضة، فلو قصد الجنس لم يمتنع وصفهم بـ (إلّا)، كما لا يمتنع وصفهم بـ (غير) (٣)، كقوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٤). انتهى، وبقي عليه أن يذكر مثالا ثالثا، لا يصح فيه الاستثناء، كما ذكر مثال المفرد المحض، والمعرّف تعريفا محضا، إلّا أنّه يكون استغنى عن ذلك بالتمثيل بـ: (قام رجل إلّا زيد)؛ لأنّه لا يصلح للاستثناء منه، لكونه مفردا، وقد تضمن كلام المصنف في الشرح (٥) اشتراط أمور في وقوع (إلّا) مع ما بعدها وصفا: الأمر الأول: أن يكون الموصوف بها جمعا، أو شبه جمع، كما تقدّم تمثيله، ووافق في ذلك ابن السراج، فإنّه قال: لا تكون (إلّا) وصفا، إلّا بعد جماعة أو واحد في معنى الجماعة (٦)، ولا يظهر من كلام سيبويه اشتراط ذلك، فإنّه مثّل المسألة بقوله: لو كان معنا رجل إلّا زيد لغلبنا (٧)، فجعل (إلّا زيد) وصفا لـ (رجل)، مع أنّه ليس جمعا، ولا شبه جمع؛ إذ لا عموم له، ولا يمتنع من جهة الدليل وقوع (إلّا) وصفا للمفرد المحض؛ لأنّه إذا ثبت حمل (إلّا) على (غير) في الوصف بها، لم يكن لغير المفرد خصوصة بذلك [٣/ ٥٠] على المفرد، ووقوعها صفة له لا يدفع أصالة (غير) في الوصفية، فإنّ الأصالة قد تتميز بغير ذلك، كما سيأتي. -

стр. 2158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأمر الثاني: أن يكون الجمع المذكور منكّرا، أو معرّفا بأداة جنسيّة، ونقل المصنف عن المبرد أنّه قال: لا يوصف بـ (إلّا) إلّا ما يوصف بـ (مثل) و (غير) وذلك النكرة والمعرفة التي بالألف واللام على غير نحو: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وقد أمرّ بالرجل غيرك، فيكرمني (١). ونقل الشيخ عن الأخفش قريبا من هذا (٢)، وللنحويين في ذلك اضطراب: فمنهم من قال: لا يوصف بـ «إلّا» وما بعدها، إلّا النكرة خاصة (٣)، ومنهم من زاد المعرّف بالأداة الجنسية، كما هو رأي المصنف (٤)، ومنهم من فصّل فقال: إن كان ما بعد (إلّا) معرفة، جرت على النكرة وعلى المعرفة، وإن كان ما بعدها نكرة، جرت على النكرة، لا المعرفة، ومنهم من أطلق القول في ذلك، فأجاز أن يقع صفة للنكرة والمعرفة، ولم يقيدها بالأداة الجنسية، وهو ظاهر من قول سيبويه، حتّى أنّهم أجازوا أن يقع صفة للضمير أيضا، وأنشد عليه قول الشاعر: ١٧٢٧ - وبالصّريمة منهم منزل خلق ... عاف تغيّر إلّا النؤي والوتد (٥) فـ (إلّا النّؤي، والوتد) صفة للضمير المستكنّ في (تغيّر)، ومنهم من ادّعى أنّها عطف بيان في هذا البيت؛ لأنّه قد تقرّر أنّ الضّمائر لا تنعت، وقد تقدّم الكلام على هذا البيت، وأنّه من قبيل المفرغ، بتأويل (تغيّر) بـ (لم يبق على حاله) فعلى هذا لا يتعين الوصف بـ (إلّا) فيه. الأمر الثالث: أن يكون الموصوف بـ (إلّا) مذكورا، غير محذوف، وهذا بخلاف الموصوف بـ (غير) وقد تقدّم أنّ (غير) لأصالتها اختصت بذلك دون (إلّا)، وبهذا الأمر تتحقق أصالة (غير) في الوصفية، وفرعية (إلّا)، وهو كاف في ذلك، فلا يضرّ جريان (إلّا) مجرى (غير) في كلّ حالاتها، حتّى وصف المفرد بها أيضا، كما تقدّم التنبيه عليه، وهذا الشرط - أعني كون الموصوف بـ (إلّا) مذكورا غير محذوف - لم يخالف فيه أحد، وقال سيبويه: ولا يجوز أن -

стр. 2159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقول: ما أتاني إلّا زيد، وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل)، وإنّما يجوز ذلك صفة، ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون) لا تجري في الكلام إلا على اسم، ولا يعمل فيه رافع، ولا ناصب، ولا جارّ (١). اه، وكأنّه يعني بقوله: إنمّا يجوز ذلك صفة - أنّها تكون تابعة لمذكور، فإنّه إذا حذف موصوفها صارت بمنزلة (مثل) فجرت مجرى الأسماء، فكأنه قال: لا تجري مجرى الأسماء، إنما تكون صفة ولا يتحقق كونها صفة، إلّا مع ذكر موصوفها. الأمر الرابع: أن تكون (إلّا) المذكورة، واقعة حيث يصلح الاستثناء، ونصّ على اشتراط ذلك المبرّد (٢)، والأخفش (٣)، وعليه الأكثرون (٤)، حتى قال الشيخ: هذا كالمجمع عليه من النحويين، وعلى ذلك يجوز: عندي درهم إلّا دانق، لجواز: إلّا دانقا، ويمتنع: عندي درهم إلّا جيد، لعدم جواز: إلا جيدا، هكذا مثّلوه، وفي تجويز عندي درهم إلا دانق - على رأي المصنف - نظر؛ لأنّه قد تقدّم عنه أنّ الموصوف بـ (إلّا) لا يكون إلّا جمعا، أو شبه جمع، ولا شك أنّ (درهما) ليس كذلك، وقد يقال: إنّ قولنا: إلّا دانقا (٥) يفيد إرادة الجمعيّة بـ «درهم» المذكور، فهو وإن كان مفردا لكونه واحدا لدرهم جمع، لدلالته على دوانق متعددة، على أنّني لم أقف على هذا المثال، في شرح المصنّف، ثمّ الظاهر من كلام سيبويه أنّ الّذي ذكروه، غير لازم، وذلك أنّه مثّل المسألة بقوله: لو كان معنا رجل إلّا زيد لغلبنا، ولا يصلح في هذا المثال الاستثناء أصلا، وقد تقدّم أيضا أنّ قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٦) لا يتصوّر فيه الاستثناء، لفساد المعنى به، فقد وقعت إِلَّا وصفا، في الآية الكريمة، وفي مثال سيبويه (٧)، والاستثناء غير صالح فيهما، وقد رام -

стр. 2160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعضهم تقدير هذا الشّرط، والتزامه في الآية الكريمة (١)، والمثال المذكور، على الانقطاع، وقال: إنّما قصد النحاة صحّة الاستثناء مطلقا، متّصلا كان، أو منقطعا، والانقطاع متصوّر هنا، والتقدير: لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا، لكن فيهما الله، وهو واحد، فلم تفسدا، وكذا المثال الّذي ذكره سيبويه؛ التقدير: لو كان معنا رجل لغلبنا، لكن معنا زيد، فلا نغلب، وفيما ذكره هذا القائل بعد، وأيضا فإنّه يؤدّي إلى أنّه لا فائدة في اشتراط صحّة الاستثناء، إذا جاء من موضع تقع فيه (إلّا) صفة إلّا، ويمكن صحة المنقطع فيه، واشترط المبرد أمرا خامسا - لم يتضمّنه كلام المصنف - وهو أن تكون (إلّا) الموصوف بها، واقعة موقعا يصلح فيه البدل (٢)، ويعني به أن يكون الكلام الّذي قبلها غير موجب، والصحيح أنّ ذلك لا يشترط؛ لأنّه قد جاء الوصف بـ (إلّا) حيث لا يجوز البدل، كقوله: ١٧٢٨ - وكلّ أخ مفارقة أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان (٣) وقد ظهر من المباحث المتقدمة أنّ أكثر الأمور المشترطة في وقوع «إلّا» وصفا غير لازمة، ولم يتحقق منها سوى شرط واحد، وهو أن يكون الموصوف بها مذكورا، وما نصّ سيبويه إلّا عليه، ولم يتعرض إلا إليه، بل أمثلته الّتي مثّل بها تدفع غير ذلك، كاشتراط الجمعية، أو شبهها وعدم التعرف، وكاشتراط الصلاحية للاستغناء، ولا ينبغي العدول عمّا قاله سيبويه؛ إذ لم ينهض على مخالفته دليل. ونقل الشيخ عن صاحب البسيط - وهو رجل يقال له: ابن العلج (٤)، ورأيت -

стр. 2161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشيخ يعظّمه، ويقبل كلامه، ويستكثر نقله - أنّه قال: جمهور النحويين على جواز كون (غير) تجري على المعرفة، فكذلك [٣/ ٥١] (إلّا) (١)، و (هذا) - من: هذا الرجل - يدلّ على أنّ الجمهور لا يشترطون التنكير، ونقل عنه أيضا أنّه قال: والظاهر أنّها تقع بمعنى (إلّا) فيما تقع فيه (غير)، إلّا في الموضع الذي لا يتقدّمها موصوف، سواء كان في النّفي، أم في الإثبات، وكان - يعني الموصوف بها، مجموعا أو مفردا، أو منكرا، أو معرّفا (٢)، وهذا النّقل صريح، في عدم اشتراط شيء من ذلك. قال صاحب البسيط (٣) أيضا: ولمّا كانت (غير) من أخوات (مثل) و (شبه) وكان يصحّ فيها قصد التعريف، صحّ جريها على المعرفة والنّكرة، فكذلك (إلّا) بمعناها، تجري على النكرة، وعلى المعرفة (٤). انتهى. وكما جاز أن تكون (إلّا) مع ما بعدها، وصفا لما قبلها، (غير) أجاز بعضهم أن تكون بدلا ممّا قبلها، كما يجوز في (غير) أن تكون بدلا، وممّن أجاز ذلك صاحب البسيط المتقدم الذكر، قالوا: ويشعر به كلام ابن الضّائع، أيضا قال في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٥) لا يصحّ المعنى عندي إلّا على أن تكون (إلّا) في معنى (غير) التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة، عوض واحد، أي بدل الواحد الّذي هو الله لفسدتا. قلت: وليس في كلام ابن الضّائع إشعار بالبدليّة؛ لأنه إنّما قال: (إلّا) في معنى (غير) التي يراد بها البدل، وقد بيّن هو مراد نفسه بقوله: أي لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي بدل الواحد، الذي هو الله تعالى، يعني أنّ المراد بـ (غير) التي وقعت (إلّا) موقعها، في الآية الشريفة، ما يراد بقوله: بدل، وعوض، لا الوصف الحقيقي، وهذا الّذي قاله يظهر أنّه الحقّ، والله تعالى أعلم بمراده. -

стр. 2162

[إيلاء «إلا» نعت ما قبلها] قال ابن مالك: (ولا يليها نعت ما قبلها، وما أوهم ذلك فحال، أو صفة بدل محذوف، خلافا لبعضهم ويليها في النّفي فعل مضارع بلا شرط، وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ (قد)، ومعنى «أنشدك إلّا فعلت» أي: ما أسألك إلّا فعلك). ــ وجوّز ابن السيّد (١) أيضا أن تقع (إلّا) حالا، كما تقع (غير) حالا، وقال: إنّها تكون صفة للنكرة، وتتقدّم، وتنصب على الحال (٢)، وأجاز في قول الشاعر: ١٧٢٩ - وما لي إلّا الله غيرك ناصر (٣) أربعة أوجه: أن يكونا معا حالين من (ناصر) واستثناءين مقدّمين، أو أحدهما استثناء، والآخر حال، ودعوي البدلية - كما يقول صاحب البسيط، ومن وافقه في ذلك - فيه نظر، وأما دعوى الحالية فبعيد جدّا، ونقل الشيخ عن بعضهم أنّ أكثر النّحاة ينكرونه (٤). قال ناظر الجيش: شرع في ذكر أحكام تتعلق بـ (إلّا) الّتي هي أداة استثناء، فأشار بقوله: ولا يليها نعت ما قبلها إلى قول الأخفش - في كتاب المسائل له -: لا يفصل بين الموصوف والصفة بـ (إلّا) قال: ونحو: ما جاءني رجل إلّا راكب، يقدّر: ما جاءني رجل إلّا رجل راكب، فـ (راكب) صفة لـ (رجل) المحذوف، و (رجل) بدل من الأول، قال الأخفش: وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم» (٥) وقد تقدّم أيضا، عن أبي عليّ أنّه قال في: ما مررت بأحد إلّا قائما إلّا أخاك: إنّ (قائما) لا يجوز كونه صفة لـ (أحد)؛ لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصّفة والموصوف، فهذا تصريح من أبي الحسن، وأبي علي بأنّ (إلّا) لا تفصل بين صفة -

стр. 2163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وموصوف. قال المصنّف: وما ذهبا إليه هو الصّحيح؛ لأنّ الموصوف والصفة كشيء واحد، وسيأتي أنّهما كشيء واحد، لا يختلفان بنفي الحكم عن أحدهما وإثباته للآخر كالمتوسط بينهما (إلّا)، ولأنّ الصفة توضح موصوفها، كما توضح الصلة الموصول، وكما يوضح المضاف إليه المضاف، فكما لا تقع (إلّا) بين الموصول، والصّلة ولا بين المضاف والمضاف إليه، كذا لا تقع بين الموصوف والصفة، ولأنّ (إلّا) وما بعدها في حكم جملة مستأنفة، والصفة لا تستأنف، ولا تكون في حكم مستأنف (١). وإذا تقرّر أنّ (إلّا) لا تعترض بين الموصوف والصفة وجب تأويل ما أوهم ذلك؛ فيجعل ما بعد (إلّا) في مثل: ما جاءني رجل إلّا راكب، صفة لموصوف محذوف، بدل من الاسم الذي قبل (إلّا) والتقدير: إلّا رجل راكب، كما تقدّم، وفي مثل: ما جاءني أحد إلّا زيد خير منه تجعل الكلمة التي بعد (إلّا) حالا من الاسم الذي قبلها، وإليهما أشار بقوله: وما أوهم ذلك فحال، أو صفة بدل محذوف، وأشار المصنف أيضا بقوله: خلافا لبعضهم إلى أنّ الزمخشري جعل ما بعد (إلّا) في مثل: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، جملة ابتدائية، واقعة صفة لـ (أحد)، وقد قلت: إنّ المصنف منع ذلك؛ لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصفة والموصوف، للعلّة التي تقدمت على الخلاف لذلك، وما منعه المصنف فيه نظر، فإنّه قد تقدّم عنه الكلام على الاستثناء المفرغ أنّ التفريغ يكون باعتبار الصفات، كما يكون باعتبار غيرها، وإنّ من ذلك: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، وكذا: ما جاءني من أحد إلّا قائم؛ لأنّ الوصف يكون مفردا، ويكون جملة، وحكمها في الصّحّة واحد، وإذا قصد التفريغ باعتبار الوصف تعيّن دخول (إلّا)؛ لأنّ المعنى المقصود بالتفريغ - وهو قصر الموصوف على الصّفة في مثل: ما جاءني رجل إلّا راكب - يفوت لو لم يأت بها، وقد أوضح هذا المعنى سيبويه حيث قال في قولك: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه: كأنك قلت: مررت بقوم زيد خير منهم، إلّا أنك أدخلت (إلّا) لتجعل (زيدا) خيرا من جميع من مررت به، ولو قلت: مررت بناس زيد خير منهم، لجاز أن يكون قد مرّ بناس آخرين هم خير من زيد، فإنّما قال: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، ليخبر أنّه لم يمرّ بأحد يفضل -

стр. 2164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زيدا (١). انتهى كلام سيبويه. والظاهر منه أنّ الجملة الواقعة بعد (إلّا) في قولك: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، صفة لـ «أحد»، وأنّ «إلّا» دخلت بين الموصوف والصفة، لتقيد المعنى الذي أشار إليه، فهي ملغاة لفظا، معتبرة معنى، وإذا [٣/ ٥٢] تقرّر هذا بعد المنع الذي أشار إليه المصنف إلّا أن يمنع التفريغ باعتبار الصفات، ولما منع المصنف كون الجملة المشار إليها وصفا، جعلها حالية كما تقدّم، وجعلها حالا لا يمتنع، ويكون ما قبل (إلّا) مفرغا لما بعدها، باعتبار الأحوال، نحو: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ (٢)، وقد تقدّم. وطرد الزمخشريّ الحكم المتقدم، فجعل: وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٣) - من قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) جملة واقعة صفة لـ قَرْيَةٍ وسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال - في الحال -: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني زيد وعليه ثوب (٥)، وردّ ذلك المصنف بأوجه خمسة (٦): منها: أنّه قاس في ذلك الصفة على الحال، وبين الصفة والحال فروق كثيرة، كجواز تقدّمها على صاحبها، وجواز تخالفها بالإعراب، وجواز تخالفها بالتعريف، والتنكير، وجواز إغناء الواو عن الضّمير في الجملة الحالية، وامتناع ذلك في الواقعة نعتا، فكما بينت المخالفة بينهما في هذه الأشياء سبب المخالفة في الاقتران بالواو، جاز في الحاليّة وامتنع في الواقعة نعتا. ومنها: أنّ مذهبه - في هذه المسألة - مذهب لا يعرف لبصري ولا لكوفي. ومنها: أنّه تعلل بما لا يناسب؛ وذلك أنّ الواو تدلّ على الجمع بين ما قبلها، وما بعدها، وذلك مستلزم لتغايرهما، وهو ضدّ لما يراد من التّوكيد. ومن الأحكام المتعلقة بـ (إلّا) وقوع الفعل بعدها: فاعلم أنّ (إلّا) إنّما هي - أبدا - للاستثناء لفظا أو معنى، ولما كان الذي يتصوّر استثناؤه إنّما هو الاسم، -

стр. 2165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم تدخل (إلّا) عليه، أو على الجملة الاسمية؛ لأنّ (إلّا) إذا دخلت عليها في اللفظ مباشرة للاسم، فأشبه دخولها على الجملة الاسمية دخولها على الاسم المسبوق بفعل، أو على ما يشبه الاسم وهو المضارع، أو الماضي المقرون بـ (قد) وشرطوا في مباشرتها الفعل وجود نفي قبلها، فقول المصنف: ويليها في النّفي مضارع بلا شرط إشارة إلى أنّه لا يشترط في وقوع الفعل المضارع بعد (إلّا) تقدم فعل، بلا وجود نفي كاف، فعلا كان ما ولي النّفي أو اسما، نحو: ما كان زيد إلّا يضرب، وما زيد إلا يسير، وقوله: وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ (قد) إشارة إلى أنّه يشترط في وقوع الفعل الماضي بعدها - مع وجود النّفي - تقدم فعل، نحو: قوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١) واقتران الماضي بـ (قد) كقول الشاعر: ١٧٣٠ - ما المجد إلّا قد تبيّن أنّه ... بندى وحلم لا يزال مؤثّلا (٢) فإن لم يسبق الماضي فعل، ولم يقترن بـ (قد) لم يجز وقوع الماضي بعد (إلّا)، فيمتنع: ما زيد إلّا قام. قال المصنف (٣): وإنّما أغنى اقتران الماضي بـ (قد) عن تقدّم فعل، إلّا أنّ اقترانه بها يقرّبه من الحال، فيكون بذلك شبيها بالمضارع وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط في وقوعه بعد (إلّا) لشبهه بالاسم، والاسم بـ (إلّا) أولى؛ لأنّ المستثنى لا يكون إلّا اسما، أو مؤولا، وإنّما ساغ لتقديم الفعل وقوع الماضي بعد (إلّا)؛ لأنّ تقدّم الفعل مقرونا بالنفي يجعل الكلام بمعنى: كلّما كان كذا وكذا كان كذا وكذا، فكان فيه فعلان كما كان مع (كلّما) (٤)، وقوله: ومعنى: أنشدك إلّا فعلت كذا، كأنّه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: قد وقع الفعل بعد (إلّا) ولم يوجد النّفي قبلها، وقد شرطوه فقال: هو مؤول بالنّفي، فصورته موجب، -

стр. 2166

[عمل ما قبل «إلا» فيما بعدها وعكسه] قال ابن مالك: (ولا يعمل ما بعد «إلّا» فيما قبلها مطلقا، ولا ما قبلها فيما بعدها إلّا أن يكون مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابعا له، وما ظنّ من غير الثلاثة معمولا لما قبلها قدّر له عامل خلافا للكسائي في منصوب ومخفوض، وله ولابن الأنباري في مرفوع). ــ والمعنى بخلاف ذلك، و (فعلت) الواقع بعد (إلّا) مؤول أيضا بالمصدر، والتقدير - كما بيّنه المصنف -: ما أسألك إلّا فعلك، قال بعضهم: وجاز ذلك هنا؛ لأنّ باب القسم قد اتّسع فيه لكثرته في الكلام، فجاز فيه ما لا يجوز في غيره (١). قال ناظر الجيش: الاستثناء في حكم جملة مستأنفة؛ لأنّك إذا قلت: جاء القوم إلّا زيدا، فكأنّك قلت: جاء القوم ما منهم زيد، فمقتضى هذا ألّا يعمل ما بعد (إلّا) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها (٢) على الإطلاق، فاستمرّ على ما اقتضته هذه المناسبة من منع إعمال ما بعدها فيما قبلها نحو: ما زيد إلّا أنا ضارب، فلا يجوز إعمال (ضارب) في (زيد) لذلك؛ بل رفع (زيد) بالابتداء (٣)، ويقدّر العائد على المبتدأ من (ضارب) محذوفا، وكذلك استمرّ على ما اقتضته المناسبة، من منع إعمال ما قبلها فيما بعدها، إلّا فيما لا مندوحة عنه، من إعمال ما قبلها في مستثنى فرّغ له العامل، نحو: ما قام إلّا زيد، أو مستثنى منه، نحو: ما -

стр. 2167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قام إلّا زيدا أحد، أو تابع للمستثنى منه، نحو: ما مررت بأحد إلّا زيدا خير من عمرو، ولم تجز الزيادة على هذه الثلاثة لئلّا تكثر مخالفة الأصل، ويترك مقتضى الدليل، دون ضرورة؛ فلا يقال: ما ضرب إلّا زيد عمرا، ولا: ما ضرب إلّا زيدا عمرو، ولا: [ما] مرّ إلا زيد بعمرو، بل الواجب أن نؤخر المقرون بـ (إلّا) باستمرار على مقتضى الدليل المذكور، فإن ورد ما يخالف ذلك قدّر له عامل بعد «إلّا» (١) كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ (٢)، أي: أرسلناهم بالبينات، وهذا مثال تأخّر المجرور، ومثال تأخّر المنصوب قول الشاعر: ١٧٣١ - ما كفّ إلّا ماجد ضير بائس ... أمانيه منه أتيحت بلا منّ (٣) أي: إلّا ماجد كفّ ضير بائس (٤)، ومثال تأخّر المرفوع قول الشاعر: ١٧٣٢ - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة ... فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها (٥) ومثله قول الآخر [٣/ ٥٣]: ١٧٣٣ - وهل ينبت الخطيّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا في منابتها النّخل (٦) -

стр. 2168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله - أيضا - ما أنشده سيبويه من قول الآخر: ١٧٣٤ - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعبا إلّا ببين غرابها (١) وأجاز الكسائي الأوجه الثلاثة على تعليق المعمولات، وما قبل (إلّا) واوفقه الأخفش، في الظرف، والجارّ والمجرور، والحال، نحو: ما جلس إلّا زيد عندك، وما أوى إلا عمرو إليك، وما جاء إلّا محمّد محللة له الغنائم، ووافقه ابن الأنباري (٢)، في المرفوع خاصة، وفرق بينه وبين غيره بأن قال: الدليل يقتضي ألّا يتأخر مرفوع، ولا غيره؛ لأنّ مسائل الاستثناء المفرغ فيها العامل لما بعد (إلّا) جديرة بأن تختم بالمستثنى، فإن كان الواقع بعده مرفوعا نوي تقديمه، واتصاله برافعه؛ لأنه كجزء منه، وتأخيره لفظا لا يمنع أن ينوى تقديمه؛ لأنّه الأصل، ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختوما به، وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه؛ لأنه متأخر بالأصالة وقد وقع في موضعه، فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظا ولا تقديرا. انتهى كلام ابن الأنباري (٣). وقد تقدّم القول في هذه المسألة في باب النائب عن الفاعل (٤).

стр. 2169

[أحكام الاستثناء بـ «حاشا»، و «عدا»، و «خلا»] قال ابن مالك: (فصل: يستثنى بـ «حاشا» و «خلا» و «عدا» فيجررن المستثنى أحرفا، وتنصبنه أفعالا، ويتعيّن الثاني لـ «خلا» و «عدا» بعد «ما» عند غير الجرمي، والتزم سيبويه فعلية «عدا» وحرفيّة «حاشا» وإن وليها مجرور باللّام لم تتعيّن فعليتها، خلافا للمبرّد، بل اسميتها، لجواز تنوينها، وكثر فيها «حاش»، وقلّ «حشا، وحاش»، وربما قيل: ما حاشا، وليس «أحاشي» مضارع «حاشا» المستثنى بها، خلافا للمبرّد، والنصب في: «ما النساء وذكرهنّ» بـ «عدا» مضمرة، خلافا لمن أوّل «ما» بـ «إلّا»). ــ قال ناظر الجيش: من أدوات الاستثناء (حاشا)، و (خلا)، و (عدا) والمستثنى بهنّ منصوب، أو مجرور، فإن كان مجرورا فهنّ أحرف جرّ، وإن كان منصوبا فهنّ أفعال، مستحقة منع التصرف، لوقوعها موقع الحرف، وتأديتها معناه، فاستدلّ بالعمل على حرفيتها أو فعليتها؛ لأنّ الجرّ من عمل الحروف، والنصب من عمل الأفعال. قال الشيخ: ولو زعم زاعم أنّها حال كون ما بعدها مجرورا، أسماء مستثنى بها، كـ (غير) و (سوى) وأنّها حال كون ما بعدها منصوبا أحرف، محمولة على (إلّا) لتوافقها مع (إلّا) في المعنى لم يكن ذلك ببعيد (١). انتهى. وفيما أشار إليه نظر: فإنّها لو كانت حال الجرّ بها اسما لجاز تفريغ العامل لها، كما يفرغ لـ (غير) وهو لا يفرغ، ولو كانت حال النصب بها أحرفا كـ (إلّا) لجاز أيضا تفريغ العامل لما بعدها، كما يفرّغ لما بعد (إلّا) وهو لا يجوز، ولكانت نون الوقاية معها غير لازمة، إذا اتصلت ياء المتكلّم بها، وهي لازمة إذا امتنعت اسميتها حال الجرّ، والفعلية منفية؛ لأنّ الفعل لا يجرّ - تعينت الحرفية، وإذا امتنعت الحرفية حال النصب والاسمية منتفية؛ لأنّ ما بعدها معمول لها، وليست من قبيل الأسماء العاملة، ولاتصال نون الوقاية، وهي لا تتصل بالأسماء - تعيّنت الفعلية. -

стр. 2170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد التزم سيبويه فعليّة (عدا) وحرفية (حاش) وأمّا (خلا) فغلب فعليتها على حرفيتها، قال: وما جاء من الأفعال فيه معنى (إلّا) فـ (ليس) و (لا يكون) و (عدا) و (خلا) وما فيه ذلك المعنى من حروف الإضافة، وليس باسم كـ (حاش) و (خلا) في بعض اللغات (١) هذا نصّه، وقال - في آخر أبواب الاستثناء -: وبعض العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبد الله، فجعل (خلا) بمنزلة (حاش) (٢). انتهى. قال المصنف (٣): وكون (حاشا) حرفا جارّا هو المشهور ولذلك لم يتعرض سيبويه لفعليتها، أو النصب بها، إلّا أنّ ذلك ثابت بالنّقل الصحيح، عمّن يوثق بعربيته، فمن ذلك قول بعضهم: «اللهمّ اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطان، وأبا الإصبع» (٤) رواه أبو عمرو الشيباني (٥) وغيره. وأنشد ابن خروف - في شرح الكتاب - قول الشاعر: ١٧٣٥ - حاشا قريشا، فإنّ الله فضّلهم ... على البريّة بالإسلام والدّين (٦) وقال الفرّاء: إذا استثنيت بـ (ما عدا) و (ما خلا) ضمير المتكلم قلت: ما عداني وما خلاني، ومن نصب بـ (حاش) قال: حاشاني ومن خفض قال: -

стр. 2171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حاشاي (١)، هذا نصّه. وتعصّب بعض المتأخرين، مانعا فعلية (حاشا) لقول بعض العرب: (حاشاي) وأنشد: ١٧٣٦ - في فتية جعلوا الصّليب إلههم ... حاشاي إنّي مسلم معذور (٢) وأجاب المصنف بأنّ ذلك ورد على استعمالها حرفا؛ لأنّه أكثر من استعمالها فعلا، ولو أنّ من قال: حاش الشيطان دعته حاجة إلى استثنائه نفسه، قاصدا للنصب لقال: حاشاني، كما يقال: عساني (٣)، وقال بعض المتعصبين (٤) - أيضا -: لو كانت (حاش) فعلا لجاز أن يوصل بها (ما) كما (٥) وصلت بـ (عدا) و (خلا) وما ذكره غير لازم، فإنّ من أفعال هذا الباب (ليس) و (لا يكون) ولم توصل (ما) بهما، وأيضا فالدليل يقتضي ألّا توصل (ما) وغيرها، من الحروف الموصلة بالأفعال، إلّا بفعل له مصدر مستعمل، حتى يقدّر الحرف وصلته واقعين موقع ذلك المصدر، ومعلوم أنّ أفعال هذا الباب ليس لها مصادر مستعملة فإذا وصل بها حرف مصدري فهو على خلاف الأصل، فلا يبالى بانفراده بذلك فيقال: لم لم يوافقه غيره، فإنّ موافقته تكثير للشذوذ ومخالفته استمرار على مقتضى الدليل، ومن ورود الجرّ بـ (حاش) - وإن كان هو المجمع عليه - قول الشاعر [٣/ ٥٤]: -

стр. 2172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٧٣٧ - حاشا أبي ثوبان إنّ أبا ... ثوبان ليس ببكمة فدم عمرو بن عبد الله إنّ به ... ضنّا عن الملحاة والشّتم (١) وقبلها قوله: ١٧٣٨ - وبنو رواحة ينظرون إذا ... نظر النّديّ بآنف خشم (٢) قال المصنف: وروي: «أبا ثوبان» بالنصب (٣). ومن شواهد الجرّ بـ (عدا) قول الشاعر: ١٧٣٩ - تركنا في الحضيض بنات عوج ... عواكف قد خضعن إلى النّسور أبحنا حيّهم قتلا وأسرا ... عدا الشمطاء والطّفل الصّغير (٤) ومن شواهد الجرّ بـ (خلا) قول الشاعر: ١٧٤٠ - خلا الله لا أرجو سواك إنمّا ... أعدّ عيالي شعبة من عيالكا (٥) -

стр. 2173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال المصنف: رواه من يوثق بروايته: «خلا الله» بالجرّ (١)، ومن النّصب بـ (عدا) وإن كان المشهور - قول الشاعر: ١٧٤١ - يا من دحا الأرض ومن طحاها ... أنزل بهم صاعقة أراها تحرّق الأحشاء من لظاها ... عدا سليمى، وعدا أباها (٢) ومن النّصب بـ (خلا) قول الآخر: ١٧٤٢ - وبلدة ليس بها طوريّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ (٣) واتفق الجمهور على وجوب النّصب بـ (عدا) و (خلا)، مصحوبين بـ (ما) كقوله: ١٧٤٣ - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل (٤). وقول الآخر: ١٧٤٤ - تملّ الّندامى ما عداني فإنّني ... بكلّ الذي يهوى نديمي مولع (٥) وسبب ذلك أنّ (ما) مصدرية، ولا يليها حرف جرّ، وإنمّا توصل بجملة فعلية، أو اسمية قليلا، وأجاز الجرمي جرّ ما بعدهما حينئذ - ورواه عن العرب (٦)، والوجه فيه أن تجعل (ما) زائدة، و (عدا، وخلا) حرفي جرّ، وفيه شذوذ؛ لأنّ -

стр. 2174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (ما) إذا زيدت مع حرف الجرّ لا تتقدم عليه، بل تتأخر عنه، نحو: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ (١) وعَمَّا قَلِيلٍ (٢) وحيث نصب الاسم بعد (عدا) و (خلا) موصولين بـ (ما) أو غير موصولين بـ (ما) نصبه الأفعال، على أنه مفعول به وسيأتي الكلام على فاعل الأفعال المشار إليها وعلى محلّها أيضا، واعلم أنه تجرد (حاشا) عن معنى الاستثناء، وتستعمل مقصودا بها تنزيه الاسم المذكور بعدها عن السوء، فيقال: - حينئذ - حاش زيد، وحاشا لزيد؛ منونة، وغير منونة، وقد يبتدئون بتنزيه اسم الله تعالى، على جهة التعجّب، كما في قوله تعالى: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ (٣)، وإذا قصد بها هذا المعنى خرجت عن أن تكون حرفا؛ لأنّ الحرف لا يضاف، ولا ينوّن ولا يباشر حرفا مثله، وهل هي اسم أم فعل؟ في ذلك خلاف. قال المصنف (٤): وإذا ولي حاشا مجرور باللّام فارقت الحرفية بلا خلاف؛ إذ لا يدخل حرف جرّ على حرف جرّ، وإذا لم تكن حرفا فهي إمّا فعل، وإمّا اسم، فمذهب المبرّد أنّها - حينئذ - فعل (٥)، والصّحيح أنها اسم، منتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بالفعل، فمن قال: حاشَ لِلَّهِ بالإضافة - وهي قراءة ابن مسعود (٦) - فهي مثل: سبحان الله، ومعاذ الله (٧)، ومن قال: (حاشا لله)، بالتنوين - وهي قراءة أبي السّمّاك (٨) - فهو مثل: رعيا لزيد، وأما القراءة -

стр. 2175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المشهورة وهي: حاشَ لِلَّهِ - بغير تنوين - فالوجه فيها أن يكون (حاشا) مبنيّا، لشبهه بـ (حاشا) التي هي حرف، فإنّه شبيه بها لفظا، ومعنى، فجرى مجراه، في البناء (١) كما جرى في (عن) من: ١٧٤٥ - ... من عن يميني تارة وأمامي (٢) مجرى (عن) في نحو: رويت عن زيد. انتهى. وقد أفهمت عبارة المصنّف - في المتن (٣) أنّ المبرد دائما يدّعي الفعلية فيها إذا وليها المجرور باللّام، وهو الظاهر فإنه حال إضافتها - لا يمكن أن يكون فعلا، وكذا إذا نونت وإن وليها المجرور المذكور، وحينئذ تبعد دعوى المبرد؛ لأنّ معناها - مضافة وغير مضافة، منونة - وغير منونة واحد، وهو التّنزيه، كما تقدّم، فكيف يدّعي الفعليّة في بعض الصور، دون بعض مع إمكان غيرها؟ فالظاهر اتفاقهم، وإن وليها اللام، كما قال المصنف، وفي (حاشا) لغات أربع: إحداها: إثبات الألف الأولى والأخيرة. الثانية: إثبات الأولى، وحذف الأخيرة. الثالثة: عكسها. الرابعة: حذف الألف الأخيرة، مع سكون آخرها (٤). وقال الشيخ - ما معناه -: إنّ هذه اللغات في (حاشا) التي تستعمل للتنزيه، والمرادة من الصور، ظاهر عبارة المصنّف أنّ اللغات المذكورة في المستثنى بها أيضا، -
следующие страницы →