[أحكام أخرى لتمييز الجملة]
قال ابن مالك: (ولمميّز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتحدا معنى ما له خبرا وكذا إن لم يتّحدا ولم يلزم إفراد المميّز؛ لإفراد معناه أو كونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه. وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى) (١).
قال ناظر الجيش: اعلم أن مميّز الجملة تجب فيه المطابقة للاسم الذي قبله في إفراد وتثنية وجمع سواء أكان المميّز في المعنى له أم لمتعلقه، فيقال: «كرم زيد رجلا، والزيدان رجلين، والزيدون رجالا» وكذا يقال: «حسن زيد وجها، والزيدان وجهين، والزيدون وجوها» فيطابق في الحالين ما قبله، كما يطابقه لو كان خبرا عنه.
فأمّا قوله تعالى: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٢) ففيه توجيهان:
أحدهما: أن الرفيق والخليط والصديق والعدو يستغني بمفردها عن جمعها كثيرا في الإخبار وغيره. قال المصنف: ويزيده هنا حسنا أنه تمييز، والتمييز قد اطرد في كثير منه الاستغناء بالمفرد عن الجمع، نحو: «عشرون رجلا».
التوجيه الثاني: أنّ الأصل: وحسن رفيق أولئك [رفيقا] (٣)، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجاء التمييز على وفق المحذوف (٤).
ثم إنه يستثنى من التمييز إذا كان للمتعلق صورتان لا يطابق فيهما المميز ما قبله في تثنية ولا جمع، بل يلزم إفراده مع تثنية ما قبله أو جمعه، كما يلزم ذلك إذا كان ما قبله مفردا، وقد أشار المصنف إلى وجوب المطابقة في القسمين بقوله: ولمميّز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتّحدا معنى ماله خبرا، وكذا إن لم يتّحدا، وأراد باتحادهما معنى: أن يكون المميّز في المعنى لذلك الاسم، وبعدم اتحاده: أن يكون لمتعلقه، كما بيّنّا.
ثم أشار إلى الصورتين اللّتين يلزم فيهما عدم المطابقة بقوله: ولم يلزم إفراد المميّز لإفراد معناه، أو كونه مصدرا، ومثال ما يلزم فيه الإفراد لإفراد معناه قولك في أبناء رجل واحد: «طاب بنو فلان أصلا، وكرموا أبا»، ومثال ما يلزم فيه الإفراد لكونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه: «زكا الأزكياء سعيا، وجاد الأتقياء وعيا». -
стр. 2347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأفهم التقييد بقوله: لم يقصد [٣/ ٩٧] اختلاف أنواعه أنه إذا قصد اختلاف أنواع المصدر لاختلاف محالّه لا يلزم في المصدر حينئذ الإفراد، بل يجوز فيه المطابقة، كقولك: «تخالف الناس أغراضا، وتفاوتوا أذهانا» ومنه قوله تعالى:
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١)؛ لأنّ أعمالهم مختلفة المحالّ.
ثم نبّه المصنف بقوله: وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى على أنّ المميز الذي لم يتحد بالأول معنى قد يكون بعد جمع فيختار إفراده إذا لم يوقع في محذور كقوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً (٢)، قال:
فالإفراد في هذا النوع أولى من الجمع؛ لأنّه أخف، والجمعية مفهومة مما قبل، فأشبه مميّز (عشرين) وأخواته (٣). انتهى.
وكذا لو قلت: «الزيدون قرّوا عينا» كان الإفراد أولى، ولا شك أنّ الجميع لا يكونون ذوي نفس واحدة، ولا ذوي عين واحدة، ويفهم من قول المصنف أنّ الإفراد في ذلك أولى: أنّ الجمع غير ممتنع فيجوز أن يقال: «طاب الزيدون أنفسا، وقرّوا أعينا». ثم قال المصنف: فإن أوقع الإفراد في محذور لزمت المطابقة، كقولك: «كرم الزيدون أبا» أي: ما أكرمهم من آباء، فلا بدّ من كون مميز هذا النوع جمعا؛ لأنّه لو أفرد لفهم أنّ المراد كون أبيهم واحدا موصوفا بالكرم، وفي الجمع أيضا احتمال أن يكون المراد: كرم أبا الزيدين، ولكنه مغتفر؛ لأن اعتقاده لا يمنع من ثبوت المعنى الآخر (٤). قال الشيخ: وقد يلزم الجمع أيضا بعد المفرد في المباين إذا كان معنى الجمع يفوت بقيام المفرد مقامه، نحو قولك: «نظف زيد ثيابا»؛ لأنك لو قلت: (ثوبا) توهّم أنّ له ثوبا واحدا نظيفا. انتهى (٥).
وها هنا بحثان:
الأول:
أن تمثيل المصنف لما يجب فيه المطابقة بنحو: «كرم الزيدون آباء» غير ظاهر؛ لأنّ كلامه الآن إنما هو في المميّز المباين وليس (آباء) بمباين للزيدين؛ لأنّ المراد -
стр. 2348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالمباين ما لا يصدق على الاسم الذي قبله، ولا شك في صدق (آباء) على الزيدين، فلا يكون مباينا فكان الواجب التمثيل بما فيه مباينة، نحو: «حسن الزيدون دورا» إذا كان لكل منهم دار، فلا يجوز الإفراد هنا لئلّا يتوهم أن للجميع دارا واحدة، أو الاقتصار على قوله: وإفراد المميز بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى دون تقييد بالمباين ليشمل المتحد والمباين، وحينئذ يتمشى التمثيل بنحو: «كرم الزيدون آباء».
فإن أجيب عن ذلك بأن المراد بالمباين: ألا يكون التمييز لذلك الاسم الذي قبله بل لمتعلقه سواء صدق المميز عليه نحو: «كرم زيد أبا» إذا كان الممدوح هو أبو زيد، أم لم يصدق نحو: «حسن زيد علما» كان هذا الجواب مدفوعا بأمرين:
أحدهما: أن المصنف لما مثّل للمسألة بنحو: «كرم الزيدون آباء» إنّما فسّره بما أكرمهم من آباء، فبيّن أنّ المراد بآباء نفس الزيدين، ولم يجعل المراد بهم متعلق الزيدين، وهو آباؤهم.
الثاني: أنه قال في أول الفصل: فإن صحّ الإخبار به عن الأوّل فهو له أو لملابسه فجوّز في ما يصح الإخبار به عما قبله أن يكون لملابسه - يعني لمتعلقه - ولا شك أن ما صح الإخبار به عن شيء لا يكون مباينا لذلك الشيء، فلزم من هذا ألّا يكون مراده بالمباين ما كان لمتعلق الاسم، بل ما لا يصدق على ذلك الاسم، وإذا كان كذلك تبيّن أن التمثيل لما يجب فيه المطابقة من المباين بـ «كرم الزيدون آباء» ليس بجيّد، ثم تفسير المصنف لذلك بأنّ المراد: ما أكرمهم من آباء، غير واضح، ولو قلنا: إنّ المراد بالمباين هنا هو أن يكون التمييز لمتعلق الاسم لا له؛ لأنّه قد جعل التمييز للاسم الأول حيث جعل الزيدين هم الآباء، وكان الواجب أن يجعله لمتعلقه، فيقال: المراد: ما أكرم آباؤهم، وما برحت أستشكل هذا الموضع من كلام المصنف.
البحث الثاني:
قال الشيخ: قول المصنف: إن لم يوقع في محذور شرط في كون المباين أولى من المطابقة في الجمع، ومفهوم الشرط: أنه إذا أوقع في محذور لزمت المطابقة. انتهى.
والأمر في لزوم المطابقة حينئذ كما قال، وقد تقدّم لك من كلام المصنف في شرحه التصريح بذلك، ولكن الذي ألزم به المصنف غير لازم؛ لأنه قد ذكر قبل أنّ -
стр. 2349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطابقة مميّز الجملة لما قبله واجبة سواء اتّحد المميز وهو أم لم يتحد، إلّا ما استثناه من ذلك، فأثبت وجوب المطابقة بالمنطوق، ثم لما كان غير المطابقة جائزا في بعض الصور التي شملها الإطلاق الأول وكان مع جوازه أولى من المطابقة وجب أن يحمل قوله: أولى على أنّ المراد به أنّه جائز جوازا أولى؛ لأن عدم المطابقة لم يكن جائزا، فيقال: أنه في هذه الصورة التي ذكرها أولى، بل كان ممتنعا بما دلّ عليه كلامه المتقدّم، وإذا كان ممتنعا فلا بدّ من التنبيه على جوازه، ولذا اتفق مع جوازه أنّه أولى من الوجه الآخر الجائز، وهو المطابقة، فقصد المصنف بقوله: أولى إفادة جواز عدم المطابقة في مثل هذه الصورة مع التنبيه على الأولوية، وإذا تقرر هذا، كان قوله: إن لم يوقع في محذور شرطا للجواز، لا للأولوية، وإذا كان كذلك كان مفهومه أنه إذا أوقع في محذور انتفى الجواز، أي: جواز عدم المطابقة، وإذا انتفى ذلك لزمت المطابقة.
واعلم أنّ الشيخ أبا عمرو بن الحاجب - رحمه الله تعالى - ذكر مسائل مطابقة التمييز وعدم مطابقته بطريق أخصر من الطريق التي ذكرها المصنف، ثم إنه لم يقتصر على [٣/ ٩٨] ذكر مميز الجملة، بل تعرّض لذكر مميز المفرد أيضا، فقال: تمييز النسبة إما أن يكون اسم جنس أو غيره، فإن كان غيره طابق ما قصد به، وإن كان اسم جنس كان مفردا إلّا أن يقصد الأنواع. مثال الأول: «حسن زيد أبا» إذا قصدت إلى أبوّته لابنه، أو أبوّة أبيه خاصة له، فإن قصدت أبوّة قلت: «حسن زيد آباء» وكذلك إذا قلت: «حسن الزيدان» وقصدت إلى مدحهما بأبوتهما لغيرهما، قلت: «حسن الزيدان أبوين» وإن قصدت إلى مدح أبوّة أبيهما لهما، قلت: «حسن الزيدان أبا» وكذلك: «حسن زيد دارا واحدة، ودارين، ودورا» إذا قصدت اثنين أو جماعة. ومثال الثاني: «طاب زيد ماء، وعسلا، وتمرا» فهذا يجب إفراده إذا قصد إلى الحقيقة؛ لأنه لا يستقيم تثنية ولا جمع فيه، فإن قصدت إلى الأنواع كان الأمر فيه كما تقدّم من جواز التثنية والجمع. وأما تمييز المفرد فلا يخلو إما أن يكون جنسا أو غيره، إن كان جنسا أفرد إلّا أن يقصد الأنواع فيثني ويجمع، وإن كان غيره جمع لا غير. تقول في الأول: «عندي راقود خلّا، ورطل زيتا» فإن قصدت الأنواع قلت: «خلّين، وزيتين، وزيوتا». وتقول في الثاني: -
стр. 2350
[تعريف تمييز الجملة، وتقدير تنكيره، أو تأويل ناصبه]
قال ابن مالك: (ويعرض لمميّز الجملة تعريفه لفظا فيقدّر تنكيره، أو يؤوّل ناصبه بمتعدّ بنفسه أو بحرف جرّ محذوف أو ينصب على التّشبيه بالمفعول به، لا على التّمييز محكوما بتعريفه خلافا للكوفيّين).
ــ
«عندي قنطار أثوابا أو خواتم» أو ما أشبهه فيما ليس بجنس، فلا بدّ من جمعه، وسببه أنّ اسم الجنس لما كان دالّا
على الحقيقة أغنى عن التثنية والجمع، وهذا لما كان مفردا لا دلالة له على الجنس، واختص بالدلالة على المفرد عدل عن لفظ إفراده إلى ما هو أدلّ منه على الجنس، فقيل: قنطار خواتم، وقنطار أثوابا.
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): قد يرد مميز الجملة مقرونا بالألف واللام فيحكم بزيادتهما وبقاء التنكير كقول الشاعر:
١٩٠٣ - رأيتك لمّا أن عرفت وجوهنا ... صددت وطبت النّفس يا قيس عن عمرو (٢)
أراد: وطبت نفسا، ومثله قول الشاعر:
١٩٠٤ - علام ملئت الرّعب والحرب لم تقد ... لظاها ولم تستعمل البيض والسّمر (٣)
أراد: ملئت رعبا، فزاد الألف واللام، كما زيدتا في رواية البغداديين أنّ من العرب من يقول: «قبضت الأحد عشر درهما» ومن يقول: «قبضت الأحد العشر الدرهم» وكما زيدتا مع المضاف فيما أنشد أبو علي من قول الشاعر:
١٩٠٥ - تولي الضّجيع إذا تنبّه موهنا ... كالأقحوان من الرّشاش المستقي (٤)
-
стр. 2351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أراد: من رشاش المستقي.
وقد يرد مميز الجملة مضافا إلى معرفة: كقول العرب: «غبن فلان رأيه، ووجع بطنه، وألم رأسه» وفيه توجيهات (١):
أحدها: أن تجعل الإضافة منويّة الانفصال ويحكم بتنكير المضاف، كما فعل في قولهم: «كم ناقة وفصيلها لك؟، وقدر كم ناقة وفصيلا لها؟» وكما فعل سيبويه في قولهم: كل شاة وسخلتها بدرهم، فقال: وإنما يريد: كل شاة وسخلة لها بدرهم (٢).
وحكي عن بعضهم: «هذه ناقة وفصيلها راتعان» على تقدير هذه ناقة وفصيل لها راتعان. ثم قال: والوجه: كل شاة وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعين؛ لأنّ هذا أكثر في كلامهم، وهو القياس، والوجه الآخر قاله بعض العرب.
التوجيه الثاني: أن ينصب (رأيه) وما كان مثله مفعولا به بالفعل الذي قبله مضمّنا معنى فعل متعدّ، كأنه قيل: سوّأ رأيه - أي: جعله سيئا - وشكا بطنه ورأسه، وبهذا الاعتبار قال بعضهم في سَفِهَ نَفْسَهُ (٣): إنّ معناه: أهلك نفسه.
وقال المبرد: معناه: ضيّع نفسه (٤). وقال الزمخشري: معناه: امتهن نفسه (٥) وجعله نظير قول النبي ﷺ : «الكبر أن يسفه الحق» (٦). وقال صاحب العجائب -
стр. 2352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والغرائب (١): مَنْ سَفِهَ في موضع نصب بالاستثناء من فاعل يَرْغَبُ ونَفْسَهُ توكيد للمستثنى، كما يقال: «ما قام أحد إلا زيدا نفسه».
التوجيه الثالث: أن ينصب (رأيه) وما كان مثله بإسقاط حرف الجرّ، كأنه قيل: «غبن في رأيه، ووجع في بطنه، وألم في رأسه»، ثم أسقط حرف الجر، وتعدّى الفعل فنصب.
التوجيه الرابع: أن ينصب (رأيه) وما كان مثله على التشبيه بالمفعول به، ويحمل الفعل اللازم على الفعل المتعدي، كما حملت الصفة اللازمة على الصفة المتعدية، فقالوا: «غبن رأيه، والرأي، ووجع بطنه، والبطن» كما قالوا: «هو حسن وجهه والوجه» ومن ذلك قراءة بعضهم: فإنه آثم قلبه (٢) ومنه قول الشاعر:
١٩٠٦ - وما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا (٣)
إلّا أن النصب على التشبيه بالمفعول به نادر في الأفعال مطرد في الصفات. وإنما كان الأمر كذلك لوجهين:
أحدهما: أنّ الصفة اللازمة تساوي الصفة المتعدية في عمل الجر بالإضافة بعد رفعهما ضميرا، والجرّ أخو النصب وشريكه في الفضلية، فجاز أن يساويها في استبدال النصب بالجر، والفعل بخلاف ذلك.
الثاني: أن المنصوب [٣/ ٩٩] على التشبيه بالمفعول به لو حكم باطراده في الفعل اللازم، كما حكم باطراده في الصفة اللازمة لم يتميز لازم الأفعال من متعديها، بل -
стр. 2353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان اللازم يظنّ متعدّيا، ولا يعرض مثل ذلك إذا كان النصب على التشبيه بالمفعول به مقصور الاطراد على الصفات، شاذ في الأفعال، فإنّ في ذلك إشعارا بيّنا بالفرق بين المتعدي واللازم ومما شذّ وروده في الفعل ما في الحديث من قول راويه: «إن امرأة كانت تهراق الدماء» (١) أراد: تهراق دماؤها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، ثم نصب الدماء على التشبيه بالمفعول به، أو على التمييز وإلغاء الألف واللام. ويجوز أن يكون أراد:
تهريق الدماء، ثم فتح الراء، وقلب الياء ألفا، لا لأنّه فعل لما لم يسم فاعله، بل على لغة طيئ، كما قال شاعرهم:
١٩٠٧ - نستوقد النّبل بالحضيض ونص ... طاد نفوسا بنت على الكرم (٢)
وكما قال الآخر:
١٩٠٨ - أفي كلّ عام مأتم تبعثونه ... على محمر ثوّبتموه وما رضا (٣)
أراد في الأول: بنيت، وفي الثاني: رضي. إلّا أنّ المشهور في لغة طيئ أن يفعل هذا بلام الفعل، لا بعينه، وحرف العلة في (تهراق) عين، فمعاملته معاملة اللام على خلاف المعهود. ومن المنصوب بفعل على التشبيه بمفعول به قوله تعالى: -
стр. 2354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها (١) ويحتمل أن يكون تمييزا على تقدير الانفصال والتنكير، ويحتمل أن يكون منصوبا على إسقاط حرف الجر، ويحتمل أن يكون الأصل: بطرت مدة معيشتها، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب على الظرفية، نحو: وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٢). انتهى كلام المصنف (٣)، وقد ناقشه الشيخ في أمور (٤):
أحدها: أنّ تخصيصه عروض التعريف بمميّز الجملة لا فائدة له؛ إذ الخلاف واقع في مميز المفرد ومميز الجملة، والسماع ورد بهما. والجواب: أنّ المصنف يمنع ورود ذلك في مميز المفرد، ولهذا حكم بزيادة اللام في «الأحد
عشر الدرهم» كما تقدّم.
على أنّ المصنف أراد أنّ المميّز يعرض له التعريفان معا، أعني تعريف الأداة وتعريف الإضافة، وكلاهما عرض لمميّز الجملة، وأما مميز المفرد فلم يرد معرفة بالإضافة، وإنّما ورد فيه اللام، ومع ذلك فقد حكم المصنف بأنها زائدة، لا معرّفة.
الأمر الثاني: أنّه قال (٥): لا يتخرج «غبن زيد رأيه، ووجع بطنه» على أنّها إضافة يراد بها الانفصال كان هذا ضميرا يعود على معرفة، وليس موضع انفصال بالإضافة (٦)، فهي إضافة محضة قال: ولا يسوغ قياسا على «كم ناقة وفصيلها لك؟» ولا [على] (٧) «كل شاة وسخلتها [بدرهم] (٨)، وهذه ناقة وفصيلها راتعان»؛ لأنّ الضمير في هذه عائدة على نكرة، فيمكن أن يلحظ فيه التنكير بالنسبة إلى ما عاد عليه من النكرة، وإن كان الأكثر أن يلحظ فيه التعريف، ألا ترى إلى جعل سيبويه [قول الشاعر] (٩):
١٩٠٩ - أظبي كان أمّك أم حمارا (١٠)
-
стр. 2355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من قبيل ما أخبر فيه عن النكرة بالمعرفة:
والجواب: أنّ المقتضي بجعل الإضافة الانفصال، والحكم بتنكير المضاف في نحو: «كم ناقة وفصيلها ...» هو المقتضي لذلك أيضا في نحو: «غبن زيد رأيه» ولا نظر إلى كون المضاف إليه ضمير معرفة أو ضمير نكرة، على أنّ الملحوظ في ضمير النكرة إنما هو التعريف وإنما حكم سيبويه بتنكيره في:
١٩١٠ - أظبي كان أمّك أم حمار
من أجل أنّ ضمير النكرة يعامل عندهم في باب الإخبار معاملة النكرة (١).
الأمر الثالث: أنّه قال (٢): تخريج المصنف قراءة من قرأ فإنه آثم قلبه على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به غير متعين؛ لأنّه يجوز أن يكون (قلبه) منصوبا على البدل من اسم (إنّ) أي: فإنّ قلبه آثم.
قلت: وفيما ذكره الشيخ نظر؛ لأنّ البدل هو المعتمد عليه في الإخبار لا المبدل منه، وإذا كان كذلك وجب أن يكون (آثم) خبرا عن (قلبه) ومتى كان خبرا عن (قلبه) امتنع تقديمه عليه؛ لأنّ التقدير يصير: فإنّ قلبه آثم، وتقديم خبر (إنّ) على اسمها غير جائز إلا فيما استثني.
الأمر الرابع: أنه قال في تخريج المصنف: «تهراق الدماء» على أنّ أصله:
تهريق الدماء: أنّ ذلك في غاية البعد؛ لأنّ ذلك إنما تفعله طيئ بالياء المتحركة لفظا بالفتح، ويكون لام الكلمة وهذا ليس كذلك (٣).
قلت: أمّا كون الياء تكون لام الكلمة فقد قاله المصنف، وذكر أنّ العين عوملت معاملة اللام، وأنه خلاف المعهود، ولا شك أنّ الياء متى كانت عينا في فعل وجب كونها ساكنة، فلازم كونها عينا سكونها، وإذا كان كذلك اندفع أن يقال: إنما يكون ذلك في الياء المتحركة لفظا بالفتح.
стр. 2356
[أحكام تقديم التمييز على عامله]
قال ابن مالك: (ولا يمنع تقديم المميّز على عامله إن كان فعلا متصرفا وفاقا للكسائي والمازنيّ والمبرّد، ويمتنع
إن لم يكنه بإجماع، وقد يستباح في الضّرورة).
قال ناظر الجيش: قد علم أنّ المميز نوعان: منتصب عن تمام الاسم، ومنتصب عن تمام الكلام، أما المنتصب عن تمام الاسم فلا يجوز تقديمه على العامل فيه، وأمّا المنتصب عن تمام الكلام فمنه ما هو منقول، ومنه ما هو غير منقول، أما عن غير المنقول فلا يجوز تقديمه على العامل فيه أيضا نحو: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١) و «ما أحسن زيدا رجلا». وأما المنقول فإن كان [٣/ ١٠٠] العامل فيه فعلا لا يتصرف امتنع التقديم عليه أيضا نحو: «ما أحسن زيدا عقلا» وبيان كونه منقولا أنّ أصله: حسن زيد عقلا، أي: حسن عقل زيد، وهذا بخلاف «ما أحسن زيدا رجلا» حيث قيل: لا نقل فيه، وامتناع التقديم في هذه الصور الثلاث مجمع عليه.
وإن كان العامل في المنقول فعلا متصرفا نحو: «طاب زيد نفسا» فقد قيل: بامتناع التقديم عليه أيضا، وهو مذهب سيبويه ومن وافقه (٢)، وعلى هذا يصح إطلاق امتناع تقديم التمييز على عامله كائنا ما كان، فلا يجوز تقديم المميز على عامله في صورة أصلا.
وذهب الكسائي والمازني والمبرد إلى جواز التقديم على العامل إذا كان فعلا متصرفا (٣). قال المصنف (٤): أجمع النحويون على منع تقديم التمييز على عامله إذا لم يكن فعلا متصرفا، فإن كان إياه نحو: «طاب زيد نفسا» ففيه خلاف، والمنع مذهب سيبويه، والجواز مذهب الكسائي والمازني والمبرد، وبقولهم أقول قياسا على سائر الفضلات المنصوبة بفعل متصرف، ولصحة ورود ذلك في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كقول بعض الطائيين:
١٩١١ - إذا المرء عينا قرّ بالأهل مثريا ... ولم يعن بالإحسان كان مذمّما (٥)
-
стр. 2357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكقول ربيعة بن مقروم الضبي (١):
١٩١٢ - وواردة كأنّها عصب القطا ... تثير عجاجا بالسّنابك أصهبا
رددت بمثل السّيد نهد مقلّص ... كميش إذا عطفاه ماء تحلّبا (٢)
وكقول الآخر:
١٩١٣ - أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق تطيب (٣)
وكقول الآخر:
١٩١٤ - ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا (٤)
ومثله:
١٩١٥ - ولست إذا ذرعا أضيق بضارع ... ولا يائس عند التعسّر من يسر (٥)
-
стр. 2358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله:
١٩١٦ - أنفسا تطيب بنيل المنى ... وداعي المنون ينادي جهارا (١)
وانتصر لسيبويه بأنّ فاعل هذا النوع فاعل في الأصل، وقد أوهن بجعله كبعض الفضلات، فلو قدّم لازداد إلى وهنه وهنا، فمنع ذلك؛ لأنه إجحاف.
قلت: وهذا الاحتجاج مردود بوجوه:
أحدها: أنه دفع روايات برأي لا دليل عليه، فلا يلتفت إليه.
الثاني: أن جعل التمييز كبعض الفضلات محصل لضرب من المبالغة ففيه تقوية لا توهين، فإذا حكم بعد ذلك بجواز التقديم ازدادت التقوية وتأكدت المبالغة، فاندفع الإشكال.
الثالث: أنّ أصالة فاعلية التمييز المذكور كأصالة فاعلية الحال في نحو: «جاء راكبا رجل» فإن أصله: جاء راكب، على الاستغناء بالصفة، «وجاء رجل راكب» على عدم الاستغناء بها، والصفة والموصوف شيء واحد في المعنى، فقدّم (راكب) ونصب بمقتضى الحالية، ولم يمنع ذلك تقديمه على (جاء) مع أنّه مزال عن إعرابه الأصلي، وعن صلاحيته للاستغناء به عن الموصوف، كما تنوسي الأصل في الحال، كذلك تنوسي في التمييز.
الرابع: أنه لو صحّ اعتبار الأصالة في عمدة جعلت فضلة لصحّ اعتبارها في فضلة جعلت عمدة، فكأنه يجوز للنائب عن الفاعل من التقديم على رافعه ما كان يجوز له قبل النيابة، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنّ حكم النائب فيه حكم المنوب عنه، ولا يعتبر حاله التي انتقل عنها، فكذلك لا تعتبر الحال التي انتقل عنها التمييز المذكور. -
стр. 2359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخامس: أنّ منع تقديم التمييز المذكور عند من منعه مرتب على كونه فاعلا في الأصل، وذلك إنّما هو في بعض الصور، وفي غيرها هو بخلاف ذلك، نحو:
«امتلأ الكوز ماء» وفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً (١) وفي هذا دلالة على ضعف علة المنع لقصورها عن عموم جميع الصور.
السادس: أن اعتبار أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو:
«أعطيت زيدا درهما» فإنّ (زيدا) في الأصل فاعل، وبعد جعله مفعولا لم يعتبر ما كان له من منع التقديم، بل أجيز فيه ما يجوز في ما لا فاعلية له في الأصل فكذا ينبغي أن يفعل بالتمييز المذكور.
فثبت بما بينته أن تقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا متصرفا جائز وإن كان سيبويه لم يجزه.
وحكى ابن كيسان أنّ الكسائي أجاز «نفسه طاب زيد» وأنّ الفراء منع ذلك (٢).
فإن كان عامل التمييز غير فعل، أو فعلا غير متصرف لم يجز التقديم بإجماع، فإن استجيز في ضرورة عدّ نادرا كقول الراجز:
١٩١٧ - ونارنا لم ير نارا مثلها ... قد علمت ذاك معدّ كلّها (٣)
أراد: لم ير مثلها نارا، فنصب نارا بعد «مثل» بمثل، كما نصبوا «زبدا» في قولهم: «على التمرة مثلها زبدا» ثم قدّم «نارا» على «مثل» مع كونه عاملا لا يتصرف، ولولا الضرورة لم يستبح. انتهى كلام المصنف (٤).
وقد تقدم في أول الفصل عن ابن عصفور: أن مذهب المحققين أنّ العامل في [٣/ ١٠١] المميز الذي ينتصب عن تمام الكلام هو الجملة التي انتصب عن تمامها، وأنّه مختاره، وتقدّم ذكر استدلاله ومنازعة الشيخ له في الدليل الذي أورده، وعلى -
стр. 2360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا بنى ابن عصفور منع تقديم المميز على الجملة.
وأما المصنف: فالعامل عنده في المميز المذكور إنّما هو الفعل، وإنما لم يعد من العوامل ما حمل على الفعل في العمل من مصدر أو صفة أو اسم فعل؛ لأنّ مميز الجملة عنده منحصر في ما كان بعد جملة فعلية كما علمت، وقد تبيّن أنّ الأمر بخلاف ذلك، وأنّ المصدر والوصف واسم الفعل كالفعل في العمل في التمييز، وإذا كان كذلك وكان العامل في التمييز وصفا مشاركا للفعل المتصرف في الاشتقاق من المصدر، فالذي يجيز التقديم على العامل إذا كان فعلا متصرفا يلزمه أن يجيز التقديم على الوصف، وذلك نحو: «زيد نفسا طيّب، وعمرو غضبا ممتلئ». نعم إذا كان الوصف أفعل التفضيل لا يجوز التقديم عليه، فلا يقال: «زيد وجها أحسن منك»؛ لأنّ أفعل التفضيل ليس كامل الشبه بالفعل المتصرف فانحطت رتبته عن اسم الفاعل، وأمّا المنصوب في نحو: «زيد حسن وجها» فينبغي أن يقال فيه: إن كان نصب «وجها» على التشبيه بالمفعول به امتنع تقديمه على العامل؛ لأنّ معمول الصفة المشبهة لا يتقدّم عليها، وإن كان نصبه على التمييز جاز تقديمه عليه، لأنّه مميز نسبة والصفة العاملة فيه متصرفة، وليست مشبهة الآن فلا يمتنع التقديم عليها، وعبارة المصنف تقتضي منع التقديم على الوصف مطلقا لقوله: ويمتنع إن لم يكنه بإجماع يعني إن لم يكن العامل فعلا متصرفا.
ثم اعلم أنّ في عبارة المصنف حيث قال: ولا يمتنع تقديم التّمييز على عامله إشعارا بأنّ الخلاف في جواز التقديم إنما هو حيث يتقدم على العامل، فعلى هذا إذا توسط بين العامل والمعمول ينبغي ألّا يجيء هذا الخلاف نحو: «طاب نفسا زيد، وكرم أصلا عمرو، وحسن وجها عمر». قال الشيخ (١): ولا نعلم خلافا في جواز ذلك، قال زفر بن الحارث (٢):
١٩١٨ - فلو نبش المقابر عن عمير ... فيخبر عن بلاء أبي هذيل
نطاعن عنهم الأقران حتّى ... جرى منهم دما مرج الكحيل (٣)
-
стр. 2361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال ابن الضائع: تقول: «تفقّأ شحما زيد، وحسن وجها عبد الله» وهو متفق عليه. وكذا يكون ما حكى المصنف، أعني أنه إذا توسط التمييز بينه وبين معموله كان جائزا بلا خلاف، نحو: «أطيّب نفسا زيد، وما حسن وجها عمرو» (١).
وإذ قد عرف هذا فاعلم أنّ الشيخ وافق المصنف في اختيار جواز تقديم المميز على عامله المنصرف، فقال: وهو الصحيح لكثرة ما ورد من الشواهد على ذلك، وقياسا على سائر الفضلات. قال: وسيبويه لم ينقل المنع عن العرب، إنّما ذلك من رأيه، ولو اطلع على ما قالته العرب لاتبعه، لكنه لم يطلع، وقد جاء منه جملة تبنى القواعد الكلية على مثلها، والحقّ أحقّ أن يتبع.
ثم إنه ناقش المصنف في أمور (٢):
أحدها: أنّ كلامه يقتضي جواز تقديم التمييز على عامله مطلقا إذا كان الفعل متصرفا، وليس كذلك؛ لأنّ التمييز غير المنقول لا يجوز تقديمه على العامل بإجماع، وإن كان فعلا متصرفا، نحو: «كفى بزيد ناصرا» والمصنف قد عدّه في مميّز الجملة.
ثانيها: ما ذكره عن ابن كيسان أنه حكى عن الكسائي إجازة «نفسه طاب زيد» وكونه جعل هذا النقل دليلا على إجازة تقديم التمييز على عامله، فقال: ليس مذهب الكسائي في «طاب زيد نفسه ووجع زيد بطنه، وألم بكر ظهره» أنه تمييز، بل مذهبه في ذلك أنه مشبه بالمفعول به، ولذلك خالفه الفراء في ذلك، فالفراء يعتقد أنه تمييز، ولذا منع من تقديمه على الفعل، والكسائي أجازه لاعتقاده أنه مشبّه بالمفعول، وحكى عن العرب: «من المسفوه رأيه، ومن الموجوع بطنه، وخذه -
стр. 2362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطيوبة به نفس.
قال: وقد بيّنّا وهم المصنف على الكسائي في أنه يجيز بناء الفعل الذي لم يسم فاعله للتمييز في باب النائب عن الفاعل في قوله: ولا مميّز خلافا للكسائي.
قال: ووافق البصريون الكسائي في جواز التقديم في «رأسه وجع زيد، ورأيه سفه عمرو» وذلك لاعتقادهم أنه غير تمييز.
ثالثها: في قوله: إن أصالة فاعلية التمييز كأصالة فاعلية الحال؛ فقال: لا أعلم أحدا ذهب إلى أنّ الحال أصلها أن تكون فاعلة ولا أنها منقولة من الفاعل غير هذا الرجل.
والجواب عن هذه المناقشة: أنّ المصنف لم يدّع أنّ الحال أصلها أن تكون فاعلة على الإطلاق، بل في نحو: «جاء راكبا رجل» وقد قرر المصنف فاعليته بالطريق التي ذكرها، وهي لطيفة.
رابعها: في قوله: إن اعتبار أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو: «أعطيت زيدا درهما» ... إلى آخره، فقال: ليس فاعلية (زيد) في «أعطيت زيدا درهما» لـ (أعطيت) إنّما كانت لـ (عطا، يعطو) بمعنى:
تناول، وفاعلية (نفس) في «طاب زيد نفسا» كانت لـ (طاب نفسه) وفرق بين ما يصحّ إسناده إلى الفعل من غير تغيير للفعل، وبين ما لا يصح إسناده إليه، وحاصله أنّ فاعلية (زيد) في «أعطيت زيدا» قد أميتت، وجيء بصيغة لا تقبل الفاعلية التي كانت، وأما فاعلية التمييز فإنّ الفعل يقبلها، فلا يشبه «طاب زيد نفسا» [٣/ ١٠٢] «أعطيت زيدا درهما».
خامسها: في قوله: ويمنع إن لم يكنه بإجماع وفي قوله في الشرح: أجمع النحويون على منع تقديم المميّز على عامله إذا لم يكن فعلا متصرفا.
فقال: في بعض صور التمييز عن تمام الاسم خلاف بين النحويين وذلك إذا انتصب التمييز بعد اسم شبّه به الأول، نحو: «زيد القمر حسنا، وثوبك السّلق خضرة» فيجوز عند الفراء «زيد حسنا القمر، وثوبك خضرة السّلق» وذلك على أن يكون (زيد)، و (ثوبك) هما المبتدآن، و (القمر) و (السّلق) هما الخبران، -
стр. 2363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن عكست لم يجز التقديم؛ لأنّ صلة الاسم لا تتقدم عليه، والخبر مبني على التصرف، فلو قلت: «مررت بعبد الله
القمر حسنا» لم يجز تقديم (حسنا) على (القمر)؛ لأن (القمر) ليس بخبر، قال: فهذا نوع من التمييز المنتصب عن تمام الاسم ووقع فيه الخلاف؛ إذ العامل فيه هو القمر والسّلق لقيامهما قيام (مثل) المحذوفة التي ينتصب عنها التمييز في قولنا: «زيد مثل زهير شعرا» وقد ارتكب مذهب الفراء في هذه المسألة الخالديان (١) في أبيات يمدحان بها سيف الدولة (٢) وكان قد أهدى إليهما هدية فيها وصيف ووصيفة، فقال:
١٩١٩ - رشأ أتانا وهو حسنا يوسف ... وغزالة هي بهجة بلقيس (٣)
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن المصنف يرى أن (شعرا) في نحو: «زيد زهير شعرا» منصوب على الحال، لا على التمييز وقد تقدم ذلك في باب الحال، لكن النصب على التمييز أظهر. واعلم أنهم قد أخرجوا هذا البيت أعني قوله:
١٩٢٠ - ونارنا لم ير نارا مثلها
عن أن يكون ضرورة، بأن جعلوا (لم ير) فيه علمية، و (مثلها) المفعول الأول، و (نارا) المفعول الثاني، أي: لم يعلم مثلها نارا، وقد توهم ابن عصفور وابن الضائع أنّ هذا من توسط التمييز بين الفاعل العامل فيه ومعموله، نحو: طاب نفسا زيد» وليس الأمر كما توهماه؛ لأن التمييز المذكور ليس منتصبا عن تمام الكلام، إنما هو منتصب عن تمام الاسم بالإضافة والمميّز هو (مثل) نفسه وليس نسبة مجهولة تحتاج -
стр. 2364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى تمييز وقد ختم الشيخ الباب بمسألة وهي أنّ التمييز يجوز حذفه إذا قصد إبقاء الإبهام، أو كان في الكلام ما
يدل عليه ويجوز أن يبدل كقوله تعالى: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ (١)، واثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً (٢).
[قيل: ويكون في المعطوف عليه نحو: «ثلاثة وعشرون درهما» ونحوه، الأصل: ثلاثة دراهم، لكنهم تركوه تشبيها بخمسة عشر، لدلالة ما بعده عليه.
ولا يجوز حذف المميّز؛ لأنه يزيل دلالة الإبهام، إلّا أن يوضع غيره موضعه، كقولهم: «ما رأيت كاليوم رجلا» وقد يحذف من غير بدل كقولهم: «تالله] رجلا» أي: تالله ما رأيت كاليوم رجلا.
* * *
стр. 2365
الباب الثلاثون باب العدد
[حكم تمييز الأعداد من واحد إلى مائة]
قال ابن مالك: (مفسّر ما بين عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز، ويضاف غيره إلى مفسّره مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر، ما لم يكن مائة فيفرد غالبا، ومفردا مع مائة فصاعدا، وقد يجمع معها وقد يفرد تمييزا، وربّما قيل: عشرو درهم، وأربعو ثوبه، وخمسة أثوابا، ونحو ذلك، ولا يفسّر واحد واثنان، و «ثنتا حنظل» ضرورة) (١).
قال ناظر الجيش: [٣/ ١٠٣] لما كان العدد مفتقرا إلى التمييز وصل بابه ببابه (٢)، وقدّم فيه الكلام على العدد المميز بمنصوب ولا بدّ في الترجمة من مضاف محذوف والتقدير: باب اسم العدد، واسم العدد ما وضع لكميّة آحاد الأشياء، وأصوله اثنتا عشرة كلمة: واحد إلى عشرة، ومائة وألف، وأما ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلى تسعين ففروع لاشتراكها مع الآحاد في اللفظ، ولأنها تكرير للعشرة في المعنى.
ثم العدد بالنسبة للاستعمال أربعة أنواع: مفرد ومضاف ومركب ومعطوف (٣).
فالمفرد: واحد واثنان للمذكر، وواحدة واثنتان للمؤنث، والعقود الثمانية، وهي: عشرون وتسعون وما بينهما، ويستعمل للمذكر والمؤنث بلفظ واحد.
والمضاف: ثلاثة وعشرة وما بينهما في التذكير، وثلاث وعشر وما بينهما في التأنيث، ومائة وتثنيتها، وألف وتثنيته وجمعه، واستعمال هذه بلفظ واحد في التذكير والتأنيث.
والمركب: أحد عشر واثنا عشر وثلاثة عشر إلى تسعة عشر في التذكير، وإحدى -
стр. 2366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عشرة واثنتا عشرة وثلاث عشرة إلى تسع عشرة في التأنيث.
والمعطوف: العقود المعطوفة على النيّف: أحد وعشرون واثنان وعشرون وثلاثة وعشرون وهكذا إلى تسعة وتسعين في التذكير، وإحدى وعشرون واثنتان وعشرون وثلاث وعشرون وهكذا إلى تسع وتسعين في التأنيث.
ثم من هذه الأنواع ما لا يذكر معه تمييز وهو المفرد الذي هو واحد واثنان تذكيرا وتأنيثا؛ وذلك لأنّ المعدود إذا اقتصر على واحده ومثناه عرف جنسه ومقداره نحو:
رجل ورجلان ودرهم ودرهمان. وهذا بخلاف الجمع فإنه إذا اقتصر معه على الاسم كرجال مثلا جهل مقداره (١).
والحاصل: أنّ لفظ المفرد ولفظ المثنى يدلان على جنس المعدود وكميته فاستغني فيهما عن اسم العدد بخلاف لفظ الجمع فإنه وإن دلّ على الجنس لا يفيد الدلالة على الكمية. وأما المفرد الذي هو عشرون وثلاثون وأخواتهما، والأنواع الثلاثة الأخر فلا بدّ لها من تمييز؛ لأنّ اسم العدد إنما يفيد الكميّة فقط فيحتاج إلى ذكر ما يفيد الجنسية، فمن ثم كان ذكر التمييز لازما، ثم مميز المفرد الذي هو ألفاظ العقود ومميز المركب ومميز المعطوف واحد منصوب فهو تمييز اصطلاحي، كما أنه تمييز لغوي، ومميز المضاف مجرور فهو تمييز لغوي لا اصطلاحي (٢)، لكنه مع الثلاثة فما فوقها إلى العشرة مجموع، ومع المائة فما فوقها مفرد، هذا هو أصل الباب، وقد يقع الاستعمال بخلافه فيعدّ ذلك قليلا أو ضرورة كما ستقف عليه.
إذا عرف هذا فلنرجع إلى الشرح معتمدين كلام المصنف أولا فنقول: قد تناول قوله: مفسّر ما بين عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز: أحد عشر (٣) وإحدى -
стр. 2367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عشرة وتسعة وتسعين وتسعا وتسعين وما بينهما كقوله تعالى حكاية: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً (١) وكقوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما» (٢). ودلّ قوله:
واحد على أن جمعه وهو تمييز لا يجوز مطلقا. وزعم الزمخشري في الكشاف (٣) أنّ أَسْباطاً من قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً (٤) تمييز، ثم قال: فإن قلت: مميز ماعدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعا؟
وأجاب: بأن المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وأنّ كل قبيلة أسباط لا سبط، فأوقع أَسْباطاً موقع قبيلة، كما قال:
١٩٢١ - بين رماحي مالك ونهشل (٥)
انتهى (٦).
قال المصنف: فمقتضى ما ذهب إليه أن يقال: «رأيت إحدى عشرة أنعاما» إذا أريد: إحدى عشرة جماعة، كل واحدة منها أنعام، ولا بأس برأيه في هذا لو ساعده استعمال، لكن قوله: كل قبيلة أسباط لا سبط - مخالف لما يقوله أهل اللغة: إنّ السبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، فعلى هذا معنى وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ -
стр. 2368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَشْرَةَ أَسْباطاً [٣/ ١٠٤]: قطعناهم اثنتى عشرة قبائل، فأسباط واقع موقع قبائل، لا موقع قبيلة، فلا يصح كونه تمييزا، وإنما هو بدل، والتمييز محذوف (١).
وأجاز بعض العلماء أن يقول القائل: «عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا».
قاصدا أنّ لكل منهم عشرين درهما.
قال المصنف (٢): وهذا إذا دعت الحاجة إليه فاستعماله حسن وإن لم تستعمله العرب؛ لأنه استعمال لا يفهم معناه بغيره ولا يجمع مميز عشرين وبابه في غير هذا النوع فإن وقع موقع تمييز شيء منها جمع فهو حال أو تابع، كبني مخاض في قول ابن مسعود (٣): «قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض وعشرين بني مخاض وعشرين ابنة لبون وعشرين حقّة وعشرين جذعة» (٤) فـ (بني مخاض) نعت أو حال. انتهى.
والتمييز الذي ادّعى المصنف حذفه في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً هو (فرقة) ثم إنّ المصنف لم يبيّن المبدل منه ما هو، لكن بينه الشيخ فقال (٥): هو بدل من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ التقدير: وقطعناهم أسباطا، أي: قبائل، ولا يجوز أن يكون بدلا من المحذوف يعني التمييز الذي هو (فرقة)؛ لأنّ العامل إذ ذاك يكون هو العامل في المبدل منه، أو يقدّر له عامل مثله، فيلزم حينئذ ما فررنا منه (٦)، وكذا يقال في -
стр. 2369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: فـ (بني مخاض) نعت أو حال: إنه نعت لـ (عشرين) أو حال منها، والتمييز محذوف، التقدير: وعشرين جملا بني مخاض (١).
وقال أيضا (٢): الجمهور لا يجيزون الجمع في التمييز المنصوب بعد العدد، وذهب الفراء إلى أنّ ذلك جائز، فتقول: «عندي أحد عشر رجالا، وقام ثلاثون رجالا».
قال: ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً (٣). انتهى.
وأقول: إنني لم أتحقق ما قاله المصنف في «عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا» وهو أنه يفهم منه أنّ لكلّ رجل عشرين درهما. وقد نازع الشيخ في ذلك، قال (٤): لأنّ المفرد في عشرين درهما واقع موقع الجمع، فكما أنّ هذا المفرد لا يدل على ذلك المعنى فكذلك هذا الجمع لا يفيده، بل لو صرح فيه بالتركيب العربي الذي لا خلاف في جوازه، وهو أن يقال: «عندي دراهم عشرون، أو عندي عشرون من الدراهم لعشرين رجلا» لم يفد ذلك أنّ عنده لكل رجل عشرين درهما. ثم إنّ المصنف أشار بقوله: ويضاف غيره إلى مفسّره إلى المميز المجرور وهو مميز المضاف؛ لأن الضمير في (غيره) و (مفسّره) عائد على ما بين عشرة ومائة، فعلم منه تساوي المائة فما فوقها، والعشرة فما دونها في الإضافة إلى المفسّر (٥).
ثم ذكر أنّ المفسّر جمع أو مفرد مشيرا إلى ذلك بقوله: مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر ومفردا مع مائة فصاعدا فيقال: ثلاثة أيام، وثلاث ليال، وعشرة أشهر، وعشر سنين، ومائة دينار، وألف درهم، وكذا يقال في ما أشبه ما ذكرنا. نعم إن كان مفسر الثلاثة إلى التسعة مائة أفرد، فيقال: ثلاثمائة إلى تسعمائة بالإفراد، قال المصنف (٦): والقياس يقتضي أن يقال: ثلاث مئات أو مئين، كما يقال: ثلاثة -
стр. 2370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آلاف، إلّا أنّ العرب لا تجمع المائة إذا أضيف إليها عدد إلّا قليلا، كقول الشاعر:
١٩٢٢ - ثلاث مئين للملوك وفى بها ... ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم (١)
ومن أجل هذا الوارد بجمع قيّد إفراد (المائة) بقوله: غالبا، ثمّ أشار (٢) إلى أنّ المفسّر قد يجمع مع (المائة) وقد يفرد تمييزا، أي منصوبا، منبّها بذكر (قد) مع الفعلين، على أنّ ذلك قليل، فأما الجمع فكقراءة حمزة والكسائيّ: ثلث مائة سنين (٣) بإضافة (مائة) وأما الإفراد والنصب فنحو قول الربيع بن ضبع الفزاريّ (٤):
١٩٢٣ - إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب المسرّة والفتاء (٥)
-
стр. 2371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله - في رواية من نصب (مائة) - قول حذيفة (١) رضي الله تعالى عنه:
«فقلنا: يا رسول الله أتخاف علينا، ونحن ما بين السّتّ مائة، والسبع مائة» (٢) فأجرى الألف واللّام - في تصحيح نصب المميز - مجرى النّون، من «مائتين عاما»، لاستوائهما في المنع من الإضافة، قال المصنف: وهذا يقوّي ما ذهب إليه ابن كيسان، من جواز: الألف درهما، والمائة دينارا (٣)، قال: ويروى «ما بين الستّ مائة، إلى السبع مائة؟» بجرّ (مائة) وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون أراد (مئات) على (٤) أنه بدل، ثمّ استعمل المفرد مكان الجمع، على فهم المعنى، كما قيل في قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥).
والثّاني: أن يجعل الألف واللام زائدين، فلم يمنعا من الإضافة، كما لم يمنعا في قول الشاعر:
١٩٢٤ - تولي الضّجيع إذا تنبّه موهنا ... كالأقحوان من الرشاش المستقي (٦)
الثالث: أن يكون أراد ما بين الستّ ستمائة، ثم حذف المضاف، وأبقى عمله، -
стр. 2372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كقراءة بعض القراء: والله يريد الآخرة، (١)، أي: عرض الآخرة، فحذف المضاف، وأبقى عمله وحكى الكسائيّ أن من العرب من يضيف العشرين وأخواته إلى المفسّر منكرا أو معرّفا، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وربّما قيل: عشرو درهم، وأربعو ثوبه (٢) ومنهم [٣/ ٦٣] من ينصب مفسّر الثلاثة وأخواتها على التمييز، فيقول: لي خمسة أثوابا (٣)، وهو نظير قول الربيع:
١٩٢٥ - إذا عاش الفتى مائتين عاما
ونظيره: «ونحن ما بين الستّ مائة» بالنصب.
هذا ما ذكره المصنف (٤). ثم إنّنا نشير إلى أمور.
منها: أن تسأل عن الموجب لإفراد المائة المفسرة للعدد، من ثلاثة إلى تسعة ما هو؟ فأما بعضهم فإنه علّل ذلك بأنّ المائة جمع في المعنى، ولا يخفى أنّ هذا التعليل غير متّجه، لانتقاضه بالألف، فإنّه جمع في المعنى ومع هذا لا يفسّر به إلا وهو جمع، وقد ذكر الفارسيّ كلاما حسنا فقال: «والأصل فيما يبين العدد الإفراد؛ لأنّ المعدود قد علم قدره، وإنّما يحتاج إلى بيان جنسه، والواحد كاف في ذلك، ولفظه أخفّ من لفظ الجمع» (٥). -
стр. 2373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى ذلك جاء الاستعمال في ضروب العدد، إلا ما كان من الثلاثة إلى العشرة، فإنه يبين بجموع القلة؛ لأنّها تشبه الآحاد، من جهة تكسيرها تكسير الآحاد، وتحقيرها على لفظها، كما تحقّر الآحاد ومن جهة أنّها توصف بها الآحاد، نحو:
برمة أعشار، وثوب أخلاق (١)، ومن جهة عود الضمير المفرد المذكّر عليها، نحو قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ (٢)، ومما حسن تبيينها بها مناسبتها لها في القلة، ومما يبيّن لك أنّ الأصل في مفسّر الثلاثة إلى العشرة، التعيين بالمفرد أنّهم قد بيّنوا ضربا منها به، وذلك قولهم: ثلاثمائة، وأربعمائة، إلى الألف (٣)،
وقولهم: ثلاث مئين وثلاث مئات شاذّ في القياس، وإنّما يجيء في الشعر، وأما إضافة الثلاثة، وأخواتها إلى جمع الكثرة فقليل، وغيره مقيس. اه (٤).
ولكن قد تقدّم قول المصنف: والقياس يقتضي أن يقال: ثلاث مئات، أو مئين.
وقال سيبويه - رحمه الله تعالى -: وأما تسعمائة، وثلاثمائة فكان ينبغي أن يكون في القياس مئين، أو مئات، ولكنّهم شبهوه بعشرين، وأحد عشر، حين جعلوا ما يبين العدد واحدا؛ لأنه اسم لعدد، وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا، والمعنى جمع (٥). انتهى، وهو خلاف ما قاله الفارسيّ، وقد جمع النحاة بين القولين بأن قالوا: لنا قياسان (٦):
أحدهما: أصل، وهو أنّ أصل تمييز العدد أن يكون واحدا. -
стр. 2374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: أنهم حينما خالفوا هذا الأصل، فأضافوا (ثلاثة وتسعة)، وما بينهما إلى جمع صار هذا أصلا ثانيا، فلما أضافوا إلى المائة كان القياس فيها أن تجمع، فترك هذا القياس، وأضيفت إلى لفظ مائة مفردة.
وقد ذكر عن الفراء - في إفراد المائة، بعد اسم العدد من الثلاثة إلى التسعة - تعليل غير ذلك (١)، ولكنّي تركت ذكره خوف الإطالة.
ومنها: أنّه قد تقدمت الإشارة إلى أنّ مميز المائة قد يجمع، وعليه قراءة من قرأ:
ثلث مائة سنين (٢) وأما من قرأ بالتنوين (٣) فيكون إعراب سنين عطف بيان، أو بدلا (٤).
وقيل: ولا يجوز كونه تفسيرا؛ لأنّه يلزم منه أن يكون أقلّ ما لبثوا تسعمائة سنة، سوى التسع (٥)، وكأنّ مستند هذا القائل أنّ (سنين) جمع، وهو مفسر لـ ثَلاثَ مِائَةٍ، فكأنّه يقول: كلّ مائة سنة هي جمع، وأقلّ الجمع ثلاثة، فتعين أن يكون ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ تسعمائة سنة، ولا يخفى ضعف هذا التقدير. -
стр. 2375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنّ تمييز الثلاثة إلى العشرة لا يلزم ذكره مضافا إليه، بل قد يذكر بعد اسم العدد، مجرورا بـ (من) نحو: ثلاثة من الرجال، وقد يذكر تابعا لاسم العدد، نحو: ثلاثة قرشيّون، وقد نصّوا على أنّ الإتباع في نحو: ثلاثة
قرشيّون - يعنون في الصّفة - أحسن من الإضافة.
وقد ذكر ابن عصفور تقسيما، فقال: المعدود إمّا صفة أو جامد، فإن كان جامدا فالأحسن فيه الإضافة، نحو: «ثلاثة رجال»، ثم الفصل بـ (من) نحو: «ثلاثة من الرّجال»، ثم النصب على التمييز، نحو: «ثلاثة رجالا»، وإن كان صفة فالأحسن فيه الإتباع، نحو: «ثلاثة قرشيّون»، ثم يليه النصب على الحال من (ثلاثة) نحو: «ثلاثة قرشيّين»، ثمّ الإضافة، نحو: «ثلاثة قرشيين»، وهذا أضعفها، وسبب ضعفه استعمال الصفة استعمال الأسماء، يعني أن العامل أولها، ولا تستعمل الصفة استعمال الأسماء بقياس (١). انتهى.
وهو كلام مقبول، غير قوله: إنّ المعدود ينصب تمييزا نحو: «ثلاثة رجالا»؛ فإنّ ذلك لا يجوز عند البصريّين، وذكر الشيخ أنّ الفراء يجيزه قياسا (٢).
وقد ذكر سيبويه أنّ نحو: «ثلاثة أثواب»، قد تنوّن في الشّعر وينصب ما بعده (٣) ولم يجزه في الكلام (٤).
وأقول: إذا ورد نحو: «ثلاثة أثوابا» في الشّعر، أمكن أن يجعل (أثوابا) حالا -
стр. 2376
[أحكام خاصة بالتمييز «المفسّر»]
قال ابن مالك: (ولا يجمع المفسّر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة، من غير باب مفاعل إن كثر استعمال غيرهما، إلّا قليلا، ولا يسوّغ: ثلاثة كلاب ونحوه، تأوّله بثلاث من كذا، خلافا للمبرّد، وإن كان المفسّر اسم جنس، أو جمع فصل بـ «من» وإن ندر مضافا إليه لم يقس عليه، ويغني عن تمييز العدد إضافته إلى غيره).
ــ
من (ثلاثة) على حدّ قولهم: «عليه مائة بيضا» (١) وعلى هذا لا يتجه قول ابن عصفور: ثم النصب على التمييز، نحو: ثلاثة رجالا؛ لأنّ في هذا خرم القاعدة المستقرة، من أنّ مميز الثلاثة إلى العشرة لا ينصب (٢).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: لا تضاف الثلاثة وأخواتها إلى جمع تصحيح إلّا إن أهمل غيره، أو جاور [٣/ ٦٤] ما أهمل غيره فالأول نحو: سَبْعَ سَماواتٍ * (٣)، وتِسْعِ آياتٍ (٤) وخمس صلوات، والثاني نحو: وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ * (٥) فإنّه حقيق بأن يجيء على مثال (مفاعل)؛ لأنّه أولى مما واحده صالح له من جمع التّصحيح، كقوله تعالى: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (٦)، وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ (٧)، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ (٨)، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ (٩). -
стр. 2377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد يؤثر ما لا يماثل (مفاعل) من أمثلة الكثرة على جمع التصحيح، دون مجاور تقصد مشاكلته، نحو: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ (١).
وقد يؤثر مثال كثرة، على مثال قلة، لخروجه عن القياس، أو لقلّة استعماله، فالأول نحو: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٢)، والثاني
نحو: «ثلاثة شسوع».
فأوثر قُرُوءٍ على (أقراء)؛ لأنّ واحده (قرء) كـ: (فلس)، وجمع مثله على (أفعال) شاذّ (٣)، وأوثر (شسوع) على (أشساع) لقلّة استعماله، وإن لم يكن شاذّا؛ لأنّ واحده (شسع) وجمع مثله على (أفعال) مطرد، لكنّ أكثر العرب يستغنون في جمع (شسع) بـ (فعول) عن غيره (٤)، ومثل إيثار قُرُوءٍ على (أقراء)، لخروجه عن القياس، إيثار (شهداء) على (أشهاد) في قوله تعالى: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ (٥)؛ لأنّ واحد شُهَداءَ إمّا (شهيد) وإمّا (شاهد) ولكلّ واحد منهما نصيب في (أفعال) كـ (شريف) و (أشراف) و (صاحب) و (أصحاب)، وكلاهما شاذّ، فعدل إلى (فعلاء) لما عدل من (أقراء) إلى قُرُوءٍ (٦).
قال المبرد - في المقتضب -: فإن قلت: ثلاث حمير، وخمس كلاب جاز، على أنك تريد: ثلاثة من الحمير، وخمسة من الكلاب، وجعل من ذلك ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٧).
ولو جاز هذا لم يكن معنى في الحجر بجمع القلّة؛ لأنّ كلّ جمع كثرة صالح لأن يراد به مثل هذا، فكان يقال: ثلاثة فلوس، وثلاث دور، على تقدير: ثلاثة من الفلوس، وثلاث من الدّور، وإلى هذا أشرت بقولي: ولا يسوغ ثلاثة كلاب ونحوه، تأوّله بثلاثة من كذا، خلافا للمبرّد (٨).
وإن فسّر عدد باسم جنس، أو باسم جمع، لم يضف إليه إلّا بسماع، -
стр. 2378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كقوله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ (١) وكقوله ﵊:
«ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة» (٢) وكقول العرب: «خمسة رجلة» والأصل أن يجاء بمفسّر هذا النوع مقرونا بـ (من) نحو: ثلاثة من القوم، وأربعة من الحيّ، وخمسة من الركب، وعشرة من البطّ، قال الله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ (٣).
ويستغني العدد عن مفسّر بإضافته إلى غيره، كقولك: اقبض عشرتك، وعشري زيد؛ لأنك لم تضفه إلّا وهو عند السامع معلوم الجنس، فاستغنى عن مفسّر والله تعالى أعلم (٤). انتهى كلام المصنف.
وفي فهم المراد من قوله: ولا يجمع المفسّر إلى قوله: إلّا قليلا، قلق، وإن كان في شرحه له بعض إيضاح.
والذي تلخص لي منه (٥) ومن كلام الشّيخ ما أذكره: وهو إمّا أن يوجد للمعدود جمع تصحيح فقط، فيتعيّن، نحو: سَبْعَ سَماواتٍ * (٦) وسَبْعَ بَقَراتٍ * (٧) أو يوجد معه جمع تكسير وهو من باب (مفاعل) فيؤثر جمع التكسير المذكور عليه حينئذ، كـ: سَبْعَ سَنابِلَ (٨) و «ثلاث أحامد»، و «ثلاث زيانب»، والتصحيح قليل، بأن يقال: سبع سنبلات، وثلاث أحمدين، وثلاث زينبات، إلّا إن حصلت مجاورته لما أهمل فيه غير جمع التصحيح، فيؤثر - إذ ذاك - جمع -
стр. 2379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التصحيح على جمع التكسير، كـ: سَبْعَ سُنْبُلاتٍ * (١) بعد سَبْعَ بَقَراتٍ * (٢).
وإن كان جمع التكسير من غير باب (مفاعل) أوثر على جمع التّصحيح، والتصحيح قليل، كقوله تعالى: ثَمانِيَ حِجَجٍ (٣) وإن لم يوجد جمع تصحيح تعيّن التكسير.
ثم إن وجد أحد الجمعين من قلة، أو كثرة تعيّن، كـ: ثلاثة رجال وثلاث أرجل، وإن وجدا معا فجمع القلة يتعين في الأكثر، وقد يوقع موقعه جمع الكثرة، وفي الأكثر لا يعدل عن جمع القلّة إلى جمع الكثرة، إلا لخروج جمع (القلّة) عن القياس، أو لقلة الاستعمال، الأول: كـ قُرُوءٍ (٤)، والثاني: كـ «شسوع».
ويظهر لي أنّ قول المصنف - في الشرح -: «لا تضاف الثلاثة وأخواتها إلى جمع التصحيح إلا إن أهمل غيره، أو جاور ما أهمل غيره» لا يطابق قوله - في المتن -:
ولا يجمع المفسّر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة، من غير باب (مفاعل) إن كثر استعمال غيره، إلا قليلا؛ لأنّ هذا يفهم منه أنّ المفسر لهذه الكلمات قد يكون جمع تصحيح، مع وجود غيره، ولكنّه قليل، والظاهر أن الأمر على ما قاله في الشرح.
ثم إنّ كلام المصنف يعطي ظاهره أنّ الجمع من باب (مفاعل) تقدّم على غيره، وإن وجد غيره، مع أنّه جمع كثرة، وقد عرف أنّ جمع القلة إذا وجد كان هو المؤثر على جمع الكثرة، ومثل لذلك بـ: سنابل، وطرائق، وليال، ومساكن، فإن كانت مفردات هذه الكلمات الأربع جمعت جمع تكسير على غير هذه الصيغة - أعني (مفاعل) - تم كلام المصنف، لكن يحتاج إلى بيان الأمر المسوّغ لذلك. وإن كانت لم تجمع بهذه الصيغة، فلا وجه لاستثناء باب (مفاعل) وتخصيصه بالذّكر؛ لأنّ الكلمة إذا لم يكن لها إلّا جمع واحد، جمع كثرة كان، أو جمع قلّة، تعيّن.
وكلام الشيخ يقتضي أنّ الجمع بصيغة (مفاعل) يؤثر على جمع التصحيح فيقال: ثلاثة أحامد، وثلاث زيانب، ويجوز التصحيح على قلّة فيقال: ثلاثة أحمدين، وثلاث زينبات (٥) وهو عجب، فإنّه قال - قبل ذلك بأسطر -: إن -
стр. 2380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جمع التصحيح لا يضاف إليه، إلا إذا لم يكن لذلك المفرد جمع غير هذا الجمع (١)، فتبين مناقضة كلامه الثاني لكلامه الأول.
وبعد: فهذا الموضع لم يتحصل لي من كلام هذين الرجلين ضبطه على وجه منظوم، على أنّ ما ذكرته فيه للناظر الحاذق كفاية، ولا شكّ أنّ الأمر في ذلك قريب، وقد عرف من قول المصنّف: وإن كان المفسر اسم جنس أو جمع أنّ المراد بقوله:
مجموعا مع ما بين اثنين، وأحد عشر الجمع اللّغويّ، لا الجمع الاصطلاحيّ.
ويفهم من كلامه أنّ إضافة اسم العدد، إلى اسم الجنس، واسم الجمع لا تنقاس [٣/ ٦٥] وإنّما ذلك موقوف على السماع.
قال الشيخ: وهذا اتّبع فيه الأخفش (٢)، ثمّ ذكر أنّ في ذلك مذهبين آخرين:
أحدهما: أنه ينقاس. والثّاني: التفصيل، بين ما يستعمل من اسم الجنس للقلة، فيجوز: ثلاثة نفر، وثلاث ذود، وتسع رهط، أو يستعمل للكثير، أو للقليل والكثير، فلا يجوز. فلا يقال: ثلاثة بشر؛ لأنّ (بشر) تكون للكثير، ولا: ثلاثة قوم؛ لأنّ (قوم) تكون للقليل والكثير، وليس كذلك: رهط، وذود، ونفر؛ لأنّها لا تكون إلّا للقليل. انتهى. ويبعد أن يقوم دليل على ذلك. والذي ذكره المصنف هو المشهور المعروف، ولا ينبغي العدول عنه.
وقد قال ابن هشام (٣): ولا يجوز: خمسة قوم، وثلاثة إبل، وكذلك في الأجناس، وهي أسماء مفردة، وتكسّر كما تكسّر أسماء الجموع، فقد قالوا:
ذود وأذواد (٤)، ورطب وأرطاب، وعنب وأعناب، وطلح وطلاح (٥)، فصارت -
стр. 2381
[حذف تاء الثلاثة وأخواتها]
قال ابن مالك: (فصل: تحذف تاء الثّلاثة وأخواتها إن كان واحد المعدود مؤنّث المعنى حقيقة أو مجازا، أو كان المعدود اسم جنس أو جمع مؤنثا، غير نائب عن جمع مذكّر، ولا مسبوق بوصف يدلّ على التّذكير، وربّما أوّل مذكّر بمؤنّث، ومؤنّث بمذكر، فجيء بالعدد على حسب التأويل، وإن كان في المذكور لغتان، فالحذف والإثبات سيّان، وإن كان المذكور صفة نابت عن الموصوف اعتبر غالبا حاله لا حالها).
ــ
كالمفرد، فكما لا يضاف إلى المفرد، لا ينبغي أن يضاف إلى هذه» (١).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات، كـ: زمرة (٣)، وأمّة، وعصبة، وفرقة، وسربة (٤)، وفتية، وعشيرة، وقبيلة، وفصيلة، فالأصل أن تكون بالتاء، لتوافق الأسماء التي هي بمنزلتها.
فاستصحب الأصل مع المعدود المذكّر، لتقدّم رتبته، وحذفت التاء مع المعدود المؤنّث، لتأخّر رتبته (٥)، فقيل: ثلاثة أعبد، وثلاث جوار، والمعتبر من التأنيث -
стр. 2382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تأنيث المفرد (١)، لا تأنيث الجمع، سواء كان كل واحد منهما حقيقة أم مجازا، فلذلك يقال: ثلاثة سجلات، وعشرة دنينيرات، بثبوت التاء؛ لأنّ مفرديهما مذكّران (٢).
ولا يعتبر تأنيث المفرد إذا كان علما لمذكّر، نحو: طلحة، وسلمة؛ لأنّه تأنيث لا تعلق له بالمعنى لا حقيقة ولا مجازا؛ ولذلك لا يؤنث ضميره ولا ما يشار به إليه، فيقال: ثلاثة الطلحات لقيتهم، وثلاث المسلمات لقيتهن فتثبت التاء؛ لأنّ تأنيثه لمجرد اللّفظ، ومن أجل ذلك لا يؤنّث ضميره، ولا ما يشار به إليه، كقولك:
الطلحات ذهبوا، والمسلمات أتوا، ويقال في الثاني - وهو الذي يتعلق تأنيثه بالمعنى حقيقة أو مجازا -: ثلاثة الفتيات رقين عشر الدرجات (٣).
وإن كان مفسّر الثلاثة وأخواتها اسم جنس، أو جمع مؤنث، جيء بالمفسر مقرونا بـ (من)، وحذفت التاء من اسم العدد، إن وليه المفسر موصوفا، نحو: لي ثلاث من البط ذكور، أو غير موصوف، كـ: عندي خمس من النخل (٤) فإن توسط دليل تذكير لزم إثبات التاء، نحو: لي ثلاثة ذكور من البط، وأربعة فحول من الإبل، وإلى نحو هذا أشرت بقولي: ولا مسبوق بوصف يدل على التذكير (٥).
والحاصل: أنّ تاء الثلاثة وأخواتها تسقط لتأنيث واحد مفسرها، لا لتأنيثه نفسه، إن كان جمعا، ولتأنيثه نفسه دون تعرّض لواحد، إن كان اسم جنس، أو جمع. وأما قولهم: ثلاثة أشياء وثلاثة رجلة (٦)، ففيهما شذوذان: -
стр. 2383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدهما: الإضافة إلى المفسّر، وحقّه أن ينفصل مقرونا بـ (من) كسائر أسماء الأجناس.
الثاني: ثبوت التّاء في عددهما، والقياس الحذف؛ لأنّ اسم الجنس، أو الجمع لا يعتبر في التأنيث والتذكير حال واحده، وإنّما يعتبر فيها حاله، ولذلك يقال:
ثلاث من البطّ ذكور، وواحده بطّة ذكر، ومع ذلك لم يقل: ثلاثة بل قيل:
ثلاث، وقد وجّه ثبوت التاء، في عدد أشياء، ورجلة، بأنهما نائبان عن جمع مفرديهما على (أفعال)، فإنّ واحد (أشياء) شيء كـ (فيء) فقياسه أن يساويه في جمعه، وواحد (رجلة) راجل، فكان له نصيب من الجمع على (أفعال)، كما قيل: صاحب، وأصحاب، فعدل في جمع (شيء) من (أفعال) إلى (فعلاء)، ثم قدّمت لامه على فائه، فصار في الوزن (لفعاء) (١) استصحب منع صرفه لتأنيثه، ولزم التأنيث، وثبتت التاء في عدده، كما كانت تثبت مع المنوب عنه) وهو (أفعال)، وعدل في جمع (راجل) من (أفعال) إلى (فعلة) وتثبت تاء عدده أيضا، كما كانت تثبت مع المنوب عنه، وقد يؤوّل مذكر بمؤنث، فتسقط التاء، ومؤنث بمذكّر، فتثبت التاء (٢)، فالأول (٣) كقول الشاعر:
١٩٢٦ - وإنّ كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر (٤)
-
стр. 2384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله قول الآخر:
١٩٢٧ - فكان مجنّي دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر (١)
ومثال الثّاني (٢) قول الشاعر:
١٩٢٨ - ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد جار الزّمان على عيالي (٣)
ومثله (٤) قول الآخر:
١٩٢٩ - وقائع في مضر تسعة ... وفي وائل كانت العاشرة (٥)
أوّل (الأبطن) بـ (القبائل)، و (الشّخوص) بـ (الجواري)، فأسقط تاءي (عشرة)، و (ثلاثة)، وأول (الأنفس) بـ (أشخاص)، والوقائع بـ (مشاهد) فأثبت التاء، وقد يكون في المذكور لغتان، فيجوز في عدده وجهان كـ (حال) -
стр. 2385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (عضد)، و (لسان)، فإنّها تذكّر وتؤنث، فيقال - على لغة من ذكّر -:
ثلاثة أحوال، وثلاثة أعضاد، وثلاثة ألسنة (١).
ويكثر الوجهان في أسماء الأجناس المميز واحدها بالتاء، كبقر، ونخل، وسحاب، فيقال - على لغة من ذكّر -: لزيد ثلاثة من البقر، وثلاثة من النخل، وسقيت أرضا بثلاثة من السحاب، ويقال - على لغة من أنّث -: ثلاث، وإن كان المذكور صفة قامت مقام موصوفها اعتبر في الغالب حال موصوفها، لا حالها (٢) فنقول: ثلاثة ربعات - بإثبات التاء - إذا أردت رجالا، وثلاث ربعات - بإسقاطها - إذا أردت نساء، ومن اعتبار حال الموصوف قوله تعالى:
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (٣) فلولا قصد [٣/ ٦٦] الحسنات لقيل:
عشرة أمثالها؛ لأنّ واحد الأمثال مذكر.
ومن العرب من يسقط تاء العدد المضاف إلى (دوابّ) لتأنيث لفظها، مع قصد تذكير الموصوف؛ لأنّ الدابة جرت مجرى الأسماء الجامدة، فاعتبر في العدد لفظها، ومنها احترزت بقولي: اعتبر غالبا حاله، لا حالها (٤). انتهى كلام المصنّف.
ولا بدّ من الإشارة إلى أمور:
منها: أنّ العلة التي أشار إليها المصنف أنّها موجبة لإثبات تاء الثلاثة وأخواتها، إذا كان المعدود بها مذكرا، وحذفها إذا كان مؤنثا هي العلة المعروفة، وهي أن أسماء العدد مصحوبة بالتاء وضعا، قبل أن يذكر معها معدود بدليل أنّك تقول: ستّة ضعف ثلاثة، وأربعة نصف ثمانية فكأنّ ذكرها مصحوبة بالتاء هو الأصل، ولا شكّ أنّ المذكر هو الأصل بالنسبة إلى المؤنث، فناسب أن يكون الأصل للأصل، والفرع للفرع (٥)، ومن ثمّ لم يحتج المصنف إلى أن يذكر إثبات التاء في هذه الكلمات مع -