← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٣٠٦ - لقد علمت أولى المغيرة أنّني ... كررت فلم أنكل عن الضّرب مسمعا (١) وقال الآخر: ٢٣٠٧ - ضعيف النّكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل (٢) انتهى كلام المصنف (٣) واعلم أن المضاف لا خلاف في إعماله، وأما المنون فنقل عن الكوفيين أنه لا يعمل، وأن العمل إنما هو لعامل مقدر بعده، وأما المعرف بـ «أل» فذكر الشيخ فيه أربعة مذاهب: أحدها: أنه لا يجوز إعماله، وهو مذهب الكوفيين، والبغداديين، وجماعة من البصريين، منهم ابن السراج (٤)، وما ظهر بعده من معمول فهو العامل يفسره المصدر كما قالوا في المنوّن (٥). -

стр. 2802

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثاني: أنّه يجوز دون قبح وهو مذهب سيبويه، ونقل عن الفرّاء (١). الثالث: أنه يجوز على قبح، وهو مذهب الفارسي، وجماعة من البصريين (٢). الرابع: التفضيل بين أن يعاقب الضمير «أل» فيجوز إعماله، أو لا يعاقب، فلا يجوز، وهو مذهب ابن الطراوة (٣)، وأبي بكر بن طلحة، فمثال المعاقب: إنّك والضرب خالدا لمسيء إليه، أي: إنك وضربك خالدا لمسيء إليه، ومثال غير المعاقب: عجبت من الضرب زيدا عمرا، قال (٤) وهذا هو المذهب الصحيح، قال: وفي كلام بعض أصحابنا أنّ الكوفيين منهم من يرى أن المصدر لا يعمل، على كل حال، وما وجد بعده من العمل فبفعل دلّ هو عليه، وذكر أن مذهب الزجاج، والفارسي، والأستاذ أبي علي أنّ إعمال المنوّن أقوى، ومذهب الفارسي أنّ الأحسن المضاف، ثم المنوّن (٥). وذهب ابن عصفور إلى أن إعمال المقترن بـ «أل» أقوى من إعمال المضاف في القياس (٦)، واختار الشيخ ما اختاره المصنف، من أن إعماله مضافا أحسن من -

стр. 2803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قسميه، وإعمال المنوّن أحسن من إعمال ذي «أل» إلا أنّ المصنف عبر بالأكثريّة، دون الأحسنية. قال المصنف: ومن النحويين من يزعم أنّ العمل بعد المقترن بالألف واللّام لفعل مضمر فيقدر في قوله: «عن الضرب مسمعا»: ضربت مسمعا وهو اسم رجل، ويقدّر في: ٢٣٠٨ - ضعيف النّكاية أعداءه ... ... ينكي أعداءه، وهذا - مع ما فيه من التكلف مردود بإتيان النصب في مواضع، لا يصلح فيها إتيان فعل كقول كثير: ٢٣٠٩ - يلوم امرأ في عنفوان شبابه ... وللتّرك أشياع الضّلالة حين (١) وكقول الآخر: ٢٣١٠ - فإنّك والتّأبين عروة بعد ما ... دعاك وأيدينا إليه شوارع لكالرّجل الحادي وقد تلع الضّحى ... وطير المنايا فوقهنّ أواقع (٢) وأنشد الشيخ - في شرحه - (٣) البيتين المتقدمين أوّلا، وهذه الأبيات، وقول أمية ابن أبي عائذ: -

стр. 2804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٣١١ - فأصبحن ينشرن آذانهنّ ... في الطّرح طرفا يمينا شمالا (١) وقول عليّ بن أميّة: ٢٣١٢ - وداعي الصّباح يطيل الصّياح ... السّلاح السّلاح فما يستفيق (٢) وقول الأخطل: ٢٣١٣ - فإنّك والتّكليف نفسك دارما ... كشيء مضى لا يدرك الدّهر طالبه (٣) وقول الآخر: ٢٣١٤ - فإن لا يكن جسمي طويلا فإنّني ... له بالفعال الصّالحات وصول (٤) -

стр. 2805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الآخر: ٢٣١٥ - وقد يحسن التّيميّ عقد لجامه ... ولا يحسن العقد القلادة بالمهر (١) وقول الآخر: ٢٣١٦ - ... وكيف التّوقّي ظهر ما أنت راكبه (٢) وقول الآخر: ٢٣١٧ - قلّ الغناء إذا لاقى الفتى تلفا ... قول الأحبّة لا يبعد وقد بعدا (٣) أي: قلّ أن يغني قول الأحبّة شيئا إذا لاقى الفتى تلفا، رفع به الفاعل، ونصب به الظّرف، وحذف المفعول المنصوب، وهو «شيئا». -

стр. 2806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ (١): فهذه مصادر معرفة بـ «أل» وهي معاقبة فيها للضمير، فانتصب بعدها المفعول، التقدير: فلم أنكل عن ضربي مسمعا، وضعيف نكايته أعداءه، وفي طرحهنّ طرفا، وصياحه السلاح السلاح، وتركه أشياع، وتكليفك نفسك، وتأبينك عروة، وبفعلي الصّالحات، وعقده القلادة، وتوقيك ظهر، قال: ولم يرد ما ظاهره رفع الفاعل، بعد المصدر المعرّف بـ «أل» فيما وقفنا عليه، غير بيت واحد وهو قول الشاعر: ٢٣١٨ - عجبت من الرّزق المسيء إلهه ... وللتّرك بعض المحسنين فقيرا (٢) وأنكر بعضهم (٣) أن يكون «رزق» - بكسر الراء - مصدرا، وقال: الرزق بمعنى المرزوق كالرعي، والطحن، فإنّ ثبت هذا؛ فينتصب «المسيء» ويرتفع «إلهه» بإضمار فعل يفسره الرزق، أي يرزق المسيء إلهه (٤). انتهى. ونبه المصنف بقوله: ويضاف إلى المرفوع، أو المنصوب، ثمّ يستوفى إلى آخره، على أنّه إذا أضيف المصدر إلى مرفوع، كان في الأصل مبتدأ، لم يجز حذف المنصوب، كما لم يجز حذفه مع الفعل، نحو: عرفت كون زيد صديقك، وكذا إذا أضيفت إلى منصوب، هو في الأصل مبتدأ، أو خبر؛ لا يجوز الاكتفاء به، بل لا بدّ من ذكر الجزء الثاني، كما كان في الفعل، وذلك نحو قولك: عرفت كون صديقك زيد، وتبينت ظنّ عمرو عدوك؛ فيمتنع حذف ما بعد المجرور في ذا وأمثاله، كما يمتنع في الفعل؛ لأنه خبر ومخبر عنه، فإن لم يكن المنصوب بعد الإضافة خبرا، ولا مخبرا عنه، فحذفه جائز، كما كان في الفعل نحو: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي (٥)، وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ (٦)، وَكَذلِكَ -

стр. 2807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ [٣/ ١٦٧] الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١)، وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ (٢)، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ (٣). وذكر المفعول كثير: لقوله تعالى: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ (٤)، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ * (٥)، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ (٦)، عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ (٧)، وإن كانت إضافة المصدر إلى منصوب، ليس في الأصل خبرا، ولا مخبرا عنه، استغنى عن ذكر الفاعل بعده، في الكثير الأغلب. قال المصنف (٨): وكذا لم يجئ في القرآن العزيز رفعه بعد الإضافة، إلا في رواية، عن ابن عامر أنّه قرأ: ذكر رحمت ربك عبده زكرياء (٩) بضم الدال والهمزة (١٠)، وجاء الاستغناء عنه كثيرا نحو: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ (١١)، وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ (١٢)، وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ (١٣)، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى (١٤)، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ (١٥). ومن ذكر الفاعل مرفوعا بعد الإضافة إلى المفعول به قول النّبي ﷺ : «وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا» (١٦) فـ «من» في موضع رفع بـ «حج» ويمكن أن يكون مثله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (١٧) على تقدير: -

стр. 2808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولله على الناس أن يحجوا البيت من استطاع (١). قال المصنف: والمشهور جعل (من) بدلا من (الناس) (٢)، وأنشد المصنف شاهدا على رفع المصدر الفاعل بعد الإضافة قول الشاعر: ٢٣١٩ - ألا إنّ ظلم نفسه المرء بيّن ... إذا لم يصنها عن هوى يغلب العقلا (٣) وقول الآخر: ٢٣٢٠ - أمن رسم دار مربع ومصيف ... بعينيك من ماء الشّؤون وكيف؟ (٤) وقول الآخر: ٢٣٢١ - ردّ إضنائك الغرام الذي كان ... عذولا ممهّدا لك عذرا (٥) والحاصل: أنّ استعمال المصدر مضافا إلى الفاعل ناصبا بعده المفعول به أكثر من -

стр. 2809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ استعماله مضافا إلى المفعول، رافعا بعده الفاعل، واعلم أنّ المصدر يضاف إلى الظرف كثيرا، نحو قوله تعالى: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (١)، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (٢)، فَصِيامُ شَهْرَيْنِ * (٣)، بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (٤). وذلك مقرر في غير هذا الباب (٥)، وإنما المراد هنا أنه - بعد إضافته إلى الظرف يجوز أن يجيء بعده بالفاعل والمفعول معطيين الرفع والنصب، نحو: عرفت انتظار يوم الجمعة زيدا عمرا، وإلى ذلك الإشارة بقوله: فيعمل بعده عمل المنوّن. قال المصنف (٦): ذكر ذلك سيبويه، غير مستشهد بشيء (٧)، وقال - في شرح الكافية -: وقد يضاف إلى الظرف؛ توسّعا، فيعمل فيما بعده الرفع، والنصب، كقولك: حبّي يوم عاقل لهو صبا، وهو نظير قولهم: يا سارق الليلة أهل الدّار (٨) أشار إلى ذلك سيبويه (٩) وغيره، من المحققين (١٠). قال الشيخ: ومن منع ذكر الفاعل، والمصدر المنوّن؛ منع هذه المسألة ونحوها (١١) اهـ.

стр. 2810

[إتباع مجرور المصدر لفظا أو محلّا ما لم يمنع مانع] قال ابن مالك: (ويتبع مجروره لفظا، ومحلّا، ما لم يمنع مانع، فإن كان مفعولا، ليس بعده مرفوع بالمصدر جاز في تابعه الرّفع، والنّصب، والجرّ). قال ناظر الجيش: المجرور بالمصدر إمّا مرفوع الموضع، وإما منصوب الموضع فلك في التابع من نعت أو معطوف وغيرهما أن تجره، حملا على اللفظ، وهو الأجود، ولك أن ترفعه حملا على الموضع؛ إن كان المجرور مرفوع الموضع، وأن تنصبه إن كان المجرور منصوب الموضع، فأما الجر فمستغن عن شاهد، وأما الرفع فمن شواهده في النعت قول الشاعر: ٢٣٢٢ - لقد عجبت وما في الدّهر من عجب ... أنّى قتلت، وأنت الحازم البطل؟ السّالك الثّغرة اليقظان سالكها ... مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل (١) الفضل: اللابسة ثوب الخلوة، وهو نعت «الهلوك» على الموضع؛ لأنها فاعل المشي، ومن شواهده في العطف قراءة الحسن رضي الله تعالى عنه: (أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون) (٢) وقول الشّاعر: -

стр. 2811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٣٢٣ - يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصّالحون على سمعان من جار (١) وأمّا النصب فمن شواهده في النّعت قول الرّاجز: ٢٣٢٤ - ما جعل امرأ لقوم سيّدا ... إلّا اعتياد الخلق الممجّدا (٢) ومن شواهده في العطف قول زياد العنبري: ٢٣٢٥ - قد كنت داينت بها حسّانا ... مخافة الإفلاس والليّانا (٣) وقول الآخر: ٢٣٢٦ - هويت ثناء مستطابا مؤبّدا ... فلم تخل من تمهيد مجد وسؤددا (٤) وجعل المصنف قوله: ما لم يمنع مانع قيدا في الحمل على اللفظ خاصة، وكأنه احترز به من نحو: يعجبني إكرام زيد وأنت عمرا، وأكره ضرب زيد وإياك عمرو؛ فإنّ الإتباع على اللفظ يتقدر في المثالين، واعلم أنّ المصنف لا يعتبر المحرز في مراعاة -

стр. 2812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الموضع، ولذلك أجاز الإتباع على المحلّ ههنا، وأما من يعتبر المحرز فلا يجوز. وذكر الشيخ - في مراعاة المحلّ، في هذا الباب ثلاثة مذاهب (١): أحدها: مذهب سيبويه، والمحققين، من البصريين، من أنّه لا يجوز (٢). الثاني: مذهب الكوفيين، وجماعة من البصريين: أنّه يجوز، إلا أن الكوفيين - في الإتباع على محل المفعول المجرور - يلتزمون ذكر الفاعل، ولا يجيزون حذفه، فيقولون: عجبت من شرب الماء واللبن زيد (٣). الثّالث: مذهب الجرمي، وهو التفصيل، فأجاز ذلك في العطف، والبدل، ومنعه في النعت، والتوكيد، وحجّته أنّ العطف والبدل عنده من جملة أخرى، فالعامل في الثاني غير العامل في الأول، وأما النعت، والتوكيد، فالعامل فيهما واحد وهما شيء واحد ومحال أن يكون الشيء مجرورا مرفوعا، أو مجرورا منصوبا. ثم قال الشيخ: وظاهر ما ورد عن العرب يجوز الإتباع على المحل، ويحتاج مانع ذلك إلى تأويل، وقد تؤول على إضمار عامل في العطف، رافع أو ناصب (٤). وأمّا في النّعت فقال الشيخ: إنّ بعضهم تأول الرفع في «الفضل» على أنه على الجوار، كالخفض في: هذا حجر ضبّ خرب (٥). انتهى. وأما النصب في البيت المتقدم، وهو: ٢٣٢٧ - ... إلّا اعتياد الخلق الممجّدا [٣/ ١٦٨] فيمكن أن يكون بفعل مقدّر، ولا شكّ أنّ التأويل خلاف الأصل، -

стр. 2813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما لم يقصد قال المصنف (١): ونبهت بقولي: (فإن كان مفعولا ليس بعده مرفوع بالمصدر) على جواز ثلاثة أوجه، في تابع المجرور، من نحو: عرفت تطليق المرأة، فلك في نعت المرأة، والمعطوف الجرّ على اللفظ، والنصب على تقدير المصدر بفعل الفاعل، والرفع على تقديره بفعل ما لم يسم فاعله. وفي الحديث: «أمر بقتل الأبتر وذو الطفيتين» (٢)، على تقدير: أمر بأن يقتل الأبتر وذو الطّفيتين. انتهى. وهذا بناء من المصنف على جواز أن ينحلّ المصدر بحرف مصدري، والفعل لم يسمّ فاعله، وهو رأي الجمهور، فيجوز أن تقول: عجبت من جنون بالعلم زيد، ومن أكل الطعام، أي: من الذي أن يجنّ بالعلم زيد، ومن أن أكل الطعام، وجوّزوا في: عجبت من ضرب زيد؛ أن يكون فاعلا بالمصدر، أو مفعولا لم يسمّ فاعله. وذكر ابن أبي الربيع - رحمه الله تعالى - أنّ مذهب أكثر النحويين أنّه لا يجوز أن يكون مع المصدر المفعول الذي لم يسمّ فاعله، وأنّه لا يكون المفعول به مع المصدر إلّا منصوبا، وهو مذهب الأخفش، وإليه كان الأستاذ أبو عليّ يذهب (٣). قال الشيخ: وفي الإفصاح أجاز جماعة أن يذكر مرفوعا ويقدّر بـ «أنّ» والفعل المسند للمفعول، ومن الناس من منعه، وهو الصّحيح؛ لأنّ ما يرفع الفاعل من الفعل والصفة لا يكون على صيغة ما يرفع المفعول، والمصادر لا تختلف صيغتها، فلا يصحّ فيها ذلك، وكان ابن خروف يقول: يجوز ذلك إذا لم يقع لبس، وهذا كله خطأ؛ لأنه لم يسمع، والقياس يبطله (٤). انتهى. وأنشد الشيخ في شرحه دليلا على الجواز قول الشاعر: -

стр. 2814

[عمل اسم المصدر وأحكامه] قال ابن مالك: (ويعمل عمله اسمه غير العلم، وهو ما دلّ على معناه وخالفه بخلوّه - لفظا وتقديرا دون عوض - من بعض ما في فعله، فإن وجد عمل بعد ما تضمّن حروف الفعل من اسم ما يفعل به، أو فيه، فهو لمدلول به عليه). ــ ٢٣٢٨ - إنّ قهرا ذوو الضّلالة والبا ... طل عزّ لكلّ عبد محقّ (١) تقديره: أن يقهر ذوو الضّلالة. ونقل عن الكسائي أنّه لا يجوز ذلك إلّا حيث كان لا يلبس (٢) وقال - في ارتشاف الضرب -: الذي أختاره أنه إن كان المصدر لفعل لم ينطق به إلّا مبنيّا للمفعول جاز ذلك، نحو: عجبت من جنون بالعلم زيد (٣). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): «من الأسماء ما يقال له: اسم المصدر، وهو ضربان: علم، وغير علم. فالعلم: ما دلّ على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام، لتضمن الإشارة إلى حقيقته كيسار وبرة، وفجار، فهذه وأمثالها لا تعمل عمل المصدر؛ لأنها خالفت المصادر الأصلية بكونها لا يقصد بها الشياع، ولا تضاف ولا تقبل الألف واللام وتوصف، ولا تقع موقع الفعل، ولا موقع ما يوصل بالفعل، ولذلك لم تقم مقام المصدر الأصلي في توكيد الفعل وتبيين نوعه أو مراته. وغير العلم: ما ساواه في المعنى والشياع وقبول الألف واللام والإضافة والوقوع موقع الفعل وموقع ما يوصل بالفعل، وخالفه بخلوه لفظا وتقديرا دون عوض من بعض ما في الفعل، كـ: «وضوء وغسل»؛ فإنهما مساويان لـ «التوضؤ والاغتسال» -

стр. 2815

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في المعنى والشياع وجميع ما نفي عن العلم وخالفاه بخلوّهما دون عوض من بعض ما في فعليهما وهما «توضأ واغتسل». وحق المصدر أن يتضمن حروف الفعل بمساواة: كتوضأ توضؤا، أو بزيادة عليه، كـ: أعلم إعلاما، ودحرج دحرجة، وقلت: «لفظا وتقديرا»؛ احترازا من «فعال»، مصدر «فاعل»، كـ: «قتال»؛ فإنه مصدر مع خلوّه من المدّة الفاصلة بين فاء فعله، وعينه؛ لأنّها حذفت لفظا، واكتفي بتقديرها بعد الكسرة، وقد تثبت فيقال: قيتال، وقلت: (دون عوض) احترازا من: «عدة» فإنّها مصدر «وعد» ومع خلوه من الواو؛ لأنّ التاء التي في آخره عوض منها، فكأنها باقية، وكذا «تعليم» فإنّه مصدر «علّم» مع خلوه من التضعيف، لكن جعلت التاء في أوله عوضا من التضعيف فكأنه باق. ولذلك إذا جيء بالمصدر مضعّفا كـ: «كذّب كذّابا»، استغني عن التاء، ونسب التعويض إلى تاء «تعليم»، دون يائه؛ لأنّ ياءه مساوية لألف «إكرام، واستماع، وانطلاق، واستخراج» ونحوهما، من المرّات التي قصد بها ترجيح المصدر على لفظ الفعل الزائد على ثلاثة أحرف، دون حاجة إلى تعويض، ومن المحكوم بمصدريته مع خلوه من بعض حروف فعله «كينونة»، أصله: كينونة، ثمّ عومل معاملة «ميّت» إذا قيل: ميت، فحذفت عينه، وعوّض منها التاء. ومن المحكوم بمصدريّته: «ثواب وعطاء» أصلهما: «إثواب، وإعطاء»، وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، والمصدريّة باقية، ومن المحكوم بمصدريته، أيضا: «طاعة، وطاقة، وجابة»، والأصل: «إطاعة، وإطاقة، وإجابة»؛ لأنها مصادر: «أطاع، وأطاق، وأجاب»؛ فحذفت الهمزة، واكتفي بالتقدير، فهذه وأمثالها مصادر لقرب ما بينها وبين أصلها، بخلاف ما بينه وبين الأصل بعد وتفاوت، كـ: «عون، وعشرة، وكبر، وعمر، وغرق، وكلام»، بالنسبة إلى: «إعانة، ومعاشرة، وتكبر، وتعمير، وتكليم»؛ فهذه وأمثالها أسماء مصادر. وأمّا ما ليس فيه إلا غرابة وزنه، كـ: «دعاية»، ورهب، وعلوّ»، فهو مصدر، وجعله اسم مصدر تحكم بغير دليل، ومن إعمال «ثواب» قول حسان ﵁: -

стр. 2816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٣٢٩ - لأنّ ثواب الله كلّ موحّد ... جنان من الفردوس فيها يخلّد (١) ومن إعمال «عطاء» قول القطامي: ٢٣٣٠ - أكفرا بعد ردّ الموت عنّي ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا (٢) ومن إعمال اسم المصدر حديث الموطأ: «من قبلة الرّجل امرأته الوضوء» (٣) ومنه قول الشّاعر: ٢٣٣١ - إذا صحّ عون الخالق المرء لم يجد ... عسيرا من الآمال إلّا ميسّرا (٤) ومنه قول الآخر [٣/ ١٦٩]: ٢٣٣٢ - بعشرتك الكرام تعدّ منهم ... فلا ترين لغيرهم الوفاء (٥) -

стр. 2817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الآخر: ٢٣٣٣ - قالوا: كلامك دعدا وهي مصغية ... يشفيك؟ قلت: صحيح ذاك لو كانا (١) انتهى (٢). وهو كلام جيد، لكن لم يظهر لي ما الموجب لتفرقته بين «طاعة» وما معها وبين «عون» وما معه؛ إذ حكم بالمصدرية على الألفاظ الأولى دون الآخرة، إلا أن تقول: إنّه لم يحذف من «طاعة» ونحوها سوى الهمزة، ولم يحصل في الكلمة مع الحذف تغيير، فكانت قريبة من أصلها، بخلاف «عون» و «عشرة» وما معهما، فإنّ المحذوف من كلّ منهما حرفان، مع ما حصل من التغيير في اللفظ أيضا، ولهذا جعل «ثوابا» مصدرا والعلة الحذف، وعدم التغيير، وجعل «كلاما» اسم مصدر، لكثرة الحذف، وحصول التغيير. ولم يذكر المصنف اسم المصدر، نحو: «مفعل» من الثلاثي، كـ: «مضرب، ومقتل»، وما كان على صيغة اسم المفعول ممّا زاد على الثلاثة، نحو: «مكرم، ومستخرج»، لم يشملها الحدّ الذي ذكره لاسم المصدر أيضا، فدلّ على أنّ ذلك عنده من قبيل المصدر، وبذلك يشعر كلامه في باب أبنية المصادر، وجعل ولده الإمام بدر الدين بن مالك نحو: «مضرب» اسم مصدر، لا مصدرا (٣)، ووافقه الشيخ على ذلك (٤) وظهر من كلام المصنف: أنّ الفارق بين المصدر واسمه أمر لفظيّ، وأنهما في المعنى متفقان، فمدلولهما واحد وجعل الشيخ بهاء الدين بن النحاس، رحمه الله تعالى، مسمّى المصدر لفظا، ومسمّى اسم المصدر معنى، -

стр. 2818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقال: المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان، وغيره، كقولنا: إنّ «ضربا» مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرا، فيكون مدلوله معنى، وسمّوا ما يعبّر به عنه مصدرا مجازا، نحو: شرب، في قولنا: إنّ شربا مصدر منصوب، إذا قلنا: ضربت ضربا فيكون مسمّاه لفظا. واسم المصدر اسم للمعنى الصّادر عن الإنسان وغيره: كـ: «سبحان»، المسمّى به التسبيح، الذي هو صادر عن المسبح، لا لفظ «ت س ب ي ح» بل المعنى المعبّر عنه بهذه الأحرف، وهو البراءة والتنزيه، وأسند ذلك بقول الزمخشري في باب العلم، وقد أجروا المعاني في ذلك، أي في موضع الإعلام مجرى الأعيان، فسمّوا التسبيح بـ «سبحان»، قال: فنص على المسمّى هنا معنى، لا لفظا. انتهى كلام الشيخ بهاء الدّين. فعلى هذا؛ الفارق بينهما أمر معنوي (١). وقال الشيخ: اسم المصدر شيئان: أحدهما: ما ينقاس بناؤه من الثلاثي على «مفعل» وممّا زاد على صيغة اسم المفعول، وهذا يعمل عمل المصدر ويجري مجراه في جميع أحكامه. الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر، كـ: «الثّواب، والعطاء، والدّهن، والخبر، والكلام، والكرامة، والكحل، والرعي، والطّحن» ونحوها، من الأسماء التي أخذت من موادّ الأحداث، قال: فهذه وضعت لما يثاب به، ولما يعطى، ولما يدهن به، ولما خبز، وللجمل المقولة، ولما يكرم به، ولما يكحل به، ولما يرعى، ولما يطحن، فالبصريّون لا يعلمون شيئا من هذه، وأجاز الكوفيّون والبغداديّون الإعمال. واستثنى الكسائيّ ثلاثة ألفاظ، فلم يعملها، وهي: «الخبز، والقوت، والدّهن»، ثمّ قال: فـ «ثواب» اسم مصدر، وكذا «عطاء» خلافا للمصنف، وأمّا «عون، وعشرة، وكبر، وغرق، وكلام» فمصادر جاءت على غير قياس، لا أسماء مصادر، خلافا للمصنف أيضا (٢). انتهى. وقد تقدم من كلامه أنّ «كلام» اسم مصدر، فيناقض قول فيه، وأفهم كلامه -

стр. 2819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنّ اسم المصدر، غير المسمّى عنده، هو ما كان اسما لما يفعل به، وفيه بعد. ولقائل أن يقول: إن نحو: «ثواب، وعطاء»، إذا أريد بهما ما يفعل، فإنما هو من إطلاق المصدر، مرادا به المفعول، لا أنها في الأصل أسماء له، واعلم أنّ كلام المصنف يقتضي أنّ اسم المصدر يعمل كالمصدر. وقال ابن عصفور: لا يجيز البصريون ذلك إلا حيث سمع وأما الكوفيّون فيجيزون العمل قياسا مطردا (١)، وأشار المصنف بقوله: (فإن وجد عمل) إلى أنّ ما يضمّن حروف الفعل من اسم ما يفعل به أو فيه لا يعمل، فإن وجد بعد شيء منه عمل، أضمر له عامل من معناه كقولك: أعجبني دهن زيد لحيته، وكحل هند عينها. قال المصنف: فقد روي مثل هذا عن العرب وجعل النصب فيه بعامل مضمر كأنّه قيل: دهن لحيته وكحلت عينها (٢). انتهى. فهذا مثال ما يفعل به، ومثال ما يفعل فيه قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٣)؛ لأنّ الكفات ما يكفت فيه الأشياء، أي: يجمع ويحفظ، فكان ذكره منها على فعله، أو ما هو بمنزلة فعله، فكأنّه قيل: يكفت أحياء وأمواتا. قال المصنف: ولك أن تنصب أَحْياءً وَأَمْواتاً، على التمييز؛ لأنّ كفات الشيء مثل وعائه، والموعى ينتصب بعد الوعاء على التمييز. وأمّا قول الشاعر: ٢٣٣٤ - كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها ... عليه قضيم نمّقته الصّوانع (٤) -

стр. 2820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال المصنف: يحتمل أن يكون من هذا، وتجعل «المجرّ» موضع «الجر»، أي تجعله اسم مكان، كأنه قال: كأنّ مهبّ الرامسات جارة ذيولها عليه، فحذف العامل، وأبقى العمل، ويحتمل أن يكون المجرّ مصدرا، والتقدير: كأنّ موضع مجرّ الرامسات؛ ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، وجاء الخبر على وفق المحذوف، والعمل «المجر»؛ لأنه بمعنى «الجرّ». ومثله قول الآخر: ٢٣٣٥ - كأنّ مجرّه الأبطال قسرا ... إلى أشباله حطب رفيت (١) ولنختم الفصل بفوائد: الأولى: اختلفوا في حذف المصدر المنحلّ، وإبقاء معموله، فأجازه بعضهم، ومنعه البصريون؛ لأنّه موصول، والموصول لا يحذف. واستدلّ المجيز بقوله تعالى: هل تستطيع ربك (٢) [٣/ ١٧٠] على قراءة الكسائي، التقدير: هل تستطيع سؤال ربك، و (أن ينزل) معمول السؤال المحذوف، ولا يتعلق بـ (يستطيع؛) لأنّ الفعل للغير، ولا يقال: هل يستطيع أن يقوم زيد؛ فهو متعلق بالسؤال المحذوف (٣). الثانية: ما جاء من المصادر يجوز إعماله، والمراد به التكثير نحو قوله: -

стр. 2821

[المصدر الكائن بدلا من الفعل موافقته متعديا والاختلاف في قياسه] قال ابن مالك: (فصل: يجيء بعد المصدر الكائن بدلا من الفعل معمول عامله على الأصحّ البدل لا المبدل منه؛ وفاقا لسيبويه والأخفش). ــ ٢٣٣٦ - وما زال تشرابي الخمور ... (١) الثالثة: المصدر يأتي دلالة على الماهية فلا يعمل، نحو: العلم حسن، ولا يقضي على ما أضيف هو إليه، ونحو: علم زيد يعجبني؛ يرفع، ولا ينصب، فهو نظير قولك: خاتم زيد يعجبني، ولا يؤكد هذا المصدر. الرابعة: نقل عن صاحب النّهاية أنّه قال: إذا قلت: أتيته ركضا، إن فرّعت على مذهب البصريين، وهو أنّ «ركضا» في معنى «راكض» جاز إعماله، فتقول: أتيته ركضا فرسي، وإن فرعت على قول أبي علي في الإيضاح لم يجز إعماله؛ لأنه كان يكون كـ: «ضربت ضربا». قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام عن النوع الأول من المصدر شرع في ذكر النوع الثاني وهو الآتي بدلا من فعله، وهو الذي يمتنع أن يباشره عامل ظاهر، ويصلح في موضعه فعل عار من صرف مصدريّ وقد بين المصنف في باب المفعول المطلق مواقعه دون تعرّض لتعدّيه، وغرضه هنا بيان مواقعه متعدّيا لأن هذا إنما هو باب إعمال المصدر، فليذكر ما نسبه إلى كونه عاملا لا مطلقا، وقد وقع العامل أمرا، ودعاء، وتوبيخا مع استفهام، وتوبيخا دون استفهام، وخبرا مقصودا به الإنشاء، أو مقصودا به الوعد. إلا أنّ أكثر وقوعه أمرا كقول الشاعر: ٢٣٣٧ - يمرّون بالدهنا خفافا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب على حين ألهي النّاس جلّ أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثّعالب (٢) -

стр. 2822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال في شرح الكافية: ويجوز أن يكون «زريق» منادى مضموما، وأن يكون فاعل «ندلا» (١). انتهى. وفي كونه فاعل «ندلا» نظر لا يخفى، ولا يقال بجعل «ندلا» أمرا لغائب فيكون مستندا إلى فاعل ظاهر، كأنّه قال: ليندل زريق المال؛ لأنّ الأخفش قال: في هذا الباب: وكلّ شيء كان في موضع الفعل، فلا يجوز أن تأمر به الغائب وكقول الآخر في الأمر أيضا: ٢٣٣٨ - هجرا المظهر الإخاء إذا لم ... يك في النّائبات جدّ معين (٢) وأما الدّعاء فكقول الشّاعر: ٢٣٣٩ - يا قابل التّوب غفرانا مآثم قد ... أسلفتها أنا منها مشفق وجل (٣) ومثله: ٢٣٤٠ - إعانة العبد الضّعيف على الّذي ... أمرت فميقات الجزاء قريب (٤) -

стр. 2823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما التوبيخ بعد همزة الاستفهام فكقول المرّار الأسدي: ٢٣٤١ - أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما ... أفنان رأسك كالثّغام المخلس (١) وكقول الآخر: ٢٣٤٢ - أبغيا وظلما من علمتم مسالما ... وذلّا وخوفا من يجاهركم حربا (٢) وقول الآخر: ٢٣٤٣ - أبسطا بإضرار يمينا ومقولا ... ومدّعيا مجدا تليدا وسؤددا (٣) وأما التوبيخ بغير استفهام فكقول القائل: ٢٣٤٤ - وفاقا بني الأهواء والغيّ والونى ... وغيرك معنيّ بكلّ جميل (٤) -

стр. 2824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما الخبر المقصود به الإنشاء فكقول الشاعر: ٢٣٤٥ - حمدا الله ذا الجلال وشكرا ... وبدارا لأمره وانقيادا (١) وأمّا الخبر المقصود به الوعد فكقول الآخر: ٢٣٤٦ - قالت: نعم وبلوغا بغية ومنى ... فالصّادق الحبّ مبذول له الأمل (٢) وبين النحاة خلاف؛ هل ينقاس هذا المصدر، أو لا. قال المصنف: أكثر المتأخرين يزعمون أنّ سيبويه يقصره على السماع، وليس له نصّ على ذلك، بل في كلامه ما يشعر بأنّ ما كان من هذه الأنواع - أمرا أو دعاء، أو توبيخا، أو إنشاء - مقيس (٣). وأما الأخفش والفراء فعندهما أنّ هذه الأنواع مطردة صالحة للقياس على ما سمع منها، وبذلك أقول لكثرته في كلام العرب، ولما في ذلك من الاختصار والإيجاز (٤). انتهى. ونقل الشيخ عن بعضهم أنه ينقاس في الأمر والاستفهام فقط فصارت المذاهب في ذلك ثلاثة: ينقاس مطلقا، ولا ينقاس مطلقا، ويفرق بين الأمر والاستفهام وغيرهما. قال الشيخ: وقد جاء المصدر خبرا صرفا عاريا مما ذكر، ومنه: ٢٣٤٧ - وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل (٥) -

стр. 2825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقديره: وقف وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم، ولا ينقاس مثل هذا؛ لقلّته. وأمّا قول الشّاعر: ٢٣٤٨ - عهدي بها الحيّ لم تخفف نعامتهم (١) فجعله المصنف من المنصوب المراد به الماضي، أي: عهدت، ويحتمل أن يكون مرفوعا، ويكون من باب: ضربي زيدا قائما، والجملة من قوله: «لم تخفف نعامتهم» في موضع الحال. انتهى (٢). وأشار المصنف بقوله: عامله على الأصح البدل لا المبدل منه إلى أن النّحاة اختلفوا في العامل في المعمول الواقع بعد هذا المصدر، والأصحّ أنّ المصدر هو العامل، وهو مذهب سيبويه (٣) والأخفش والفراء، والزّجاج، والفارسي (٤). وقال المصنف (٥): صرّح سيبويه ﵀ بأنّ النصب بعد المصادر المذكورة بها أنفسها لا بالأفعال المضمرة، وذهب السيرافيّ إلى أنّ النصب بالأفعال المضمرة أي: الناصبة لذلك المصدر (٦)، ووافقه على ذلك كثير من النحويين، وليس بصحيح -

стр. 2826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن نصوص سيبويه في الباب الذي ترجمته هذا الباب جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين، ومجرى الفعل، وممّا يجري مجرى «فاعل» من المصدر قوله: ٢٣٤٩ - يمرّون بالدّهنا ... وأنشد البيتين، وقال: فـ «ندلا» بدل «اندل»، ثم أنشد سيبويه (١): ٢٣٥٠ - أعلاقة ... البيت قال المصنف (٢): فجعل «ندلا»، و «علاقة»، مساويين لـ: «ضرب بالسّيوف» [٣/ ١٧١] وكذلك ينبغي، بل إعمال «ندلا»، و «علاقة» وأشباهها أولى من إعمال «ضرب» وشبهه؛ لأنّ في: «ندلا»، و «علاقة» ما في «ضرب» من وجود أصالة الفعل، إلّا أنّ «ندلا»، و «علاقة» واقعان موقع فعلين محضين و «ضرب» واقع موقع حرف وفعل، ونسبة العمل إلى ما هو بمعنى العامل أولى من نسبته إلى ما هو بمعنى جزءين أحدهما: عامل، والآخر: غير عامل، ولا يمنع من ذلك كون الفعل لا يستغني عن تقدير عامليته، بالنسبة إلى نصب المصدر، كما لم يمنع على الأكثر نصب الظرف بعامل مقدّر، ورفع الظرف الضمير في نحو: زيد عندك، على أنّ ناصب الظّرف أحق أن ينسب العمل إليه، لكونه صالحا للإظهار، بخلاف عامل المصدر المشار إليه؛ فإنه غير صالح للإظهار، فقد صار نسيا منسيّا. انتهى. وقال ابن الضائع: الدليل على أنّ العامل في المنصوب بعد المصدر هو المصدر؛ إضافته إليه. انتهى. وذكر الشيخ: «رويدا» فقال: وقد جاء نوع من هذا المصدر النائب عن الفعل مصغّرا، وهو «رويد» في أحد استعمالاته فيعرب إذ ذاك، تقول: رويدا رويدا -

стр. 2827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويجوز إضافته إلى الفاعل، نحو: رويدك زيدا، أو إلى المفعول نحو: رويد زيد. انتهى (١). وفي كونه يضّاف إلى الفاعل نظر، والمثال الذي مثّل به وهو «رويدك زيدا» لا تتعين المصدرية فيه لـ «رويد» بل «رويد» فيه اسم فعل والكاف حرف خطاب اتصلت به كما يتصل بحيّهل والنجاء اسمي فعل. ثم قال الشيخ: واختلفوا في النّصب به، فذهب المبرد إلى أنه لا يجوز؛ لأنّ تصغيره يمنع من ذلك كما منع اسم الفاعل من العمل؛ لأنّ التصغير من خواصّ الأسماء فالنصب بعده إنما يكون بالفعل الناصب «رويدا» (٢). وذهب غيره إلى جواز النصب به، واختلفوا في السبب الذي عمل لأجله، وهو مصغر ولم يعمل اسم الفاعل المصغر، فذهب الفارسيّ إلى أنّه إنما عمل وهو مصغر حملا على «رويد» اسم فعل للمشابهة اللفظية، وهذا يقتضي أنّ أبا علي يمنع من إعمال المصدر الموضوع موضع الفعل المصغّر فيما عدا «رويدا». وزعم ابن طاهر، وابن خروف أنّ السبب في جواز إعماله أنّ عمله ليس بالشّبه كاسم الفاعل، وإنما عمل لوضعه موضع الفعل، فلا يقدح التصغير في إعماله، وقال بعض أصحابنا: وهذا هو الصحيح عندي، وسواء في ذلك «رويد»، وغيره من المصادر المصغرة الموضوعة موضع الفعل. انتهى (٣). واعلم أنّ المبرد كالسيرافي، يرى أنّ النصب بعد هذا النوع من المصدر إنما هو للفعل العامل في المصدر، وقد نقله الشيخ عنه. أو إذا كان كذلك فلا يناسب أن يقال: إنّ النصب بعد «رويد» ليس بها، وإنما هو بالفعل العامل فيها، وإنّ العلة المانعة عنده من العمل إنما هي التصغير؛ لأنّ المبرد لا يعمل غير «رويد» من المصادر الموضوعة موضع الفعل، حتى يلزمه إعمال -

стр. 2828

[المصدر الكائن بدلا من الفعل وأحكام أخرى له] قال ابن مالك: (والأصحّ أيضا مساواة هذا المصدر اسم الفاعل في تحمّل الضّمير، وجواز تقديم المنصوب به، والمجرور بحرف يتعلّق به). ــ «رويد» ثم يحتجّ بتصغيره على عدم إعماله، وأما قول ابن طاهر، وابن خروف: إنّ التصغير لا يقدح في الإعمال، فغير ظاهر. قال ناظر الجيش: لم تثبت هذه الزيادة في شرح المصنف ولذا لم يشرحها إلّا أنّه قال في شرح الكافية: وممّا يجوز في هذا النوع - أي: الآتي بدلا من اللفظ بالفعل - ولا يجوز في النوع الأول - أي: المنحل إلى حرف مصدريّ والفعل استتار ضمير مرفوع به (١)، وقال أيضا في الشرح المذكور: ويعمل مقدما ومؤخرا؛ لأنه ليس بمنزلة موصول، ولا معموله بمنزلة صلة فيقال: ضربا رأسه، ورأسه ضربا (٢). انتهى. وفي قوله هنا في متن الكتاب: والأصحّ إشعار بأنّ في ذلك خلافا بين النحاة، وذكر الشيخ (٣) أنّ الاختلاف في تقديم المنصوب على المصدر مبنيّ على الاختلاف في العامل في المعمول الواقع بعد المصدر ما هو؟ فمن رأى أنّ النصب بالفعل المقدّر الناصب للمصدر؛ أجاز التقديم، ومن جعل العمل للمصدر اختلفوا: هل يجوز التقديم؟ ونقل عن الأخفش الجواز والمنع، وهو ممن يرى أنّ العمل للمصدر لا للفعل كما تقدم. وقال الشيخ أيضا - في ارتشاف الضّرب له -: ومن جعل «ضربا زيدا» منصوبا بالتزام «ضرب» مضمره فـ «ضربا» ينحلّ بحرف مصدريّ، والفعل؛ فلا يجوز تقديم معموله عليه وقال: ومن جعل العمل في المفعول للمصدر اختلفوا: هل يتحمل المصدر ضميرا أو لا يتحمل؟ (٤). * * *

стр. 2829

الباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ] (١) [تعريفها - سبب عملها - تقسيمها] قال ابن مالك: (باب حروف الجرّ سوى المستثنى بها). قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المرفوعات والمنصوبات شرع في الكلام على المجرورات. ومعلوم أن الجر إما بحرف وإما بإضافة (٢)، وها هو يذكر البابين. وإنما قدم الكلام على المجرور بالحروف؛ لأن الجر بالحرف هو الأصل؛ لأن الحرف يستحق العمل فيما اختص به، وأما الجر بالإضافة فإنه لما كان على معنى حرف وهو «من» أو «اللام» (٣) صار الجر كأنه بذلك الحرف، وإن كان عامله هو الاسم المضاف. ثم قبل الشروع في مسائل الباب لا بد من التعرض إلى ذكر أمور تتعلق بما يذكر فيه: منها: أن المقصود من وضع هذه الحروف إنما هو إيصال معاني الأفعال بها إلى الأسماء ومن ثم يسميها بعضهم (٤) حروف الإضافة. ولذلك قيل (٥) في حدها: هي ما وضع للإفضاء بفعل أو معناه إلى ما يليه. فمثال الإفضاء بفعل: مررت بزيد. ولا شك أن شبيه الفعل حكمه حكم الفعل، نحو: أنا مارّ بزيد، ومروري بزيد حسن، ومثال الإفضاء بمعنى الفعل: زيد في الدار، وهذا في الدار أبوك؛ فالعامل في المثال الأول معنى الاستقرار المستفاد من قولك: «في الدار» وفي المثال الثاني ما في هذا من معنى الإشارة. -

стр. 2830

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أن هذه الحروف إنما عملت لاختصاصها بما هي عاملة فيه والقاعدة المعروفة أن الحرف إذا اختص بأحد النوعين - أعني الاسم والفعل - ساغ له أن يعمل في ذلك النوع. فعلى هذا إنما تستحق هذه الحروف من العمل الجر، وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى الاعتذار عن عدم عملها الرفع أو النصب، لكنهم اعتذروا عن ذلك بأن قالوا: لم نعمل الرفع؛ لاستئثار العمدة به، ولا النصب؛ لإيهام إهمال الحرف. ومنها: أن عدة الحروف التي ذكرها المصنف عشرون حرفا وهي: من، وإلى، واللام، وكي، والتاء في القسم، والباء، وفي، وعن، وعلى، وحتى، والكاف، ومذ، ومنذ، ورب، ولولا، ولعل، وحتى؛ فهذه سبعة عشر، وذكر في باب المستثنى ثلاثة وهي: خلا وعدا وحاشا، ونقصه من الحروف (١) الواو؛ فإنها حرف تجريد لكنها لا تستعمل إلا في القسم، وقد ذكر في الخلاصة، والعجب أنه لم يذكرها في باب القسم (٢) من هذا الكتاب أيضا إلا أن الجر بـ «لعل ومتى» ينسب إلى بعض اللغات، ولا شك أنه في غاية القلة كما سيأتي الكلام على ذلك. وذكر ابن عصفور (٣) في حروف الجر أربع كلمات يجر بها في القسم خاصة وهي الميم المضمومة والمكسورة وهمزة الاستفهام وهاء التنبيه وقطع ألف الوصل، وذكر أيضا واو «ربّ» وفاءها و «بل» النائبة مناب «ربّ»، وتعرّض (٤) إلى ذكر الخلاف في بعضها، ولم يتعرض المصنف إلى ذكر شيء من ذلك؛ لأن الميم عنده ليست حرفا مستقلّا إنما هي بعض «أيمن». وأما الجر بعد هاء التنبيه وألف الوصل المقطوعة؛ فإنما هو بحرف قسم محذوف كما ستعرف ذلك في باب القسم إن شاء الله تعالى. وأما الجر بعد الواو والفاء وبل؛ فإنما هو بـ «ربّ» محذوفة. ومنها: أن من هذه الحروف ما يختص بجر المضمر وهو «لولا»، ومنها ما يختص بجر الأسماء الظاهرة وهو سبعة: الواو والكاف وحتى ومذ ومنذ وربّ -

стр. 2831

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتاء، لكن الثلاثة الأول لا تختص بظاهر دون ظاهر، و «مذ ومنذ» يختصان بأسماء الزمان، و «ربّ» تختص بالنكرات، والتاء تختص بالله تعالى وربّ مضافا إلى الكعبة أو لياء المتكلم، وقد تجر الكاف الضمير في الضرورة وكذلك «حتى» أيضا، وأما «ربّ» فتجر ضمير الغيبة في السعة. وقد علمت أن ابن عصفور ذكر حروفا زائدة على ما ذكره المصنف وذكر تقسيما شاملا فأنا أورده: وهو أن: هذه الحروف تنقسم - بالنظر إلى ما تجره - ثلاثة أقسام: قسم لا يجر إلا المضمر وهو «لولا»، وقسم لا يجر إلا الظاهر وهو: هاء التنبيه وهمزة الاستفهام وقطع ألف الوصل و «من» في القسم والميم المكسورة والمضمومة في القسم أيضا وواو «ربّ» وفاؤها ومذ ومنذ [٣/ ١٧٢] وكاف التشبيه وحتى، وقسم يجر الظاهر والمضمر وهو ما عدا ذلك، والحروف التي تجر الظاهر وحده أو مع المضمر منها ما يجر بعض الظواهر دون بعض وهو: لام القسم والميم المكسورة والمضمومة، وهاء التنبيه وهمزة الاستفهام وقطع ألف الوصل لا تجر إلا اسم الله تعالى في القسم، وتاء القسم لا تجر إلا اسم الله تعالى أو الرب، و «من» في القسم لا تجر إلا الرب، «وربّ» وفاؤها وواوها لا تجر من الظاهر إلا النكرات و «مذ ومنذ» لا تجرّان إلا أسماء الزمان، ومنها ما يجر كل ظاهر وهو ما عدا ذلك (١). هذا كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى. ومنها: أن من الحروف المذكورة ما يستعمل اسما، ومنها ما يستعمل فعلا. فالذي استعمل حرفا واسما خمسة وهي: عن وعلى والكاف ومذ ومنذ، والذي استعمل حرفا وفعلا ثلاثة وهي: خلا وعدا وحاشا؛ فالأقسام على هذا ثلاثة: ما يستعمل حرفا واسما، وما يستعمل حرفا وفعلا، وما هو مستمر الحرفية لا يستعمل غير حرف. وذكر ابن عصفور قسما رابعا وهو ما يستعمل اسما وفعلا وحرفا قال: وهو على (٢)؛ فأخرجها من قسم ما يستعمل حرفا واسما وجعلها قسما برأسها. وقد رد المحققون ذلك: بأنه إنما قصد إلى هذا التقسيم باعتبار المحافظة على اللفظ والمعنى الأصلي، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكان يلزم عد اللام حرفا وفعلا في قولك: لـ زيدا إذ لفظها لفظ قولك: لزيد، وكذلك «من» لأنه أمر من «مان يمين» ولكانت «إلى» تعد حرفا واسما في قولك: إلى زيد بمعنى: نعمة زيد، ولكنهم اعتبروا اللفظ -

стр. 2832

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمعنى الأصلي معا؛ فلم يعدوا اللام؛ لخروجها عن معناها الأصلي، ولأن لفظها في الأصل مخالف للفظها في الحرف، وكذلك «من»، وكذلك «إلى». ألا ترى أن «إلى» التي هي النعمة أصل ألفها ياء، «وإلى» التي هي حرف لا أصل لألفها، وكذلك ألف «على» التي هي فعل أصلها واو، والتي في الاسم والحرف لا أصل لها. وقد عورض هذا التقرير: بأنه يلزم منه أن لا يعد خلا وعدا وحاشا؛ لأن ألفاتها إذا كانت أفعالا منقلبة وإذا كانت حروفا غير منقلبة، وقد جعل ذلك مانعا في «على» فليكن مانعا في هذه الثلاثة أيضا. وأجيب عن ذلك: بأنا لم نعد «حاشا» من مثل قولك: حاشيته، ولا «عدا» من قولك: عدوته، ولا «خلا» من قولك: خلوته، وإنما عددنا خلا وعدا وحاشا الواقعة في الاستثناء؛ فإنها لا تتصرف ولما لم تتصرف تصرف الأفعال أشبهت الحروف فلم يجعل لألفها أصل كما أن الاسم إذا أشبه الحرف لا يكون لألفه أصل انقلبت عنه؛ بل هي أصل بنفسها كما هو مقرر عند أهل هذه الصناعة. ومنها: أن هذه الحروف لا بد لها مما تتعلق به إما ظاهرا وإما مقدرا كما هو مقرر في علم العربية، ويستثنى من ذلك الحروف الزوائد فلا تتعلق بشيء نحو: بحسبك درهم، وهل من أحد قائم؛ لأن الزائد لم يجتلب لمعنى مقصود ولم يكن محتاجا إليه في ذلك التركيب الذي هو فيه فكيف يتصور تعلقه بشيء، و «لولا» إذا جرّ بها حكمها حكم الحرف الزائد في ما ذكر، وكذا «لعل» (١) أيضا إذا جرّ بها لا تتعلق بشيء، وسيشار إلى بيان ذلك عند الكلام عليها إن شاء الله تعالى. وذكر ابن عصفور (٢) أن الكاف في نحو: جاءني الذي كزيد لا تتعلق بشيء ظاهر، إذ ليس في اللفظ ما يمكن أن يعمل فيه ولا بمضمر؛ إذ لا يحذف ما يعمل في المجرور (إذا وقع صلة) إلا ما يناسب الحرف قال: لا تتعلق بشيء نحو: جاءني الذي في الدار تريد الذي استقر في الدار؛ لأن «في» للوعاء، والاستقرار مناسب للوعاء ولو قلت: جاءني الذي في الدار تريد: ضحك في الدار، أو أكل في الدار؛ لم يجز لأنه ليس في الكلام ما يدل على ذلك فلا يمكن أن يكون المحذوف مع الكاف -

стр. 2833

[من الجارة: معانيها، وأحكامها] قال ابن مالك: (فمنها «من» وقد يقال: منا وهي لابتداء الغاية مطلقا على الأصحّ وللتّبعيض ولبيان الجنس وللتّعليل وللبدل وللمجاوزة وللانتهاء وللاستعلاء وللفصل ولموافقة الباء ولموافقة في. وتزاد لتنصيص العموم أو لمجرّد التّوكيد بعد نفي أو شبهه جارّة نكرة مبتدأ أو فاعلا أو مفعولا به ولا يمتنع تعريفه ولا خلوّه من نفي أو شبهه وفاقا للأخفش وربّما دخلت على حال. وتنفرد «من» بجرّ ظروف لا تتصرّف كـ: قبل وبعد وعند ولدى ولدن ومع وعن وعلى اسمين، وتختصّ مكسورة الميم ومضمومتها في القسم بـ «الرّبّ» والتّاء واللّام بـ «الله» وشذّ فيه: من الله وتربّي). ــ إلا ما يناسبها وهو التشبيه وأنت لو قلت: جاءني الذي أشبه كزيد؛ لم يجز لأن «أشبه» لا يتعدى بالكاف بل يتعدى بنفسه (١). انتهى. أما قوله: لا يحذف ما يعمل في المجرور إلا ما إلى آخره؛ فكلام عجيب. ولو كان الأمر كما قال لامتنع أن يقول القائل: جاءني الرجل الذي من بني فلان؛ فإن الاستقرار هو المقدر وليست «من» للوعاء وكذا كان يمتنع قولنا: المال لزيد؛ لأن معنى اللام ليس معنى الاستقرار وقوله: لا يقدر إلا ما يناسب الحرف ممنوع إنما الواجب أن المقدر لا ينافي معنى الحرف ولا شك أن لا منافاة بين الاستقرار ومعنى الكاف، والذي يظهر أن يقال: إن الكون العام يصح تقديره مع كل حرف؛ إذ لا منافاة بين الكون العام وبين شيء؛ لأن كل معنى لا بد أن يكون له كون ما. وهذا هو المراد بالكون العام ومن ثم يعبر عنه بالحصول والوجود ونحو ذلك. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): حكى الفرّاء (٣) أن بعض العرب يقول في من: منا، وزعم أنه الأصل وخففت لكثرة الاستعمال بحذف الألف وتسكين النون، ومجيء «من» لابتداء الغاية في المكان مجمع عليه كقوله تعالى: مِنَ الْمَسْجِدِ -

стр. 2834

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (١) ومجيئها لابتداء الغاية في الزمان مختلف فيه فبعض النحويين منعه، وبعض أجازه. وقول من أجاز ذلك هو الصحيح الموافق لاستعمال العرب، وفي كلام سيبويه تصريح بجوازه، وتصريح بمنعه. فأما التصريح بجوازه فقوله في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف ومن ذلك قول العرب: ٢٣٥١ - من لد شولا فإلى إتلائها (٢) نصب؛ لأنه أراد زمانا والشول لا يكون زمانا ولا مكانا [٣/ ١٧٣] فيجوز فيه الجر كقولك: من لد شولا شيء يحسن أن يكون زمانا إذا عمل في الشول [ولم يحسن إلا ذا كما لم يحسن ابتداء الأسماء بعد إن حتى أضمرت ما يحسن أن يكون عاملا في الأسماء فكذلك هذا] (٣) كأنك قلت: من لد أن كانت شولا فإلى إتلائها (٤). هذا نصه في هذا الباب وفيه تصريح بمجيء «من» لابتداء غاية الزمان ولابتداء غاية المكان. وقال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: وأما «من» فتكون لابتداء الغاية في الأماكن (٥) ثم قال: وأما «من» فتكون لابتداء الغاية في الأيام كما كانت «من» فيما ذكرت لك ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها. فظاهر هذا الكلام منع استعمال «من» في الزمان ومنع استعمال «من» في المكان. فأما منع استعمال «من» في المكان فمجمع عليه، وأما استعمال «من» في الزمان فمنعه غير صحيح بل الصحيح جوازه لثبوت ذلك في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة، والأشعار الفصيحة، فالذى في القرآن قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ (٦)، وقال الأخفش في المعاني: قال بعض العرب: من الآن إلى غد (٧)، وأما الأحاديث فمنها قول رسول الله ﷺ : «مثلكم ومثل اليهود والنّصارى كمثل رجل استعمل عمّالا فقال: -

стр. 2835

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين. ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجر مرتين» فقد استعملت «من» في هذا الحديث لابتداء غاية الزمان أربع مرات ومن الأحاديث الدالة على ذلك قول من روى حديث الاستسقاء: «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» (١) وقول عائشة ﵄ «فجلس رسول الله ﷺ ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل» (٢) وقول أنس ﵁ (٣): «فلم أزل أحبّ الدّبّا [ء] من يومئذ» (٤). وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري (٥) رحمه الله تعالى. وفي جامع المساند أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة ﵂: «هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام» (٦)، وأما الأشعار فمنها قول النابغة الذبياني (٧): ٢٣٥٢ - ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب ٢٣٥٣ - تخيّرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب (٨) ومنها قول جبل بن حوال: -

стр. 2836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٣٥٤ - وكلّ حسام أخلصته قيونه ... تخيرن من أزمان عاد وجرهم (١) ومنها قول الراجز: ٢٣٥٥ - تنتهض الرّعدة في ظهيري ... من لدن الظّهر إلى العصير (٢) وقول الآخر: ٢٣٥٦ - إنّي زعيم يا نوي ... قة إن أمنت من الرّزاح ونجوت من عرض المنو ... ن من الغدو إلى الرّواح (٣) ومنها قول بعض الطائيين: ٢٣٥٧ - من الآن قد أزمعت حلما فلن أرى ... أغازل خودا أو أذوق مداما (٤) ومثله: ٢٣٥٨ - ألفت الهوى من حيث ألفيت يافعا ... إلى الآن منوا بواش وعاذل (٥) ومثله: ٢٣٥٩ - ما زلت من يوم بنتم والها دنفا ... ذا لوعة عيش من يبلى بها عجب (٦) وتكون أيضا لابتداء الغاية في غير مكان ولا زمان كقولك: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها، وأعطيت الفقراء من درهم إلى دينار؛ ولذلك قلت: لابتداء الغاية مطلقا، ولم أقل: في الزمان والمكان، وأشار سيبويه إلى هذا فقال: وتقول إذا كتبت كتابا: من فلان إلى فلان؛ فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها (٧). هذا نصه. ومجيء «من» للتبعيض كثير؛ كقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ -

стр. 2837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ (١)، وكقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ (٢)، وعلامتها جواز الاستغناء بـ «بعض» عنها كقراءة عبد الله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا بعض ما تحبون) (٣)، ومجيئها لبيان الجنس كقوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ (٤)، وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (٥)، ومجيئها للتعليل كقوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ (٦)، و: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ (٧)، ومنه قول عائشة ﵂: «فما أستطيع أن أقضيه إلّا في شعبان الشّغل من رسول الله ﷺ » (٨)، وكقول الشاعر: ٢٣٦٠ - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى ... سيردى وغار مشفق سيؤوب (٩) والتي للبدل كقوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ (١٠) ووَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (١١)، ومنه قول الشاعر: ٢٣٦١ - أخذوا المخاض من الفصيل غلبّة ... ظلما ويكتب للأمير أفيلا (١٢) ومجيئها (١٣) للمجاوزة نحو: غدت منه، وأنفت منه، وبرئت منه، وشبعت، ورويت، ولهذا المعنى صاحبت «أفعل» التفضيل؛ فإن القائل: زيد أفضل من عمرو، كأنه قال: جاوز زيد عمرا في الفضل أو الانحطاط، وهذا أولى من أن -

стр. 2838

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقال: إنها لابتداء الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم سيبويه (١)؛ إذ لو كان الابتداء [٣/ ١٧٤] مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى». وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى فقال: وتقول: ما رأيته مذ يومين؛ فجعلتها غاية، كما قلت: أخذته من ذلك المكان؛ فجعلته غاية ولم ترد منتهى (٢). هذا نصه. والصحيح أن «من» في نحو: أخذته من ذلك المكان؛ للمجاوزة، إذ لو كان الابتداء مقصودا مع «أخذت» كما هو مقصود مع «حملت» في قولك: حملته من ذلك المكان؛ لصدق على استصحاب المأخوذ «أخذ» كما يصدق على استصحاب المحمول «حمل». وأما «مذ» في: ما رأيته مذ يومين، ونحوه؛ فقد جعلها بعضهم بمعنى «في»، وليس كذلك؛ لأن المراد بـ: ما رأيته مذ يومين، ونحوه؛ نفي الرؤية في مدة أتيت في آخرها، والابتداء والانتهاء مقصودان واليومان معينان، ولو جيء بـ «فى» مكان «من» لم يفهم تعين ولا ابتداء ولا انتهاء، وقد تقع «من» موقع «مذ» في مثل هذا كقول النبي ﷺ لفاطمة رضي الله تعالى عنها: «هذا أوّل طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام»، فلو كان المجرور بـ «مذ»، أو «منذ» حاضرا غير مثنى ولا مجموع؛ صح قصد معنى «في»، كقوله ﵊ للملكين ﵉: «طوّفتماني منذ اللّيلة» (٣). وأشار سيبويه إلى أن «من» الزائدة قصد بها التبعيض؛ لأنه قال - بعد تمثيله بـ: ما أتاني من رجل -: أدخلت «من»؛ لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال (٤)، هكذا قال. يريد أن «من» دلت على شمول الجنس فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جميعها؛ فالتبعيض على هذا التقدير مقصود. وهذا غير مرض؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما المقصود بزيادة «من» في نحو: ما أتاني من رجل؛ جعل المجرور بها نصّا في العموم، وإنما تكون للتبعيض إذا لم يقصد عموم، وحسن في موضعها «بعض» نحو: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٥)، ومِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (٦)، -

стр. 2839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ (١). وقد صرح بهذا المعنى فقال: وتكون للتبعيض نحو: هذا منهم، كأنك قلت: بعضهم (٢)، وأشار أيضا إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال: «هو أفضل من زيد؛ فضّله على بعض ولم يعم (٣). ويبطل كون هذه للتبعيض أمران: أحدهما: عدم صلاحية «بعض» في موضعها. والثاني: صلاحية كون المجرور بها عاما كقولنا: الله أعظم من كل عظيم، وأرحم من كل رحيم، وإذا بطل كون المصاحبة «أفعل» التفضيل لابتداء الغاية وللتبعيض؛ تعين كونها لمعنى المجاوزة كما سبق. ومجيء «من» للانتهاء كقولك: قربت منه؛ فإنه لقولك: تقربت إليه، وقد أشار سيبويه إلى أن من معاني «من» الانتهاء فقال: وتقول: رأيته من ذلك الموضع؛ فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت الابتداء. قال ابن السراج رحمه الله تعالى: وحقيقة هذه المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي؛ فـ «من» لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب فـ «من» للهلال، والهلال غاية لرؤيتك؛ فلذلك جعل سيبويه «من» غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع (٤) وقد جاءت «من» بمعنى «على» في قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا (٥) أي: على القوم، كذلك قال أبو الحسن الأخفش (٦)، وإليه أشرت بذكر الاستعلاء في معاني «من» وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (٧)، وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (٨)، ومنه قول الشاعر: ٢٣٦٢ - ولم تره قابلا للجميل ... ولا عرف العزّ من ذلّه فسمه الهوان فإنّ الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله (٩) -

стр. 2840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأشرت بموافقة الباء إلى قوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ (١) أي: بطرف خفي، قال الأخفش (٢): قال يونس: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ أي: بطرف، كما تقول العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف. وأشرت بموافقة «في» إلى نحو: قول عدي بن زيد (٣): ٢٣٦٣ - عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن ييسّر في غد (٤) وتزاد «من» لتنصيص العموم كقولك: ما في الدار من رجل؛ فـ «من» زائدة؛ لأن الكلام يصح بدونها إذا قلت: ما فيها رجل، لكن «ما فيها من رجل» لا محتمل له غير العموم؛ ولذلك خطئ من قال: ما فيها من رجل بل اثنان، و «ما فيها رجل» محتمل لنفي الجنس على سبيل العموم، ولنفي الواحد دون ما فوقه، ولذلك يجوز أن يقال: ما فيها رجل بل اثنان، فلو كان المجرور بـ «من» هذه «أحد» أو «ديار» أو غيرهما من الأسماء المقصورة على العموم؛ لكانت مزيدة لمجرد التوكيد، فقولك: ما أحد و: ما فيها من أحد؛ سيان في إفهام العموم دون احتمال، ولا يكون المجرور بها عند سيبويه (٥) إلا نكرة بعد نفي، أو نهي، أو استفهام، نحو: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (٦)، وإلى النهي والاستفهام أشرت بذكر شبه النفي. وأجاز أبو الحسن الأخفش (٧) وقوعها في الإيجاب وجرّها المعرفة، وبقوله أقول؛ لثبوت السماع بذلك نثرا ونظما. فمن النثر قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ (٨)، وقوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (٩)، وقوله تعالى: وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (١٠)، وقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * (١١)، وقول عائشة ﵂: «إنّ رسول الله [٣/ ١٧٥] ﷺ كان -
следующие страницы →