← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

[لعلّ، ومتى .. هل يجر بهما] قال ابن مالك: (ويجرّ بـ «لعلّ»، و «علّ» في لغة عقيل، وب «متى» في لغة هذيل). ــ لأن الضمير المخفوض لا يكون إلا متصلا، ولا يتصل الضمير إلا بعامله، و «لولا» عنده ليست بعامله، وإنما الضمير عنده مرفوع بالابتداء والابتداء عامل معنوي (١). وقال ابن عصفور: والذي ذهب إليه الأخفش فاسد؛ لأن وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل لا يجوز إلا في ضرورة شعر كقوله: ٢٦٨٩ - [وما نبالي إذا ما كنت جارتنا] ... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار (٢) يريد: إلا إياك .. فإذا كان وضع المتصل موضع المنفصل قبيحا مع أنهما من قبيل واحد أي: منصوبان؛ فبالأحرى إذا كانا من بابين مختلفين بأن يكون المتصل ضمير خفض، والمنفصل الذي وقع موقع ضمير رفع (٣). قال ناظر الجيش: قال المصنف: روى أبو زيد عن بني عقيل الجرّ بـ «لعل» (٤)، وحكى الجر بها أيضا الفراء وغيره (٥)، وروى في لامها الأخيرة الفتح، والكسر، وأنشد باللغتين قول الشاعر: ٢٦٩٠ - لعلّ الله يمكنني عليها ... جهارا من زهير أو أسيد (٦) وروى الفرّاء (٧) أيضا الجرّ بـ «لعلّ»، وأنشد: ٢٦٩١ - علّ صروف الدّهر أو دولاتها ... يدلننا اللّمّة من لمّاتها فتستريح النّفس من زفراتها (٨) -

стр. 3012

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما «متى» فهي في لغة هذيل حرف جر بمعنى «من»، ومنه قول الشاعر: ٢٦٩٢ - شربن بماء المزن ثمّ ترفّعت ... متى لجج خضر لهنّ نئيج (١) ومن كلامهم: أخرجها متى كمه، أي: من كمه. انتهى. وقد أنكر بعض الناس الجرّ بـ «لعل»، ومنهم ابن عصفور وخرج قول الشاعر: ٢٦٩٣ - [فقلت ادع أخرى وارفع الصّوت جهرة] ... لعلّ أبي المغوار منك قريب (٢) على أن «لعل» ناصبة لضمير شأن محذوف، وأن «أبي المغوار» مجرور بلام محذوفة و «قريب» صفة لمحذوف التقدير: لعل لأبي المغوار منك جواب قريب (٣). وقال: إنه ارتكب في البيت ضرورتان: حذف ضمير الشأن، والجر بحرف محذوف. ولا يخفى ما في هذا التخريج مع بعده من التكلف. وإذا نقل الأئمة أن الجر بـ «لعل» لغة لقوم من العرب؛ فكيف يسوغ إنكار ذلك، وقد رواه أبو زيد عن بني عقيل، وكذلك رواه الفراء أيضا كما ذكر المصنف؟! وقال الشيخ: والصحيح ثبوت ذلك لغة وحكاها الأخفش والفراء (٤)، ثم إن الشيخ ذكر (٥) احتمالا في ما استدل به على الجر بـ «متى»، وذلك بأن يكون «متى» في البيت الذي أنشده المصنف، وفي قول الآخر: ٢٦٩٤ - متى ما تعرفونا تنكرونا ... متى أقطارها علق مصب طرفا (٦) بمعنى «وسط» فتبقى على ما استقر فيها من الظرفية وإن لم تكن شرطا، ولا استفهاما. وأقول: ما المحوج إلى هذا التخريج البعيد المتكلف بعد أن ثبت أن ذلك لغة بنقل الأئمة المعتبرين؟!

стр. 3013

[مواضع الجر بحرف محذوف، أحكامه، حكم الفصل بين الجار والمجرور] قال ابن مالك: (فصل في الجرّ بحرف محذوف. يجرّ بـ «ربّ» محذوفة بعد الفاء كثيرا، وبعد الواو أكثر، وبعد «بل» قليلا، ومع التجرد أقلّ، وليس الجرّ بالفاء و «بل» باتّفاق، ولا بالواو خلافا للمبرّد، ومن وافقه، ويجرّ بغير «ربّ» أيضا محذوفا في جواب ما تضمّن مثله، أو في معطوف على ما تضمنه بحرف متّصل أو منفصل بـ «لا» أو «لو»، (أو) (١) في مقرون بعد ما تضمنه بالهمزة، أو «هلّا»، أو «إن»، أو الفاء الجزائيتين. ويقاس على جميعها خلافا للفراء في جواب [نحو]: بمن مررت؟ وقد يجر بغير ما ذكر محذوفا. ولا يقاس منه إلّا على ما ذكر في باب «كم» و «كان» و «لا» المشبهة بـ «إنّ»، وما يذكر في باب القسم، وقد يفصل في الضّرورة بين حرف جرّ ومجرور بظرف أو جارّ ومجرور وندر في النّثر الفصل بالقسم بين حرف الجرّ والمجرور، والمضاف والمضاف إليه). قال ناظر الجيش: اعلم أن الذي أشار إليه المصنف في هذا الفصل من جواز حذف حرف الجر وبقاء عمله مخالف لما يراه المغاربة؛ وذلك أنهم لا يجوزون الجر بحرف محذوف غير «رب» إلا إذا عوض عن ذلك الحرف غيره، وذلك إنما هو في باب «كم»، وباب القسم، والجر بحرف محذوف غير «ربّ» في غير هذين [٤/ ٣٦] البابين معدود عندهم من النادر الشاذ؛ فلا يقاس عليه. أما المصنف فإنه يرى أن الجر بحرف محذوف غير «رب» جائز مقيس في غير هذين البايين كما هو جائز فيهما ولكن إنما يجوز ذلك في مواضع خاصة، والمواضع التي تضمنها كلامه سبعة: فالأول: كونه في جواب كلام تضمن مثل ذلك الحرف. والثاني: كونه في معطوف على ما تضمنه. والثالث: كونه في مقرون بأحد أربعة أحرف مذكور بعد ما تضمنه، وأربعة الأحرف هي: الهمزة، و «هلّا»، و «إن، والفاء» الجزائيتان. -

стр. 3014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والرابع: في باب «كم». والخامس: في باب «كان». والسادس: في باب «لا» المشبهة بـ «إنّ». والسابع: القسم، فزاد على ما ذكره المغاربة خمسة مواضع، ولا يبعد ما قاله عن الصواب. وكم له من استدراكات. فرحمه الله تعالى، وأحسن جزاءه بمنّه، وكرمه. وهذا الذي ذكرناه إنما هو في حكم غير «ربّ». أما إذا كان الحرف «ربّ» فهم متفقون على عملها محذوفة. وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى تصوير المسائل، وذكر أمثلتها وإلى ما يتعلق بلفظ الكتاب. فنقول: قد ذكر المصنف (١) أن الجر بـ «رب» محذوف بعد الواو كثير، وأن الجر بها محذوفة بعد الفاء أقل من ذلك وأن فعل، وأن فعل ذلك بعد «بل» أقل من فعله بعد الفاء، وأن فعله مع التجرد أقل من فعله بعد «بل»، ومثاله بعد الواو قول امرئ القيس: ٢٦٩٥ - وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي (٢) وقد أكثر المصنف من ذكر الشواهد على ذلك، ولا حاجة إلى إيرادها؛ لأن هذا كما قال الشيخ: لا يحتاج إلى مثال؛ لأن دواوين العرب ملأى منه (٣). ومثاله بعد الفاء قول امرئ القيس: ٢٦٩٦ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... فألهيتها عن ذي تمائم محول (٤) وقول الآخر: ٢٦٩٧ - فإن أهلك فذي حنق لظاه ... تكاد عليّ تلتهب التهابا (٥) -

стр. 3015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الآخر: ٢٦٩٨ - إن يثن سلمى بياض الفود عن صلتي ... فذات حسن سواها دائما أصل (١) وقول الآخر: ٢٦٩٩ - فإمّا تعرضنّ أميم عنّي ... وينزعك الوشاة أولو النّباط فحور قد لهوت بهنّ عين ... نواعم في المروط وفي الرّياط (٢) قال الشيخ: وقول المصنف: يجر بـ «رب» محذوفة بعد الفاء كثيرا، ليس بكثير، بل هو قليل يكاد ألا يوجد منه إلا هذا الذي أنشده (٣). ومثاله بعد «بل» قول الراجز: ٢٧٠٠ - بل بلد ملء الفجاج قتمه ... لا يشترى كتّانه وجهرمه (٤) ومثال الجر بها محذوفة دون واحد من الثلاثة قول الراجز: ٢٧٠١ - رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جلله (٥) قال المصنف (٦): ولا خلاف في أن الجر في: فذي حنق، وبل بلد، ورسم -

стр. 3016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دار، وأشباهها بـ «ربّ» المحذوفة، وزعم المبرد أن الجر بعد الواو بالواو نفسها (١). ولا يصح ذلك؛ لأن الواو أسوة «الفاء، وبل» في إضمار «رب» بعدهما، ولأنها عاطفة لما بعدها من الكلام على ما قبلها، والعاطف ليس بعامل ولا يمنع كونها عاطفة افتتاح بعد الأراجيز بها؛ (لإمكان) (٢) إسقاط الراوي شيئا من الأرجوزة متقدما، ولإمكان عطف الراجز ما افتتح به على بعض ما في نفسه. انتهى. وقال ابن أبي الربيع: العرب تحذف «رب» وتبقي عملها بعد واو العطف ولا يجوز إظهارها بعده، نحو قول امرئ القيس: ٢٧٠٢ - وفرع يغشّي المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل (٣) وهذا إذا كانت الواو عاطفة جملة على جملة، وأما إذا كانت معطوفة على «رب» نحو: ربّ مكروب، وربّ أسير؛ فتكون ظاهرة، وإنما يلزم حذفها في ما ذكرت لك. وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو فحذفت بعدها «ربّ» نحو: ٢٧٠٣ - فمثلك حبلى ... ... ... البيت ونحو: ٢٧٠٤ - فإن أهلك فذي حنق ... البيت الآخر وقد حذفت قليلا بعد «ثمّ» والأصل في هذا كله الواو. ولا أعلم خلافا بين النحويين في ما ذكرته إلا أبا العباس المبرد فإنه قال: إن الواو بمنزلة «رب» وإن الواو تأتي على ثلاثة أقسام: عاطفة، وللحال، وبمنزلة «رب». وقال في مثل قول امرئ القيس: وفرع يغشّي المتن ... إن الخفض في «فرع» بالواو، وليست عاطفة، وكأنه قال: ربّ فرع فوضعت العرب الواو موضعها، وبمعناها. واستدل على ذلك بقول الشاعر: ٢٧٠٥ - وقائم الأعماق خاوي المخترق ... [مشتبه الأعلام لمّاع الخفق] (٤) -

стр. 3017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: لأن الواو فيه ليست عاطفة؛ لأن هذا أول الأرجوزة فليس ثم ما يعطف عليه، فإذا صح أنها ليست عاطفة صح أنها بمنزلة «ربّ» (١). قال ابن أبي الربيع: والحجة لقول الجمهور أن العرب لم تدخل عليها حرف العطف فلو كانت بمنزل «ربّ» لقالوا: وفرع، كما تقول: ورب فرع، إذا تقدم قبل ذلك «ربّ» لا يقال: كرهوا ذلك لاتفاق اللفظين؛ لأنهم قد قالوا: والله، وو الله، ويقول العرب: جاء زيد ووجهه حسن. وأما الجواب عن: ٢٧٠٦ - وقاتم الأعماق خاوي المخترق فالجواب عنه: أن العرب عادتها أن تستفتح قصائدها بما يكون فيه تأنيس للخاطر، فتتغزل كثيرا. فكأنّ هذا لمّا أخذ في أرجوزته قام في نفسه ما جرت العادة به فقدره مقولا موجودا، فعطف عليه: «وقاتم الأعماق»، وينظر إلى هذا ما روي في قصيدة زهير: ٢٧٠٧ - دع ذا وعدّ القول في هرم ... [خير البداة وسيّد الحضر] (٢) ولا يعرفون قبلها شيئا وكان منهم من ينشدها: ٢٧٠٨ - لمن الديار تعنه البحر لكن الحجة في رواية من روى أولها: دع ذا وعدّ القول ... فإن «ذا» إشارة إلى شيء، ولم يذكر قبل ذلك شيئا فتكون إشارة - والله أعلم - ما جرت العادة أن تستفتح القصائد به من الغزل، ووصف الأطلال، وغير [٤/ ٣٧] ذلك مما يجري في أول قصائدهم (٣). انتهى كلام ابن أبي الربيع. ومثال الجر بغير «رب» محذوفا في جواب ما تضمن مثله نحو: «زيد» في -

стр. 3018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جواب من قيل له: بمن مررت؟ وكقوله ﵊ إذ قيل له: فإلى أيّهما أهدي؟ قال: «أقربهما [منك] بابا» (١) بالجر على إضمار «إلى». ومن الجواب نحو: بلى زيد بالجر لمن قال: ما مررت بأحد، أو: هل مررت بأحد؟ ومثال ذلك بعد عطفه على الوجه المذكور قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢) فجر اخْتِلافِ اللَّيْلِ بـ «في» مقدرة مع اتصاله بالواو لتضمن ما قبلها إياها، وقرأ عبد الله بإظهارها (٣). ومثل ما في الآية قول الشاعر: ٢٧٠٩ - ألا يا لقومي كلّ ما حمّ واقع ... وللطّير مجرى والجنوب مصارع (٤) ومثله: ٢٧١٠ - حبّب الجود للكرام فحمدوا ... ولناس فعل اللّئام فلئموا (٥) ومثله: ٢٧١١ - أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا (٦) ومثله: ٢٧١٢ - كالمرّ أنت إذا ما حاجة عرضت ... وحنظل كلّما استغنيت خطبان (٧) ومثال ذلك مع الفصل بـ «لا» قول الراجز: ٢٧١٣ - ما لمحبّ جلد أن [ي] هجرا ... ولا حبيب رأفة فيجبرا (٨) -

стр. 3019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثال ذلك مع الفصل بـ «لو» ما حكى أبو الحسن في المسائل (١) من أنه يقال: جيء بزيد، أو عمرو، ولو كليهما. وأجاز في «كليهما» الجرّ على تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع. قال المصنف: وأجود من هذا المثال الذي ذكره الأخفش أن يقال: جيء بزيد وعمرو ولو أحدهما، كما قال الشاعر: ٢٧١٤ - متى عذتم بنا ولو فئة منّا ... كفيتم ولم تخشوا هوانا ولا وهنا (٢) لأن المعتاد في مثل هذا النوع من الكلام أن يكون ما بعد «لو» أدنى مما قبلها في كثرة، وغيرها كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «التمس ولو خاتما من حديد» (٣)، وكقولهم: ائتني بدابة ولو حمارا، ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو قول الشاعر: ٢٧١٥ - أيّه بضمرة أو عوف بن ضمرة أو ... أمثال ذينك إيّه تلف منتصرا (٤) قال المصنف: (أراد: أو) (٥) بأمثال ذينك إيه. قال الشيخ: ولا يتعين ما قاله؛ إذ يحتمل أن يكون «أو مثال ذينك» معطوفا على ما قبله، و «إيه» توكيد لقوله «إيه» المتقدمة (٦). ثم قال المصنف: ومنها - أي: ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو - قول القائل: ٢٧١٦ - لك ممّا يداك تجمع ما تن ... فقه ثمّ غيرك المخزون (٧) أراد: ثم لغيرك المخزون، ومثال جر المقرون بهمزة الاستفهام، وب «هلّا» على الوجه المذكور ما حكى الأخفش في المسائل من أنه يقال: مررت بزيد، فتقول: أزيد ابن عمرو؟، ويقال: جئت بدرهم، فيقال: هلا دينار؟ قال أبو الحسن: وهذا كثير (١). ومثال الجر -

стр. 3020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بمضمر بعد «إن والفاء» الجزائيتين ما حكى يونس من قولهم: مررت برجل صالح إن لا صالح فطالح؛ على تقدير: إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح، وأجاز امرر بأيهم هو أفضل إن زيد وإن عمرو، على معنى: إن مررت بزيد، أو مررت بعمرو (٢). قال المصنف: وجعل سيبويه إضمار الباء بعد «إن» لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار «رب» بعد الواو (٣)، فعلم بذلك اطراده عنده. وشبيه بما روى يونس ما في البخاري من قول النبي ﷺ : «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس» (٤)، ويجوز رفع «أربعة» على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها على حذف المضاف، وبقاء عمله ونظائر الرفع أكثر. قال: والقياس على هذه الأوجه كلها جائز، ومنعه الفراء (٥) في نحو: زيد، لمن قال: بمن مررت؟ والصحيح جوازه لقوله ﵊: «أقربهما منك بابا» بالجر؛ إذ قيل له: فإلى أيّهما أهدي. وكقول العرب: خير، لمن قال: كيف أصبحت؟ (٦) بحذف الباء وإبقاء عملها؛ لأن معنى «كيف»: بأي حال؟ فجعلوا معنى الحرف دليلا، فلو لفظ به لكانت الدلالة أقوى وجواز الجر أولى. وقد يجر بحرف محذوف في غير ما ذكر مقيسا، ومسموعا. فالمقيس نحو: بكم درهم؟ ولا سابق شيئا، وألا رجل جزاه الله خيرا، وقد ذكرت هذه الأنواع الثلاثة في أبوبها. ومن المقيس نحو: ها الله لأفعلن، مما يذكر في باب القسم. والمسموع كقول الشاعر: ٢٧١٧ - سألت الفتى المكّيّ ذا العلم ما الّذي ... يحلّ من التّقبيل في رمضان فقال لي المكّيّ إمّا لزوجة ... فسبع وإمّا خلّة فثمان (٧) - (١) الارتشاف (ص ٧٤٧).

стр. 3021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: وإما لخلة، وكقول الآخر: ٢٧١٨ - وكريمة من آل قيس ألفته ... حتّى تبذّخ فارتقى الأعلام (١) أراد: في الأعلام، والأول أجود؛ لأن فيه حذف حرف (ثابت) (٢) مثله في ما قبله، ولكن لا يقاس عليه لكون العاطف مفصولا بـ «إما»، وهي تقتضي الاستئناف، ومثل «فارتقى الأعلام» قول الآخر: ٢٧١٩ - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة ... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع (٣) أراد: أشارت إلى كليب وفي صحيح البخاري قول النبي ﷺ : «صلاة الرّجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمس وعشرين ضعفا» (٤) بخفض «خمس» على تقدير الباء. ومثله في جامع المسانيد على أحد الوجهين قول النبي ﷺ : «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجّل ثلاث» (٥) [٤/ ٣٨] على أن يكون المراد: المحجل [في] ثلاث. والأجود أن يكون أصله: المحجل محجل ثلاث، فحذف البدل، وبقي مجروره كما فعل بالمعطوف في نحو: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (٦). هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولا مزيد عليه في الحسن واللطف. وإذا تحققت كلامه عرفت أنه لو قال في متن الكتاب: وقد يجر في غير ما ذكر بحرف محذوف كان أولى من قوله فيه: وقد يجر بغير ما ذكر محذوفا، فإن كلامه السابق لم يتضمن أن الحرف الذي يجر به محذوفا حرف خاص حتى يقول: -

стр. 3022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يجر بغيره وإنما تضمن أن ثمّ مواضع يحذف فيها الجار، ويبقى جره وهذا يوجب له أن يقول: وقد يجر في غير ما ذكر بحرف محذوف كما قدمنا. ثم إن المصنف لما انقضى كلامه على الجر بحرف محذوف ذكر مسألة الفصل بين حرف الجر والمجرور فقال: وقد يفصل في الضرورة بين حرف الجر، ومجرور .. إلى آخره. وقال في الشرح: وقد يفصل بين حرف جر ومجرور بظرف، أو مفعول به، أو جار ومجرور، ولا يكون ذلك إلا في ضرورة الشعر كقول الشاعر: ٢٧٢٠ - يقولون في الأكفاء أكثر همّة ... ألا ربّ منهم من يعيش مالكا (١) أراد: ربّ من يعيش مالك منهم، وكقول الآخر: ٢٧٢١ - ربّ في النّاس موسر كعديم ... وعديم يخال ذا إيسار (٢) أراد: ربّ موسر كعديم في الناس، وكقول الفرزدق: ٢٧٢٢ - وإنّي لأطوي الكشح من دون من طوى ... وأقطع بالخرق الهيوع المراجم (٣) أراد: وأقطع الخرق بالهيوع المراجم، ففصل بالمفعول به بين الباء ومجرورها، وأنشد أبو عبيدة (٤): ٢٧٢٣ - إنّ عمرا لا خير في اليوم عمرو ... وإنّ عمرا مخيّر الأحوال (٥) أراد: لا خير اليوم في عمرو، وحكى الكسائي في الاختيار الفصل بين الجار والمجرور بالقسم نحو: اشتريت بو الله درهم، والمراد: بدرهم والله، أو: والله بدرهم وحكى الكسائي أيضا: هذا غلام والله زيد (٦)، وحكى أبو عبيدة: إنّ الشّاة تعرف ربّها حين تسمع صوت والله ربّها (٧)، ففصل بالقسم بين المضاف والمضاف إليه.

стр. 3023

الباب الأربعون باب القسم (١) [القسم: تعريفه، أقسامه، أساليبه] قال ابن مالك: (وهو صريح، وغير صريح وكلاهما جملة فعليّة أو اسميّة، فالفعليّة غير الصّريحة في الخبر كعلمت ووثقت مضمّنة معناه، وفي الطّلب كنشدتك، وعمرتك، وأبدل من اللّفظ بهذه عمرك الله بفتح الهاء وضمّها وقعدك الله، وقعيدك الله كما أبدل في الصّريحة من فعلها المصدر أو ما بمعناه). قال ناظر الجيش: الكلام في هذا الباب يتعلق بأمور خمسة: وهي: القسم، والمقسم به، والمقسم عليه، وحروف القسم، والحروف التي تربط المقسم به بالمقسم عليه. وقد ذكر المصنف ثلاثة منها: وهي: المقسم عليه، وحروف القسم، والحروف الروابط بين المقسم به والمقسم عليه وأما القسم فذكر له تعريفا، ولم يتعرض إلى ذكر حده. وأما المقسم به فإنه لم يتعرض إلى ذكره؛ إذ لا تعلق للصناعة النحوية به. وبعد: فأنا أشير إلى ذكر هذين القسمين أولا، ثم الكلام على بقية الأقسام يورد في ضمن شرح كلام المصنف إن شاء الله تعالى. أما القسم: فقد حده الجزولي، وغيره من المغاربة بأنه: جملة يؤكد بها جملة أخرى كلتاهما خبرية. وهو حد ظاهر غني عن التفسير غير أن قولهم فيه: كلتاهما خبرية؛ لا يظهر؛ لأن جملة القسم إنشائية، فكيف يحكم عليها بأنها خبرية؟ وقد ذكروا أن المراد بقولهم: كلتاهما خبرية؛ أن جملة القسم والجواب إذا اجتمعتا حصل منهما كلام محتمل للصدق والكذب. ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار؛ فإن التصديق والتكذيب إنما يرجع كل منهما إلى مضمون جملة الجواب، وأما جملة القسم فلا يرجع إليها تصديق ولا تكذيب. -

стр. 3024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحق أن يقال في حد القسم: إنه جملة إنشائية يؤتى بها لتوكيد جملة خبرية. وذكر الشيخ عن النحاة حدّا قيد فيه الخبرية بكونها غير تعجبية (١)، وهذا لا يحتاج إليه؛ إذ التعجبية لا يصح وقوعها جوابا؛ لأن الجواب إذا كان جملة اسمية وجب اقترانها بـ «إن واللام»، أو بإحداهما. ولا شك أن الجملة التعجبية لا يجوز أن تغير عن هيئتها. وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التعجب جواب قسم بذاتها فلا يحتاج إلى أن يحترز عنها. ويرادف القسم ثلاث كلمات أخر: وهي: الحلف والإيلاء واليمين. أما القسم فالفعل المستعمل منه إنما هو «أقسم»، وهو غير جار على القسم، ونظير ذلك في عدم الجريان على المصدر: أشبه وأثنى؛ فإنهما من الشبه والثناء، وأما الحلف والإيلاء فاستعمل منهما فعل جار قالوا: حلف وآلى، وأما اليمين فلم يستعمل منه فعل؛ لأنه ليس بمصدر في الأصل فيشتق منه وإنما هو اسم للجارحة، ثم سمي القسم يمينا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أكدوا بأيمانهم فيضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه تأكيدا للعقد حتى سمي الحلف يمينا. وأما المقسم به: فهو كل اسم معظم، إما لعظمته في ذاته، وإما لكونه عند المقسم عظيما. قال ابن عصفور: هذا إذا كان المقسم يريد تحقيق ما أقسم عليه ويثبته، فإن كان مقصوده الحنث فيما أقسم عليه؛ فإنه لا يقسم إلا بغير معظم وذلك نحو قوله: ٢٧٢٤ - وحياة هجرك غير معتمد ... إلّا ابتغاء الحنث في الحلف ما أنت أحسن من رأيت ولا ... كلفي بحبّك منتهى كلفي (٢) فأقسم بحياة هجرها، وهو غير معظم عنده؛ رغبة في أن يحنث فيموت هجرها (٣). قال: إلا أن القسم على هذا الطريق [٤/ ٣٩] يقل، فلا يلتفت إليه (٤). إذا تقرر هذا فنقول: قسم المصنف القسم إلى صريح وغير صريح قال (٥): أما الصريح: فهو ما يعلم بمجرد لفظه كون الناطق به مقسما كـ: أحلف بالله، وأنا حالف بالله، ولعمر الله، وايمن الله، وغير الصريح: ما ليس كذلك نحو: علم -

стр. 3025

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله، وعاهدت، وواثقت، وعليّ عهد الله، وفي ذمتي ميثاق؛ فليس بمجرد النطق بشيء من هذا الكلام يعلم كونه قسما، بل بقرينة كذكر جواب بعده نحو: عليّ عهد الله لأنصرنّ دينه، وفي ذمتي ميثاق لا أعين ظالما، كقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (١)، ومنه قول الشاعر: ٢٧٢٥ - إنّي علمت على ما كان من خلقي ... لقد أراد هواني اليوم داود (٢) وقول الآخر: ٢٧٢٦ - أرى محرزا عاهدته ليوافقن ... فكان كمن أغريته بخلاف (٣) ومثله في واثق: ٢٧٢٧ - واثقت ميّة لا تنفكّ ملية ... قول الوشاة فما ألفت لهم قيلا (٤) ومن ذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ (٥)، و [من القسم غير الصريح]: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (٦)، ويدل على أنه قسم كسر «إن» بعده وتسميته يمينا في قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً (٧)، ومنه قراءة ابن عبّاس (٨): شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ (٩)، وقال الفراء في وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ (١٠): صار قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يمينا (١١) ومن القسم غير الصريح: نشدتك وعمرتك؛ فللناطق بها أن يقصد القسم، وألا يقصد؛ فليس مجرد النطق بها يدل على كونه قسما لكن يعلم كونه قسما بإيلاء «الله» نحو: نشدتك الله، -

стр. 3026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو بالله، وعمرتك الله، ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب نحو: نشدتك الله إلا أعنتني، وعمرتك الله لا تطع هواك، ومنه قول الشاعر: ٢٧٢٨ - عمرتك الله إلّا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم (١) ومعنى قول القائل: نشدتك الله: سألتك مذكرا الله، ومعنى «عمرتك الله»: سألتك الله تعميرك، ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي، واستعملوا «عمرك الله» بدلا من اللفظ بـ «عمرتك الله»، ومنه قول الشاعر: ٢٧٢٩ - عمرك الله يا سعاد عديني ... بعض ما أبتغي ولا تؤيسيني (٢) وقال الآخر: ٢٧٣٠ - يا عمرك الله إلّا قلت صادقة ... أصادقا وصف المجنون أم كذبا (٣) وكان الأصل أن يقال: تعميرك الله؛ لكن خففوا بحذف الزوائد، وروى بعض الثقات عن أعرابي: عمرك الله؛ برفع «الله» (٤). قال أبو علي: والمراد: عمّرك الله تعميرا؛ فأضيف المصدر إلى المفعول ورفع به الفاعل (٥)، وقال الأخفش في كتابه الأوسط: أصله: [أسألك] بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب ما كان مجرورا بها. وأما «قعدك الله، وقعيد [كـ] الله» فقيل: هما مصدران بمعنى: المراقبة كالحس والحسيس وانتصابهما بتقدير «أقسم» أي: أقسم بمراقبتك الله، وقيل: قعد وقعيد بمعنى: الرقيب الحفيظ من قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (٦) أي: رقيب حفيظ. ونظيرهما: خلّ، وخليل، وندّ، ونديد، وإذا كانا بمعنى الرقيب الحفيظ فالمعنيّ بهما الله تعالى ونصبهما بتقدير «أقسم» (معدّى) (٧) بالباء. ثم حذف الفعل -

стр. 3027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والباء، وانتصبا وأبدل منهما «الله». ومن شواهد النصب بعد «قعد» قول الشاعر: ٢٧٣١ - قعدك الله هل علمت بأنّي ... في هواك استطبت كلّ معنّى (١) ومن شواهد نصب ما بعد «قعيد» قول قيس العامري (٢): ٢٧٣٢ - قعيدك ربّ النّاس يا أمّ مالك ... ألم تعلمينا نعم مأوى المعصّب (٣) ومثله قول الفرزدق: ٢٧٣٣ - قعيدكما الله الّذي أنتما له ... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا (٤) ويستعمل أيضا في الطلب: «عزمت وأقسمت» ولذلك قلت: كـ «نشدت» تنبيها على أن لـ «نشدت» من الأفعال أخوات سوى «عمرت» ونبهت بقولي: كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر وما بمعناه على أن لفظ «أقسم»، و «أحلف»، وشبههما قد ينوب عنه لفظ «قسم، ويمين، وآلية، وقضاء، ويقين، وحق»، وغير ذلك. فمن ذلك [قول الشاعر]: ٢٧٣٤ - قسما لأصطبرن على ما سمتني ... ما لم تسومي هجرة وصدودا (٥) ومنه: ٢٧٣٥ - يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كلّ حال من سحيل ومبرم (٦) ومنه: -

стр. 3028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٧٣٦ - آلية ليحيقن بالمسيء إذا ... ما حوسب الناس طرّا سوء ما عملا (١) ومن نيابة القضاء ما حكى ثعلب من أن العرب تنصب «قضاء الله»، وتجعله قسما (٢) وأنشد أبو عليّ على نيابة اليقين: ٢٧٣٧ - ويقينا لأشربنّ بماء ... وردوه فعاجلا وتئيّه (٣) ومن نيابة الحق قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ (٤). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٥). وملخص ما تضمنه: أن جملة القسم اسمية وفعلية، وكل منها صريح وغير صريح؛ فالاسمية الصريحة نحو: «لعمري» و «ايمن» ويلزمان الابتداء. وقد علم أن خبر هذا المبتدأ واجب الحذف كما ذكر في باب المبتدأ. والاسمية غير الصريحة نحو: «في ذمتي»، و «أمانة الله» فالمبتدأ محذوف في المثال الأول، والخبر في المثال الثاني ولكنه حذف جائز، لا واجب. والفعلية الصريحة نحو: «أقسمت، وأقسم، وحلفت، وأحلف، وآليت». والفعلية غير الصريحة نحو: «نشدت، وعمرت، وعلمت، وواثقت». وقد عرف الصريح ما هو، وغير الصريح ما هو. ثم إن غير الصريح يقسم به في الخبر نحو: «علمت، وواثقت، وعليّ عهد الله، وفي ذمتي»، وفي الطلب نحو: نشدت، وعمرت، وعمّرت، ومعنى الطلب هنا: أن يكون القسم عليه مطلوبا، ومعنى الخبر ألا يكون المقسم عليه مطلوبا. لكن لا بد من أبحاث نشير إليها: أولها: أن المصنف قد صرح في المتن والشرح بأن القسم غير الصريح يكون في الجملة الاسمية كما يكون في الجملة الفعلية وظاهر [٤/ ٤٠] كلام الجماعة يقتضي أن -

стр. 3029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القسم غير الصريح إنما هو في الجملة الفعلية، وربما يقال: إن الواقع كذلك. فإن ابن عصفور قال (١): الجملة الفعلية في هذا الباب قسمان؛ أحدهما: أن تكون الجملة الفعلية فيها معنى القسم وليست بقسم صريح، ثم فسر ذلك بأنه قال: هو كل جملة لم يذكر فيها قسم إلا أن العرب تلقتها بما يتلقى به القسم نحو: علمت ليقومن زيد، وأظن ليسبقنك عمرو. وكذا ابن هشام فإنه قال: وأفعال القسم على ضربين: مصرحة ومضمنة؛ فالمصرحة: «أقسم وأحلف وآلى وتآلى» وما تصرف منها، والمضمنة: «علم ويعلم وشهد ويشهد» قال: وهذا مطرد في الظن أيضا وقد جاء في «خفت» قول الرسول ﷺ : «أمرت بالسّواك حتّى خفت لأدردنّ» (٢) هذا كلام هذين الرجلين. إلا أن يقال: الدليل على أن غير الصريح يكون في الجملة الاسمية قولهم: «في ذمتي» و «عهد الله» إذ لا يعلم بمجرد اللفظ به كون الناطق به مقسما، وما كان كذلك فلا شك أنه غير صريح. ولا شك أن هذا كلام صحيح. إلا أن المصنف ذكر في باب المبتدأ أن من أسباب وجوب حذف المبتدأ أن يخبر عنه بصريح القسم، ومثّل ذلك بقوله: في ذمتي لأفعلن، وإذا حكم بصراحته هناك؛ كيف يحكم هنا بأنه غير صريح؟! والذي يظهر أن نحو: «في ذمتي لأفعلن» من القسم غير الصريح، وكذا «عهد الله». وعلى هذا يكون كلام المصنف هنا هو المعتمد عليه، ويكون تقسيمه غير الصريح إلى جملة اسمية وفعلية تقسيما صحيحا ويحتاج بعد ذلك الاعتذار عن ما مثل به في باب المبتدأ وهو «في ذمتي لأفعلن» جاعلا ذلك من القسم الصريح. ثانيها: أن المصنف يرى أن المقسم عليه قد يكون أمرا طلبيّا كما عرفت. ولا شك أن هذا الذي يراه مناف لقولنا في حد القسم: إنه يؤكد جملة خبرية. -

стр. 3030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولهذا لما ذكر ابن عصفور الحد المشهور عن المغاربة للقسم وهو أنه: جملة يؤكد بها جملة أخرى كلتاهما خبرية، واعتذر عن ذلك بأن المراد منه أن الجملتين إذا اجتمعتا كان منهما كلام محتمل للصدق والكذب، قال بعد هذا (١): فإذا جاء ما صورته كصورة القسم وهو غير محتمل للصدق والكذب حمل على أنه ليس بقسم نحو قول الشاعر: ٢٧٣٨ - بالله ربّك إن دخلت فقل له ... هذا ابن هرمة واقفا بالباب (٢) وقول الآخر: ٢٧٣٩ - بدينك هل ضممت إليك ليلى ... وهل قبّلت قبل الصّبح فاها (٣) قال: فلا يكون مثل هذا قسما؛ لأن القسم لا يتصور إلا حيث يتصور الصدق والحنث، والصدق والحنث لا يتصور إلا فيما يحتمل الصدق والكذب، وقال في شرح الإيضاح - بعد قوله: فإن كانت الجملة غير خبرية لم يجز وقوعها جوابا للقسم -: فأما «بدينك» من قول الشاعر: بدينك هل ضممت ... ... ... و «بالله ربّك» من قول الآخر: بالله ربّك إن دخلت ... ... ... فليسا بقسمين؛ لأن الجملتين الواقعتين بعدهما غير محتملتين للصدق والكذب، وإنما المراد بهما استعطاف المخاطب، والتقدير: أسألك بدينك، وأسألك، لا أنهم أضمروا الفعل لدلالة المعنى عليه. وقد يحذفون الباء وينصبون في الضرورة نحو قوله: ٢٧٤٠ - أقول لبوّاب على باب دارها ... أميرك بلّغها السّلام وأبشر (٤) قال: وأدلك على أن قولك: بالله هل قام زيد؟، وبالله إن قام زيد فأكرمه، وأشباهه ليس بقسم ثلاثة أشياء: -

стр. 3031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: أنه لم يجئ في كلام العرب وقوع الحرف (الخاص) (١) بالقسم نحو: التاء والواو موقع الباء؛ فلم يقولوا: تالله هل قام زيد، ولا: والله إن قام زيد فأكرمه. الآخر: أنهم إذا أظهروا الفعل الذي يتعلق به الباء لم يكن من أفعال القسم؛ لا يقال: أقسم بالله هل قام زيد؟، وأحلف بالله إن قام زيد فأكرمه. الشيء الثالث: أن القسم لا يخلو من حنث أو بر، ولا يصح ذلك إلا فيما يصح اتصافه بالصدق والكذب. فإن قيل: الدليل على أن مثل هذا قسم قول الشاعر: ٢٧٤١ - أيا خير حيّ في البريّة كلّها ... أبا لله هل لي في يميني من عقل (٢) فإنه سمى «أبا لله هل لي» يمينا وقول الآخر: ٢٧٤٢ - أجهّالا تقول بني لؤيّ ... لعمر أبيك أم متجاهلينا (٣) أجيب عن الأول بأن قائله أراد: هل لي في يميني من عقل إن حلفت على أنك خير البرية. وعن الثاني: أن جواب «لعمر أبيك» محذوف؛ التقدير: أجهالا تقول بني لؤيّ أم متجاهلينا؟ لعمر أبيك لتخبرني، إلا أنه قدم القسم، واعترض به بين الفعل، ومفعوله، وحذف الجواب لدلالة الاستفهام عليه؛ إذ معلوم أن المستفهم يطلب من المستفهم منه أن يخبره عما استفهم عنه (٤). انتهى كلام ابن عصفور. وقوله: إن مثل هذا استعطاف وليس بقسم؛ هو الظاهر، ولا شك أن كونه قسما غير مذوّق. لكن كلام ابن هشام ظاهره يعطي أنه قسم إلا أنه سماه قسما استعطافيّا وذلك أنه لما ذكر قول أبي علي: القسم جملة يؤكد الخبر بها؛ قال: ليس كل قسم يؤكد الخبر. وقد تقدم أن الباء يقسم بها على جهة الاستعطاف نحو: بالله أحسن إليّ. قال ابن هرمة (٥): -

стр. 3032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٧٤٣ - بالله ربّك إن دخلت ... ... ... البيت قال: ومنه: أقسمت عليك لتفعلن كذا، وأقسمت عليك إلا فعلت، وأقسمت عليك لما فعلت، و «لما» ها هنا بمعنى «إلا». قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع؟ وإنما أقسمت هنا [٤/ ٤١] كقولك: والله، فقال: وجه الكلام: لتفعلن هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه بـ «نشدتك الله»؛ إذ كان فيه معنى الطلب (١). يريد أن العرب تقول: نشدتك الله إلا فعلت، ومعنى «نشدتك الله»: سألتك بالله، وقالوا: «إلا فعلت» بمعنى: إلا تفعل. وتحقيق المعنى: لا أطلب منك إلا أن تفعل فدخلها معنى النفي فصلحت إلا لذلك. فهذا كقوله: ٢٧٤٤ - [إنا الضّامن الرّاعي عليهم] وإنّما ... يدافع عن أحسابهم [إلّا أنا] [أو مثلي] (٢) لما كان في معنى «ما يدافع أحد إلا أنا» وتقول في الاستفهام: آلله لتقومن، وآلله لتخرجن، قال: فكل هذا ليس بتأكيد، ولذلك تستفهم بعد اليمين فتقول: بالله أقام زيد؛ لأن المعنى هنا: أخبرني، قال: وقد منع من هذا أبو علي؛ فقال: لا يجوز في القسم الذي هو استعطاف في الحقيقة: بالله هل قمت؟؛ لأنه ليس بمقسم، وتأول قوله: ٢٧٤٥ - أيا خير حيّ في البريّة كلّها ... أبا لله هل لي في يميني من عقل على أنه في معنى: إن حلفت على أنك خير مني. انتهى. ومقتضى كلامه، أن القسم قسمان: قسم يقصد به التوكيد، وقسم يقصد به الاستعطاف والسؤال، وفي تسمية ما يقصد به الاستعطاف والسؤال قسما نظر. وكيف يتصور قسم بدون جواب له لا ملفوظ به ولا مقدر؟! ولهذا سأل سيبويه الخليل - رحمه الله تعالى - عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع؟ وإنما أقسمت هنا كقولك: والله. فمعنى كلام سيبويه أن أقسمت يقتضي جوابا؛ لأنه كقولك: والله، ولا شك أن «والله» يقتضي جوابا، -

стр. 3033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و «لما فعلت وإلا فعلت» ليس بجواب؛ فكيف جاز ذلك؟ وهو سؤال دقيق المأخذ إلا أنه لا يكثر على سيبويه. وجواب الخليل عنه مقتضاه تقرير السؤال بدليل قوله: ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه بـ «نشدتك الله»؛ إذ كان فيه معنى الطلب، ولا شك أن معنى «نشدتك الله»: سألتك بالله. فأفاد كلام الخليل أن القسم في نحو: «أقسمت عليك لما فعلت، وإلا فعلت» ليس بمراد؛ حيث قال: إنهم شبهوه بـ «نشدتك الله» والقسم في «نشدتك الله» غير مراد أيضا، لأنه قال: إنهم شبهوه. ثم إن ابن هشام جعل مثل هذا استعطافا، وإذا كان استعطافا فكيف يصدق عليه القسم الاصطلاحي؟ والذي ذكره ابن عصفور أقرب إلى الحق .. على أنه قد تبين لك من نقل ابن هشام أن الذي قاله ابن عصفور هو كلام أبي علي. وكفى بما يقوله أبو علي حجة. ثالثها: هاتان الكلمتان - أعني نشدتك وعمرتك - لا يستعملان إلا حيث يكون طلب. وقد قال المصنف بعد ذكرهما: ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب نحو: نشدتك الله إلا أعنتني وعمرتك الله لا تطع هواك، وكذا مصدر «عمرتك» الذي هو «عمرك»، و «قعدك وقعيدك» حكمهما في الاستعمال حكم «نشدت وعمرتك» فيختص بالطلب أيضا، وليس المراد بالطلب أن يكون بصيغته؛ بل المراد به أن يكون ذلك المذكور مطلوبا للمتكلم سواء أكان الطلب بالصيغة أم بغيرها، مما يفيده سياق الكلام ولذلك جعلوا من صورة المسألة المذكورة: نشدتك إلا فعلت، ونشدتك لما فعلت، وقالوا: المعنى فيه: ما أسألك إلا أن تفعل، أو ما أطلب منك إلا أن تفعل. وفي شرح الشيخ (١): أن جواب «نشدت وعمرتك» يكون بأحد ستة أشياء وهي: الاستفهام، والأمر، والنهي، وإلا، ولمّا، وأن؛ فيقال: نشدتك الله قم، وكذا: نشدتك الله لا تقم، ونشدتك بالله أن تقوم. قال الشيخ: لأن «أن» في صلة الطلب. ولم أفهم المقصود من هذا التعليل الذي ذكره ثم إنه لما لم يذكر «إن» الشرطية، وقد عرفت أنها تقع هذا الموقع كما قال: بالله ربك إن دخلت فقل له. والظاهر أن -

стр. 3034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «إن» إذا حلت هذا المحل يجب أن يكون جوابها فعلا طلبيّا كما في هذا البيت؛ لأن الطلب هو المقصود من هذا الكلام وجملة الشرط ليس فيها طلب فتعين أن تشتمل جملة الجزاء عليه. ثم في جعل الشيخ هذه الأمور جوابا مناقشة؛ لأنه لا يرى أن نحو «نشدتك وعمرتك» قسم، كما أن الجماعة - أعني المغاربة - لا يرون ذلك. وإذا لم يكن ثم قسم فلا جواب. وليعلم أن معنى «نشدتك بالله»: سألتك بالله وطلبت منك به؛ لأنهم يقولون: نشد الرجل الدابة؛ إذا طلبها. وقد قال المصنف: ومعنى قول القائل: «نشدتك بالله» سألتك مذكرا الله، ومعنى «عمرتك الله»: سألتك الله تعميرك، ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي. قال الشيخ: فإن عنى المصنف أنه تفسير معنى لا إعراب فيمكن، وإن عنى تفسير إعراب فليس كذلك بل «نشدتك الله» انتصاب الجلالة المعظمة على إسقاط الخافض لما سقط وصل الفعل إليه فنصبه؛ فليس منصوبا بـ «مذكر»، وأما «عمرتك الله» فلفظ الجلالة فيه منصوب بإسقاط الخافض أيضا وصل الفعل إليه فنصبه، والتقدير: عمرتك بالله، أي: ذكرتك بالله تذكيرا يعمر القلب ولا يخلو منه (١). انتهى. وأقول: إن قول المصنف بعد تفسير معنى هاتين الكلمتين: ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي؛ يدفع أن يكون المصنف عنى بالتفسير الذي ذكره تفسير الإعراب؛ لأنهما بعد تضمينهما معنى القسم يبقى حكمها حكم أفعال القسم، وسيذكر أن حرف الجر الذي يعدى به فعل القسم إذا حذف نصب المقسم به؛ فتعين أن يكون الذي عناه بهذا التفسير إنما هو تفسيرهما لغة قبل أن يضمّنا معنى القسم. رابعها: قد علمت ما ذكره المصنف من أن «عمرك الله» يستعمل بدلا من اللفظ بـ «عمرتك»، وأن الاسم المعظم ينصب حينئذ ويرفع، وأنه [٤/ ٤٢] قال في الشرح: إن الأصل في «عمرك الله» أن يقال: تعميرك الله، لكن خففوا بحذف الزوائد فدلّ هذا الكلام منه على أن عمرك منصوب نصب المصادر على أنه بدل من اللفظ فعلّه لكنه لم يبين نصب الاسم المعظم ما وجهه. -

стр. 3035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولكن قال الشيخ في شرحه: وفي اللباب: إذا قلت: عمرك الله، بنصب اسم الله تعالى، ففي إعرابه وجهان: أحدهما: أن التقدير: أسألك تعميرك الله، أي: باعتقادك بقاء الله فـ «تعميرك» مفعول ثان واسم الله تعالى منصوب بالمصدر. والثاني: أن يكونا مفعولين، أي: أسأل الله تعميرك. انتهى (١). وأما «عمرك الله» برفع اسم الله تعالى؛ فقد ذكر المصنف فيه عن أبي علي أن المراد: عمرك الله تعميرا فأضيف المصدر إلى المفعول ورفع به الفاعل. وعن الأخفش (٢) أن الأصل أسألك بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب وكان مجرورا بها. فقد اتفق القولان - أعني قول أبي علي وقول الأخفش - على أن اسم الله مرفوع بالمصدر على أنه فاعل، ولكن أبو علي يرى أن نصب «عمرك» هنا على المصدر، والأخفش يرى أنه منصوب على إسقاط الخافض. ولهذا كان الفعل الذي يقدره أبو علي «عمرتك»، والفعل الذي يقدره الأخفش «أسألك». قالوا: يدل على صحة قول الأخفش إدخال باء الجر عليه (٣) قال ابن أبي ربيعة: ٢٧٤٦ - بعمرك هل رأيت لها سميّا ... فشاقك أم لقيت لها حديثا (٤) وأقول: إن من الأدلة على صحة قول الأخفش أيضا قول العرب: لعمرك إن زيدا لقائم. قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٥) التقدير: لعمرك قسمي، فكان العمر نفسه هو المقسم به في الآية الشريفة فليكن هو المقسم به في نحو قولنا: عمرك الله، ويكون الأصل فيه: بتعميرك الله، ثم حذفت زوائد المصدر والباء كما يقول الأخفش. ويمكن أن يقال: إن من نصب «عمرك الله» على المصدر، وقال: المراد: عمرك الله تعميرا، كما ذهب إليه أبو علي لم يجعله قسما، وإنما يكون قسما على قول من يقول: إن أصله: بتعميرك الله، ثم حذفت الباء كما ذهب إليه الأخفش وهو قسم طلبي على رأي من يثبت الطلبي، ومسؤول -

стр. 3036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به على رأي من لا يثبت ذلك. وقال الشيخ في الارتشاف (١): وأبدل من «عمرتك الله»: «عمرك الله» وهو مصدر على حذف الزوائد والتقدير: تعميرك الله، أي: تذكيرك بالله، وقيل: تعميرك الله، انتصب «تعميرك» ولفظ الجلالة على أنهما مفعولان، أي: سألت الله تعميرك، وقيل: «تعميرك» منصوب بـ «أسألك» ولفظ الجلالة [منصوب] بالمصدر وهو «عمر» بمعنى: تعمير. وأجاز المبرد، والسيرافي أن ينتصب هذا على تقدير القسم (٢) كأنه قيل: أقسم عليك بعمرك الله، الأصل: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالدوام والبقاء، ويكون محذوف الجواب فتكون الكاف في موضع رفع. والظاهر من كلام سيبويه أنه مصدر موضوع موضع الفعل على أنه مفعول به (٣). انتهى. وقال الجوهري (٤) في الصحاح: عمر الرجل بالكسر: يعمر عمرا وعمرا على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التحريك، أي: عاش زمنا طويلا، ومنه قولهم: أطال الله عمرك. وهما وإن كانا مصدرين بمعنى واحد إلا أن المستعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح، فإذا أدخلت اللام رفعته بالابتداء والخبر محذوف .. فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وقلت: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت كذا، ومعنى «لعمر الله وعمر الله»: أحلف ببقاء الله ودوامه، فإذا قلت: عمرك الله فكأنك قلت: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالبقاء، وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ٢٧٤٧ - أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان (٥) يريد: سألت الله أن يطيل عمرك؛ لأنه لم يرد القسم بذلك (٦). انتهى. -

стр. 3037

[إضمار الفعل وأحكام لفظ الجلالة في القسم] قال ابن مالك: (ويضمر الفعل في الطّلب كثيرا استغناء بالمقسم به مجرورا بالباء. ويختصّ الطّلب بها وإن جرّ في غيره بغيرها حذف الفعل وجوبا وإن حذفا معا نصب المقسم به، وإن كان «الله» جاز جرّه بتعويض إثبات الألف أو «ها» محذوف الألف أو ثابتها مع وصل ألف «الله» وقطعها، وقد يستغنى في التعويض بقطعها ويجوز جرّ «الله» دون عوض ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيّين وليس الجرّ في التّعويض بالعوض خلافا للأخفش، ومن وافقه). ــ وأقول: إنني لم أتحقق في هذه المسألة - أعني عمرك الله - حقيقة المعنى، ولا حقيقة الإعراب، وإنما ذكرت ذلك تقليدا والله تعالى هو العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض جلّ، وعزّ، وتقدس. قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): لا يستعمل في القسم الطلبي من حروف الجر إلا الباء معلقة بظاهر كـ: نشدتك بالله وافق، أو بمقدر نحو بالله لا تخالف، وتعدى في غير الطلب فعل القسم محذوفا وثابتا نحو: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٢) ونحو: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ (٣). ويجب حذفه مع الواو والتاء ومن اللام نحو: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٤)، وتَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا (٥)، ومن ربي إنك لأسد، ولله لا يؤخر الأجل، وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي (٦): ٢٧٤٨ - لله يبقى على الأيّام ذو حيد ... بمشمخرّ [به] الظّيّان والآس (٧) وقد بيّن في باب حروف الجر اختصاص كل واحد من هذه الأحرف الأربعة بما خص به. وإذا حذف فعل القسم والباء نصب المقسم به، وإن كان المقسم به عند حذفهما -

стр. 3038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «الله» جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة يليها ألف نحو: آلله لأفعلن، أو مع «ها» [٤/ ٤٣] ساقط الألف نحو: ها لله لأفعلن، أو ثابتها نحو: ها الله لأفعلن، وروي أيضا: هآ لله وهآ الله بحذف ألف «ها» استغناء عنها بقطع همزة الوصل وبالجمع بينهما، وروي أيضا: بالله لأفعلن، بجعل القطع عوضا مكتفى به، وحكى الأخفش في معانيه أن من العرب من يجر اسم الله تعالى مقسما به دون جار موجود ولا عوض (١). وذكر غيره من الثقات أنه سمع بعض العرب يقول: كلا الله لآتينك، يريد: كلا والله، وزعم بعض أئمة الكوفة أن الأسماء كلها إذا أقسم بها محذوفا منها الواو تخفض وترفع ولا يجوز النصب إلا في حرفين يعني: كعبة الله وقضاء الله، وأنشد: ٢٧٤٩ - لا كعبة الله ما هجرتكم ... إلّا وفي النّفس منكم أرب (٢) ومن أجل هذا الكلام قلت بعد: ويجوز جر «الله» دون عوض ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيين ومذهب البصريين أن المقسم به إذا حذف جارّه بلا عوض ولم ينو المحذوف جاز نصبه كائنا ما كان فمن ذلك قول الشاعر: ٢٧٥٠ - إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثّريد (٣) ومثله: ٢٧٥١ - فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي (٤) ومذهب الأخفش: أن الجر في «ها الله» وشبهه بالعوض من الحرف المحذوف، لا بالحرف ذكر ذلك في كتابه الأوسط ووافق الأخفش في هذا جماعة وانتصر لهذا بأنه شبيه بتعويض الواو من الباء والتاء من الواو ولا خلاف في كون الجر بعد الواو والباء بهما، فكذا ينبغي أن يكون الجر بعد «لاها» بهما لا بالمعوض عنه والأصح كون الجر بالحرف المحذوف وإن كان لا يلفظ به كما كان النصب بعد الفاء والواو، وأو، وحتى، وكي الجارة، ولام الجحود بـ «أن» المحذوفة وإن كانت لازمة الحذف. -

стр. 3039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن الجر بعدها قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه «لا ها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله» ... الحديث (١). انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢). ولا شك أنه قد بين في باب حروف الجر اختصاص التاء واللام بـ «الله»، واختصاص «من» بـ «الرب». وأما الواو فإنه لم يذكرها في الباب المذكور، ولا في هذا الباب أيضا - أعني باب القسم - وهي مختصة بالاسم الظاهر فلا تجر المضمر. والحاصل: أن شيئا من حروف القسم لا يجر المضمر إلا الباء فإنها تجره كما تجر الظاهر تقول: بك لأفعلن؛ قال الشاعر: ٢٧٥٢ - رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما (٣) أي: فلا وحقك ما أسال، ولا أغاما، وقال الآخر: ٢٧٥٣ - ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي (٤) قال ابن عصفور: والأصل في حروف القسم الباء؛ لأن فعل القسم إنما هو أقسم وأحلف وهما لا يصلان إلا بالباء ولذلك تصرفت في الباب فجرت الظاهر والمضمر والواو بدل من الباء وإنما أبدلت منها لأمرين: أحدهما: أن معنى الباء قريب من معنى الواو؛ لأن الواو للجمع والباء للإلصاق والإلصاق جمع في المعنى. والآخر: أنها من حروف مقدم الفم كما أن الباء كذلك والتاء بدل من الواو؛ لأنه قد ثبت إبدالها منها في نحو: تراث وتخمة وتكأة، قال: وأما اللام فليست أصلا؛ لأن «أقسم»، و «أحلف» لا يتعديان بها إنما يتعديان بالباء لكن لما أريد معنى التعجب، والتعجب يصل باللام ضمن فعل القسم معنى عجبت فتعدى -

стр. 3040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعديته فقلت: لله لا يبقي أحد فكأنك قلت: عجبت لله الذي لا يبقي أحدا، ولما لم يكن شيء من هذه الأحرف الأربعة أصلا في هذا الباب لم تتصرف تصرف الحرف الذي هو أصل فيه وهو الباء. انتهى (١). وأما قول المصنف: إن فعل القسم يجب حذفه مع هذه الأحرف الأربعة فهو كما قال، غير أن ابن كيسان (٢) أجاز ظهور الفعل مع الواو خاصة فأجاز أن يقال: أقسم والله لأفعلن، كذا قال ابن عصفور: وهذا لا ينبغي أن يجوز كما لم يجز مع سائر حروف القسم التي ليس استعمالها بحق الأصالة، ولا يحفظه أحد من البصريين، فإن جاء شيء من ذلك فينبغي أن يتأول على أن يكون «أقسم» كلاما تامّا، ثم أتى بعد ذلك بالقسم ولا يجعل «والله» متعلقا بالقسم (٣). انتهى. وأفاد قول المصنف: وإن حذفا معا - يعني حرف القسم وفعله - نصب المقسم به: أنه لا يجوز بقاء الجر بعد حذف الحرف بل يتعين النصب إلا إذا كان المقسم به الجلالة المعظمة فإن النصب لا يتعين؛ لأنه قد قال بعد ذلك: ويجوز جر «الله» دون عوض. فعلم من هذا أن النصب والجر جائزان في الاسم المعظم. وكلام ابن عصفور مطابق لذلك إلا أنه ذكر أن الاسم المقسم به يجوز فيه بعد حذف حرف الجر الرفع والنصب وذلك أنه قال (٤): وإذا حذفت حرف القسم وعوضت منه شيئا لم يجز إلا الخفض؛ لأن العوض يجري مجرى المعوض منه قال: إلا أن العرب لم تجعل العوض إلا في اسم الله تعالى، فإن لم تعوض؛ لم يجز الخفض إلا في اسم الله تعالى، فإنهم استجازوا ذلك فيه؛ لكثرة استعماله في القسم فتقول: الله لأقومن، حكى ذلك الأخفش إلا أنه لا يقاس عليه؛ لأن إضمار الخافض وإبقاء عمله لا يجوز إلا حيث سمع، وأما غير اسم الله تعالى من الأسماء إذا حذف حرف القسم منه فإنه يجوز فيه وجهان الرفع على الابتداء، والنصب على إضمار فعل قال: والاختيار النصب على [٤/ ٤٤] إضمار فعل؛ لأن القسم إذ ذاك يكون جملة فعلية كما كان قبل الحذف فتقول: يمين الله لأقومن، ويمين الله لأخرجن فمن الرفع قوله: -

стр. 3041

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٧٥٤ - إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثّريد برفع «أمانة»، الأصل فيه: وأمانة الله، فلما حذف الحرف رفع الاسم، ومن النصب قوله: ٢٧٥٥ - فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ... البيت فإنه يروى برفع «يمين»، ونصبه؛ فرفعه على تقدير: قسمي يمين الله، ونصبه على تقدير: ألزم نفسي يمين الله، قال: إلا أسماء شذت فيها العرب فالتزموا فيها الرفع أو النصب والذي التزم فيه الرفع: ايمن الله، ولعمرك والذي التزم فيه النصب: أجدك، قال: وإنما التزم في هذه الأشياء وجه واحد؛ لأنها لا تتصرف في القسم لكونها لا يظهر معها حرف القسم وأما «عوض، وجير» فمبنيان يجوز أن يحكم على موضعهما بالرفع أو النصب. انتهى (١). ولقوله: إن حرف القسم إذا حذف يجوز في الاسم المقسم به وجهان: الرفع والنصب. قال الشيخ في قول المصنف: وإن حذفا معا نصب المقسم به: ظاهر كلام المصنف نصب المقسم به فقط، وذكر بعض أصحابنا أنه يجوز فيه وجهان: الرفع والنصب (٢). انتهى. والذي يظهر أن الذي قاله المصنف هو الحق؛ لأن القاعدة أن حرف الجر إذا حذف تعدى الفعل بنفسه إلى الاسم فنصبه فأما ما ورد مرفوعا فلا يقال فيه: إنه كان مجرورا، ثم حذفنا الحرف ورفعنا، بل يقال: إن الاسم أتي به مرفوعا ابتداء؛ لأن القسم كما يكون بجملة فعلية يكون بجملة اسمية فقول المصنف: وإن حذفا معا نصب المقسم به صحيح لا استدراك فيه عليه. وأمّا قول ابن عصفور: ونصبه على تقدير: ألزم نفسي يمين الله، فليس بظاهر؛ لأن هذا التقدير يقتضي أن لا يكون المتكلم بهذه الجملة مقسما؛ لأن ما أتى به ليس بقسم؛ والحق أن النصب إنما هو بفعل القسم المقدر تعدى بنفسه إلى ما كان متعديا إليه بالحرف على القاعدة المعروفة. وفي شرح الشيخ مشيرا إلى ما ذكره ابن عصفور: وردّ هذا المذهب بأن «ألزم» -

стр. 3042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ليس بفعل قسم، وتضمين الفعل معنى القسم ليس بقياس (١). قال: وساغ حذف الحرف ووصول فعل القسم بنفسه؛ لكثرة الاستعمال وطول الكلام بالجواب كما ساغ حذف الفعل نفسه لذلك (٢) قال: وشبه سيبويه ذلك بحذف الحرف قولهم: إنك ذاهب حقّا، والأصل: بحق؛ فحذف الحرف ونصب الاسم بـ «ذاهب» ووجه الشبه أن المحلوف به يؤكد به الحديث كما يؤكد بحق في: إنك ذاهب حقّا (٣)، وقال أيضا: دلّ كلام المصنف على جواز حذف الحرف يعني مطلقا، وليس كذلك؛ بل إنما يجوز حذف الحرف بشرط أن لا يدخل في الكلام معنى التعجب فإذا قلت متعجبا: تالله لا يبقى أحدا ولله؛ لم يجز حذف التاء، ولا حذف اللام (٤). انتهى. وأقول: لا يحتاج المصنف إلى استثناء ذلك؛ لأن الحرف إنما لم يجز حذفه في ما ذكره لإفادته معنى يفوت لو حذف الحرف وهو التعجب؛ فلم يكن امتناع الحذف إلا لكونه مفيدا لمعنى يفوت بعدم ذكره، لا لكونه حرف قسم، ولا شك أن ما أفاد معنى لا يجوز حذفه إلا إذا دلّ عليه دليل، ثم إنك قد عرفت أن قول المصنف في المتن: وإن كان «الله» جاز جره بتعويض إثبات الألف غير مفصح عن كيفية النطق بذلك ولكن قد أفصح في الشرح بقوله: وإن كان المقسم به عند حذفهما «الله» جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة يليها ألف نحو: آلله لأفعلن. وابن عصفور سمى هذه الهمزة استفهام .. وليس بجيد؛ إذ ليس هنا استفهام أصلا. وأما قول المصنف: أو «ها» محذوف الألف، أو ثابتها مع وصل ألف «الله» وقطعها فيفهم منه أربع صور وهو واضح. ثم إنك تعلم من قول المصنف: وإن كان «الله» جاز جره بتعويض كذا وكذا إلى آخره؛ أن التعويض عن حرف القسم لا يكون إلا إذا كان المقسم به اسم الله كما ذكر ابن عصفور. وفي شرح الشيخ: فلو جئت بشيء من هذه الأعراض الثلاثة في ما يقسم به من غير لفظ «الله» وحذفت حرف الجر الموضوع للقسم لم يكن إلا النصب تقول: -

стр. 3043

[من أحكام الجملة الاسمية في القسم] قال ابن مالك: (فإن ابتدئ في الجملة الاسميّة بمتعيّن للقسم حذف الخبر وجوبا، وإلا فجوازا والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر، وإن كان عمرا أيضا جاز ضمّ عينه ودخول الباء عليه ويلزم الإضافة مطلقا. وإن كان «ايمن» الموصول الهمزة لزم الإضافة [٤/ ٤٥] إلى «الله» غالبا، وقد يضاف إلى «الكعبة» و «الكاف» و «الذي»، وقد يقال فيه مضافا إلى «الله» «إيمن وإيمن وأيمن وأيم وإيم وإم» و «من» مثلث الحرفين، و «م» مثلثا، وليست الميم بدلا من واو، ولا أصلها «من» خلافا لمن زعم ذلك، ولا «ايمن» المذكور جمع «يمين» خلافا للكوفيين. وقد يخبر عن اسم الله مقسما به بـ «لك وعليّ»، وقد يبتدأ بالنذر قسما). ــ العزيز لأفعلن، وكذا قال في الارتشاف (١). ولم أفهم قوله: وحذفت حرف الجر الموضوع للقسم مع قوله: فلو جئت بشيء من هذه الأعراض الثلاثة؛ لأن العوض لا يكون إلا بعد حذف المعوض عنه، وكذا قوله: ولم يكن إلا النصب؛ لأن الغرض أن الذي أتى به عوض عن حرف الجر فوجب أن يقوم مقامه فكيف ينصب الاسم حينئذ (٢)؟! قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): المبتدأ المتعين للقسم نحو: «لعمرك» و «لايمن الله» فإنهما لا يستعملان مقرونين باللام إلا مقسما بهما مرفوعين بالابتداء، فالتزم حذف خبرهما لكونه مفهوم المعنى مع سدّ الجواب مسدّه، ونبهت بإضافة نحو إليها على أمرين: أحدهما: أنهما قد يضافان إلى غير ما أضيفا إليه إلا (٤) نحو: لعمرك الله ولعمري ولايمن الكعبة ولا يمنك. والآخر: أنه قد يقترن غيرهما بقرينة تعينه للقسم وللابتداء فيكون حذف خبره واجبا كقول من توجهت عليه يمين لازمة: لعهد الله لقد كان كذا، فلو لم يتعين -

стр. 3044

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كون المبتدأ مقسما به من قبل نفسه جاز إثبات خبره وحذفه كقولك حالفا: عليّ عهد الله أو يمين الله يلزمني؛ فلك أن تجيء به هكذا، ولك أن لا تلفظ بـ «عليّ» ولا «يلزمني»؛ لأن ذكر الجواب يدل السامع على أنك مقسم، وقد كان قبل ذكره مجوزا أنك غير مقسم ومجوزا أنك مقسم. ولم يمتنع حذف الخبر؛ لكونه مفهوم المعنى بعد ذكر الجواب فلو لم يقترن «لعمر الله» باللام لجاز نصبه كقول أبي شهاب الهذلي: ٢٧٥٦ - فإنّك عمر الله إن تسأليهم ... بأحسابنا إذا تجلّ الكبائر ينبؤك أنّا نفرج الهمّ كلّه ... بحقّ وأنّا في الحروب مساعر (١) فلهذا قلت: (والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر). ثم نبهت على أن العين من «لعمر الله» ونحوه عند عدم اللام يجوز فيها الفتح، والضم، وكان ينبغي أن يجوزا مع وجود اللام لكن خصّ مع كثرة الاستعمال في مصاحبة اللام بالفتح؛ لأنه أخف اللغتين. ومن دخول الباء عليه عند عدم اللام قول الشاعر: ٢٧٥٧ - رقيّ بعمركم لا تهجرينا ... ومنّينا المنى ثمّ امطلينا (٢) ومثله: ٢٧٥٨ - أأقام أمس خليطنا أم سارا ... سائل بعمرك أيّ ذاك اختارا (٣) وقولي: (ويلزم الإضافة مطلقا) أي: إلى الظاهر والمضمر ومع وجود اللام وعدمها. واحترزت بقولي: وإن كان «ايمن» الموصول الهمزة من «أيمن» بقطع الهمزة فإنه جمع يمين بلا خلاف، وحكمه إذا أقسم به حكم واحده. وأما الموصول الهمزة فيلزم الإضافة إلى «الله» أو إلى «الكعبة»، أو إلى ضمير المخاطب وإلى «الذي» لكن إضافته إلى غير «الله» قليلة وإضافته إلى ضمير المخاطب وإلى «الذي» أقلّ من إضافته إلى الكعبة. ومن إضافته إلى ضمير المخاطب قول عروة بن الزبير (٤) رضي الله تعالى عنهما -

стр. 3045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «لا يمنك لئن ابتليت لقد عافيت» (١) ومن إضافته إلى «الذي» قول النبي ﷺ : «وايم الذي نفسي بيده» (٢)، وفيه حين يليه «الله» اثنتا عشرة لغة: ثلاث مع ثبوت الهمزة والنون، وثلاث مع حذف النون دون الهمزة، وثلاث مع حذف الهمزة والياء وثبوت النون، وثلاث مع الاقتصار على الميم فيقال: ايمن الله، وايمن الله، وايمن، وايم الله، وايم الله، وام الله، ومن الله، والله، ومن الله، وم الله، وم الله، وم الله. وزعم بعضهم: أن الميم المفردة بدل من واو «الله» كالتاء وليس بصحيح؛ لأنها لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء، ولأن التاء إذا أبدلت من الواو في القسم فلها نظائر في غير القسم مطردة كـ «اتصف، واتصل»، وغير مطردة كـ «تراث وتجاه»، وليس لإبدال الميم من الواو إلا موضع شاذ، وهو «فم» وفيه مع شذوذه خلاف. وزعم الزمخشري: أنها من المستعملة مع «ربي»، فحذفت نونها (٣) وليس بصحيح أيضا؛ لأنها لو كانت إياها لاستعملت في النقص مع ما استعملت في التمام على الأشهر كما لم تستعمل «ايمن» في النقص إلا مع ما استعملت في التمام على الأشهر. واحترزت بالأشهر من رواية الأخفش عن بعض العرب: من الله، ومن الكعبة، وايمن الله، وايمنك، وايم الله نفسي بيده (٤). وقال الزمخشري في «م الله»: ومن الناس من يزعم أنها من «ايمن» (٥). قلت: لم يعرف من الذي زعم ذلك وهو سيبويه - رحمه الله تعالى - فإنه قال - في باب عدة ما يكون عليه الكلم -: واعلم أن بعض العرب يقول: م الله لأفعلن، يريد: ايم الله (٦). وفي عدم معرفة الزمخشري بأن صاحب هذا القول سيبويه دليل على أنه لم يعرف من كتابه إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء، لا بتدبر واستقصاء، فما أوفر تبجحه، وأيسر ترجحه عفا الله عنّا وعنه. وزعم الكوفيون: أن «ايمن» المذكور جمع «يمين»، ورأيهم هذا ضعيف ويدل على ضعفه ثلاثة أمور: أحدها: أن همزة الجمع همزة قطع، وهمزة هذا الاسم همزة وصل؛ لسقوطها -

стр. 3046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مع اللام في: «ليمنك لئن ابتليت لقد عافيت»، وفي قول الشاعر: ٢٧٥٩ - فقال فريق القوم لمّا قصدتهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري (١) وليس هذا بضرورة؛ لتمكن الشاعر [٤/ ٤٦] من إقامة الوزن بتحريك التنوين والاستغناء عن اللام. الثاني: أن من العرب من يكسر الهمزة في الابتداء، وهمزة الجمع لا تكسر. الثالث: أن العرب من يفتح الميم فتكون على وزن «أفعل» ولا يوجد ذلك في الجموع. ومن الإخبار بـ «لك» عن اسم الله مقسما قول الشاعر: ٢٧٦٠ - لك الله لا ألفي لعهدك ناسيا ... فلا تك إلّا مثل ما أنا كائن (٢) ومثله: ٢٧٦١ - لقد حليتك العين أوّل نظرة ... وأعطيت منّي يا ابن عمّ قبولا أميرا على ما شئت منّي مسلّطا ... فسل فلك الرّحمن تمنح سولا (٣) ومن الإخبار عنه بـ «على» قول الآخر: ٢٧٦٢ - نهى الشّيب قلبي عن صبا وصبابة ... ألا فعلى الله أوجد صابيا (٤) ومثال جعل النذر قسما مرفوعا بالابتداء قول الشاعر: ٢٧٦٣ - عليّ إلى البيت المحرّم حجّة ... أوافي بها نذرا ولم أنتعل نعلا لقد منحت ليلى المودّة غيرنا ... وإنّ لها منّا المودّة والبذلا (٥) انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٦). -

стр. 3047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو كلام حسن على عادته واف بالمقصود وليس فيه إلا تعرضه إلى الغض من الزمخشري وتجهيله إياه بكتاب سيبويه. وليس هذا من طريقة المصنف، فإنه بحمد الله تعالى مكفوف اللسان عمّن هو دون الزمخشري في الرتبة، فكيف بمن هو عالي الرتبة، ولكن كما قيل: الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو. والعجب أن ما قاله في حق الزمخشري من أنه لا يعرف من الكتاب إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء، لا بتدبر واستقصاء قاله الشيخ أثير الدين في حقه إما بهذا اللفظ أو بمعناه أو ما يقرب منه حسبما تقف عليه في باب إعراب الفعل إن شاء الله تعالى. وهذا يحقق قول القائل: كما تدين تدان (١). فكأن المصنف جوزي بالوقوع في حقه عما وقع به في حق الزمخشري وقد ثلب الشيخ الرجلين كليهما هنا بعد أن اعتذر عن الزمخشري في ما عابه عليه المصنف فقال: وما رد به المصنف على الزمخشري غير صحيح (٢)؛ لأن ذلك لا يدل على الجهل بالقائل بل الظاهر أنه لما كان عنده هذا القول ضعيفا تأدّب مع سيبويه فقال: ومن الناس، ولم يصرح باسمه إعظاما له لما خالفه. قال: وأما قوله عنه: إنه لم يعرف من كتاب سيبويه إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء؛ فهو كما قال، ولذلك وقع في مفصّله أغلاط ومخالفة لسيبويه وقد رد الناس عليه ذلك لكن ما ذكره المصنف عن الزمخشري هو مشارك له فيه. فكم مكان خالف فيه نصوص سيبويه عن العرب. وكم نقل جهله عنه، وكم مفهوم فهمه خلاف ما فهمه المعتنون بكتاب سيبويه والتفقه فيه على أنه رحمه الله تعالى لم يقرأ كتاب سيبويه على أحد إنما كان يتصفح منه مواضع، قال: وقد رحل الزمخشري من خوارزم إلى مكة شرفها الله تعالى قبل العشرين وخمس المائة لقراءة كتاب سيبويه على رجل من أصحابنا أهل الأندلس يعرف بأبي بكر بن طلحة البابرتي كان مجاورا بها عالما بكتاب سيبويه وغيره، وله تصانيف فقرأ عليه الزمخشري جميع الكتاب وأما قوله: فما أوفر تبجحه، وأيسر ترجحه؛ فهو كما قال وافر التبجح يسير الترجح معظم نفسه على طريقة أمثاله من أهل بلاده. انتهى -

стр. 3048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلام الشيخ رحمه الله تعالى (١). وقد رأيت ما أفهمه كلامه من الغض من هذين الرجلين الكبيرين اللّذين أجلّ الله تعالى قدرهما وأظهره ورفع ذكرهما ونشره بشهرة ما لهما من التصانيف والتوجه إليها والإكباب عليها. ولا شك أن فضل الرجلين غير منكور ومحلهما في العلم الشريف ليس بمحجوب عن ذوي البصائر ولا مستور في تعب من يحسد الشمس نورها، ويجهد أن يأتي لها بضريب. وغالب ما يخالف فيه المصنف سيبويه إنما تخالف مع العلم بكلام سيبويه والاطلاع عليه؛ ولهذا يصرح تارة في المتن وتارة في الشرح فيقول خلافا لسيبويه. ولعل ما ذكره الشيخ قد يكون في بعض المسائل، لا في الكثير كما أفهمه كلام الشيخ بقوله: فكم، وكم، وكم. ثم ما يذكره المصنف مما يخالف رأي سيبويه إن كان صحيحا فبها، وإن لم يكن صحيحا وقد جهل فيه كلام سيبويه؛ فليس ذلك بنقص؛ إذ كل مأخوذ من كلامه ومتروك إلا المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والرجل العالم لا يلزم في حقه أن يطلع على جميع المسائل. ومن شأن العالم أن يصيب ويخطئ، ومن حكمة الله تعالى وتفضله على عباده أن ينعم على الإنسان بأن يفهمه من العلم ما يفهمه، ثم يحجب عنه ما يجعله نصيبا لمن يأتي بعده؛ ليكون لكل أحد نصيب وحظ من التبصر، والإدراك، والفهم فيحصل الخير كلّه للناس كلّهم. وأما كون المصنف لم يقرأ كتاب سيبويه على أحد فهذا غاية المدح له والتعظيم بجانبه حيث خاض في المشكلات وأدرك الحقائق بنفسه ابتداء دون مسلك ولا موقف، وقد كان الشيخ يلمزه أيضا بأنه لا يعرف له شيخ أخذ عنه هذا الفن - أعني فن العربية - وهو عجب؛ فإن [٤/ ٤٧] ذلك يدل على علو رتبته، وسمو همته، وعلى قوة أتاها الله تعالى له، وأعانه كما قال هو في خطبة كتابه: وإذا كانت العلوم منحا إلهية ومواهب اختصاصية؛ فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. -

стр. 3049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولقد صدق فإنه أبرز للناس تصانيف في هذا العلم لا عهد لهم بمثلها، وجلالة كتاب «التسهيل»، وما اشتمل عليه من الجمع والتنقيح والتحبير مع الإيجاز تشهد له بالتبريز، وقد كان الشيخ مكبّا على هذا الكتاب بعد أن كتبه بخطه، وشحن هوامشه بالأمثلة والشواهد، وكان عمدته، وغالب أوقاته ينظر فيه وطالما شاهدته وهو يخرجه من كمه حين يسأل عن مسألة فينظر فيه ويجيب وكان يقول: من عرف هذا الكتاب حقّ المعرفة لا يكون تحت أديم السّماء أحد أعلم منه بهذا الفنّ. ثم إن الناس يذكرون أن الشيخ لم يقرأ كتاب سيبويه على أحد أيضا ببلاد الغرب وأنه بعد قدومه إلى الديار المصرية قرأه على الشيخ بهاء الدين بن النحاس (١) مصححا ألفاظه ومحررا لها مع قصد الرواية، أما قراءة بحث وتدبر فلا. وأما قوله عن الزمخشري: إنه وافر التبجح كثير الترجح معظم نفسه؛ فالزمخشري في صوب آخر يضاد ما ذكره الشيخ عنه؛ ودليل ذلك أن الحافظ السلفي (٢) ﵀ كتب إليه يستجيزه، وسأله أن يكتب له مجموعاته في الفنون وتصانيفه ومشايخه الذين أخذ عنهم العلم الشريف إلى غير ذلك، وأكد عليه في الجواب وقال: كنت كتبت في العام الماضي أستدعي ذلك فلم يرد علي جواب يشفي الغليل. فكتب الزمخشري الجواب إلى السلفي رحمهما الله تعالى: ما مثلي مع أعلام العلماء إلا كمثل السها (٣) مع مصابيح السماء، والجهام (٤) الصفر الرهام (٥) مع العوادي العامرة القيعان والآكام (٦)، والسّكّيت (٧) المخلف مع خيل السباق، والبغاث (٨) مع الطير العتاق، وما التقليب بالعلامة إلا شبه الرقم مع العلاقة، والعلم مدينة أحد بابيها: الدراية، والثاني: الرواية، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلّي فيها أقلص -

стр. 3050

[الحروف التي يتلقى بها القسم، وأحكامها] قال ابن مالك: فصل (المقسم عليه جملة مؤكّدة بالقسم تصدّر في الإثبات بلام مفتوحة، أو «إنّ» مثقلة أو مخفّفة، ولا يستغنى عنها غالبا دون استطالة، وتصدّر في الشّرط الامتناعيّ بـ «لو» و «لولا»، وفي النّفي بـ «ما»، أو «لا»، أو «إن»، وقد تصدّر بـ «لن» أو «لم» وتصدّر بالطّلب بفعله أو بأداته، أو بـ «إلّا» أو «لمّا» بمعناها. وقد تدخل اللّام على «ما» النّافية اضطرارا، وإن كان أوّل الجملة مضارعا مثبتا مستقبلا غير مقارن حرف تنفيس ولا مقدّم معموله لم تغنه اللّام غالبا عن نون توكيد، وقد يستغنى بها عن اللّام، وقد يؤكّد المنفيّ بـ «لا»، ويكثر حذف نافي المضارع المجرّد مع ثبوت القسم ويقلّ مع حذفه، وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللّبس، ويكثر ذلك لتقدّم نفي على القسم وقد يكون الجواب مع ذلك مثبتا، وقد يحذف لأمن اللّبس نافي الجملة الاسميّة وقد يكون الجواب قسما). ــ من ظل حصاة. أما الرواية فحديثة الميلاد قريبة الإسناد لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام معروفين، وأما الدراية فثمد (١) لا يبلغ أفواها وبرض (٢) لا يبل شفاها ... إلى آخر ما قاله. فلينظر إلى تأدب هذا الرجل، واستصغاره نفسه وامتثال قوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (٣). وبعد: فرضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحشرنا في زمرة محمد سيد المرسلين، في خير وعافية بمنه وكرمه؛ إنه على كل شيء قدير. قال ناظر الجيش: قد عرف من قولهم في حد القسم: إنه جملة يؤكد بها جملة؛ أنّ الجواب لا يكون إلا جملة؛ لأنه هو المؤكد بجملة القسم. قال ابن عصفور في شرح الجمل (٤): وزعم أبو الحسن أن جواب القسم قد يكون لام «كي» مع الفعل نحو قولك: -
следующие страницы →