. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما شئت بمصدر. والصحيح أن ما في المثال المذكور شرطية محذوفة الجواب، والجملة نعت للنكرة التي قبلها رجلا كان أو غيره والتقدير مررت برجل ما شئت من رجل فهو ذلك. ولكون ما شرطية حسن وقوع من بعدها لبيان الجنس كقوله تعالى وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (١) ولو كانت مصدرية لم يحسن وقوع من بعدها (٢). انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهو كما قيل من السحر الحلال لمحتبيه، ولم أر قبله سحرا حلالا.
وملخص ما تضمنه هذا الفصل: أن المنعوت به إما جملة وقد فصل القول فيها وإما مفرد. ثم المفرد إما مشتق وقد عرفته وإما غير مشتق لكن غير المشتق لا بد أن يكون جاريا مجرى المشتق ثم هذا الجاري أقسامه عشرة. جار مجرى المشتق أبدا بمعنى أنه لا يستعمل إلا نعتا وهو ثلاثة أقسام. الوصف الذي وضع موافقا للمشتقات في تضمن معاني الأفعال دون حروفها كلوذعي وأخواته وذو بمعنى صاحب وفروعه ومن فروعه أيضا أولو وأولات والمنصوب. وجار مجرى المشتق في حال دون حال بمعنى أنه يستعمل نعتا وغير نعت ثم هو مقيس
وغير مقيس. فالمقيس أربعة أقسام:
أسماء الإشارة غير المكانية وذو الموصولة وفروعها والموصولات المبدوءة بهمزة الوصل والكلمات المنثورة التي ذكرها مقيدة بما أشار إليه رجل وأي وكل وجد وحق. وغير المقيس ثلاثة أقسام:
المصدر والعدد والقائم بمسماه معنى لازم ينزله منزلة المشتق.
ويختص المنسوب من المقيس دون بقية أقسامه بتحمل الضمير ورفعه الظاهر.
قال المصنف في شرح الكافية:
وللاسم المنسوب إليه مزية على غيره من الجاري مجرى المشتق لكثرة الحاجة إليه في المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث فذلك رفع به الظاهر دون شذوذ فيقال مررت برجل عربي أبوه عجمية أمه. انتهى (٣). -
стр. 3292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك أيضا يختص القائم بمسماه معنى من غير المقيس بتحمله الضمير ورفعه الظاهر فيقال: مررت برجل أسد أبوه أي شجاع أبوه. وهذه المسألة معروفة في باب المبتدأ (١).
وكلام ابن عصفور مخالف لكلام المصنف في المسألة وهو أنه جعل النعت بالعدد مطردا، قال في المقرب: ولا يجوز الوصف بما هو في حكم المشتق قياسا إلا أن يكون الاسم منسوبا، أو اسم عدد أو اسم كيل كذراع، أو اسما مشارا إليه نحو قولك: مررت بهذا الرجل (٢). انتهى.
فإن قلت: ليس في كلام المصنف في الأقسام التي ذكرها تعرض إلى ذكر نعت اسم الإشارة في نحو المثال الذي ذكرنه ابن عصفور وهو: بهذا الرجل - فالجواب أن هذا ليس بنعت عند المصنف ولا عند الجماعة وإنما هو عندهم عطف بيان كما سيأتي أن كونه عطف بيان هو القول الأصح، ثم إن المصنف لم يتعرض إلى وقوع الظرف والمجرور نعتا؛ لأنهما مؤولان حينئذ بمفرد فكأن المصنف استغنى عن الإشارة إليهما بذكر المفرد لتأولهما به. ومن ثم كانا يتحملان ضمير المنعوت ويرفعان الظاهر [٤/ ١٢٢] وهذا حكم مستقر معروف كما ذكر في باب المبتدأ.
وبعد: فقد بقيت الإشارة إلى أمور:
منها: أن كون ذو بمعنى صاحب وضعت ليتوصل بها إلى وصف الأشخاص بالأجناس كما أن الذي وضعت ليتوصل بها إلى وصف المعارف بالجمل أمر معروف عند النحاة. ومن ثم لم يوصف بها إلا النكرات لإضافتها إلى ما هو نكرة وهو الجنس حتى عد من الشاذ قول القائل:
٣١٥٧ - إنما يعرف (ذا) الفض ... لـ من النّاس ذووه (٣)
لكن زعم ابن بري (٤) أنها تضاف إلى ما يضاف إليه صاحب لأنها بمعناه. قال: -
стр. 3293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنما أنكر النحويون إضافتها إلى المضمر والعلم لكونهم جعلوه وصلة للوصف بالأجناس والمضمر والعلم لا يوصف بهما فأما إذا خرجت عن أن تكون وصلة إلى ذلك فلا مانع من إضافتها إليه فتقول: رأيت الأمير وذويه، وعلى هذا جاء البيت الذي ذكر آنفا (١).
ومنها: أن اسم الإشارة للمكان إنما امتنع الوصف به من حيث ينعت به وهو اسم إشارة غير مقصود به الظرف أما إذا قصد به الظرفية فلا مانع من وقوعه نعتا كان يذكر مكان فتقول: رأيت إنسانا هناك ثم إن النعت بأسماء الإشارة غير المكانية هو مذهب البصريين، وحجتهم أن فيها معنى التحلية لأن معنى مررت بزيد (هذا مررت بزيد) المشار إليه.
قال الشيخ: وذهب الكوفيون وتبعهم السهيلي إلى أن النعت بأسماء الإشارة لا يجوز معتلين لذلك بأنها جامدة ولا تتحمل ضميرا بدليل أنها لا ترفع الظاهر إذ لو تحملته لرفعت (٢). انتهى.
والجواب: أنه إذا جاز النعت نحو أسد لتأوله بشجاع فالنعت باسم الإشارة أقرب لأن تأول أسد بالقصد وتأول اسم الإشارة بالوضع.
ومنها: أنك قد عرفت أن رجلا ينعت به في حالين:
أحدهما: أن يكون بمعنى كامل أي كامل الرجولية كقولك مررت بزيد الرجل أي الذي كملت رجوليته وقد ذكروا أنه لتضمنه معنى كامل يرفع الظاهر في قولك: أرجل عبد الله لأن المتكلم لم يستفهم أرجل عبد الله أم امرأة إذ معلوم أنه رجل.
ومنها: أن النعت بالمصدر من قبيل النعت بما هو في حكم المشتق والنعت به عند البصريين على تقدير حذف مضاف فتقدير مررت برجل عدل برجل ذي عدل.
وأما الكوفيون فيزعمون أن المصدر مؤول بالصفة فيجعلون عدلا واقعا موقع عادل.
ورد ابن عصفور ذلك بأنه إخراج للمصدر عن أصله والبقاء على الأصل أولى (٣). -
стр. 3294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومما يدل على أنه باق على مصدريته أنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث كما كان قبل أن يوصف به إلا ما حكي شاذّرؤا من قولهم قوس طوعة القياد بتأنيث طوع وحكى أيضا أضياف وضيوف وضيفان في ضيف وهو في الأصل مصدر ضافه يضيفه وأنشدوا:
٣١٥٨ - والحيّة الحتفة الرقشاء أخرجها ... من جحرها آمنات الله والكلم (١)
قال: ومثل هذا موقوف على السماع (٢). ثم إنه يحتاج إلى أحد هذين الأمرين إذا لم يرد المبالغة أما إذا أريدت المبالغة فلا حذف ولا تأويل بل إنما يكون ذلك على جعل الموصوف هو المصدر مجازا لكثرة وقوعه منه كما تقدم الإشارة إلى شيء من ذلك في باب المبتدأ.
ومنها: أن الشيخ نقل عن السهيلي أنه قال: المصدر بالميم نحو مزار ومسير لا يجوز الوصف به ولا الإخبار لا باطراد ولا غيره فتقول: رجل زور، ولا تقول:
رجل مزار وما أنت الأسير ولا تقول مسير (٣). قال السهيلي: وقول النحاة المصدر يكون بالميم كقولك قتلت مقتلا وذهبت مذهبا تسامح، لأن الميم دخلت لمعنى زائد على معنى الحدث ولذلك تقول ضربه وقتله ولا تقول مضربه ومقتله إلا في المكان ولو كان المقتل بمعنى القتل على الإطلاق لم يمتنع هذا ولم يمتنع رجل مزار أي
زور (٤) قال الشيخ بعد نقل هذا الكلام: ويدل على أن ما فيه الميم مصدر حقيقة إعماله في المفعول به الصريح كالمصدر العاري عن الميم وأما كونه لا يوصف به ولا يخبر فللعرب أن تخص بعض المترادفين بحكم لا يكون للآخر (٥) انتهى.
وكأن الشيخ سلم السهيلي ما ادعاه من امتناع الوصف والخبر بما فيه الميم وهذا إن صح فإنما (يؤخذ) تقليدا.
стр. 3295
[تفريق النعت وجمعه وإتباعه وقطعه]
قال ابن مالك: فصل (يفرّق نعت غير الواحد بالعطف إذا اختلف ويجمع إذا اتّفق، ويغلّب التّذكير والعقل عند الشّمول وجوبا، وعند التّفصيل اختيارا، وإن تعدّد العامل واتّحد عمله ومعناه ولفظه أو جنسه جاز الإتباع مطلقا، خلافا لمن خصّص ذلك بنعت فاعلي فعلين وخبري مبتدأين، فإن عدم الاتّحاد وجب القطع بالرّفع على إضمار مبتدأ، أو بالنّصب على إضمار فعل لائق ممنوع الإظهار في غير تخصيص بوجهيه في نعت غير مؤكّد ولا ملتزم ولا جار على مشار به، وإن كان لنكرة فيشترط تأخّره عن آخر وإن كثرت نعوت معلوم أو منزل منزلته أتبعت أو قطعت أو أتبع بعض دون بعض وقدّم المتبع).
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على أمرين:
أحدهما: الإشارة إلى حكم النعوت بالنسبة إلى التفريق والجمع إذا كانت لغير واحد.
ثانيهما: الإشارة إلى ما يجوز فيه القطع من النعوت وما يجب فيه ذلك وما يمتنع.
أما الأمر الأول: فإن التفريق يجب عند الاختلاف، والجمع يجب عند الاتفاق فالتفريق نحو: مررت برجلين كريم وبخيل، ورغبت في الزيدين القريشي والتميمي، وأنشد المصنف:
٣١٥٩ - فأفنيناهم منّا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب (١)
والجمع نحو: أويت [٤/ ١٢٣] إلى رجلين كريمين واستعنت بالزيدين القرشيين.
ويغلب التذكير والعقل وجوبا عند الشمول فيقال في تغليب التذكير: مررت بزيد وهند الصالحين وبزيد والهندين الصالحين، ويقال في تغليب العقل: اشتريت عبدين وفرسين مختارين ويغلبان اختيارا أي في الاختيار عند التفصيل فتقول في تغليب التذكير: قاصد رجل وامرأة مررت باثنين صالح وصالح، وباثنين صالح وصالحة، -
стр. 3296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصالحة وصالح وكذا مررت باثنين ذي عذرة وذي عذار وذات عذرة، وتقول في تغليب العقل: انتفعت بعبيد وأفراس سابقين وسابقين، ويجوز سابقين وسابقات.
ثم إن الشيخ ناقش المصنف في البيت الذي أنشده فقال أنه ليس من الذي ذكره (١)، قال: لأنه قال غير الواحد قال: والمنعوت هنا ليس بمثنى ولا مجموع بل هو اسم مفرد. وهو قوله: بجمع فلا يطلق عليه أنه غير الواحد، بل هو مفرد وإن كان مدلوله كثيرا؛ ولذلك صحت تثنيته في قوله تعالى: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ * (٢) قال:
فليس البيت نظير تمثيله وهو: مررت برجلين كريم وبخيل (٣). انتهى.
والجواب: أن غير الواحد يصدق على ما هو غير واحد في اللفظ كالمثنى والمجموع وعلى ما هو غير واحد في المعنى وإن كان واحدا في اللفظ كاسم الجمع مثلا ولا يرتاب في ذلك. ومن ثمّ مثل المصنف برجلين والزيدين للقسم الأول ومثل بالبيت للقسم الآخر.
وأما الأمر الثاني: وهو الإشارة إلى قطع المنعوت وجوبا ومنعا وجوازا. فقد تضمنه قول المصنف وإن تعدد العامل إلى قوله: وقدم المتبع.
وبعد: فأنا أورد كلام المصنف ثم أردفه بما سيوقف عليه إن شاء الله تعالى.
قال في شرح هذا الموضع (٤): مثال تعدد العامل واتحاد عمله ومعناه ولفظه:
ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان، وهذا بكر وهذا بشر الفاضلان، ورأيت محمدا ورأيت خالدا الشجاعين، وعجبت من أبيك وعجبت من أخيك المحسنين.
ومثال اتحاد الجنس: هذا زيد وذاك عمرو الحسنيان، وذهب بكر وانطلق بشر الحارثيان، ورأيت عليّا وأبصرت سعيدا الماجدين، وسيق المال إلى عامر ولسالم المفضلين، فهذه الأمثلة وأشباهها جائز فيها الإتباع، وإن لم يكن
العامل في اللفظ عاملا واحدا لأن ثاني العاملين فيها صالح لأن يعد توكيدا وأولهما صالح للاستغناء به ولانفراده بالعمل في النعت فيؤمن بذلك إعمال عاملين في معمول واحد. وفي كلام سيبويه ما يوهم منع جواز الإتباع عند تعدد العامل في غير مبتدأين وفاعلين، -
стр. 3297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنه قال في باب ما ينتصب فيه الاسم: لأنه لا سبيل إلى أن يكون صفة بعد أن مثل بهذا فرس أخوي ابنيك العقلاء (١)، ثم قال: ولا يجوز أن يجري وصفا لما انجر من وجهين كما لم يجز في ما اختلف إعرابه (٢).
ثم قال: وتقول: هذا عبد الله وذاك أبوك الصالحان لأنهما ارتفعا من وجه واحد وهما اسمان بنيا على مبتدأين، وانطلق عبد الله ومضى أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا بفعلين (٣)، فمن النحويين من أخذ من هذا الكلام أن مذهبه تخصيص نعت فاعلي الفعلين وخبري المبتدأين بجواز الإتباع. والأولى أن يجعل مذهبه على وفق ما قررته قبل؛ لأنه منع الاشتراك في إعراب ما انجر من وجهين كما هو في: هذا فرس أخوي ابنيك. وسكت عن المجرورين من وجه واحد وعن المنصوبين من وجه واحد، فعلم أنهما عنده غير ممتنعين، ويعضد هذا التأويل قوله في: هذا عبد الله، وذاك أبوك الصالحان «لأنهما ارتفعا من وجه واحد» فإن عدم اتحاد العمل وجب القطع بالرفع على إضمار مبتدأ وبالنصب على إضمار فعل نحو: مررت بزيد ولقيت عمرا الكريمان والكريمين، وكذلك إن اتحد العمل واختلف المعنى أو الجنس نحو: مررت بزيد واستعنت بعمرو، ومررت بزيد إمام عمرو، فقطع النعت الواقع بعد هذه المجرورات المختلفة وأشباهها متعين. وقولي: بفعل لائق: نبهت به على أن بعض المواضع يليق به أمدح نحو: شكرت لزيد، ورضيت عن عمرو المحسنين، وبعضها يليق أذم نحو: أعرضت عن زيد وغضبت على عمرو الخبيثين، وبعضها يليق به أرحم نحو: رثيت لزيد وأسيت على عمرو المسكينين، وبعضها يليق به أعني وذلك إذا كان المذكور غير متعين نحو أن تقول: لذي أخوين اثنين مررت بأخيك والتفت إلى ابنك الكبيرين. وإذا كان المضمر أمدح أو أذم أو أرحم لم يجز الإظهار. وإذا كان المضمر أعني جاز الإظهار والإضمار وموضع تقدير، أعني هو موضع التخصيص المنبه عليه بقولي: ممنوع الإظهار في غير تخصيص.
ويجوز القطع بوجهيه، أي بالرفع والنصب في نعت غير مؤكد نحو لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (٤) ولا يلتزم نحو: الشعرى العبور ولا: جار على مشاربه نحو: -
стр. 3298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مررت بذلك الرجل، وما سوى نعوت هذه الثلاثة فالقطع فيها جائز على الوجهين المذكورين وإن كان المنعوت نكرة اشترط في قطع نعته مقاربته المعرفة بتقدم نعت غير مقطوع كقول الشاعر:
٣١٦٠ - ويأوي إلى نسوة عطّل ... وشعثا مراضيع مثل السّعالي (١)
ومنه قول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: «نزلنا على خال لنا ذو مال وذو هيئة» (٢) وإذا كثرت النعوت والمنعوت لا يتعين إلا بجميعها لزم اتباعها كقولك:
ائتني برجل مسلم عربي النسب فقيه كاتب نحوي حاسب واكسه من الثياب الجيدة الجديدة السابغة المخيطة أحسنها. فهذه النعوت المتوالية على هذا الوجه وأشباهها بمنزلة نعت واحد لا يستغنى عنه فلا تقطع كما لا يقطع. فلو حصل التعيين بدونها جاز للمتكلم أن يتبعها وأن يقطعها وأن يتبع بعضها ويقطع بعضها بشرط تقديم المتبع وتأخير المقطوع والإتباع [٤/ ١٢٤] أجود وكذلك يجوز الإتباع والقطع في ما لا يحصل التعيين بدونه إذا قصد المتكلم تنزيله منزلة ما يحصل التعيين بدونه لتعظيم أو غيره ومنه قول الخرنق (٣):
٣١٦١ - لا يبعدن قومي الّذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكلّ معترك ... والطيّبين معاقد الأزر (٤)
ويروى الطيبون، ويروى النازلون والطيبين [والنازلين] (٥) أربعة أوجه.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقوله في المتن: بوجهيه في نعت غير مؤكّد لم يكن متعلقا بما قبله ولم يذكر بعده ما يتعلق به. والنسخ كلها متطابقة على قوله: بوجهيه دون تقدم شيء. -
стр. 3299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد أوقع الله تعالى في خاطري أن كلمة سقطت قبل قوله: بوجهيه وهي «ويجوز» أي ويجوز القطع بوجهيه أي بالرفع والنصب في غير كذا وكذا، وجزمت بذلك إلى أن وقفت على كلام المصنف في الشرح فرأيته قد صرح بهذه الكلمة التي ذكرتها كما تقدم ذكر ذلك عنه. فالحمد لله الهادي إلى الصواب بمنه وكرمه.
وبعد: فقد تلخص من كلام المصنف أن قطع النعت له ثلاث أحوال تقدم الإشارة منا إليها وهي حالة وجوب، وحالة امتناع، وحالة جواز.
أما حالة الوجوب ففي ثلاث صور وهي:
إذا كان العامل في المنعوت غير واحد ولم يتحدا في العمل نحو: «مررت بزيد ولقيت عمرا، أو اتحدا في العمل ولم يتحدا في المعنى نحو: «مررت بزيد واستعنت بعمرو» أو اتحدا في المعنى والعمل ولم يتحدا في اللفظ أو الجنس نحو: «قام زيد وذهب عمرو» والقطع في هذه الصور واجب سواء أكان النعت للبيان أم لغيره كالمدح والذم مثلا. ولا يفترق الأمر بينهما إلا في أن إضمار أحد (الجزئين) واجب إذا كان النعت لغير البيان وجائز الإظهار والإضمار إذا كان للبيان.
وأما حال الامتناع ففي أربع صور وهي:
أن يكون النعت للتوكيد، أو يكون ملتزم الذكر مع المنعوت، أو يكون جاريا على مشار به، وقد تقدمت أمثلة ذلك، أو يكون نعتا لنكرة ولم يتقدمه نعت آخر لها، وسبب الامتناع في هذه الصور ظاهر لأن التوكيد لو قطع لخرج عن أن يكون توكيدا والملتزم تبعيته لا يجوز أن يكون غير تابع والنكرة محتاجة إلى البيان. وأما المشار به فسيأتي تعليله.
وأما حال الجواز ففي ثلاث صور وهي:
إذا لم يكن أحد الثلاثة المذكورة أعني النعت التوكيدي والنعت الملتزم ذكره مع ذلك المتبوع ونعت المشار به
سواء أكان النعت للبيان أم لغير البيان من مدح أو ذم أو ترحم وكان نعتا لمعرفة أو نعتا لنكرة وقد تقدم عليه نعت آخر أو كان النعت أكثر من واحد والمنعوت معلوم أو منزل منزلة المعلوم. والصورة الأولى من صور الجواز استفيدت من قوله بوجهيه في نعت غير مؤكد إلى آخره لأن التقدير: ويجوز القطع -
стр. 3300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بوجهيه في غير كذا وكذا. وعرف أنه قصد بهذا المعرفة لقوله بعد: وإن كان لنكرة فيشترط تأخره عن آخر؛ وإذ قد قرر هذا فلا شك أن شرط قطع النعت أن يكون المنعوت معلوما بدون النعت والمصنف لم يتعرض إلى ذكر هذا الشرط إلا عند ذكر تعدد النعت حيث قال:
«وإن كثرت نعوت معلوم أو منزل منزلته، وكان الواجب حين قال بوجهيه في كذا أن يقول في نعت معلوم أو منزل منزلته، وقد يقال إن المصنف إنما لم يذكر ذلك؛ لأنه استغنى عنه باشتراطه مع تعدد النعوت. ووجهه أن يقال: إذا كان القطع مع تعدد النعوت إنما يجوز بشرط كون المنعوت معلوما كان كون ذلك شرطا مع كون النعت لم يتعدد أحق وأولى. وقد استوفى المصنف الكلام على مسائل القطع وأورد ذلك بأخصر عبارة وألطف إشارة ما في كلامه من القلق.
وكلام ابن عصفور على هذه المسألة أبسط وأبين وربما اشتمل على زيادة وذكر خلاف لم يتضمنه كلام المصنف. فأنا أورده لقصد الإيضاح والبيان:
قال رحمه الله تعالى (١):
«اعلم أن الصفة لا تخلو من أن تتكرر أو لا تتكرر. فإن لم تتكرر فالمنعوت إما معلوم أو مجهول فإن كان مجهولا فالإتباع ليس إلا، نحو: مررت برجل عاقب وبزيد الكريم، إذا لم يكن زيد معلوما عند المخاطب إلا أن يقدره وإن كان مجهولا تقدير المعلوم فإنه إذ ذاك يجوز فيه الإتباع والقطع وكان المخاطب يبنى على أن الصفة تتبين بهذا الموصوف وإن لم تورد تابعة فإنها لا تليق إلا به وذلك نحو: مررت برجل كريم وكريما. وإن كان المنعوت معلوما عند المخاطب فإما أن تكون الصفة صفة مدح أو ذم أو ترحم أو غير ذلك فإن كانت غير ذلك فالإتباع ليس إلا نحو: مررت بزيد الطويل، وإن كانت الصفة أحد الثلاثة وكان الموصوف معلوما عند المخاطب جاز الإتباع والقطع وإذا قطعت فإلى الرفع على خبر ابتداء مضمر وإلى النصب بإضمار فعل تقديره أمدح أو أذم أو أرحم. ومن الناس من لم يجز القطع إلا بشرط تكرار الصفة وذلك فاسد؛ لأنه قد حكي من كلامهم الحمد لله أهل الحمد والحمد لله -
стр. 3301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحميد بنصب الحميد وأهل الحمد حكى ذلك سيبويه (١)، فإن تكررت النعوت فلا يخلو أن يكون المنعوت معلوما أو مجهولا فإن كان مجهولا فالإتباع ليس إلا في موضعين فإنه يجوز الإتباع والقطع.
أحدهما: أن تقدره وإن كان مجهولا تقدير المعلوم تعظيما له وكان المخاطب يبني على أن الصفة وإن لم تورد تابعة يتبين بها الموصوف لأنها لا تليق إلا به نحو قولك:
مررت برجل كبير الأقدام شريف الآباء.
والآخر: أن تكون الصفة المقطوعة قد تقدمها صفة متبعة تقاربها في المعنى وذلك نحو قولك: مررت برجل [٤/ ١٢٥] شجاع فارس؛ لأن الشجاعة يفهم منها الفروسية ومن ذلك قوله:
٣١٦٢ - ويأوي إلى نسوة عطّل ... وشعثا مراضيع مثل السّعالي (٢)
فنصب (شعثا) على القطع؛ لأنه لما وصفهن بالعطل فهم من ذلك أنهن شعث.
فإن كان المنعوت معلوما فالصفة إما للمدح أو للذم أو للترحم، فإن لم تكن لشيء من ذلك فالإتباع ليس إلا نحو: مررت بزيد الطويل الأبيض الأشم، وإن كانت الصفة أحد الثلاثة - أعني المدح والذم والترحم - جاز لك ثلاثة أوجه: إتباع الجميع، وقطع الجميع، واتباع بعض وقطع بعض. وتبدأ بالإتباع قبل القطع ولا يجوز القطع ثم الإتباع؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفصل بين النعت والمنعوت بجملة أجنبية.
وإذا اجتمع نعوت ومنعوتون فإما أن [تفرقهما] (٣) أو تجمعهما أو تفرق المنعوتين وتجمع النعوت أو تفرق النعوت وتجمع المنعوتين فإن جمعتهما نحو: قام الزيدون العقلاء أو فرقتهما نحو: زيد العاقل وعمرو الكريم وعبد الله الظريف أو جمعت المنعوتين وفرقت النعوت نحو قام الزيدون العاقل والكريم والشجاع كان حكم ذلك كله حكم المنعوت المفرد في الإتباع والقطع في أماكن القطع؛ لأنه يجوز جمع المنعوتين وتفريق النعوت في جميع الأسماء نحو قوله: -
стр. 3302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣١٦٣ - بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال (١)
إلا في أسماء الإشارة فإنه لا يجوز ذلك فيها. فلا يقال: مررت بهذين الطويل والقصير؛ وسبب ذلك أن كل نعت لا بد فيه من ضمير يعود على المنعوت ليربطه به إلا أسماء الإشارة فإنها لا توصف إلا بالجوامد نحو: مررت بهذا الرجل، وإن وصفت بالمشتق فعلى أن يكون قائما مقام الجامد نحو: مررت بهذا العاقل - تريد بهذا الرجل العاقل - فحذفت الموصوف وأقمت الصفة مقامه؛ ولهذا يقل مجيء المشتق نعتا لأسماء الإشارة. فإذا تقرر أنها توصف بالجوامد والجوامد لا تتحمل الضمير جعلوا نائبا عن الضمير في الربط كونه موافقا لموصوفه في الإفراد والتثنية والجمع.
فإن فرقت المنعوتين وجمعت النعوت فإما أن يتفق الإعراب أو يختلف.
فإن اختلف فالقطع ليس إلّا نحو: ضرب زيد عمرا العاقلان بالرفع على خبر ابتداء مضمر أو بالنصب على إضمار فعل، هذا مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فإنما يوجبون القطع في المختلف الإعراب المختلف المعنى نحو المثال المتقدم.
وأما المختلف الإعراب المتفق المعنى فإنهم يجيزون فيه الإتباع بالنظر إلى المعنى والقطع في أماكن القطع وذلك نحو: ضارب زيد عمرا، فإن كل واحد من الاسمين ضارب ومضروب في المعنى فأجازوا العاقلان بالرفع نعتا لزيد وعمرو على معنى عمرو فيغلب المرفوع خاصة لأنه عمدة. وهو مذهب الفراء (٢).
ومنهم من أجاز الرفع والنصب على الإتباع فيغلب تارة المرفوع وتارة المنصوب؛ لأن كل واحد من الاسمين معناه معنى المرفوع من حيث هو ضارب، ومعنى المنصوب من حيث هو مضروب (وهو مذهب ابن سعدان) (٣).
والصحيح أنه لا يجوز إلّا القطع بدليل أنه لا يجوز: ضارب زيد هندا العاقلة برفع العاقلة نعتا لهند على المعنى باتفاق من البصريين والكوفيين. فإن اتفق الإعراب -
стр. 3303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإما أن تتفق الأسماء في التعريف أو التنكير أو تختلف.
فإن اختلفت فالقطع ليس إلّا نحو: قام زيد ورجل الكريمان على أنه خبر ابتداء مضمر، والكريمين على النصب بإضمار فعل، ولا يجوز الإتباع؛ لأن المعرفة تطلب نعتها معرفة، والنكرة تطلب نعتها نكرة، وذلك لا يمكن في اسم واحد في حال واحد. فإن اتفق الإعراب والتعريف والتنكير فإما أن يكون بعض المنعوتين مستفهما عنه وبعضهم غير مستفهم عنه؛ فلا يجوز إلا القطع نحو: من أخوك، وهذا محمد العاقلان على الخبرية والعاقلين على النصب بفعل مضمر (١).
فإن اتفق المنعوتون في الإعراب والتعريف والتنكير والاستفهام أو غيره؛ فالعامل إما واحد أو أزيد، إن كان واحدا فالإتباع والقطع في أماكن القطع نحو: أعلمت زيدا بكرا أخاك العقلاء ونحو قولك: قام زيد وعمرو وجعفر العقلاء؛ لأن قام هو العامل في زيد بنفسه وفي عمرو وجعفر [بواسطة] حرف العطف.
فإن كان العامل أزيد من واحد فإما أن يتفق جنس العمل أو يختلف، واختلاف العامل في الجنس أن يكون أحدهما اسما والآخر فعلا أو حرفا. والحروف المختلفة المعاني أيضا بمنزلة العوامل المختلفة الجنس، فإن اختلفت العوامل في الجنس فالقطع ليس إلا خلافا للجرمي، فإنه يجيز الإتباع والقطع في أماكن القطع (٢) وذلك نحو قولك: قام زيد وهذا محمد العاقلان على أنه خبر ابتداء مضمر، والعاقلين على النصب بإضمار فعل. وكذلك لو قلت: مررت بزيد ودخلت إلى أبيك العاقلين أو العاقلان ليس فيه إلّا القطع بمنزلة ما تقدم لمخالفة معنى الباء لمعنى اللام.
وإن اتفقت العوامل في الجنس فإما أن تتفق في اللفظ والمعنى نحو: قام زيد وقام عمرو، أو في اللفظ لا في المعنى نحو: وجد الضالة زيد ووجد علي بكر عمرو أي غضب، أو تتفق في المعنى لا في اللفظ نحو ذهب زيد وانطلق بكر، أو تختلف في اللفظ والمعنى نحو: أقبل زيد وأدبر عمرو. فإن اختلفت في اللفظ والمعنى أو في المعنى دون اللفظ فمذهب [٤/ ١٢٦] سيبويه ومن أخذ بمذهبه الإتباع والقطع في -
стр. 3304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أماكن القطع (١) ومذهب المبرد وأبي بكر بن السراج القطع ليس إلا (٢) لما يذكر بعد.
وإن اتفقا في المعنى واختلفا في اللفظ نحو ما تقدم من: ذهب زيد وانطلق عمرو فمذهب سيبويه والمبرد ومن
أخذ بمذهبهما الإتباع والقطع في أماكن القطع، ومذهب أبي بكر القطع ليس إلا (٣) لما يتبين بعد. وإن اتفق اللفظ والمعنى نحو ما تقدم من: قام زيد وقام عمرو فمذهب (النحويين كافة) (٤) الإتباع والقطع في أماكن القطع إلا أبا بكر فإنه يقطع ولا يجيز الإتباع إلا بشرط أن يقدر الاسم الثاني معطوفا على الاسم الأول ويكون العامل الثاني توكيدا للأول غير عامل في الاسم الثاني فحينئذ يجوز الإتباع والقطع؛ لأن العامل واحد نحو: قام زيد وقام عمرو إذا قدرت قام الثاني تأكيدا للأول (٥). فأما امتناع الإتباع إذا اختلف الإعراب فلأنّ أحد المنعوتين يطلب النعت مرفوعا والآخر يطلبه منصوبا أو مخفوضا، ولا يتصور أن يكون اسم واحد في حين واحد مرفوعا وغير مرفوع.
وأما امتناع الإتباع إذا كان بعض المنعوتين مستفهما عنه وبعضهم غير مستفهم عنه فمن قبيل أن النعت داخل في ما يدخل فيه المنعوت في المعنى. فإذا قلت: من أخوك العاقل، فالعاقل مستفهم عنه كالأخ، حتى كأنك قلت: من العاقل والمستفهم عنه مجهول. وإذا قلت: هذا زيد العاقل فالعاقل، خبر هذا كزيد حتى كأنك قلت: هذا العاقل، والعاقل معلوم، فلو قلت: هذا زيد ومن أخوك العاقلان على النعت لزيد والأخ لوجب أن يكون العاقلان معلوما مجهولا في حال واحد فلذلك عدل إلى القطع.
وأما امتناع الإتباع إذا اختلف العامل فسببه أن النعت داخل في معنى المنعوت كما تقدم، فإذا قلت: قام زيد العاقل فالعاقل فاعل في المعنى كأنك قلت: قام العاقل فلو قلت: هذا زيد وقام عمرو العاقلان على الإتباع لكان العاقلان خبرا من حيث -
стр. 3305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو نعت للخبر ومخبرا عنه من حيث هو نعت للفاعل والفاعل مخبر عنه واسم واحد لا يكون خبرا مخبرا عنه في حال واحد. وكذلك حرفا الجر المختلفا المعنى بمنزلة العوامل المختلفة الجنس؛ وذلك أنك إذا قلت: مررت بزيد العاقل فالعاقل مجرور به حتى كأنك قلت: مررت بالعاقل. فإذا قلت: دخلت إلى أخيك الكريم، فالكريم مدخول إليه حتى كأنك قلت: دخلت إلى الكريم فلو قلت: مررت بزيد ودخلت إلى أخيك العاقلين لكان العاقلان وهو اسم واحد
مجرورا على الإلصاق وعلى انتهاء الغاية، واسم واحد لا ينجر على معنيين مختلفين.
وتوهم الجرمي أن منع ذلك إنما هو من طريق أن العاملين لا يعملان في معمول واحد. وتقرر عنده أن العامل في النعت إنما هو التبعية كما نذهب نحن إليه فأجاز الإتباع، وأما الامتناع عندنا لما ذكرت. وأما الامتناع عند المبرد إذا اختلفت العوامل في اللفظ والمعنى نحو: أقبل زيد وأدبر عمرو، أو في المعنى لا في اللفظ نحو:
وجدت الضالة زيد ووجد علي بكر عمرو فمن طريق أنك إذا قلت: أقبل زيد العاقل فالعاقل في المعنى مقبل، وإذا قلت: أدبر زيد العاقل فالمعنى أيضا أدبر العاقل فلو أتبعت في أقبل زيد وأدبر عمرو العاقلان لكان العاقلان فاعلين على أن يكون أحدهما فعل خلاف فعل الآخر وذلك غير جائز عنده إذ لم يحضره لذلك نظير في كلامهم، وهو عندنا جائز بدليل قولهم: اختلف الزيدان، فالزيدان فاعل وقد فعل أحدهما خلاف ما فعل الآخر فإن قال: فقد اتفقا في جنس الاختلاف قيل له:
وكذلك في مسألتنا قد اتفق زيد وعمرو في جنس الفعل.
وأما امتناع الإتباع إذا اتفق معنى العاملين واختلف لفظهما أو اتفق اللفظ والمعنى عند أبي بكر في نحو: ذهب زيد وانطلق بكر أو قام زيد وقام عمرو فلأن العامل عنده في النعت هو العامل في المنعوت فيؤدي الإتباع عنده في ذلك إلى إعمال عاملين في معمول واحد فلذلك يمتنع الإتباع للمنعوتين إذا لم يعمل فيهم عامل واحد، ولم يجز: قام زيد وقام عمرو العاقلان على الإتباع إلا بشرط تقدير قام الثاني توكيدا.
على أن هذا التقدير يبعد لأن التأكيد حكمه أن يكون يلي المؤكد فكان ينبغي أن -
стр. 3306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون، قام زيد وعمرو ولما كان العامل في النعت عندنا إنما هو الإتباع أجزنا الإتباع في هذه المسائل.
والذي يدل على أن العامل في النعت إنما هو التبع للمنعوت لا العامل في المنعوت أنا قد وجدنا من النعوت ما لا يصح دخول العامل عليه نحو: مررت بهم الجماء الغفير ولا يجوز في الغفير إلا أن يكون بعد الجماء، وكذلك أيضا وجدناهم يقولون:
ما زيد بأخيك العاقل بالنصب على موضع الاسم، ولا يتصور أن يكون العامل فيه هو العامل في المنعوت وهو الباء لأن الباء إذا عملت في شيء جرته. فدل ذلك على أن العامل إنما هو التبع له في اللفظ أو في المعنى. هذا آخر كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى (١).
وملخص ما قال: أن المنعوت إذا كان واحدا، أي غير متعدد، فإما أن لا يتكرر نعته أو يتكرر، فإن لم يتكرر فالمنعوت إما مجهول فالإتباع، وإما معلوم فالإتباع أيضا إن كان النعت ليس بمدح ولا ذم ولا ترحم، وإن كان
لشيء من هذه الثلاثة جاز الإتباع والقطع. ولا يشترط في القطع حينئذ تكرر النعت خلافا لمن اشترط ذلك.
وإن تكررت النعوت فالمنعوت إما مجهول فالإتباع [٤/ ١٢٧] إلا أن يتقدم النعت نعت آخر يقاربه في المعنى. وإما معلوم فالإتباع أيضا إن كان النعت لغير الثلاثة - أعني المدح والذم والترحم - وإن كان لشيء من هذه الثلاثة جاز الأمران وجاز أيضا إتباع بعض وقطع بعض، وإن تعدد المنعوتون مع تعدد النعوت، وصور ذلك أربع ففي ثلاث صور منها الحكم فيها بالنسبة إلى الإتباع والقطع كالحكم مع المنعوت المفرد، والصور الثلاث أن يجمع المنعوتون والنعوت وأن يفرقا وأن يجمع المنعوتون وتفرق النعوت، وأما الصورة الرابعة وهي أن يفرق المنعوتون وتجمع النعوت فإن اختلف الإعراب فالقطع. والكوفيون يجيزون الإتباع في المختلف الإعراب المتفق المعنى على التفصيل الذي في ذلك كما ذكره. وإن اتفق الإعراب وحصل اختلاف في التعريف أو التنكير فالقطع وإن اتفق الإعراب والتعريف أو التنكير وكان منهما ما هو مستفهم عنه وما هو غير مستفهم عنه فالقطع. وإن اتفق -
стр. 3307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإعراب والتعريف أو التنكير والاستفهام أو الخبر وكان العامل واحدا فالإتباع والقطع بشرطه جائزان.
وإن كان العامل أزيد من واحد واختلفت العوامل في الجنس فالقطع، وإن اتفقت في الجنس فإما أن تتفق في اللفظ والمعنى أو تختلف فيهما أو تتفق في أحدهما دون الآخر فالصور أربع. ومذهب سيبويه جواز الإتباع والقطع بشرطه في الصور كلها (١). ومذهب أبي بكر وجوب القطع فيها كلها (٢) والمبرد وافق سيبويه في جواز الإتباع في صورتين وهما: أن يحصل الاتفاق في المعنى والاختلاف في اللفظ وأن يحصل الاتفاق في اللفظ والمعنى (٣) وخالفه في صورتين فأوجب القطع فيهما وهما أن يحصل الاختلاف في اللفظ والمعنى أو في المعنى دون اللفظ.
وتضمن كلامه أن النعت لا يقطع إلا إن كان لمدح أو ذم أو ترحم، وليس الأمر كذلك بل قطع النعت موقوف على كون المنعوت معلوما أو غير معلوم. إن كان غير معلوم فالإتباع واجب وإن كان معلوما جاز القطع وإن كان النعت للبيان في الأصل كما عرفت ذلك من كلام المصنف. وقد نص على ذلك ابن أبي الربيع فقال بعد أن مثل بقوله:
جاءني زيد الخياط: إذا قطعت يجوز إظهار الفعل إذا نصبت، وإظهار المبتدأ إذا رفعت وكأنه في النصب جواب من قال من يعني، وفي الرفع جواب من قال من هو. لأن المنعوت لا يفتقر إلى بيان به. فلا فرق في القطع بين النعت
الذي هو لأحد الثلاثة والذي هو للبيان إذا كان المنعوت معلوما بدون النعت وإنما الفرق بين النعت الذي هو للبيان وبين ما هو لأحد الثلاثة أن إضمار الرافع أو الناصب للنعت المقطوع واجب إذا كان النعت لغير البيان وجائز إضماره وإظهاره إذا كان للبيان (٤).
ثم كلام ابن عصفور يتضمن أن توافق المنعوتين في التعريف أو التنكير وفي الاستفهام أو الخبر شرط في جواز الإتباع وليس في كلام المصنف إشارة إلى ذلك. -
стр. 3308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد يعتذر عن المصنف بأن يقال: لا شك أنه قرر كما قرر غيره أن من شرط التابع موافقة متبوعه التعريف والتنكير فإذا كان أحد المنعوتين معرفة والآخر نكرة تعين امتناع الإتباع؛ لأن النعت المعرفة لا يجري على النكرة والنعت النكرة لا يجري على المعرفة. وإذا كان الأمر كذلك استغني عن التعرض إلى اشتراط الموافقة في التعريف والتنكير إذا أريد الإتباع وأما أمر الموافقة في الاستفهام وعدمه فقد يقول المصنف:
لا حاجة إلى التعرض لذلك؛ لأن نعت المستفهم عنه ممنوع من الأصل. ويدل على ما قلته قول سيبويه في الباب المترجم بقوله: «هذا باب ما ينصب فيه الاسم لأنه لا سبيل له إلى أن يكون صفة، واعلم أنه لا يجوز: من عبد الله وهذا زيد الرجلين الصالحين رفعت أو نصبت؛ لأنك لا تثني إلا على من أثبتّه وعلمته ولا يجوز أن تخلط من تعلم ومن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة، وإنما الصفة علم في من قد علمته» (١). انتهى.
ولا شك أن مقتضى كلامه أن وصف المستفهم عنه لا يجوز وهو الذي يقتضيه النظر.
ثم كلام المصنف يقتضي أن عوامل المنعوتين إذا تعددت يشترط في جواز الإتباع بعد اتحادها في العمل [اتحادها] في المعنى واللفظ أو في المعنى والجنس. ومقتضاه أنه إذا عدم الاتحاد في المعنى امتنع الإتباع ووجب القطع.
وابن عصفور قد قال: إن مذهب سيبويه في مثل ذلك جواز الإتباع وأن الذي يوجب القطع هو المبرد، وهذا الأمر يتوقف على مراجعة كلام سيبويه فإن صح عنه ذلك تبين أن المصنف اختار مذهب المبرد، والظاهر أن سيبويه لو كان يجيز الإتباع وأن المصنف يختار مذهب المبرد لكان ينبه على ذلك إما في متن كتابه أو في شرحه (٢).
стр. 3309
[من أحكام النعت]
قال ابن مالك: (وقد يلي النّعت «لا» أو «إما» فيجب تكرارهما مقرونين بالواو. ويجوز عطف بعض النّعوت على بعض، فإن صلح النّعت لمباشرة العامل جاز تقديمه مبدلا منه المنعوت، وإذا نعت بمفرد وظرف وجملة قدّم المفرد وأخّرت الجملة غالبا).
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على مسائل أربع:
الأولى:
إذا قصد النعت بمنفي جيء بالمنعوت ثم بالنعت [٤/ ١٢٨] مقرونا بلا، وإذا قصد النعت بمشكوك فيه أو مسموع أو شبههما جيء بالمنعوت ثم بالنعت مقرونا بإما.
ويجب تكررهما حينئذ فيقال: صحبت رجلا لا جزوعا ولا هلوعا، وملكت عبدا لا ضعيفا ولا عنيفا، وفي الكتاب العزيز وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ٤٣ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (١)، انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ٣٠ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٢)، ويقال لا بد من حساب إما شديد وإما يسير فاتق النار ببرّ إما قليل وإما كثير.
الثانية:
يجوز عطف بعض النعوت على بعض قال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٣) قال ابن عصفور: ولا يجوز عطف بعض النعوت على بعض؛ لأن ذلك يؤدي إلى عطف الشيء على نفسه إلا أن تختلف معاني النعوت فيجوز ذلك نحو قولك: مررت بزيد الكريم والشجاع والعاقل سواء أكانت متبعة أو مقطوعة (٤). ومن ثم قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة:
أغفل المصنف الحرف الذي يعطف به النعوت وأهمل قيدا في المسألة، فالحرف الواو، وأما العطف بالفاء فلا يجوز إلا على أن تكون النعوت مشتقة من أحداث واقعة بعضها إثر بعض كقول الشاعر: -
стр. 3310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣١٦٤ - يا لهف زيّابة للحارث الصّ ... ابح فالغانم فالآيب (١)
أي الذي صبح العدو فغنم (فآب) (٢). قال: فعلى هذا يجوز مررت برجل قائم إلى زيد فضاربه فقاتله (٣). قال: والعطف بثم جوازه بعيد في مثل هذا. قاله السهيلي (٤) قال: وقال ابن خروف إذا كانت مجتمعة على المنعوت في حال واحدة لم يكن العطف إلا بالواو وإن لم تكن مجتمعة عليه جاز العطف بجميع حروف العطف إلا حتى وأم (٥). قال وفي البديع: يجوز أن تعطف بعض الصفات على بعض بالواو إذا لم يكن فيها ترتيب فإن كان فيها ترتيب فبالفاء.
والقيد الذي أهمله: هو أن تكون النعوت مختلفة المعاني فحينئذ يجوز ذلك، فإن اتفقت المعاني لم يجز لأنه يؤدي إلى عطف الشيء على نفسه، فإذا اختلفت جاز ترك اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات؛ فلذلك جاز العطف (٦).
انتهى.
ولقائل أن يقول: كلا الأمرين - أعني ذكر القيد وذكر الحرف - مستغنى عنه.
أما القيد فلأن العطف لا يكون إلا بين المتغايرين فإذا لم يكن تغاير فكيف يسوغ العطف. ولا شك أن هذا أمر مقرر عقلا وصناعة، ويكفي تعليل ابن عصفور ذلك بقوله: لأنه يؤدي إلى عطف الشيء على نفسه، وأما الحرف فالجواب عن عدم ذكره أن الواو لم تتعين للعطف كما ذكر، فقد جاء العطف بالفاء كما هو في البيت الذي أنشده. ويكفي قول ابن خروف إذا كانت - يعني النعوت - مجتمعة على المنعوت في حال واحدة لم يكن العطف إلا بالواو، وإن لم تكن مجتمعة عليه جاز العطف بجميع حروفه إلا حتى وأم (٧).
وما قاله ابن خروف هو الحق. -
стр. 3311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحاصل الأمر: أن الواو إنما تتعين دون غيرها في الصفات التي لا يعقل فيها ترتيب ولا قصد فيها إلى معنى من المعاني المستفادة من حروف العطف غير الواو، وإذا كان كذلك فالمصنف لم يغفل شيئا كما أنه لم يهمل.
قال الشيخ: وإذا تباعد معنى الثاني من الأول كان ظهور الواو أحسن كقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (١) فحسنت الواو هنا ما لم تحسن في قوله تعالى: غَفُورٌ رَحِيمٌ * (٢)، [و] سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (٣)؛ لتقارب المعاني، وإن كان العطف جائزا في غير القرآن العزيز.
وقال تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ (٤) لما تقاربت المعاني، لم يكن العطف مختارا، وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٥). لما كانت الصفات متباينة كان العطف.
المسألة الثالثة:
تقديم ما هو نعت في المعنى وجعل المنعوت بدلا منه، وهذا جائز إذا صلح النعت لمباشرة العامل وذلك كقوله تعالى: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ١ اللَّهِ (٦) ومنه قول الشاعر:
٣١٦٥ - ولكنّي بليت بوصل قوم ... لهم لحم ومنكرة جسوم (٧)
قال ابن عصفور: ولا يجوز تقديم الصفة على الموصوف إلا حيث سمع وذلك قليل؛ وللعرب في ما وجد منه وجهان:
أحدهما: أن تبقى الصفة على ما كانت عليه، كأنه يعني بذلك أنها لم تضف إلى الموصوف. -
стр. 3312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والآخر: أن تضيف الصفة إلى الموصوف، مثال الأول قول القائل:
٣١٦٦ - وبالطويل العمر عمرا حيدرا (١)
وقول الآخر:
٣١٦٧ - والمؤمن العائذات الطّير يمسحها (٢) ... [ركبان مكّة بين الغيل والسنّد]
وفي إعراب مثل هذا وجهان:
أحدهما: أن يعرب العائذات نعتا للطير مقدما.
والثاني: أن يجعل المؤمن مجرورا بالواو والعائذات مجرورا بإضافة المؤمن إليه ويجعل ما بعدها بدلا منها.
ومثال الآخر: قراءة من قرأ (وأنّه تعالى جدّ ربّنا) بضم الجيم (٣)، أصله ربنا الجد أي العظيم فقدمت الصفة وحذفت منها الألف واللام وأضيفت إلى الموصوف ومنه قول القائل:
٣١٦٨ - يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد ... قد كنت خائفة على الإحماق
يريد خويلد الحي فقدم وأضاف، وتكون الصفة إذ ذاك معمولة للعامل الذي قبلها وتخرج عن كونها صفة (٤). انتهى. وفي ما قاله بحث.
أما أولا: فلكونه ذكر أن العائذات في البيت [تعرب] نعتا للطير مقدما، وهذا غير ممكن؛ لأن النعت لا يتقدم على المنعوت وكيف يتقدم تابع على متبوع، وظاهر كلامه أنه يجوز [٤/ ١٢٩] هذا الإعراب الذي ذكره في وبالطويل العمر أيضا.
والحق في الإعراب إنما هو الوجه الثاني الذي ذكره وهو أن الطير بدل من -
стр. 3313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العائذات كما أن العمر بدل من الطويل، وخرج كل من العائذات والطويل عن أن يكون صفة في هذا التركيب وجعل معمولا للعامل قبله وأبدل منه ما بعده.
وأما ثانيّا: فلكونه قال في الوجه الثاني: إن الصفة تضاف إلى الموصوف فإن مفهوم كلامه أن الصفة بعد إضافتها إلى الموصوف معتبر فيها بكونها صفة.
والأمر ليس كذلك فإن النحاة خرجوا الوارد مما يوهم ذلك وهو قول العرب:
جرد قطيفة وسحق عمامة على أن التقدير شيء جرد من جنس القطيفة وشيء سحق من جنس العمامة وإذا كان كذلك فلم تكن الصفة مضافة إلى الموصوف.
وقد تبين بهذا حسن قول المصنف: فإن صلح النّعت لمباشرة العامل جاز تقديمه مبدلا منه المنعوت، وأنه كلام واف بالمقصود مغن عن هذا التطويل.
المسألة الرابعة:
أنه إذا نعت بمفرد وجملة وظرف أو شبهه قال المصنف: فالأقيس تقديم المفرد وتوسيط الظرف أو شبهه وتأخير الجملة كقوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (١) قال: وقد تقدم الجملة كقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (٢) انتهى.
وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا يجوز القول بخلافه، وكفى بالقرآن العزيز دليلا وشاهدا. ومما يستدل به على ذلك أيضا قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ (٣)، قال الفارسي: «ولا يجوز أن يكون أَنْزَلْناهُ خبرا بعد خبر؛ لأن المعنى على الإخبار أن المشار إليه كتاب منزل من عند الله لا على الإخبار عن اسم الإشارة بخبرين: أحدهما: أنه كتاب. والثاني: أنه منزل من عند الله؛ لأنهم قد علموا أنه كتاب فلا فائدة بالإخبار بذلك (٤)».
وابن عصفور يقول: إن تقديم الجملة التي هي صفة على المفرد الذي هو صفة -
стр. 3314
[أقسام الأسماء من حيث ما ينعت به وينعت]
قال ابن مالك: (فصل؛ من الأسماء ما ينعت به وينعت كاسم الإشارة ونعته مصحوب «أل» خاصّة، وإن كان جامدا محضا فهو عطف بيان على الأصحّ، ومنها ما لا ينعت ولا ينعت به، كالضمير مطلقا خلافا للكسائي في نعت ذي الغيبة. ومنها ما ينعت (ولا ينعت) به كالعلم وما ينعت به ولا ينعت كأيّ السابق ذكرها).
ــ
لا يكون إلا في ضرورة أو نادر كلام (١). وهذا الذي قاله لا معول عليه لقيام الأدلة على خلافه.
قال ناظر الجيش: تضمن هذا الكلام أن أقسام الأسماء بالنسبة إلى ما ينعت به وينعت أربعة: ما ينعت به وينعت، وما لا ينعت ولا ينعت به، وما ينعت ولا ينعت به، وما ينعت به ولا ينعت.
أما القسم الأول فهو أكثر الأقسام عدّة وذلك: اسم الإشارة والذي والتي وتثنيتهما وجمعهما وأسماء النسب والأسماء المشتقة التي يجوز أن يبتدأ بها، وكذا ما كان في حكم المشتق. والنعت باسم الإشارة كقوله تعالى: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا (٢)، وإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ (٣) ونعته نحو: سل هذا الماشي عن ذلك الراكب، وقال تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ (٤)، ثم إن اسم الإشارة بالنسبة إلى نعته مخصوص بأحكام ثلاثة:
أحدها: أن لا يفرّق نعته عند تعدده، فلا يقال: مررت بهذين الطويل والقصير.
وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام ابن عصفور وذكرت العلة فيها.
ثانيها: أن لا ينعت إلا بما هو مصحوب أل ولا ينعت بغيره كالمضاف إلى ما فيه أل نحو: هذا غلام الرجل. وقد علل ذلك بأمر لم أتحققه فتركت التعرض إلى ذكره.
ثالثها: أنه ينعت بالجامد المحض نحو: مررت بهذا الرجل، هذا إذا جعلنا الرجل نعتا، أما إن جعل عطف بيان كما هو رأي المصنف فقد خرج الجامد عن أن يكون -
стр. 3315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نعتا لاسم الإشارة المتقدم فيكون اسم الإشارة على هذا مخصوصا بحكمين فقط.
وقد علمت من كلام ابن عصفور المتقدم أن أسماء الإشارة لا توصف إلا بالجوامد، وإن وصفت بالمشتق فعلى أنه قائم مقام الجامد كمررت بهذا العاقل التقدير: بهذا الرجل العاقل فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
ومقتضى كلام المصنف أنها لا تنعت إلا بالمشتق لقوله: وإن كان جامدا محضا فهو عطف بيان على الأصحّ.
ولا شك أن الذي ذكره مشى فيه على القواعد؛ لأن شأن المشتق أن يجري نعتا على ما قبله وشأن الجامد أن يجري عطف بيان. وقال في الشرح (١): وأكثر المتأخرين يقلد بعضهم بعضا في أنه نعت. ودعاهم إلى ذلك اعتقادهم أن عطف البيان لا يكون متبوعه أخص منه وهو غير صحيح، فإن عطف البيان يقصد به في الجوامد من تكميل المتبوع ما يقصد بالنعت في المشتق وما جرى مجراه فلا يمتنع أن يكون متبوع عطف البيان أخص منه كما لا يمتنع أن يكون المنعوت أخص من النعت.
وقد هدي أبو محمد بن السيد إلى الحق في هذه المسألة فجعل ما يتبع اسم الإشارة من الرجل وغيره عطف بيان وكذا فعل ابن جني. حكاه أبو علي الشلوبين (٢).
وهكذا ينبغي؛ لأن اسم الجنس لا يراد به وهو تابع اسم الإشارة غير ما يراد به وهو غير تابع له فلو كان نعتا حين يتبع اسم الإشارة لكان نعتا حين يتبع غيره كقولك: رأيت شخصا رجلا وأنت لا تريد إلا كونه رجلا لا [امرأة] ولا خلاف في امتناع كونه في هذه الصورة نعتا فيجب أن لا يكون [٤/ ١٣٠] في غيرها نعتا وإلا لزم عدم النظير، أعني جعل اسم واحد نعتا لبعض الأسماء دون بعض مع عدم اختلاف المعنى، انتهى (٣)، وهو كلام حسن .... -
стр. 3316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا أن قوله: فلا يمتنع أن يكون متبوع عطف البيان أخص منه، كما لا يمتنع أن يكون المنعوت أخص من النعت فيه نظر؛ لأن النعت المقصود منه إنما هو الدلالة على معنى في المنعوت وهذا القدر حاصل مع كون المنعوت أعرف والنعت أقلّ تعريفا.
وأما عطف البيان فالمقصود منه إيضاح متبوعه وبيانه فإذا لم يكن أعرف من متبوعه فلا أقلّ من أن يكون مساويا له. والمغاربة يوجبون أن يكون عطف البيان أشهر من متبوعه وإذا كان كذلك فكيف يتصور أن يكون متبوع عطف البيان أخص منه. وقال الشيخ بعد إيراده كلام المصنف:
«وكلامه مبني على اعتقاده أن المنعوت قد يكون أخص من النعت» (١) ولم أتحقق ما قاله، فإن كون المنعوت قد يكون أخص من النعت هو قول النحاة أجمعين لأنهم قالوا أن النعت إما أن يكون مساويا للمنعوت في التعريف أو أقل منه تعريفا ومتى كان النعت أقل تعريفا كان المنعوت أخص بلا شك.
والذي نسبه الشيخ إلى المصنف وذكر أنه اعتقاده هو كون النعت قد يكون أخص من المنعوت، لكن كلام المصنف هنا لم يكن فيه ما يدل على إرادة هذا لأنه قال: فلا يمتنع أن يكون متبوع عطف البيان أخص منه كما لا يمتنع أن يكون المنعوت أخص من النعت فكيف يجعل اعتقاده أن النعت قد يكون أخص من المنعوت.
وبعد: فقد قال الشيخ في الارتشاف: إن مصحوب أل الواقع بعد اسم الإشارة إن كان [مشتقّا] فلا خلاف بين النحاة أنه نعت ولكن الوصف به ضعيف وإن كان جامدا فسيبويه يسميه نعتا وبعضهم يجعله عطف بيان وهو قول الزجاج وابن جني وابن السيد والسهيلي واختيار ابن مالك (٢) انتهى.
وأنت قد عرفت من كلام ابن عصفور أن المشتق بعد اسم الإشارة قائم مقام موصوف محذوف فقد خالف في كون المشتق نعتا لاسم الإشارة والشيخ قد نفى الخلاف. -
стр. 3317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابن عصفور يقصر نعت اسم الإشارة على الجامد، ولكنه مع كونه يجعله نعتا يجيز كونه عطف بيان فإنه في باب عطف البيان بعد تقرير مسألة ذكرها قال: وقد يجوز استعماله عطف البيان في سائر المعارف؛ ولذلك أجاز النحويون في مثل:
مررت بهذا الرجل أن يكون الرجل نعتا وعطف بيان، فمن حمله على عطف البيان فسبب ذلك جموده ومن جعله نعتا لحظ فيه معنى الاشتقاق فجعل قوله الرجل بعد هذا بمنزلة الحاضر المشار إليه» (١) ثم قال: فإن قيل: فقد زعمت أن عطف البيان أخص من النعت وقد أجزت في الرجل وهو معرف باللام أن يكون عطف بيان على هذا والمشار إليه أعرف مما فيه اللام، فالجواب أن الألف واللام لما كانت للحضور ساوى المعرف بها المشار في التعريف وزاد عليه بأن المشار لا يعطي جنس المشار إليه والرجل يعطي الألف واللام فيه الحضور ويعطى هو أن الحاضر من جنس الرجال فصار إذا أعرف من هذا. فإن قيل: إذا قدر أنه أعرف من هذا فكيف أجزت أن يكون نعته، والنعت لا يكون أعرف من المنعوت. فالجواب أنك إذا قدرته نعتا فلا بد أن تكون فيه الألف واللام للعهد كما
تقدم في بيان معنى النعت وكأنك قلت مررت بهذا وهو الرجل الذي بيني وبينك فيه العهد ولا تكون الألف واللام على ذلك إذ قدرته عطف بيان بل بجعلهما للحضور، وهذا الذي ذكرته هو معنى كلام سيبويه (٢) انتهى.
وهذا الذي قرره مبني على أن أل تكون للحضور وهو أمر لا يتحقق ثبوته. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب المعرّف بالأداة فقلنا إن أل لا مدخل لها في الدلالة على ما ذكره وأن الحضور إنما استفيد من الحضور. وأما أل في مثل ذلك فإنما هي للعهد وبينا أن العهد كما ينشأ من معهود سابق كذلك ينشأ عن معهود بالحضور وإذا لم يثبت كون أل للحضور مع اعترافه بأن الرجل من قولنا هذا الرجل فعل كذا عطف بيان لم يتم له ما يدعيه من أن عطف البيان لا بد أن يكون أعرف من المنعوت.
وأما الأسماء الموصولة فالأمر فيها كما قال المصنف أنها ينعت بها وتنعت. وفي -
стр. 3318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شرح الشيخ نقلا عن بعض التصانيف أن النحويين منعوا صفة الذي لأن الصلة بعض الاسم وهي لا توصف وإن قلت الصفة للموصوف فقط وصفت بعض الاسم (١) انتهى.
ولا شك أن هذا لا معول عليه، ولا ينبغي التشاغل به.
وانظر إلى هذا التعليل الذي ذكره تعلم أن الأمر كما قلته.
وأما المشتقات فالوصف بها ظاهر. وأما وصفها فكقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (٢) قال الشيخ: تقول مررت بزيد الشجاع العالم، فالعالم وصف للشجاع وهذا مذهب سيبويه (٣)، أجاز يا زيد الطويل ذو الجمة على جعل ذي الجمة نعتا للطويل وسواء أكان النعت عاملا أم غير عامل. وقال ابن جني وجماعة: إن الوصف من خواصه أن لا يقبل الوصف (٤) وإن كثرت صفات كانت للأول فإن لم يكن مذكورا كان مقدرا، وذهب السهيلي إلى الجواز إذا دل دليل على جموده مثل أن يكون خبرا لمبتدأ، أو بدلا من اسم جامد (٥)، فإن كان نعتا فيقوى فيه معنى الفعل بالاعتماد فلا ينعت وبعضهم منع ذلك في ما يعمل عمل الفعل لقوة شبه الفعل وأجازه في غير هذا. ولهذا قال بعضهم إذا وصف لا يعمل لبعده عن الفعل بالوصف. وقال بعضهم: إذا تقدم الوصف لم يعمل وإن تقدم عمل (٦) انتهى.
وأقول: إن كون العامل [٤/ ١٣١] وصفا للشجاع في المثال المتقدم وأنه ليس نعتا لزيد يؤدى القول به إلى أن
النعوت لا تتعدد وهو غير ظاهر، فإن تعدد النعوت لا ينكر وعليه بنى النحاة صورا من الإتباع والقطع. ولازم جعل نحو العالم في المثال وصفا للشجاع رفع تعدد النعوت. ولا شك أن تعدد النعوت أمر لا ينكر ولا يتصور التعدد إلا إذا كانت النعوت المتكررة كلها جارية على الاسم الأول.
والظاهر أن الأمرين جائزان أعني كون النعوت الكثيرة كلها للأول وكون كل منها نعتا لما قبله وإن كان الاعتماد في نسبة القول بكون كل منها نعتا لما قبله إلى -
стр. 3319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سيبويه، إنما هو على جعله ذا الجمة نعتا للطويل فليس في ذلك دليل؛ لأن الموجب لجعل ذا الجمة نعتا للطويل، إنما هو تعذر جعله نعتا لزيد؛ لأنه لو كان نعتا لزيد لوجب نصبه لكونه مضافا. والفرض أنه مرفوع فتعين من هذه الجهة كونه نعتا للطويل (١) لا من جهة أن كلّا من النعوت الزائدة على واحد نعت لما قبله.
وأما القسم الثاني وهو ما لا ينعت ولا ينعت به فأشياء:
منها: المضمر أما كونه لا ينعت فلأن الغائب منه نائب مناب تكرار الاسم، والاسم المكرر لا ينعت فكذلك ما ناب منابه، وأما المتكلم والمخاطب فلأنهما لا يدخلهما لبس ولم ينعتا بوصف مدح أو ذم أو ترحم؛ لأن باب هذا الوصف القطع وإنما الإتباع للتشبيه ينعت البيان وإذا لم يوجد المشبه فكيف يوجد المشبه به.
وأما كونه لم ينعت به فلأنه جامد ولا يؤول بمشتق ولأنه لو نعت بمعرفة كان أخص به من منعوته والنعت إما مساو أو أقل تعريفا، قال المصنف: لا ينعت مضمر الحاضر ولا ينعت به بإجماع وكذا مضمر الغائب عند غير الكسائي (٢) ولا يمتنع عنده أن ينعت. ورأيه قوي في ما يقصد به مدح أو ذم أو ترحم نحو: صلّى الله عليه الرؤوف الرحيم، وعمرو غضب عليه الظالم المجرم، وغلامك الطف به البائس المسكين، وغير الكسائي يجعل هذا النوع بدلا وفيه تكلف.
وفي شرح الشيخ: أن الكسائي إنما يجيز نعت الضمير إذا كان لمدح أو ذم أو ترحم لا مطلقا (٣).
ومنها: المصدر الذي يؤتي به بدلا من اللفظ بفعله. قال المصنف: ومما لا ينعت ولا ينعت به المصدر الذي بمعنى الأمر أو الدعاء كسقيا له، لا ينعت؛ لأنه بدل من اللفظ بالفعل ولا ينعت به لأنه طلب، فاللام في سقيا له وشبهه متعلقة بالمصدر وهي للتبيين.
ومنها: كل وبعض. قال المصنف: قال سيبويه رحمه الله تعالى في بعض أبواب -
стр. 3320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحال: هذا باب ما ينتصب خبره لأنه معرفة [وهي معرفة] لا توصف ولا تكون وصفا وذلك قولك: مررت بكلّ قائما، ومررت ببعض قائما وببعض جالسا (١) قلت: وكل وبعض في هذا الكلام بمنزلة المضمر في أنه لا ينعت ولا ينعت به (٢). انتهى.
قال الشيخ: فإن أضيف كل إلى نكرة جاز وصفها نص على ذلك سيبويه (٣) نحو:
٣١٦٩ - قتلنا منهم كلّ ... فتى أبيض حسّانا (٤)
ونحو:
٣١٧٠ - وكلّ خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز (٥)
ومنها: أسماء الشرط، ومنها: أسماء الاستفهام، ومنها: كم الخبرية، ومنها:
كل اسم غير متمكن.
قال ابن عصفور: وغير المتمكن هو الذي يلزم موضعا واحدا كما التعجبية أو موضعين كقبل وبعد (٦).
وأقول: إنه مستغن عن ذكر ما التعجبية لأنها [لا تكون إلا بهذا التركيب الخاص ما دامت تعجبية] (٧) أعني أن تكون مبتدأة وما بعدها خبر أو غير خبر على الخلاف الذي هو معروف ولو غيرت عن هذا التركيب لفات معنى التعجب،
وأما قبل وبعد فقد يقال أنه لا يحتاج إلى ذكرهما أيضا، إذ لا يتصور فيهما أن يوصفا ولا أن يوصف بهما.
ونقل الشيخ عن ابن عصفور أيضا أن مما لا ينعت ولا ينعت به كل اسم متوغل في البناء نحو الآن وأين ومن (٨). والظاهر أنه لا يحتاج إلى ذكر ذلك. -
стр. 3321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما أين فأما استفهام أو شرط فهي داخلة في ما ذكر من أسماء الشرط والاستفهام، وأما من فإن كان شرطا أو استفهاما فالأمر فيها كذلك، وإن كانت غير شرط أو استفهام بأن تكون موصولة فإن نعتها جائز.
وقد ذكر الشيخ ذلك وقال: إن البصريين يجيزون أن ينعت كما يجيزون نعت ما فيقال: جاءني من في الدار العاقل ونظرت إلى ما اشتريت الحسن. نقل ذلك عن الزجاجي (١).
قال: وذكر (٢) أن الكوفيين لا يجيزون ذلك (٣)، ويرد على قول ابن عصفور كل اسم متوغل في البناء الموصولات كالذي والتي فإنها ينعت بها وتنعت كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
أما القسم الثالث: وهو ما ينعت ولا ينعت به فهو الأسماء الأعلام. قال المصنف: وكن العلم ينعت ظاهر أو إما كونه لا ينعت به فلأنه ليس مقصودا بالاشتقاق وضعا ولا تأويلا وإن كان مشتقا في الأصل وزال عن قصد الاشتقاق بالنقل والغلبة فهو في امتناع النعت به بمنزلة العلم المرتجل.
وإن وقع موقعا صالحا للنعت جعل عطف بيان نحو: رضي الله عن خليفته الصديق وعن عمه العباس. ومما ينعت ولا ينعت به اسم الجنس الجامد غير المؤول بمشتق.
وأما القسم الرابع: وهو ما ينعت به ولا ينعت فقد ذكر المصنف منه أربع كلمات. قال: وهي: أي، وكل، وجد، وحق السابق ذكرها في هذا الباب.
ولم يذكر ابن عصفور هذه الكلمات وإنما لما ذكر هذا القسم قال: «وهو القسم الذي لم يستعمل إلا مانعا نحو: بسن من قولهم: [٤/ ١٣٢] حسن بسن (٤)، ولا شك أن عبارته شاملة لكل ما لزم التبعية كقولهم: أبيض يقق وأحمر قان وأسود حالك. ولك أن تقول ما كان لازم التبعية مستغنى عن ذكره هنا إذ كونه لازم التبعية كاف، وإنما يتعين ذكر ما من شأنه أن يكون غير تابع. ثم إنه اقتصر فيه على التبعية في موضع خاص كالكلمات التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى.
стр. 3322
[الاستغناء عن المنعوت، وعن النعت]
قال ابن مالك: فصل: (يقام النّعت مقام المنعوت كثيرا إن علم جنسه ونعت بغير ظرف وجملة أو بأحدهما بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بـ «من» أو «في» وإن لم يكن كذلك لم يقم الظّرف والجملة مقامه إلّا في شعر واستغني لزوما عن موصوفات بصفاتها، فجرت مجرى الجوامد، ويعرض مثل ذلك لقصد العموم وقد يكتفى بنيّة النّعت عن لفظه للعلم به).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): يعلم جنس المنعوت باختصاص النعت به كمررت بكاتب راكب صاهلا وبمصاحبة ما يعنيه كـ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ١٠ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ (٢) وفَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً (٣)، وكُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً (٤)، وثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ (٥) فمثل هذا من الحذف حسن كثير لكون المنعوت معلوم الجنس ولكون النعت قابلا لمباشرة ما كان يباشر المنعوت فلو لم يكن قابلا لمباشرة العامل لكونه جملة أو شبهها لم يقم مقام المنعوت في الاختيار إلا بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن كقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (٦)، ومن هذا النوع
قول تميم العجلاني (٧):
٣١٧١ - وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وكلتاهما قد خطتا في صحيفتي ... فلا العيش أهوى لي ولا الموت أروح (٨)
وقد تقوم في مقام من، كقول الراجز: -
стр. 3323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣١٧٢ - لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم (١)
فمثل هذا لو استعمل في غير الشعر لحسن كقولك: ما في الناس إلا شكر أو كفر. وقد تقام الجملة مقام المنعوت دون من وفي، كقول الشاعر:
٣١٧٣ - لكم مسجدا الله المزوران والحصى ... لكم قبصه من بين أثرى وأقترا (٢)
وأشرت بقولي: واستغني لزوما عن موصوفات بصفاتها إلى نحو: دابة وأبطح وحسنة وسيئة، وأشرت بقولي: ويعرض مثل ذلك لقصد العموم إلى مثل قوله تعالى: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣)، وقوله تعالى: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ (٤)، وقوله تعالى: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها (٥).
ومن هذا النوع قولك: لا متحرك ولا ساكن إلا بقدر سابق. وقد يحذف النعت للعلم به فيكتفى بنيته كقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ (٦) أي قومك المعاندون، وكقوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها (٧) أي كل شيء سلطت عليه أو أمرت بتدميره، وكقوله تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ (٨) أي إلى معاد كريم أو إلى معاد تحبه. ومن حذف النعت للعلم به قول المرقش الأكبر (٩):
٣١٧٤ - وربّ أسيلة الخدّين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد (١٠)
أي فرع وافر وجيد طويل. ومن نادر حذف المنعوت قول الفرزدق: -
стр. 3324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣١٧٥ - إذا حارب الحجّاج أيّ منافق ... علاه بسيف كلمّا هزّ يقطع (١)
أي منافقا أي منافق، وقول عمرو بن قميئة (٢):
٣١٧٦ - لعمرك ما نفس بجدّ رشيدة ... تؤامرني سرّا لأصرم مرثدا (٣)
أي برشيدة جد رشيدة. وقول عمر بن أبي ربيعة.
٣١٧٧ - إنّ الثّواء بأرض لا أراك بها ... فاستيقنيه ثواء حقّ ذي كدر (٤)
أي ثواء ذو كدر (حق ذي كدر) (٥). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
أما ابن عصفور فإنه لم يتعرض إلى حذف النعت. وأما المنعوت فإنه ذكر أنه يجوز حذفه إذا كان النعت اسما صريحا في ثلاث صور:
أن يتقدم المعطوف في الذكر نحو: أعطني ماء ولو باردا.
وأن تكون الصفة خاصة بجنس الموصوف نحو: مررت بكاتب.
وأن تكون الصفة قد استعملتها العرب استعمال الأسماء نحو: الأبطح والأبرق للمكان، والأدهم للقيد، والأسود للحية (٦).
ولا شك أن كلام المصنف أمتن؛ لأنه وقف أمر الحذف على العلم بجنس المنعوت. ثم بين أن ذلك يعلم باختصاص النعت به كمررت بكاتب، وبمصاحبة ما يعينه كـ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (٧) الآية الشريفة فـ (سبغت) (٨) ليس بجنس الموصوف ومع هذا حذف منعوته لأن جنس المنعوت قد علم بذكر (الحديد) وشمل قوله وبمصاحبة ما يعينه: أعطني ماء ولو باردا، فلم يحتج إلى تقدم الموصوف في الذكر.
واعلم أن ابن عصفور ذكر مسألة لم يذكرها المصنف وهي أن المنعوت يجوز -
стр. 3325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حذفه مع كون النعت جملة إذا كان نعتا لتمييز فاعل نعم نحو: نعم الرجل يقوم أي نعم الرجل رجلا يقوم (١) وذكرها الشيخ عنه (٢).
وهذه المسألة تتوقف صحتها على القول بجواز الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز في باب نعم. ثم المسألة التي قالها المصنف فيها: لو استعمل هذا في غير الشعر لحسن، وهي:
٣١٧٨ - لو قلت: ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم
جعلها ابن عصفور ضرورة (٣).
قال الشيخ: شرط المصنف في حذف الموصوف وإقامة الظرف أو الجملة مقامه أن يكون المنعوت بعضا مما قبله من مجرور بمن أو في. ومثل لهما بما الصفة فيه جملة ولم يمثل لهما بما الصفة فيه ظرف.
ومثال ذلك في المجرور بمن على قول قوله تعالى: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ (٤) أي قوم دون ومثال ذلك في المجرور بفي: ما في بني تميم إلا فوق ما تريد، أي: إلا رجل فوق ما تريد.
وإذا كان الحذف أي حذف المنعوت في الكلام شروطا بالشرطين اللذين ذكرهما فلو فقد أحدهما بأن يكون ما قبله ليس الموصوف بعضا منه [٤/ ١٣٣] وهو مجرور بمن أي في لم يجز الحذف أو يكون بعضا وهو غير مجرور بواحد منهما لم يجز الحذف أيضا.
مثال ما ليس بعضا: ما من البصرة إلا يسير إلى الكوفة أي رجل يسير، وما في الدار إلا يسكنها أي رجل يسكنها وما في الدار إلا فوقها أي رجل فوقها. -
стр. 3326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثال ما هو بعض قول الشاعر:
٣١٧٩ - كانوا فريقين يضعون الرماح على ... قعس الكواهل في أشداقها ضخم
وآخرين نرى المادي عدمهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم (١)
يريد فريقا يضعون فما قبله الموصوف بعض منه وهو فريقين وليس مجرورا بمن ولا في (٢).
قال الشيخ: فأما مسألة الكتاب: إن من أفضلهم كان زيدا فزعم سيبويه أن زيدا اسم إن، ومن أفضلهم الخبر وكان زائدة (٣). ثم إن الشيخ ختم الكلام على هذا الباب بذكر مسألتين:
الأولى:
مررت برجل ضاربه زيد (٤)، أو ضارب إياه رجل ومررت برجل قائم وأبوه، فالوصف إن كان منونا فلا خلاف في جريانه على الموصوف عند سيبويه (٥).
والفراء يوافق سيبويه إلا في ما كان علاجا واقعا نحو: مررت برجل ملازمة رجل فيلتزم النصب (٦)، وعيسى يلتزم الرفع في العلاج مطلقا، وغير العلاج إن كان واقعا التزم فيه النصب أو غير واقع أجراه على الموصوف، ويونس لا يجري بل ينصب ما كان واقعا علاجا وغيره (٧)، والعلاج ما كان من المرفوع به فعل في ما أضيف إليه وغير العلاج ما لم يكن له فعل يفعله نحو: مررت برجل مخالطه داء، فليس للداء فعل يفعله والواقع ما كان حالا، وغير الواقع ما كان مستقبلا، ومن نصب فعلى الحال ومن رفع فعلى الابتداء.
والصحيح مذهب سيبويه للقياس والسماع. أما القياس فحمل المنون وغيره على حد واحد كما حملوهما إذا كان الوصف للأول نحو: مررت برجل قائم وبرجل ضارب غلامه وهذا باتفاق فكذلك ينبغي أن يكون ما كان معناه لما بعده. -
стр. 3327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والسماع قوله:
٣١٨٠ - ونظرت من خلل الستور بأعين ... مرضى مخالطها السّقام صحاح (١)
فمخالطها غير علاج، وهو واقع وهو مجرى على الأول. وحكى الكسائي نظرت إلى شاة أخذها الذئب وقال به نفس قال: مخالطه بهر والخلاف إنما هو في الجريان فسيبويه يجري، وهؤلاء على ما نقل عنهم (٢) ولا يمنع سيبويه الرفع والنصب وإنما يمنع التزام النصب أو الرفع والتفصيل الذي فصّلوه (٣).
المسألة الثانية:
مررت بسرج خز صفته. هذا النوع موقوف على السماع وهو الوصف بالأسماء الجوامد التي في معنى المشتق وأخرجها الوصف بها عن أصلها بخلاف الذي، والتي، وذو، وذات وأولو، وأولات، والمنسوب فإنها جوامد في معنى المشتق نعت بها ولم تخرج عن وضعها. وإذا قلت: مررت بصحيفة طين خاتمها وما أشبهه فمذهب سيبويه أن الخاتم ليس بطين وأن الصفة ليست خزّا وأن معنى طين رديء وخزلين (٤). ومذهب غيره أنها باقية على مسماها ويتوهم فيه معنى الاشتقاق.
* * *
стр. 3328
الباب الخامس والأربعون باب عطف البيان
[تعريفه، أغراضه، موافقته ومخالفته متبوعه]
قال ابن مالك: (هو التّابع الجاري مجرى النّعت في ظهور المتبوع، وفي التّوضيح والتّخصيص جامدا أو بمنزلته. ويوافق المتبوع في الإفراد وضدّيه وفي التّذكير والتأنيث، وفي التعريف والتّنكير، خلافا لمن التزم تعريفهما، ولمن أجاز تخالفهما، ولا يمتنع كونه أخصّ من المتبوع على الأصحّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): التابع يعم التوكيد، والنعت، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل، والجاري مجرى النعت يخرج النعت وعطف النسق والبدل. وفي التوضيح والتخصيص يخرج التوكيد لأن من النعت ما يجاء به للتوكيد كـ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (٢) فهذا النوع من النعت يصدق عليه أنه جار مجرى التوكيد ويصدق على التوكيد أنه جار مجراه فإذا ذكر التوضيح والتخصيص انعزل كل واحد منهما عن الآخر لأن التوكيد لا يحصل به تخصيص وإن كان يحصل به توضيح أي زيادة تبيين وشارك عطف البيان النعت في ظهور المتبوع فلا يتبعان ضميرا.
وقياس مذهب الكسائي جواز إتباع عطف البيان ضمير الغائب قياسا على النعت (٣). وذكرت جامدا أو بمنزلته توكيدا لإخراج النعت، فإنه من جهة المعنى أشبه شيء بعطف البيان وذلك أنك تقول لمن له ابنان طويل وقصير واسم الطويل محمد مررت بابنك الطويل فيحصل التخصيص بالنعت. ولو ذكرت محمدا موضع النعت لتبين به ما تبين بالنعت لكن النعت مشتق أو منزل منزلته وعطف البيان جامد أو منزل منزلته. والمراد بالمنزل الصعق ونحوه من الأعلام الحاصلة لها -
стр. 3329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العلمية بالغلبة وهي في الأصل صفات، لكن وصفيتها بعد الغلبة غير مقصودة وإنما المقصود بها ما يقصد بالأعلام المرتجلة من تعيين المسمى، ولا خلاف في موافقة عطف البيان متبوعه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث ويتوافقان أيضا في التعريف والتنكير.
وزعم الشيخ أبو علي الشلوبين أن مذهب البصريين التزام تعريف التابع والمتبوع في عطف البيان (١)، ولم أجد هذا النقل من غير جهته. وعلى تقدير صحة النقل فالدليل أولى بالانقياد إليه والاعتماد عليه، وذلك أن الحاجة داعية إلى استعمال عطف البيان في النكرتين كما هي داعية إليه في المعرفتين بل هي في النكرتين أشد لأن النكرة يلزمها الإبهام وهي أحوج إلى (ما يبيّنها) من المعرفة فتخصيص المعرفة بعطف البيان خلاف مقتضى الدليل، واستعماله مطلقا مذهب الفراء وغيره من الكوفيين (٢)، وهو [٤/ ١٣٤] أيضا مذهب الزمخشري فإنه حكم بذلك في مواضع من الكشاف (٣)، وهو أيضا مذهب أبي علي الفارسي فإنه أجاز العطف والإبدال في «طعام» من قوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ (٤)، وزعم الزمخشري أن «مقام» من قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ (٥) عطف بيان مع كونه معرفة «وآيات» نكرة (٦)، وقوله في هذا مخالف لإجماع البصريين والكوفيين فلا يلتفت إليه.
وزعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص بل يساويه -
стр. 3330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو يكون أعم منه، والصحيح جواز الأوجه الثلاثة لأنه بمنزلة النعت، وقد تقدم في بابه أن النعت يجوز أن يكون في الاختصاص فائقا ومفوقا ومساويا، فليكن العطف كذلك وهذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى فإنه أجاز في ذا الجمة من «يا هذا ذا الجمة» أن يكون عطف بيان وأن يكون بدلا (١)، وقد تقدم الكلام على أن اسم الجنس الجامد في مثل: رأيت ذلك الرجل: عطف بيان مع أنه أقل اختصاصا من اسم الإشارة وتبين دليل ذلك هناك. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ولكن قوله في المتن: «ولا يمتنع كونه أخصّ من المتبوع» غير ظاهر فإن أحدا لا يمنع أن يكون عطف البيان أخصّ من متبوعه، كيف ومنهم من أوجب أن يكون أعرف من المتبوع.
وكلامه في الشرح موافق لما ذكره في المتن، فإنه قال: وزعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص بل يساويه أو يكون أعم منه، لأن هذا الكلام منه يفهم منه أنه لا يرى ما زعمه الأكثرون بل يرى أن المتبوع يفوق التابع الذي هو عطف البيان في الاختصاص والفائق في الاختصاص هو أخص من المفوق بلا شك، وإذا كان الأمر كما قلناه فكان الواجب أن يقول أعني في المتن: ولا يمتنع كون متبوعه أخص منه.
وأما استدلاله على جواز الأوجه الثلاثة في هذا الباب بأنه قد تقدم في باب النعت أنه يجوز أن يكون في الاختصاص فائقا ومفوقّا ومساويا فأنت قد عرفت أن كون النعت يكون فائقا المنعوت لم يثبت، وقد تقدم البحث في ذلك.
ثم اعلم أن المصنف قال في شرح الكافية: «عطف البيان تابع يجري مجرى النعت في تكميل متبوعه ومجرى
التوكيد في تقوية دلالته ومجرى البدل في صلاحيته للاستقلال وليس نعتا لأن تكميله بشرح وتبيين لا بدلالة على معنى في المتبوع أي شيء من سببه وليس بتوكيد لأنه لا يرفع توهم مجاز ولا وضع عام موضع خاص وليس بدلا لأن متبوعه مكمل به غير معنوي الاطراح بخلاف البدل فإن الغالب كون متبوعه منوي الاطراح أو في حكم منوي الاطراح (٢). انتهى. -