← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثال ما هو بعض قول الشاعر: ٣١٧٩ - كانوا فريقين يضعون الرماح على ... قعس الكواهل في أشداقها ضخم وآخرين نرى المادي عدمهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم (١) يريد فريقا يضعون فما قبله الموصوف بعض منه وهو فريقين وليس مجرورا بمن ولا في (٢). قال الشيخ: فأما مسألة الكتاب: إن من أفضلهم كان زيدا فزعم سيبويه أن زيدا اسم إن، ومن أفضلهم الخبر وكان زائدة (٣). ثم إن الشيخ ختم الكلام على هذا الباب بذكر مسألتين: الأولى: مررت برجل ضاربه زيد (٤)، أو ضارب إياه رجل ومررت برجل قائم وأبوه، فالوصف إن كان منونا فلا خلاف في جريانه على الموصوف عند سيبويه (٥). والفراء يوافق سيبويه إلا في ما كان علاجا واقعا نحو: مررت برجل ملازمة رجل فيلتزم النصب (٦)، وعيسى يلتزم الرفع في العلاج مطلقا، وغير العلاج إن كان واقعا التزم فيه النصب أو غير واقع أجراه على الموصوف، ويونس لا يجري بل ينصب ما كان واقعا علاجا وغيره (٧)، والعلاج ما كان من المرفوع به فعل في ما أضيف إليه وغير العلاج ما لم يكن له فعل يفعله نحو: مررت برجل مخالطه داء، فليس للداء فعل يفعله والواقع ما كان حالا، وغير الواقع ما كان مستقبلا، ومن نصب فعلى الحال ومن رفع فعلى الابتداء. والصحيح مذهب سيبويه للقياس والسماع. أما القياس فحمل المنون وغيره على حد واحد كما حملوهما إذا كان الوصف للأول نحو: مررت برجل قائم وبرجل ضارب غلامه وهذا باتفاق فكذلك ينبغي أن يكون ما كان معناه لما بعده. -

стр. 3327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والسماع قوله: ٣١٨٠ - ونظرت من خلل الستور بأعين ... مرضى مخالطها السّقام صحاح (١) فمخالطها غير علاج، وهو واقع وهو مجرى على الأول. وحكى الكسائي نظرت إلى شاة أخذها الذئب وقال به نفس قال: مخالطه بهر والخلاف إنما هو في الجريان فسيبويه يجري، وهؤلاء على ما نقل عنهم (٢) ولا يمنع سيبويه الرفع والنصب وإنما يمنع التزام النصب أو الرفع والتفصيل الذي فصّلوه (٣). المسألة الثانية: مررت بسرج خز صفته. هذا النوع موقوف على السماع وهو الوصف بالأسماء الجوامد التي في معنى المشتق وأخرجها الوصف بها عن أصلها بخلاف الذي، والتي، وذو، وذات وأولو، وأولات، والمنسوب فإنها جوامد في معنى المشتق نعت بها ولم تخرج عن وضعها. وإذا قلت: مررت بصحيفة طين خاتمها وما أشبهه فمذهب سيبويه أن الخاتم ليس بطين وأن الصفة ليست خزّا وأن معنى طين رديء وخزلين (٤). ومذهب غيره أنها باقية على مسماها ويتوهم فيه معنى الاشتقاق. * * *

стр. 3328

الباب الخامس والأربعون باب عطف البيان [تعريفه، أغراضه، موافقته ومخالفته متبوعه] قال ابن مالك: (هو التّابع الجاري مجرى النّعت في ظهور المتبوع، وفي التّوضيح والتّخصيص جامدا أو بمنزلته. ويوافق المتبوع في الإفراد وضدّيه وفي التّذكير والتأنيث، وفي التعريف والتّنكير، خلافا لمن التزم تعريفهما، ولمن أجاز تخالفهما، ولا يمتنع كونه أخصّ من المتبوع على الأصحّ). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): التابع يعم التوكيد، والنعت، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل، والجاري مجرى النعت يخرج النعت وعطف النسق والبدل. وفي التوضيح والتخصيص يخرج التوكيد لأن من النعت ما يجاء به للتوكيد كـ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (٢) فهذا النوع من النعت يصدق عليه أنه جار مجرى التوكيد ويصدق على التوكيد أنه جار مجراه فإذا ذكر التوضيح والتخصيص انعزل كل واحد منهما عن الآخر لأن التوكيد لا يحصل به تخصيص وإن كان يحصل به توضيح أي زيادة تبيين وشارك عطف البيان النعت في ظهور المتبوع فلا يتبعان ضميرا. وقياس مذهب الكسائي جواز إتباع عطف البيان ضمير الغائب قياسا على النعت (٣). وذكرت جامدا أو بمنزلته توكيدا لإخراج النعت، فإنه من جهة المعنى أشبه شيء بعطف البيان وذلك أنك تقول لمن له ابنان طويل وقصير واسم الطويل محمد مررت بابنك الطويل فيحصل التخصيص بالنعت. ولو ذكرت محمدا موضع النعت لتبين به ما تبين بالنعت لكن النعت مشتق أو منزل منزلته وعطف البيان جامد أو منزل منزلته. والمراد بالمنزل الصعق ونحوه من الأعلام الحاصلة لها -

стр. 3329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العلمية بالغلبة وهي في الأصل صفات، لكن وصفيتها بعد الغلبة غير مقصودة وإنما المقصود بها ما يقصد بالأعلام المرتجلة من تعيين المسمى، ولا خلاف في موافقة عطف البيان متبوعه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث ويتوافقان أيضا في التعريف والتنكير. وزعم الشيخ أبو علي الشلوبين أن مذهب البصريين التزام تعريف التابع والمتبوع في عطف البيان (١)، ولم أجد هذا النقل من غير جهته. وعلى تقدير صحة النقل فالدليل أولى بالانقياد إليه والاعتماد عليه، وذلك أن الحاجة داعية إلى استعمال عطف البيان في النكرتين كما هي داعية إليه في المعرفتين بل هي في النكرتين أشد لأن النكرة يلزمها الإبهام وهي أحوج إلى (ما يبيّنها) من المعرفة فتخصيص المعرفة بعطف البيان خلاف مقتضى الدليل، واستعماله مطلقا مذهب الفراء وغيره من الكوفيين (٢)، وهو [٤/ ١٣٤] أيضا مذهب الزمخشري فإنه حكم بذلك في مواضع من الكشاف (٣)، وهو أيضا مذهب أبي علي الفارسي فإنه أجاز العطف والإبدال في «طعام» من قوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ (٤)، وزعم الزمخشري أن «مقام» من قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ (٥) عطف بيان مع كونه معرفة «وآيات» نكرة (٦)، وقوله في هذا مخالف لإجماع البصريين والكوفيين فلا يلتفت إليه. وزعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص بل يساويه -

стр. 3330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو يكون أعم منه، والصحيح جواز الأوجه الثلاثة لأنه بمنزلة النعت، وقد تقدم في بابه أن النعت يجوز أن يكون في الاختصاص فائقا ومفوقا ومساويا، فليكن العطف كذلك وهذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى فإنه أجاز في ذا الجمة من «يا هذا ذا الجمة» أن يكون عطف بيان وأن يكون بدلا (١)، وقد تقدم الكلام على أن اسم الجنس الجامد في مثل: رأيت ذلك الرجل: عطف بيان مع أنه أقل اختصاصا من اسم الإشارة وتبين دليل ذلك هناك. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ولكن قوله في المتن: «ولا يمتنع كونه أخصّ من المتبوع» غير ظاهر فإن أحدا لا يمنع أن يكون عطف البيان أخصّ من متبوعه، كيف ومنهم من أوجب أن يكون أعرف من المتبوع. وكلامه في الشرح موافق لما ذكره في المتن، فإنه قال: وزعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص بل يساويه أو يكون أعم منه، لأن هذا الكلام منه يفهم منه أنه لا يرى ما زعمه الأكثرون بل يرى أن المتبوع يفوق التابع الذي هو عطف البيان في الاختصاص والفائق في الاختصاص هو أخص من المفوق بلا شك، وإذا كان الأمر كما قلناه فكان الواجب أن يقول أعني في المتن: ولا يمتنع كون متبوعه أخص منه. وأما استدلاله على جواز الأوجه الثلاثة في هذا الباب بأنه قد تقدم في باب النعت أنه يجوز أن يكون في الاختصاص فائقا ومفوقّا ومساويا فأنت قد عرفت أن كون النعت يكون فائقا المنعوت لم يثبت، وقد تقدم البحث في ذلك. ثم اعلم أن المصنف قال في شرح الكافية: «عطف البيان تابع يجري مجرى النعت في تكميل متبوعه ومجرى التوكيد في تقوية دلالته ومجرى البدل في صلاحيته للاستقلال وليس نعتا لأن تكميله بشرح وتبيين لا بدلالة على معنى في المتبوع أي شيء من سببه وليس بتوكيد لأنه لا يرفع توهم مجاز ولا وضع عام موضع خاص وليس بدلا لأن متبوعه مكمل به غير معنوي الاطراح بخلاف البدل فإن الغالب كون متبوعه منوي الاطراح أو في حكم منوي الاطراح (٢). انتهى. -

стр. 3331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو كلام حسن. وبعد أن ذكر ابن أبي الربيع أن عطف البيان هو الاسم الجامد الجاري على ما قبله جريان النعت يعني من غير تكرير عامل محترزا بذلك عن البدل فإنه اسم جامد جار على ما قبله لكن ليس جريانه جريان النعت لأن البدل على نية تكرير العامل. قال: «والأصل في الجوامد كلها أن تلي العوامل فمتى جاءت تابعة فتقدر ولايتها للعامل كما في البدل فإن لم يمكن تقدير ولايتها للعامل كما في عطف البيان كان ذلك على غير قياس كما أن الأصل في المشتقات أن تكون تابعة فمتى وليت العامل كان ذلك على غير قياس وكان على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه. قال: فقد تقرر مما ذكرته أن عطف البيان ليس بالقياس بخلاف البدل فلا ينبغي أن يقال به إلا بدليل وحيث لا يمكن البدل وذلك إنما جاء في بابين وهما اسم الفاعل نحو: ٣١٨١ - أنا ابن التارك البكري بشر (١) ... [عليه الطير ترقبه وقوعا] والآخر: النداء نحو يا أخانا زيدا فلو كان بدلا لكان مبنيّا على الضم لأن البدل على تقدير تكرير العامل أو على تقدير طرح الأول وإحلال الثاني محله على حسب الخلاف في ذلك (٢). انتهى. وليعلم أن ابن عصفور تابع للشلوبين في القول بالتزام التعريف في عطف البيان ومتبوعه بناء على أن ذلك مذهب البصريين (٣). ولم يذكر في مقربه غير ذلك (٤). لكنه قال في شرح الجمل أن كونهما معرفتين هو الأكثر (٥)، ثم قال: وقد يكون في النكرات. وقد أجاز الفارسي في زَيْتُونَةٍ من قوله تعالى: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ -

стр. 3332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زَيْتُونَةٍ (١) أن تكون عطف بيان على الشجرة. وكلامه في الشرح المذكور يقتضي اشتراط كون عطف البيان أشهر من متبوعه، لكنه قال في المقرب (٢): عطف البيان جريان اسم جامد معرفة على اسم دونه في الشهرة، أو مثله (٣). وحاصل الأمر من كلامه وكلام المغاربة أن عطف البيان لا بد أن يكون أعرف من المنعوت أو مساويّا وهذا هو الظاهر بل المتعين. وأما ما اقتضاه كلام المصنف من إجازة كونه أقل تعريفا من متبوعه فغير ظاهر بل يجب الحكم فامتناعه لأن ذلك خلاف ما يقصد بالبيان إلا أن يقال قد يحصل البيان بانضمام أمر إلى آخر وإن كان التابع أقل تعريفا فكان البيان يحصل بالمجموع. فإن قيل: كيف يمتنع أن يكون عطف البيان دون متبوعه في التعريف وقد أجاز سيبويه في: يا هذا، ذا الجمة أن يكون عطف بيان (٤)، وكذا قال الجمهور إن الرجل في يا هذا الرجل عطف بيان. فالجواب أن يقال: لا شك أن اسم الإشارة معدود من المبهمات فهو مفتقر إلى ما يبين جنسه مع أنه متعين في نفسه بالإشارة إليه لا يحتاج في تعيينه إلى مبين فكان المذكور بعده عطف بيان لا لأنه بين المراد به بل لأنه بينه وأوضح إبهامه بتعين الجنس إذا لم يكن محتاجا إلى ما يعين ذاته لأنها متعينة بالإشارة إليه فكان أمر تابع اسم الإشارة [٤/ ١٣٥] من الأسماء الجوامد مفارقا للتابع في قولنا: جاء زيد أبو عبد الله» لأن زيد لما لم تتعين ذاته للمخاطب أردف بما يعينه فالمقصود من هذا التابع التعريف لا بيان الجنس فوجب كونه أعرف من متبوعه أو مساويّا له لأن التعريف عند التساوي قد يحصل بمجموع الاسمين كما تقدم، وأما تابع اسم الإشارة فالمقصود منه بيان جنس ما أشير إليه لا التعريف. واعلم أنه كما خصص أكثر النحاة عطف البيان بالمعارف خصصه بعضهم بالأعلام ولكني والحق أن وروده في ما ذكر أكثر من وروده في غيره.

стр. 3333

[جواز جعل عطف البيان بدلا وعدمه] قال ابن مالك: (ويجوز جعله بدلا إلّا إذا قرن بأل بعد منادى أو تبع مجرورا بإضافة صفة مقرونة بأل وهو غير صالح لإضافتها إليه، وكذا إذا أفرد تابعا لمنادي فإنّه ينصب بعد منصوب وينصب ويرفع بعد مضموم، وجعل الزائد بيانا عطفا أولى من جعله بدلا). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): قد تقرر أن عطف البيان لا بد من موافقته المتبوع في التعريف والتنكير والبدل قد يكون كذلك وقد لا يكون، فكل عطف بيان قد يجوز جعله بدلا إلا إذا قرن بأل بعد منادى نحو: يا أخانا الحارث أو عطف على مجرور بإضافة صفة مقرونة بأل وهو غير صالح لإضافتها إليه كقول الشاعر: ٣١٨٢ - أنا ابن التّارك البكريّ بشر ... عليه الطّير ترقبه وقوعا (٢) فلا يجوز جعل الحارث ولا بشر بدلا؛ لأن البدل في تقدير مستقل فيلزم من جعله بدلا تقدير مباشرة الحارث بحرف النداء وتقديره مباشرة بشر التارك وذلك ممتنع والمفضي إلى ممتنع ممتنع فتعين جعلهما عطفي بيان ونصب الحارث لأن متبوعه منصوب كما ينصب النعت والواقع موقعه. فلو كان الحارث تابعا لمنادى مضموم جاز نصبه على الموضع ورفعه على اللفظ كما يجوز في النعت المفرد. ولو كان موضع بشر اسم صالح لإضافة التارك إليه جاز فيه العطف والإبدال نحو: أنا ابن التارك البكري غلام القوم فيجوز في غلام القوم الإبدال لأنه يجوز أن يضاف إليه التارك لأن الصفة المقرونة بأل تضاف إلى المضاف إلى المقرون بأل كما تضاف إلى المقرون. فتقول: عرفت الضارب غلام الرجل كما تقول: عرفت الضارب الرجل، وإذا أفرد عطف البيان وتبع منادى نصب بعد المنصوب نحو: يا أخانا زيدا ونصب ورفع بعد المضموم نحو: يا غلام بشرا وبشر كما تفعل بالنعت لأنهما يجريان مجرى واحد. ولو قصد الإبدال تعين ضم زيد وبشر فإنهما عند قصد الإبدال في حكم ما باشر حرف النداء. وكل ما يصلح للعطفية والبدلية وكان فيه زيادة بيان فجعله عطفا أولى من جعله بدلا كقوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ (٣)، -

стр. 3334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكقوله تعالى: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١) ومِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ (٢)، ومن هذا قول ذي الرمة: ٣١٨٣ - لمياء في شفتيها حوّة لعس ... كالشّمس لمّا بدت أو تشبه القمرا (٣) فإن الحوة السواد مطلقا، واللعس سواد يسير. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى. وعلم منه: أنه متى امتنع إحلال التابع في هذا الباب محل متبوعه تعين أن يكون عطف بيان وامتنع أن يكون بدلا، ولا يخفى أن من أجاز الضارب زيد وهو الفراء (٤) يجيز البدلية في أنا ابن التّارك البكريّ بشر ... وإنما قيد التابع للمنادى بالإفراد في المسألة التي ذكرها تحرزا من أن يكون مضافا فإنه إن كان مضافا وجب نصبه وإن كان المنادى الذي هو متبوعه مضموما كما عرف ذلك في باب النداء وتوابعه. وما يمتنع فيه البدلية قول الشاعر: ٣١٨٤ - فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... سألتكما بالله لا تحدثا حربا (٥) فلا يجوز في عبد شمس ونوفل أن يجعلا بدلين لأن أحدهما مفرد والآخر مضاف وتقدير حرف النداء يوجب نصب المضاف وبناء المفرد والبدل والمجموع لا أحدهما وشيء واحد لا يكون بعضه منصوبا وبعضه مبنيّا. وقد علمت أن المصنف ذكر أن عطف البيان يجوز جعله بدلا إلا في المسألتين اللتين ذكرهما. وقد زاد الشيخ على المصنف وعلى غيره تسع مسائل (٦) يتعين فيها العطف ولا يجوز البدل. الأولى: أن يكون الكلام يفتقر فيه إلى رابط ولا رابط إلا التابع على عطفية البيان نحو: -

стр. 3335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هند ضربت الرجل أخاها، ومررت بهند القائم الرجل أخوها. قال: لا جائز أن يكون نعتا لأنه أعرف مما جرى عليه ولا بدلا لئلا تعرو الجملة من رابط فتعين عطف البيان. الثانية: أن يضاف أفعل التفضيل إلى عام ويتبع بقسمي ذلك العام ويكون المفضل أحد قسمي ذلك العام نحو: زيد أفضل الناس الرجال والنساء أو النساء والرجال. فالرجال والنساء عطف بيان ولا يكون أن يكون بدلا من الناس؛ لأن البدل على نية تكرير العامل فيكون التقدير: زيد أفضل الرجال والنساء أو النساء والرجال وذلك لا يسوغ. قال: فأما قول من قال: أنا أشعر الجن والإنس فقد غلط في ذلك، وتأوله أبو علي على أنه أراد أشعر الخلق (١). قال: وهو قبيح لا يجوز القياس عليه (٢). الثالثة: أن يتبع موصوف أي بمضاف نحو: يا أيها الرجل غلام زيد، فغلام زيد لا يكون بدلا من الرجل لأنه ليس في تقدير جملتين ولا وصفا لأن ما فيه أل لا يوصف بالمضاف [٤/ ١٣٦] إلى العلم. الرابعة: أن يفصل مجرور أي نحو قولهم: «أي الرجلين زيد وعمرو أفضل». الخامسة: أن يفصل مجرور كلا نحو: كلا أخويك زيد وعمرو قال ذلك. السادسة: أن يتبع المنادى المضموم باسم الإشارة نحو: يا زيد هذا. السابعة: أن يتبع المنادى المضاف على سبيل التفصيل بما هو مضاف وبما هو مفرد نحو: -

стр. 3336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله: فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا (١). الثامنة: أن يتبع موصوف أي في النداء بمنون نحو: يا أيها الرجل زيد. التاسعة: أن يتبع اسم الجنس ذو «أل» المنادى المضموم نحو: يا زيد الرجل ويا غلام الرجل الصالح. انتهى. فعلى ما ذكره الشيخ تكون المسائل التي يكون التابع فيها عطف بيان ولا يكون بدلا إحدى عشرة مسألة. واعلم أن هذه المسائل التي ذكرها الشيخ كلاما. أما المسألة الأولى: فقد ذكرها المصنف في باب البدل كما ستقف على ذلك. وذكرها ابن عصفور في شرح الإيضاح أيضا. وأما المسألة الثانية: وهي زيد أفضل الناس الرجال والنساء أو النساء والرجال. فلقائل أن يمنع امتناع البدلية فيها وذلك أن أفعل التفضيل المخبر به عن المذكر لم يضف إلى النساء فقط بل إنما أضيف إلى الرجال والنساء معا سواء أقدّم لفظ الرجال أم أخر وإذا كان مضافا إليهما معا فهو كإضافته إلى الناس وقد أجيز ذلك، فما المانع من إجازة ما هو بمعناه. وعلى هذا لا أقدح في قول القائل: أنا أشعر الجن والإنس لأن معناه أنا أشعر المخلوقين. ولا شك أن قول القائل: أنا أشعر المخلوقين جائز على أن في: أنا أشعر الجن والإنس تخريجا آخر وهو أن يكون التقدير فيه: أنا أشعر شعر الجن والإنس. وأما المسألة الثالثة: فلم أفهم التعليل الذي علل به امتناع البدلية فيها وهو قوله: لأنه ليس في تقدير جملتين. فإن كان مراده بذلك أن غلام زيد من قولنا: يا أيها الرجل غلام زيد إذا كان بدلا كان حرف النداء مقدرا قبله وإذا كان كذلك فالكلام حينئذ جملتان والغرض أنه جملة واحدة - فالجواب: أن تقدير العامل في البدل ليس محكوما له بحكم اللفظ إذ لو كان كذلك لا ينفي كون البدل تابعا وكان يتعين استقلاله. وإنما المراد بتقدير العامل أنه يفرض كونه كذلك ليترتب على ذلك -

стр. 3337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأحكام التي ذكروها. ويدل على هذا قول المصنف في حدّه أنه المستقل بمقتضى العامل تقديرا. وقد صرح سيبويه ﵀ بأن العامل فيه هو العامل في المبدل منه (١) وإذا كان كذلك فليس قولنا: يا أيها الرجل غلام زيد إذا جعل غلام زيد بدلا في تقدير جملتين بل الكلام جملة واحدة. وأما المسألتان الرابعة والخامسة: وهما أيّ الرجلين زيد وعمرو أفضل، وكلا أخويك زيد وعمرو قال ذلك، فمباشرة أي لزيد وعمرو وكلا لزيد وعمرو أيضا ممتنع من غير جهة البدلية كما هو ممتنع من جهتها. فإضافة أي وكلا لزيد وعمرو ممتنعة على الإطلاق لما علم في باب الإضافة وإنما يذكر هنا ما يكون امتناعه من جهة البدلية خاصة أما ما كان ممتنعا لغير ذلك فلا مدخل له في هذا الباب. وأما المسألة السادسة: وهي يا زيد هذا فلم يظهر لي وجه امتناع البدلية فيها. وأما المسألة السابعة: فقد تقدم بيان وجه امتناع البدلية فيها. وإذا حقق علم أن الامتناع إنما هو من جهة أخرى غير جهة البدلية. وأما المسألة الثامنة: وهي أن يتبع موصوف أي في النداء بمنون نحو: يا أيها الرجل زيد فلم يظهر لي تخصيصه ذلك بكون المتبوع موصوف أي لأنك لو قلت: يا زيد زيد بالتنوين لم يكن زيد بدلا أيضا ثم هذه المسألة تعرف من قول المصنف: إلّا إذا قرن بأل بعد منادى فإن العلة فيه إنما هي عدم صحة مباشرة مصحوب «أل» حرف النداء وكما أن حرف النداء لا يباشر مصحوب أل هكذا. لا يباشر المنون. وأما المسألة التاسعة: فهي داخلة تحت قول المصنف (إلّا إذا قرن بأل بعد منادى) وأنشد المصنف في شرح الكافية البيت المشهور وهو: ٣١٨٥ - إنّى وأسطار سطرن سطرا ... لقائل يا نصر نصرا نصرا (٢) -

стр. 3338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال: أكثر النحويين يجعلون التابع المكرر به لفظ المتبوع عطف بيان. يعني كما في هذا البيت. قال: والأولى عندي جعله توكيدا لفظيّا؛ لأن عطف البيان حقه أن يكون للأول به زيادة وضوح، وتكرير اللفظ لا يتوصل به إلى ذلك فلا يكون عطفا بل توكيدا فنصر المرفوع توكيد على اللفظ والمنصوب توكيد على الموضع ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الدعاء كسقيا له. انتهى، وما ذكره في هذه المسألة هو الحق. وقد اعتذر ابن عصفور عن جعل نصر الثاني عطف بيان مع أن الشيء لا يبين نفسه بأن البيان يقع بتكرار اسم المنادى وأنت تخاطبه وتقبل عليه مرتين (١) وما قاله لا يتحقق. * * *

стр. 3339

الباب السادس والأربعون باب البدل (١) [تعريفه، موافقته ومخالفته المتبوع، الإبدال من المضمر والظاهر] قال ابن مالك: (وهو التّابع المستقلّ بمقتضى العامل تقديرا دون متبع ويوافق المتبوع ويخالفه في التّعريف والتّنكير ولا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر. وما أوهم ذلك جعل توكيدا إن لم يفد إضرابا). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): البدل تابع المبدل منه وهو مع تبعيته في تقدير المستقل بمقتضى العامل وفي حكم تكريره ولذلك يعاد معه العامل [٤/ ١٣٧] كثيرا نحو: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ (٣) ولَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ (٤)، وكقول النبي ﷺ : «وإنّما نزل القرآن بلسان عربيّ مبين» (٥)، وكقول الأخطل (٦): ٣١٨٦ - حوامل حاجات ثقال يجرّها ... إلى حسن النعمى سواهم نسّل إلى خالد حتّى أناخت بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل (٧) وكقول الحطيئة: ٣١٨٧ - كفيت بها مازنا كلّها ... أصاغرها وكفيت الكهولا (٨) -

стр. 3340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولكونه في حكم تكرير العامل منع أبو الحسن: مررت برجل قائم زيد أبوه، على البدل وأجازه على أن يكون أبوه صفة. ولا يلزم من هذا تقدير عامل آخر إذا لم يعد العامل، كما لا يلزم ذلك في عطف النسق مع كثرة إعادة العامل وتقدير عامل آخر في كل بدل مذهب ابن خروف (١). قال: ولذلك بني البدل المفرد على الضم بعد المنادى المضاف نحو: يا أخانا زيد. وظاهر قول سيبويه أن عامل البدل هو عامل المبدل منه؛ لأنه قال في بعض أبواب البدل: هذا باب من الفعل يعمل في الاسم ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسم آخر فيعمل فيه كما عمل في الأول وذلك قولك: رأيت قومك أكثرهم (ورأيت قومك ثلثهم) (٢) فهذا تصريح بأن العامل في البدل ومتبوعه واحد، ولأنه قال في بعض أبواب الحال بعد تمثله بدخلوا الأول فالأول. وإن شئت رفعت فقلت: (دخلوا) (٣) الأول فالأول جعلته بدلا وحملته (٤) على الفعل كأنه قال: دخل الأول فالأول. ثم قال: فإن قيل: ادخلوا فالنصب الوجه ولا يكون بدلا لأنك لو قلت: ادخل الأول فالأول لم يجز (٥). فهذا أيضا تصريح بأن العامل في المبدل هو العامل في المبدل منه والأول أصرح. ولا حجة لابن خروف في لزوم ضم المفرد المبدل من المضاف كما لا حجة لمن زعم أن عامل المعطوف غير عامل المعطوف عليه محتجّا بضم زيد في نحو: يا أخانا زيد. والجواب عنهما: أن العرب التزمت في البدل والمعطوف أحد الجائزين في القياس وهو تقدير حرف النداء تنبيها على أنهما في غير النداء وفي تقدير المستقل بمقتضى العامل فلم يجز لنا أن تخالف ما التزمته. وخص المعطوف والبدل بهذا لأن المعطوف غير المعطوف عليه وكذا البدل إذا لم يكن بدل كل من كل ولو لم يكن العامل في البدل والمبدل منه واحدا لزم إطراد إضمار الجار والجازم في الإبدال من المجرور والمجزوم وذلك ممتنع، وما أفضى إلى الممتنع ممتنع. قلت: وإذ قد تقررت هذه القاعدة فلنعد إلى الكلام على حد البدل فالتابع يعم -

стр. 3341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التوابع الخمسة والمستقل بمقتضى العامل تقديرا يخرج النعت وعطف البيان والتوكيد؛ لأن المتبوعات هي المستقلة بمقتضى العامل لفظا وتقديرا. ودون متبع يخرج المعطوف ببل ولكن فإنه داخل تحت المستقل بمقتضى العامل تقديرا ولكن حصول تقدير (الاستقلال) له بمتبع وحصوله للبدل بغير متبع فلذلك قلت: دون متبع. وتبدل المعرفة من المعرفة نحو: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ١ اللَّهِ (١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكوفيين (٢)، والنكرة من النكرة نحو: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ٣١ حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣)، والمعرفة من النكرة نحو: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٢ صِراطِ اللَّهِ (٤) والنكرة من المعرفة نحو: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ١٥ ناصِيَةٍ (٥) واشترط الكوفيون في إبدال النكرة من المعرفة اتحاد اللفظين كما هو في بِالنَّاصِيَةِ ١٥ ناصِيَةٍ والعرب لا تلتزم ذلك. ومن الحجج عليهم قول الشاعر: ٣١٨٨ - ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما (٦) ومنها ما أنشد أبو زيد من قول الشاعر: ٣١٨٩ - فلا وأبيك خير منك إنّي ... ليؤذيني (التّحمحم) والصّهيل (٧) ويبدل الظاهر من المضمر كثيرا. ومنه قول الشاعر: ٣١٩٠ - على حالة لو أنّ في القوم حاتما ... على جوده لضنّ بالماء حاتم (٨) -

стр. 3342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه قول الآخر: ٣١٩١ - المنعمون بنو حرب وقد حذفت ... بي المنيّة واستنبطأت أنصاري قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النّساء ولو باتت بأطهار (١) فبنو حرب بدل من الضمير المستكن في المنعمون، ولا يجوز أن يكون المنعمون مبتدأ وبنو حرب خبرا؛ لأن قوله وقد حذفت حال العامل فيه المنعمون فلو جعل بنو حرب خبرا لمبتدأ لزم الإخبار عن الموصول قبل تمام الصلة ويبدل المضمر من الظاهر نحو: رأيت زيدا إياه، والمضمر من المضمر نحو: رأيتك إياك. ولم أمثل بهذين المثالين إلا جريا على عادة المصنفين المقلد بعضهم بعضا. والصحيح عندي أن نحو: رأيت زيدا إياه لم يستعمل في كلام العرب نثره ونظمه ولو استعمل لكان توكيدا لا بدلا. وأما رأيتك إياك فقد تقدم في باب التوكيد. إن البصريين يجعلونه بدلا وإن الكوفيين يجعلونه توكيدا وإن قول الكوفيين عندي أصح؛ لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل في رأيتك إياك كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في فعلت أنت والمرفوع توكيد بإجماع فليكن المنصوب توكيدا فإن الفرق بينهما تحكم بلا دليل. وجعل الزمخشري من أمثلة البدل: مررت بك بك (٢)، وهذا إنما هو توكيد لفظي ولو صح جعله بدلا لم يكن للتوكيد اللفظي مثال يختص به، وعلى هذا وأمثاله نبهت بقولي: ولا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر. وأما أوهم ذلك جعل توكيدا - ثم قلت: إن لم يفد إضرابا فنبهت بذلك على قول القائل: إياك إياي قصد زيد إذ كان المراد بل اياي. انتهى [٤/ ١٣٨] كلامه رحمه الله تعالى (٣). واعلم أن قوله: البدل في تقدير العامل المستقل بمقتضى العامل وفي حكم تكريره، كلام متين كاشف عن حقيقة البدل يرتفع به ما في كلام أكثرهم من الغبش. وذلك إن منهم من يقول: إن البدل معمول لعامل مقدر وهو قول أكثرهم، حتى -

стр. 3343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنهم اختلفوا في جواز إظهاره إذا كان رافعا أو ناصبا بعد اتفاقهم على جواز إظهاره إذا كان خافضا. ولا يخفي أن كونه يكون معمولا لعامل مقدر ينفي كونه تابعا والاتفاق على أنه تابع. ولا شك أنه إذا كان معمولا لغير العامل الأول كان مستقلّا بنفسه غير تابع لشيء قبله. وأما ظهور الخافض في قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ (١) فلقائل أن يقول: إن «لمن» جملته أعني الحرف وما دخل عليه هو البدل والمبدل منه «للّذين» بجملته أيضا. ولا يقول إن «من» خاصة بدل من «الّذين» خاصة ثم إن العامل في «الّذين» إنما هو «قال» واللام وصلة بين العامل ومعموله وقال: لم تعد، فكيف يقال إن العامل أعيد مع المخفوض. ومنهم من عدل عن هذه العبارة أعني كون البدل معمولا لعامل مقدر إلى قوله: إن المبدل منه على نية الطرح ولكنه عنى بذلك أنه منوي الطرح معنى لا لفظا. ولذلك صرح ابن عصفور به حيث قال في حد البدل: إنه إعلام السامع بمجموع الاسمين أو الفعلين على جهة تبيين الأول بالثاني وعلى أن ينوي بالأول منهما الطرح معنى لا لفظا (٢). فاحترز بقوله: على جهة تبيين من المعطوف نسقا وبقوله على أن ينوي بالأول الطرح من النعت والتأكيد وإنما قال معنى لا لفظا؛ لأن نحو ضربت زيدا يده جائز، فلو لم يعتد بزيد في اللفظ لم يكن للضمير ما يعود عليه. وظاهر كلام من قال: ينوي بالأول الطرح أن البدل معمول لعامل مقدر أيضا وفيه ما تقدمت الإشارة إليه. والحق: أن العامل فيه هو العامل في المبدل منه. وقد عرفت أنه مذهب سيبويه (٣)، وأنه اختيار المصنف. ولا يتصور أن يقدر له عامل؛ لأن كونه تابعا بإجماع النحاة يمنع من تقدير عامل؛ لأن تقدير العامل يلزم منه الحكم للبدل بالاستقلال والحكم باستقلاله يخرجه عن كونه تابعا، ولما كان كذلك وكان البدل هو المعتمد عليه في الإخبار أتى المصنف في حده بهذه العبارة الحسنة وهو قوله: التابع المستقل بمقتضى -

стр. 3344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العامل تقديرا، فأفاد أن العامل في البدل هو العامل في المبدل وأن المبدل منه مستقل بمقتضى العامل لفظا والبدل مستقل بمقتضاه تقديرا. ثم أفاد بقوله إنه في حكم تكرير العامل أنه ليس معمولا لعامل مقدر ولكنه محكوم له بحكم ما له عامل مقدر. وأنت إذا اعتبرت كلام المصنف مع كلام غيره في هذا الموضوع تبين لك ترجحه بل قوته وضعف غيره. ثم إن المصنف مثّل لاختلاف البدل والمبدل منه في التعريف والتنكير ببدل الشيء من الشيء ومثال ذلك في بدل البعض: أكلت الرغيف ثلثه، وأكلت رغيفا ثلثا منه، وأكلت رغيفا ثلثه. وأكلت الرغيف ثلثا منه. ومثال بدل الاشتمال: أعجبتني الجارية حسنها، وجارية حسن لها والجارية حسن لها، وجارية حسنها. واعلم أن ما ذكر المصنف أنه مذهب الكوفيين وهو اتحاد اللفظين في إبدال النكرة من المعرفة ذكره ابن عصفور عن أهل بغداد ولم يقيد إبدال النكرة بكونه من معرفة بل قال إن أهل بغداد يشترطون في إبدال النكرة من غيرها أن تكون لفظ الأول مستدلين بأنه لم يرد إلا كذلك كقوله تعالى: بِالنَّاصِيَةِ ١٥ ناصِيَةٍ (١)، وقال الشاعر: ٣١٩٢ - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت (٢) قال: واشترطوا فيها الوصف، ووافقهم على هذا الشرط أهل الكوفة ثم إنه رد ذلك بقول الشاعر: ٣١٩٣ - فلا وأبيك خير منك وهو مما رد به المصنف، وبقول الآخر: ٣١٩٤ - إنّا وجدنا بني سلمى بمنزلة ... كساعد الضّبّ لا طول ولا قصر (٣) قال: فلا طول ولا قصر نكرتان وهما بدل من ساعد الضب ولم ينعتا ولا هما من لفظ الأول (٤). ثم قد عرفت قول المصنف إن المضمر لا يبدل من ظاهر، وأنه -

стр. 3345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقول أن ذلك غير مستعمل في كلام العرب، وأنه إن استعمل كان توكيدا، وكذا قوله لا يبدل مضمر من مضمر أيضا. وقد قال: إنه إنما مثل بذلك جريا على عادة المصنفين المقلد بعضهم بعضا. وأما ابن عصفور فإنه فعل ما فعله المصنفون. فقال: البدل ينقسم بالنظر إلى الإظهار والإضمار أربعة أقسام ظاهر من ظاهر ومضمر من مضمر ومضمر من مظهر وظاهر من مضمر. إلا أن في بدل المضمر من غيره في بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال تكلف إعادة الظاهر كما سيبين. فمثال ذلك في بدل الكل ضربت زيدا أخاك، وزيد ضربته إياه، وضربت زيدا إياه، وزيد ضربته أخاك. ومثاله في بدل البعض: أكلت الرغيف ثلثه، والرغيف أكلته ثلثه، وثلث الرغيف أكلته إياه، فالضمير في أكلته يعود على الرغيف وإياه يعود على الثلث، وثلث الرغيف (الرغيف) أكلت الرغيف اياه، فيعيد الضمير على الثلث فقد تكلف تكرار الرغيف في المسألتين الأخيرتين. ومثال ذلك في بدل الاشتمال: عجبت من الجارية حسنها والجارية عجبت حسنها وحسن الجارية الجارية عجبت منها منه وحسن الجارية عجبت من الجارية منه فتكلفت أيضا تكرار الجارية في الوجهين الأخيرين. قال: وهذه المسائل التي تؤدي إلى تكلف [٤/ ١٣٩] تكرار الظاهر فيها خلاف بين النحويين فمنهم من منع ومنهم من أجاز. فالذي منعها حمله على ذلك خلو الجملة الواقعة خبرا من ضمير يعود على المخبر عنه لأنك إذا قلت: ثلث الرغيف أكلت الرغيف إياه، لم يكن في الجملة التي هي أكلت الرغيف الواقعة خبرا لثلث ضمير عائد على الثلث. ولا يقال إن إياه المبدل من الرغيف عائد على الثلث فلا يحتاج معه إلى عائد؛ لأن البدل على تقدير تكرار العامل والاستئناف، فكأنك قلت: إياه أكلت. وعلى هذا تخلو الجملة الواقعة خبرا من ضمير عائد على المبتدأ، وكذلك مسألة ثلث الرغيف (الرغيف) أكلته إياه فان أكلته في موضع خبر الرغيف والضمير في أكلته عائد عليه والجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر الثلث ولا ضمير فيها وإياه غير معتد به؛ لأنه على نية الاستئناف. والذي أجاز اعتد بالضمير المبدل لما كان العامل فيه غير موجود في اللفظ فصار لذلك من تمام الجملة المتقدمة؛ ولذلك لا يتكلم بالبدل وحده كما يتكلم بالجمل -

стр. 3346

[أقسام البدل وما يختص به كل قسم] قال ابن مالك: (فإن اتّحدا معنى سمّي بدل كلّ، من كلّ، ووافق أيضا في التّذكير والتّأنيث، وفي الإفراد وضدّيه، ما لم يقصد التّفصيل، وقد يتّحدان لفظا إن كان مع الثّاني زيادة بيان، ولا يتبع ضمير حاضر في غير إحاطة إلّا قليلا. ويسمّى بدل بعض إن دلّ على بعض الأول، وبدل اشتمال إن باين الأوّل وصحّ الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه، وبدل إضراب أو بداء إن باين الأوّل مطلقا وقصدا وإلّا فبدل غلط. ويختصّ بدلا البعض والاشتمال بإتباعهما ضمير الحاضر كثيرا وبتضمّن ضمير أو ما يقوم مقامه). ــ المستأنفة (١). انتهى. وقد خلص المصنف من هذا كله بقوله: إن المضمر لا يبدل من مضمر ولا من ظاهر. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): إن اتحد البدل والمبدل منه معنى سمي البدل بدل كلّ من كلّ نحو: مررت بأخيك زيد. وعبرت عن هذا النوع ببدل كلّ من كلّ جريا على عادة النحويين وهي عبارة غير مطردة فإن المراد بها أن يكون مسمى البدل والمبدل منه واحدا فيدخل في ذلك ما لا يطلق عليه كل نحو: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ١ اللَّهِ (٣) فالعبارة الجيدة أن يقال بدل موافق من موافق. ولا بد في هذا النوع من التوافق في التذكير والتأنيث نحو: رأيت أخاك زيدا وجاريتك رقاش وفي الإفراد كما سبق وفي ضديه وهما التثنية والجمع نحو: عرفت ابنيك المحمدين وأصحابك الزيدين. وأشرت بقولي: ما لم يقصد التفصيل إلى نحو قولك: عجبت من أخويك زيد وعمرو، ومنه قول النبي ﷺ : «فأذن لها بنفسين في كلّ عام نفس في الشّتاء ونفس في الصّيف» (٤) ومنه قول الشاعر: -

стр. 3347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣١٩٥ - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت (١) ونبهت بقولي: وقد يتحدان لفظا إن كان مع الثاني زيادة بيان على قراءة يعقوب (٢) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا (٣) قال أبو الفتح ابن جني «جاز إبدال الثانية من الأولى، لأن في الثانية ذكر سبب الجثو» (٤). قلت: ومثل: هذا قول الشاعر: ٣١٩٦ - رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان (٥) وقد يكون بدل التفصيل بلفظ بعض كقولك: ضربت الناس بعضهم قائما وبعضهم قاعدا وإبدال الظاهر الدال على الإحاطة من ضمير الحاضر كثير لتنزله منزلة التوكيد بكل فمن ذلك قوله تعالى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا (٦) فـ لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا بدل من الضمير في (لنا) وقد أعيد معه العامل مقصودا به التفصيل ومثله قول عبيدة بن الحارث (٧) رضي الله تعالى عنه: ٣١٩٧ - فما برحت أقدامنا في مقامنا ... ثلاثتنا حتّى أزيروا المنائيا (٨) فلو لم يكن في المبدل من ضمير الحاضر معنى الإحاطة جاء على قلة ولم يمتنع -

стр. 3348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما زعم غير الأخفش، والدليل على ثبوته قول أبي موسى الأشعري (١) - رضي الله تعالى عنه - «أتينا النبيّ ﷺ نفر من الأشعريّين» (٢)، ومثله قول الشاعر: ٣١٩٨ - وشوهاء تعدو بي إلى صارح الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل (٣) ومثله: ٣١٩٩ - بكم قريش كفينا كلّ معضلة ... وأم نهج الهدى من كان ضلّيلا (٤) ويسمى البدل بدل بعض إن دل على بعض ما دلّ عليه الأول نحو: مررت بقومك ناس منهم وضربت وجوههم أولها، ومنه على أحد الوجهين قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٥) ويسمى البدل بدل اشتمال إن باين الأول أي إن لم يكن بدل كل فدخل في ذلك بدل البعض ويدل الإضراب والغلط. فخرج بدل البعض بقولي: ولم يكن بعضه وخرج بدلا الإضراب والغلط بقولي: وصحّ الاستغناء به عنه. فخلصت العبارة للمسمى بدل اشتمال وهو إما مصدر دالّ على معنى قائم بمسمى المبدل منه كعجبت من زيد حلمه. أو صادر عنه كعجبت منه قراءته، أو واقع فيه كـ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ (٦) أو واقع عليه كدعى زيد للطعام أكله، وأما على ملابس صالح للاستغناء عنه بالأول كـ قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ٤ النَّارِ (٧) والصلاحية للاستغناء عنه بالأول شرط في هذه الأمثلة كلها وما أشبهها. فان كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم وجيء به بدلا فهو بدل إضراب أو غلط كقولك: عجبت [٤/ ١٤٠] من زيد أخيه وانطلقت إلى عمرو عمه، ومن شواهد بدل البعض قول الشاعر: -

стр. 3349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢٠٠ - وهم ضربوك ذات الرّأس حتّى ... بدت أمّ الدّماغ من العظام (١) ومنها قول الآخر: ٣٢٠١ - رأتني كأفحوص القطاة ذؤابتي ... وما مسّني من منعم تستتيبها (٢) ومن شواهد بدل الاشتمال قول الشاعر: ٣٢٠٢ - ذريني إنّ أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا (٣) ومنها قول رؤبة: ٣٢٠٣ - أفحمتني في التّفنف التّفناف ... قولك أقوالا مع التّخلاف فيها ازدهاف أيّما ازدهاف (٤) وقولي: ويسمى بدل إضراب أو بداء إن باين الأول مطلقا وقصدا نبهت به على أن من البدل ما يجري المعطوف ببل كقولك: أعط السائل رغيفا درهما أمرت له برغيف ثم رق قلبك عليه فأضربت عن الرغيف وأبدلت منه الدرهم، فهذا النوع مقصود فيه الأول والثاني كالناسخ والمنسوخ ولو جعل بينهما بل لكان حسنا ولكن يزول عنه ببل إطلاق البدل؛ لأن البدل تابع بل متبع. وبدل البداء كبدل الإضراب لفظا ومعنى. وقولي: إن باين الأول مطلقا أشرت به إلى أن البدل كله مباين بوجه. فبدل الكل مباين لفظا موافق معنى، ومتحدان لفظا متباينان معنى بزيادة كقراءة يعقوب «وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها» (٥). وبدلا البعض والاشتمال متباينان لفظا ومعنى، لكن بينهما وبين متبوعهما ملابسة تجعلهما في حكم المتحدين فمباينتهما مقيدة لا مطلقة بخلاف بدل الإضراب، فإنه -

стр. 3350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مباين لفظا ومعنى ولا ملابسة بينه وبين المتبوع فكان التباين مطلقا وإن كان أول المتباينين عاريا من القصد كقولك قاصدا زيدا لا عمرا: رأيت عمرا زيدا، فهو بدل غلط وذكر بل هنا أيضا حسن. ونختص بدلا البعض والاشتمال بإتباعهما ضمير الحاضر كثيرا نحو: ٣٢٠٤ - وما ألفيتنى حلمي مضاعا (١) ويختصان أيضا بتضمنهما ضميرا عائدا على المبدل منه نحو: ضربت زيدا رأسه، وأعجبتني الجارية حسنها. وقد يستغنى عن لفظ الضمير بظهور معناه نحو: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٢) ومنه قول الشاعر: ٣٢٠٥ - لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضّى لبانات ويسأم سائم (٣) ومما يغني عن الضمير اقتران البدل بالألف واللام كقولك: ضربوك ذات الرأس، ومنه على أحد الوجهين قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٤)، ومنه قول الراجز: ٣٢٠٦ - يحمدك الإحسان كلّ النّاس ... ومن رجاك آمن من ياس (٥) ومن الاستغناء عن الضمير بالألف واللام قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٦). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٧). وأنا أتبعه بالتنبيه على أمور: منها: أن أقسام البدل عنده خمسة - وهي عند غيره ستة؛ لأنهم ذكروا أن من الأقسام بدل النسيان، وما ذكروه هو الحق. ولا يتوهم أن بدل النسيان يشمله بدل الغلط؛ لأن بدل الغلط لم يقصد إلى ذكره البتة، وإنما سبق إليه اللسان، وبدل النسيان قصد إلى ذكره ولكن بعد ذكره تبين أنه ليس هو المقصود بالذكر، إنما -

стр. 3351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المقصود بالذكر غيره وانما حصل النسيان فلم يذكر ذلك الغير الذي هو المقصود في الأصل وذكر هذا. قال ابن عصفور: والبدل ستة أقسام، ثلاثة اتفق النحويون على جوازها وورد بها السماع واثنان جائزان في القياس ولم يرد بهما سماع وواحد ورد به السماع إلا أن النحويين اختلفوا فيه هل هو من هذا الباب أو من باب العطف. فالثلاثة التي ورد بها السماع بدل الشيء من الشيء وبدل البعض من الكل وبدل الاشتمال والاثنان الجائزان قياسا ولم يرد بهما سماع بدل الغلط وبدل النسيان. والواحد الذي ورد به السماع، واختلف فيه بدل البداء وهو أن تبدل اسما من اسم بشرط أن يكون الأول قد بدا لك في ذكره، وذلك نحو ما ذكره أبو زيد من قولهم: أكلت لحما سمكا تمرا وكقول الشاعر: ٣٢٠٧ - ما لي لا أبكي على علّاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي (١) قال: فأبدل الصبائح من العلات فكأنه قال: ما لي لا أبكي على صبائحي ثم إبداله في ذلك فأبدل الغبائق ثم بدا له فأبدل القيلات. قال: ومن الناس من جعل ذلك من باب العطف وحذف منه حرف العطف. قال: والصحيح أن الوجهين ممكنان. انتهى. وظاهر كلامه يعطي أن ما ذكره ونحوه يجوز فيه أن يكون بدلا وان يكون معطوفا، وذلك غير ظاهر، لأن البدل هو المستقل بالحكم دون المبدل منه. ولا شك أن قاصد البدلية بعد ذكر الأول أضرب عنه فكأنه طرحه وجعل المقصود بالحكم هو الثاني وأما اذا جعل ذلك من باب العطف فإن كلا من المعطوف والمعطوف عليه مقصود بالحكم فقاصد البدل لا يقصد العطف وقاصد العطف لا يقصد البدل. نعم إن كان مراد ابن عصفور أن الوجهين جائزان في الجملة بالنسبة إلى هذا التركيب فذاك شيء آخر.

стр. 3352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحق أن هذا ونحوه من باب البدل ويدل على ذلك الحديث الشريف وهو قوله ﷺ : «إنّ الرّجل ليصلّي الصّلاة ثم ينصرف ما كتب إلا له نصفها ثلثها (ربعها إلى العشر)» (١)، فإنه لما قال ﷺ : «إنّ الرّجل ليصلّي الصّلاة وما كتب له نصفها» أضرب ﷺ عن ذلك وأخبر [٤/ ١٤١] أنه قد يصلى وما كتب له ثلثها، وكذلك ما ذكر بعد إلى العشر ولا مجال للعطف هنا والعجب أن ابن عصفور استدل بهذا الحديث الشريف بعد قوله: والصحيح أن الوجهين ممكنان (٢). ومنها: أن الشيخ قال في الأبيات التي أنشدها المصنف وهي: ٣٢٠٨ - رويد بني شيبان بعض وعيدكم إن المصنف يعني أن جيادا بدل من خيلي (٣) قال: لكنه أعاد العامل وليس حرف جر (٤). قال: وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في إعادة العامل إذا كان غير حرف جر (٥). انتهى. والعجب من الشيخ كيف حكم بهذا حتى إنه جعله مراد المصنف أيضا وهو لا يصح أن يكون مراده لوجهين: أحدهما: أحدهما: أن جيادا لم يوافق خيلي فأين الاتحاد لفظا. ثانيهما: أن المصنف لا يجيز إعادة العامل غير الخافض مع البدل فكيف ينسب إليه ما لا يقول بجوازه وإنما الفعل الذي هو تلاقوا جيادا بدل من تلاقوا غدا خيلي. هذا هو مراد المصنف وهو المقصود للشاعر، ولا يجوز أن يظن غير ذلك. وهذا الذي قلته هو الذي يطابق قول المصنف: وقد يتحدان لفظا إن كان مع الثاني زيادة بيان. ولا يخفى ذلك على من له أدنى تأمل. ومنها: أنك تفهم من قول المصنف مشيرا إلى البدل: ولا يتبع ضمير حاضر في غير إحاطة إلا قليلا أن البدل الظاهر يكون من ضمير الغائب وأن ذلك جائز في -

стр. 3353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأبدال الثلاثة وأنه يكون من ضمير الحاضر أيضا إذا كان بدل بعض كقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ (١) أو بدل اشتمال كقول الشاعر: ٣٢٠٩ - بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا (٢) أو بيت الألفية: ومن ضمير الحاضر الظّاهر لا ... تبدله إلّا ما إحاطة جلا (٣) أبين للمقصود من عبارته في التسهيل. قال ابن عصفور: وفي البدل من الضمير خلاف منهم من أجاز الإبدال من الضمير الغائب كان أو لمتكلم أو لمخاطب في جميع أقسام البدل وهو مذهب الأخفش (٤) ومنهم من أجازه في ضمير الغائب خاصة في جميع أقسام البدل. وأما ضمير المتكلم والمخاطب فيبدل منهما إبدال شيء من شيء. وأما غيره من أقسام البدل فجائز كقوله: ٣٢١٠ - ذريني إنّ أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا (٥) فأبدل حلمي من الياء في ألفيتني وإنما لم يجز الإبدال من الضميرين المذكورين بدل شيء من شيء لأن المقصود ببدل الشيء من الشيء تبيين الأول وضمير المتكلم والمخاطب لا يدخلهما لبس فلم يجز فيهما؛ إذ لا فائدة فيه. والأخفش يستدل على جوازه بالسماع والقياس. فأما القياس فإنه قد جاز أن يبدل من ضمير الغائب بدل شيء من شيء بلا خلاف نحو قوله: ٣٢١١ - على حالة لو أنّ في القوم حاتما ... على جوده لضنّ بالماء حاتم (٦) -

стр. 3354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «فحاتم» بدل من الضمير في «جوده» فكما جاز ذلك ثم يجوز هاهنا؛ لأن ضمير الغائب أيضا لا يدخله لبس؛ ولهذا امتنعوا من نعته فلو كان القصد من البدل إزالة اللبس لا متنع من ضمير الغائب كما امتنع نعته فإذا ثبت جوازه حيث لا لبس لم ينكر مجيئه في ضمير المتكلم والمخاطب وهذا فاسد لأن نعت ضمير الغيبة لم يمتنع من حيث لم يدخله لبس بل امتنع من حيث ناب مناب ما لا ينعت وهو الظاهر المعاد. أو ترى أن قولك: لقيت رجلا فضربته، الهاء نابت مناب قولك: فضربت الرجل، وأنت لو قلت فضربت الرجل العاقل لم يجز فكذلك لم يجز نعت ما ناب منابه وقد تقدم تبيين ذلك في باب النعت. وإنما الذي امتنع نعته من المضمرات لأنه لا يدخله لبس ضمير المتكلم وإلمخاطب فإذا تبين أن ضمير الغيبة قد يدخله اللبس ويكون في ذلك على حسب ما يعود عليه فإن عاد على ملبس كان مثله وإن عاد على غير ملبس كان مثله، وإذا امتنع نعته جاز الإبدال منه؛ إذ لا مانع منه، وتبين أن ضمير المتكلم والمخاطب يمتنع الإبدال منهما كما يمتنع نعتهما. وأما السماع فقوله تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١) فالذين عنده بدل من الضمير في «ليجمعنكم» وقال حميد: ٣٢١٢ - أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذرّيت السّناما (٢) فحميد بدل من الياء في فاعرفوني (٣). قال: ولا حجة في ذلك لاحتمال أن يكون الَّذِينَ محمولا على الاستئناف وأن يكون «حميدا» منصوبا بإضمار فعل على الاختصاص وكأنه قال: أعني حميدا فيكون مثل قول الآخر: -

стр. 3355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢١٣ - إنّا بني نهشل لا ندّعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشربنا (١) انتهى كلام ابن عصفور. ولا يخفى ضعف التخريج الذي ذكره على أن لك أن تقول: التبيين الذي حصل بالبدل ليس لإزالة لبس يحصل في ضمير الخطاب أو التكلم لأن المخاطب معلوم والمتكلم معلوم من حيث أنها مخاطب ومتكلم وقد تكون صفة أحدهما مجهولة فيجاء بالبدل ليبين تلك الصفة كما في قوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ (٢) الآية الشريفة أو اسم أحدهما مجهول كما في قول القائل: ٣٢١٤ - أنا سيف العشيرة ... ... ... البيت فالحق أن إبدال الظاهر من ضمير الحاضر إذا كان البدل كل من كل دون إحاطة جائز كما قال الأخفش، لكنه قليل كما قال المصنف. ومنها: أن المراد ببدل البعض أن يكون بدل الكل من الكل سواء أكان ذلك البعض أقل من المبدل منه أم مساويا أم أكثر كأكلت الرمانة ثلثها أو نصفها أو ثلثيها وذلك أن البصريين يوقعون بعض الشيء على أكثره كما يوقعونه على النصف منه وعلى الأقل الأقل من النصف. الكسائي وهشام (٣) أن بعض [٤/ ١٤٢] الشيء لا يقع إلا على ما دون نصفه. قيل: وعلى هذا يمنع الكسائي وهشام أن يقال في قبضت المال نصفه أو ثلثيه أنه أبدل فيه بعض الشيء من جميعه. وأشار إلى ذلك ابن عصفور في شرح الإيضاح (٤). ثم قال: والذي يعلم به الجائز من غير الجائز من مسائل هذا النوع من البدل يعني بدل البعض هو أن ترد المسألة إلى أصلها الذي اختصرت منه بأن يظهر العامل في البدل فيصير الكلام جملتين كما كان قبل أن يختصر فإن ساغ الاكتفاء بكل واحدة من -

стр. 3356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجملتين كانت المسألة جائزة، وإلا فهي ممتنعة. فعلى هذا يجوز جدعت زيدا أنفه لأنك لو قلت جدعت زيدا جدعت أنفه كان الاكتفاء بكل واحدة من الجملتين سائغا. ومن ذلك قول جرير: ٣٢١٥ - هذي الّذي جدعت تيما معاطسها ... ثمّ اقعدي بعدها يا تيم أو قومي (١) ولو قلت: قطعت زيدا أنفه لم يجز؛ لأنك لو قلت قطعت زيدا قطعت أنفه لم يكن الاكتفاء بالجملة الأولى سائغا. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: قطعت زيدا وأنت تريد بذلك أنك قطعت أنفه كما يجوز لك أن تقول: جدعت زيدا وأنت تريد جدعت أنفه ويجوز أن تقول: ما أفصح زيدا لسانه لأنك تقول: ما أفصح زيدا، ما أفصح لسانه، فيحصل الاكتفاء بكل من الجملتين. ولو قلت ما أفصح كلام زيد لسانه لم يجز وذلك؛ لأنك لو قلت: ما أفصح كلام زيد ما أفصح كلام لسانه لم يكن الاكتفاء بالجملة الثانية سائغا، ألا ترى أنك لا تقول: ما أفصح كلام لسان زيد وإنما تقول: ما أفصح كلام زيد أو ما أفصح من زيد. انتهى. وقد عرفت أن مما مثل به المصنف لبدل البعض قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٢) وقال: إن ذلك على الوجهين وكأنه يقصد بالوجه الآخر أن تكون «من» فاعله «بحجّ» كأنه قيل: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا (٣) لكن قال ابن عصفور: أن هذا القول فاسد من جهة المعنى، وذلك أن المعنى يصير إلى أن الله تعالى له على الناس كافة مستطيعهم وغير مستطيعهم أن يحج البيت المستطيع (٤). قال: وهذا خلف (٥). هذا كلامه. ولا يظهر لي امتناع أن يقال: فرض الله تعالى على الناس أن يحج البيت المستطيع منهم. ثم ذكر ابن عصفور وجها ثالثا وعزاه إلى الكسائي وهو أن: من تكون شرطا والجواب محذوف كأنه قيل: فعلم -

стр. 3357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك ورأى أن حذف جواب الشرط لفهم المعنى أحسن من حذف الضمير من البدل. قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه حسن جدّا (١). انتهى. وعجبا منه كيف أجاز هذا الوجه واستحسنه ولم يفسده بأن يقول: يلزم من وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (٢) وجوب الحج على الناس أجمعين، ولا شك أن في الناس من هو غير مستطيع ويلزم من مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٣) فعليهم ذلك أن الحج لا يجب الا على المستطيع. وقد ذكر ابن أبي الربيع هذا القول عن الكسائي (٤) كما ذكره ابن عصفور واستبعده، ولم يرضه. ومنها: أن قول المصنف: وبدل الاشتمال إن باين الأول وصحّ الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه قد علم معناه بما ذكره هو في شرحه. والظاهر أن الضمير المجرور بالباء في قوله: وصح الاستغناء به عنه يرجع إلى المبدل منه وأن الضمير المجرور بعن يرجع إلى البدل لأنه قال: انه أخرج بهذا بدلي الإضراب والغلط ..... ولا شك أن المبدل في هذين لا يصح الاستغناء به عن البدل لأنه غير مقصود في بدل الغلط ومعدول عنه في بدل الإضراب، وما كان غير مقصود أو معدولا عنه إلى غيره لا يصح الاستغناء به، وهذا بخلاف المبدل منه في بدل الاشتمال فإنه يصح الاستغناء به. ثم أوضح ذلك بعد قوله: فإن كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم وجيء به بدلا، فهو بدل إضراب أو غلط، كقولك: عجبت من زيد أخيه وانطلقت إلى عمرو عمه. ومن ثمّ كان المشتمل في بدل الاشتمال هو الأول كما سيأتي أن ذلك هو القول الأصح؛ ولهذا لما ذكر ابن عصفور بدل الاشتمال وأن شرطه أن يكون الأول مشتملا على الثاني. قال: وأعني بذلك أن يذكر الأول فيجوز الاكتفاء به عن الثاني، وذلك أن تقول: سرق عبد الله ثوبه أو فرسه؛ لأنه قد يجوز أن تقول: سرق عبد الله وأنت تعني الثوب أو الفرس. ومن هذا القبيل قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ٤ النَّارِ (٥) فالنار بدل من الأخدود؛ لأنه يجوز أن تقول: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وأنت تعني النار، لأنه قد علم أن ذلك إنما -

стр. 3358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان لأجل النار التي اتخذوها في الأخدود؛ لإحراق المؤمنين والمؤمنات لا الأخدود نفسه. فعلى هذا يجوز أعجبني عبد الله حسنه ولا يجوز أعجبني عبد الله غلامه لأنه قد يجوز أن تقول: أعجبني عبد الله وأنت تعني الحسن ولا يجوز أن تقول: أعجبني عبد الله وأنت تعني غلامه؛ لأنه لا يفهم من الأول (١). قال: ولا يكتفى في معرفة بدل الاشتمال أن يكون الثاني مفهوما من الأول، بل لا بد من أن يجوز استعمال الأول وحده على حدة، ويكون الثاني مفهوما منه فلا يجوز أسرجت القوم دابتهم وإن كان معلوما من قولك أسرجت القوم أنك قصدت الدابة؛ لأنه لا يجوز أن تقول: أسرجت القوم وأنت تعني الدابة (٢). انتهى. والذي يظهر أن هذا الشرط الذي ذكره وهو جواز استعمال الأول وحده غير محتاج إلى اشتراطه ولهذا لم يتعرض إليه [٤/ ١٤٣] المصنف. وإنما كان غير محتاج إليه، لأن البدل تابع لاسم متقدم هو جزء كلام، والكلام لا بد من صحته في نفسه إما حقيقة وإما مجازا ولا شك أن قولك: أسرجت القوم لا يصح لا حقيقة ولا مجازا. فامتناع البدل إنما كان لامتناع التركيب المشتمل على المبدل منه لا لأمر يرجع إلى البدل كما هو في: أعجبني عبد الله غلامه. ومنها: أن بعضهم أثبت ورود بدل الغلط في كلام العرب واستدل بما يحتمل التأويل وأن بعضهم أثبت بدل كل من بعض محتجّا بقولهم: لقيته غدوة يوم الجمعة؛ لأن العامل الواحد لا يعمل في نوع من المعمولات إلّا في واحد منه إلّا على طريق الإتباع وجعل منه: ٣٢١٦ - كأنّي غداة البين يوم تحمّلوا ... [لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل] (٣) ولا معول على هذا القول؛ لأن ظرفي الزمان إذا كان أحدهما أعم من الآخر جاز للعامل الواحد أن يكون عاملا فيهما. ومنها: أن السهيلي رد بدل البعض وبدل الاشتمال إلى بدل الشيء من الشيء (٤) -

стр. 3359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: فقولك: أكلت الرغيف ثلثه التقدير فيه أكلت بعض الرغيف ثم بينت ذلك البعض بقولك: ثلثه وكذا قولك: أعجبتني الجارية حسنها، فالإعجاب إنما هو لصفة من صفاتها فحذفت المضاف إليها وأقمتها مقامه، ثم بينت ما تلك الصفة فقلت: حسنها أو ظرفها (١). قال: فقد عادت الأقسام كلها في الحقيقة إلى قسم واحد وهو بدل الشيء من الشيء (٢). ولقائل أن يقول: إذا كان الأصل في أكلت الرغيف ثلثه أكلت بعض الرغيف ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ثم فسر ذلك المحذوف وفي أعجبتني الجارية حسنها أعجبتني صفة الجارية ثم حذف وأقيم وفسر كما يقول السهيلي فأي فائدة لهذا العمل وقد كان المتكلم في غنى عن ذلك بأن يقول ابتداء: أكلت ثلث الرغيف [و] أعجبني حسن الجارية. ويكفي أن قائل هذا القول خالف بقوله الإجماع. ومنها: أن الذي اختاره المصنف من أنه قد يستغنى في بدلي البعض والاشتمال عن لفظ الضمير بظهور معناه هو الصحيح. وقد ذكر الدليل على ذلك من الكتاب العزيز ومن أشعار العرب. ومن الدليل على ذلك أيضا قوله تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ (٣) «فـ» «من غمّ» بدل اشتمال كما أن مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٤) بدل بعض ولا ضمير ملفوظ به فيهما والتقدير: من استطاع إليه سبيلا منهم، ومن غم فيها، أو من غمها. وأما البيت الذي أنشده المصنف وهو قول القائل: ٣٢١٧ - لقد كان في حول ثواء ثويته فالضمير في ثويته عائد على ثواء والضمير العائد على المبدل منه مقدر التقدير: ثويته فيه أي في الحول. وأما البيت الآخر الذي أنشده وهو: ٣٢١٨ - يحمدك الإحسان كلّ النّاس فالإحسان بدل من ضمير (يحمدك) بدل اشتمال.

стр. 3360

[من أحكام البدل وحكم اجتماع التوابع] قال ابن مالك: (فصل: المشتمل في بدل الاشتمال هو الأوّل، خلافا لمن جعله الثّاني أو العامل، والكثير كون البدل معتمدا عليه، وقد يكون في حكم الملغى، وقد يستغنى في الصّلة بالبدل عن لفظ المبدل منه، ويقرن البدل بهمزة الاستفهام إن تضمّن متبوعه معناها. وقد تبدل جملة من مفرد، ويبدل فعل من فعل موافق في المعنى مع زيادة بيان. وما فصّل به مذكور وكان وافيا ففيه البدل والقطع، وإن كان غير واف تعيّن قطعه إن لم ينو معطوف محذوف. ويبدأ عند اجتماع التّوابع بالنّعت، ثمّ بعطف البيان، ثمّ بالتّوكيد، ثمّ بالبدل، ثمّ بالنّسق). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): مذهب الفارسي كون المشتمل هو الأول ومذهب غيره أنه التابع، وظاهر قول المبرد أنه العامل (٢) ومذهب الفارسي هو الصحيح؛ لأن الثاني والثالث لا يطردان؛ لأن من البدل الاشتمال: أعجبني زيد كلامه وفصاحته، وكرهت عمرا ضجره، وساءني خالد فقره وعرجه، والثاني في هذا وأمثاله غير مشتمل على الأول فلم يطرد كون الثاني مشتملا، وأما عدم اطراد الثالث فظاهر؛ لأن من جملة بدل الاشتمال قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ (٣) والعامل فيه ليس مشتملا على المتبوع والتابع، والكثير كون البدل معتمدا عليه بما تدعو الحاجة إليه من خبر وغيره كقولك: إن الجارية هندا حسنها فاتن، وإن زيدا نجابته بيّنة، وكقول الشاعر: ٣٢١٩ - وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما (٤) وقل الاعتماد على المبدل منه وجعل البدل في حكم الملغي كقول الشاعر: -

стр. 3361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢٢٠ - فكأنّه لهق السّراة كأنّه ... ما حاجبيه معيّن بسواد (١) فجعل حاجبيه وهو بدل في حكم ما لم يذكر فأفرد الخبر، ولو جعل الاعتماد على البدل لثنّى الخبر كما تقول: إن زيدا يديه منبسطتان بالخير، ولو جعلت البدل في حكم الملغي لقلت: إن زيدا يديه منبسط بالخير، ومثل كأنه ما حاجبيه معين قول الآخر: ٣٢٢١ - إن السّيوف غدوّها ورواحها ... تركت هوزان مثل قرن الأعضب (٢) فجعل الخبر للسيوف وألغى غدوها ورواحها ولو لم يلغهما لقال: تركا كما تقول: الجارية خلقها وخلقها سيان. ومن الاعتماد على المبدل منه وجعل البدل في حكم الملغي قولك: زيد عرفت أخاه عمرا وجاء الذي رغبت فيه عامر. وقد يستغنى في الصلة عن لفظ المبدل منه كقولك: أحسن إلى الذي وصفت زيدا بالنصب على الإبدال من الهاء المقدرة وبالجر على الإبدال من الذي بالرفع على جعله خبر مبتدأ. ويجب اقتران البدل بهمزة استفهام إن تضمن المبدل منه معناها نحو: كيف زيد أمريض أم صحيح. وما عندك أدرهم أم دينار وكم دراهمك أعشرون أم ثلاثون. وقد تبدل جملة من مفرد كقولك: عرفت زيدا أبو من هو [٤/ ١٤٤] أي عرفت زيدا أبوته. ومنه قول الشاعر: ٣٢٢٢ - لقد أذهلتني أمّ سعد بكلمة ... أتصبر يوم البين أم لست تصبر (٣) فالجملة الاستفهامية التي بعد «كلمة» بدل منها؛ لأن الكلمة هنا بمعنى الكلام. ومنه قول الآخر: ٣٢٢٣ - إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان (٤) قال أبو الفتح بن جني: كيف يلتقيان بدل من حاجة كأنه قال: إلى الله أشكو -

стр. 3362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هاتين الحاجتين تعذر التقائهما (١). ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٢) فإن وما عملت فيه بدل من ما وصلتها على تقدير: ما يقال لك إلا أن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم. وجاز إسناد «يقال» إلى «إنّ» وما عملت فيه كما جاز إسناد «قيل» إليها في وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ (٣)، ومن إبدال الجملة من المفرد هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٤) قال الزمخشري: «هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من «النجوى»» (٥). ومن إبدال الجملة من المفرد قول ابن الزبير الأسدي (٦): ٣٢٢٤ - لمّا دنا منّي سمعت كلامه ... من أنت لا لاقيت أمر سرور (٧) ويبدل فعل من فعل موافق له في المعنى مع زيادة بيان كقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ٦٨ يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٨)، وكقول الشاعر: ٣٢٢٥ - متى تأتنا تلمم بنا في دارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا (٩) وكقول الآخر: ٣٢٢٦ - إنّ عليّ الله أن تبايعا ... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا (١٠) وإذا قصد تفصيل مذكور بما هو صالح للبدلية وكان وافيا بآحاد المذكور جاز -

стр. 3363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البدل والقطع كقول الشنفرى: ٣٢٢٧ - ولي دونكم أهلون سيّد عملّس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل (١) فلك في «سيد» وما بعده إن تجعله بدلا من أهلون ولك أن تقطعه على إضمار مبتدأ. فلو كان المفصل غير واف بأحاد المذكور تعين القطع على الابتداء وجعل الخبر من وضمير مجرورها كقول النبي ﷺ : «اجتنبوا الموبقات: الشّرك بالله والسّحر» (٢) على تقدير منهن الشرك بالله والسحر. ومثله قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ (٣) أي منها مقام إبراهيم، ويروى «اجتنبوا الموبقات الشّرك بالله والسّحر» بالنصب على البدل وحذف معطوف، والتقدير: اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر وأخواتهما. وجاز الحذف لأن الموبقات سبع بيّنت في حديث آخر واقتصر هنا على ثنتين منها تنبيها على أنهما أحق بالاجتنباب. ويبدأ عند اجتماع التوابع بالنعت؛ لأنه كجزء من متبوعه، ثم بعطف البيان؛ لأنه جار مجراه ثم بالتوكيد؛ لأنه شبيه بعطف البيان في جريانه مجرى النعت ثم بالبدل؛ لأنه تابع كلا تابع لكونه كالمستقل ثم بعطف النسق؛ لأنه تابع بواسطة فيقال مررت بأخيك الكريم محمد نفسه رجل صالح ورجل آخر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٤). ثم إن الكلام يتعين في أمور: الأول: أنك قد عرفت أن المشتمل في بدل الاشتمال فيه ثلاثة مذاهب وأن الأصح منها أن المبدل منه هو المشتمل على البدل. أما أن بدل الاشتمال نفسه أي شيء هو فلم يتقدم فيه كلام. وقد اختلفت العبارات فيه، فقال الزجّاجي: وهو صفة من صفات المبدل منه -

стр. 3364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نحو: أعجبني زيد علمه (١) وردّ ذلك بقولهم: سرق زيد ثوبه. وقال آخرون: هو الذي يكون محيطا بالمبدل منه كإحاطة الثوب في قولنا: سرق زيد ثوبه والقائلون بهذا هم الذين يقولون: إن الثاني مشتمل على الأول ورد ذلك بقولهم: سرق عبد الله فرسه والفرس ليس محيطا بالمبدل منه. وقال آخرون: هو الذي يمكن الاكتفاء فيه بالمبدل منه عن البدل بمعنى أن الأول إذا ذكر وحده وكان المقصود إنما هو البدل أمكن أن يستفاد منه المراد بطريق المجاز. فتشمل هذه العبارة نحو: أعجبني عبد الله علمه، وأعجبني عبد الله ثوبه وأعجبني عبد الله فرسه، وهي التي صححها ابن عصفور (٢) والتي يقتضيها كلام المصنف وهو قوله: ويسمى بدل اشتمال إن باين الأول وصح الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه وهي أشد ما قيل: وقد قال ابن الضائع (٣): معنى الاشتمال أن يكون الاسم الأول يجوز أن يذكر ويراد به الثاني مجازا. قال: وهذا أولى من غيره من الأقوال (٤). انتهى. ومنهم من قال: هو ما بينه وبين المبدل منه تعلق ما عدا نسبة الجزئية. ولا شك أن هذه العبارة يدخل تحتها الأمثلة التي ذكرناها ولكن يشكل عليها نحو: مررت بزيد أبيه، فإن العبارة المذكورة تشمله لكن سيبويه نصّ على أنه ليس من بدل الاشتمال (٥). وقد قال المصنف: فإن كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم وجيء به بدلا فهو بدل إضراب أو غلط. فإن قيل: لأي شيء جعل نحو: أعجبني زيد علمه أو ثوبه مثلا أو فرسه من بدل الاشتمال ولم يجعل منه: أعجبني (زيد) أبوه أو أخوه مثلا، -

стр. 3365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا شك أنه يحتاج إلى فرق بين قولنا أعجبني زيد ثوبه أو فرسه وبين قولنا: مررت بزيد أبيه. والذي يمكن أن يقال: قد تقرر أن من شرط صحة بدل الاشتمال صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه وإذا كان كذلك فالذي لا تسبب له في ما يقتضي إستناد الإعجاب إليه كالعلم والثوب والفرس يصح فيه أن يكون بدل اشتمال لأن لو قلت: أعجبني علم زيد أو فرسه أو ثوبه فهم منه أن لزيد مدخلا في الإعجاب، ولو قلت: أعجبني أبو زيد وأخوه لا يفهم منه أن لزيد مدخلا في ذلك؛ لأن الأب والأخ كل منهما يصح أن يصدر منه [٤/ ١٤٥] ما يقتضي صحة إسناد الإعجاب إليه والحاصل: أن الاستغناء بالمبدل منه عن البدل شرط لصحة بدل الاشتمال ولا يمكن الاستغناء المذكور إلا إذا كان المبدل منه لا تسبب له في حصول المعنى الذي دلّ عليه العامل فيه للبدل. فإذا كان كذلك صح بدل الاشتمال كقولك: أعجبني زيد علمه أو ثوبه أو فرسه، فإن الموجب لإعجاب هذه الثلاثة إنما هو اعتناء زيد وإصلاحه لها بخلاف قولك: أعجبني زيد أبوه - فإن صلاح الأب المقتضي للإعجاب لا مدخل لزيد فيه إنما الأب مستقل به. وقال الشيخ بدر الدين ولد المصنف رحمهما الله تعالى: «بدل الاشتمال هو ما يدل على معنى في متبوعه أو يستلزم معنى في متبوعه - فالأول نحو: أعجبني زيد حسنه، وكقول الراجز: ٣٢٢٨ - وذكرت تقتد برد مائها ... وعتك البول على إنسائها (١) والدال على ما يستلزم معنى في المتبوع كقولك: أعجبني زيد ثوبه، وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ (٢)؛ لأن القتال في الشهر الحرام يستلزم معنى فيه وهو ترك تعظيمه، وكذا قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ (٣) فإن وقت الانتباذ وما عقبه يستلزم معنى -
следующие страницы →