← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢٢٠ - فكأنّه لهق السّراة كأنّه ... ما حاجبيه معيّن بسواد (١) فجعل حاجبيه وهو بدل في حكم ما لم يذكر فأفرد الخبر، ولو جعل الاعتماد على البدل لثنّى الخبر كما تقول: إن زيدا يديه منبسطتان بالخير، ولو جعلت البدل في حكم الملغي لقلت: إن زيدا يديه منبسط بالخير، ومثل كأنه ما حاجبيه معين قول الآخر: ٣٢٢١ - إن السّيوف غدوّها ورواحها ... تركت هوزان مثل قرن الأعضب (٢) فجعل الخبر للسيوف وألغى غدوها ورواحها ولو لم يلغهما لقال: تركا كما تقول: الجارية خلقها وخلقها سيان. ومن الاعتماد على المبدل منه وجعل البدل في حكم الملغي قولك: زيد عرفت أخاه عمرا وجاء الذي رغبت فيه عامر. وقد يستغنى في الصلة عن لفظ المبدل منه كقولك: أحسن إلى الذي وصفت زيدا بالنصب على الإبدال من الهاء المقدرة وبالجر على الإبدال من الذي بالرفع على جعله خبر مبتدأ. ويجب اقتران البدل بهمزة استفهام إن تضمن المبدل منه معناها نحو: كيف زيد أمريض أم صحيح. وما عندك أدرهم أم دينار وكم دراهمك أعشرون أم ثلاثون. وقد تبدل جملة من مفرد كقولك: عرفت زيدا أبو من هو [٤/ ١٤٤] أي عرفت زيدا أبوته. ومنه قول الشاعر: ٣٢٢٢ - لقد أذهلتني أمّ سعد بكلمة ... أتصبر يوم البين أم لست تصبر (٣) فالجملة الاستفهامية التي بعد «كلمة» بدل منها؛ لأن الكلمة هنا بمعنى الكلام. ومنه قول الآخر: ٣٢٢٣ - إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان (٤) قال أبو الفتح بن جني: كيف يلتقيان بدل من حاجة كأنه قال: إلى الله أشكو -

стр. 3362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هاتين الحاجتين تعذر التقائهما (١). ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٢) فإن وما عملت فيه بدل من ما وصلتها على تقدير: ما يقال لك إلا أن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم. وجاز إسناد «يقال» إلى «إنّ» وما عملت فيه كما جاز إسناد «قيل» إليها في وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ (٣)، ومن إبدال الجملة من المفرد هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٤) قال الزمخشري: «هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من «النجوى»» (٥). ومن إبدال الجملة من المفرد قول ابن الزبير الأسدي (٦): ٣٢٢٤ - لمّا دنا منّي سمعت كلامه ... من أنت لا لاقيت أمر سرور (٧) ويبدل فعل من فعل موافق له في المعنى مع زيادة بيان كقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ٦٨ يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٨)، وكقول الشاعر: ٣٢٢٥ - متى تأتنا تلمم بنا في دارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا (٩) وكقول الآخر: ٣٢٢٦ - إنّ عليّ الله أن تبايعا ... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا (١٠) وإذا قصد تفصيل مذكور بما هو صالح للبدلية وكان وافيا بآحاد المذكور جاز -

стр. 3363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البدل والقطع كقول الشنفرى: ٣٢٢٧ - ولي دونكم أهلون سيّد عملّس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل (١) فلك في «سيد» وما بعده إن تجعله بدلا من أهلون ولك أن تقطعه على إضمار مبتدأ. فلو كان المفصل غير واف بأحاد المذكور تعين القطع على الابتداء وجعل الخبر من وضمير مجرورها كقول النبي ﷺ : «اجتنبوا الموبقات: الشّرك بالله والسّحر» (٢) على تقدير منهن الشرك بالله والسحر. ومثله قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ (٣) أي منها مقام إبراهيم، ويروى «اجتنبوا الموبقات الشّرك بالله والسّحر» بالنصب على البدل وحذف معطوف، والتقدير: اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر وأخواتهما. وجاز الحذف لأن الموبقات سبع بيّنت في حديث آخر واقتصر هنا على ثنتين منها تنبيها على أنهما أحق بالاجتنباب. ويبدأ عند اجتماع التوابع بالنعت؛ لأنه كجزء من متبوعه، ثم بعطف البيان؛ لأنه جار مجراه ثم بالتوكيد؛ لأنه شبيه بعطف البيان في جريانه مجرى النعت ثم بالبدل؛ لأنه تابع كلا تابع لكونه كالمستقل ثم بعطف النسق؛ لأنه تابع بواسطة فيقال مررت بأخيك الكريم محمد نفسه رجل صالح ورجل آخر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٤). ثم إن الكلام يتعين في أمور: الأول: أنك قد عرفت أن المشتمل في بدل الاشتمال فيه ثلاثة مذاهب وأن الأصح منها أن المبدل منه هو المشتمل على البدل. أما أن بدل الاشتمال نفسه أي شيء هو فلم يتقدم فيه كلام. وقد اختلفت العبارات فيه، فقال الزجّاجي: وهو صفة من صفات المبدل منه -

стр. 3364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نحو: أعجبني زيد علمه (١) وردّ ذلك بقولهم: سرق زيد ثوبه. وقال آخرون: هو الذي يكون محيطا بالمبدل منه كإحاطة الثوب في قولنا: سرق زيد ثوبه والقائلون بهذا هم الذين يقولون: إن الثاني مشتمل على الأول ورد ذلك بقولهم: سرق عبد الله فرسه والفرس ليس محيطا بالمبدل منه. وقال آخرون: هو الذي يمكن الاكتفاء فيه بالمبدل منه عن البدل بمعنى أن الأول إذا ذكر وحده وكان المقصود إنما هو البدل أمكن أن يستفاد منه المراد بطريق المجاز. فتشمل هذه العبارة نحو: أعجبني عبد الله علمه، وأعجبني عبد الله ثوبه وأعجبني عبد الله فرسه، وهي التي صححها ابن عصفور (٢) والتي يقتضيها كلام المصنف وهو قوله: ويسمى بدل اشتمال إن باين الأول وصح الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه وهي أشد ما قيل: وقد قال ابن الضائع (٣): معنى الاشتمال أن يكون الاسم الأول يجوز أن يذكر ويراد به الثاني مجازا. قال: وهذا أولى من غيره من الأقوال (٤). انتهى. ومنهم من قال: هو ما بينه وبين المبدل منه تعلق ما عدا نسبة الجزئية. ولا شك أن هذه العبارة يدخل تحتها الأمثلة التي ذكرناها ولكن يشكل عليها نحو: مررت بزيد أبيه، فإن العبارة المذكورة تشمله لكن سيبويه نصّ على أنه ليس من بدل الاشتمال (٥). وقد قال المصنف: فإن كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم وجيء به بدلا فهو بدل إضراب أو غلط. فإن قيل: لأي شيء جعل نحو: أعجبني زيد علمه أو ثوبه مثلا أو فرسه من بدل الاشتمال ولم يجعل منه: أعجبني (زيد) أبوه أو أخوه مثلا، -

стр. 3365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا شك أنه يحتاج إلى فرق بين قولنا أعجبني زيد ثوبه أو فرسه وبين قولنا: مررت بزيد أبيه. والذي يمكن أن يقال: قد تقرر أن من شرط صحة بدل الاشتمال صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه وإذا كان كذلك فالذي لا تسبب له في ما يقتضي إستناد الإعجاب إليه كالعلم والثوب والفرس يصح فيه أن يكون بدل اشتمال لأن لو قلت: أعجبني علم زيد أو فرسه أو ثوبه فهم منه أن لزيد مدخلا في الإعجاب، ولو قلت: أعجبني أبو زيد وأخوه لا يفهم منه أن لزيد مدخلا في ذلك؛ لأن الأب والأخ كل منهما يصح أن يصدر منه [٤/ ١٤٥] ما يقتضي صحة إسناد الإعجاب إليه والحاصل: أن الاستغناء بالمبدل منه عن البدل شرط لصحة بدل الاشتمال ولا يمكن الاستغناء المذكور إلا إذا كان المبدل منه لا تسبب له في حصول المعنى الذي دلّ عليه العامل فيه للبدل. فإذا كان كذلك صح بدل الاشتمال كقولك: أعجبني زيد علمه أو ثوبه أو فرسه، فإن الموجب لإعجاب هذه الثلاثة إنما هو اعتناء زيد وإصلاحه لها بخلاف قولك: أعجبني زيد أبوه - فإن صلاح الأب المقتضي للإعجاب لا مدخل لزيد فيه إنما الأب مستقل به. وقال الشيخ بدر الدين ولد المصنف رحمهما الله تعالى: «بدل الاشتمال هو ما يدل على معنى في متبوعه أو يستلزم معنى في متبوعه - فالأول نحو: أعجبني زيد حسنه، وكقول الراجز: ٣٢٢٨ - وذكرت تقتد برد مائها ... وعتك البول على إنسائها (١) والدال على ما يستلزم معنى في المتبوع كقولك: أعجبني زيد ثوبه، وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ (٢)؛ لأن القتال في الشهر الحرام يستلزم معنى فيه وهو ترك تعظيمه، وكذا قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ (٣) فإن وقت الانتباذ وما عقبه يستلزم معنى -

стр. 3366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في مريم ﵍ وهو كونها على غاية من التقى والبر والعفاف فلذلك صح في اذ ان تكون بدل اشتمال (من مريم) (١) انتهى. ولم أتحقق ما قاله. الأمر الثاني: قد عرفت قول المصنف: وقد يكون البدل في حكم الملغى واستدلاله على ذلك بالبيت الذي أوله: «فكأنّه لهق السّراة»: والبيت الآخر الذي أوله: «إنّ السّيوف». ولا شك أن ما قاله المصنف هو الظاهر. لكن ابن عصفور في شرح الإيضاح لما ذكر أن الأول يعني المبدل منه ينوي به الطرح معنى لا لفظا قال: الدليل على ذلك أن العرب إذا أتت بعد البدل بخبر أو حال أو غير ذلك فإنما يعتمد به على البدل لا على المبدل منه. ثم قال: ولم يجيء ما ظاهره الاعتماد على المبدل منه إلا قول الشاعر، وأنشد البيتين اللذين استدل بهما المصنف، ثم خرج قوله: معين بسواد على أنه يراد به المصدر «كممزّق» في قوله تعالى: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ (٢)، وإذا أخبر بالمصدر كان موحدا. وخرج قوله: غدوّها ورواحها على أنهما منصوبان على الظرف كحقوق النجم كأنه قال: إن السيوف وقت غدوها ورواحها على هوازن تركتهم مثل قرن الأعضب. فجاء الشيخ فقال في قول المصنف: وقد يكون البدل في حكم الملغى: هذا غير مسلم له، ولا حجة في الاستشهاد بما ذكر، ثم أورد كلام ابن عصفور هذا (٣). ولا يخفى ضعف التخريج الذي ذكر في البيتين ثم ليس المراد أن السيوف تركت هوازن في وقت غدوها ورواحها. وقول المصنف: وقد يكون البدل في حكم الملغى مشيرا بقد إلى التقليل لا يصادم قول ابن عصفور: إن العرب إنما تعتمد على البدل لا على المبدل منه؛ لأن ما قاله هو الأغلب والأكثر. وقد تشذ العرب فتأتي بخلاف ذلك كما شذوا في أمور تخالف الأصول ووقع لهم ذلك في أبواب كثيرة لا تحصر (٤). -

стр. 3367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالث: قد علمت أن البدل يقرن بهمزة الاستفهام إن تضمن متبوعه معناه، وتقدمت أمثلة ذلك في كلام المصنف. لكن قال الشيخ: وكان ينبغي للمصنف أن يضيف إلى هذه المسألة مسألة الشرط فإنها شبيهة بها وذلك أنك إذا أبدلت من اسم شرط فلابد أن تدخل على البدل إن الشرطية. مثال ذلك: متى تقم (إن) ليلا أو نهارا قمت معك، ومن يضرب إن رجلا أو امرأة ضربته (١)، قال: فأما قول الفرزدق: ٣٢٢٩ - متى تردن يوما سفار تجد بها ... أديهم يرمي المستجيز المعوّرا (٢) «فيوما» منصوب فيه بقوله: تردن الناصب لمتى لأن الفعل يعمل في ظرفين اذا كان أحدهما مشتملا على الآخر ومتى مشتملة على اليوم لعمومها، ولا يجوز أن ينتصب يوما بتجد؛ لأن سفار في موضع نصب بتردن فيؤدي (ذلك) إلى الفصل به بين تردن ومعمولها وهو سفار وهو أجنبيّ منهما وبينه وبين عامله وهو تجد بسفار وهو أجنبي منهما، والفصل بالأجنبي بين عامل ومعمول غير جائز (٣) انتهى. وقد تقدم ذكر هذا البيت والكلام على بعض ذلك في باب المفعول المسمى ظرفا (٤). الرابع: وقد عرفت قول المصنف: وقد تبدل جملة من مفرد. وما ذكر في الشرح من الآيات الشريفة ومن أشعار العرب مستدلّا به على ذلك ثم إن الشيخ بعد إيراده ذلك قال: وهذا الكلام الذي انتزعه من هذه الدلائل على زعمه منازع فيه ومنازع في ما استدل به. -

стр. 3368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أما مسألة عرفت زيدا أبو من هو ففي الجملة الاستفهامية ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذكر من أنها بدل من الاسم قبله. والثاني: أنها في موضع الحال. الثالث: أن عرفت ضمن معنى علمت المتعدية إلى اثنين وهو الصحيح عند بعض أصحابنا. وأما قوله: بكلمة أتصبر فأتصبر في موضع نصب بكلمة وهو محكي لأن بكلمة في معنى بقوله فكما أن الكلام قد يحكى به إجراء له مجرى القول فكذلك الكلمة، وأما كيف يلتقيان فليس بدلا في موضع نصب كما ذكر بل لما ذكر تباين ما بين الحاجتين مكانا استبعد التقاءهما، فقال: كيف يلتقيان على سبيل استبعاد التقائهما وتعذره. وأما الآية الأولى: فإنه يؤدي إلى أن الحمل يسند إليها إذا يكون في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله وذلك غير جائز على مذهب البصريين. وقد سبق لنا ذكر [٤/ ١٤٦] المذاهب الثلاثة في هذه المسألة - يفرق في الثالث بين أن يكون الفعل مما يعلق نحو: ظهر لي أقام زيد أم عمرو فيجوز، أو مما لا يعلق فلا يجوز وأما الآية الثانية فـ هَلْ هذا في موضع نصب محكي بحال محذوفة أي قائلين: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (١) كقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا (٢) أي قائلين ربنا تقبل منا، وأما بيت ابن الزبير فمن أنت محكي بقوله كلامه؛ لأن معناه سمعت قوله فهو في موضع نصب على الحكاية (٣). انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى. وفي ما ذكره بحث. أما عرفت زيدا أبو من هو: فقد اعترف هو بأن في الجملة الاستفهامية ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذكره المصنف وابن عصفور قد ذكر أيضا أن الجملة المذكورة بدل وأن ذلك من باب بدل الشيء من الشيء وأن التقدير: عرفت شأن زيد أبو من هو. نعم قال بعد ذلك: إن بعضهم جعل هذا ونحوه من باب التضمين وإن عرفت -

стр. 3369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضمن معنى علمت فتكون الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني. قال: وهو الصحيح عندي. فغاية الأمر أن البدلية في هذا الكلام قد قال بها النحاة غير المصنف واحتمل الكلام المذكور مع ذلك وجها آخر فقيل به. ولا شك أن قولا لا يدفع بقول. فكيف يتجه للشيخ أن يبطل قول المصنف في مسألة بأن فيها قولا آخر يخالف ما قاله. بل كان الواجب إبطال ذلك بدليل. وأما قوله: إن أتصبر في موضع نصب بكلمة وهو محكي لأن بكلمة في معنى بقولة وأن الكلام يحكى به إجراء له مجرى القول فكذلك الكلمة. فلا شك أن توجيه المصنف البدلية بأن الكلمة هنا بمعنى الكلام أقرب وأولى من قول الشيخ: إن كلمة في معنى قولة. وأما قوله: إن «كيف يلتقيان» إنما قيل على سبيل استبعاد الالتقاء وتعذره فغير ظاهر؛ لأن هذا التقدير يقتضي انقطاع هذا الكلام عن الكلام الذي قبله وحينئذ يفوت مقصود الشاعر؛ لأن شكواه إنما هي تعذر التقاء الحاجتين لا الحاجتان أنفسهما إذ لا معنى لقول القائل: أشكو بالمكان الفلاني حاجة وبالمكان الفلاني حاجة أخرى، ويكفيك بفهم ابن جني وتخريجه فهما وتخريجا (١). وأما قوله في الآية الشريفة أعني قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٢) إن ذلك - يعني تخريج المصنف - يؤدي إلى أن الحمل يسند إليها إلى آخر ما ذكره ... فكلام عجيب؛ لأن المصنف لما ذكر ذلك كمل كلامه بأن قال: وجاز إسناد يقال إلى إن وما عملت فيه كما جاز إسناد قيل إليها في قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ (٣) فأقام الدليل من الكتاب العزيز على صحة إسناد فعل القول إلى الجملة. وبعد: فالشيخ جرى في ذلك على ما يقوله المغاربة في نحو: قيل زيد منطلق، وما قاله أبو البقاء لما تكلم على قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (٤) وهو أن قيل مسند إلى ضمير المصدر والتقدير: قيل هو أي قول والجملة مفسرة لذلك الضمير (٥). والحق في هذه المسألة أن الإسناد إنما هو إلى لفظ الجملة والممتنع إنما هو -

стр. 3370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإسناد إلى معنى الجملة. وقد عرف أن الإسناد اللفظي غير مختص بالاسم. ولا تظن أن هذا نظير قولنا ضرب فعل ماض؛ لأن الاسناد هنا إلى اللفظ دون نظر إلى المعنى. وأما في ما نحن بصدده وإن كان الإسناد فيه إلى اللفظ فمعنى اللفظ المسند إليه مقصود أيضا كما أن اللفظ مقصود. وأما قوله في الآية الشريفة الثانية وهي: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (١) إن هذه الجملة محكية بحال محذوفة أي قائلين: «هل هذا إلا بشر مثلكم» (٢) فغير ظاهر؛ لأن المراد إظهار ما أسروه وتكلموا به قاصدين إخفاءه عن المؤمنين واستيقاف بعضهم بعضا عن اتباع النبي ﷺ والذي أسروه هو قولهم: هل هذا إلا بشر مثلك فالقصد من الآية الشريفة الإخبار بعين ما تكلموا به سرّا، فالنجوى التي أسروها هي هذا الكلام لا غيره. وتخريج الشيخ لا يقتضي أن يكون الذي أسروه هو هذا، بل يقتضي أن يكون الذي أسروه شيئا آخر وأنهم أسروا ذلك حال قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم. ولا شك في أن هذا يبعد أن يكون مرادا. وانظر إلى حذق هذا الرجل - الذي هو الزمخشري - في قوله مشيرا إلى الجملة الاستفهامية «هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى» (٣). ولا شك أنه هدي في ما قاله إلى الصواب، ثم قد تبين أن المصنف لم يكن مستبدّا بالقول بأن الجملة تبدل من مفرد ولم يكن هو المنتزع لما قاله من الأدلة التي ذكرها بل قال ابن جني بذلك في شيء (٤) وقال الزمخشري به في شيء آخر، وكذا قال ابن عصفور وغيره من النحاة به في الشيء الآخر (٥) فكيف يقول الشيخ: وهذا الذي انتزعه - يعني المصنف - من هذه الدلائل على زعمه منازع فيه ومنازع في ما استدل به. لم يكن هو المنتزع ولا المستدل بل المنتزع والمستدل غيره. والذي انتزعه هو واستدل به إنما هو قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ (٦) -

стр. 3371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الآية .... وقد بينّا صحة استدلاله بذلك. وبعد .. فنقول إن إبدال الجملة من مفرد لا يظهر كونه ممتنعا وذلك أن المبدل تابع كما أن النعت تابع، وقد ثبت النعت بالجملة فما المانع من البدل. فإن قيل: المانع على نية تكرار العامل، والعوامل لا تسلّط لها على الجمل: فالجواب أن الجملة إذا أولت بالمفرد أعطيت حكمه. ثم إنك قد عرفت أن العامل في البدل إنما هو العامل في المبدل منه على مذهب سيبويه (١). وقولنا: إن البدل على نية تكرار العامل: المراد به أن البدل هو المستقل بمقتضى العامل لا أن ثم عاملا مقدرا. وقد تقدم لنا تقرير هذا البحث في أول الباب. وعلى هذا يتم قول ابن جني والزمخشري والمصنف ومن قال بقولهم: أن الجملة تبدل من مفسر، قال الإمام بدر الدين ولد المصنف: وكثيرا ما تبدل الجملة من الجملة إذا كانت الثانية أوفى بتأدية المقصود من الأولى كما قال: ٣٢٣٠ - أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا ... وإلّا فكن في السّرّ والجهر مسلما (٢) فأبدل «لا تقيمن» من «ارحل»؛ لأنه أوفى منه بتأدية معنى الكراهة لدلالته عليه بالمطابقة ودلالة ارحل عليه بالالتزام، ومن أمثلة ذلك في التنزيل: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ٨١ قالُوا أَإِذا مِتْنا (٣)، وأَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ١٣٢ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (٤)، واتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ٢٠ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٥). انتهى. وهذا ذكره أصحاب علم المعاني، وذكروا أن الجملة المبدلة قد تنزل منزلة بدل البعض وقد تنزل منزلة بدل الاشتمال، وقرروا ذلك تقريرا حسنا (٦). -

стр. 3372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحق أن: البدل الإعرابي بين الجمل لا يتحقق. كيف والجملة المبدل منها قد لا يكون لها موضع من الإعراب. وإنما المراد بذلك الإبدال اللفظي وهو الانتقال من ذكر جملة إلى ذكر جملة أخرى لوفاء الثانية بالدلالة على المقصود. نعم إن كانت الجملة الأولى لها موضع من الإعراب أمكن أن تكون الثانية مبدلة من الأولى بدلا إعرابيّا؛ لأن الجملة التي لها موضع من الإعراب حكمها حكم المفرد. الخامس: قد عرفت قول المصنف ويبدل فعل من فعل موافق في المعنى مع زيادة بيان - فقال الشيخ لا يلزم ما ذكره أنه يكون مع زيادة بيان بل قد يكون ذلك بالمرادف وهذا ظاهر من قوله: متى تأتنا تلمم بنا. لأن أتاه وألمّ به مترادفان (١)، ثم ذكر عن صاحب البسيط أنه قال في بدل الفعل من الفعل: اتفقوا على أنه يكون فيه بدل الشيء من الشيء ولا يكون فيه بدل البعض لأنه لا يتبعض، واختلفوا في بدل الاشتمال فيه، فقيل: لا يكون لأن الفعل لا يشتمل على الفعل. وقيل: يكون ومنه يَلْقَ أَثاماً ٦٨ يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ (٢). وأما بدل الغلط فيه فجوزه سيبويه (٣) وجماعة من النحويين (٤)، والقياس يقتضيه (٥). ثم ختم الشيخ الكلام على الباب بذكر مسألة وهي أن يقال: الأحسن أن لا يفصل بين البدل والمبدل منه وهو دون الصفة لأنه ليس من التمام فيفصل بالظرف والصفات ومعمول الفعل نحو: أكلت الرغيف في اليوم ثلثه، وقال تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ نِصْفَهُ (٦)، ونحو ذلك والله سبحانه أعلم (٧). * * *

стр. 3373

الباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسق (١) [تعريفه، وذكر حروفه] قال ابن مالك: (وهو المجعول تابعا بأحد حروفه وهي «الواو»، و «الفاء»، و «ثمّ»، و «حتّى»، و «أم»، و «أو»، و «بل»، و «لا»، وليس منها «لكن» وفاقا ليونس، ولا «إمّا» وفاقا له ولابن كيسان وأبي عليّ، ولا «إلّا» خلافا للأخفش والفرّاء، ولا «ليس» خلافا للكوفيّين، ولا «أي» خلافا لصاحب المستوفي). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): المجعول تابعا يعم الأقسام الخمسة. وتقييد الجعل بأحد الحروف مخرج للأربعة وقاصر العبارة على المقصود وهو المعطوف عطف النسق. والضمير في قولي: بأحد حروفه عائد على النسق وذكرتها الآن متتابعة عارية من شرح معانيها وبيان أحكامها لتحفظ جملة ويعلم منها المجموع عليه والمختلف فيه فنفيت أن يكون منها لكن موافقا ليونس فإنها عنده حرف استدراك لا حرف عطف (٣) فإن وليها مفرد معطوف فعطفه بواو وقبلها لا يستغنى عنها إلّا قبل جملة مصرح بجزءيها نحو ما قام سعد لكن سعيد قائم. ولا بد قبل المفرد من الواو نحو: ما قام سعد ولكن سعيد، ولا تزر زيدا ولكن عمرا، ولو كانت عاطفة لاستغني بها عن الواو كما استغنى ببل وغيرها. وما يوجد في كتب النحويين من نحو ما قام سعد لكن سعيد ولا تزر زيدا لكن -

стр. 3374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمرا فمن كلامهم لا من كلام العرب، ولذلك لم يمثل سيبويه في أمثلة العطف إلا بولكن (١). وهذا من شواهد أمانته وكمال عدالته؛ لأنه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو. وترك التمثيل به لئلّا يعتقد أنه مما استعملته العرب. ومع هذا ففي المفرد الواقع بعد ولكن إشكال؛ لأنه على ما قررته معطوف بالواو مع أنه مخالف لما قبلها وحق المعطوف بالواو أن يكون موافقا لما قبلها. فالواجب أن يجعل من عطف الجمل ويضمر له عامل كأنه قال: ما قام سعد ولكن قام سعيد. ولا تزر زيدا ولكن زر عمرا؛ لأن الجملة المعطوفة بالواو يجوز كونها موافقة ومخالفة. فالموافقة نحو: قام زيد وقام عمرو، والمخالفة نحو: قام زيد ولم يقم عمرو. ونفيت أن يكون إما حرف عطف؛ لأنها أيضا لا يليها معطوف إلا وقبلها الواو كقوله تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ (٢) فالعطف بالواو لا بها؛ لأن عطفية الواو إذا خلت من أما ثابتة وعطفية أما إذا خلت من الواو منفية والأصل استصحاب ثبوت ما ثبت ونفي ما نفي وأيضا فإن توسط الواو بين إما وأما كتوسطها بين لا ولا في نحو: زيد لا بخيل ولا جبان والعطف قبل لا بالواو بإجماع فليكن بها قبل إما ليتفق المتماثلان ولا يختلفان. ولمن زعم أن ما عاطفة شبهتان أحدهما: أن الواو قد تحذف ويستغنى بإما كقول الشاعر: ٣٢٣١ - يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... إيما إلى جنّة إيما إلى نار (٣) [٤/ ١٤٨] وكقول الراجز: ٣٢٣٢ - لا تتلفوا آبالكم ... إيما لنا إيما لكم (٤) الثانية: أن أو تعاقبها كقراءة أبي - رضي الله تعالى عنه - (وإنّا أو إيّاكم إمّا -

стр. 3375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على هدى أو في ضلال مبين) (١)، وأو عاطفة بإجماع فلتكن إما كذلك ليتفق المتعاقبان ولا يختلفان. والجواب عن الأولى: أن ذلك معدود من الضرورات النادرة فلا اعتداد به ومن يرى أنها عاطفة فلا يرى إخلاءها من الواو قياسا على ما ندر من ذلك فلا يصح استناده إليه واعتماده عليه. والجواب عن الشبهة الثانية: أن المعاقبة التي في قام إما زيد وإما عمرو وقام إما زيد أو عمرو شبيهة بالمعاقبة التي في لا تضرب زيدا ولا عمرا ولا تضرب زيدا أو عمرا ولا خلاف في انتفاء تأثيرها مع لا فليكن منتفيا مع إما ليتفق المتماثلان ولا يختلفان. وأجاز الأخفش العطف بإلا وحمل عليه وقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ (٢) وأنشد مستشهدا على ذلك: ٣٢٣٣ - وأرى لها دارا بقدوة الس ... سندان لم يدرس لها رسم إلا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرّياح خوالد سحم (٣) قال الأخفش: أراد وأرى لها رمادا. وقال الفراء في قوله تعالى: لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ١٠ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ (٤) وقال بعض النحويين: إلا بمعنى الواو أي لا يخاف لدى المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، واستبعد ذلك، وأجاز أن تكون إلا بمعنى الواو في نحو: له عندي ألف إلا ألف آخر (٥)، وفي قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ (٦) قلت: ولا يلزم كون إلا بمعنى الواو في شيء من هذه المواضع لإمكان الاستثناء فيها وإمكانه في الآية بأن يكون التقدير: إلا ظلم الذين ظلموا وعنادهم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما تقول: لا بكاء في الدار إلا من لا يجري أي إلا بكاء من لا يجري ويجوز كون إلا بمعنى لكن «والّذين» مبتدأ وخبره فَلا تَخْشَوْهُمْ (٧). -

стр. 3376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلى هذا يحمل إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)، وكذا له عليّ ألف إلا ألف آخر، أي لكن ألف آخر له علي فأبقى المبتدأ وصفته وحذف الخبر وأما إلا رمادا فاستثناء محقق، لأنه وصف الرماد بالهمود ودفع الأثافي عنه الرياح المترددة عليه. وفي هذا إشعار بأنه درس بعض الدروس. وأما إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ (٢) فاستثناء محقق من فيها، لأن لأهل النار أنواعا من العذاب غير النار مما وصف لنا وما لم يوصف ولأهل الجنة أنواع من النعيم غير الجنة مما وصف لنا وما لم يوصف. فإلى ذلك أشير ب إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ والله تعالى أعلم. وأجاز الكوفيون استعمال ليس حرفا عاطفا فيقولون: قام زيد ليس عمرو كما يقال: قام زيد لا عمرو ومن أجود ما يحتج لهم به قول أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - «بأبي شبيه بالنّبي ليس شبيه بعليّ» (٣). كذا ثبت في صحيح البخاري يرفع شبيه كما يقال: «بأبي شبيه بالنبي لا شبيه بعليّ» ومما يحتج لهم به أيضا قول الراجز: ٣٢٣٤ - أين المفرّ والإله الطّالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب (٤) كما يقال: والأشرم المغلوب لا الغالب وهذا التقدير لا يلزم لإمكان غيره مما لا خلاف في جوازه، وذلك بأنه يجوز أن يجعل خبر كان وأخواتها ضميرا متصلا ثم يحذف منويّا ثبوته كما يفعل إذا كان الضمير مفعولا به فيقال: صديقك إني أكرمت فكذلك تقدر قول أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - «ليس شبيه بعليّ» فيجعل شبيه اسم ليس والهاء خبرها فحذف واستغنى بنيته عن لفظه كما قال الشاعر: ٣٢٣٥ - فأطعمنا من لحمها وسديفها ... شواء وخير الخير ما كان عاجله (٥) ومثله قول الآخر: ٣٢٣٦ - معينك إنّي ما برحت فلا يزل ... معيني على ما ملأمور أروم (٦) -

стр. 3377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد الأول ما كان عاجله وأراد الثاني ما برحته فحذفا الخبرين ونوياهما والتقدير في ليس الغالب ليسه الغالب والضمير ضمير الأشرم وهو خبر ليس واسمها الغالب. وأجاز أبو علي أن يكون هذا القبيل قول الشاعر: ٣٢٣٧ - عدوّ عينيك وشائنيهما ... أصبح مشغول بمشغول (١) على تقدير أصبحه مشغول بمشغول. ومما يجوز أن يكون من هذا قول أبي أمامة (٢): - رضي الله تعالى عنه -: «يا نبيّ الله أو نبيّ كان آدم» (٣). وجعل صاحب المستوفي (٤) أي التفسيرية حرف عطف في نحو: مررت بغضنفر أي أسد، ونهيتك عن الونى أي الفتور. والصحيح أنها حرف تفسير وما يليها من تابع عطف بيان موافق ما قبلها في التعريف والتنكير وجعلها حرف عطف يستلزم مخالفة النظائر من وجهين: أحدهما: أن حق حرف العطف المعطوف به في غير توكيد أن يكون ما بعده مباينا لما قبله نحو: مررت بزيد وعمرو وما بعد أي بخلاف ذلك. الثاني: أن حق حرف العطف المعطوف به غير صفة أن لا يطرد حذفه وأي بخلاف ذلك. فإن لك أن تقول في مررت بغضنفر أي أسد مررت بغضنفر أسد ويستغنى عن أي استغناء مطردا ولا يجوز ذلك في شيء من المعطوفات. فالقول بأن أي حرف عطف مردود وباب الأخذ به مسدود. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى. والذي ذكره من الحروف ثلاثة عشر: منها: ما فيه خلاف وهو خمسة: لكن، وأما، وإلا، وليس، وأي. ومنها: ما هو مجموع عليه وهو الثمانية (الباقية) (٥). وهذا ما يعطيه ظاهر كلامه. -

стр. 3378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ذكر الشيخ أن في أم وحتى خلافا (١) أما أم فقال ابن النحاس عن أبي عبيدة [٤/ ١٤٩] أنها بمعنى الهمزة (٢). والحق أن مثل هذا الخلاف لا يعتد به فلا ينبغي أن يتعرض لذكره. وأما حتى فقال أنها ليست عند الكوفيين للعطف وأن الواقع بعدها معمول لعامل مقدر (٣). وأقول: قد ذكروا أن العطف بها قليل وقد نص على قلته جماعة. حتى قال ابن أبي الربيع: ولكون العطف بها قليلا احتاج الفارسي إلى أن يقول يعني في الإيضاح: وقد رواه سيبويه وأبو زيد وغيرهما عن العرب (٤). وذكر ابن عصفور عن الكوفيين أنهم جعلوا من أدوات العطف أيضا كيف وأين وهلا مستدلين على ذلك بمجيء الاسم بعدها على حسب إعراب الاسم المتقدم قالوا: فإن العرب تقول: ما أكلت لحما فكيف شحما، وما يعجبني لحم فكيف شحم، ولقيت زيدا فأين عمرا، وهذا زيد فأين عمرو، وضربت زيدا فهلا عمرا (وجاءك زيد فهلا عمرو) (٥). هكذا ذكر ابن عصفور. ولا أعلم كيف يتوجه كون ما بعد هذه الكلمات الثلاث تابعا مع كونها أسماء فاصلة بين التابع والمتبوع الا أن يدعى أنها حال العطف بها حرف. ثم لا أعلم ما معنى هذا الكلام إذا قيل بالعطف. ثم إن ابن عصفور أبطل مذهبهم بأنها لو كانت للعطف لعطفت المخفوض على المخفوض لأنه لم يوجد ما يعطف المرفوع والمنصوب ولا يعطف المخفوض. والعرب إنما تقول: ما مررت برجل فكيف بامرأة (٦)، وذكر الشيخ من أدوات العطف أيضا لولا ومتى (٧). وأقول:

стр. 3379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن مثل هذا لا يتحقق. والواجب الاضراب عن مثله ولم أذكر ذلك إلّا تبعا لذاكريه. وبعد ...... فقد عرفت أن الأحرف التي ذكر المصنف أن فيها الخلاف خمسة وأن القول بأن غير لكن منها عاطف لا ينهض الدليل عليه، وكلام المصنف على ذلك فيه غنية - على أن ابن عصفور ذكر أن أما ليست حرف عطف بالاتفاق وأنها إنما ذكرت مع حروف العطف لمصاحبتها لها (١). وأما لكن فمذهب سيبويه أنها من الحروف العاطفة كما عرفت وقد اختار المصنف منها مذهب يونس واستدل لمختاره بما تقدم. أما ابن عصفور فقد قال في شرح الجمل: قد استعملت لكن دون الواو وحكى من كلامهم: ما مررت برجل صالح لكن طالح بغير واو (٢). وقال: ولا يجوز أن يكون التقدير: لكن مررت بطالح بإضمار الخافض وإبقاء عمله فذلك لا يجوز إلا في الشعر أو في نادر كلام. وقال في شرح الإيضاح بعد الكلام لكن: والصحيح عندي ما ذكره يونس من أنها لا تستعمل إلا مع الواو نحو قوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ (٣). وقال الشاعر كذا وأنشد أبياتا قد قرنت لكن فيها بالواو. ثم قال: ولكن مع ذلك هي عاطفة والواو زائدة كما زيدت ثم لما دخلت عليها الفاء في قول زهير: ٣٢٣٨ - [أراني إذا ما بتّ بتّ على هوى] ... فثمّ إذا أصبحت [أصبحت غاديا] (٤) قال: وما ذهبوا إليه من أن الواو هي العاطفة ولكن مخلصة للاستدراك باطل. والدليل على ذلك أن الواو اذا عطفت مفردا على مفرد شركت بينهما في الإعراب -

стр. 3380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمعنى، وما بعد لكن مخالف لما قبلها في المعنى فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة وأن الواو زائدة مثلها في قول الشاعر: ٣٢٣٩ - ولمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم ... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر وصبّ عليهم تغلب ابنه وائل ... فكانوا عليهم مثل راعية البكر (١) يريد صب عليهم. وقول الآخر: ٣٢٤٠ - [و] إنّ رشيدا وابن مروان لم يكن ... ليفعل حتّى يصدر الأمر مصدرا (٢) يريد إن رشيد بن مروان، ولزمت زيادتها كما لزمت زيادة ما في قولهم: أفعله إثر ما وفي إذ ما في الجزاء. وعلى ما ذكرته ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه والأخفش لأنهما قالا إن لكن من حروف العطف فلما مثلا العطف بها مثلاه بالواو (٣)، فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة عندهما لا الواو (٤). انتهى. وقد رأيت ما بين كلاميه من المخالفة. ثم إن سيبويه لا يجيز زيادة الواو (٥) وإنما المجيز لذلك الأخفش وإذا كان سيبويه لا يرى ذلك فكيف ينسب إليه ما يلزم منه القول بشيء هو لا يجيزه. وأما قوله: إن ما بعد لكن مخالف لما قبلها في المعنى والمعطوف بالواو يجب أن يكون موافقا في المعنى كما هو موافق في الإعراب فقد رفع المصنف هذا الإشكال بأن قال: يجب أن يكون ذلك من عطف الجمل ويضمر عامل في نحو: ما قام سعد ولكن سعيد التقدير ولكن قام سعيد وتقدم تقرير ذلك. وأما حذف حرف الجر وإبقاء عمله فقد تقدم في باب حروف الجر أن الجر بحرف محذوف يكون قياسا في مواضع. والذي ذكره ابن عصفور من أنهم يقولون: ما مررت برجل صالح لكن طالح إن كان محكيّا عن غير يونس فلا كلام، وإن كان عن يونس فالذي نقله المصنف عن -

стр. 3381

[معاني حروف العطف: الواو - الفاء - ثم - حتى - أم - أو - بل - لا] [حديث خاص بالواو] قال ابن مالك: (فالسّتّة الأولى تشرك لفظا ومعنى، و «بل» و «لا» لفظا لا معنى وكذا «أم» و «أو» إن اقتضتا إضرابا. وتنفرد الواو بكون متبعها في الحكم محتملا للمعيّة برجحان، وللتّأخّر بكثرة وللتّقدم بقلة. وبعدم الاستغناء عنها في عطف ما لا يستغنى عنه، وبجواز أن يعطف بها بعض متبوعها تفصيلا، وعامل [٤/ ١٥٠] مضمر على عامل ظاهر يجمعهما معنى واحد، وإن عطفت على منفيّ غير مستثنى ولم تقصد المعيّة وليتها «لا» مؤكّدة وقد تليها زائدة إن أمن اللّبس). ــ يونس أنه حكى عن العرب مررت برجل صالح إن لا صالح فطالح على تقدير إلا أمر صالح فقد مررت بطالح وجعل هذا من المقيس. على أن قوله في شرح الإيضاح: والصحيح عندي أنها لا تستعمل إلّا مع الواو يدفع ما قاله الجمل أنه حكى من كلامهم: ما مررت برجل صالح لكن طالح بغير واو (١). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): تشريك الواو والفاء وثم وحتى لفظا ومعنى مجمع عليه، وكذلك تشريك بل ولا لفظا لا معنى، ومثلهما لكن عند غير يونس وكثر في كلام النحويين جعل أم وأم مشتركين لفظا لا معنى والصحيح أنهما يشركان لفظا ومعنى ما لم يقتضيا إضرابا لأن القائل: أزيد في الدار أم عمرو، عالم بأن الذي في الدار هو أحد المذكورين غير عالم بتعينه فالذي بعد أم مساو للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه وحصول المساواة إنما هو بوساطة أم فقد شركتهما في المعنى كما شركتهما في اللفظ وكذلك أو مشركة لما بعدها وما قبلها في ما يجاء بها لأجله من شك وتخيير وغيرهما وقد تقع موقع الواو على ما يلي بيانه إن شاء الله تعالى فيكون حكمها حينئذ حكم ما وقعت موقعه ويأتي الكلام على بل ولا إن شاء الله تعالى.

стр. 3382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذا يأتي الكلام على أم وأو الموافقتين بل في الإضراب. والمعطوف بالواو إذا عرى من القرائن احتمل المعية احتمالا راجحا والتأخر احتمالا متوسطا والتقدم احتمالا قليلا ولذلك يحسن أن يقال قام زيد وعمرو معه وقام زيد وعمرو بعده وقام زيد وعمرو قبله فتؤخر عمرا في اللفظ وهو متقدم في المعنى ومنه قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (١)، وقوله تعالى: وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ (٢) في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر، وعاصم (٣) وحمزة (٤). ومن عطف المقدم على المؤخر قول أبي العيال الهذلي (٥): ٣٢٤١ - حتّى إذا رجب تولّى وانقضى ... وجماديان وجاء شهر مقبل شعبان قدّرنا لوقت رحيلهم ... سبعا يعدّ لها الوفاء فتكمل (٦) ومنه قول الفرزدق: ٣٢٤٢ - وما نحن إلّا مثلهم غير أنّنا ... بقينا قليلا بعدهم وتقدّموا (٧) ومنه قول جرير: ٣٢٤٣ - راح الرّفاق ولم يرح مرّار ... وأقام بعض الظّاعنين وساروا (٨) ومنه قول الآخر: ٣٢٤٤ - وإنّي لأرضى منك يا ليلى بالّذي ... لو أبصره الواشي لفرّت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتّى يسأم الوعد آمله -

стр. 3383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله (١) ومنه قول أبي الصلت: ٣٢٤٥ - سدت عثمان يافعا ووليدا ... ثمّ سدت الملوك قبل المشيب (٢) وقد اجتمع عطف المقدم على المؤخر وعطف المؤخر على المقدم في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (٣) ومن عطفها بقصد المعية قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ (٤) ونسب قوم إلى الفراء أن الواو مرتبة ولا يصح ذلك. فإنه قال في معاني سورة الأعراف، فأما الواو فإن شئت جعلت الآخر هو الأول والأول هو الآخر فإذا قلت: زرت عبد الله وزيدا فأيهما شئت كان هو المبتدأ بالزيارة (٥). هذا نصه، وهو موافق لكلام سيبويه (٦) وغيره من البصريين والكوفيين. ونبهت بقولي: وبعدم الاستغناء عنها في عطف ما لا يستغنى عنه: على أنه لا يقوم مقام الواو وغيرها في نحو: اختصم زيد وعمرو ولا في نحو هذان زيد وعمرو وإن إخوتك عبد الله ومحمدا وأحمد نجباء. ونبهت بقولي: ويجوز أن يعطف بها بعض متبوعها تفصيلا على نحو: وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ (٧)، وعلى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (٨). وبقولي: وعامل مضمر على عامل ظاهر يجمعهما معنى واحد على نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ (٩) فإن أصله تبوءوا واعتقدوا الإيمان فاستغنى بمفعول واعتقدوا عنه هو معطوف على تبوءوا، وجاز ذلك لأن في اعتقدوا وتبوءوا معنى لازم واستصحب. فهذا معنى قولي: يجمعهما معنى واحد ومن هذا القبيل قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا -

стр. 3384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ (١) أي وأجمعوا شركاءكم لأن أجمع لا يوقع على الشركاء وشبهه من الأشخاص وإنما يوقع على الأمر والكيد وشبههما من المعاني ومن هذا القبيل قول الشاعر: ٣٢٤٦ - إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزجّجن الحواجب والعيونا (٢) لأن الأصل وكحلن العيون فاستغنى بمفعول كحلن عنه وهو معطوف على زججن، وجاز ذلك لأن في زجج وكحل معنى حسّن. وأمثال ذلك كثيرة. وإن عطف بالواو على منفي غير مستثنى ولم يقصد المعية وليتها لا مؤكدة نحو: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى (٣) فبذكر لا علم نفي التقريب عن الأموال والأولاد مطلقا أي في افتراق وفي اجتماع ولو تركت لاحتمل أن يكون المراد نفي القريب عند الاجتماع لا عند الافتراق. وذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو فبذكر لا يعلم نفي القيام عن زيد وعمرو مطلقا أي في وقت واحد وفي وقتين بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر وبتركها يحتمل نفي القيام عنهما في وقت واحد وفي وقتين ونفيه عن أحدهما دون الآخر إلا أنّ الأولى عند الترك قصد المعية. فإن كانت المعية مفهومة ببعض الجملة كاستوى جاز أن تزاد لا توكيدا للنفي المتقدم؛ لأن اللبس مأمون كقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا (٤) فلا قبل المسيء زائدة، وكذا التي قبل النور والحرور في فاطر (٥). وقيدت المنفي بكونه غير مستثنى احترازا من نحو: قاموا إلّا زيدا وعمرا فإنه بمعنى قاموا لا زيد ولا عمرو، فالواو فيه عاطفة على منفي في المعنى لكنه [٤/ ١٥١] لا يعرض فيه لبس تزيله لا فاستغنى عنها. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٦).

стр. 3385

[حديث خاص بثم والفاء] قال ابن مالك: (ويقال في ثمّ فمّ وثمت (وثمت)، وتشركها الفاء في التّرتيب. وتنفرد ثمّ بالمهلة، والفاء العاطفة جملة أو صفة بالسّببيّة غالبا، وقد يكون معها مهلة وتنفرد أيضا بعطف مفصّل على مجمل متّحدين معنى وبتسويغ الاكتفاء بضمير واحد في ما تضمّن جملتين من صلة أو صفة أو خبر، وقد تقع موقع ثمّ، وثمّ موقعها، وقد يحكم على الفاء وعلى الواو بالزّيادة وفاقا للأخفش، وقد تقع ثمّ في عطف المقدّم بالزّمان اكتفاء بترتيب اللّفظ). ــ وليس فيه إلا أمر واحد وهو قوله إن لا في مثل: ما قام زيد ولا عمرو إذا لم تقصد المعية تكون مؤكدة لأن في جعلها مؤكدة منافاة لما قرره؛ لأن تقريره أفاد أن دخول لا وعدم دخولها إنما يكونان بحسب ما يراد من المعنى. فإن قصد نفي الحكم عن المتعاطفين حالة الاجتماع وحالة الافتراق أتى بها، وإن قصد نفيه حالة الاجتماع لا حالة الافتراق لم يؤت بها، وإذا كان كذلك كان ذكر لا مفيدا معنى يفوت بعدم ذكرها، وما كان شأنه ذلك فهو مسوق للتأسيس لا للتأكيد بل يكون دخولها عند قصد نفي الحكم في الحالين وعدم دخولها عند قصد نفيه في أحدهما متعينين. قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): قول من قال فم هو من إبدال الثاء فاء كقولهم في الحدث: حدف وفي الغاثور غافور. وزيادة الثاء مفتوحة وساكنة كزيادتها في ربّ، ومن ذلك قول الأسود بن يعفر (٢): ٣٢٤٧ - بدّلت شيئا قد علا لمّتي ... بعد شباب حسن معجب صاحبته ثمّت فارقته ... ليت شبابا زال لم يذهب (٣) وحق المعطوف بها أن يكون مؤخرا بالزمان مع مهلة وحق المعطوف بالفاء أن يكون مؤخرا بلا مهلة ومن ذلك أن جبريل ﵇ نزل فصلّى فصلّى رسول الله ﷺ (٤) -

стр. 3386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعطف بالفاء المتأخر بلا مهلة وبثم المتأخر بمهلة. والغالب في الجملة المعطوفة بالفاء أن يكون معناها متسبّبا عن معنى الأول نحو: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ * (١)، وفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ (٢)، [و] وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ (٣)، [و] كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (٤)، وفَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ (٥)، [و] وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ٢٤ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ (٦). [و] وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٧) وفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٨)، ونحو: أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً (٩)، ونحو: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ (١٠) أو يكون بين مفصّل ومجمل متحدي المعنى نحو: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ (١١) ونحو: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (١٢) ونحو: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (١٣) ونحو: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (١٤) ونحو: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ٣٥ فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ٣٦ عُرُباً أَتْراباً (١٥). وقد يعطف بها لمجرد الترتيب في الجمل نحو: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ٢٦ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ (١٦)، ونحو: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (١٧) ونحو: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها (١٨)، وفي الصفات نحو: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ٥١ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ -

стр. 3387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْ زَقُّومٍ ٥٢ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ٥٣ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ٥٤ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (١)، ومنه قول الشاعر: ٣٢٤٨ - يا ويح زيّابة للحارث الصّا ... بح فالغانم فالآيب كأنه قال صبح فغنم فآب، وقد تكون مع السببية مهلة كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (٢)، وتنفرد الفاء أيضا بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد في ما تضمن جملتين من صلة أو صفة أو خبر أو حال نحو: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، ومررت برجل يبكي فيضحك عمرو، وخالد يقوم فيقعد بشر، كل هذا جائز بالفاء ولو جيء فيه بدلها بالواو لم يجز؛ لأن حق المعطوف بالواو على صلة أو صفة أو خبر أن يصلح لما صلح له المعطوف عليه والجملة العارية من ضمير الموصول والموصوف والمخبر عنه لا تصلح للوصل بها ولا للوصف بها ولا للإخبار بها فلا يجوز أن تعطف بالواو على صلة ولا صفة ولا خبر، واغتفر ذلك في الفاء؛ لأن ما فيها من السببية يسوغ تقدير ما بعدها وما قبلها كلاما واحدا. ألا ترى أن قولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب بمنزلة الذي إن يطر يغضب زيد الذباب، ومثل هذا التقدير لا يتأتى مع الواو فلذلك لم يجر العطف بها في هذه الجمل مجرى العطف بالفاء. وقد تقع الفاء موقع ثم كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ١٢ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ١٣ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً (٣) فالفاء من (فخلقنا) ومن (فكسونا) واقعة موقع ثم لما في معناه من المهلة؛ ولذلك جاءت ثم بدلها في أول الحج (٤). ومن وقوع الفاء موقع ثم قول الشاعر: ٣٢٤٩ - إذا مسمع أعطيك يوما يمينه ... فعدت غدا عادت عليك شمالها (٥) -

стр. 3388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد تقع ثم موقع الفاء كقول الشاعر: ٣٢٥٠ - كهزّ الرّدينيّ تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب (١) فثم هنا واقعة موقع الفاء التي يعطف بها مفصل على مجمل؛ لأن جريان الهز في الأنابيب هو اضطراب المهزوز لكن في الاضطراب تفصيل وفي الهز إجمال. [٤/ ١٥٤] وقد تزاد الواو والفاء. فمن زيادة الواو قوله تعالى: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها (٢) قال [أبو] الحسن معناه قال لهم خزنتها (٣). ومن زيادتها قول مروان ابن أبي حفصة (٤): ٣٢٥١ - فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوي من سفاهته كسري (٥) ومن زيادتها قول الأسود بن يعفر: ٣٢٥٢ - حتّى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبّوا وقلبتم ظهر المجنّ لنا ... إنّ اللّئيم الفاحش الخبّ (٦) ومن زيادتها قول الشاعر: ٣٢٥٣ - فلمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم ... رشيد ولا ناء أخاه عن الغدر وصبّ عليهم تغلب ابنه وائل ... فكانوا عليهم مثل راعية البكر (٧) ومن زيادتها أيضا قول الآخر: ٣٢٥٤ - ولقد رمقتك في المجالس كلّها ... فإذا وأنت تعين من يبغيني (٨) ومثله: -

стр. 3389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢٥٥ - فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا كلمة حالم بخيال (١) وقال الأخفش في «المسائل الصغرى»: يقولون: كنا ومن يأتنا نأته يجعلون الواو زائدة في باب كان ولا يحسن زيادة هذه الواو في غير باب كان (٢) يعني أنه لا يطرد زيادتها إلا في باب كان. ومن زيادة الواو قول عدي بن زيد: ٣٢٥٦ - ولكن كالشهاب وثمّ يخبؤوها ... هادي الموت عنه لا يحار (٣) ومن زيادة الفاء قوله: ٣٢٥٧ - يموت أناس أو يشيب فتاهم ... ويحدث ناس والصّغير فيكبر (٤) ومن زيادتها قول الآخر: ٣٢٥٨ - لما اتقى من عظيم جرمها ... فتركت صاحبي جلده يتذبذب (٥) ومنه قول زهير: ٣٢٥٩ - أراني إذا ما بتّ بتّ [على] هوى ... فثمّ (إذا) أصبحت أصبحت غاديا (٦) وقال الأخفش: زعموا أنهم يقولون أخوك فوجد يريدون أخوك وجد (٧). قال الفراء: والعرب تستأنف بثم والفعل الذي بعدها قد مضى قبل الفعل الأول من ذلك أن يقول الرجل: قد أعطيتك ألفا ثم أعطيتك قبل ذلك مالا فيكون ثم عطفا على خبر المخبر كأنك قلت: أخبرك أني أعطيتك (اليوم) ثم أخبرك أني أعطيتك أمس (٨). وإلى هذا أشرت بقولي: وقد تقع ثمّ في عطف المقدّم بالزّمان. قلت: ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (٩)؛ -

стр. 3390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن قبله: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ (١) والوصية لنا بعد إيتاء موسى الكتاب. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢). ولم يكن فيه تعرض إلى ذكر خلاف في كون الحرفين المذكورين أعني ثم والفاء يفيدان الترتيب أو لا يفيدانه. وقد ذكر المغاربة الخلاف في ذلك. أما الفاء: فقال ابن عصفور (٣): مذهب أهل البصرة أنها للترتيب في كل موضع، والفراء موافق لهم في أنها للترتيب إلا في الفعلين اللذين أحدهما سبب للآخر ويؤولان إلى معنى واحد فإنها لا تكون عنده إذ ذاك مرتبة وذلك نحو قولك: أعطيتني فأحسنت إليّ وأحسنت إليّ فأعطيتني فيجوز عنده أن يقدم الإحسان على الإعطاء وإن كان إنما وقع بعد الإعطاء؛ لأن الإعطاء سبب في الإحسان وهو إحسان في المعنى (٤). ومذهب الجرمي أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فزعم أنك تقول: عفا موضع كذا فموضع كذا وإن كانت هذه الأماكن إنما عفت في وقت واحد ونزل المطر مكان كذا فمكان كذا وإن كان المطر قد نزل في هذه الأماكن في وقت واحد (٥). وذهبت طائفة من الكوفيين إلى أن الفاء لا ترتب بمنزلة الواو. أما الفراء فاستدل بقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٦)، وبقوله جل ذكره: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا (٧) ومعلوم أن القراءة والإهلاك مؤخران عن الاستعاذة ومجيء البأس وذلك لأن مجيء البأس من سبب الإهلاك وهو إهلاك في المعنى والاستعاذة من سبب القراءة شرعا فهي قراءة في المعنى (٨). والجواب: أن ذلك يتخرج على أن يكون «قرأت» بمعنى أردت أن تقرأ؛ لأن العرب قد تقول: فعل فلان بمعنى قارب أن يفعل أو أراد أن يفعل ومنه قولهم: «قد قامت الصّلاة» (٩) أي قد قرب قيامها أو أريد قيامها، وقول الفرزدق: -

стр. 3391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢٦٠ - إلى ملك كاد النّجوم لفقده ... يقعن وزال الرّاسيات عن الصّخر (١) يريد: وأرادت الراسيات أن تزول أو قاربت أن تزول، وأما قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها (٢) الآية الشريفة فيحتمل أمرين: أن يكون كما تقدم كأنه قيل: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا وأن يكون أريد [بأهلكناها] أنها أهلكت إهلاكا من غير استئصال فجاءها بأسنا فهلكت هلاك استئصال. وأما الجرمي فاستدل على ما ذهب إليه بقول الشاعر: ٣٢٦١ - عفا ذو حسي من فرّتنا فالفوارع ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع (٣) ومعلوم أن هذه الأماكن لم تعف على ترتيب إذ الوقوف على أن يكون الآخر من الأماكن قد عفا عند انقضاء عفاء الأول من غير مهلة بينهما متعذر (٤). وكذا قولهم: نزل المطر فمكان كذا فمكان كذا إنما نزل المطر بهذه الأماكن في حين واحد. والجواب عن ذلك: بأن يجعل الترتيب في مثل هذا بالنظر إلى الذكر وذلك أن القائل عفا موضع كذا فموضع كذا لا تحضره أسماء الأماكن في حين الإخبار دفعة واحدة فيبقى في حال الإخبار متذكرا لها متتبعا فما سبق إلى ذكره أتى به أولا وما تأخر في ذكره عطفه بالفاء. واستدل من ذهب إلى أن الفاء لا ترتب مطلقا بما استدل به الفراء والجرمي إلا أنهم حملوا سائر الأماكن على ذلك. قال: والذي يدل على فساد مذهب هؤلاء أن العرب تقول: اختصم زيد وعمرو ولا تقول: فعمرو، ولو كانت الفاء بمنزلة الواو في جميع الأماكن لوجب أن يجوز مثل هذا العطف بالفاء (٥). وأما ثم: فللجمع والترتيب والمهلة. وزعم بعض النحويين أنها بمنزلة الواو لا ترتب. واستدل على ذلك بقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [٤/ ١٥٣] ثُمَّ جَعَلَ -

стр. 3392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْها زَوْجَها (١) ومعلوم أن جعل زوج آدم منه إنما كان قبل خلقنا، وبقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (٢) ومعلوم أن أمر الملائكة بالسجود لآدم إنما كان قبل خلقنا وتصويرنا فدل ذلك على أن ثم بمنزلة الواو. والجواب عن ذلك: أما قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها فالفعل الذي هو جَعَلَ معطوف على ما في وحدة: من معنى الفعل كأنه قيل من نفس وحدت أي أفردت ثم جعل منها زوجها، وأما قوله تعالى: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فمعطوف على خَلَقْناكُمْ إلا أن الكلام محمول على حذف مضاف لفهم المعنى كأنه قيل: ولقد خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. ومما يدل على فساد هذا المذهب امتناع اختصم زيد ثم عمرو ولو كانت ثم بمنزلة الواو لجاز ذلك كما جاز اختصم زيد وعمرو (٣). انتهى كلام ابن عصفور - رحمه الله تعالى -. والظاهر أن الترتيب في مثل عفا مكان كذا فكذا ونزل المطر بمكان كذا فكذا إنما هو بالنظر إلى الذكر، أي الإيراد بمعنى أن المتكلم قصد إلى أن يوردها مترتبة بهذا الترتيب الخاص. ثم إنه ذكر في شرح الإيضاح أدلة أخر استدل بها القائلون بأن الفاء لا تقتضي الترتيب وهي قوله تعالى: فَتَعاطى فَعَقَرَ (٤)، وثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٥)، وفَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها (٦)، وقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٧) بعد قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٨) وقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (٩) ... الآية. قال: ومن ذلك قول الشاعر: -

стр. 3393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢٦٢ - وإنّي متى ما أدع باسمك لا تجب ... وكنت جديرا أن تجيب فتسمعا (١) وقول الآخر: ٣٢٦٣ - ويعزر أناسا عزة يكرهونها ... فنحيا كراما أو نموت فنقتل (٢) أي: أو نقتل فنموت. ثم أجاب عن ذلك بأن قال: ليس المراد فتعاطى الذنب فعقر، بل يمكن أن يكون المراد: فتعاطى السبب فعقر، وليس المراد به ثم تدلى فدنا بتدليه بل المراد ثم دنا فبقى بعد الدنو متدليا، والتدلي هو التعلق في الهواء وليس المعنى على أنهم عقروا وكذبوا بعد العقر، بل المعنى فكذبوه في أنها آية وحملهم التكذيب بكونها آية على عقرها. قال: والمراد بقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ: ومن يظهر في صحيفته مثقال ذرة من الخير يره. قال: وأما قول الشاعر: أن تجيب فتسمعا، فالمراد منه أن تجيب فيتبين من ذلك أنك قد سمعت دعائي باسمك، ويكون ذلك نظير قولهم: من يقتصد في نفقته فهو عاقل إذ المراد فقد ظهر عقله بذلك ولو لم يكن التقدير كذلك لزم أن يكون جواب الشرط متقدما عليه؛ لأن عقله قبل اقتصاده وذلك باطل قال: وأما قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ .... الآية فقال ابن جني: معناه إذا عزمتم وتهممتم بها. قال: فليس الغرض والله تعالى أعلم في قمتم النهوض والانتصاب الذي هو ضد القعود. وقال أبو سعيد: إذا أردتم القيام إلى الصلاة (٣). قال: وأما قول الآخر: فنحيا كراما أو نموت فنقتل فإنه أراد بقوله نموت نقارب أسباب الموت. وذكر في الشرح المذكور (٤) أدلة أخر أيضا استدل بها القائلون بأن ثم لا تقتضي الترتيب وهي قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ (٥)، ثم قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ (٦) لأن السماء مخلوقة قبل الأرض بدليل قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٧) إلى أن قال تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٨). -

стр. 3394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (١)؛ لأن الاهتداء هو ما تقدم ذكره فتراخيه عنه لا يتصور. وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا (٢)؛ لأن الاتقاء والإيمان لم ينقطعا ثم حدث بعدهما بمهلة اتقاء وإيمان آخران. وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (٣) لأن التوبة لا تتراخى عن الاستغفار. وقوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ٨ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ (٤)؛ لأن التسوية والنفخ لآدم المتقدم ذكره في وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، وقد تقدم عليهما جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ وهو متأخر عنهما، وقوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها (٥)؛ لأن إنكار النعمة غير متراخ عن معرفتها. وأورد أبياتا منها قول الشاعر: ٣٢٦٤ - سألت ربيعة من خيرها ... (أبا) ثمّ أمّا فقالت لمه (٦) قال: لأن كون الشخص خيرا أمّا من غيره لا يتأخر عن كونه خيرا أبا من غيره. وقول الآخر: ٣٢٦٥ - إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه ... ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه (٧) لأن المدح إنما هو بتوارث السؤدد كما قال القائل: ٣٢٦٦ - ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا (٨) وكما قال الآخر: ٣٢٦٧ - بقيّة قدر من قدور تورّثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر (٩) -

стр. 3395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكما قال الآخر: ٣٢٦٨ - وكابرا سادوك عن كابر (١) ثم ذكر الأجوبة عن ذلك فقال: أما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ (٢) ففيه جوابان: أحدهما: أن الأرض خلقت قبل السماء غير مدحوة ثم دحيت بعد ما ذكره الله تعالى من أمر السماء. والآخر: أن تكون بعد بمعنى مع كما أنها بمعناها في قوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (٣) أي مع ذلك. وأما قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ (٤) الآية فالمعنى من ثم اهتدى داوم على الهدى ويقوي ذلك أنهم قد أمروا بالدوام على الإيمان في قوله [٤/ ١٥٤] تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا (٥) وكذا معنى اتَّقَوْا وَآمَنُوا (٦): ثم داوموا على الاتقاء والإيمان ثم داوموا على الاتقاء والإحسان. وكذا معنى قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (٧) ثم دوموا على التوبة. وأما قوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٨) الآية فمعناها وبدأ خلق آدم من طين ثم حكم بجعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه، هذا إن جعل النفخ والتسوية لآدم ﵊ كما أنهما له في قوله تعالى: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ٧١ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٩) وإن جعلا لنسله لم يحتج في الآية الشريفة إلى تأويل. وأما قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها (١٠) فإن ثُمَّ فيه للبعد المعنوي الذي بين المعطوف والمعطوف عليه لا للبعد الزماني لأن من عرف شيئا ينبغي أن يكون أبعد الناس عن إنكاره. ونظير ذلك في البعد من جهة الزمان قولك: أشعر الناس فلان ثم فلان إذا تباعد ما بينهما في جودة الشعر. وكذلك هي للبعد المعنوي في البيت الذي هو: سألت ربيعة، لأن الشر الذي يلحق في الأنساب من -

стр. 3396

[حديث خاص بحتى وأم وأو] قال ابن مالك: (المعطوف بحتّى بعض متبوعه أو كبعضه، وغاية له في زيادة أو نقص مفيد ذكرها، وإن عطفت على مجرور لزم إعادة الجارّ ما لم يتعّين العطف ولا يقتضي ترتيبا على الأصحّ، و «أم» متّصلة ومنقطعة، فالمتّصلة المسبوقة بهمزة صالح موضعها لأيّ، وربّما حذفت ونويت، والمنقطعة ما سواها، وتقتضي إضرابا مع استفهام ودونه، وعطفها المفرد قليل. وفصل «أمّ» ممّا عطفت عليه أكثر من وصلها. و «أو» لشكّ أو تفريق مجرّد أو إبهام أو إضراب أو تخيير. وتعاقب الواو في الإباحة كثيرا وفي عطف المصاحب والمؤكّد قليلا، وتوافق «ولا» بعد النّهي والنّفي). ــ قبل الأب أشد من الشر الذي يلحق من قبل الأم لأن الاعتماد في الانتساب إنما هو على الآباء. وأما قول الشاعر: ٣٢٦٩ - إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه ... ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه فإنّه ينبغي أن يحمل على ظاهره ويكون الجد قد أتاه السؤدد من قبل الأب وأتى الأب من قبل الابن؛ لأن ذلك مما يمدح به وإن كان الأكثر في كلامهم المدح بتوارث السؤدد، ويكون البيت إذ ذاك مثل قول القائل: ٣٢٧٠ - وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان (١) قال: ومما يبين لك أن معاني هذه الحروف الثلاثة يعني الواو والفاء وثم على حسب ما تقرر فيها قوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ٧٩ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ٨٠ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٢) فجاء عطف (يحيي) بـ (ثمّ) للتراخي الذي بين وقت الإماتة ووقت الإحياء، وأتى بالفاء في فَهُوَ يَشْفِينِ؛ لأن الشفاء يعقب المرض من غير مهلة، وجاء عطف وَيَسْقِينِ على يُطْعِمُنِي بالواو لأن كلّا من الإطعام والسقي قد يتقدم على الآخر وقد يتأخر عنه. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): لا يعطف بحتى إلا بعض أو كبعض وغاية -

стр. 3397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للمعطوف عليه في زيادة أو نقص فيدخل في الزيادة الأقوى والأعظم والأكثر. ويدخل في النقص الأضعف والأحقر والأقل نحو: فاق على - رضي الله تعالى عنه - الأبطال حتى عنترة وعجز في العلم الأذكياء حتى الحكماء وقصر عن جوده الغيوث حتى الديم وقهر الجبان الناس حتى النساء. ومن كلام العرب استنت الفصال حتى القرعي (١). وقد أجمعت غايتا القوة والضعف في قول الشاعر: ٣٢٧١ - قهرناكم حتّى الكماة فإنّكم ... لتخشوننا حتّى بنينا الأصاغرا (٢) فالمعطوف في هذه الأمثلة بعض محقق وقد يكون شبيها ببعض لا بعضا كقولك: أعجبتني الجارية حتى حديثها، فالحديث ليس بعضا ولكنه كبعض لأنه معنى من معاني المحدث، والمعتمد عليه في ما يصح عطفه بحتى أن يصح استثناؤه بإلا فيصح أعجبتني الجارية حتى حديثها كما يصح أعجبتني الجارية إلا حديثها ويمتنع أعجبتني الجارية حتى ابنها كما لا يمتنع أعجبتني الجارية إلا ابنها. وقد يكون المعطوف بحتى مباينا فتقدر بعضيته بالتأويل - كقول الشاعر: ٣٢٧٢ - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله ... والزّاد حتّى نعله ألقاها (٣) فعطف بحتى وليس بعضا لما قبلها ولكنها بالتأويل بعض لأن المعنى ألقى ما يثقله حتى نعله ويروي بالجر والرفع. وقيدت الغاية بأن يكون ذكرها مفيدا تنبيها على أنك لو قلت: أتيتك الأيام حتى يوما لم يجز لأنه لا فائدة فيه. وهكذا لو قلت في الاستثناء: صمت الأيام إلا يوما فلو وقت ما بعد حتى والأحسن وكانت فيه فائدة نحو: صمت الأيام حتى يوم الجمعة وإلا يوم الجمعة. وإن عطف بحتى على مجرور وخيف توهم كون المعطوف مجرورا بحتى لزم إعادة الجار نحو: اعتكفت في الشهر حتى في آخره فإن أمن ذلك لم يلزم إعادة الجار نحو: -

стр. 3398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عجبت من القوم حتى بنيهم. ونحو قول الشاعر: ٣٢٧٣ - جود يمناك فاض في الخلق حتّى ... بائس دان بالإساءة حينا (١) وحتى بالنسبة إلى الترتيب كالواو فجائز كون المعطوف بها مصاحبا كقولك: قدم الحجاج حتى المشاة في ساعة كذا، وجائز كونه سابقا كقولك: قدموا حتى المشاة متقدمين. ومن زعم أنها تقتضي الترتيب في الزمان فقد ادعى ما لا دليل عليه وفي الحديث: «كلّ شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكيس» (٢)، وليس في القضاء ترتيب، وإنما الترتيب في ظهور المقضيات، وقال الشاعر: ٣٢٧٤ - لقومي حتّى الأقدمون تمالئوا ... على كلّ أمر يورث المجد والحمدا (٣) فعطف بحتى الأقدمين مع كونهم يتعين متقدمين. وأم المعتمد [٤/ ١٥٥] عليها في العطف هي المتصلة نحو: أزيد عندك أم عمرو، وسميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى أحدهما عن الآخر ولا تحصل الفائدة إلا بهما. وشرط ذلك أن يكون متبوعهما مسبوقا بهمزة صالح موضعها لأي كالواقعة في أزيد عندك أم عمرو، وفي قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٤)، [و] وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (٥)، وأَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ (٦)، وأَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٧)، وأَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ (٨)، وقد يكون مصحوبا هما فعلين لفاعلين متباينين. كقول حسان - رضي الله تعالى عنه -: ٣٢٧٥ - ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم جفاني بظهر غيب لئيم (٩) وقد يكون مصحوباهما جملتين ابتدائيتين كقول الشاعر: -

стр. 3399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٢٧٦ - ولست أبالي بعد فقدي مالكا ... أموتي ناء أم هو الآن واقع (١) ومثله: ٣٢٧٧ - لعمرك [ما] أدري وإن كنت داريا ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن [منقر] (٢) أراد ما أدري أشعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر. فهذه الأبيات شواهد على وقوع أم المتصلة بين جملتين إذا كان المعنى معنى أي. وابن سهم وابن منقر خبران لا صفتان وحذف التنوين من شعيث على حد حذفه في قول الشاعر: ٣٢٧٨ - عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف (٣) وخرج بقولي: صالح موضعها لأي أم المسبوقة بهمزة صالح موضعها للنفي كقوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها (٤) فأم في هذه المواضع الثلاثة منقطعة؛ لأنها لا تصلح لأي. وكذا إذا كان معنى ما هي فيه تقريرا كقوله تعالى: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥)، وكقول الراجز: ٣٢٧٩ - ألعبا بألف أم توانيا ... والموت يدنو رائحا وغاديا (٦) وكذا كل موضع لم تتقدم فيه الهمزة استفهاما كان أو إخبارا. فالاستفهام كقوله: ٣٢٨٠ - أنّى جزوا عامرا سوءا بفعلهم ... أم كيف يجزون بالسوءى من الحسن أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن (٧) -

стр. 3400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والإخبار كقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ (١) فأم في هذين الموضعين وما أشبههما منقطعة لعدم الهمزة قبلها كما هي منقطعة في أَمْ لَهُمْ (٢) لعدم معنى أي. وقد تحذف الهمزة ويكتفى بظهور معناها قبل أم المتصلة كقول الشاعر: ٣٢٨١ - فأصبحت منهم آمنا لا كمعشر ... أتوني وقالوا من ربيعة أم مضر (٣) ومثله: ٣٢٨٢ - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان (٤) ومنه قراءة ابن محيصن (سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم) (٥)، وأكثر وقوع أم المنقطعة إضرابا واستفهاما كقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ (٦) إلى أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ (٧). وقد يجاء بها لمجرد الإضراب ومن علامات ذلك في اللفظ أن يليها استفهام نحو: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) ونحو: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ (٩) ونحو قول الشاعر: ٣٢٨٣ - أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن (١٠) وإن ولي المنقطعة مفرد فهو معطوف بها على ما قبلها كقول بعض العرب أنها لإبل أم شاء فأم هنا لمجرد الإضراب عاطفة ما بعدها على ما قبلها كما كان يكون بعد بل فإنها بمعناها. وزعم ابن جني أنها بمنزلة الهمزة وبل وأن التقدير: بل أهي شاء، وهذه دعوى لا دليل عليها ولا انقياد إليها. وقد قال بعض العرب: إن هناك إبلا أم شاء فنصب ما بعد أم حين نصب ما قبلها وهذا عطف صريح مقوّ لعدم -
следующие страницы →