[المنادى غير المصرح باسمه]
قال ابن مالك: فصل (يقال للمنادى غير المصرّح باسمه في التّذكير يا «هن» ويا «هنان» ويا «هنون»، وفي التأنيث يا هنت ويا هنتان ويا هنات.
وقد يلي أواخرهن ما يلي آخر المندوب، ومنه يا هناه بالكسر والضمّ، وليست الهاء من اللّام خلافا لأكثر البصريين).
ــ
ثانيهما: أن يكون شبّه هذه الهاء بهاء طلحة فحذفها للترخيم، ثم ردها، وحركها بالفتح كما فعل في يا طلحة إذا فتحت [تاؤها] وقيل: فتحت لأن ياء الإضافة تفتح في [إحدى] اللغتين ولما كانت عوضا منها أعطيت حركتها. وقالوا: يا أم شبه التاء كما ذكرنا بتاء طلحة لما رآها متحركة فحذفها للترخيم وإن كانت عوضا من المضاف إليه، وهي في موضع خفض والمضاف لا يرخم ولا يجوز في غير الأم.
نصّ عليه سيبويه (١).
وجوز السيرافي ذلك في ياء أب كالأم وهو خلاف نص سيبويه (٢). انتهى كلام ابن عمرون رحمه الله تعالى.
قال الشيخ: واقتصار المصنف على يا أبت ليس بجيد؛ إذ يا أمت مثله (٣) [ولم يذكره]، وهذا عجب من الشيخ: فإن المصنف قد قال في الشرح، وقالوا في يا أبي ويا أمي: يا أبت ويا أمت وغاية الأمر أنه لم يذكر إحدى الكلمتين في المتن اكتفاء بذكره لها في الشرح.
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): قال أبو حاتم (٥): تقول في نداء المذكر: يا هن، ويا هنان، ويا هنون، وفي نداء المؤنث: يا هنت، ويا هنتان بسكون ما قبل التاء ويا هنات. ومن العرب من يقول: يا هناه ويا هنانيه ويا هنوناه ويا هنتاه ويا هنتانيه، ويا هنانوه، وفي المضاف إلى الياء: يا هن ويا هني ويا هنت [٤/ ١٩٩] ويا هنتي. -
стр. 3537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا حاصل كلام أبي حاتم الذي عزاه له أبو علي القالي في الأمالي (١) وإلى قول بعض العرب: يا هناه إلى هنانوه أشرت بقولي: وقد يلي أواخرهن ما يلي آخر المندوب، ثم قلت: ومنه يا هناه بالكسر والضم، والأصل السكون لأنها هاء السكت لكنها أجري بالوصل بها وبأشباهها مجرى الوقف في الثبوت، فحركت لسكونها في الأصل وسكون ما قبلها. فمن حرّكها بالضم شبّهها بهاء الضمير، ومن حركها بالكسر فعلى أصل الساكنين.
وفي كسرها حجة بينة على أنها هاء سكت لا بدل من لام الكلمة. واستدل ابن السراج على زعم أنها بدل من اللّام بأن العرب لم تقل في تثنيته إلا يا هنان، ولو كانت بدلا لقيل: يا هنا هان (٢) وفي هذا الاستدلال ضعف لأن العرب قد تستغني في ما فيه لغتان بتثنية أخصر اللفظين كقولهم في تثنية سواء سيان. وإنما الاستدلال القويّ على أن الهاء ليست بدلا من اللام بل هاء سكت بأن جوز كسرها كما جوز الكسر في غيرها من هاءات السكت المسبوقة بألف كقول الراجز:
٣٤٥٨ - يا ربّ يا ربّاه إيّاك أسل ... غفرا يا ربّاه من قبل الأجل (٣)
روي بكسر الهاء وضمها. وقال الفراء: يقال: يا حسرتاه بكسر الهاء وضمها، والكسر أكثر (٤) انتهى. قال الشيخ في قوله (٥): وليست الهاء بدلا من اللام خلافا لأكثر البصريين: المذاهب في هذه الهاء خمسة. أحدها: أنها أصل وأن مادة الكلمة (هـ ن هـ) فتكون الكلمة مما اتفقت فيه الفاء واللام فيكون من باب سلس قال: وهذا مذهب أبي زيد. ثانيها: أن الهاء بدل من واو إذ معنى يا هن ويا هناه واحد ومادة (هـ ن و) موجودة ومادة (هـ ن هـ) بهذا المعنى مفقودة، فتكون اللام على هذا مما تعاور عليها الهاء والواو كسنة؛ قالوا في التصغير سنيّة وسنيهة، وقالوا: سانيت وسانهت.
وثالثها: أن الهاء بدل من همزة، والهمزة بدل من واو. فالهاء بدل بدل، فلام الكلمة واو لقولهم: هنوات فبنوه على فعال فصار هناوا فجاءت واو متطرفة بعد ألف -
стр. 3538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زائدة فأبدلت همزة ثم أبدلت هاء، لأنها من مخرجها، ولأنها كثيرا ما تبدل منها، وهذا مذهب أبي الفتح (١).
رابعها: أن الألف والهاء زائدتان لكن في نفس البناء على حد زيادة الهمزة في أحمر فوزنه فعلاه إذ أصله هنوات تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فحذفت لالتقاء الساكنين، أو حذفت لام الكلمة أولا وزيد في بناء الكلمة الألف والهاء.
خامسها: أن تكون الهاء هاء السكت والألف قبلها الألف التي تلحق مثل يا زيدا إذا ندبت وضموا الهاء في الوصل تشبيها لها بالهاء الأصلية. وهذا مذهب الفراء.
وهو اختيار المصنف وابن عصفور (٢) وقد رد مذهب من ادعى أنها أصلية بأنه ادعى مادة لم توجد بهذا المعنى وبأنه تكون المادة من باب سلس، وهو قليل، وبأنهم حين نادوه ضموا الهاء وكسروها ولو كانت أصلا لكان الاسم مبنيّا على الضم ولم يكن فيه الكسر.
وردّ مذهب من ادعى أنها بدل من أصل وهو الواو بأنه لم يوجد إبدال الهاء من الواو، وبأنه لو كانت بدلا من واو لوجب فيها الضم ولم يجيء فيها الكسر والصحيح مذهب الفراء، وهو مذهب الأكثرين (٣).
ولا يقال: لو كانت هاء سكت لم تثبت في الأصل؛ لأنا نقول: الإجماع على ثبوتها وصلا في قوله تعالى: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ٢٨ هَلَكَ (٤)، ومما يقوي كون الألف شبيهة بألف الندبة، والهاء للسكت أن الذين قالوا: يا هناه قالوا في التثنية يا هنانيه، وفي الجمع: يا هنوناه، وفي المؤنث: يا هنتاه، ويا هنتانيه، ويا هنانوه فألحقوه الألف في المفتوح والياء في المكسور والواو في المضموم على حد لحاقها في الندبة وألحقوها هاء السكت، فدلت التثنية والجمع على ذلك. وأما الضم والكسر فهو مسموع في هاء السكت مثبتة في الوصل في ما لا خلاف فيه. فمن الجائي في الوصل قول الراجز: -
стр. 3539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٤٥٩ - يا مرحباه بحمار ناجيه ... إذا دنا قرّبته للسانيه (١)
ومن الجائي مكسورا في الوصل أيضا قول الآخر:
٣٤٥٩ م - يا ربّ يا ربّاه إيّاك أسل ... غفرا يا ربّاه من قبل الأجل (٢)
روي بضم الهاء، وكسرها.
وقال الفراء: يقال: يا حسرتاه بكسر الهاء، وضمها، والكسر أكثر (٣).
وأما من زعم أن الهاء أصلية، أو بدل من أصل، أو بدل بدل من أصل، أو زائدة في البنية فإنه يقول في التثنية: يا هناهان، ويا هنتاهان، ويا هناهون، ويا هنتاهات. وهذا شيء لم يسمع من العرب وإنما المسموع ما حكاه أبو حاتم (٤).
* * *
стр. 3540
الباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بها
[تعريف الاستغاثة وأحكامها]
قال ابن مالك: (إن استغيث المنادى أو تعجّب منه جرّ باللام مفتوحة بما يجرّ في النّداء، وتكسر اللّام مع المعطوف غير المعاد معه «يا» ومع المستغاث من أجله وقد يجرّ بـ «من» ويستغنى عنه إن علم سبب الاستغاثة. وقد يحذف المستغاث فيلى «يا» المستغاث من أجله. وإن ولي «يا» اسم لا ينادى إلّا مجازا جاز فتح اللّام باعتبار استغاثته، وكسرها باعتبار الاستغاثة من أجله، وكون المستغاث محذوفا، وربما كان المستغاث مستغاثا من أجله تقريعا
وتهديدا. وليست لام الاستغاثة بعض «أل» خلافا للكوفيين.
وتعاقبها ألف كألف المندوب وربما استغني عنها في التّعجّب).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): الاستغاثة دعاء المستنصر المستنصر به، والمستعين المستعان به. والمعروف في اللغة تعدي فعله بنفسه (٢) نحو: استغاث زيد عمرا قال الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ (٣)، وقال تعالى:
فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ (٤).
فالداعي مستغيث، والمدعو مستغاث. والنحويون [٤/ ٢٠٠] يقولون: استغاث به فهو مستغاث، وكلام العرب بخلاف ذلك، ومثال استغاثة المنادى قول أمير المؤمنين عمر - رضي الله تعالى عنه - لما طعنه فيروز لعنه الله: يا لله للمسلمين (٥)، ومثله قول قيس بن ذريح (٦): -
стр. 3541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٤٦٠ - تكنّفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للنّاس للواشي المطاع (١)
ومثال المنادى المتعجب منه قول العرب: يا للعجب، ويا للفليقة، ويا للماء، ويا للدواهي، ومنه قول الشاعر:
٣٤٦١ - لخطّاب ليلى يا لبرثن منكم ... أدلّ وأمضى من سليك المقانب (٢)
وقول ابن أبي ربيعة:
٣٤٦٢ - أوانس يسلبن الحليم فؤاده ... فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى (٣)
وإن كان المستغاث قبل الاستغاثة معربا استصحب إعرابه كقولك في: يا غلام زيد: يا لغلام زيد، وإن كان مبنيّا بناء حادثا في النداء أعيد في الإعراب وجرته اللام بما كانت تجره في غير النداء كقولك في يا زيد ويا زيدان، ويا زيدون: يا لزيد ويا للزيدين ويا للزّيدين، وإن كان مبنيّا قبل النداء استصحب بناؤه وحكم بجره تقديرا كقولك: يا لرقاش ويا لهذا، وكذا إن كان مقصورا أو منقوصا أو مضافا إلى ياء المتكلم كقولك: يا لموسى، ويا للقاضي، ويا لصاحبي وكل هذه الأنواع منبه عليها بقولي: جر باللام مفتوحة بما يجر في غير النداء، وإن عطف على المنادى المستغاث غيره وأعيد معه يا فتحت اللام كقول الشاعر:
٣٤٦٣ - يا لعطّافنا ويا لرياح ... وأبي الحشرج الفتى النّفّاح (٤)
ومثله:
٣٤٦٤ - فيا لسعد ويا للنّاس كلّهم ... ويا لغائبهم ويا لمن شهدا (٥)
وإن لم يعد مع المعطوف «يا» كسرت اللام كقوله:
٣٤٦٥ - يا لقومي وللّذين تولّو ... هم لباغين بغيهم في ازدياد (٦)
-
стр. 3542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما المستغاث من أجله فلا بد من كسر لامه نحو:
٣٤٦٦ - ألا يا لقومي للنّوائب والدّهر ... وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تلمّأت ... عليه فوارته بلمّاعة قفر (١)
وقد يستغنى عنها بمن كقول الشاعر:
٣٤٦٧ - يا للّرجال ذوي الألباب من نفر ... لا يبرح السّفه المردي لهم دينا (٢)
ويستغنى كثيرا عن المستغاث من أجله للعلم به بظهور سبب الاستغاثة كقول الفرزدق:
٣٤٦٨ - يا لتميم ألا لله درّكم ... لقد رميتم بإحدى المصمئلّات (٣)
وكقول عدي بن زيد:
٣٤٦٩ - فهل من خالد إمّا هلكنا ... وهل بالموت يا للنّاس عار (٤)
وقد يكون المستغاث من أجله غير صالح لأن يكون مستغاثا، ويكون المستغاث مشاهدا فيستباح حذفه. ويتصل المستغاث من أجله بيا مجرورا باللام المكسورة كقول الشاعر:
٣٤٧٠ - يا لأناس أبوا إلّا مثابرة ... على التّوغّل في بغي وعدوان (٥)
ويتعين في مثل هذا كسر اللام لأن مصحوبها غير صالح لأن يكون مستغاثا، بل مستغاثا من أجله، والمستغاث محذوف، والتقدير: يا لقومي لأناس، وروي عن العرب في: يا للعجب ويا للماء ونحوهما فتح اللام على أن مصحوبها مستغاث وكسرها على أن مصحوبها مستغاث من أجله، وعلى هذا النوع نبهت بقولي: وإن ولي يا اسم لا ينادى إلّا مجازا إلى آخر القول. ونبهت بقولي: وربما كان المستغاث مستغاثا من أجله على نحو قول القائل: يا لزيد لزيد أي: يا زيد أدعوك لتنصف من نفسك، ومنه قول مهلهل: -
стр. 3543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٤٧١ - يا لبكر انشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار (١)
ولما كان ما ولي يا في الاستغاثة مستغاثا تارة ومستغاثا من أجله تارة فرقوا بين لاميهما بالفتح والكسر.
وخص الفتح بلام المستغاث لشبه ما هي فيه بضمير المخاطب ولاتصالهما بألف يا لفظا وتقديرا. وزعم الكوفيون أن أصل يا لفلان يا آل فلان ولذلك جاز أن يوقف عليها كقول الشاعر:
٣٤٧٢ - فخير نحن عند النّاس منكم ... إذا الدّاعي المثوب قال يا لا (٢)
ولا حجة في هذا البيت لاحتمال أن يكون الأصل: يا قوم لا فرار، أو لا تفروا.
ومما يدل على ضعف ما ذهبوا إليه الرجوع إلى الكسر في العطف دون إعادة يا. ولو كانت بعض أل لم تدخل على ما لا تدخل عليه أل نحو: يا لله، ويا للناس، ويا لهؤلاء. وتعاقب هذه اللام ألف في الآخر كألف المندوب ولا يجوز الجمع بينهما كما لا يجوز الجمع بين هاء الجحاجحة وياء الجحاجيح. وكما لا يجوز الجمع بين ياء يمني وألف يمان. هذا معنى قول الخليل وسيبويه (٣).
ولا بد من اللام عند حذف الألف ولا بد من الألف عند حذف اللام. وقد يستغنى عنهما في التعجب كقول عمر بن أبي ربيعة:
٣٤٧٣ - أوانس يسلبن الحليم فؤاده ... فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى (٤)
هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى (٥).
ويتعلق بما ذكره مباحث:
الأول:
أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: والمعروف في اللغة تعدي فعل الاستغاثة بنفسه.
والنحويون يقولون: استغاث به فهو مستغاث به، وكلام العرب بخلاف ذلك. -
стр. 3544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: ليس كما ذكر بل استغاث يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر الذي هو الباء كما في لفظ سيبويه والنحويين في باب الاستغاثة (١). قال: فاستقراء المصنف لذلك غير تام (٢). قال: ومما جاء من لسان العرب معدى
بالباء قول الشاعر:
٣٤٧٤ - حتّى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك
مكلّل بأصول النّبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائة حبك
كما استغاث بشيء فزّ غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك (٣)
وقال آخر:
٣٤٧٥ - قاد الجياد من الجولان فارطه ... من بين منعله يرجى ومحبوب
حتى استغاثت بأهل الملح ما طعمت ... في منزل طعم نوم غير تأويب (٤)
انتهى. ولك أن تقول: قد تعرض النحاة إلى ذكر الأفعال التي تتعدى بنفسها تارة وبالحرف أخرى، ولم يذكروا أن فعل الاستغاثة من تلك الأفعال. ثم قد [٤/ ٢٠١] ثبت بالكتاب العزيز تعديه بنفسه (٥) فوجب أنه إذا ورد متعديا بحرف أن يدعى فيه التضمين. وعلى هذا يكون استغاث من قوله: حتى استغاثت بماء ضمّن معنى استعان؛ لأن الماء يستعان به ولا يستغاث، وكذا استغاث من قول الآخر: حتّى استغاث بأهل الملح ضمن معنى استعان أيضا، وكذا يحمل على التضمين المذكور قول الشاعر:
٣٤٧٦ - إن يستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منّا معاقل عزّ زانها كرم (٦)
فإن قيل: استعان متعد بنفسه - قيل: كما ورد متعديا بنفسه ورد متعديا بالحرف -
стр. 3545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال النبي ﷺ : «إذا سألت فاسأل (١) الله وإذا استعنت فاستعن بالله» (٢) فيمكن أن يكون في أصل الوضع متعديا بالحرف وأنه يصل إلى نصب متعلقه بإسقاط الخافض، ولا يمكن أن يدعى ذلك في استغاث؛ لأن المستغاث منادى. وقد علم أن المنادى مفعول بفعل مقدر. فإذا قيل: يا زيد فالتقدير أدعو زيدا، تقدم لنا ذكر ذلك.
ثم إن الشيخ ناقش المصنف ثانيا في قوله: إذا استغثت المنادى أو تعجبت منه.
قال: لأن كلامه يقتضي أن المستغاث به والمتعجب منه يكون منادى. قال:
والمنادى لا يكون ذلك إلا في ما استثني (٣). انتهى.
وكان الشيخ فهم أن مراد المصنف بقوله: المنادى الاسم الذي من شأنه أن ينادي وليس مراده ذلك. إنما المراد بالمنادى الاسم الذي تطلب إقباله عليك، ولهذا قال في شرح الكافية: «إذا نودي المنادى ليخلص من شدة أو يعين على دفع مشقة فنداؤه استغاثة وهو مستغاث (أو مستغاث به)» (٤).
فبين بهذا الكلام أن المنادى كما أنه مطلوب إقباله فالمستغاث مطلوب منه الإقبال أيضا، لكن ليخلص المنادى مما هو فيه أو يعينه على دفع ما يكره. ثم حكم المستغاث بعد ذلك أن يجر بلام أو يختم بألف، وقد يخلو عنهما إذا دلّ على الاستغاثة دليل وهو أن يذكر بعد الاسم المنادى مستغاثا من أجله كما سيأتي.
ولا يفهم من هذا أن الاسم المستغاث هو الاسم الذي ينادى حتى يورد على هذا أن المنادى لا يكون ذا «ال» والمستغاث قد يكون ذا «ال».
الثاني:
نصّوا على أنه لا ينادى على سبيل الاستغاثة إلّا «بيا» من بين سائر حروف النداء قالوا: لأنها أم الباب. وندر قول عمر - رضي الله تعالى عنه - لعمرو بن العاص:
«وا عجبا لك يا ابن العاص» (٥). ثم كون يا لا يجوز حذفها مع المستغاث قد عرف في أول الباب. -
стр. 3546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحكم التعجب في الأمرين المذكورين حكم الاستغاثة. ثم إن المصنف لم يتعرض في شيء من كتبه إلى ذكر ما تتعلق به لام الجر الداخلة على المستغاث، ولا إلى ذكر ما تتعلق به اللام الداخلة على المستغاث من أجله. وقد تعرض إلى ذلك أبو الحسن ابن عصفور فذكر أن في اللام الداخلة على المستغاث ثلاثة أقوال.
قيل: إنها تتعلق بما في «يا» من معنى الفعل. قال: وهو رأي ابن جني (١)، وردّه ابن عصفور بأن معاني الحروف لا تعمل في الظروف ولا المجرورات. وقيل: بأن اللام زائدة وردّه بأن الأصل عدم الزيادة، وقيل: إنها تتعلق بالفعل الذي قلناه إنه يعمل في المنادى، واختاره ابن عصفور (٢)، قال الشيخ وابن الضائع أيضا: وهو مذهب سيبويه (٣).
قال ابن عصفور: فإن قيل: الفعل الذي يعمل في المنادى يعمل بنفسه فكيف يصل هذا باللام ثم أجاب عن ذلك بأن الفعل المتعدي إلى مفعول يجوز أن يتعدى بنفسه وبحرف الجر نحو: ضربت زيدا وضربت لزيد. قال: وهذا قليل مع ظهور الفعل، فإذا كان الفعل مضمرا كان أقوى (٤). انتهى.
ولو قدر الفعل بعد وقال: إن وجود اللام داخلة على الاسم مع الفعل المتعدي أوجب لنا أن نقدر العامل مؤخرا لكان أولى. فإن من المعلوم أن المعمول إذا تقدم على الفعل المتعدي جاز دخول الحرف؛ قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٥).
ثم إن الشيخ بحث في ما ذكره ابن عصفور فقال: لابن جني أن يقول: الحرف يعمل بما فيه من معنى الفعل فقد عملت كأن بما فيها من معنى التشبيه في الحال، وكذا هاء التنبيه تعمل في الحال أيضا، كما عرفت ذلك في بابه. وقال: وأما نسبتهم العمل في الفعل المقدر، واعتذارهم عن دخول اللام ففيه تكلف. قال:
والأولى القول بالزيادة فيقال: زيدت اللام لمدّ الصوت قال: والدليل على زيادتها -
стр. 3547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معاقبتها في آخره فزادوا الحرفين لمدّ الصوت. قال: ولما كان معناهما واحدا في الزيادة تعاقبا فلم يجز الجمع بينهما (١). انتهى.
ولقائل أن يقول: أما كون بعض الحروف يعمل بما فيه من معنى الفعل فصحيح.
ولكن يتعذر ذلك في نحو: يا لزيد؛ لأن القائل بأن العامل معنى الحرف إما أن يقدر فعلا أو لا.
فإن قدر الفعل وجب أن يكون هو العامل؛ لأننا إنما نعمل الحرف بما فيه من معنى حيث لا يكون معنا عامل صالح، لأن العامل المعنوي إنما يحتاج إليه عند فقد العامل اللفظي، وإن لم يقدر الفعل أشكل الأمر لأنه يلزم من ذلك أن يكون كلام تام مركبا من اسم وحرف، وامتناع ذلك معلوم. وأما كون اللام تكون زائدة فإن القول به يقتضي جواز مراعاة عامل المحل في مدخولها، ولا يظهر جواز اعتبار المحل في الاسم المستغاث مجرورا باللام.
ولا شك أن عدم جواز مراعاة محله دليل على أن اللام ليست زائدة، نعم إن قيل بأن له محلّا فربما يتم ما قاله. وسيذكر بعد أن بعضهم [٤/ ٢٠٢] جعل له محلّا، وأما لام المستغاث من أجله ذكروا أنها متعلقة بفعل مضمر تقديره أدعوك لكذا. هكذا ذكر ابن عصفور (٢).
وزعم ابن الضائع أنها تتعلق بفعل النداء. وقال آخرون: أنها تتعلق بمحذوف في موضع الحال فالتقدير: يا لزيد مدعوّا لعمرو، [و] هو مبني على أن الحال تجيء من المنادى وعلى ما قال ابن عصفور يكون الكلام جملتين وهو بعيد.
وقول ابن الضائع يلزم منه تعلق حرفي جر بعامل واحد. قد يقال: ليس ذلك بممتنع لأن الحرفين إذا اختلف معناهما جاز أن يتحد ما تعلقا به. ثم إنك قد عرفت أن اللام مع المستغاث مفتوحة ومع المستغاث من أجله مكسورة، وأن الفتح مع المستغاث إنما كان لوقوعه موقع ضمير الخطاب. ومنهم من يقول: إن الفتح للفرق بينها، وبين لام المستغاث من أجله.
والحق أن علة الفتح مجموع الأمرين. والأمران هما شبه المضمر، والفرق؛ -
стр. 3548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليندفع سؤال الدور. وهو لم لم يكن الأمر بالعكس لو عللنا بمجرد الفرق. ولو عللنا بمجرد شبه المضمر لورد على ذلك المعطوف في مثل: يا لزيد ولعمرو، فإن الثاني أيضا منادى ولم تفتح معه اللام؛ لأنه قد علم بالعطف أنه
مستغاث لكن كسر اللام مع المستغاث من أجله إنما هو بالنسبة إلى الأسماء الظاهرة. وأما بالنسبة إلى المضمرات فاللام مفتوحة إلا أن يكون الضمير ياء المتكلم فإنها تكسر كما مع الظاهر فعلى هذا إذا قلت: يا لك احتمل أن يكون مستغاثا ومستغاثا من أجله. وكذا إذا قلت: «يا لي» احتمل الأمرين.
البحث الثالث:
البيت الذي أنشده المصنف مستشهدا به على التعجب وهو قول الشاعر:
٣٤٧٧ - لخطّاب ليلى يا لبرثن منكم ... أدلّ وأمضى من سليك المقانب (١)
أنشده ابن عصفور أيضا مستشهدا به لذلك، وأنشد بعده:
٣٤٧٨ - تزورنها ولا أزور نساءكم ... ألهفا لأولاد الإماء الحواطب (٢)
قال: فنادى برثن مستغيثا بمن لم يزر امرأته منهم على من زارها ومتعجبا من فعل بعضهم معه (٣). وكأنه قال: يا لبرثن امنعوا من زيارتها بعضكم وذلك أنه اتهم قوما من بني برثن كانوا يزورون امرأته لفساد بينهم وبينها؛ ولذلك شبههم بسليك في دقة حيلتهم في الفساد. قيل: وإنما اشتركت الاستغاثة والتعجب في هذه الصورة؛ لمشاركتها في بعض المعنى؛ إذ سببها أمر عظيم عند المنادى، أما الاستغاثة فلوقوع أمر يطلب دفعه أو المعونة عليه، وأما التعجب فالنداء فيه على وجهين: أحدهما: أن يرى أمرا عظيما فيتعجب منه فينادى جنسه ليحضر نحو:
يا للماء، ويا للعجب. والثاني: أن يرى أمرا يستعظمه فينادي من له نسبة إليه ومكنة فيه بوجه ما كأن يرى جهّالا أخذوا المناصب، فيقول: يا للعلماء أي:
يا قوم عجبا لهذا الأمر، ولهذه العظام.
стр. 3549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البحث الرابع:
ذكر الشيخ عن «صاحب البسيط» أنه قال: المستغاث به والمتعجب منه منادى، وعلة البناء موجودة فيه، فهلّا بقي على بنائه حين دخلت عليه لام الجر كما تقول لهذا، ومن قبل، ومن بعد. فالجواب أن «يا» صار حكمها في النداء حكم العامل؛ إذ النداء فيها شبيه بالإعراب، فلما دخل الحرف لمعناه زال عمل «يا» لفظا وصار بمنزلة ما زيد
بجبان، فعلى هذا له موضع رفع، فإذا نعت كان فيه ثلاثة أوجه (١) انتهى.
ولا يخفى بعد ما ذكره ويدل على ضعفه، أنه قال بعد ذلك: وقيل: كان الأصل البناء إلّا أنه لما دخلت عليه لام الجر وحرف الجر خاص بالأسماء مع أن بناء المنادى ليس ببناء أصلي روعي فيه أصله فعمل (٢). ولا شك أن هذا كلام حسن وهو أولى مما قاله أولا.
ثم قال: وقيل: لمّا دخلت عليه صار عاملا ومعمولا، فأشبه المضاف فلم يعمل فيه النداء فعمل الجار. قال: فعلى هذين التعليلين لا موضع رفع له. فإذا نعت كان في جر أو نصب كما تقول: مررت بزيد وعمرا، والجر أحسن (٣). انتهى.
وقد تقدم لنا البحث في أن اعتبار المحل غير ظاهر. فأما اعتباره رفعا فقد صرح الآن بأنه غير جائز. وأما اعتباره نصبا ففيه نظر يلتفت إلى اشتراط المحرر وعدمه.
وأما تنظيره بقوله: مررت بزيد وعمرا فالمحققون لا يجيزون ذلك كما تقدم لنا في أوائل الكتاب، فإن بنى جواز يا لزيد وعمرا على مسألة: مررت بزيد وعمرا منعت المسألة لامتناع ما بنيت عليه.
البحث الخامس:
قد عرفت أن المستغاث قد يحذف ويلي المستغاث من أجله إذا علم أنه غير صالح لأن يكون مستغاثا، وأنشد المصنف على ذلك يا لأناس أبوا إلّا مثابرة. -
стр. 3550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال: التقدير يا لقومي لأناس. وقد جعل ابن عصفور من ذلك قول الراجز:
٣٤٧٩ - يا عجبا لهذه الفليقة ... هل تذهبنّ القوباء الرّيقة (١)
قال يزيد: يا قوم عجبا. وما قاله غير ظاهر، فإنه لا معنى للاستغاثة في هذا البيت، بل هو إما نداء محض نادى قومه ثم أخبر أنه تعجب لهذا الأمر. فالتقدير:
يا قوم أعجب عجبا، فقوله: عجبا منصوب على المصدر. هذا إن كانت الرواية بالتنوين، وإن كانت بغير تنوين فيكون التقدير يا عجبي، ثم إنه حذف وعوض عنها الألف كما يقال في يا عبدي: يا عبدا ويكون نداء أريد به
التعجب. فالحق أن لا استغاثة في البيت.
ثم اعلم أن ابن جني أجاز في قول الشاعر:
٣٤٨٠ - فيا شوق ما أبقى ويا لي من النّوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبى (٢)
أن يكون يا لي مستغاثا به كأنه استغاث بنفسه من النوى قال: ويمكن أن يكون استغاث لنفسه وحذف المستغاث به .. انتهى (٣).
وإنما جوز ابن جني الأمرين؛ لأن لام المستغاث من أجله إنما تكون مع ياء المتكلم [٢/ ٢٠٣] مكسورة مستغاثة كانت أو مستغاثا من أجلها، كما أنها مع الضمير غير الياء إنما تكون مفتوحة مستغاثا ما هو متصل به كان أو مستغاثا به نحو: يا لك كما تقدم تقدير هذا، لكن قال ابن عصفور: الأصح عندي أن «يا لي» حيثما وقع يكون الضمير فيه مستغاثا له، والمستغاث به محذوف؛ لأن العامل في المستغاث به إنما هو الفعل المضمر الذي قام حرف النداء مقامه (٤). وقد نص على ذلك سيبويه في باب الجر (٥). -
стр. 3551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإذا جعلت الضمير في قولك: «يا لي» واقعا على المستغاث به لزم أن يكون التقدير: يا أدعو لي فيؤدي ذلك إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضمير المتصل، وذلك لا يجوز إلّا في باب ظننت، وفقدت، وعدمت، قال الشيخ:
وهذا الذي قال - يعني ابن عصفور - صحيح على مذهب سيبويه: فأما ابن جني فلا يلزمه ذلك؛ لأن اللام تتعلق عنده بما في يا من معنى الفعل ولا يجري يا مجرى صريح الفعل؛ لأنها لا تتحمل ضميرا، كما لا تتحمله هاء التنبيه إذا عملت في الحال قال: وأما على رأي من يقول بزيادة اللام - وهو ابن خروف - فيطيح رد ابن عصفور ومنعه (١).
البحث السادس:
في شرح الكافية:
يا يزيد الآمل نيل عزّ ... وغنى بعد فاقة وهوان (٢)
وذكر في الشرح المذكور أن المستغاث قد يخلو من اللام ومن الألف كقول الشاعر:
٣٤٨١ - ألا يا قوم للعجب العجيب ... وللغفلات تعرض للأريب (٣)
ولم يذكر ذلك في التسهيل، ولا في شرحه، وإنما قال أنهما قد يستغنى عنهما في التعجب، مقتصرا على ذلك.
ثم إن المستغاث إذا لحقته الألف فالظاهر أن له حكم نفسه من بناء أو إعراب، وكأنه يصير كالمندوب، والمتعجب منه كالمستغاث في ذلك.
* * *
стр. 3552
الباب الخمسون باب النّدبة (١)
[تعريف المندوب - مساواته للمنادى في أحكامه]
قال ابن مالك: (المندوب هو المذكور بعد «يا» أو «وا» تفجّعا لفقده حقيقة أو حكما أو توجّعا؛ لكونه محلّ ألم أو سببه، ولا يكون اسم جنس مفردا ولا ضميرا، ولا اسم إشارة ولا موصولا بصلة لا تعيّنه.
ويساوى المنادى في غير ذلك من الأقسام والأحكام ويتعيّن إيلاؤه «وا» عند خوف اللّبس).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية (٢): الندبة إعلان المتفجع باسم من فقده بموت أو غيبة كأنه يناديه، والقصد الإعلام بعظمة المصاب، وقال في شرح التسهيل (٣): المذكور تفجعا لفقده حقيقة كقول الباكي على ميت اسمه زيد: يا زيدا أو وا زيدا. ومنه قول جرير يرثي عمر بن عبد العزيز ﵁ (٤):
٣٤٨٢ - تنعى النّعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا (٥)
ومثله قول الآخر:
٣٤٨٣ - وا هنيّا أطمعت مذينت أعدا ... ي وقدما أو سعتهم بك قهرا (٦)
-
стр. 3553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمندوب تفجعا لكونه في حكم المقصود كقول أمير المؤمنين عمر ﵁: واعمراه واعمراه حين أعلم بجدب شديد أصاب قوما من العرب. وكقول الخنساء ومن أسر معها من آل صخر وصخر غائب غير مرجو الحضور: واصخراه واصخراه.
والمندوب توجعا لكونه سببا للألم كقول قيس العامري:
٣٤٨٤ - فواكبدا من حبّ من لا يحبّني ... ومن عبرات ما لهنّ فناء (١)
والمندوب توجعا لكونه سببا للألم كقول ابن قيس الرقيات:
٣٤٨٥ - تبكيهم دهماء معولة ... وتقول سلمى وا رزيّتيه (٢)
ولا يندب اسم جنس مفرد ولا ضمير ولا اسم إشارة ولا موصول بصلة لا يتعين بها المندوب فلا يقال في رجل: وارجلاه ولا في أنت: واأنتاه ولا في هذا: وا هذاه ولا في من ذهب: وا من ذهباه. ويندب اسم الجنس المضاف نحو: وا غلام زيداه والموصول بصلة تعين الموصول نحو: وا من حفر بئر زمزماه. ونبهت بقولي:
(ويساوي المنادى في غير ذلك من الأقسام) على أنه قد يكون علما واسم جنس مضافا وموصولا بصلة معينة. ومن مساواته المنادى في الأحكام أنه إذا لم يل آخره الألف ضم إن كان مما يضم في النداء نحو: وا زيد، ونصب إن كان مما ينصب في النداء نحو: واعبد الله، وواضروبا رؤوس الأعداء، وواثلاثة وثلاثين، ويلحق الزيادة وا ثلاثة وثلاثيناه، ومن مساواته إياه في الأحكام أنه إذا دعت الضرورة إلى تنوينه جاز استصحاب ضمته [وتبدل
فتحه بها] (٣) كقول الراجز:
٣٤٨٦ - وا فقعسا وأين منّي فقعس ... [أإبلي يأخذها كروّس] (٤)
كذا روي منصوبا ولو قيل بالضم وا فقعس لجاز. وإذا أمن أن يلتبس المندوب بمنادى غير مندوب جاز وقوعه بعد يا ووا نحو: من حفر بئر زمزم. فلو قيل هنا:
يا من حفر بئر زمزم لم يخف لبس فاستعمال يا ووا فيه جائز بخلاف قولك: وا زيد، -
стр. 3554
[من أحكام المندوب]
قال ابن مالك: (ويلحق جوازا آخر ما تمّ به ألف يفتح لها متلوّها متحرّكا، ويحذف إن كان ألفا أو تنوينا أو ياء ساكنة مضافا إليها المندوب وقد تفتح).
ــ
وفي الحضرة من اسمه زيد، فلا يجوز أن يستعمل فيه إلّا وا؛ لأن الذي يليها لا يكون إلّا مندوبا.
ولا تتعين الندبة بالألف التي تلي الآخر والحرف المنبه به يا؛ لأن المنادى البعيد قد تلي الألف آخره كقول امرأة لابن أبي ربيعة: نظرت إلى كعبتي فرأيت ملء العين وأمنية المتمني فصحت يا عمراه، فقال عمر: يا لبيكاه (١).
ولم ير سيبويه زيادة الألف المذكورة إلّا في ندبة، أو استغاثة، أو تعجب (٢).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): آخر ما تم به المندوب يعم آخر المفرد نحو:
وا زيداه، وآخر المضاف إليه نحو: وا عبد الملكاه، وآخر الصلة نحو: وا من حفر بئر زمزماه، وآخر المركب تركيب مزج نحو: وا تأبط شراه [٤/ ٢٠٤] وقيدت لحاق هذه الألف بالجواز لئلّا يعتقد لزومه. ونبهت على فتح متلوها ليعلم أن ضمة يا زيد وكسرة يا عبد الملك وما أشبههما مستوية في [تبدل فتحة بها] لأجل الألف نحو:
يا زيداه ويا عبد الملكاه، وإن وجدت الفتحة قبل أن يجاء بالألف استصحبت إذا جيء بالألف كقولك في عبد يغوث: وا عبد يغوثاه. ونبهت بقولي: (وتحذف إن كان ألفا أو تنوينا أو ياء ساكنة مضافا إليها المندوب) على حذف المتمم
إن كان ألفا كقولك في موسى: وا موساه، أو تنوينا كقولك في غلام زيد: وا غلام زيداه أو ياء ساكنة مضافا إليها كقولك في غلامي: وا غلاماه. وقد يقال: يا غلامياه. ومن قال في النداء: يا غلامي بالفتح استصحب الفتح في الندبة نحو: وا غلامياه، ومن لم يجئ بالألف فله أن يقول: وا غلامي بالسكون و: وا غلاميه باستصحاب الفتحة -
стр. 3555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وزيادة هاء السكت كما قال ابن قيس:
وتقول سلمى وا رزيّتيه (١) انتهى.
وإنما قيد الياء الساكنة بقوله: (مضافا إليها المندوب)؛ ليعلم أن هذا الحكم الذي ذكره وهو الحذف إنما يكون إذا كان المضاف إلى الياء هو المندوب، فأما إذا كان المندوب مضافا إلى مضاف إلى الياء، فإن الياء تلزم؛ لأن المضاف إليها غير مندوب نحو أن يقال: واغلام أخي. ثم قد ذكر في الشرح أنه قد يقال: يا غلامياه.
والظاهر أن هذا مراده بقوله في المتن: (وقد تفتح) فعلمنا أن الياء الساكنة المضاف إليها المندوب لك فيها وجهان. الحذف وهو الكثير، وإثباتها مفتوحة وهو القليل وهذان الوجهان هما اللذان أشار إليهما في الألفية بقوله:
وقائل واعبديا واعبدا ... من في النّدا الياذا سكون أبدي
وقال في شرح الكافية: إذا ندب المضاف إلى ياء المتكلم على لغة من أثبتها مفتوحة زيدت الألف ولم يحتج إلى عمل ثان؛ لأن الياء مهيأة لمباشرة الألف بفتحها. وإذا ندب على لغة من حذف الياء مكتفيا بالكسرة جعل بدل الكسرة فتحة وزيدت الألف، وإذا ندب على لغة من يبدل الياء ألفا حذفت الألف المبدلة وزيدت ألف الندبة كما يفعل بالمقصور وإذا ندب على لغة من يثبت الياء ساكنة جاز حذف الياء وفتحها (٢).
ثم نبه في هذا الكتاب - أعني شرح التسهيل - على أن من ندب على لغة من يثبت الياء مفتوحة إذا لم يأت بالألف له أن يسكن الياء وله أن يستصحب الفتحة ويزيد هاء السكت كما عرفت من كلامه.
واعلم أن الشيخ ذكر في شرحه أن حذف الياء الساكنة المضاف إليها المندوب هو مذهب المبرد (٣) وأن سيبويه ذهب إلى أنه لا يجوز في ندبة الاسم المضاف إلى ياء المتكلم في لغة من أسكنها في النداء إلا إثبات الياء (٤).
وقد ردّ على سيبويه بأن من سكن لا يحرك وهما لغتان على ما نص سيبويه، -
стр. 3556
[من أحكام ألف الندبة]
قال ابن مالك: (وقد تلحق ألف النّدبة نعت المندوب، والمجرور بإضافة نعته ويقاس عليه وفاقا ليونس، وقد تلحق منادى غير مندوب ولا مستغاث خلافا لسيبويه، ويليها في الغالب سالمة ومنقلبة هاء ساكنة تحذف وصلا.
وربّما ثبتت مكسورة أو مضمومة. ويستغنى عنها وعن الألف في ما آخره ألف وهاء، ولا تحذف همزة ذي ألف التّأنيث الممدودة، خلافا للكوفيّين).
ــ
وإذا كان الإسكان لغة فلا حكم للحركة في الياء. فإذا لحقت الألف انبغى أن تحذف الياء وزعم سيبويه أنها تحرك؛ لأنه لا ينجزم حرفان (١).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: لا يجيز الخليل، ولا سيبويه أن تلحق ألف الندبة نعت المندوب (٢). وأجاز ذلك يونس نحو أن تقول: وازيد البطلاه (٣)، ويؤيد قول يونس قول بعض العرب: واجمجمتي الشاميتيناه (٤)، وقول الشاعر:
٣٤٨٧ - ألا يا عمرو وعمراه ... وعمرو بن الزّبيراه (٥)
فلحقت في الشاميتيناه وهو نعت مندوب ولحقت في عمراه وهو توكيد مندوب ولحقت في الزبيراه وهو مضاف إليه نعت معطوف على مندوب فلحاقها نعت المندوب أولى بالجواز، وكذا لحاقها المضاف إليه نعت المندوب كقول الراجز:
٣٤٨٨ - كم قائل يا أسعد بن سعداه ... كلّ امرئ باك عليك أوّاه (٦)
وأجاز غير سيبويه أن تلحق الألف منادى خاليا من استغاثة وتعجب وندبة كقول امرأة لعمر بن أبي ربيعة: نظرت إلى كعبي فرأيت ملء العين وأمنيّة المتمنّي فصحت يا عمراه فقال: يا لبّيكاه. والأكثر كون ألف المندوب في الوقف متلوة بهاء ساكنة تسمى هاء السكت، وكذا ألف الاستغاثة والتعجب. وقد تثبت في الوصل مكسورة ومضمومة،
وقد تكلم على ذلك في غير الندبة. ومن لحاقها مضمومة في -
стр. 3557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الندبة قول الشاعر:
٣٤٨٩ - ألا يا عمرو عمراه ... وعمرو بن الزّبيراه (١)
ويعرض قلب ألف الندبة ياء أو واوا قبلها الهاء مقلبة على نحو ما وليتها سالمة.
وسنبين سبب انقلابها. وإن كان آخر المندوب وما أشبهه ألفا وهاء استغنى فيه عن ألف الندبة وهائها استثقالا لألف وهاء بعد ألف وهاء. فلا يقال في عبد الله:
يا عبد اللهاه، ولا في جهجاه: يا جهجاهاه لما فيه من الثقل. ولو كان موضع الهاء التي هي آخر الاسم همزة لم يمنع إيلاؤها ألف الندبة ولم تحذف إلّا عند الكوفيين فإنهم يقولون في ندبة حمراء علما: وا حمراه بحذف الهمزة والألف التي كانت قبلها. وعلى ذلك نبهت بقولي: (ولا تحذف همزة ذي ألف التأنيث الممدودة خلافا للكوفيين) (٢) انتهى.
[٤/ ٢٠٥] وقد عرفت اختياره مذهب يونس وما احتج به له. وقال يونس: لم تلحق ألف الندبة المضاف إليه إلا لكونه مع المضاف كالشيء الواحد (٣) قال:
وكذلك الصفة مع الموصوف هما كالشيء الواحد. وأجيب عن ذلك بأن الصفة ليست كالمضاف إليه لفصل التنوين بينهما بخلاف المضاف والمضاف إليه. وقد قال سيبويه: إن المضاف إليه من تمام الاسم الأول وهو بمنزلة التنوين والنعت منفصل من المنعوت إن شئت جئت به وإن شئت لم تجئ (٤).
قال الخليل: لو جاز إلحاق العلامة الصفة لجاز إلحاقها الخبر في وا زيد أنت الفارس البطلاه؛ لأن هذا غير نداء كما أن الصفة غير نداء، وليس هذا كقولك: واأمير المؤمنيناه (٥) والذي يراه يونس في هذه المسألة هو مذهب الكوفيين أيضا.
وذهب خلف الأحمر (٦) إلى أن ألف الندبة تلحق نعت أي في النداء نحو: يا أيها -
стр. 3558
[أحكام أخرى لألف الندبة]
قال ابن مالك: (يبدل من ألف النّدبة مجانس ما وليت من كسرة إضمار أو يائه أو ضمّته أو واوه.
وربّما حمل أمن اللّبس على الاستغناء بالفتحة والألف عن الكسرة والياء، وقبلها ياء بعد نون اسم [مثنّى] جائز خلافا للبصريّين. ولا تقلب بعد كسرة «فعال» ولا بعد كسرة إعراب، ولا يحرّك لأجلها تنوين بكسر ولا فتح. ولا يستغنى عنها بالفتحة خلافا للكوفيين في المسائل الأربع).
ــ
الرجلاه بناء على أن النعت هنا هو المقصود بالنداء فهو المنادى في الحقيقة (١). لكن الجماعة على خلافه. ثم قد عرفت ما ذكره المصنف من أن الهاء قد ثبتت وصلا مكسورة أو مضمومة، لكن مذهب سيبويه والأكثرين أنه لا يجوز ذلك (٢)، وأجاز ذلك الفراء (٣).
ومذهب البصريين أن ما فيه الإثبات وصلا [فهو] من إجراء الوصل مجرى الوقف الذي لا يجوز إلّا في الضرورة.
قال الشيخ: الذي منعه المصنف من يا عبد اللاهاه صرح أصحابنا بخلافه.
قال: وقواعد باب الندبة وإطلاق النحاة في نداء الأعلام يجيز ذلك فيحتاج في المنع إلى دليل واضح (٤).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٥): إذا كان آخر المندوب علامة إضمار مكسورة أو مضمومة حوفظ على الكسرة والضمة وجعل بدل ألف الندبة ياء بعد الكسرة وواوا بعد الضمة فيقال في ندبة غلامك: وا غلامكيه، وفي ندبة أنت أو فعلت علما: واأنتيه ووافعلتيه، ويقال في ندبة غلامه أو غلامهم: وا غلامهوه ووا غلامهموه ويقال في
ندبة مسمى بفعلت: وا فعلتوه، ويقال في المسمى بقومي وقاموا:
وا قوميه، ووا قاموه، وروعي في هذه الأمثلة وأشباهها جانب ما قبل الألف ليؤمن -
стр. 3559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللبس؛ إذ لو قيل: وا غلامكاه، ووا أنتاه، ووا فعلتاه مراعاة لجانب الألف لجهل التأنيث المدلول عليه بالكسرة، ولو قيل: وا غلامهاه، ووا غلامهماه، ووا فعلتاه لجهل المعنى المدلول عليه بالضمة. ولو قيل في قومي وقاموا: وا قوماه ووا قاماه لجهلت الحكاية.
ونبهت بقولي: (وربّما حمل أمن اللبس على الاستغناء بالفتحة والألف عن الكسرة والياء) على قول ابن أبي ربيعة للمرأة التي قالت له: يا عمراه، فقال هو:
يا لبّيكاه، ولم يقل يا لبيكيه؛ لأمن اللبس.
والبصريون يلتزمون فتح نون التثنية في ندبة المثنى فيقولون: يا زيداناه والكوفيون يجيزون هذا، ويجيزون أيضا أن يقال: يا زيدانيه وهو عندي أولى من الفتح وسلامة الألف لوجهين أحدهما: أن في الفتح وسلامة الألف إيهام أن اللفظ ليس لفظ تثنية وإنما هو من الأعلام المختتمة بألف ونون مزيدتين كسلمان ومروان. الثاني:
أن أبا حاتم حكى أن العرب يقولون في ندائهن مثنّى: يا هنانيه (١) ولم يحك يا هناناه. والقياس إنما يكون على ما سمع لا على ما لم يسمع.
وأجاز الكوفيون أن يقال: يا رقاشية، ويا عبد الملكية، ويا غلام زيدنيه، ويا زيدناه، وأن يقال: يا عمر استغناء بالفتحة عن الألف، وما رواه حسن لو عضّده سماع، لكن السماع فيه لم يثبت فكان الأخذ به ضعيفا (٢). انتهى.
وليعلم أن الياء في وا قوميه بدل من ألف الندبة؛ لأن ياء الضمير - أعني ضمير المخاطبة بالقيام - حذفت لالتقائها ساكنة مع الألف، ثم أبدلت ألف الندبة ياء لانكسار ما قبلها، وكذا الواو في: وا قاموه بدل من ألف الندبة أيضا؛ لأن الواو التي هي ضمير حذفت لسكونها قبل ألف الندبة، ثم أبدلت الألف واوا لانضمام ما قبلها.
* * *
стр. 3560
الباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداء (١)
[ذكرها وما يتعلّق بها من أحكام]
قال ابن مالك: (وهي «فل» و «فلة» و «مكرمان» و «ملأمان» و «ملأم» و «لؤمان» و «نومان» والمعدول إلى «فعل» في سبّ المذكّر وإلى «فعال» مبنيّا على الكسر في سبّ المؤنّث، وهو والّذي بمعنى الأمر مقيسان في الثّلاثي المجرّد وفاقا لسيبوبه. وقد يقال: رجل مكرمان وملأمان، وامرأة ملأمانة ونحو: «أمسك فلانا عن فل»، و «قعيدته لكاع» من الضّرورات).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): يقال في النداء: يا فل للرجل، ويا فلة للمرأة بمعنى يا فلان ويا فلانة وهما الأصل. ولا يستعملان منقوصين في غير نداء إلّا في ضرورة كقول الراجز:
٣٤٩٠ - في لجّة أمسك فلانا عن فل (٣)
ويقال أيضا في نداء العزيز الكريم: يا مكرمان وفي نداء ضده يا ملأمان، ويا ملأم ويا لؤمان. ويقال في نداء الكثير النوم: يا نومان، والمشهور أن لا يستعمل شيء من هذه الخمسة في غير نداء، وكذلك المعدول في سب الذكور إلى فعل نحو: يا غدر ويا فسق ويا خبث، وكذلك المعدول في سب الإناث إلى فعال نحو:
يا غدار ويا فساق ويا خباث.
وهذا الثاني وموازنة [٤/ ٢٠٦] الدال على الأمر كنزال وتراك ومناع لا يقتصر فيهما على السماع، بل يصاغان من كل فعل ثلاثي مجرد قياسا فيقال: يا لأم ويا نحاس ويا قذار بمعنى لئيمة ونحسة وقذرة، وكذلك ما أشبهها إذا كان الفعل ثلاثيّا -
стр. 3561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مجردا من الزيادة، وكذا الأمر فتقول: جلاس وقوام ونطاق بمعنى اجلس وقم وانطق، فلو كان الفعل ثلاثيّ الأصول وليس مجردا من الزيادة كأكرم لم يبن منه فعال إلا بسماع كدراك بمعنى أدرك فهذا شاذ، لا يقاس عليه. ومن فعال الذي حقه الاختصاص بالنداء لكاع، وقد استعمل في الضرورة غير منادى كقول الشاعر:
٣٤٩١ - أطوّف ما أطوّف ثمّ آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع (١)
وروى ابن سيده أنه يقال: رجل مكرمان وملأمان وامرأة ملأمانة (٢)، والمشهور اختصاص مكرمان وملأمان بالنداء. انتهى (٣).
ثم إنني أشير إلى أمور:
أحدها: أنك عرفت من كلام المصنف أن فل وفلة بمعنى فلان وفلانة، وهو قد قال في باب العلم: وكنوا بفلان وفلانة عن نحو: زيد وهند (٤). بمعنى أنهما كنايتان عن علم من يعقل. وصرح هنا بأن فلانا وفلانة هما الأصل، يعني أنهما أصل فل وفلة.
وكلام ابن عصفور يوافقه في أنهما - أعني فل وفلة - كنايتان عن علم من يعقل، ويخالفه في أن أصلهما فلان وفلانة فإنه قال:
وأما فل فهو كناية عن علم ولا يستعمل أبدا إلّا في النداء إلّا في ضرورة الشعر كقوله:
٣٤٩٢ - في لجّة أمسك فلانا عن فل
وتقول للمؤنث يا فلة، واختلف فيه النحويون، فمذهب الفراء أنه مرخم من فلان (٥) ومذهب سيبويه أنه غير مرخم وإنما هو اسم مختص بالنداء (٦) وهو -
стр. 3562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصحيح، ومذهب الفراء باطل؛ لأن أقل ما يبقى عليه الاسم بعد الترخيم ثلاثة أحرف .. فلو كان ترخيم فلان لقيل: يا فلا ولجاء على أصله في بعض المواضع فكان يقال: يا فلان (١).
وذكر الشيخ عن صاحب البسيط أنه ذهب إلى ما ذهبنا إليه من أنه كناية عن العلم في النداء كما أن فلانا كناية عن العلم قبل النداء. ثم قال الشيخ: وهؤلاء بمعزل عن كلام سيبويه ومذهبه وذلك أن قولك: يا فل ويا فلة ليسا كناية عن العلم بل هما كناية عن قولك: يا رجل ويا امرأة، فهما كناية عن نكرة من يعقل من جنس الإنسان (٢).
قال: وفل مما حذف منه حرف وبقي على حرفين بمنزلة «دم» وليس أصله فلانا؛ إذ ليس أحد يقول: يا فلا أقبل، وإذا عنوا امرأة قالوا: يا فلة. وهذا الاسم اختص بالنداء وبنى على حرفين؛ لأنه موضع تخفيف ولا يكون إلّا كناية لمنادى نحو: يا هناه ومعناه يا رجل. وأما فلان فكناية عن اسم يسمى به المحدّث عنه خاص غالب، وقد اضطر شاعر فبقاه على حرفين في هذا الموضوع قال: في لجّة أمسك فلانا عن فل. هذا ملخص كلام سيبويه في هذه المسألة (٣).
ولذلك لو سمي «بفل» المختص بالنداء ثم صغّر لقيل: فلي بجعله من باب دم لأن أصله فلان فتردّ النون؛ لأنه ليس محذوفا من فلان؛ إذ المعنى ليس المعنى ولا المادة، فحمله على الأكثر وهو أن تكون لامه المحذوفة حرف علة وليس بترخيم فلان. والحاصل أن تركيب فل: (فـ لـ ي)، وتركيب فلان: (فـ لـ ن)، ولما اضطر الشاعر وحذف من فلان وصيره في الشعر بلفظ فل الذي في النداء ذكر سيبويه فيه أن أصله فلان فلم يكن فل المختص بالنداء هو الذي في الرجز عند سيبويه (٤) قال: وكأن المصنف وابن عصفور وقفا على كلام سيبويه في باب التصغير حيث قال في الباب المذكور في باب ما ذهبت لامه: ومن ذلك فل، -
стр. 3563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقول: فلين، وقولهم: فلان دليل على أن ما ذهب اللام وأنها نون. وفل وفلان معناهما واحد، قال أبو النجم:
٣٤٩٣ - في لجّة أمسك فلانا عن فل (١).
قال (٢): فإنما يعني سيبويه فلا الذي هو بمعنى فلان؛ ولذلك قال: ومعناهما واحد، ثم أنشد قول أبي النجم شاهدا على أن معناهما واحد، ولم يتعرض هنا لفل المختص بالنداء؛ لأن معناه غير معنى فلان وقد أوضح ذلك في باب الترخيم (٣).
فابن مالك وابن عصفور لم يقفا على ما ذكره في باب الترخيم من الفرق بينهما.
ثانيها: أن الكلمات التي ذكرها المصنف في هذا الفصل تسع، وهي: فل وفلة ومكرمان وملأمان وملأم ولؤمان ونومان والمعدول إلى فعل في سبّ الذكور والمعدول إلى فعال في سب الإناث، وذكر أن المقيس منها فعال، لا غير، فدل على أن باقي الكلمات التي ذكرها موقوفة على السماع، لكن ذكر ابن عصفور أن المقيس منها ثلاث كلمات، قال: «وهي ما عدل إلى فعال أو فعل أو (مفعلان) (٤). ودل كلامه على أن مفعلان معدول أيضا كفعال وفعل فعلى ما قاله يكون الموقوف على السماع مما ذكره المصنف خمس كلمات لا غير، وهي: فل، وفلة، وملأم، ولؤمان، ونومان».
ثم إن المغاربة كابن عصفور وغيره ذكروا من الموقوف على السماع كلمات أخر، وهي: اللهم، ويا هناه، ويا أبت، ويا أمت (٥). والحق: أن ذكر هذه الكلمات غير محتاج إليه؛ أما اللهم: فلا يقال إنه مختصّ بالنداء، بل يقال إن حرف النداء يجوز أن يباشر الاسم المعظم، ثم إنه يجوز حذفه ويعوض عنه الميم المشددة في الآخر ويلزم من هذا أن اللهم لا يستعمل إلا في النداء، فهذا اللزوم إنما هو من هذه الحيثية، لا أن الاسم مخصوص بالنداء في أول وضعه وأيضا فإن الميم عوض عن حرف النداء.
فقولنا: اللهم بمنزلة قولنا: يا لله فاللهم منادى كما أن «الله» منادى، وإذا كان -
стр. 3564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كذلك فلا يقال [٤/ ٢٠٧] في المنادى إنه مختص بالنداء.
وأما أبت وأمت فالأصل فيهما أبي وأمي، وفي النداء يجوز أن يعوض عن الياء التاء فالتاء إنما جاءت في الاسم
بعد أن نودي فلزم أن أبت لا يكون إلّا في النداء من هذه الجهة لا أن أبت اختص بالنداء من الأصل.
وأما هناه فلم يظهر فيه كونه مختصّا بالنداء؛ لأن هذه الكلمة تستعمل في غير النداء، وذلك أن هنا كنية عن الشيء لا تذكره باسمه.
ثالثها: قد عرفت أن المصنف لم يذكر بزنة مفعلان سوى مكرمان، وملأمان، وأنه غير منقاس عنده، وأن ابن عصفور ذكر أنه يقاس عليه فيقال: يا مكذبان ويا مخبثان، وإذا أريد المؤنث قيل: يا مخبثانة (١). وقال بعضهم: وأما مفعلان فالذي جاء منه مكرمان، وملأمان، ومخبثان، ومكذبان، وملكعان، ومطنبان.
وهذا يدفع قول ابن عصفور، ويقوّي قول المصنف أنه غير مقيس، ومنهم من خصّ مفعلان بالذمّ وليس بصحيح فقد جاء مكرمان .. قالوا: وذكره سيبويه، ولم ينص على الذم فيه (٢). وقد عرفت أيضا أن المصنف لا يرى القياس في فعل أيضا، وأن ابن عصفور يخالف فيقيس عليه (٣).
وقد نقل الشيخ عن بعض النحاة أنه قال: المسموع فيه يا لكع، يا فسق، يا خبث، يا غدر (٤).
وهذا يعضد قول المصنف: ولكع معدول عن اللكع، وهو اللئيم الأصل، وفسق عن فاسق، وخبث عن خبيث، وغدر عن غادر، لكن قال: إنها كلها معدولة عن معارف. ولم أتحقق ذلك.
ثم لا يتوهم في ما ورد في الحديث: «لا تقوم السّاعة حتّى يلي أمر النّاس لكع بن لكع» (٥).
أنه من هذا الذي نحن فيه، أعني من فعل المخصوص بالنداء؛ لأنه ليس بمعدول. -
стр. 3565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالوا: لأنه مصروف فهو وصف كحطم. وأما قول بعضهم:
٣٤٩٤ - يدعوه سرّا وإعلانا ليرزقه ... شهادة بيدي ملحادة غدر (١)
فاستعمل في غير النداء للضرورة كان معرفة في النداء فنقل إلى الصفة فصار نكرة لخروجه عن الإشارة فنعت به
ولحق برجل حطم، ومال لبد.
رابعها: قال الشيخ: في قول المصنف: وهو والذي بمعنى الأمر مقيسان وفاقا لسيبويه إشعار بأن الخلاف فيهما (٢). قال: ولا نعلم خلافا في اقتباس فعال الذي في النداء في سبّ الأنثى. وأما الذي بمعنى الأمر فخالف فيه المبرد وزعم أنه موقوف على السماع (٣)، ثم قال: وأهمل المصنف قيدين آخرين في جواز بناء فعال بمعنى الأمر: أن يكون الثلاثي المجرد تامّا فلا يجوز في الناقص، لا يقال كوان منطلقا، ولا بيات ساهرا بمعنى كن منطلقا وبت ساهرا، وأن يكون متصرفا فلا يجوز: وذار زيدا، ولا وداع عمرا بمعنى ذر زيدا، ودع عمرا (٤) انتهى.
وفي هذا الثاني نظر؛ لأن عدم تصرف الفعل مانع أن يبنى منه فعال؛ لأن ذلك تصرف.
خامسها: أنك تعرف من قول المصنف مشيرا إلى فعال مبنيّا على الكسر أن فعلان وفعل يبنيان على الضم؛ لأنهما معربان فيعطيان ما للمنادى. لكن الظاهر أن الضمّ منوي في فعال كما تقول: إنه ينوي في نحو: [هؤلاء] إذا نودي. وعلى هذا فإذا أتبع نحو: يا فساق بتابع مفرد جاز فيه الرفع والنصب كغيره من توابع المنادى المفرد.
سادسها: قد ذكر المصنف عن ابن سيده أنه يقال: رجل مكرمان، وملأمان، وامرأة ملأمانة، فأورد هذه الألفاظ تابعة للنكرة لكن المنقول عن أبي حاتم السجستاني أنه ذكرها تابعة لمعرفة قال: يقال هذا زيد ملأمان وهذه هند ملأمانة غير مصروفين (٥)، -
стр. 3566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حكى ذلك عن العرب وزعم أن ذلك صفة (١). لكن ناقشه ابن عصفور، فقال:
ملأمان وملأمانة في هذا علمان لكونهما تابعين للعلم. ولهذا يمتنعان من الصرف للعلمية والزيادة في ملأمان والعلمية والتأنيث في ملأمانة. قال: والعلم لا يكون صفة للتنافي فلم يبق إلا أن تكون التبعية في هذا زيد ملأمان، وهذه هند ملأمانة على طريق البدل إلا أن ابن عصفور قال أيضا في هذا زيد ملأمان: فإن قيل: لعله صفة وامتنع من الصرف للزيادة والصفة. فالجواب: أن شرط منع الزيادة مع الوصف الصرف عدم قبول الكلمة تاء التأنيث
وملأمان يقبل بدليل ملأمانة فثبت أنه يعني ملأمان امتنع الصرف للعدل والعلمية» (٢) انتهى.
ويظهر أن القول في ملأمان بالعدل أقرب من القول بالعلمية.
ثم قال ابن عصفور: ولا يكون هذا على ما ذكره أبو حاتم ردّا لما ذهب إليه النحاة من [أن] هذه الكلمة مخصوصة بالنداء؛ لأن الذي يختص عندهم بالنداء إنما هو الصفة لما ذكرنا وهذا الذي حكاه أبو حاتم من قبيل الأسماء الأعلام (٣) انتهى.
ولا يخفى ما في كلامه من التدافع.
وقد قال ابن الضائع مشيرا إلى تفرقة ابن عصفور: هذه التفرقة فاسدة فإن الذي في النداء أيضا علم بدليل منع يا أيها المخبثان وكل نكرة تعرفت في النداء بالإقبال والخطاب يجوز نداؤها بأي. قال: وكذلك يقول النحاة في يا فسق [ويا فساق] إنهما علمان. نعم أصلهما الصفة وجعلا علمين مبالغة [فسقط هذا التفريق].
فينبغي أن يقال إن ملأمان ويا فسق ويا لكع كثير في النداء فهو مما اختص به عند أكثر العرب على ما روى الأئمة.
ورواية من رواها في غير النداء ليست ردّا على من ذهب [٤/ ٢٠٨] إلى أن ذلك لا يستعمل إلّا في النداء (٤) انتهى.
ومراده أن النحاة إنما أرادوا بقولهم: إن الكلمات المذكورة مختصة بالنداء، أن ذلك هو الكثير في لغة العرب ولا يمنع ذلك استعمالها في غير النداء على قلة. -
стр. 3567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم قال الشيخ: والذي يظهر أن دعوى العلمية في [يا فسق] ويا فساق بعيدة؛ لأن دلالتهما على معنى الفسق دلالة ظاهرة، وكذلك يا خبث ويا خباث دلالتهما على معنى الخبيث ظاهرة أيضا، والعلمية تذهب بمعنى الاشتقاق، ولا يلاحظ فيها شيء منه إذ يصير جزئيّا لا كليّا، وإنما امتنع أن يوصف بهما أي؛ لأن ذلك إخراج لهما عمّا وضعا عليه من الاختصاص بالنداء (١).
ثم قال: وأما ما ذكره المصنف من أنه يقال: رجل مكرمان، وملأمان، وامرأة ملأمانة فتتبع النكرة فلم يبيّن على أي وجه تبعته.
وعلى ما زعموا من العلمية يكون بدل معرفة من نكرة، ولا يجوز كونه صفة يعني بتقدير انتفاء العلمية؛ لأن التأنيث لا يمنع الصرف مع الصفة؛ ولأن الزيادة لا تمنع الصرف مع الصفة إلّا في فعلان ذي (فعلى) (٢). قال: والذي أذهب إليه في تخريج ما حكاه أبو حاتم من تبعية المعرفة وغيره من تبعية النكرة أنه أضمر فيه القول وحرف النداء. فقولهم: هذا زيد ملأمان، تقديره: هذا زيد المقول فيه أو المدعو يا ملأمان وكذا في المؤنث. وقولهم: رجل مكرمان وملأمان، تقديره:
مقول فيه أو مدعو: يا مكرمان ويا ملأمان.
قال: وكذا يقدر القول في قول الشاعر: قعيدته لكاع التقدير: قعيدته يقال لها أو تدعى يا لكاع (٣). انتهى. وهذا التخريج غير ظاهر فإن قائل: رجل مكرمان، أو ملأمان إنما يريد إثبات ذلك الوصف لمن أجرى عليه، وتقدير الشيخ يخرج الكلام عن هذا المراد.
* * *
стр. 3568
الباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادى (١)
[ما يرخم، وما لا يرخم]
قال ابن مالك: (يجوز ترخيم المنادى المبني إن كان مؤنّثا بالهاء مطلقا، أو علما زائدا على الثّلاثة بحذف عجزه إن كان مركّبا، ومع الألف إن كان «اثنا عشر» (أو) «اثنتا عشرة»، وإن كان مفردا فيحذف آخره مصحوبا إن لم يكن هاء تأنيث بما قبله من حرف لين ساكن زائد مسبوق بحركة تجانسه ظاهرة أو مقدّرة وبأكثر من حرفين، وإلّا فغير مصحوب، خلافا للفرّاء في نحو: «عماد» و «سعيد» و «ثمود»، وله وللجرمي في نحو: «فردوس» و «غرنيق». ولا يرخّم الثّلاثي المحرّك الوسط العاري من هاء التأنيث، خلافا للكوفيين إلّا الكسائي، ويجوز ترخيم الجملة، وفاقا لسيبويه).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): يستعمل لفظ الترخيم في التصغير كما يستعمل في النداء. والمرادان مختلفان؛ فلذلك قيدت هنا الترخيم بإضافته إلى المنادى. ولم أطلق فأقول باب الترخيم وقيدت المنادى المجوز
ترخيمه بكونه مبنيّا ليعلم أن المنادى المعرب لا يرخم فخرج المضاف والمضارع له والمستغاث. وأشرت بقولي: إن كان مؤنثا بالهاء مطلقا إلى أن ما فيه هاء التأنيث لا يشترط في ترخيمه علمية ولا زيادة على الثلاثة بل يرخم ما هي فيه وإن كان ثنائيّا بدونها غير علم.
ومن ذلك قول بعض العرب: يا شا ارجني، يريد يا شاة أقيمي ولا تسرحي.
وقيدت العاري من هاء التأنيث بالعلمية ليخرج ما ليس علما كاسم الجنس والموصول واسم الإشارة. وقيدته بالزيادة على الثلاثة ليخرج الثلاثي المجرد كبكر وزفر. ثم -
стр. 3569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بينت ما يحذف من العلم في الترخيم فقلت: يحذف عجزه إن كان مركبا فتناول ذلك المركب بمزج كحضرموت وسيبويه وخمسة عشر فيقال: يا حضر ويا سيب ويا خمسة في المسمى بخمسة عشر، وكذلك ما أشبهها وتناول ذلك أيضا المركب بإسناد كتأبط شرّا.
وأكثر النحويين يمنعون ترخيمه؛ لأن سيبويه منع ترخيمه في باب الترخيم (١) ونص في باب النسب على أن من العرب من يرخمه فيقول في تأبط شرّا: يا تأبط، ورتب على ترخيمه النسب إليه (٢) ولم يتناول المضاف ولا المضارع له كثلاثين رجلا علما؛ لأنهما معربان. وقد تقدم أن المرخم لا يكون إلا مبنيّا ولو كان العلم المركب اثنا عشر أو اثنتا عشرة ورخم حذفت الألف مع العجز؛ لأنه واقع موقع نون اثنان واثنتان فقيل: يا اثن ويا اثنت كما يقال في ترخيمهما لو لم يركبا.
وإن كان العلم مفردا وفيه هاء التأنيث رخم بحذفها وحدها، وسواء في ذلك القليل الحروف والكثيرها والمزيد فيه قبلها وما ليس كذلك، فيقال في: ثبة وسفرجلة ومرجانة وهيجمانة أعلاما: يا ثب ويا سفرجل ويا مرجان ويا هيجمان. وإن عرى العلم المفرد من هاء التأنيث خماسيّا فصاعدا وقبل آخره حرف لين ساكن زائد مسبوق بحركة مجانسة فترخيمه بحذف آخره وحذف حرف اللين المذكور، وسواء في ذلك ما آخره زائد وما آخره أصل فيقال
في مروان وعفراء وجعفر وعرفات ويعقوب وإدريس وإسحاق: يا مرو ويا عفر ويا جعف (و) يا عرف ويا يعق ويا إدر ويا إسح، فلو كان الذي قبل آخره حرف اللين المقيد رباعيّا كعماد وسعيد وثمود؛ اقتصر على حذف الآخر فقيل: يا عما ويا سعى ويا ثمو، وكذا إن كان حرف اللين متحركا كمسرول، أو ساكنا مبدلا من أصل كمختار، أو مسبوقا بحركة غير مجانسة كفردوس وغرنيق؛ فلا يحذف من هذه وأمثالها إلّا الأواخر فيقال: يا مسرو، ويا مختا ويا فردو، ويا غرني. فإن كانت الحركة غير مجانسة ولكنها متلوة بمجانسة مقدرة كمصطفون علما؛ فالحكم كالحكم مع المجانسة [٤/ ٢٠٩] المنطوق بها. وأجاز الفراء أن يقال في عماد وسعيد وثمود: يا عما ويا سعي ويا ثمو، ويا عم ويا سع ويا ثم (٣). وأجاز هو -
стр. 3570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجرمي أن يقال في فردوس وغرنيق: يا فرد ويا غرن فيعاملان معاملة حرف اللين الساكن الزائد بعد متحرك بفتحة متصلة لفظا وتقديرا معاملته بعد متحرك بحركة مجانسة. وأجاز الفراء أيضا ترخيم الثلاثي في العاري من هاء التأنيث إن كان ثانيه متحركا كأسد وسبع ونمر وزفر (١). انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢).
واعلم أن الأئمة ذكروا أن أصل تصريف ر خ م في لغة العرب القطع والحذف، ومنه قولهم في صفة صوت المرأة وكلامها: رخيم. قال ذو الرمة:
٣٤٩٥ - لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر (٣)
فمن هنا وضع أهل هذه الصناعة اللقب لهذا الضرب من الحذف في أواخر الأسماء في النداء، وكذا يقال في ضرب من التصغير يحذفون فيه جميع زوائد المصغر تصغير الترخيم. والغرض من الترخيم التخفيف؛ لأن الصوت الرخيم هو تقطيع في الصوت يستخف فيستحسن، فحقيقة الترخيم تسهيل اللفظ بالحذف.
قال سيبويه: وإنما كان ذلك في النداء لكثرته في كلامهم، يحذفون ذلك كما حذفوا التنوين وكما حذفوا الياء من يا قومي في النداء (٤) على سبيل الجواز لا الوجوب.
ثم الكلام ها هنا في أمور:
منها: أن المندوب والمستغاث لا يرخمان نص النحاة على ذلك (٥)؛ لأن امتداد الصوت مطلوب فيهما والترخيم
ينقص امتداد الصوت. وأما قول المصنف أن المستغاث خرج بقوله المبني؛ فصحيح لكن إنما يتم له ذلك إذا كان المستغاث مقرونا باللام وقد لا يقرن بها فيكون مبنيّا كقولك: يا جعفر لخالد.
قال الشيخ:
كان ينبغي أن يقيد بأن لا يكون المنادى مما لازم النداء ولم يستعمل في غيره نحو -
стр. 3571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يا مكرمان ويا خباث إذا قلنا أن تلك الأسماء أعلام فإن ترخيمها لا يجوز (١).
وفي ما قاله الشيخ نظر.
أما أولا: فلأنه هو قد استبعد العلمية فيها كما تقدم (٢)، ومقتضى ذلك عدم الاعتراف بعلميتها.
وأما ثانيا: فلأن الألفاظ المذكورة غالبها موقوف على السماع. ولا شك أن المسموع لا يتجاوز فيه ما قالته العرب.
ومنها: أن الجماعة - أعني المغاربة - قيدوا المبني الذي يرخم بأن يكون مبنيّا بسبب النداء فلا يرخم نحو: حذام. وعللوا ذلك بأن الحادث بناؤه حصل فيه تغيير، والتغيير يأنس بالتغيير، وقد صرح ابن عصفور بذكر هذه المسألة في شرح الجمل (٣) وفي المقرب (٤). وعلى هذا فنحو هؤلاء لا يرخم أيضا لعدم حدوث بنائه.
ومنها: أنك قد عرفت أن ما فيه هاء التأنيث لا يشترط في ترخيمه علمية ولا زيادة على الثلاثة، بل يجوز ترخيمه مطلقا. وإنما كان ذلك لأن التأنيث لثقله يقتضي التخفيف فلم يحتج معه إلى اشتراط علمية ولا إلى كثرة حروف الكلمة.
وذكر الشيخ في شرحه عن المبرد أنه يشترط في المؤنث بالهاء العلمية. وسيبويه والجمهور مخالفون له في ذلك؛ فإن ترخيم النكرة المقصودة قد ورد في كلام العرب من ذلك قولهم: يا شا ارجني، أي يا شاه (٥). وقال
الشاعر:
٣٤٩٦ - فمنهنّ أن لا تجمع الدهر تلعة ... بيوتا لنا يا تلع سيلك غائض (٦)
وقال آخر:
٣٤٩٧ - جاري لا تستنكري عذيري ... سيري وإشفاقي على بعيري (٧)
وقال آخر: -
стр. 3572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٤٩٨ - يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا (١)
وقال آخر:
٣٤٩٩ - يا نعج إن اهتديت لي اهتديت لك (٢)
وقال آخر:
٣٥٠٠ - كعود بن شماس رسح سعره ... إلى اسدي يا مني وأسجح (٣)
أي يا تلعة ويا جارية ويا ناقة (ويا نعجة) (٤) ويا منية، على أن الشيخ نقل أيضا عن صاحب البديع أنه قال: المبرد يجيز ترخيم النكرة المقصودة (٥)، فعلى هذا يكون قول المبرد موافقا للجماعة في إجازة ذلك. وهذا هو الظاهر. وقال الشيخ:
ويرد على المصنف؛ فله التي في النداء، فإنه لا يجوز ترخيمه وإن كان منادى مبنيّا مؤنثا بالهاء (٦) قال: فقوله: مطلقا ينبغي أن يقيده بأن لا يكون مما لازم النداء. نعم في كلام المصنف شيء وهو أن المؤنث بالهاء إنما يرخم
بحذفها فقط ولا يحذف معها من الكلمة شيء آخر. وهو وإن ذكر ذلك إنما ذكر في قسم العلم حيث قال بعد قوله: أو علما كذا وكذا إلى أن قال: فيحذف آخره مصحوبا إن لم يكن هاء تأنيث بما قبله، أما إذا كان المؤنث بالهاء نكرة مقصودة فالحكم كذلك إلّا أنه لا يعرف ذلك من كلام المصنف لا في المتن ولا في الشرح.
ومنها: أن العلمية انما اشترطت فيما لم يكن فيه هاء التأنيث؛ لأن العلم كثر نداؤه فناسب أن يخفف ولأن الأعلام يدخلها التغيير كثيرا كما ذكر في محبب وحيوة ومكوزة وغيرها والترخيم فيه تغيير. ولا التفات إلى قول من أجاز من النحاة ترخيم المنادى المقصود معلّلا ذلك بأنه في معنى المعرفة.
ثم إنك قد عرفت أن العلم المرخم إن كان مركبا فترخيمه بحذف عجزه وتحذف -
стр. 3573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الألف مع العجز إن كان اثنا عشر (أو) اثنتا عشرة، وأن المركب يتناول المركب بمزج والمركب بإسناد. قال الشيخ: ودعوى المصنف أن اثنا عشر من العلم المركب ليس بمحرر؛ لأنه لو كان مركبا لكان آخر الاسم الأول غير معرب دائما، بل هذا نظير: يا زيدان بني علي الألف حالة النداء خاصة، لكنه وقع موقع النون فبني دون الصدر [٤/ ٢١٠] فلما عاقب النون أجرى مجرى ما عاقبه وحذف مع الألف كما تحذف الألف في نحو: يا زيدان إذا رخمت، وقال أيضا: الذي أذهب اليه أنه لا يجوز ترخيم المركب تركيب المزج. أما على لغة البناء: فلأن المبني لا بسبب النداء لا يرخم كحذام، وأما على لغة من يضيف الأول إلى الثاني فلأن المنادى المضاف لا يرخم أيضا، وأما على اللغة الثالثة وهي إعرابه إعراب ما لا ينصرف قال: فينبغي ألّا يجوز ترخيمه؛ لأن العرب لم يحفظ عنها ترخيمه في شيء من كلامهم (١). انتهى.
وأقول: أما قوله إن اثنا عشر غير مركب؛ فغير ظاهر. ويدل على التركيب بناء العجز منه.
وأما كون الأول معربا؛ فإنما كان ذلك لأمر وهو وقوع ما بعده موقع النون فالصدر مستحق البناء للتركيب، لكن
عارض البناء الأمر الذي ذكر فأعرب مع بقاء التركيب، ولا شك أن الكلمتين المنضم إحداهما إلى الأخرى لا بد بينهما (من) ارتباط إما بإسناد أو إضافة أو مزج، ولا إسناد ولا إضافة بين صدر اثنا عشر وعجزه؛ فتعين أن يكون مزجا وإذا كان مزجا فكيف ينفى عنه التركيب.
وأما قوله: إنه لم يرد من لسان العرب ترخيم المركب تركيب المزج إذا أعرب اعراب ما لا ينصرف، فليس عدم وروده بدافع للحكم بحذف عجزه إذا رخم فالمصنف ذكر ما تقتضيه القواعد النحوية، أما كونه سمع أو لم يسمع فذاك أمر آخر.
والعجب أن الشيخ ذكر ترخيم المركب وأن البصريين مجمعون على جواز ترخيمه بحذف الثاني، سواء أكان مثل: حضرموت، أم خمسة عشر، أم سيبويه، وأن أكثر الكوفيين يمنعون ترخيمه. ثم ذكر أن البصريين يجوزونه على اللغتين، أي لغة من ينتظر ومن لا ينتظر. -
стр. 3574
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأطال الكلام في ذكر الخلاف عن بعضهم في كيفية النطق بما يبقى بعد الحذف ونحو ذلك (١). إلا أني تركت إيراده خشية الإطالة، ولأن ما ذكره من ذلك خلاف ما عليه الجمهور. وأما قول المصنف:
وإن كان مفردا فيحذف آخره إلى قوله وبأكثر من حرفين فقد عرفت مراده من شرحه لذلك، وقد سلك أبو الحسن ابن عصفور في إيراد ما ذكره المصنف طريقا غير ذلك فقال: إما أن يكون في آخر الاسم زيادتان زيدتا معا (أو يكون قبل آخره حرف مد ولين، أو لا يكون شيء من ذلك، فإن كان في آخره زيادتان زيدتا معا حذفتهما تقول: يا سلم ويا عمرو ويا مرو في سلمان وعمران ومروان. وإن كان قبل آخره حرف مد ولين حذفته مع الآخر كقولك: يا منص ويا عمّ ويا محض في منصور وعمار ومحضير. ومن المعلوم أن هذا الحذف مشروط بأن يبقى بعد الحذف ثلاثة أحرف، فإن لم يكن شيء من ذلك اقتصر على حذف الآخر كقولك: يا فرزد ويا جعف ويا هرق في فرزدق وجعفر وهرقل. والترخيم جائز على اللغتين أعني لغة من ينتظر (ولغة من لا ينتظر) وخالف الفراء في ما قبل آخره ساكن كهرقل فقال: إن رخمته على لغة من لم ينو قلت: يا هرق وإن رخمته على لغة من ينوي قلت: يا هر. قال: لأنه إذا بقي على ثلاثة أحرف آخرها ساكن أشبه الأدوات، ورد ذلك بأنه يؤدي إلى بقاء الاسم المعرب على حرفين، وذلك لم يسمع من كلام العرب (٢). هكذا قال ابن عصفور.
وفي هذا الرد نظر؛ لأن العرب قد سمع عنهم أسماء كثيرة حذف منها حرف وبقى حرفان كيد ودم وغد ونحو
ذلك. وأما قول الفراء أنه بذلك يشبة الأدوات فالجواب عنه: إن هذا إنما هو على لغة من نوى المحذوف وإذا كان المحذوف منويّا فهو في حكم الموجود. ويظهر أن الطريق الذي سلكه المصنف أولى من الطريق الذي سلكه ابن عصفور.
فإنه يرد على ابن عصفور نحو مختار ومنقاد فإن الألف منهما لا تحذف في الترخيم، وعبارته شاملة لهما؛ لأنه أوجب ما قبل الآخر إذا كان حرف مد ولين -
стр. 3575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يقيد ذلك بالزيادة كما فعل المصنف، ثم إن مصطفون علما قد لا يدخل تحت عبارته أيضا، لأن الواو ليست حرف مد ولين مع أنها تحذف إلّا أن يقول هي في الأصل حرف مد ولين، والإعلال التصريفي وإن أخرجها عن ذلك صورة لا يخرجها حكما. وقد شملت عبارة المصنف أعني قوله: بما قبله من حرف لين ساكن زائد إلى آخره: ما ختم بعلامة تثنية أو جمعي صحيح أو ياء نسب أو بواو وتاء كملكوت ورغبوت مما سمي به من ذلك، وسواء أعرب المثنى وجمع المذكر بالحركات أم بالحروف. ولا يخفى أنه لو سمي بنحو: يدان وبنون وجعلا علمين ورخما في النداء لا يحذف من كل منهما إلا حرف واحد للقاعدة التي عرفتها.
وفي شرح الشيخ أن الكوفيين يمنعون من ترخيم ما سمي به من مثنى أو مجموع على حد التثنية (١)، وأما شواهد الحذف فقول الشاعر:
٣٥٠١ - يا مرو إنّ مطيّتي محبوسة ... ترجو الحباء وربّها لم ييأس (٢)
أي: يا مروان، وقول الآخر:
٣٥٠٢ - يا نعم هل تحلف لا تدينها (٣)
يريد يا نعمان، وقول الآخر:
٣٥٠٣ - يا أسم صبرا على ما كان من قدر ... إنّ الحوادث ملقيّ ومنتظر (٤)
وقول الآخر:
٣٥٠٤ - قفي فانظري يا أسم هل تعرفينه ... أهذا المغيري الذي كان يذكر (٥)
واعلم أن الشيخ بعد إنشاده هذا البيت؛ أعني قوله قفي فانظري يا أسم (٦) قال: -