← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثاني لا يظهر أن فيه إقحاما ولا يتصور الإقحام فيه إلّا على الوجه الذي ذكره المصنف، وهو أن يقدر الاسم عاريا من التاء مع أنها ثانية فيه. لكن الشيخ بعد أن ذكر ما ذكره ابن عصفور قال: ولا يكون ذلك الإقحام إلا على لغة من ينتظر فقط. فلذلك اضطربوا في هذه التاء، فمن رأى أن الإقحام هو إدخال الشيء بين شيئين قال: إنها مقحمة بين الحرف الذي هو آخر المرخم وبين حركته، ومن رأى أن الإقحام هو الداخل في غير موضعه قال: إنها زائدة في آخر الاسم (١). وقال في الارتشاف له: وإذا رخمت ما فيه التاء من الأعلام نحو طلحة وعائشة جاز على اللغتين فتقول يا طلح، ويا طلح ومن لم يرخم بناه على الضم كالأسماء المفردة غيره. ومنهم من فتح التاء فقال: يا طلحة قال الشاعر: ٣٥٣٠ - كليني لهمّ أميمة ناصب وللنحاة كلام كثير في هذه الفتحة وهل هو مرخم، أو غير مرخم. فذهب بعضهم إلى أنه نصب المنادى على أصله ولم ينونه؛ لأنه غير منصرف، وهذا الذي اخترناه، وذهب بعضهم إلى أنه بناه على الفتح؛ لأنها حركة تشاكل حركة إعرابه لو أعرب فجرى مجرى: لا رجل في الدار، وأنشد هذا القائل. ٣٥٣١ - يا ريح من نحو الشّمال هبّي (٢) بالفتح وذهب الأكثرون إلى أنه أقحم التاء مفتوحة. ولأبي عليّ قولان: أحدهما: أن التاء زيدت وحرّكت بالفتح إتباعا لحركة الحاء - يعني في طلحة - لأن الحاء حشو الكلمة وحركتها لازمة فأتبع حركة الآخر حركة الأول وهو عكس يا زيد بن عمرو. والثاني: أنهم زادوا التاء بين الحاء وفتحتها، فالفتحة التي في التاء فتحة الحاء، ثم فتحت الحاء إتباعا لحركة التاء (٣). -

стр. 3607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أنك قد عرفت معنى قول المصنف مشيرا إلى التاء المحذوفة من المرخم، ولا يستغنى غالبا في الوقف على المرخم بحذفها عن إعادتها أو تعويض ألف منها، حيث جعل الوقف على المرخم المذكور دون إعادة الهاء، أو التعويض عنها قليلا. وكلام ابن عصفور المتقدم ذكرنا له موافق له في ذلك حيث قال: وبعض العرب يقف بالسكون، لكنّه في شرح الجمل قال: إنك تقول في عائشة: إذا رخمت: يا عائش أقبلي فإن وقفت قلت: يا عائشة، ولا بد من الهاء؛ لأنهم قد عزموا على حذف التاء، وهي حرف معنى فكرهوا أن يذهب بالجملة فعوضوا في الوقف. ولا يجوز عدم التعويض إلّا في ضرورة شعر (١) قال: ولا يجوز أن يعوض منها الألف إلا في القوافي كقوله: ٣٥٣٢ - وما عهد كعهدك يا أماما (٢) وقول الآخر: ٣٥٣٣ - قفي قبل التّفرّق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا (٣) وبعد نقل الشيخ عن ابن عصفور أنه لا يجوز أن يوقف بغير هاء إلّا في ما سمع حكى سيبويه عن العرب: يا حرمل يريد يا حرملة، ولا يقاس عليه (٤). قال: - أعني الشيخ -: والذي يدل عليه كلام سيبويه أن أكثر العرب يلتزمون الوقف بالهاء، وأن منهم من يقف بغير هاء وشبهه سيبويه بارم، وارم الأكثر في الوقف عليه بالهاء، ومن العرب من يقف عليه بالسكون. وما حكاه سيبويه ليس في ضرورة شعر فيقتضي أن لا يقاس عليه، بل يجوز (القياس) عليه لكنه قليل، وتشبيهه بارم يقتضي أن يقاس عليه. انتهى (٥). -

стр. 3608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم إن المصنف حكم بأن الهاء التي أتي بها في الوقف هي تاء التأنيث التي كانت وحذفت للترخيم، وقد رأيت من كلام ابن عصفور أن من النحاة من قال بما قال المصنف، وأن منهم من يقول: إنها الهاء اللاحقة لبيان الحركة، يعني أنها هاء السكت، قال الشيخ مشيرا إلى هذا القول الثاني: هذا ظاهر كلام سيبويه (١)، وقال - أعني الشيخ - في القول الأول: ومحصول هذا القول أن الترخيم لا يكون إلا في الوصل، فإذا وقفوا فلا ترخيم (٢) انتهى. وينبغي أن يعلم أن الإتيان بهذه الهاء في الوقف على الاسم المرخم بحذفها إنما يكون على لغة من ينوي الرد (وأما إذا رخم ما فيه التاء على لغة من ينوي الرد ووقف عليه فإن الهاء لا تلحقه؛ لأنه قد حكم (له) بحكم التمام، فبني على الضم، فلا تلحقه الهاء، سواء أكانت تاء التأنيث أم الهاء التي لبيان الحركة. ومنها: أن الاسم قد يرخم ثانيا بعد أن رخم أولا. وقال ابن أبي الربيع: قد جاء الترخيم بعد الترخيم وهو قليل. وأكثر ما يكون في الشعر، فعلى هذا تقول في مرجانة: يا مرجان، فيصير بمنزلة عثمان، وأنت تقول في عثمان: يا عثم فتقول: يا مرج وكأنه لما رخم على لغة من لم ينو وبني على الضم صار كأنه لم يرخم ولم يحذف منه شيء، فرخم بعد ذلك، وكذلك تقول في معاوية: يا معاو، والأصل يا معاوية، فبعد حذف التاء صار: يا معاوي ثم حذفت الياء فقيل: يا معاو. وعلى هذا أخذ سيبويه: ٣٥٣٤ - (لقد رأي الرّاءون غير البطّل) ... أنّك يا معاويا ابن الأفضل (٣) وفيه احتمال، ولا يكون هذا الترخيم بعد الترخيم إلّا أن يرخم أولا على لغة من لم ينو حتى يصير كأنه اسم كامل يجري فيه ما يجري في نظائره مما لم يرخم (٤). انتهى. -

стр. 3609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأراد بقوله: وفيه احتمال أن بعضهم يقول: يا معاوي فيقطع على الياء، ثم يقول ابن الأفضل فيكون رخّمه مرة واحدة بحذف التاء لا غير. وأما على ما جاء به سيبويه من قال من يقطع يقول: يا معاو، ثم يقول: يا بن الأفضل، وليعلم أن الترخيم بعد الترخيم إنما يكون في المرخم بحذف التاء. واقتصار ابن أبي الربيع على التمثيل للمسألة بمرجانة ومعاوية قد يفيد ذلك. وذكر الشيخ أن في المسألة خلافا قال: منع ذلك (النحويون عامة) وأجازه سيبويه في ما كان فيه التاء، وذلك على لغة من لم يراع المحذوف (١). وقيد الشيخ ذلك بأن قال: وإذا (بقي) بعد الترخيم الثنائي على ثلاثة أحرف فصاعدا (٢). وأقول: إن هذا التقييد لا حاجة إليه؛ لأن هذا حكم معلوم لكل اسم يكون ترخيمه بحذف حرف غير تاء التأنيث. ثم قال الشيخ: ويظهر الاتفاق على أن ذلك لا يجوز في مرخم غير المرخم بحذف التاء (٣) ثم قال: والصحيح مذهب سيبويه وبه ورد السماع، قال الشاعر: ٣٥٣٥ - أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق (٤) يريد حارثة بن بدر، وقال زميل يخاطب أرطاة بن سهيّة (٥): ٣٥٣٦ - يا أرط إنّك فاعل ما قلته ... والمرء يستحيي إذا لم يصدق (٦) يريد يا أرطاة. رخّم حارثة وأرطاة أولا بحذف التاء على لغة من لم ينو الرد، ثم رخّم حارث ثانيا وأرطا ثانيا بحذف التاء من حارث والألف من أرطا على لغة من ينوي الرد (٧). قال الشيخ: ولو ذهب ذاهب إلى أن ما ذكروه من الترخيم بعد الترخيم ليس على ما ادعوه، وإنما هو ترخيم واحد أسقط منه تاء التأنيث وما قبلها دفعة واحدة، -

стр. 3610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا على التوالي لكان مذهبا لا تكلف فيه كما أسقطوا من نحو منصور ومروان حرفين، فيكون في ذي التاء الذي هو على أكثر من أربعة أحرف وجهان. الشائع الكثير ترخيمه بحذف التاء فقط، والقليل ترخيمه بحذف التاء وما قبلها (١). انتهى. ولا شك أن النحاة نصوا على أن المؤنث بالتاء إذا رخم إنما يرخم بحذف التاء لا غير، وذكروا أن التاء منزلة من الكلمة التي هي فيها منزلة عجز المركب من صدره بالنسبة إلى الترخيم، فكما أن المركب إذا رخم إنما يحذف عجزه فقط، كذلك المؤنث بالتاء يجب فيه إذا رخم أن يحذف منه التاء لا غير، والقول بالترخيم بعد الترخيم فيه لطف وحذاقة ويكفي أن سيبويه قال به. ومنها: أن الكوفيين يزعمون أن من الأسماء صنفا يجوز أن يحذف منه أكثر من حرف واحد، وهو كل اسم يجتمع في آخره ثلاثة زوائد نحو حولايا وبردايا فإنهم إذا رخموا هذا الصنف حذفوا منه جملة ما فيه من الزوائد [٤/ ٢٢٣] فقالوا: يا حول، ويا برد. قال ابن عصفور: وذلك باطل؛ لما فيه من الإجحاف؛ ولأن هذه الزوائد لا يلزم بعضها بعضا في الزيادة، فيلزم حذفها معا، كما لزم ذلك في الزائدين اللذين زيدا معا (٢). ومنها: أنك قد عرفت معنى قول المصنف ويرخم في الضرورة ما ليس منادى، ولم يشترط فيه إلّا أن يكون صالحا للنداء، يعني وإن لم يصلح للترخيم. ولهذا قال: وإن خلا من علمية وهاء تانيث. والذي قاله هو الظاهر. لكن قال الشيخ: وقال بعض أصحابنا: لما كان الترخيم في غير النداء مشبها به في النداء وجب ألا يرخم في غير النداء، إلا ما كان ترخيمه في النداء. فعلى هذا لا يرخم ثلاثي ليس فيه تاء تأنيث في غير النداء كما لا يجوز ترخيمه في النداء وكذلك النكرة (٣). قال الشيخ: فعلى هذا لا يجوز أن يرخم في غير النداء من العاري عن التاء إلا ما كان علما، وهو -

стр. 3611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خلاف ما زعم المصنف (١). انتهى. والنظر يقتضي خلاف ذلك؛ لأن هذا حذف تخفيف محض للضرورة لا حذف ترخيم، وإنما لما كانت صورة الحذف فيه حذف الترخيم اشترط فيه الصلاحية للنداء لا غير. على أن الفارسي لم يشترط ذلك أيضا، أعني الصلاحية للنداء، وقد عرفت أن قول الشاعر: ٣٥٣٧ - قواطنا مكّة من ورق الحمي (٢) ليس من الترخيم في شيء، وإنما هو من الحذف المستباح في ما لا يليق به الترخيم للضرورة. فإن قيل: ما وجه تغيير الحمى إلى الحمى؟ فالجواب: أن فيه أوجها أحدها: أن الكلمة حذف منها حرفان، وهما الميم والألف فعادت إلى مثال يد ودم، ثم إنها جرت بالإضافة ولحقها الياء للقافية فيكون في التغيير والحذف كقول لبيد: ٣٥٣٨ - عفت المنا بمتالع فأبان (٣) يريد المنازل. ثانيهما: أن يكون حذف الألف لزيادتها فبقي (الحمم)، ثم أبدل من الميم الثانية ياءا استثقالا للتضعيف، ثم كسر ما قبل الياء لتسلم من الانقلاب إلى الألف. ثالثها: أن يكون حذف الميم للترخيم في غير النداء ضرورة وأبدل من الألف ياء، ونقل ابن عصفور عن أبي العلاء المعري أن القائل أراد الحمام أي المحمي فحذف الموصوف وبقي صفته (٤). -

стр. 3612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أنك قد عرفت قول المصنف: وساغ ترخيم المنادى المضاف بحذف آخر المضاف إليه، وتقدم الاستشهاد على ذلك، ومن الشواهد أيضا قول الشاعر: ٣٥٣٩ - خذوا حظّكم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرّحم بالغيب تذكر (١) وقد ذكر الجماعة أن هذا مذهب الكوفيين، والبصريون لا يجيزون (ذلك)، ويقولون أن المضاف إليه ليس هو المنادى ولا يرخم عندهم غير المنادى، وقد خرّج سيبويه ما ورد من هذا النوع على أنه مما رخم في غير النداء ضرورة (٢). قال الشيخ: ولو ذهب ذاهب إلى أن المنادى إذا كان آخر المضاف إليه بالتاء علما جاز ترخيمه بحذفها وقوفا مع الشواهد التي استشهد بها لكان مذهبا (٣). قال: ولا يقوم للكوفيين دلالة بهذا النوع الخاص من حذف التاء من المضاف إليه على جواز ترخيم المنادى المضاف على الإطلاق؛ لأن الدليل إن صح خاص، والدعوى عامة (٤). ومنها: أن ظاهر كلام المصنف يقتضي المساواة في الشذوذ بين يا صاح، وأطرق كرا. ولا شك أنهما شاذان في القياس؛ أما في الاستعمال فالشاذ أطرق كرا. وأما يا صاح فإنه فاش في الاستعمال (٥)، وكلام الجماعة يشعر بذلك، والعلة فيه كثرة الاستعمال. * * *

стр. 3613

الباب الثالث والخمسون باب الاختصاص (١) [دواعيه وأحكامه] قال ابن مالك: (إذا قصد المتكلم بعد ضمير يخصّه أو يشارك فيه تأكيد الاختصاص أولاه «إيّا» معطيها مالها في النّداء إلّا حرفه، ويقوم مقامها منصوبا اسم دالّ على مفهوم الضّمير، معرّف بالألف واللّام أو الإضافة، وقد يكون علما، وقد يلي هذا الاختصاص ضمير مخاطب). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): الباعث على هذا الاختصاص فخر أو تواضع أو زيادة بيان، كقولك في القاهر أعداءه: عنّ المستجير، وعليّ أيّها الجواد يعتمد الفقير، وإنا آل فلان كرماء، ونحن العرب أقرى الناس للضيف، وإني أيها العبد أفقر العبيد إلى رحمة الله تعالى، وإنا حملة القرآن أحق الناس بمراعاة حقوقه، ومنه قول الشاعر: ٣٥٤٠ - لنا معشر الأنصار مجد مؤثّل ... بإرضائنا خير البريّة أحمدا (٣) ﷺ ، ومثله: ٣٥٤١ - جد بعفو فإنّني أيّها العب ... د إلى العفو يا إلهي فقير (٤) ومثله: ٣٥٤٢ - إنّا بني نهشل لا ندّعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا (٥) -

стр. 3614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن وروده علما قول الراجز: ٣٥٤٣ - بنا تميما يكشف الضّباب (١) ومن إيلاء الاختصاص ضمير المخاطب قولهم: بك الله نرجو الفضل. انتهى. واعلم أن الأئمة تطابق كلامهم على أن الاختصاص وارد على طريقة النداء قبل؛ وذلك لاستعمالهم لفظ المنادى فيه. ولا شك أنه ليس بنداء. قال المصنف في شرح الكافية (٢): قد يجاب بكلام على صورة هي لغيره توسعا عند أمن اللبس. فمن ذلك ورود الخبر بصورة الأمر، وورود الأمر بصورة الخبر، وورود الخبر بصورة الاستفهام، وورود الاستفهام بصورة الخبر، ومن ذلك ورود الاختصاص بصورة النداء، ولم يقع المختص مبنيّا إلّا بلفظ أيها وأيتها، وإنما وقع منصوبا مضافا أو معرفا بالألف واللام. انتهى. وقال سيبويه رحمه الله تعالى: «أجري على هذا حرف النداء كما أن التسوية أجرت ما ليس باستخبار (ولا استفهام) على حرف الاستفهام .. وذلك [قولك]: ما أدرى أفعل أم لم يفعل، فجرى هذا مجرى أزيد عندك أم عمرو؛ لأن علمك قد استوى فيهما كما استوى عليك الأمران (٣). انتهى. وحرف النداء في قول سيبويه: أجرى هذا على حرف [٤/ ٢٢٤] النداء المراد به أي. وكلام ابن الحاجب يعطي أن الاختصاص منقول من النداء فإنه قال: في كلام العرب حمل لمعان في الأصل ثم نقلوها إلى معان أخر مع تجريدها عن أصل معناها الأصلي: قال. وذلك في أبواب ... ثم قال: وكذا قولهم: أيها الرجل أصله تخصيص المنادى لطلب الإقبال عليك، ثم نقل إلى معنى الاختصاص مجردا عن معنى طلب الإقبال في قولك: أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل. قال: وكل ما نقل من باب إلى باب فإن إعرابه يكون على حسب ما كان عليه (٤). انتهى كلامه رحمه الله تعالى. -

стр. 3615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والقول بأن الباب المذكور منقول من باب النداء غير ظاهر. ثم ليعلم أن المخصوص مع موافقته للمنادى لفظا قد خالف من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يستعمل مبدوءا به. ثانيها: أنه لا يستعمل معه حرف نداء. ثالثها: أنه يستعمل معرفا باللام. وبعد: فملخص القول في الاختصاص: هو أن يتقدم ضمير دال على المتكلم ويؤتي بعده بأيّا، أو باسم معرفة مدلوله الضمير المتقدم عليه وتعريف الاسم المذكور إما بالإضافة أو بالألف واللام وكونه علما قليل. ولا يجوز كون هذا الاسم نكرة ولا مبهما فلا يقال: إنا قوما نفعل كذا، ولا يقال أيضا: أي هذا أفعل كذا. قال سيبويه: ولا يجوز أن تذكر إلا اسما معروفا؛ لأن الأسماء إنما تذكر هنا توكيدا وتوضيحا للمضمر، وإذا أبهمت فقد جئت بما هو أشكل من المضمر (١) ثم قال: وأكثر الأسماء دخولا في هذا الباب: بنو فلان، ومعشر مضافة، وأهل البيت، وآل فلان (٢). انتهى. وأما كون الضمير المقدم ضمير خطاب فقليل. ثم إن المخصوص لا يتعين كونه وسط الكلام، بل قد يكون وسطا نحو: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» (٣)، وقد يكون آخرا نحو قولك: أنا أفعل كذا أيها الرجل. واعلم (أن) الاسم المخصوص معمول لفعل لا يجوز إظهاره، كما أن عامل المنادى لا يجوز إظهاره والفعل المقدر أخص، أو أعنى، وهو تقدير سيبويه (٤). ويظهر أن تقديره أولى من تقدير أخص، فالاسم الذي هو غير أي منصوب لفظا، وأي منصوبة محلّا؛ لأنها عوملت في الاختصاص بما عوملت به في النداء من البناء على الضم ووجوب وصفها أيضا. ولكن يتعين كون الوصف هنا مقرونا باللام، -

стр. 3616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يكون اسم إشارة بخلاف ذلك في النداء. أما موضع الفعل المقدر فظاهر كلام ابن عمرون يعطي أنه نصب على الحال؛ لأنه مثل بقوله: أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل، ثم قال: وأيها الرجل في موضع نصب بإضمار فعل على الاختصاص، والفعل المقدر في موضع الحال، ثم قال بعد ذكر الأمثلة والمعنى: أما أنا فأفعل متخصصا بذلك من بين الرجال، ونحن نفعل متخصصين من بين الأقوام، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب، فتعين أن يكون الفعل المقدر الناصب لمحل أيها الرجل في موضع نصب على الحال (١) وفي شرح الشيخ: والناصب في الاختصاص فعل يجب إضماره، وقدره سيبويه أعني (٢)، وقال في البديع كأنه قال: أنا أفعل متخصصا بذلك من بين الرجال، ونحن نفعل متخصصين من بين الأقوام، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب (٣). انتهى. وهذا الذي نقله الشيخ عن «البديع معناه مطابق لما قاله ابن عمرون، غير أنه ليس فيه تصريح بأن العامل في موضع نصب على الحال. واعلم أن السيرافي له كلام في أيها من قولنا: أنا أيها الرجل أفعل كذا، وتقرير طويل ملخصه أن أيها الرجل مبتدأ والخبر محذوف أي المراد، أو خبر والمبتدأ محذوف أي المراد أيها الرجل (٤). ولا شك أن مثل هذا لا معوّل عليه. وإذ قد تقرر ما قلناه فلنرجع إلى لفظ الكتاب (٥)، فنقول: قول المصنف: إذا قصد المتكلم بعد ضمير يخصه أو يشارك فيه تأكيد الاختصاص فيه أمران: أحدهما: أنه يقتضي أن الاختصاص كان موجودا في قولنا: أنا أفعل كذا، ونحن شأننا كذا، وأن ذكر المخصوص بعد ذلك أفاد التأكيد. ولا شك أن نحو: أنا -

стр. 3617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعلت وأنا أفعل لا يفيد الاختصاص عند النحاة ولكن قد يفيد عند أرباب علم المعاني (١)، وإذا لم يكن الكلام يفيد الاختصاص من أصله، فكيف يثبت له توكيد ذلك المعنى الذي لم يفده. هذا إن كان المراد بالاختصاص هو التخصيص، وإن كان المراد به غير ذلك، فذاك شيء آخر. الأمر الثاني: قول المصنف في الشرح: إن الباعث على الاختصاص فخر، أو تواضع، أو زيادة بيان، ينافي قوله في المتن أنه قد قصد بما ذكره تأكيد الاختصاص. والظاهر أن الذي ذكره في المتن هو المعتبر، وقد تقدم لنا قول سيبويه: ولا يجوز أن تذكر إلا اسما معروفا؛ لأن الأسماء إنما تذكر هنا توكيدا وتوضيحا للمضمر، والحق أن: المقصود بذكر المخصوص إنما هو التأكيد، أو زيادة البيان. وأما الفخر والتواضع فإنما يستفادان من الكلام بجملته، فإن قائل: ٣٥٤٤ - لنا معشر الأنصار ..... ... ........ البيت - لو لم يذكر معشرا، وقال: لنا مجد مؤثل بإرضائنا خير البرية لأفاد هذا الكلام الفخر، وكذا قائل: ٣٥٤٥ - جد بعفو ....... ... ......... البيت الآخر لو لم يقل: أيها العبد، وقال: جد بعفو، فإنني إلى العفو فقير، لأفاد التواضع. وقوله: وقد يلي هذا الاختصاص ضمير مخاطب قد مثل له بقول العرب: بك الله نرجو الفضل، (ومنه) أيضا: سبحانك الله العظيم الاسم المعظم منصوب على الاختصاص، والعظيم صفة الله. * * *

стр. 3618

الباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهما [ما ينصب على ذلك - إظهار العامل وإضماره] قال ابن مالك: ([٤/ ٢٢٥] ينصب تحذّرا «إيّاي» و «إيّانا» معطوف عليه المحذور، وتحذيرا إيّاك وأخواته و «نفسك» وشبهه من المضاف إلى المخاطب معطوفا عليهنّ المحذور بإضمار ما يليق من نحّ أو اتّق وشبههما، ولا يكون المحذور ظاهرا ولا ضمير غائب إلّا وهو معطوف، وشذّ «إيّاه وإيّا الشّوابّ» من وجهين، ولا يلزم الإضمار إلّا مع «إيّا» أو مكرّر أو معطوف ومعطوف عليه ولا يحذف العاطف بعد «إيّا» إلّا والمحذور منصوب بإضمار ناصب آخر أو مجرور بـ «من» وتقديرها مع «أن يفعل» كاف، وحكم الضّمير في هذا الباب مؤكّدا ومعطوفا عليه حكمه في غيره. وينصب المغرى به ظاهرا أو مكرّرا أو معطوفا عليه بإضمار «الزم» أو شبهه، ولا يمتنع الإظهار دون عطف و [لا] تكرار، وربّما رفع المكرّر، ولا يعطف في هذا الباب إلّا بالواو، وكون ما يليها مفعولا معه جائز). قال ناظر الجيش: لم يشرح المصنف هذا الباب قبل، ولم يثبت بجملته في النسخة التي شرحها، وإنّما ثبت في نسخة أخرى عليها خطّه (١). وأقول: إنّ المصنف تقدّم له الكلام في باب «تعدّي الفعل ولزومه» أعني في شرحه للباب المذكور الإشارة إلى ذكر بعض مسائل هذا الباب الذي الكلام فيه الآن، فإنه بعد أن ذكر جواز الاقتصار على منصوب الفعل قال في المتن: فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال فهو لازم قال (٢): وقد تناول قولي: فإن كان الاقتصار في مثل إلى آخره نحو: إيّاك وكذا بإضمار «نحّ»، ونحو: -

стр. 3619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إياك وكذا بإضمار «اتّق» (١) وهذا المسمّى تحذيرا، ولا يلزم إضمار الناصب فيه إلّا مع «إيّاك» وأخواتها، ومع مكرر (٢) نحو: الأسد الأسد، ومع معطوف ومعطوف عليه نحو: «ماز رأسك والسّيف (٣)»، ولا يحذف (٤) العاطف بعد «إيّاك» إلّا والمحذوف مجرور بـ «من» نحو: إياك من الشر، وتقديرها مع «أن» كاف نحو: إياك أن تسيء على تقدير: إياك من أن تسيء، فحذف «من» لأن مثل هذا في «أن» مطرد (٥)، فلو وقعت الإساءة موقع «أن تسييء لم يجز حذف «من» إلا في الضرورة كقول الشاعر: ٣٥٤٦ - وإيّاك إيّاك المراء فإنّه ... إلى الشّرّ دعّاء وبالشّرّ آمر (٦) -

стр. 3620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: إيّاك أن تمارى، ثم أوقع موقع «أن تماري»، «المراء» فعامله معاملة ما هو واقع موقعه (١)، ويجوز أن يكون نصب «المراء» بفعل مضمر (٢) غير الذي نصب «إيّاك» وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلّا في الشعر. وليس العطف بعد «إيّاك من عطف الجمل خلافا (٣) لابن طاهر وابن خروف، ولا من عطف المفرد على تقدير: اتّق نفسك أن تدنو من الشّرّ أن يدنو منك، بل هو من عطف المفرد على تقدير: اتّق تلاقي نفسك والشّرّ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (٤)، ولا شك أن هذا أقلّ تكلّفا فكان أولى. ويساوي التّحذير في كل ما ذكر الاغراء نحو: أخاك أخاك بإضمار الزم وشبهه» (٥) وقال في شرح الكافية (٦): «التحذير: إلزام المخاطب الاحتراز من مكروه بإيّاك أو ما جرى مجراه (٧) كقولك: إيّاك والشّرّ [فإن حذّرت مؤنثا أو مثنّى أو مجموعا قلت: إيّاك والشرّ] وإياكما وإيّاكم وإيّاكنّ. والإغراء: إلزام المخاطب العكوف على ما يحمد العكوف عليه (٨) من مواصلة ذوى القربى والمحافظة على عهود المعاهدين ونحو ذلك، كقولك: لن تغريه برعاية الخلّة - وهي المودّة - الخلّة [الخلّة] ولمن تغريه بالذّبّ والحميّة: الأهل والولد ومنه قول الشاعر (٩): -

стр. 3621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٥٤٧ - أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح (١) ثم إنّ «إيّاك» في التحذير منصوب بفعل لا يظهر في إفراد ولا في عطف عليه؛ لأنّ التحذير به أكثر من التحذير بغيره، فجعل بدلا من اللفظ بالفعل (٢) والتزم معه الإضمار مطلقا (٣) ولم يلتزم مع غيره إلّا إذا عطف عليه المحذّر منه كقولهم: ماز رأسك والسّيف، أي: يا مازن [أبق] رأسك واحذر السّيف، فلو لم يذكر المعطوف جاز الإظهار والإضمار (٤). والسّائغ في التحذير أن يراد به المخاطب، وقد يكون للمتكلم (٥) كقول من قال (٦): إيّاي وأن يحذف أحدكم الأرنب (٧) أي: نحّني عن حذف الأرنب ونحّ حذف الأرنب عن حضرتي وشذّ إرادة الغائب به في قول بعض العرب: إذا بلغ الرّجل السّتّين فإيّاه وإيّا الشّوابّ (٨). وقد يستغنى عن ذكر المحذّر بذكر المحذّر منه مكرّرا أو معطوفا عليه، وغير مكرّر -

стр. 3622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا معطوف عليه، فمع التّكرار والعطف يلتزم (١) إضمار الناصب كقولك: الأسد الأسد والشّيطان وكيده، ومنه قوله تعالى: ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (٢). والإغراء كالتّحذير في التزام إضمار الناصب مع التّكرار والعطف (٣) وعدم التزامه مع عدمهما (٤)، وقد يجاء باسم المحذّر منه والمغرى به مع التّكرار مرفوعا (٥)، قال الفرّاء في كتاب المعاني (٦) في قوله تعالى: ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها، نصب الناقة على التحذير وكل تحذير فهو نصب، ولو رفع على إضمار هذه ناقة الله لجاز، فإنّ العرب قد ترفع ما فيه معنى التّحذير، وأنشد: ٣٥٤٨ - إنّ قوما منهم عمير وأشبا ... هـ عمير ومنهم السّفّاح لجديرون بالوفاء إذا قا ... لـ أخو النّجدة السّلاح السّلاح (٧) فرفع، وفيه معنى الأمر بلبس السلاح. هذا ما ذكره في شرح الكافية (٨) وقد دلّ قوله: وقد يكون للمتكلم كقول من قال: إيّاي وأن يحذف أحدكم الأرنب. على أن قوله هنا: ينصب تحذّرا إيّاي وإيّانا قليل، وقوله: أي نحّني عن حذف الأرنب ونحّ حذف الأرنب عن حضرتي يعطى ظاهره أنّ الكلام جملتان (٩) وكلامه في التسهيل يقتضي أن يكون جملة واحدة لما نذكره بعد. ثم قوله: نحّني يقتضي أن المتكلم آمر غيره [٤/ ٢٢٦] وأمر الغير شيء وإن كان -

стр. 3623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في ذلك الشّيء دفع ضرّ عن الآمر ليس فيه تحذّر، وللناس كلام في نحو هذا المثال: هل قائل: إيّاي والشّرّ آمر نفسه أو آمر غيره؟ قال ابن الحاجب (١): وقدّر سيبويه (٢): إيّاي والشّرّ منصوبا بفعل المتكلم، كأنه آمر لنفسه، يعني بمعنى: لأباعد نفسي عن الشّرّ ولأباعد الشر عنّي، وأنكره غيره (٣) وقال: المعنى على أنه يخاطب غيره على معنى: باعدني. وإليه ذهب الزمخشري (٤)، وكلا التقديرين مستقيم. وقال ابن عمرون: ويقال: إيّاي والشّرّ، إيّاي منصوب بإضمار اتّق. والشّرّ معطوف عليه وأقول: هذا التقدير من ابن عمرون يقتضي أنّ هذا الكلام مقصود به التّحذير لا التّحذّر إذ المعنى: أحذّرني والشّرّ وهو خلاف الظاهر، ثم إذا كان تحذيرا فالظاهر على ما قاله أنه تحذير معنوي لا التحذير الاصطلاحيّ. ثم قال ابن عمرون: قال سيبويه (٥) - يعني في المثال المذكور - كأنه قال: إيّاي فلا تعين من الشّرّ أمر نفسه. وقال السيرافي (٦): وأما إيّاي والشّرّ فليس يخاطب نفسه ولا يأمرها وإنّما يخاطب رجلا يقول له: إيّاي باعد عن الشر، كأنه قال: نحّني عن الشر ونحّ الشّرّ عنّي. انتهى. وأما قولهم (٧): إيّاي وأن يحذف أحدكم الأرنب، فقيل التقدير: إيّاي نحّ عن حذف الأرنب وحذف الأرنب عن حضرتي، فالكلام جملة واحدة، هذا معنى قول السيرافي، إلّا أنه قدّره: باعدوني وحذف أحدكم الأرنب، وزعم الزجاج أن الكلام جملتان (٨) وأن تقديره: إيّاي وحذف الأرنب، وإيّاكم وحذف أحدكم الأرنب، فحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، وحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول قال: لأنه لا يصح أن يقول: -

стр. 3624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأباعد حذف أحدكم؛ لأنه لا يباعد الإنسان إلّا فعله لا فعل غيره، فليس وأن يحذف معطوفا على «إياي» بخلاف قولنا: إيّاي (والشّرّ) فإن: والشّرّ معطوف على (إيّاي) والناصب لهما فعل واحد، قال ابن عمرون مشيرا إلى هذا - أعني قول الزجاج -: وهذا تطويل لا حاجة إليه لقيام المعنى والإعراب بدونه. وإنما قال ابن عمرون ذلك لأنه قدّر العامل في هذا الكلام: نحّ والزجاج قدّر: لأباعد فاحتاج أن جعل الكلام جملتين لما ذكره. ونقل ابن عمرون عن ابن خروف أنه أجاز في الفعل المقدّر أن يكون خبرا، التقدير: إيّاي أحذر وحذف أحدكم الأرنب. ثم المنقول (١) أن: إيّاي وأن يحذف أحدكم الأرنب. من كلام عمر رضي الله [تعالى] عنه ينهى عن حذف الأرنب بالعصا ونحوه؛ لأن ذلك لا يحلّ به الصّيد إذا قتل، وقتل الأرانب بالحذف هو الغالب، قال ابن عمرون: فهذا وإن كان تقديره باعدني عن حذفها وباعد حذفها عنّي فإنّ المراد النهي عن حذفها لا غير، ولو قال: لا تحذفوا الأرنب لم يكن فيه من المبالغة ما في هذا الكلام انتهى. وهو كلام حسن. وقول المصنف: وشبهه من المضاف إلى المخاطب بعد قوله: ونفسك أراد به الرأس والرّجل والعين والفم يقال (٢): رأسك والحائط، ورجلك والحجر، وعينك والنظر إلى ما لا يحلّ، وفمك والحرام. وقوله: بإضمار متعلق بقوله: ينصب، أي: ينصب تحذّرا كذا وتحذيرا كذا بإضمار ما يليق من كذا ومن كذا، فالنّاصب لضمير المتكلم هو الناصب لضمير المخاطب لكن يختلف التقدير: فمع ضمير المتكلم لا يلزم تقديره مؤخّرا عن المعمول، بل يجوز أن يقدّر مقدّما عليه؛ لأنه عامل محذوف، والعامل إذا حذف انفصل الضمير، نعم من لم يجعل العامل في إيّاي أمرا وجعله خبرا يلزم على قوله أن يقدّر العامل مؤخّرا عن «إيّاي» لما سنذكره في «إيّاك»، وكما أن العامل في ضمير المتكلم يجوز تقديره مؤخّرا ومقدما، هكذا العامل في «نفسك» -

стр. 3625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأخواته (١) يجوز فيه الأمران. وأما مع ضمير المخاطب فيجب تقديره مؤخرا عن المعمول، ولا يجوز أن يقدر مقدّما عليه، ويقال إنه لما حذف انفصل الضمير؛ لأنه يلزم من ذلك تعدي الفعل الرافع لضمير الفاعل إلى ضميره المتصل، وذلك لا يجوز إلّا في باب مخصوص (٢). قال ابن عمرون: إنّما لزم اضمار العامل لأن هذه الكلم (٣) صارت بدلا من الفعل (٤) فإذا قلت: إيّاك والأسد، فـ «إيّاك» ضمير منفصل منصوب بإضمار فعل تقديره: إيّاك نحّ أو إيّاك [باعد] ولزم تقديمه على الفعل؛ لأنه ضمير منفصل لا يتصل بالفعل، ولو أخّر لزم الإتيان بالمتصل فكنت تقول: نحّك ولم تعدّ العرب فعل ضمير الفاعل إلى ضمير المفعول وهما كشيء واحد في غير ظننت وأخواتها وما شبّه بها (٥) انتهى (٦). وقد سلك ابن الحاجب في المسألة مسلكا لم يحوجه إلى تقدير العامل مؤخرا، وهو أنه بعد تمثيله بـ «إيّاك والأسد» و «إيّاك من الأسد» قال (٧): أصله: نحّك إلا أن الضميرين إذا كانا لشيء واحد وجب إبدال الثاني بالنفس في غير أفعال القلوب (٨) فصار التقدير: نحّ نفسك ثم حذف الفعل بفاعله، فزال الموجب لتغيير إضمار الثاني فوجب رجوعه إلى الأصل، إلّا أنه لا يمكن الإتيان به متصلا لعدم -

стр. 3626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما يتصل به، فوجب أن يكون منفصلا انتهى. وهو تقدير حسن. ومنهم من راعى في المقدّر أن يكون دالّا على التحذير صريحا فقال (١): إذا قلت: إيّاك والأسد، فالأصل: احذر تلاقي نفسك والأسد ثم حذف الفعل بفاعله، ثم المضاف الذي هو «تلاقي» وناب عنه في النصب المضاف إليه الذي هو «نفسك» ثم حذف المضاف إلى الضمير وأقيم الضمير مقامه في النصب أيضا «فانفصل» وهو معنى ما ذكره المصنف في باب تعدي الفعل. ثم إن في قول [٤/ ٢٢٧] المصنف: معطوفا عليهنّ المحذور بعد ذكر «إيّاي» و «إيّاك» وما معهما وإنما تنصب بإضمار ما يليق من «نحّ» و «اتّق» يقتضي أنّ الكلام جملة واحدة، وقد عرفت أن المصنف أشار إلى الخلاف في ذلك فذكر أن ابن طاهر وابن خروف يريان أن الكلام جملتان (٢)، وعرفت اختيار المصنف أنه جملة واحدة حيث حكم بأن العطف من عطف المفردات (٣). قال الشيخ: ذهب السيرافيّ وجماعة إلى أن الكلام جملة واحدة، فإذا قلت: إيّاك والأسد فالتقدير: إيّاك باعد من الأسد والأسد من نفسك، فكل منهما مباعد (٤). وقد عرفت أنّ المصنف جعله من عطف المفردات لا على التقدير الذي قدّره السيرافيّ [بل] على تقدير: اتّق تلاقي نفسك والشّرّ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والظاهر أنه من عطف المفردات بالتقدير الذي قدّره المصنف لا بالتقدير الذي ذكره غيره، وكلام ابن عمرون يفهم ذلك فإنه قال: والأسد معطوف على «إيّاك»، وإن كان طريق التخويف مختلفا، ألا ترى أنك تقول: خوّفت زيدا الأسد، فـ «زيد» -

стр. 3627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مخوف، و «الأسد» مخوف منه، فنصبهما الفعل لما تناولهما، وإن اختلفت جهتا التخويف، فكذا في العطف، قال سيبويه (١): فإيّاك متّقى والأسد متّقي منه، فكلاهما مفعول به ومفعول منه، وقد علمت أن المفعول منه وبه ينتصبان إذا أضمرت أفعالهما، واعلم أن الواو ربما جاءت في معنى من والياء ومع انتهى. وفي كلامه أمران: قوله: «وقد علمت أن المفعول منه وبه ينتصبان إذا أضمرت أفعالهما» فإن الظاهر أن المراد بـ «المفعول منه»: المفعول من أجله، ولا شك في جواز إضمار الناصب لهما كما قال، لكن [كيف] يعطف المفعول منه على المفعول به والعطف يقتضي المشاركة؟ والحق أن المراد بكونه «مفعولا منه» أنه مفعول منه في المعنى، أما في اللفظ فلا؛ لأنه معطوف على مفعول به فوجب أن يكون شريكا له في ذلك (٢). الأمر الثاني: قوله: إنّ الواو ربما جاءت في معنى من والياء ومع. فإن هذا الكلام يوهم أن واو العطف ترد بالمعاني الثلاثة، وفي ذلك نظر، فإن الواو التي بمعنى «مع» هي واو «مع» وليست من العطف في شيء، وإن كان أصلهما العطف عند من يرى ذلك (٣)، وأما التي بمعنى «الباء» فقد قالوا ذلك في قولهم: «أنت أعلم و [ما] لك (٤). لما تعذّر جعلها عاطفة في هذا التركيب وذلك على أحد الأقوال (٥) في المثال المذكور. -

стр. 3628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما كونها بمعنى «من» فهذا لا يتحقق وإنما [لمّا] كان الأسد في قولنا: إيّاك والأسد محذّرا منه قيل: المعنى: إيّاك من الأسد فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب. وقول المصنف: ولا يكون المحذور ظاهرا ولا ضمير غائب إلّا وهو معطوف. يشير به إلى أنك تقول: إيّاك والأسد، ونفسك والشّرّ، ورأسك والسّيف ولا تقول (١): إيّاك الأسد. وشذّ (٢) قولهم: أعور عينك الحجر (٣). أي: والحجر فحذف حرف العطف، ومثال ضمير الغائب قول القائل: ٣٥٤٩ - فلا تصحب أخا الجهل ... وإيّاك وإيّاه (٤) أي: إيّاك باعد منه وباعده منك (٥). وقوله: وشذّ إيّاه وإيّا الشّوابّ من وجهين. أما الوجهان اللذان أشار إليهما فهما (٦): تحذير الغائب وإضافة «إيّا» إلى الظاهر (٧)، وجعل الشيخ (٨) أحد الوجهين استعمال إيّاه وهو ضمير غائب دون عطف، وليس الأمر كذلك فإنّ -

стр. 3629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العطف إنما يكون للمحذّر منه و «إيّاه» هنا هو المحذّر، ثم إنه [لم يتقدمه] شيء فعلام يعطف؟ ثم إنّ المصنف أشار بقوله: ولا يلزم الإضمار إلّا مع إيّا أو مكّرر أو معطوف ومعطوف عليه إلى أن إضمار العامل واجب في ثلاث صور: الأولى: أن يكون التحذير بـ «إيّاك» أو شيء من إخوته، سواء أكان معطوفا عليه نحو: إيّاك والشّرّ، أو مكرّرا نحو: ٣٥٥٠ - فإيّاك إيّاك المراء ..... ... ........ (١) أو مفردا نحو: إيّاك من الأسد وكذا: إيّاك الأسد على رأي من يجيزه (٢) ويجعل التقدير: أحذّرك الأسد، وسبب التزام الإضمار كثرة التّحذير بهذا اللفظ فجعلوه بدلا من اللفظ بالفعل (٣). الثانية: أن يكون التحذير بغير لفظ «إيّا» لكن يكون ثمّ عطف نحو: ماز رأسك والسّيف: جعلوا العطف كالبدل من اللفظ بالعامل (٤)، وقد جعل المصنف التقدير فيه: ق رأسك واحذر السّيف، وهو خلاف ما ذكره أولا من أنّ العطف في هذا الباب من عطف المفردات إلّا أن يكون أراد بقوله: التقدير فيه: ق نفسك واحذر السّيف تفسير المعنى لا تفسير الإعراب. الثالثة: أن يكون ثمّ تكرير (٥) نحو: نفسك نفسك، ورأسك رأسك، فلو لم يكن عطف ولا تكرير جاز إضمار العامل وإظهاره (٦) تقول: نفسك الشّرّ، ونفسك الأسد التقدير: جنّب نفسك الشّروق نفسك الأسد، وإن شئت أظهرت العامل، ثم إنهم يستغنون كثيرا عن ذكر المحذّر ويقتصرون على ذكر المحذّر منه، فينصبونه ويكون الحكم في إضمار العامل وإظهاره ما تقدم إن وجد عطف -

стр. 3630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو تكرير كان الإضمار واجبا نحو قولك: الأسد الأسد. وقال الله تعالى: ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١)، وإلّا كان جائزا كقولك: الأسد فيجوز في مثله الإظهار فتقول: احذر الأسد. ثم أشار المصنف بقوله: ولا يحذف العاطف بعد [إيّا] إلّا والمحذور منصوب بإضمار ناصب آخر أو مجرور بمن. إلى أنه لا يجوز أن تقول: إيّاك الشّرّ، ولا إيّاك الأسد وإن أجازه بعضهم (٢)، وقد نصّ سيبويه على أن ذلك غير جائز فقال (٣): لا يجوز رأسك الجدار حتّى تقول: من الجدار أو والجدار. انتهى. والعلة في ذلك أن قولك: إيّاك الأسد إن كان عن قولك: إيّاك والأسد فلا يجوز حذف حرف العطف (٤)، وإن كان عن قولك: إيّاك [٤/ ٢٢٨] من الأسد أو عن الأسد، فحرف الجر لا يحذف في مثل ذلك (٥). وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون مراد المصنف بقوله: إلا والمحذور منصوب بإضمار ناصب آخر أنّ مثل: إيّاك الأسد، جائز، وأنّه يكون المحذور منصوبا بناصب غير الناصب الذي نصب إيّاك بل مراده: أنّه إن ورد مثل ذلك كان تخريجه على أن يقدّر له ناصب. وكأنه يشير إلى البيت الذي ذكره النحاة وهو قول الشاعر: ٣٥٥١ - فإيّاك إيّاك المراء فإنّه ... إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب (٦) فيقال: إن المراء منصوب بفعل مقدّر غير ناصب ما قبله، قال الخليل (٧)

стр. 3631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رحمه الله تعالى: كأنّه قال بعد تمام الكلام: احذر المراء، وقال ابن أبي إسحاق (١): الأصل: إيّاك عن المراء فحذف حرف الجر لمّا كان المراء بمعنى: أن تمارى فحمله عليه من حيث المعنى على شذوذه. وأقول: إذا قدّر [ناصب] لـ «المراء» وهو الأظهر (٢) فينبغي أن يجوز اظهاره إذ لا تكرير ولا عطف حينئذ. ومن ثمّ قال ابن عصفور (٣): إن حذفت الواو - يعني: إن لم تأت بها - لم يلتزم إضمار الفعل وأنشد البيت المذكور (٤)، وقال: تقديره: دع المراء، قال: ولو كان في الكلام جاز إظهار هذا الفعل. وقد اقتصر المصنف في ذكر جر الاسم المذكور على «من» والنحاة ذكروا الجرّ بـ «عن» أيضا فيقال: إيّاك من الأسد، وإيّاك عن الأسد، والتقدير: باعد نفسك من الأسد أو عن الأسد، فحرف الجر متعلق بالفعل المحذوف، هذا هو المعمول به والمعوّل عليه (٥). ومن الناس من يقول: التقدير: أحذّرك من الأسد أو عن الأسد حتى بني على ذلك فقيل: من قدّر «باعد» منع أن يقال: إيّاك الأسد (٦)، ومن قدّر: «أحذّر» أجاز ذلك (٧)، لكن قد عرفت أنّ «إيّاك الأسد» ممتنع عند العامة (٨)، وعرفت -

стр. 3632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نصّ سيبويه على منعه (١) فلزم أن يكون الفعل المقدر «باعد» لا «أحذّر» ثم لا يخفى أنّ حرف الجر متعلق بالفعل المحذوف (٢)، والظّاهر أن التعلق المذكور إنّما هو على معنى المفعولية. وفي شرح الشيخ (٣) ما يقتضي جواز أن يكون على معنى المفعول من أجله، والتقدير: ق نفسك من أجل الأسد، وقد يدفع هذا بأن الجرّ بـ «من» غير متعيّن لأن الجرّ بـ «عن» جائز أيضا كما عرفت، ومتى وجدت «عن» وجب أن يكون التعلّق على معنى التعلّق بالمفعول به فلتكن «من» إذا وجدت كذلك. وأما قول المصنف: وتقديرها مع أن يفعل كاف. فظاهر لأن «أن» يجوز معها حذف حرف الجر قياسا عند أمن اللّبس (٤)، ولا يتقيد ذلك بباب دون باب، ولو لم يذكر المصنف ذلك لكان مستغنيا عنه لكونه أمرا معلوما، وكأنه إنّما نبّه عليه خشية أن يتوهم أن الحكم في هذا الباب مخالف للحكم في غيره. وأما قوله: وحكم الضّمير في هذا الباب مؤكّدا ومعطوفا عليه حكمه في غيره. فيحتمل أن يريد بالضمير: الضمير المستتر في «إيّاك» أعني ضمير الفاعل المنتقل إليه من الفعل المحذوف وهذا هو الظّاهر؛ لأن كون «إيّاك» يؤكّد ويعطف عليه لا يرتاب فيه، ولأن التوكيد والعطف قد علم جوازهما من قول الشاعر: ٣٥٥٢ - فإيّاك إيّاك المراء .... (٥) ومن تمثيلهم نحو: إيّاك والأسد، ويحتمل أن يريد كلّا من «إيّاك» ومن الضمير المستتر (٦). ولذا قال الشيخ (٧) في شرح هذا الموضع: الضمير (٨) ضميران أحدهما: لفظ -

стр. 3633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «إيّاك» والآخر: ما تضمّنه «إيّاك» من الضّمير المنتقل إليه من الفعل النّاصب له، فإذا أكدت «إيّاك» قلت: إيّاك نفسك أن تفعل، وإيّاك نفسك والشّرّ، وأنت بالخيار في تأكيد «إيّاك» بـ «أنت» أو ترك التّأكيد، وإذا أكّدت الضمير المستكنّ في «إيّاك» قلت: إيّاك أنت نفسك أن تفعل، وإيّاك أنت نفسك والشّرّ. وكذلك إذا عطفت، فان عطفت على «إيّاك» قلت (١): إيّاك وزيدا والأسد وكذلك رأسك ورجلك والحجر، وأنت بالخيار في تأكيد «إيّاك» بـ «أنت»، وإن عطفت على الضّمير المستكنّ قلت: إيّاك أنت وزيد أن تفعلا، قال جرير: ٣٥٥٣ - فإيّاك أنت وعبد المسيح ... أن تقربا قبلة المسجد (٢) هذا على رواية من رفع (٣)، ومن نصب جعله معطوفا على «إيّاك»، قال: سيبويه (٤): أنشدناه - يعني يونس - منصوبا. ثم لا يخفي أن «أنت» حينئذ يكون توكيدا لـ «إيّاك» وأنت تعرف أن الخليل يرى أن الكاف في «إيّاك» اسم مجرور بإضافة «إيّا» إليه، فمن ثمّ قال - أعني الخليل -: لو أن رجلا قال: إيّاك نفسك - يعني بخفض نفسك - لم أعنفه (٥). ولما انقضى الكلام في التحذير [شرع] في ذكر الإغراء، فقوله: وينصب المغرى به إلى قوله: دون عطف ولا تكرار ظاهر غنيّ عن الشرح، وحاصل الأمر: أن المغرى به حكمه في التزام إضمار العامل وعدم التزامه حكم المحذّر، إن وجد تكرير أو عطف فالإضمار واجب، وإن لم يوجد واحد منهما جاز -

стр. 3634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإظهار والإضمار (١). وظاهر أنه لا مدخل لـ «إيّاك» في الإغراء، وقد قال المصنف في الألفيّة مشيرا إلى التزام الإضمار وعدمه: وكمحذّر بلا إيّا اجعلا ... مغرى به في [كلّ] ما قد فصّلا وقوله: وربّما رفع المكرّر. قد أشار إلى مثال ذلك في ما تقدم نقلنا له عنه من شرح الكافية. وسواء أكان التكرير في المحذّر منه أو المغرى به وقد تقدم الاستشهاد على ذلك، ومنه أيضا: الصلاة الصلاة، والخير الخير، والضرب الضرب، وإذا نويت الأمر بذلك وكذا يقال: الله الله يا قوم أي: خافوا الله. وعلى ما أنشده الفراء (٢) وهو: ٣٥٥٤ - لجديرون بالوفاء إذا قا ... لـ أخو النّجدة السّلاح السّلاح (٣) ويجوز رفع ما ذكرنا فيكون أخبار المبتدآت حذفت وفيها معنى الأمر (٤)، والظاهر أن المبتدآت المذكورة واجبة [٤/ ٢٢٩] الحذف (٥) كما أن الناصب لها حين تنصب واجب الحذف أيضا. وقوله: ولا يعطف في هذا الباب إلّا بالواو: يعني في التحذير والإغراء، وإنّما كان كذلك لأن الواو جامعة فدلالتها على المقارنة في الزمان أحد معانيها، والاتفاق في الزمان مطلوب بالنسبة إلى ما يقصد من تحذير وإغراء (٦)، فلا مدخل لـ «الفاء» ولا لـ «ثمّ» لأنهما للتعقيب والتّراخي. وأما قوله: وكون ما يليها مفعولا معه جائز: فقال الشيخ (٧): لما كانت الواو -

стр. 3635

[ما يلحق بالتحذير والإغراء] قال ابن مالك: (فصل: ألحق بالتّحذير والإغراء في التزام [إضمار] النّاصب: مثل وشبهه نحو: «كليهما وتمرا» و «امرأ ونفسه» و «الكلاب على البقر»، و «أحشفا وسوء كيلة» و «من أنت زيدا؟» و «كلّ شيء ولا هذا»، «ولا شتيمة حرّ»، و «هذا ولا زعماتك» و «إن تأتني أهل اللّيل وأهل النّهار»، و «مرحبا وسهلا»، و «عذيرك»، و «ديار الأحباب» بإضمار: أعطني، ودع، وأرسل، وأتبيع، وتذكر، واصنع، ولا ترتكب، ولا أتوهّم، وتجد، وأصبت وأتيت ووطئت، وأحضر، واذكر). ــ الجامعة هنا للمقاربة في الزمان جاز أن يلحظ فيها معنى المعيّة فينتصب ما يليها على أنه مفعول معه. انتهى. ولم أتحقق (١) كون الواو تكون للمعية في هذا الباب، فإن المذكور بعدها إن كان منصوبا بعامل غير العامل في ما قبل «الواو» فلا ريب في نفي المعية، وإن كان منصوبا بالعامل في الأول فالعامل طالب له بجهة المفعولية، ثم إن المنصوب على المعية إنما معناه مصاحبة الأول عند تلبّسه [بما] نسب إليه أو وقع عليه. قال ناظر الجيش: اعلم أنّ المصنف قد تعرّض إلى ذكر بعض صور هذا الفصل في باب «تعدّي الفعل» حيث أشار إلى وجوب إضمار العامل في المتن بقوله: «فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال فهو لازم. فقال في الشرح (٢): فالمثل كقولهم: كلّ شيء ولا شتيمة حرّ (٣) أي: ائت -

стр. 3636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا ترتكب (١)، و «هذا ولا زعماتك. أي: ولا أتوهّم (٢)، وكليهما وتمرا (٣) أي: أعطني وزدني (٤)، وديار ميّة في قول الشاعر: ٣٥٥٥ - ديار ميّة إذميّ تساعفنا (٥) أي: اذكره. والجاري مجرى المثل قولهم: «حسبك خيرا لك» (٦) و «وراءك أوسع لك» (٧)، وقوله تعالى فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ (٨)، وانْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٩). وقد زاد هنا على ما ذكره ثمّ صورا (١٠) كما رأيت، وكلامه في هذا الفصل جليّ، مستغن عن الشرح. وقد تكلم الشيخ على هذه الكلمات شارحا لمعناها بما لا يكاد يخفى على الناظر ثمّ قال (١١): وأما مرحبا وأهلا وسهلا فجعل المصنف كلّ واحد منها منصوبا بفعل يناسبه فقال: أصبت رحبا، وأتيت أهلا ووطئت سهلا، فجعلها (١٢) جملا ثلاثا، -

стр. 3637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وغيره قدر العامل فيها كلّها فعلا واحدا وهو صادفت أي: صادفت مرحبا أي: رحبا وسعة ومن يقوم لك مقام الأهل، وسهلا أي: ليّنا وخفضا لا حزنا، قال: وهذا يقع خبرا لمن قصدك ودعا للمسافر أي .. لقاك الله ذلك، وقدره سيبويه برحبت بلادك وأهلت وعلى هذا يكون انتصاب «مرحبا» على المصدر لا على المفعول به، وكذلك «أهلا» قال: وهذا الذي قدره سيبويه إنما هو إذا استعمل دعاء، أما إذا كان خبرا على تقدير: أصبت رحبا وأهلا فيكون مفعولا به لا مصدرا. انتهى. وفي قوله: «إنّ المصنف جعل مرحبا وأهلا وسهلا مع الناصب لها جملا ثلاثا» نظر، فإن ما ذكره لا يلزم إلّا إذا كان كلّ من الكلم الثلاث لا يفرد أي: لا يستعمل مفردا ولا شكّ أن «مرحبا» يستعمل وحده كما يستعمل معطوفا عليه، والظاهر أنه لا يمتنع استعمال «أهلا» وحده، وإذا كان كذلك كان مراد المصنف أن القائل «مرحبا» يقدر: أصبت، والقائل «أهلا» يقدر: أتيت، والقائل «سهلا» يقدر: وطئت، ولا يكون مراده أنّ الكلمات المذكورة لا تستعمل إلّا مقرونا بعضها ببعض، فيلزم منه أن الكلام يشتمل على ثلاث جمل. وأما «عذيرك» فالناصب له «أحضر» (١) كما قال المصنف، يقال: عذيرك من فلان، وأنشد سيبويه (٢) لعمر (و) بن معديكرب: ٣٥٥٦ - أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد (٣) -

стр. 3638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقدّر العامل: الزم. قال الشيخ (١): وسيبويه يقدر «عذيرا» تقدير «عذر» فيمكن أن يكون اسما وضع موضع المصدر، ويحتمل أن يكون مصدرا كالنّكير والنّذير، قال: وضعّف بعضهم كونه مصدرا معتلّا بأن المصدر على فعيل لا يكون إلّا في الأصوات (٢)، ونقل عن عبد العزيز القواس (٣) أنه قال في «عذيرك»: ذهب سيبويه إلى أنه مصدر بمعنى العذر كالنّذير والنّكير، وذهب المفضّل إلى أنه بمعنى عاذر كشاهد وشهيد. انتهى. ولا يظهر كون «عذير» من قولنا: عذيرك من فلان مصدرا، والظاهر أنه اسم فاعل (٤) قال الجوهري: وقولهم: عذيرك من فلان، أي هلمّ من يعذرك منه، بل تلومه ولا يلومك قال الشاعر: ٣٥٥٧ - عذير الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض (٥) -

стр. 3639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتهى (١). فتفسيره ذلك بقوله: هلمّ من يعذرك يدل على أنه وصف لا مصدر؛ لأن من يعذر هو العاذر، وكذا تفسيره الناصب له بقوله: هلمّ يدل على أن العامل المقدّر «أحضر» كما قال المصنف، ثم قال الشيخ (٢): ويقول العرب: من يعذرني من فلان، على معنى: من يعتذر لي منه، فالعذير بمعنى العاذر وهو صيغة مبالغة. ولم يظهر لي وجه ترتب قوله: «فالعذير بمعنى العاذر» على قوله: «إن معني من يعذرني من فلان: من يعتذر لي منه» ثم الذي يظهر أن «عذير» من نحو قولهم: ٣٥٥٨ - عذيرك من خليلك من مراد (٣) ومن قولهم: ٣٥٥٩ - عذير الحيّ من عدوان (٤) مصدر لا صفة، وهو منصوب بـ «أحضر» لازم الإضمار - كما ذكروا - على المفعولية، وأما «عذير» من قول القائل: «من عذيري من أناس» فهو صفة بمعنى «عاذر» أي: من يعذرني؟ [٤/ ٢٣٠] ثمّ مراد المصنف بقوله: «ديار الأحباب» ديار من يحبّه الذاكر للدّيار، كقول ذي الرّمّة: ٣٥٦٠ - ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب (٥) وكقول طرفة: -

стр. 3640

[مسائل وأمثلة أخرى في إضمار العامل] قال ابن مالك: (ويتصّل بهذه ما يستلزم عامله عامل ما قبله، أو يتضمّن معناه وضعا، وما هو في المعنى مشارك لما قبله في عامله أو فيما ناب عنه، ولا يمتنع الإظهار إن لم يكثر الاستعمال. وربّما قيل: «كلاهما وتمرا» و «كلّ شيء ولا شتيمة حرّ»، و «من أنت زيد؟» أي: كلاهما لي، وزدني تمرا، وكلّ شيء أمم ولا ترتكب، ومن أنت كلامك زيدا أو ذكرك). ــ ٣٥٦١ - ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله (١) قال ناظر الجيش: الذي كنت أفهمه من هذا الكلام أن المراد منه أنه يتصل أي: في وجوب إضمار العامل بهذه المذكورات، وهي التي من قوله: «كليهما وتمرا» إلى قوله: «وديار الأحباب» كلمات أخر مما ليس شيء منها مذكورا [في هذا الفصل، لكن كلام الشيخ ينحو إلى غير ذلك فإنه قال (٢) الإشارة بهذه إلى ما] يتصل بأكثر هذه المنصوبات التي ذكرها في هذا الفصل، ولا يظهر ما قاله، فإن المتصل بالمنصوبات هي المعطوفات، والمعطوفات المذكورة لم يتصل بها شيء، إنّما هي المتصلة بغيرها، وكأن الشيخ أراد أن يقول: الإشارة بهذه إلى أكثر المنصوبات فسبق القلم فقال: إلى ما يتصل بأكثر المنصوبات، قال: فمثال ما استلزم عامله عامل ما قبله قولهم: «كلّ شيء ولا شتيمة حرّ» (٣) [إذ] تقديره: ائت كلّ شيء ولا تأت شتيمة حرّ (٤)، قال: فالأمر بإتيان كلّ شيء يستلزم الأمر بإتيان شتيمة حرّ إذ كان مندرجا في عموم كلّ شيء، لكنّه أخرجه عن العموم بالنهي عن شتيمته، فقد استلزم الأمر النّهي عن شتيمة حرّ، ومثال ما تضمّن معناه وضعا -

стр. 3641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قولهم: «امرأ ونفسه» (١) فقد اتصل بقوله «امرأ» قوله «ونفسه» وامرؤ متضمّن النفس، لأن المرء هو الرجل بدنا، ونفسا، فدلالته عليها بالمطابقة، فدلالته على أحدهما بالتّضمّن إذ أحدهما جزء المسمى. ومثال ما هو في المعنى مشارك لما قبله في العامل قوله: «الكلاب على البقر» (٢) فقد اتصل بقوله «الكلاب» قوله «على البقر» والناصب لـ «الكلاب» هو الذي يتعلّق به الجارّ والمجرور الذي هو «على البقر» فقد اشتركا من حيث المعنى في [العامل]، وكذلك إن تأتني فأهل اللّيل وأهل النّهار (٣) اتصل بقوله «فأهل اللّيل» قوله «وأهل النّهار» وكلاهما منصوب بتقدير «فتجد» قال: فقد اشتركا في العامل من حيث المعنى لا لفظا إذ لم يلفظ بالعامل، ومثال المشاركة في ما ناب عن العامل لا في العامل قولهم «مرحبا» و «أهلا» (٤) فقد اتصل بقوله «مرحبا» قوله «وأهلا» وعلى تقدير سيبويه لم يشتركا في العامل لكنهما اشتركا في ما ناب عن العامل إذ قدّر سيبويه «مرحبا» بقوله: رحبت بلادك فـ «مرحبا» ناب عن «رحبت» وقدّر سيبويه «وأهلا» بقوله: وأهلّت، فالناصب لقوله «وأهلا» هو قوله: وأهلّت [إذ] أناب «أهلا» عنه فقد اشترك «مرحبا» و «أهلا» في ما ناب عن العامل، وليس اشتراكهما أنّ الناصب لهما واحد، إنما معنى الاشتراك، أن كلّا منهما انتصب بالعامل الذي ناب عنه فانتصاب «مرحبا» بـ «رحبت» وانتصاب «أهلا» بـ «أهلّت» انتهى كلام الشيخ وفيه أمور: منها: ما ذكرناه قبل من أنه جعل الإشارة بهذه في كلام المصنف إلى الثواني من الأمثلة المذكورة، أعني المعطوفات، ولا شك في أن ذلك فاسد وقد تقدم التنبيه عليه. ومنها: تمثيله لما استلزم عامله عامل ما قبله بقولهم: كلّ شيء ولا شتيمة حرّ ذاهبا إلى أن الأمر بإتيان كلّ شيء يستلزم الأمر بإتيان شتيمة حرّ، وأنه خرج بالنهي عن شتيمته قال (٥): «فقد استلزم الأمر النّهي عن شتيمة حرّ» ولا يخفي أنّ الأمر ليس كذلك فإن العامل المقدّر الذي هو: ترتكب لم يستفد النهي عنه إلّا من كلمة -

стр. 3642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «لا» [الدالة] على النهي لا من الأمر بإتيان كلّ شيء. ومنها: تمثيله لما تضّمن معناه وضعا بقولهم: «امرأ ونفسه» ذاهبا إلى أنه قد اتصل بقوله «امرأ» قوله «ونفسه» قال: «وامرؤ يتضمّن النّفس إلى آخر كلامه» فإنه كلام عجيب لأن كلام المصنف إنما هو في العامل؛ إذ مراده أن العامل في المعطوف عليه يتضمّن معنى العامل [في المعطوف] وضعا، [وامرأ] معمول لا عامل، وكأن الشيخ جعل الضميرين في «يتضمن» وفي «معناه» راجعين إلى الاسمين المعطوف أحدهما على الآخر، حيث جعل الاسم الأول متضمنا معنى الاسم الثاني، وهذا في غاية الفساد؛ لأن الكلام إنما هو في العامل، ودليله أن الذي ذكره المصنف أربع مسائل: فالأولى والثالثة قد صرح فيهما بذكر العامل، والرابعة ذكر فيها ما ناب عن العامل، فتعيّن أن تكون الثانية مرادا بها ما أريد بأخواتها، ثم إن كون الاسم الأول يتضمّن الاسم الثاني لا أثر له في ما الكلام الآن فيه. ومنها: تمثيله لما هو في المعنى مشارك لما قبله في العامل بقولهم: «الكلاب على البقر» قائلا: إنّ الناصب للكلاب هو الذي يتعلّق به الجار والمجرور الذي هو «على البقر»، وما قاله لا يظهر؛ لأن «على البقر» من مطلوب «أرسل» الناصب لـ «الكلاب» (١) لا يتم المقصود من المعنى المراد إلّا به، ولا يقال في مثل هذا: إنه مشارك لما قبله في العامل، بل يقال: إنه من تتمّة ما يطلبه العامل. وأما قوله بعد ذلك: وكذا إن تأتني فأهل اللّيل وأهل النّهار ... إلى آخر كلامه، وقوله «فقد اشتركا في العامل من حيث المعنى لا لفظا إذ لم يلفظ بالعامل» ففي غاية البعد بل هو فاسد؛ لأن العامل المقدّر في حكم الملفوظ، وإذا كان كذلك فالمعمولان مشتركان فيه لفظا، ثم إن «وأهل النّهار» إنما هو معطوف على «أهل اللّيل» [٥/ ٢] فهو معمول للعامل في المعطوف عليه، وإذا كان العامل واحدا فهو مشارك في اللفظ لما قبله في عامله فكيف يمثل به لما هو مشارك في المعنى؟ لأن مفهوم قولنا: مشارك في المعنى أنه لا مشاركة له في اللفظ، والغرض أن الثاني في المثال المذكور مشارك للأول في العامل مشاركة لفظية. -

стр. 3643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما تمثيله للمشارك ما قبله في ما ناب عن العامل لا في العامل بقولهم «مرحبا وأهلا» ذاهبا إلى ما قرّره في كتابه (١) فلم أتحققه، ولا شك أنّ قدر الشيخ أجلّ من أن يحمل كلام المصنف على ما حمله عليه، على أنه رحمه الله تعالى في آخر كلامه قال: «وكلام المصنف هنا قلق غريب لا يكاد يفهم ولا تحته طائل، فإن كان أراد ما شرحناه به، فذلك هو المقصود وإن كان غير ما شرحناه فيحتاج إلى كشف ينبيء عنه». وهذا من الشيخ دليل على أنه لم يقل ما قاله في شرح هذا الموضع عن يقين منه. وبعد فقد يمكن أن يمثّل لما يستلزم عامله عامل ما قبله بقوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٢)، فإن النهي عما لا يليق يستفاد منه أن الناهي يأمر المنهيّ بخير، ويكون المصنف [قد] عبّر عن الاستفادة بالاستلزام. وأن يمثّل لما يتضمّن معناه بقول العرب: «حسبك خيرا لك» (٣) لأن تقديره: حسبك الذي فعلت وائت خيرا، ومعنى حسبك: كفّ، فحسبك يتضمّن معنى العامل في خير وهو «ائت» لأن معناه كفّ كما قلنا، والكفّ هو الانتهاء، وقد قلنا: إن النهي عن شيء يلزم منه أي يستفاد الأمر بخير، وإنّما خالف بين العبارتين فعبّر في المسألة الأولى بقوله: «يستلزم» وفي الثانية بقوله: «يتضمّن» لأن الأمر بخير في المسألة الأولى يستفاد من «انتهوا» وفي المسألة الثانية يستفاد من «كفّ» لكنه لم يذكر وإنما ذكر «حسبك» فلم يكن الأمر بخير مستفادا من «حسبك» إنّما «حسبك» يتضمن معنى «كفّ» و «كفّ» هو المستفاد منه ذلك. وأن يمثّل لما هو في المعنى مشارك لما قبله في عامله بقولهم «وراءك أوسع لك» (٤)، فإن «وراءك» بمعنى: تأخّر و «أوسع» منصوب بفعل مضمر تقديره: -

стр. 3644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وخذ، أو ائت مكانا أوسع لك (١)، فكأن «أوسع» في المعنى مشارك لما قبله في عامله لأن الآمر إنما أمره بالتّأخّر حذرا عليه من المتقدم، وتحذيره من الضيق إنما هو للضيق بدليل أمره بإتيان ما هو أوسع له، ولا شكّ أن الأمر بتجنّب الضيق يستفاد منه قصد طلب السّعة، على أن هذا الذي قلته لم أقله جازما به بل يبعد عندي أن يكون مراد المصنف، ولم يتحقق لي وجه مرضيّ في قوله: «في عامله» إن جملنا كلامه على أن المراد به المثال الذي قلناه وهو: «وراءك أوسع لك»، والظاهر أن مراد المصنف بما قاله غير المثال المذكور والله تعالى يعلم ما نخفي وما نعلن. وأما قوله: «أو في ما ناب عنه» فمعرفة المراد منه موقوفة على معرفة المراد بالمذكور قبله على الحقيقة. وأما قوله: «ولا يمتنع الإظهار إن لم يكثر الاستعمال» فقال الشيخ فيه (٢): لا يمكن عود هذا الكلام إلى المنصوبات التي تقدّم ذكرها في هذا الفصل؛ لأنه قد نصّ على التزام إضمار الناصب فيها، وأيضا فكلّها كثر استعمالها. ثم قال: ومثال ما لم يكثر استعماله فجاز إضمار العامل فيه وإظهاره قولهم (٣): ائته أمرا قاصدا. انتهى. والمصنف قد ذكر هذا المثال في الباب الذي تقدمت الإشارة إليه - أعني باب «تعدّي الفعل ولزومه» فقال (٤) عند ذكر الاقتصار على المفعول: فإن كان الذي اقتصر فيه على المفعول مثلا أو جاريا مجرى المثل في كثرة الاستعمال امتنع الإظهار ولزم الاقتصار، فالمثل كقولهم: «كلّ شيء ولا شتيمة حرّ» (٥) و «هذا ولا زعماتك» (٦) و «كليهما وتمرا» (٧)، والجاري مجرى المثل قولهم: -

стр. 3645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «حسبك خيرا لك» (١) و «وراءك أوسع لك» (٢) وقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ (٣) وانْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٤) قال سيبويه (٥): وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إيّاه في الكلام ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: ائته فصار بدلا من قوله: ائت خيرا، قال: ونظير ذلك من الكلام قولهم: ائته أمرا قاصدا كأنه قال: ائته وائت أمرا قاصدا إلا أن هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل» يعني أن قول من قال: ائته أمرا قاصدا ليس مثل: ائته خيرا لك في كثرة الاستعمال فيلزم إضمار الفعل فيه كما لزم إضمار الفعل في ذلك، وقد غفل الزمخشريّ عن كلام سيبويه فجعل (٦) انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ و «انته أمرا قاصدا» «سواء» انتهى، وتبع الزمخشريّ في ذلك الجزوليّ، قال الأستاذ أبو علي مشيرا إلى الجزوليّ: ذكر هذه اللفظة في جملة ما انتصب على إضمار فعل لا يظهر، غلط منه تقدّمه إليه الزمخشريّ، وأظنّه الذي غلّط أبا موسى، لا أعرف من غلط فيه غيرهما، وليس كما قالاه، والذي غلّطهما أن سيبويه ذكر (٧) هذه اللفظة في هذا الباب ليمثل بها في وجه آخر غير التزام الإضمار لا في التزام الإضمار. وأما قوله - أعني المصنف: «وربّما قيل: كلاهما وتمرا إلى آخره» فواضح (٨)، واستفيد من قوله «وربّما» أن الرفع قليل في ما ذكره، قال الشيخ (٩): «وقد جاء في بعض المنصوبات المذكورة في هذا الفصل الرفع (١٠) في غير هذه -
следующие страницы →