← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النصب دون تقدير المصدر في قول الشاعر: ٣٨٨١ - ولولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما (١) التقدير: أو إساءتك، وهذا المصدر المقدر معطوف على «رجال»، لا يقال: بين التركيبين فرق، أعني: هل أخوك زيد فأكرمه؟ وقول الشاعر: ولولا رجال ... ... ... البيت فإن «أخوك زيد» جملة و «رجال» مفرد، والعطف الذي الكلام فيه من عطف المفردات لا من عطف الجمل؛ لأنا نقول: والذي في البيت جملة أيضا لأن «لولا» الامتناعية مخصوصة بالجمل، ومعلوم أن الخبر مقدر ولكنه واجب الحذف، فالجملة واقعة في كلا التركيبين، إلا أن إضمار «أن» واجب في أحد التركيبين جائز في الآخر، وكأن المشترط إنما هو وجود اسم متقدم في الجملة، فلا فرق بين «لولا رجال أو أسوءك» ولا بين: ٣٨٨٢ - ولبس عباءة وتقرّ عيني (٢) وأما كلام ابن عصفور فإن في بعضه تثبيجا (٣)، والخلاصة منه هو منع ما أشار الشيخ إلى منعه وقد عرفت ما فيه. الأمر الثاني: المراد من قول النحاة: الواو تقع في جواب كذا وكذا، أن «الواو» -

стр. 4167

[سقوط الفاء من الأجوبة وجزم الفعل] قال ابن مالك: (وتنفرد «الفاء» بأنّ ما بعدها في غير النّفي يجزم عند سقوطها بما قبلها، لما فيه من معنى الشّرط لا بـ «إن» مضمرة خلافا لمن زعم ذلك، ويرفع مقصودا به الوصف أو الاستئناف). ــ تقع مواقع [٥/ ١٢٥] «الفاء» في جواب الأمور التسعة لا أن «الواو» وما بعدها جواب لأنهم قد قرروا أن «الواو» تقدر بـ «مع»، ومتى كانت «الواو» بمعنى «مع» لا تكون جوابا، ويدل على ذلك أنه لا ينعقد من الكلام الذي هي فيه شرط وجزاء، إذ ليس معنى «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»: إن تأكل السمك تشرب اللبن، ولا: إن لا تأكل السمك تشرب اللبن، وذلك بخلاف «الفاء» فإنها في جواب غير النفي ينعقد من الكلام الذي هي فيه شرط وجزاء، وكذا في جواب النفي الذي تدخل عليه همزة الاستفهام للتقرير؛ لأن ما بعدها متسبب عما قبلها، فمعنى قوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ (١): إن افتريتم سحتكم، وكذا إذا قلت: ليت لي مالا فأنفق منه، معناه: إن أجد مالا أنفق منه، وكذا: ٣٨٨٣ - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم (٢) معناه: إن تسأل تخبرك. وفي شرح الشيخ (٣): وذهب بعض النحويين إلى أن النصب بعد الواو على معنى الجواب، وتكلف لذلك فقال: معنى «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»: إن أكلت السمك فلا تشرب اللبن، وإن شربت اللبن فلا تأكل السمك، وتقديره: إن لم تأكل السمك فاشرب اللبن، وكذلك أيضا: لا يسعني شيء ويعجز عنك، معناه عند غير هذا القائل: أنه لا يصح أن لا يجتمع في شيء واحد بأن يسعني شيء ويضيق عليك أي: نحن مشتركان فيما يضيق ويتسع، ولو رفعت لكان المعنى: لا يسعني شيء ولا يضيق عليك وهو عكس المعنى، وتقديره عند هذا القائل المخالف: إن لم يسعني شيء لم يسعك. قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية (٤): جواب غير النفي إذا خلا من «الفاء» وقصد الجزاء جزم بما هو له جواب؛ لأنه شبيه بالشرط في جواز وقوعه -

стр. 4168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعدم جواز وقوعه بالنسبة إلى علم الشخص المتكلم به، بخلاف النفي فإن الشخص المتكلم به محقق لعدم الوقوع فخالف الشرط ولم يكن له جواب مجزوم. وأكثر المتأخرين (١) ينسبون جزم جواب الطلب لـ «إن» مقدرة والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما في أسماء الشرط نحو: من يأتني أكرمه، وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه (٢) رحمهما الله تعالى. وقال الإمام بدر الدين (٣): كل فعل لمأمور به أو منهي عنه فلا بد أن يكون سببا لجلب مصلحة أو دفع مفسدة وإلا فلا فائدة في طلبه، فمن لوازم الأمر بكل فعل أو النهي عنه كونه سببا وشرطا لأمر، فلهذا إذا خلا الجواب في غير النفي من «الفاء» وقصد الجزاء جزم؛ لأنه جواب شرط مقدر دل عليه ما قبل، تقول في الأمر: زرني أزرك، وفي النهي: لا تعص الله تنل رضاه، وفي الدعاء: اللهم ارزقني مالا أتصدق به، فيجزم على تقدير: إن تزرني وإن لا تعص وإن يرزقني، ولك أن ترفع على الاستئناف، أو على أنه حال لمعرفة أو نعت لنكرة، وتقول في الاستفهام: هل تأتينا تحدثنا؟ فتجزم لأنك تريد بالاستفهام الأمر كما في نحو: أَأَسْلَمْتُمْ؟ (٤) وفَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ (٥) فيدل على شرط هذا جزاؤه، وصار بمنزلة قولك: ائتنا تحدثنا، وتقول: أين بيتك أزرك؟ لأن المعنى: عرفني بيتك أزرك، ولك أن ترفع كما بعد الأمر. وتقول في العرض: ألا تنزل تصب خيرا، وفي التحضيض: هلا أمرت تطع، وفي التمني: ليته عندنا يحدثنا، فيجري الجزاء بعدها مجراه بعد الأمر. وأما الترجي: فجزم الجواب بعده غريب أنشده (٦) في «شرح إكمال العمدة» (٧) وهو قول القائل: -

стр. 4169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٨٨٤ - لعلّ التفاتا منك نحوي ميسّر ... يمل بك بعد العسر نحوي لليسر (١) وأما النفي: فجوابه إن قرن بـ «الفاء» جاز نصبه ورفعه كما سبق، وإن خلا منها رفع على الحال أو النعت أو على الاستئناف، ولم يجز جزمه؛ لأن النفي ليس مثل الطلب في دلالته على الشرط وفي اقتضائه له. واعلم أن الجواب المذكور لا خلاف في أنه جزاء شرط من جهة المعنى ولكن اختلف في الذي عمل فيه الجزم ما هو؟ فقال أكثرهم: الجواب مجزوم بشرط مقدر دل عليه ما قبل (٢)، وقال قوم (٣): هو مجزوم بنفس ما قبله لتضمنه معنى الشرط وهو ضعيف؛ لأن التضمين زيادة بتغيير للوضع، والإضمار زيادة بغير تغيير فهو أسهل، ولأن التضمين لا يكون إلا لفائدة ولا فائدة في تضمين الطلب معنى الشرط؛ لأنه يدل عليه بالالتزام فأي فائدة في تضمنه لمعناه؟ (٤). واختار شيخنا (٥) رحمه الله تعالى أن الجواب مجزوم بفعل الطلب؛ لما فيه من معنى الشرط أخذا بظاهر كلام سيبويه رحمه الله تعالى، قال في شرح الكافية (٦): وأكثر المتأخرين ينسبون جزم جواب الطلب لـ «إن» مقدرة، والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما هو مغن في أسماء الشرط، نحو: من يأتني أكرمه، قال: وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه رحمهما الله تعالى. ولا شك أن سيبويه قال (٧): فأما الجزم بالأمر فكقولك: ائتني آتك، وأما الجزم بالاستفهام فكقولك: ألا تأتيني أحدّثك، وأما الجزم بالتمني فكقولك: ليته عندنا يحدثنا، وأما الجزم بالعرض فكقولك: ألا تنزل تصب خيرا، وإنما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب «إن تأتني» بـ «إن تأتني»، ثم قال: وزعم الخليل أن هذه الأقاويل -

стр. 4170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلها فيها معنى «إن» فلذلك انجزم الجواب. وليس [٥/ ١٢٦] ذلك من سيبويه محمولا على ظاهره، قال السيرافي (١): وهذه الأشياء التي ذكرناها من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض تغني عن ذكر الشرط بعدها ويكتفى بذكرها عن ذكره فلذلك تجوز سيبويه في عبارته فأوهم أن هذه الأشياء هي الجازمة لما بعدها، ثم قال: وهذا من سيبويه مسامحة في اللفظ واتساع كما اتسع في نصب الظرف وقال في نحو: زيد خلفك: نصب بما قبله، ثم حكى عن الخليل ما يدل على حقيقة الجازم، وهذا الذي ذكره السيرافي هو الذي يعول عليه في هذه المسألة والله تعالى أعلم. هذا آخر كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى. ودل على أن العلة المقتضية لجزم الجواب في المسائل المذكورة هو الأمر أو النهي لأنه علل جزم جواب الاستفهام بأن الاستفهام يراد به الأمر، وقال: إن معنى (٢) «أين بيتك أزرك؟»: عرفني بيتك أزرك، وقال في العرض والتحضيض والتمني: إنها أجريت مجرى الأمر، وهذا يقتضي أن المسوغ للجزم هو معنى الأمر في جميع المسائل المذكورة، وهو غير ما نزع إليه المصنف؛ لأنه قد علل الجزم كما عرفت بقوله (٣): لأنه شبيه بالشرط في جواز وقوعه وعدم جواز وقوعه بالنسبة إلى علم المتكلم. والذي قاله المصنف أظهر وأقرب إلى الحق لأن كون الاستفهام أمرا غير مسلم، وإنما استفيد الأمر في الآيتين الشريفتين بما انضم إلى الاستفهام وهو قوله في الآية الأولى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ (٤) وقوله تعالى في الآية الثانية: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (٥) قبل: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٦)، وقوله تعالى بعد: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ (٧). وأما قوله: إن معنى «أين بيتك أزرك؟»: عرفني بيتك أزرك؟ فيمنعه الخصم ويقول: بل معناه: إن أعرف بيتك أزرك سواء أعرفه المخاطب بذلك أم غيره، فهو خبر لا طلب. -

стр. 4171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قوله في العرض والتحضيض والتمني: إن الجزاء يجري بعدها مجراه بعد الأمر؛ فلا يجوز أن يراد به أن المستفاد منها أمر؛ لأن ذلك باطل فتعين أن يكون مراده أنها حملت في جزم أجوبتها على الأمر في جزم جوابه، وإذا كان مراده ذلك يقال له: ما الدليل على هذه الدعوى؟ ثم إن قوله: إذا قصد الجزاء جزم؛ لأنه جواب شرط مقدر دل عليه ما قبل - يحقق أن الجزم إنما سوغه في الجواب تنزل ما قبله منزلة الشرط. وأما كون عامل الجزم في الجواب هو ما قبل «الفاء» الساقطة لما فيه من معنى الشرط فقد عرفت أنه مختار المصنف حيث قال في متن الكتاب: يجزم عند سقوطها بما قبلها لما فيه من معنى الشّرط لا بـ «إن» مضمرة. وتقدم لنا ذكر ما قاله في شرح الكافية من قوله: والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما في أسماء الشرط، وعلمت قوله: إن هذا مذهب الخليل وسيبويه. وتقدم ذكر كلام السيرافي وذكر اختيار بدر الدين أن العامل إنما هو «إن» مقدرة. ولما ذكر الشيخ ذلك قال (١): ورد ابن عصفور هذا المذهب - يعني الذي اختاره المصنف - فقال (٢): التضمين يقتضي أن يكون العامل جملة ولا يوجد عامل جملة في موضع من المواضع، ثم قال الشيخ: وأقول: إن التضمين لا يجوز أصلا لأن المضمن شيئا يصير له دلالة على ذلك الشيء بعد إن لم يكن له دلالة عليه مع إرادة مدلوله الأصلي، فإذا قلت: من يأتني آته، فـ «من» ضمّنت معنى الحرف ودلّت على مدلولها من الاسم فصارت لها دلالتان: دلالة مجازية وهي معنى «إن»، ودلالة حقيقية وهي مدلول الشخص العاقل، وأما في هذه المسائل: فإن قولك: ائتني أكرمك تكون قد ضمّنت «ائتني» معنى «إن تأتني»، فتضمنت معنى «إن» ومعنى الفعل المعمول لها وذلك معنى مركب. ودلّت على معناها الأصلي من الطلب وهو دلالته الحقيقية، ولا يوجد في لسان العرب تضمين لمعنيين، إنما يكون التضمين لمعنى واحد، ولا يقال: إنه تضمن معنى «إن» وحدها لأن فعل الطلب ليس قابلا لتضمن معنى «إن» لتنافيهما؛ لأن الخبر ينافي الطلب، ولا يكون الشيء الواحد طلبا وخبرا. انتهى. -

стр. 4172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأقول: ليس التضمين المشار إليه هنا هو التضمين الذي ذكره الشيخ وهو التضمين المعروف في الاصطلاح؛ لأن مراد القائل بأن «زرني» من نحو: زرني أزرك تضمّن معنى الشرط: أنّ «زرني» هذه من حيث إن المتكلم يقصد ترتب الثاني على الأول ويجعل الأول سببا للثاني يعطي من المعنى ما يعطيه «إن تزرني» من: إن تزرني أزرك؛ لأن الثاني مرتب على الأول والأول سبب للثاني، فلما كان معنى: زرني أزرك معنى: إن تزرني أزرك قيل: إنه تضمن معنى «إن» أي: تضمن معنى الشرط، فليس هذا التضمين من التضمين المعروف في شيء، كيف وذلك التضمين إنما يكون بالوضع؟ - أعني وضع أصحاب اللسان - وهو أن توضع كلمة لشيء وتضمن مع دلالتها على ذلك الذي وضعت [له] معنى آخر. وأما هذا التضمين فالموجب للقول به الاستعمال في موضع خاص، فـ «زر» بالوضع لا دلالة له على الشرط، ولما قيل: زرني أزرك، وأتي بهذا التركيب الخاص احتيج إلى القول بأنه ضمّن معنى الشرط بمعنى أنه أوقع موقعه، وأريد به ما يراد بالشرط، هذا هو الذي يظهر لي والله تعالى أعلم بما هو الحق. والدليل على أن المصنف لم يرد التضمين الذي ذكره الشيخ قوله في التسهيل مشيرا إلى الجواب يجزم بما قبلها؛ فلم يذكر التضمين بل قال: لما فيه من معنى الشّرط، ولا شك أن هذا منه يحقق ما قررته. وأما قول ابن عصفور: التضمين يقتضي أن يكون العامل جملة ولا يوجد ذلك [٥/ ١٢٧] في موضع؛ فقد يقال في جوابه: إن الممتنع إنما هو أن تكون الجملة بنفسها هي العاملة دون النظر إلى شيء آخر، أما إذا كان عملها بما تضمنته فغير ممتنع؛ لأن العمل حينئذ كأنه في الحقيقة منسوب لذلك المتضمن، ولما كانت الجملة هي التي تضمنته نسب العمل إليها. ثم إن الشيخ ذكر (١) أن في المسألة مذهبا ثالثا: وهو: أن الجزم بهذه الأشياء لا على جهة التضمين، بل على جهة أنها نابت مناب الشّرط، قال: ونعني به أن جملة الشرط حذفت وأنيبت هذه منابها في العمل. والذي يظهر أن هذا ليس مذهبا ثالثا في المسألة: وإنما هو بيان مسوغ جزم الجواب -

стр. 4173

[حكم الجواب المدلول عليه باسم الفعل جزما ونصبا] قال ابن مالك: (والأمر المدلول عليه بخبر أو اسم فعل كالمدلول عليه بفعله في جزم الجواب، لا في نصبه خلافا للكسائيّ فيه وفي نصب جواب الدّعاء المدلول [عليه] بالخبر، ولبعض أصحابنا في نصب جواب «نزال» وشبهه، فإن لم يحسن إقامة «إن تفعل» و «إن لا تفعل» مقام الأمر والنّهي لم يجزم جوابهما خلافا للكسائيّ). ــ فعدل هذا القائل عن قول من يقول: إن ما قبل حرف العطف الساقط هو الجازم لتضمنه معنى الشرط إلى قوله: إنه أنيب مناب الشرط، فهذا القول هو ذلك القول في المعنى، ويدل على صحة ما قدمت تقريره. ثم قال الشيخ (١): والذي نختاره هو إضمار الشرط بعد هذه الأشياء لدلالة معنى الكلام عليه. وكما أنه يجوز حذف الجواب لدلالة الكلام عليه في نحو: أنت ظالم إن فعلت، كذلك يجوز حذف الشرط لدلالة الكلام عليه، بل هذا أولى؛ لأنه بقي له ما يدل عليه وهو الجزاء المجزوم به فقويت الدلالة عليه من جهة ما قبله ومن جهة ما بعده. قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (٢) رحمه الله تعالى: قد يلحق الأمر [الذي] بلفظ الخبر واسم الفعل بفعل الأمر فيكون لهما جواب مجزوم كقولهم: حسبك ينم الناس، واتقى الله امرؤ، وفعل خيرا يثب عليه، لأنه بمعنى: اكتف، وليتق، وليفعل، ومنه قوله تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (٣) فـ «يغفر» جزم بأنه جواب تُؤْمِنُونَ لكونه في معنى: «آمنوا»، وأجاز الكسائي (٤) أن يكون للأمر بلفظ الخبر ولاسم الفعل جواب منصوب بعد «الفاء» نحو: صه فأحدّثك، ونزال فأنزل، وحسبك الحديث فينام الناس، والقياس يأبى ذلك لأن المصحح للنصب بعد «الفاء» بإضمار «أن» إنما هو تأول ما قبلها بمصدر ليصح العطف عليه، فإذا كان قبل «الفاء» أمر بلفظ المبتدأ والخبر أو اسم فعل تعذر تأويله بالمصدر لتعذر تقديره صلة لـ «أن» -

стр. 4174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فامتنع نصب ما بعد «الفاء»، ومن ثمّ لم يوافق الكسائيّ في ما ذهب إليه أحد، إلا أن بعض أصحاب «كتاب سيبويه» وهو أبو الحسن بن عصفور أجاز (١) نصب جواب اسم الفعل المشتق من مصدر نحو: نزال ودراك، ولم يجز نصب جواب الأمر بلفظ الخبر، ولا نصب جواب اسم الفعل غير المشتق، وليس (٢) في كون «نزال» وشبهه مشتقّا من لفظ المصدر ما يسوغ تأويله بالمصدر، فإنه المصحح للنصب في نحو: انزل فأنزل، هو صحة تأول فعل الأمر بالمصدر من قبل أن فعل الأمر يصح أن يقع في صلة «أن» مصدرا كما في نحو: أو عزت إليه بأن افعل، ولا يصح ذلك في اسم الفعل المشتق من المصدر كما لم يصح في غير المشتق فلا فرق بينهما في امتناع نصب الجواب. وقد تقدم أنه لا ينصب جواب الدعاء إلا إذا كان بلفظ الطلب، وحكى الشيخ (٣) هنا أن الكسائي يجيز نصب جواب الدعاء بلفظ الخبر، ولم ينفرد الكسائي بهذا الجواز فإن ابن السراج حكي ذلك عنه (٤) ثم قال (٥): وقال الفراء: إن قلت: غفر الله لزيد فيدخله الجنة جاز. واعلم أن الأمر إنما يجزم بعده المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه دلالة ظاهرة ويستلزمه لزوما بيّنا وهو شرط الفعل المأمور به (٦)، وعلامة ذلك: صحة تقدير «إن تفعل» مكان الأمر، تقول: ائتني آتك؛ لأنك لما أمرت بالإتيان دل على أنه سبب وشرط لشيء هو عندك الإتيان، فجزمت بناء على ما دل عليه الأمر، كأنك قلت: إن تأتني آتك، وتقول: ائتني لا أزورك أبدا فترفع على الاستئناف، ولا يجوز أن تجزمه على معنى: إن تأتني لا أزورك؛ لأن الإتيان لا يكون سببا لترك الزيارة ولا على معنى: إن لا تأتني لا أزورك؛ لأن لفعل الأمر دلالة ظاهرة على أنه شرط لفائدة فيصح جزم الفعل بعده إذا حسن تقدير «إن تفعل» مكانه وجعل ذلك الفعل جوابا له، وليس لفعل الأمر دلالة ظاهرة على أن تركه شرط لشيء فلا يجوز جزم الفعل بعده بأنه جواب شرط مخالف. -

стр. 4175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنهي فيما ذكرنا كالأمر فإنما ينجزم بعده المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه (١) دلالة ظاهرة ويستلزمه لزوما بيّنا وهو شرط ترك الفعل المنهي عنه، وعلامة ذلك: صحة تقدير «إن لا تفعل» مكان النهي، تقول: لا تعص الله تنل رضاه؛ لأنك لما نهيت عن المعصية وطلبت تركها دل على أنه سبب وشرط لشيء وكان ذلك الشيء عندك نيل الرضا؛ فجزمت بناء على ما دل عليه النهي كأنك قلت: إن لا تعص الله تنل رضاه، وتقول: لا تدن من الأسد يأكلك؛ فترفع على الاستئناف، ولا يجوز جزمه على معنى: إن لا تدن من الأسد يأكلك؛ لأن التباعد من الأسد لا يكون سببا لأكله، ولا على معنى: إن تدن من الأسد يأكلك؛ لأن لفعل النهي دلالة ظاهرة على أن تركه شرط لفائدة فيصح جزم الفعل بعده إذا حسن تقدير «إن لا تفعل» مكانه وجعل ذلك الفعل جوابا، وليس لفعل النهي دلالة ظاهرة على أن فعله شرط لشيء فلا يجوز جزم [٥/ ١٢٨] الفعل بعده بأنه جواب لشرط مخالف، وأجاز الكسائي فيه الجزم كما يجوز فيه النصب بعد «الفاء»، قال سيبويه (٢): لا تدن من الأسد يأكلك، قبيح إن جزمت وليس وجه كلام الناس؛ لأنك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سببا لأكله فإن رفعت فالكلام حسن، وإن أدخلت الفاء فحسن، وذلك قولك: لا تدن من الأسد فيأكلك، وليس كل موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزم ألا ترى أنك تقول: ما تأتينا فتحدثنا، والجزاء هنا محال، وإنما قبح الجزم في هذا؛ لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا دخلت الفاء. ومراد سيبويه بـ «قبيح» أنه غير مستعمل، وب «حسن» أنه مستعمل. وحاصل الفرق بين النصب والجزم بعد النهي: أن الجزم إنما يجوز في فعل يصح كونه جوابا لشرط مقدر دل عليه النهي كما في قولك: لا تدن من الأسد تنج، وأما النصب فإنما يجوز في فعل مسبب عن فعل قبل «الفاء» منهي عنه طلبا لنفي المسبب بانتفاء سببه كما في قولك: لا تعص الله فتدخل النار، فالمجزوم بعد النهي لنفي ما قبله، والمنصوب بعده لازم لثبوت ما قبله، فوضح الفرق بين الموضعين. وتقول: لا تدن من الأسد فتسلم بالرفع على إضمار مبتدأ، أو على الاستئناف، ولا يجوز أن ينصب؛ لأن دنو -

стр. 4176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأسد لا يكون سببا للسلامة فيصح تقديره بـ: إن لا يكن منك دنو فسلامة. وقد جاء من السماع ما يصلح أن يحتجّ به الكسائي كقول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: «يا رسول الله، لا تشرف يصبك سهم» (١)، وقوله ﷺ : «من أكل من هذه الشّجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذنا» (٢) فيمن رواه بالجزم، ورواية الرفع أكثر، وحمل ما جاء من ذلك على الإبدال أولى من حمله على الشذوذ (٣). انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى. وأنا أشير بعد ذلك إلى أمور: منها: أن تمثيله بقوله: حسبك ينم النّاس، واتّقى الله امرؤ، وفعل خيرا يثب عليه - يعلم منه أن الخبر المستفاد منه الأمر قد يكون جملة اسمية وقد يكون جملة فعلية؛ لأنهم ذكروا أن خبر «حسبك» محذوف لا يظهر وتقديره: حسبك السكوت والجملة ضمّنت معنى: اكتف، كما أن الجملة الفعلية التي هي: «اتقى الله امرؤ» ضمّنت معنى: ليتق الله امرؤ. وذهب جماعة منهم ابن طاهر (٤) إلى أنه مبتدأ لا خبر له، قالوا: لأن معناه: اكتف، فلم يحتج إلى خبر؛ لأنه في معنى ما لا يخبر عنه. ونقل الشيخ (٥) عن بعض الجماعة من المغاربة أنه اسم فعل مبني والكاف للخطاب، قال: وإنما ضمّ آخره؛ لأنه قد كان معربا فحمل على «قبل» و «بعد»، قال (٦): وزعم الأعلم أنه لا خبر له؛ لأنه مهمل والإهمال عنده يرفع الاسم قال: ولما استعمل استعمال ما ليس له خبر وهو: اكتف لم يحتج إلى خبره، وردّ (٧) ذلك بأن «حسبك» وحده يتم منه كلامه، وكلام تام من جزء واحد غير موجود. ومنها: أن الكسائي إنما أجاز أن يكون للأمر بلفظ الخبر ولاسم الفعل جواب -

стр. 4177

[حكم الفعل المعطوف بالواو أو الفاء على الشرط أو الجواب] قال ابن مالك: (وقد تضمر «أن» النّاصبة بعد «الواو» و «الفاء» الواقعتين بين مجزومي أداة شرط، أو بعدهما، أو بعد حصر بـ «إنّما» اختيارا، أو بعد الحصر بـ «إلّا» والخبر المثبت الخالي من الشّرط اضطرارا، وقد يجزم المعطوف على ما قرن بـ «الفاء» اللّازم لسقوطها الجزم، والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي» جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب). ــ منصوب بعد «الفاء»؛ لأن «الفاء» عنده ليست عاطفة؛ لأن النصب عنده بالخلاف لا بإضمار «أن» كما تقدم، ولكن قد علم فساد هذا القول - أعني أن النصب بالخلاف - وإذا كان فاسدا فالمرتب عليه فاسد. ومنها: أن قول الإمام بدر الدين رادّا على من أجاز النصب في نحو: نزال فأنزل: وليس في كون «نزال» وشبهه مشتقّا من لفظ المصدر ما يسوغ تأويله بالمصدر إلى آخر كلامه - يقتضي أن النصب بعد «الفاء» أو «الواو» في الأجوبة المعروفة من شرطه أن الجملة المتقدمة على أحد الحرفين المذكورين لا بد أن تشتمل على فعل أو ما فيه معنى الفعل من مشتق أو ظرف أو جار ومجرور، وكلام ابن عصفور يقتضي ذلك، وقد تقدم لنا ذكر ذلك عنه عند الكلام على جواب الاستفهام، على أنه قد صرح بذلك في غير الاستفهام. وحاصل ما يطابق عليه كلام ابن عصفور وابن المصنف والشيخ أن الجملة الاسمية المتقدمة إذا لم يكن فيها مشتق ولا ظرف ولا جار ومجرور لا يجوز نصب الجواب المقرون بـ «الفاء» بعدها، وقد تقدم البحث في ذلك، ولا يظهر لي وجه امتناع النصب في: هل أخوك زيد فنكرمه؟ لأن المصدر يمكن تقديره، ولكن الأئمة قد منعوا ذلك فوجب الاستمساك بقولهم. ومنها: أن قول الإمام بدر الدين: واعلم أن الأمر إنما يجزم بعد المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه دلالة ظاهرة إلى آخر الفصل - كلام منقّح، والظاهر أنه من نتيجة فكره وقوة نظره ولا شك أنه أهل لذلك رحمه الله تعالى. قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١) رحمه الله تعالى: قد تضمر «أن» -

стр. 4178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الناصبة بعد «واو» الجمع و «فاء» الجواب في غير المواضع المذكورة وذلك على ضربين: أحدهما جائز في الاختيار وسعة الكلام، والآخر مخصوص بالضرورة، فيجوز في الاختيار إضمار «أن» الناصبة بعد «الواو» و «الفاء» الواقعتين بين مجزومي أداة شرط أو بعدهما، أو بعد حصر بـ «إنّما». مثال الأول: إن تأتني فتحدثني أكرمك، فتنصب ما بعد «الفاء»؛ لأن الشرط غير واجب فيجوز أن يلحق بالنفي، قال سيبويه (١): وسألت الخليل عن قوله: إن تأتني فتحدثني وإن تأتني وتحدثني أحدثك فقال: هذا يجوز والجزم الوجه، ووجه نصبه أنه حمل على الاسم كأنه أراد أن يقول: إن يكن منك إتيان فحديث أحدثك، فلما قبح أن يرد الفعل على الاسم نوى «أن»؛ لأن الفعل معها اسم، وإنما كان الوجه [٥/ ١٢٩] الجزم؛ لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراد من الحديث، وأنشد الشيخ (٢) رحمة الله تعالى عليه: ٣٨٨٥ - ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه ... ولم يخش ظلما ما أقام ولا هضما (٣) وأما قول زهير: ٣٨٨٦ - ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة ... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق (٤) فنصب «يثبت» فيه؛ لأن الفعل المتقدم على «الفاء» منفي ولجواب النفي النصب -

стр. 4179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في مجازاة أو غيرها. وأجاز الكوفيون (١) نصب المعطوف على الشرط بـ «ثم» كما في «الواو» و «الفاء»، ومنه قراءة الحسن (٢): (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت). ومثال الثاني: إن تأتني آتك وأحسن إليك، والوجه فيه الجزم على الاشتراك في معنى الجزاء، والرفع على الاستئناف، ويجوز نصبه بإضمار «أن» على تقدير: إن تأتني يكن إتيان وإحسان، وحكى سيبويه (٣) أن بعضهم قرأ (٤): (يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذّب من يشآء)، ثم قال (٥): واعلم أن النصب بـ «الفاء» و «الواو» في قولك: إن تأتني آتك وأعطيك - ضعيف وهو نحو من قوله: ٣٨٨٧ - وألحق بالحجاز فأستريحا (٦) فهذا يجوز وليس بحدّ الكلام ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجب كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه وإن كان معناه كمعنى ما قبله، وأنشد للأعشى: ٣٨٨٨ - ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا وتدفن منه الصّالحات، وإن يسئ ... يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا (٧) -

стр. 4180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثال الثالث: قراءة عبد الله بن عامر رضي الله تعالى عنه: وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (١) بالنصب (٢) على تقدير: فإنما يكون منه كن فيكون من ذلك الأمر وهو نادر لا يكاد يعثر على مثله إلا في ضرورة من الشعر. فأما قولهم: فإنما هي ضربة من الأسد فيحطم ظهره (٣)، فمن النصب بإضمار «أن» جوازا لعطف مصدر مؤول على مصدر صريح، والمعنى: هي ضربة فحطمة، لا من باب قراءة ابن عامر. ويختص بالضرورة إضمار «أن» الناصبة بعد الحصر بـ «إلا» كما في قولك: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وبعد الخبر المثبت الخالي من الشرط كقول الشاعر: ٣٨٨٩ - سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (٤) أصل الكلام: وألحق بالحجاز فأستريح، ولكن لما كان الروي مفتوحا اضطر فنصب على تقدير: يكون لحاق فاستراحة، ومثله قول طرفة: ٣٨٩٠ - لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما (٥) وقول الأعشى: ٣٨٩١ - ثمّت لا تجزونني عند ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا (٦) -

стр. 4181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم (١)، وهي الفاء الواقعة في جواب شرط أو طلب، أما الشرط: فلأنه إذا عطف على جوابه المقرون بالفاء مضارع فالوجه رفعه كقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (٢)؛ لأن الكلام الذي بعد «الفاء» أجري مجراه في غير الجزاء، فحق ما عطف عليه أن يكون كذلك، ويجوز فيه النصب بإضمار «أن»، والجزم أيضا بالعطف على موضع «الفاء» كقراءة بعضهم (٣) من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (٤)، ونظّر سيبويه (٥) الجزم فيه بالنصب في قوله: ٣٨٩٢ - فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٦) وأما الطلب: فإذا عطف على جواب المقرون بـ «الفاء» مضارع كما في قوله: زرني فأزورك وأحسن عشرتك، فلك في المعطوف النصب على التشريك في عمل «أن» المضمرة، والرفع على الاستئناف، والجزم على توهم حذف الفاء، ومنه قراءة بعضهم (٧): -

стр. 4182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١)، فالجزم في ذا نظير الجر في قوله: ٣٨٩٣ - ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (٢) وحكى الفراء (٣) عن العرب: الرفع والجزم في المضارع المنفي بـ «لا» الصالح قبلها «كي» وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلت ولا ينفلت، وأوثقت العبد لا يفرّ ولا يفرر، قال: وإنما جزم لأن تأويله: إن لم أربطه فرّ فجزم على التأويل، وأنشد لرجل من عقيل: ٣٨٩٤ - وحتّى رأينا أحسن الفعل بيننا ... مجاملة لا يقرف الشّرّ قارف (٤) ولآخر: ٣٨٩٥ - لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا ... أتيتنا ماشيا لا يعرف الفرس (٥) بجزم «يقرف» و «يعرف» ورفعهما. هذا آخر كلام بدر الدين (٦)، وقال والده رحمه الله تعالى في شرح الكافية (٧): إذا أخذت أداة الشرط جوابها وذكر بعده مضارع بعد «فاء» أو «واو» جاز جزمه عطفا على الجواب، ورفعه على الاستئناف، ونصبه على إضمار «أن»، قال -

стр. 4183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سيبويه: فإذا انقضى الكلام ثم جئت بـ «ثمّ» فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت، وكذلك «الواو» و «الفاء»، إلا أنه يجوز النصب بالفاء والواو، وبلغنا أن بعضهم قرأ (١): (يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذّب من يشآء). وروي بالأوجه الثلاثة «ونأخذ» من قول الشاعر: ٣٨٩٦ - فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع النّاس والبلد الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجبّ الظّهر ليس له سنام (٢) وجاز النصب بعد «الفاء» و «الواو» إثر الجزاء؛ لأن مضمونه لم يتحقق وقوعه فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام. قال: وأنشد الفراء في كتاب «المعاني» (٣): ٣٨٩٧ - فإن يهلك النّعمان تعر مطيّه ... وتخبأ في جوف العياب قطوعها وتنحط حصان آخر اللّيل نحطة ... تقضّب منها أو تكاد ضلوعها (٤) فنصب «تخبأ» وجزم «تنحط». -

стр. 4184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم قال (١): وإن خلا الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء من الفاء والواو جزم، وجعل بدلا من الشرط، أو رفع وكان في موضع نصب على الحال، فمثال المجزوم المجعول بدلا (٢) قول الشاعر: ٣٨٩٨ - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا (٣) ومثال المرفوع [٥/ ١٣٠] المقدر في موضع الحال قول الآخر: ٣٨٩٩ - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد (٤) -

стр. 4185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتهى. وإنما ذكرت حكم الفعل الخالي من «الفاء» و «الواو» هنا قبل الدخول في فصل «الجوازم» لتعلقه بما ذكر قبله، ولا يخفى أننا استفدنا من جزم «تنحط» بعد نصب «تخبأ» أن الفعل المعطوف على فعل منصوب واقع بعد فعل الجزاء يجوز فيه ثلاثة الأوجه: النصب والرفع والجزم؛ لأن الجزم إذا جاز كان النصب والرفع أجوز؛ لأن النصب بالعطف على لفظ ما قبله، والرفع على الاستئناف، وأما الجزم فإنما هو على الموضع؛ لأن «تخبأ» مثلا في البيت يجوز فيه الجزم عطفا على ما قبله، فكان المجزوم بعده معطوفا على محله. وإذا عرف ذلك فلنرجع إلى ألفاظ الكتاب ونقول: قوله: بين مجزومي أداة شرط أراد به الجزم لفظا أو محلّا، فلو كان الفعلان ماضيين كان حكم الفعل الواقع بينهما كذلك ثم إنه لا يلزم ذكرهما معا، فقد يكون الجزاء محذوفا لدليل، ويكون حكم النصب باقيا، قال الشاعر: ٣٩٠٠ - فلا يدعني قومي صريحا لحرّة ... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر (١) فقوله «ويسلم» واقع بين مذكور ومحذوف، التقدير: لئن كنت مقتولا ويسلم عامر فلا يدعني قومي، وإنما حذف لدلالة ما قبل عليه كقولهم: أنت ظالم إن فعلت. وقوله: أو بعدهما أي: بعد فعلي الشرط، ولا يريد خصوصية الفعل، بل لو كان الجزاء جملة اسمية كان الحكم كذلك، قال الله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (٢) قرئ (٣) -

стр. 4186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (ويكفّر) بالرفع والنصب والجزم على موضع فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (١)، على أن الجزم في هذه الآية الشريفة وفي مثلها كقوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٢) قد أشار إليه المصنف بقوله: وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم، وأما النصب في نحو هاتين الآيتين الشريفتين فقد يقال: ليس في كلام المصنف ما يدل على جوازه، لأنه قيّد الكلام أولا بقوله: بين مجزومي أداة شرط وأشار آخرا إلى الجزم بقوله: وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء ولم يتعرض إلى ذكر النصب. وفي شرح الشيخ بعد أن مثّل بالآيتين الشريفتين (٣): ولم يذكر سيبويه (٤) النصب هنا فلعله منعه لضعفه في الأصل وهو أن يكون فعل الجزاء مجزوما فأجري هنا، قال: والرفع وجه الكلام؛ لأن المعطوف عليه ليس مجزوما. ولا يقبل لفظه الجزم. انتهى. وبعد: فإذا كان النصب ثابتا في إحدى القراءات السبع تعيّن الاعتراف بصحته، وارتفع الإشكال (٥). ومما نبّه عليه الشيخ (٦): أن فعل الجزاء لو كان معمولا لغير الشرط فالرفع يحسن نحو: إن تأتني فلن آتيك وأجفوك، وإن أتيتني لم آتك وأجفوك، ويجوز الجزم والنصب، والذي نبه عليه واضح. وأما نصب الفعل بعد الحصر بـ «إنما» فقد عرفت قول المصنف: أو بعد حصر بـ «إنّما» اختيارا. وقال في شرح الكافية بعد أن ذكر إجراء التقليل مجرى النفي في إيلائه جوابا منصوبا (٧): وكذلك أجروا الحصر بـ «إنما» كقولهم: إنما هي ضربة من الأسد -

стр. 4187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتحطم ظهره، وعليه قراءة ابن عامر: فإنما يقول له كن فيكون (١). وقد عرفت أن بدر الدين خرّج قولهم: إنما هي ضربة من الأسد فيحطم ظهره، على أنه من النصب بإضمار «أن» جوازا لعطف مصدر مؤول على مصدر صريح، والذي قاله حق، وأنه قال بعد أن ذكر قراءة ابن عامر: وهو نادر لا يكاد يعثر على مثله إلا في ضرورة من الشعر. وهذا من بدر الدين رحمه الله تعالى ليس إنكارا لقراءة ابن عامر إذ لا يمكن إنكارها، وإنما هو إنكار أن يكون مقتضى النصب هو الحصر بـ «إنما» فإن ذلك لم يكن مجمعا عليه، إذ ذكر النحاة للنصب مسوغا غير ذلك، فمنهم من قال: إنه جاء على النصب في الواجب، ونسب ذلك إلى الشلوبين (٢)، وردّ هذا القول بأن النصب في الواجب إنما بابه الشعر (٣). وقراءة ابن عامر ثابتة بالتواتر، ومنهم من قال (٤): إن مسوغ النصب وقوع الفعل جوابا للأمر، وردّ (٥) ذلك أيضا بأن كُنْ هنا ليس أمرا على الحقيقة؛ لأن المعدوم لا يصح خطابه، إنما جرى ذلك على معنى سرعة التكوين كأنه قال تعالى: إنما شأننا مع المقدورات أن تتعلق قدرتنا بها فتكون بغير تأخير، ولا لفظ هناك ولا نطق، فعبّر بالقول عن التعلق. والحاصل: أن القول في الآية الشريفة كناية عن سرعة الخلق والتمكن من إيجاد ما يريد الله تعالى إيجاده، إذ المعدوم لا يؤمر، وخرّج الشيخ (٦) ذلك على أن يكون من المنصوب بعد الفاء بعد جواب الشرط؛ لأنه تقدّمه: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فـ «إذا قضى» شرط، و «فإنما» جوابه وصار نظير قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ في قراءة من نصب (٧). وقد يقال للشيخ: المسوغ للنصب بعد «الفاء» إثر الجزاء كون مضمونه لم يتحقق وقوعه كما تقدم، حتى يشبه الواقع بعد الجزاء الواقع بعد الاستفهام، -

стр. 4188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا شك أن الشرط والجزاء في قوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ محققا الوقوع، وإذا كانا بهذه الحيثية انتفت مشابهة الاستفهام، وإذا انتفت مشابهة الاستفهام انتفى المسوغ للنصب، والأولى أن يقال: اكتفى في النصب بصورة الأمر، والأمر ينصب جوابه، فلما اشتمل هذا التركيب على صورة أمر وجواب في اللفظ عومل بما يعامل به الأمر والجواب الحقيقيان. وعلى هذا يقال: مجموع الكلام من الأمر والجواب هو الكناية عن سرعة الخلق والإيجاد، لا القول وحده (١)، وهذا النوع هو الذي يقال فيه عند أصحاب [٥/ ١٣١] علم «البيان»: إنه التمثيل على سبيل الاستعارة. وهو «المجاز المركب» عندهم. وقال الشيخ (٢): قول المصنف: (اللّازم لسقوطها الجزم)، يشمل صورتين، ويحترز به من صورتين: أما المشمولتان: فأن تكون «الفاء» دخلت على ما لا يقبل الجزم، لكن لو حلّ مكانه ما يقبل الجزم لجزم نحو ما تقدم من قوله تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ (٣) وأن تكون «الفاء» قد دخلت على نفس المضارع فارتفع، فلو حذفت الفاء لا يجزم الفعل على الجواب. وأما الصورتان المحترز عنهما: فإحداهما: لا يلزم لسقوطها الجزم بل يجوز، والثانية: لا يلزم بل يمتنع. فالصورة الأولى: إذا نصبت ما قرن بالفاء بعد فعل الشرط قبل فعل الجزاء، وكان الفعل المنصوب بعد «الفاء» قريبا من معنى الشرط، فإنك إذا حذفت «الفاء» جاز الجزم على البدل من فعل الشرط، وجاز الرفع على أن يكون الفعل في موضع الحال، مثال ذلك: إن تأتني فتمشي إليّ وتحسن إلى خالد أحسن إليك، فلا يجوز في «وتحسن إلى خالد» الجزم لأنه لو سقطت «الفاء» من: «فتمشي إليّ» لما تعين الجزم في: تحسن؛ إذ يجوز فيه الجزم على البدل كما قلنا، ويجوز الرفع على الحال. والصورة الثانية: إذا كان ذلك الفعل ليس قريبا من معنى فعل الشرط، فإنه إذا -

стр. 4189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حذفت «الفاء» لا يجوز الجزم فيه، مثال ذلك: إن تركب إليّ فتضحك وتقرأ أحسن إليك، فلا يجوز الجزم في: «وتقرأ»؛ لأنك لو حذفت الفاء من: فتضحك لم يجز الجزم، بل يرتفع الفعل على أنه في موضع الحال. كأنك قلت: إن تركب إليّ ضاحكا وقارئا أحسن إليك. انتهى. وأما قول المصنف: والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها كي جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب فقد عرفت معناه ومثاله من كلام بدر الدين. قال المصنف في شرح الكافية (١): وحكى الفراء عن العرب في المضارع المنفي بـ «لا» الجزم والرفع إذا حسن تقدير «كي» قبله، وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلت ولا ينفلت وأوثقت العبد لا يفرّ ولا يفرر، قال: وإنما جزم؛ لأن تأويله: إن لم أربطه فرّ، فجزم على التأويل، قال: وأنشدني بعض بني عقيل: ٣٩٠١ - وحتّى رأينا أحسن الفعل بيننا ... مساكتة لا يقرف الشّرّ قارف (٢) وقال: ٣٩٠٢ - لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا ... أتيتنا ماشيا لا يعرف الفرس (٣) بجزم: يقرف، ويعرف، ورفعهما. انتهى. قال الشيخ (٤): لم يذكر المصنف ولا ابنه خلافا في هذه المسألة وادّعيا أن العرب تجيز الجزم والرفع في مثل هذا، وقد خالفا في ذلك الخليل وسيبويه (٥) وسائر البصريين، فكان ينبغي أن ينبه على خلاف هؤلاء، وإذا كان خلاف هؤلاء لا ينقل، ويزعم أن العرب تقول مثل هذا اغترّ بذلك من ليس له اطلاع على مذاهب العرب، ولا على خلاف أئمة العرب، ولكن الظن يسعهما، أما ابن المصنف فلقلة محفوظه، وأما أبوه المصنف فلقلة اعتنائه بكتاب سيبويه، قال سيبويه (٦) رحمه الله تعالى: وسألته - يعني الخليل - عن: آتي الأمير لا يقطع اللّصّ، فقال (٧): الجزاء ها هنا خطأ، لا يكون الجزاء أبدا حتى يكون الكلام الأول غير واجب، إلا أن -

стр. 4190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يضطر الشاعر، ولا نعلم هذا جاء في الشعر ألبتة. يعني لا يكون الجزاء أي: لا يكون الجزم، وذكر أن الجزاء خطأ فصرح بأنه خطأ ثم قال: إلا أن يضطر الشاعر ثم قال: ولا نعلم هذا جاء في الشعر، ونفى عن نفسه أن يحفظ مثل هذا في الشعر، هذا على سعة علم الخليل وحفظه ومعرفته، فكيف يدّعي مدّع أن العرب تجزم مثل هذا؟ ثم نقل عن ابن عصفور: أنه تعرض إلى ذكر المسألة في كتبه، وأنه ذكر عن الكوفيين أنهم أجازوا ذلك، وأنه قال بجوازه في الضرورة، وذكر أنه استدل بالبيتين اللذين ذكرهما المصنف، ثم قال: - أعني الشيخ - ويمكن تخريج هذين البيتين على أن تكون «لا» في كل منهما ناهية، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أرينّك هاهنا، وقول النابغة: ٣٩٠٣ - لا أعرفن ربربا حورا مدامعه (١) فكأنه قال: لا تتعرض فأراك هاهنا، وكذلك لا تتعرضوا للقتال فأعرف ربربا فكذلك يقدر هاهنا: لا تتعرض لغير المجاملة فيقرف الشرّ قارف، أي: فيكتسب الشر مكتسب، ولا تتعرض للركوب فيعرف الفرس فتفتضح، وإذا احتمل أن يكون من باب ما صورته النهي، ويراد به النهي عن غيره وانتفاؤه هو لم يكن في ذلك دليل على جواز الجزم على المعنى الذي ذهب إليه الفراء والكوفيون، ووافقهم المصنف وابنه عليه، وحمله ابن عصفور عليه، ويؤيد هذا التأويل قول الخليل: ولا نعلم هذا جاء في الشعر ألبتة. فانظر تفاوت ما بين كلام المصنف وكلام الناس، هو يقول: العرب تقول كذا، والخليل يقول: هو خطأ، والأستاذ أبو الحسن يقول: هو ضرورة لا يقاس عليها في -

стр. 4191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشعر. انتهى. ولقد تحامل الشيخ على المصنف في قوله: إنه ادّعى أن العرب تجيز الجزم والرفع في مثل هذا، فإن المصنف لم يدّع ذلك، بل قال كما علمت: وحكى الفراء عن العرب في المضارع المنفي بـ «لا» الجزم والرفع إذا حسن تقدير «كي» قبله إلى آخر كلامه، ولم يسند إلى نفسه شيئا، ولم يثبت ولم ينف، وأما كونه ينسب المصنف إلى قلة اعتنائه بكتاب سيبويه ظنّا منه أنه لم يطلع على ما قاله الخليل وسيبويه في المسألة، فلا يرتضي من الشيخ أن يقول في حق المصنف ذلك مع شهادة المعتبرين له بالتبريز ومن يدرك غوامض الكتاب كيف تخفى عليه ظواهره؟ بل يقال: إن المصنف تأدب مع الخليل وسيبويه غاية التأدب، وذلك أنه لما رأى كلامهما يقتضي عدم جواز الجزم في هذه المسألة، ورأى الفراء - مع جلالة قدره في العلم - وحفظه - حكى الجزم عن العرب ذكر ما حكاه الفراء مقتصرا على ذلك، ولم يحكم من قبل نفسه بشيء، ولا شك أن العرب نطقت بذلك في البيتين اللذين تقدم إنشادهما، ويؤيد ذلك ذكر ابن عصفور [٥/ ١٣٢] أيضا المسألة المذكورة وإنشاده البيتين المذكورين، فلم يكن المصنف هو المنفرد بهذا الأمر، فقد ذكره غيره كما ذكره هو، والخليل رحمه الله تعالى لم ينف مجيئه إنما نفى العلم بمجيئه. ثم إن الخليل لما قال: إن الجزاء خطأ لا يكون الجزم أبدا، لم يقل المصنف هو مجزوم على الجواب كي لا يناقض كلامه كلام الخليل، بل قال: إن فيه الجزم سماعا عن العرب، ولا شك أنه مسموع نثرا ونظما. وأما كونه جائزا اختيارا أو ضرورة فلم يتعرض إليه المصنف، وأما كونه ضرورة أو غير ضرورة فلم يتعرض المصنف إلى ذكر ذلك، بل قال: حكي عن العرب، ولم يسند الحكاية إليه بل أسند ذلك إلى الإمام الكبير الذي عرفت، وبعد أن ذكر الشيخ ما ذكر قال (١): ويمكن تخريج البيتين اللذين استدل بهما المصنف وابنه على جواز الجزم في السعة، وابن عصفور على مجيئه في الضرورة على وجه غير ما ذكروه وهو أن تكون «لا» فيه ناهية، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أرينّك ها هنا، وقول النابغة: ٣٩٠٤ - لا أعرفن ربربا حورا مدامعه (٢) -

стр. 4192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كأنه قيل: لا تتعرض فأراك هاهنا، ولا تتعرضوا للقتال فأعرف ربربا، وهكذا يقدر هنا: لا تتعرض لغير المجاملة فيقرف الشر قارف أي: فيكتسب الشر مكتسب، ولا تتعرض للركوب فيعرف الفرس فتفتضح، قال: وإذا احتمل أن يكون من باب ما صورته النهي ويراد به النهي عن غيره وانتفاؤه هو لم يكن في ذلك دليل على جواز الجزم على المعنى الذي ذهب إليه الفراء والكوفيون، ووافقهم المصنف وابنه عليه، وحمله ابن عصفور عليه، ثم قال (١): وقوله: ٣٩٠٥ - لا يعرف الفرس (٢) من باب: ٣٩٠٦ - على لاحب لا يهتدى بمناره (٣) أي: لو جئت ماشيا لم يكن معك فرس فيعرف، فنفى عرفان الفرس، والمقصود نفي الفرس، قال: وقول المصنف: (والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي») لا يختص ذلك بأن يكون منفيّا بـ «لا» عند الكوفيين بل متى كان الفعل الموجب سببا للمجزوم، والمجزوم أعم من أن يكون منفيّا بـ «لا» أو مثبتا نحو: يأتي زيد الأمير يفلت اللّصّ، أي: إن يأته يفلت اللص، قال (٤): لكن المصنف لما رأى تمثيل الفعل منفيّا بـ «لا» والشاهد الذي أنشده منفيّا بـ «لا» أيضا اعتقد أن شرط جواز الجزم أن يكون منفيّا بـ «لا» وليس ذلك بشرط عندهم (٥)، قال (٦): فقوله: (الصّالح قبلها «كي»)، ينبغي أن يقول فيه: الصالح قبل الفعل «كي»، وهو معنى قول الكوفيين: أن يكون الفعل الموجب سببا للمجزوم، إلا أن يكون المصنف أحدث قولا ثالثا خالف فيه البصريين والكوفيين؛ لأن البصريين قالوا: ذلك خطأ (٧)، والكوفيون أجازوه (٨)، ولم يشترطوا فيه أن يكون -

стр. 4193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منفيّا بـ «لا» والمصنف شرط ذلك، فهو قول ثالث لم يتقدمه إليه أحد. انتهى. ويا للعجب!! قد عرفت أن المصنف لم يحكم في المسألة المذكورة بشيء من قبل نفسه حتى يقال إنه أحدث قولا ثالثا، ولم ينسب إجازة ذلك إلى بصري ولا كوفي حتى يحتاج أن يشترط في المسألة شيئا أو لا يشترط، وإنما نقل عن الفراء أن العرب تقول: كيت وكيت، والفراء إمام كبير، رأس الكوفيين بعد الكسائي، فمن أجل ذلك قال في التسهيل: والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي» جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب مقتديا في ذلك بنقل الفراء. ثم قال الشيخ (١): ولم يبين المصنف وجه جواز الرفع ولا وجه جواز الجزم في هذه المسألة، وقد ذكرنا وجه جواز الجزم على مذهب من أجازه، وأنه لوحظ فيه على قولهم معنى الشرط والجزاء وإن لم يكن بأداة ذلك، ولا من الأشياء التي تقدم ذكرها، وأما وجه الرفع فلم أر أحدا تعرض له، ومعنى الكلام يقتضي أنه متعلق بما قبله تعلقا لا يمكن انفصاله منه؛ لأن الكلام في قوة الجملة الواحدة، وليس جملتين مستقلتين؛ لأن المعنى ليس على الإخبار بأنه يأتي الأمير زيد، ثم أخبر بعد ذلك أن الأمير لا يقطع اللص، وإذا لم يكن الكلام جملتين مستقلتين فالجملة الثانية هي في قوة المفرد، وإذا كانت كذلك فلا يمكن أن تكون في موضع الحال لفساد المعنى؛ لأنه لا يريد: ربطت الفرس غير منفلت، ولا: زيد يأتي الأمير غير قاطع اللص، وإنما المعنى: أني ربطت الفرس لئلا ينفلت، وإنّ زيدا يأتي الأمير لئلا يقطع اللص، فهو مفعول من أجله حذفت منه اللام فبقي: ربطت الفرس أن لا ينفلت، وزيد يأتي الأمير أن لا يقطع اللص (٢)، ثم اتسعت العرب في ذلك فحذفت «أن» فارتفع الفعل على حد ارتفاعه بعد حذف «أن» في قول الشاعر: ٣٩٠٧ - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى (٣) -

стр. 4194

[جواز إظهار «أن» وإضمارها بعد عاطف على اسم صريح وبعد لام التعليل] قال ابن مالك: (تظهر «أن» وتضمر بعد عاطف الفعل على اسم صريح، وبعد لام الجرّ غير الجحوديّة ما لم يقترن الفعل بـ «لا» بعد اللّام فيتعيّن الإظهار، ولا تنصب «أن» محذوفة في غير المواضع المذكورة إلّا نادرا، وفي القياس عليه خلاف). ــ وقولهم: مره يحفرها (١)، وقد روي: يحفرها بالجزم على الجواب، وبالنصب على إضمار «أن»، وبالرفع على ما ذكرناه. قال ناظر الجيش: قد تقدم أن «أن» الناصبة لها أحوال ثلاث: وجوب إضمار، وجواز إظهار وإضمار، ووجوب إظهار، ولما انتهى الكلام على الحالة الأولى حصل الشروع الآن في ذكر الحالتين الأخريين وهما جواز الأمرين، ووجوب الإظهار، فجواز الأمرين يكون بعد الحرفين اللذين تقدم ذكرهما وهما: لام الجر غير الجحودية ما لم يلها «لا»، وحرف العطف الواقع قبله اسم وبعده فعل ووجوب الإظهار إذا ولي لام الجر المذكورة «لا» النافية. قال الإمام بدر الدين (٢): اطرد نصب [٥/ ١٣٣] المضارع بإضمار «أن» جائزة الإظهار في موضعين: أحدهما: أن يكون الفعل معطوفا على اسم صريح كقول الشاعر: ٣٩٠٨ - ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف (٣) أراد: ولبس عباءة وأن تقر عيني، فحذف «أن» وأبقى عملها، ولو استقام الوزن بإظهار «أن» لكان أقيس، ولا يختص هنا الإضمار بالمعطوف بـ «الواو» بل يجوز -

стр. 4195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في المعطوف بغيرها كـ «الفاء» و «ثم» و «أو» فمثاله بالفاء قول بعض الطائيين: ٣٩٠٩ - لولا توقّع معتر فأرضيه ... ما كنت أوثر أترابا على ترب (١) ومثاله بـ «ثم» قول الآخر: ٣٩١٠ - إنّي وقتلي سليكا ثمّ أعقله ... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر (٢) ومثاله بـ «أو» قراءة السبعة إلّا نافعا: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا (٣) بنصب (يرسل) عطفا على (وحيا،) وأصله: أو أن يرسل رسولا. ومثله قول القائل: ٣٩١١ - ولولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سليم أن أسوءك علقما (٤) والثاني: أن يكون بعد لام الجر غير المؤكد للنفي وهي لام التعليل كما في نحو: جئت لتحسن، ولام العاقبة كما في قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (٥) والزائدة كما في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ (٦) فإن الفعل إذا وقع بعد إحدى هذه اللامات كان نصيبا بإضمار «أن» لأن اللام حرف جر فهي كسائر عوامل الأسماء في امتناع دخولها على الأفعال فإذا وليها الفعل وجب أن يكون مقدرا بـ «أن» ليكون معها اسما مجرورا باللام فنصبوه بها وإن -

стр. 4196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شئت أظهرت «أن» نحو: جئت لئلّا يجيء، ولا يجوز إضمار «أن» بعد غير اللام من حروف الجر، خصوها بذلك لكثرة دور معناها في الكلام. وقد تحذف «أن» قبل المضارع في غير المواضع فتلغى غالبا كقولهم: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» (١)، وقول الشاعر: ٣٩١٢ - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي (٢) وقول الآخر: ٣٩١٣ - وما راعني إلّا يسير بشرطة ... وعهدي به قينا يفشّ بكير (٣) تقديره: أن تسمع، وعن أن أحضر، وإلّا أن يسير، ولكنهم رفعوا؛ لأنهم ألغوا «أن» لما ضعفت بالحذف على غير القياس، وقد لا يلغونها فينصبون بها المضارع كقوله: ٣٩١٤ - فلم أر مثلها خباسة واحد ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله (٤) قال سيبويه (٥): أراد بعد ما كدت أن أفعله، وهو قليل لا يقاس عليه، ورآه -

стр. 4197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكوفيون مقيسا (١)، وحكوا: خذ اللصّ قبل يأخذك (٢)، وأنشدوا: ٣٩١٥ - ألأ أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى (٣) انتهى كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى (٤). ولما كان الملفوظ به العاطف إذا لم تذكر «أن» فعلا قال المصنف: بعد عاطف الفعل، وإن كان العاطف في الحقيقة إنما عطف اسما مقدرا على الاسم الذي قبله. وقوله: (على اسم) يشمل ما كان مصدرا، وما كان اسما غير مصدر كما في الأمثلة التي ذكرت. وأما قوله: صريح فقال الشيخ (٥): احترز به من العطف على المصدر المتوهّم، فإن ذلك يجب فيه إضمار «أن»، وما قاله الشيخ غير ظاهر، فإن هذا الكلام يقتضي أن المصدر المتوهم كان مقدرا قبل العطف، فلما جاء العاطف عطف عليه، وليس الأمر كذلك، وإنما لما حصل العطف ونصب الفعل بـ «أن» مقدرة تعين أن يقدر قبل العاطف مصدرا متوهّما ليصح عطف الاسم المقدر عليه، وإذا كان كذلك فلا يتجه القو بأنه احترز بـ (صريح) من العطف على المصدر المتوهم، والذي يظهر بل ربما يتعين أنه احترز بقوله: (صريح) عما احترز عنه بقوله في الألفية: (خالص) حيث قال: وإن على اسم خالص فعل عطف ... تنصبه أن ثابتا أو منحذف وفسر ولده بدر الدين ذلك بأن يكون غير مقصود به معنى الفعل، قال (٦): واحترز بذلك من نحو: الطائر فيغضب زيد الذّباب، فإن: «يغضب» معطوف على اسم الفاعل، ولا يمكن أن ينصب؛ لأن اسم الفاعل مؤول بالفعل؛ لأن التقدير: الذي يطير فيغضب زيد الذباب. ثم إننا نشير بعد هذا إلى أمرين: أحدهما: أنك قد عرفت من كلام بدر الدين أن «لام الجر» التي يجوز إظهار «أن» بعدها وإضمارها وهي غير التي للجحود ثلاثة أقسام: لام التعليل، ولام العاقبة، والزائدة. -

стр. 4198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأما لام التعليل فهي الأصل، وأما لام العاقبة وهي التي تسمى: لام الصيرورة، ولام المآل أيضا (١) كالتي في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (٢)، وفي قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها (٣)، ومنه قول العرب: ٣٩١٦ - لدوا للموت وابنوا للخراب (٤) فالمنقول أن المثبت لها الكوفيون (٥)، وعزي إلى الأخفش أيضا (٦)، وأن البصريين لا يخرجونها عن التعليل فيجعلونها في مثل ذلك لام السبب على جهة المجاز؛ لأنه لما كان ناشئا عن التقاط موسى ﷺ ، كونه صار عدوّا، صار كأنه التقط لذلك، وإن كان التقاطه في الحقيقة إنما كان ليكون لهم حبيبا وابنا (٧)، وكذلك يقال في الآية الشريفة التي هي وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها، وكذا يقال في قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ... الآية (٨). -

стр. 4199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما «اللام» في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ (١) فهي ثالثة الأقسام، وقد حكم بدر الدين بزيادتها كما عرفت، لكن قال الشيخ (٢): دعوى الزيادة على خلاف الأصل. ثم ذكر في نحوها أقوالا ثلاثة: أحدها: للفراء قال (٣): زعم الفراء (٤) أن العرب تجعل [٥/ ١٣٤] لام «كي» في موضع «أن» في أردت وأمرت، قال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا (٥) وأَنْ يُطْفِؤُا (٦)، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (٧). وقال الشاعر (٨). ٣٩١٧ - أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تخيّل لي ليلى بكلّ طريق (٩) وقال تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ (١٠)، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ (١١)، وإلى ما ذهب إليه الفراء ذهب الكسائي. -

стр. 4200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثانيها: ذهب سيبويه (١) وأصحابه إلى أن اللام دخلت هنا لإرادة المصدر، كأنه قيل: الإرادة للبيان وإرادتي لهذا. قال (٢): وكلا المذهبين ضعيف، أما مذهب الفراء فمبناه على أن اللام عاملة النصب لوقوعها موقع «أن» وقد علم أن اللام حرف جر، وليس من شأنها أن ينصب بها، قال: وقد قال أبو إسحاق (٣): لو كانت اللام بمعنى «أن» لم يجز اجتماعها مع «كي» لأن «أن» لا تدخل على «كي»، وأما مذهب سيبويه فلوجهين: أحدهما: أنه سبك مصدرا من غير حرف سابك مع الفعل. والثاني: أنه لو كان كما ذهب إليه لجاز: ضربت لزيد على معنى: الضرب لزيد، وهذا لا يجوز. ثالثها: القول بالزيادة، قال (٤): والصحيح أن اللام في هذين الفعلين كهي مع غيرهما من الأفعال، قال: وإنما حمل الفراء وسيبويه وابن المصنف على ما ذهبوا إليه كونهم لم يجدوا مفعولا لـ «أراد» فجعلوا ما دخلت عليه اللام منصبّا عليه الفعل السابق، فادعى الفراء أن اللام وقعت موقع «أن» ولا سيما وقد وجد ذلك مصرحا به في نحو: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ (٥) ويُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا (٦) فتأول الحرف. وسيبويه تأول الفعل بأن جعله بمعنى المصدر وأنه في موضع رفع بالابتداء، قال (٧): والذي نختاره ما اختاره بعض أصحابنا من أن مفعول «يريد» محذوف، ومتعلق «أمر» محذوف والتقدير: يريد الله ما يريد ليبين لكم، وأمرنا بما أمرنا لنسلم، وأما قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ فلا يتعين أن تكون «أن» والفعل متعلق الفعل السابق؛ إذ يحتمل أيضا حذف المفعول وأن «أن» مضمر قبلها حرف الجر؛ لأن حرف الجر يضمر قبلها كثيرا، والتقدير: يريدون ما يريدون من الكفر والمكر أن يطفئوا أي: ليطفئوا، فتكون إذ ذاك لام العلة، وكذلك وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ أي: أمرت بما أمرت أن أسلم أي: -

стр. 4201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن أسلم، قال: فيكون المعنيان في ذكر اللام وحذفها سواء، وحذف المفعول لدلالة المعنى عليه. انتهى. وهذا الذي ذكره من التخريج في يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ يبعد وإذا كان ما بعد «يريدون» و «أمرت» صالحا لتسلطهما عليه استغنى عن تقدير مفعول محذوف، ويدل على أن أَنْ يُطْفِؤُا، وأَنْ أُسْلِمَ متعلقان بما قبلهما قوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها (١) فإن المقصود من هذه الآية الشريفة الحصر، إذ المعنى: ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى، وإذا جعل التقدير: إنما أمرت بما أمرت لأن أعبد فات معنى الحصر مع أنه هو المقصود، وإذا ثبت في ذلك في هذه الآية الشريفة تعيّن أن يثبت في ما هو نظيرها، والمحوج إلى تقدير مفعول محذوف في نحو قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، ويُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا، ووَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ إنما هو عدم صلاحية مدخول «اللام» للمفعولية، فإذا كان ما بعد يُرِيدُونَ» أو أُمِرْتُ * صالحا لأن يكون مفعولا انتفى الاحتياج إلى التقدير (٢). الأمر الثاني: أن الشيخ ذكر في شرحه فروقا بين اللامين - أعني لام الجحود ولام «كي» - فقال (٣): «ولما كان بين لام الجحود ولام «كي» قدر مشترك من كونهما حرفي جر، وكونهما تضمر «أن» بعدهما - وإن اختلفت جهتا الإضمار - فإنه واجب مع لام الجحود جائز مع لام «كي»، أردنا أن نذكر ما بينهما من الفرق: فمنها: ما ذكر من حكم الإضمار (٤). ومنها: أن فاعل لام الجحود لا يكون غير مرفوع «كان» فلا يجوز: ما كان زيد ليذهب عمرو. -

стр. 4202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أنه لا يقع قبلها فعل مستقبل فلا تقول: لن يكون زيد ليفعل، ويجوز ذلك في الفعل قبل لام «كي» فتقول: سأتوب ليغفر الله لي. ومنها: أن الفعل المنفي لا يكون مقيدا بظرف فلا يجوز: ما كان زيد أمس ليضرب عمرا، أو يوم كذا ليفعل، ويجوز ذلك في الفعل قبل لام «كي» فتقول: جاء زيد أمس ليضرب عمرا. [ومنها: أنه لا يوجب الفعل معها فلا يجوز: ما كان زيد إلا ليضرب عمرا] ويجوز ذلك مع لام «كي» فتقول: ما جاء زيد إلا ليضرب عمرا. [ومنها: أنه لا يقع موقعها «كي» لا تقول: ما كان زيد كي يضرب عمرا]. ويجوز ذلك في لام «كي» فتقول: جاء زيد كي يضرب عمرا. ومنها: أن المنصوب بعدها لا يكون سببا فيما قبلها، وهو كذلك بعد لام «كي». ومنها: أن النفي متسلط مع لام الجحود على ما قبلها وهو المحذوف الذي تتعلق به اللام، فيلزم من نفيه نفي ما بعد اللام، وذلك على مذهب البصريين (١)، وفي لام «كي» يتسلط على ما بعدها نحو: ما جاء زيد ليضربك، فينتفي الضرب خاصة ولا ينتفي المجيء إلا بقرينة تدل على انتفائه. ومنها: أن لام الجحود لا تتعلق إلا بمعنى الفعل الواجب حذفه، فإذا قلت: ما كان زيد ليقوم فكأنك قلت: ما كان زيد مستعدّا للقيام، يقدّر في كل موضع ما يليق به على حسب مساق الكلام، ففي قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (٢) تقديره: مريدا لإطلاعكم على الغيب، وأما لام «كي» فإنها متعلقة بالفعل الظاهر الذي هو معمول للفعل الذي دخلت عليه. ومنها: أن لام الجحود تقع بعد ما لا يستقل أن يكون كلاما دونها، ولام «كي» لا تقع إلا بعد ما يستقل كلاما، فأما قول الشاعر: -

стр. 4203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٩١٨ - فما جمع ليغلب جمع قومي ... مقارنة ولا فرد لفرد (١) فظاهره أن لام «كي» دخلت بعد ما لا يستقل كلاما؛ لأنه لم يتقدمها إلا قوله: فما جمع وليس بكلام، وتأوله الفراء (٢) على أن لام [٥/ ١٣٥] «كي» دخلت على اسم لا فعل له؛ لأن الاسم مأخوذ من الفعل ودالّ عليه، والتقدير عنده: فما قوم يجتمعون ليغلبوا، فأدى «جمع» هذا المعنى، وهذا التأويل ليس بجيد؛ لأن لام «كي» مع ما بعدها من الفضلات وما قبلها لا يكون إلا مستقلّا، ولو صرح بقوله: فما قوم يجتمعون لم يكن أيضا كلاما. وتأوّله بعض أصحابنا على أن اللام فيه لام الجحود و «كان» مضمرة لدلالة المعنى عليه، التقدير: فما كان جمع ليغلب جمع قومي، قال (٣): قال هذا المتأوّل: ونظير ذلك قول أبي الدرداء (٤) في الركعتين بعد العصر: «ما أنا لأدعهما» (٥)، أي: ما كنت لأدعهما، فأضمر «كان» فانفصل الضمير الذي هو اسمها. انتهى ما أشار إليه من الفروق، ولا يخفى أن بعض ما ذكره غير محتاج إلى التنبيه عليه؛ لأن ذلك يعرف من جهة المعنى الذي وضع الحرف له مثلا قوله: إن المنصوب بعد لام الجحود لا يكون سببا فيما قبلها، بخلاف لام «كي»، يقال فيه: كيف يتصور ذلك ولام «كي» إنما هي للتعليل؟ فوضعها أن تكون داخلة على ما هو علة وسبب، ولام الجحود وضعها أن تكون لتوكيد النفي الذي تقدمها، فالمنافاة بينهما في ذلك حاصلة بالوضع. وكذا قوله أولا: إن إضمار «أن» مع لام الجحود واجب ومع لام «كي» -

стр. 4204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جائز. فإن هذا هو حكم كل منهما. وحاصل الأمر: أن الحرفين المذكورين لم يكن بينهما اجتماع في شيء فيحتاج إلى أن يفرق بينهما، غاية ما في الباب أن لفظهما مشترك فيه بين المعنيين، وأما في المعنى فليس بينهما اشتراك في شيء منه، وإنما يحتاج إلى الفرق بين أمرين إذا اشتركا في معنى وافترقا في آخر. وأما قول المصنف: ولا تنصب «أن» محذوفة في غير المواضع المذكورة إلّا نادرا، وفي القياس عليه خلاف فظاهر، لكن في كلام الشيخ أن حذف «أن» من أصله في غير المواضع المذكورة فيه خلاف، فإنه قال في الارتشاف (١): ولا يجوز أن تحذف «أن» في غير ما تقدم ذكره، بل يجب إظهارها، هذا مذهب جماعة؛ منهم متأخرو أصحابنا، وذهب جماعة إلى أنه يجوز حذفها في غير تلك المواضع، واختلفوا فذهب أكثرهم إلى وجوب رفع الفعل بعد الحذف، وهو مذهب أبي الحسن (٢)، ومذهب أبو العباس (٣) إلى أن العمل يبقى بعد الحذف. انتهى. ولكنه استشهد في الشرح (٤) على الحذف بعد ذكر الأبيات التي تقدم إنشادها بقوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٥) أي: أن أعبد، وبقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (٦) أي: أن لا تعبدوا إلا الله. وبعد أن ثبت الحذف في هاتين الآيتين الشريفتين كيف يسوغ القول بمنعه؟ على أن الشيخ بعد ذكر آيات الكتاب العزيز، وذكر ما تقدم من الأبيات قال (٧): وفي هذه الشواهد دليل على جواز الحذف ثم قال: ولأن الحذف مع لام «كي» وبعد العاطف على اسم إنما هو للدلالة على الناصب وكذلك في هذه المواضع؛ لأن العامل إذا تسلط على الفعل - وليس من عوامله - علم أنه لا يعمل فيه فاحتيج إلى سابك لذلك الفعل إلى الاسم فجاز الحذف لهذا المعنى. انتهى.

стр. 4205

[«أن» الزائدة ومواضع ذلك و «أن» المفسرة وأحكام لها] قال ابن مالك: (فصل: تزاد «أن» جوازا بعد «لمّا» وبين القسم و «لو»، شذوذا بعد كاف الجرّ، وتفيد تفسيرا بعد معنيّ القول لا لفظه، وتفيده «أي» غالبا فيما سوى ذلك، وتقع بين مشتركين في الإعراب فتعدّ عاطفة على رأي، وإن ولي «أن» الصّالحة للتّفسير مضارع معه «لا» رفع على النّفي، وجزم على النّهي، ونصب على النّفي وجعل «أن» مصدرية ولا تفيد «أن» مجازاة خلافا للكوفيين ولا نفيا خلافا لبعضهم). ــ وأما توجيه وجوب الرفع بعد حذف «أن» فظاهر؛ لأن المقتضي للعمل قد زال، ولأن عمل «أن» ضعيف ليس بأصل، بل بالحمل على عوامل الأسماء، فلا يناسب إبقاء العمل بعد حذفها (١). قال ناظر الجيش: «أن» أربعة أقسام: مخففة من «أنّ»، وناصبة للفعل، وزائدة، ومفسرة. وقد تقدمت الإشارة إلى الأوليين، وهذا الفصل يتضمن الإشارة إلى الأخريين، وهما: الزائدة والمفسرة، قال الإمام بدر الدين (٢) رحمه الله تعالى: «أن» في الكلام على ثلاثة أضرب: مصدرية، وزائدة، ومفسرة. فالمصدرية نحو: أريد أن تفعل، وعلمت أن سوف يقوم زيد، وقد تقدم ذكرهما، والزائدة: هي التي دخولها في الكلام كخروجها وتقع بعد «لمّا» الحينية كقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ (٣)، وبين القسم و «لو» كقولك: أما والله أن لو قام زيد قام عمرو، ومثله قول الشاعر: ٣٩١٩ - فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشّرّ مظلم (٤) -
следующие страницы →