← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثله قول الآخر: ٣٩٣٩ - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... مردّفات على أحناء أكوار (١) وقد فصل بين «لا» ومجزومها في الضرورة كقول الشاعر: ٣٩٤٠ - وقالوا أخانا لا تخشّع لظالم ... عزيز ولا ذا حقّ قومك تظلم (٢) أراد: ولا تظلم ذا حق قومك، وهذا رديء؛ لأنه شبيه بالفصل بين الجار والمجرور. هذا آخر كلامه على «اللام» و «لا» وقد تضمن ما تضمنه من بيان متن الكتاب - أعني التسهيل - شرحا وتعليلا، ولكنا نشير إلى التنبيه على ما لم يتضمنه كلامه في الشرح المذكور فمن ذلك: أنه أشار بقوله في اللام: (وفتحها لغة)، إلى ما ذكره الفراء عند كلامه على قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ (٣) قال (٤): بنو سليم يفتحون لام الأمر نحو: ليقم زيد. ومنه: أن قوله: (وتلزم في النّثر في فعل غير الفاعل المخاطب) يشمل فعل ما لم يسمّ فاعله مطلقا أي سواء أكان لمخاطب أم متكلم أم غائب، وفعل الفاعل المتكلم وحده أو مشاركا، وفعل الفاعل الغائب فـ «اللام» في كل هذا واجبة الذكر، أما فعل أمر الفاعل المخاطب، فالغالب خلوه منها ومن حروف المضارعة كما أشار إليه. وأما قوله: (خلافا لمن أجاز حذفها في نحو: قل له ليفعل) فلا شك أن هذا الكلام يناقض ما ذكره في شرح الكافية، وقد [٥/ ١٤٤] قرر الإمام بدر الدين (٥) -

стр. 4237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك ولم يتعرض إلى ما ذكره والده في شرح الكافية، وكلام الشيخ موافق لكلام بدر الدين فإنه قال (١): «والصحيح أن حذف لام الأمر وإبقاء عملها لا يجوز إلا في الشعر سواء أتقدم أمر بالقول أو قول غير أمر أم لم يتقدم قول. ومنه: أنه عنى بقوله: (ويلزم آخره ما يلزم المجزوم) أنه إن كان مسندا إلى «الألف» أو «الواو» أو «الياء» يقال فيه: اضربا واضربوا واضربي كما يقال: لم تضربا ولم تضربوا ولم تضربي، وإن لم يكن مسندا إلى أحد الثلاثة وهو صحيح الآخر يقال فيه: اضرب كما يقال: لم يضرب، وإن كان معتل الآخر يقال فيه: اغز، وارم، واخش، كما يقال: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش. وإذا قد عرف هذا فلنذكر كلام بدر الدين رحمه الله تعالى قال (٢): عوامل الجزم: لام الأمر، و «لا» التي للنهي، و «لم» و «لما» أختها، و «إن» الشرطية وما ضمنّ معناها، وإنما عملت الجزم؛ لأنها اختصت بالأفعال ولازمتها ولم تتنزل منها منزلة الجزء فاقتضى ذلك أن تؤثر فيها وتعمل؛ لأن كل ما لزم شيئا أثّر فيه غالبا فعملت فيه الجزم لأنه أنسب؛ وذلك لأن الفعل بعد لام الأمر شبيه بالأمر المبني على السكون ومثله في المعنى فحمل عليه في اللفظ فأعرب بالجزم الشبيه بالبناء، وأما النهي فإنه يجزم فعله لأنه نقيض الأمر المبني كما يجزم الفعل بـ «لم» و «لما»؛ لأنه نقيض الماضي، والماضي مبني، وأما «إن» الشرطية فلأنها تقتضي جملتين: شرطا وجزاء فعملت الجزم لأنه أخف وأحسن مع الإطالة. واعلم أن الفعل يجزم باللام في الأمر وهو: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء نحو: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ (٣)، وفي الدعاء وهو: طلب الفعل على سبيل الخضوع نحو: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ (٤)، ومثله قول أبي طالب: ٣٩٤١ - يا ربّ إمّا تخرجنّ طالبي ... في مقنب من تلكم المقانب فليكن المغلوب غير الغالب ... وليكن المسلوب غير السّالب (٥) -

стр. 4238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلذلك سماها: لام الطلب. والنحويون يسمونها: لام الأمر (١) لأنه الأصل فيها، ولام الأمر مبنية على الكسر؛ لأنه أقرب إلى الجزم لأنه حركة مقابل مقابله وهو الجر، ومن العرب من يبنيها على الفتح قال الفراء (٢) في كلامه على قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ (٣): بنو سليم يفتحون لام الأمر نحو: ليقم زيد. وإذا وقعت لام الأمر بعد «الفاء» و «الواو» و «ثم» جاز تسكينها حملا على «فعل» وإجراء للمنفصل مجرى المتصل لكثرة الاستعمال (٤)، وهو مع «الفاء» و «الواو» أعرف من التحريك ولذلك اتفق القراء (٥) على التسكين فيما سوى وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا (٦)، وَلِيَتَمَتَّعُوا (٧)، مما ولي «واوا» أو «فاء» كقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي (٨) وقوله تعالى: فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ (٩) وقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ (١٠)، وأما تسكين اللام بعد «ثم» فقليل ومنه قراءة أبي عمرو وغيره: (١١) ثم ليقضوا تفثهم (١٢). وتلزم لام الأمر في النثر فعل غير الفاعل المخاطب وهو فعل الفاعل الغائب والمتكلم وحده أو مشاركا، وفعل ما لم يسم فاعله مطلقا كقولك: ليقم زيد، وقوله ﷺ : «قوموا فلأصلّ لكم» وقوله تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ (١٣)، وقولهم: لتعن -

стр. 4239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحاجتي وليزه زيد علينا (١)، فاللام في كل هذا واجبة الذكر ولا يجوز حذفها في مثله إلا في الشعر فإنه محل الاختصار والتغيير فيجوز فيه حذف اللام وجزم الفعل بها مضمرة لاضطرار ودونه، فالأول كقول الشاعر: ٣٩٤٢ - فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب (٢) أراد: ليكن للخير منك نصيب ولكنه اضطر فحذف (٣). والثاني كقول الآخر: ٣٩٤٣ - على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (٤) لتمكنه من أن يقول: وليبك من بكى، ومثله قول الآخر: ٣٩٤٤ - قلت لبوّاب لديه دارها ... تيذن فإنّي حمؤها وجارها (٥) لأنه لو لم يؤثر الجزم باللام المحذوفة لقال: إيذن بلفظ الأمر، فأما قول الشاعر (٦): ٣٩٤٥ - محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا (٧) فليس يثبت لجواز أن يكون أراد: تفدي نفسك على الخبر، ولكن حذف الياء تخفيفا كما حذفوا من: كرامي الأيد يريدون: الأيدي، وكذا ما أنشده الفراء (٨): ٣٩٤٦ - من كان لا يزعم أنّي شاعر ... فيدن منيّ تنهه مني المزاجر (٩) -

стр. 4240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنه لو أراد الأمر لقال: فليدن مني، وإنما أراد عطف «يدنو» على «لا يزعم» وحذف «الواو» من «يدنو» لدلالة الضمة عليها كما قال: ٣٩٤٧ - فيا ليت الأطبّا كان حولي (١) فحذف «واو» الضمير اكتفاء بالضمة، وأما «تنهه» فمجزوم لأنه جواب «من» (٢). ولا يجوز في غير الشعر حذف لام الأمر خلافا للكسائي (٣)، قال ثعلب (٤): قال الكسائي في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا (٥): هو ليغفروا فأسقط «اللام» وترك «يغفروا» مجزوما قلت: والوجه أن يكون مجزوما بجواب الأمر (٦) على معنى: إن يقل لهم اغفروا يغفروا، والغالب في أمر الفاعل المخاطب خلوّه من «اللام» ومن حرف المضارعة، وقد لا يخلو منهما كقراءة عثمان وأنس وأبيّ (فبذلك فلتفرحوا)، وكقوله ﷺ : «لتأخذوا مصافّكم» وهو قليل، والكثير المعروف في كلامهم مجيء أمر الفاعل المخاطب مجردا من «اللام» ومن حرف المضارعة مجعولا آخره كآخر المجزوم، فإن لم يتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة فإن كان صحيحا فهو ساكن الآخر نحو: اذهب واضرب واخرج، وإن كان معتلّا فهو محذوف [٥/ ١٤٥] الآخر نحو: اخش وارم واغز، وإن اتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة ثبتت في آخره بغير نون نحو: اضربا، واضربوا، واضربي، وليس ذلك جزما بل بناء؛ لأن دلالة «اضرب» ونحوه على الأمر إما بإضمار اللام وهو مضارع محذوف منه حرف المضارعة، وإما بتضمن معناها وهو مثال مأخوذ من لفظ المصدر للدلالة على الحدث والنسبة تفيد الطلب، لا جائز أن يكون بالإضمار لما فيه من كثرة الحذف لغير موجب فتعيّن أن يكون -

стр. 4241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالتضمين، وإذا كانت دلالة «اضرب» ونحوه على الأمر بتضمن معنى «اللام» وجب الحكم عليه بالبناء لوجهين: أحدهما: عدم وجود علة الإعراب فيه وهو شبه الاسم، فإن المضارع إنما أعرب لشبهه بالاسم إما لجواز قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة وإما في احتمال الإبهام والتخصيص وقبول لام الابتداء، والجريان على حركات اسم الفاعل وسكناته، وذلك وشبهه مفقود من فعل الأمر فوجب أن يكون مبنيّا كالماضي. الثاني: أن فعل الأمر لو كان معربا لكان مجزوما، لأنه أبدا ساكن الآخر أو محذوفه، ولو كان مجزوما لكان الجازم له إما اللام وإما غيرها، لا جائز أن يكون مجزوما باللام لأن المتضمن يمنع من إظهار مثله؛ لأنه لا فائدة فيه، ولا يصح أن تعمل متضمنة كما لا يعمل الشيء في نفسه، ولا جائز أن يكون مجزوما بغيرها لاستحالة تقديره فتعيّن الحكم عليه بالبناء. وذهب الكوفيون (١) إلى أن فعل الأمر مجزوم بلام محذوفة وهو مضارع حذف منه حرف المضارعة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لوجوب حذف آخر المعتل منه وجه، وهو ضعيف لجواز أن يكون الوجه في حذف آخر المعتل من الأمر هو طلب التخفيف استثقالا بحرف العلة المتطرف الساكن، ثم التزموا حذفه كما أجازوا حذف المتحصن بالحركة المقدرة كقراءة من قرأ (٢) يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه (٣) وذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ (٤)، ولو لم يكن لحذف آخر فعل الأمر المعتل وجه من المناسبة والاستحسان لكان دعواه أيسر من دعوى حذف لام الأمر وحرف المضارعة. والمشهور عن الأخفش (٥) موافقة سيبويه في الحكم على فعل -

стр. 4242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأمر بالبناء، وعنه أيضا قول آخر (١) وهو أن فعل الأمر مجزوم بمعنى الأمر، وهو قول بما لا نظير له من غير دليل عليه. وكذا يجزم الفعل بـ «لا» الطلبية وهي الدالة على النهي عن الفعل كقوله تعالى: لا تَحْزَنْ (٢) أو الدعاء بتركه لشخص أو عليه فالأول كقوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا (٣)، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً (٤)، والثاني كقول الشاعر: ٣٩٤٨ - بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه ... ألا إنّما يبكي من الذّلّ دوبل (٥) وقد يليها معمول مجزومها كقول الشاعر: ٣٩٤٩ - وقالوا أخانا لا تخشع لظالم ... عزيز ولا ذا حقّ قومك تظلم (٦) أراد ولا تظلم ذا حق قومك. وأكثر ما تجزم «لا» فعل المخاطب أو الغائب وقد يجزم بها فعل المتكلم وهو أقل من جزمه باللام ومنه قول الأعشى (٧): ٣٩٥٠ - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... مردّفات على أحناء أكوار (٨) وقول الآخر: ٣٩٥١ - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... بها أبدا ما دام فيها الجراضم (٩) -

стр. 4243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتهى كلام بدر الدين (١) وبعضه يحتاج إلى تأمل، وبعض منه يحتمل البحث فيه. ثم لا بد من التنبيه على أمور: منها: أنه لا يجوز أن يفصل بين «لام» الأمر وبين ما عملت فيه لا بمعمول الفعل ولا بغيره فهي أشد اتصالا من حروف الجر؛ لأن حرف الجر فصل بينه وبين مدخوله بالقسم، روى عن العرب: اشتريته بو الله ألف درهم (٢)، ولا يجوز في «اللام»؛ ذلك لأن عامل الجزم أضعف من عامل الجر (٣). ومنها: أنه لا يجوز أن يتقدم عليها - أعني اللام - معمول فعلها إذا كان مما يجوز تقديمه في فعل الأمر بغير لام فيجوز أن تقول: زيدا ليضرب عمرو كما يجوز: زيدا اضرب. ومنها: أن قول المصنف في «لا» الطلبية: (وقد يليها معمول مجزومها) ظاهره يعطي أن ذلك يجوز في الكلام على قلة، لكنه قد قال في شرح الكافية كما علمت: إن ذلك مخصوص بالضرورة، وقال: إنه رديء أيضا. ومنها: أن قول المصنف أيضا: (وجزم فعل المتكلّم بها - يعني بـ «لا» - أقلّ من جزمه باللّام) ليس المراد به الإطلاق؛ لأن الفعل إذا كان مبنيّا للمفعول جاز دخول «لا» المذكورة عليه مطلقا سواء أكان لمتكلم أم مخاطب أم غائب نحو: لا أخرج، ولا تخرج، ولا يخرج زيد، أما إذا كان مبنيّا للفاعل فالأكثر كونه للمخاطب نحو: لا تذهب، ويضعف للغائب والمتكلم، والفرق بينه وبين المبني للمفعول أنه لا يلزم في المبني للمفعول أن يكون المنهي غائبا ويلزم ذلك في المبني للفاعل، فإذا قيل: لا أخرج، أو لا يخرج زيد مبنيّا للمفعول احتمل أن يكون الفاعل المحذوف هو المسند إليه الفعل أو غيره، وأما إذا بناه للفاعل فقال: لا أخرج أو لا يخرج زيد فإنه في التّكلّم لا ينهى نفسه إلا على ضرب من التجوّز وتنزيلها منزلة أجنبي حتى ينهاها وأما في الغائب فمحال أن ينهى الغائب، وإنما يكون ذلك أيضا على نوع من التجوز بأن يوصل إليه النهي، وحقيقة الأمر والنهي إنما هو خطاب الحاضر بإيجاد شيء أو تركه فهما فيما سواه إنما يكونان على ضرب من -

стр. 4244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المجاز والتوسع، هكذا ذكر الشيخ (١)، ولا يخفى ما فيه. وقد تعرّض أيضا هنا لذكر مسألة مشهورة لا تعلق لها بمسائل الفصل الذي نحن فيه إلا على بعد فأحييت ذكرها لما فيها من الفائدة قال (٢) رحمه الله تعالى: «وقد يتجوز بالنهي عن الفعل [٥/ ١٤٦] المقصود به في الحقيقة - أي بالنهي - إلى ما يلزمه كقولهم: لا أرينّك ها هنا (٣)، ولا يرينّك زيد هاهنا، لا يريد المتكلم بذلك نهي نفسه ولا نهي الغائب عن الرؤية وإنما يريد: لا تحضر فأراك أو يراك زيد؛ فنهى عن المسبب وليس مقصودا، قال: وقريب من هذا قوله تعالى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٤) لم ينههم عن الموت بغير الإسلام؛ لأنه ليس لهم، وإنما معناه: لا تكفروا فتموتوا غير مسلمين، وقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ * (٥) أي: لا تمتنعوا. هذا ما يتعلق بالحرفين الأولين وهما: «اللام» و «لا»، وأما الحرفان الآخران وهما: «لم» و «لمّا» النافية فقال المصنف في شرح الكافية (٦): إذ قلت: لم يكن جاز أن تريد انتفاء غير محدود كقوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٧)، وانتفاء محدودا متصلا بالحال كقوله تعالى: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٨)، وكقول سيبويه (٩): ولما هو كائن لم ينقطع، وانتفاء منقطعا كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١٠)، وكقول الراجز (١١): ٣٩٥٢ - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا (١٢) -

стр. 4245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولجواز انقطاع مدلول «لم» يحسن أن يقال: لم يكن ثم كان، ولجواز كونه غير محدود حسن أن يقال يقال: لم يقض ما لا يكون. وأما «لما» فمدلولها انتفاء محدود متصل بزمن النطق بها، فلذلك امتنع أن يقال: لما يكن ثم كان، ولما يقض ما لا يكون؛ لأن انتفاء قضاء ما لا يكون غير محدود، ولا يشترط كون المنفي بـ «لما» قريبا من الحال كقولهم: عصى إبليس ربّه ولما يندم (١)، بل الغالب كونه قريبا (٢). وقد تهمل «لم» فيليها الفعل مرفوعا (٣) كقول الشاعر: ٣٩٥٣ - لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار (٤) وانفردت «لما» بجواز حذف مجزومها (٥) والوقف عليها كقول الشاعر: ٣٩٥٤ - فجئت قبورهم بدأ ولمّا ... فناديت القبور فلم يجبنه (٦) وانفردت «لم» بأشياء منها: أنه فصل بينها وبين مجزومها اضطرارا (٧) كقول الشاعر: -

стр. 4246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٩٥٥ - فذاك ولم إذا نحن امترينا ... تكن في النّاس يدرككّ المراء (١) التقدير: ولم تكن إذا نحن امترينا يدركك المراء (٢). وقال الإمام بدر الدين (٣): من عوامل الجزم و «لم» و «لما» أختها، أما «لم» فحرف نفي يختص بالمضارع ويصرفه إلى معنى المضي، وأما «لما» فعلى ثلاثة أقسام: حرف نفي بمنزلة «لم» في الاختصاص بالمضارع وصرف معناه إلى المضي، وهي التي تجزم نحو قوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٤)، وحرف استثناء بمعنى: إلا، وتختص بالفعل المؤول بالمصدر في مثل قولهم: عزمت عليك لمّا فعلت، المعنى: ما أسألك إلا فعلك (٥)، وحرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب نحو: لما قام زيد قام عمرو، وسيأتي ذكرها، وتنفرد «لم» عن «لما» بأمرين: أحدهما: جواز مصاحبة أدوات الشرط نحو: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ (٦)، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ (٧)، كما يجوز دخولها على بناء الماضي نحو: إن قام زيد قام عمرو، ولا يجوز مثل ذلك في «لما» كأنهم كرهوها مع الشرط لطولها وإمكان الاستغناء بـ «لم». والثاني: جواز انفصال نفيها عن الحال فتنفي الماضي المنقطع حدثه عن زمن الحال كما تنفي الماضي المتصل به. مثال الأول: قولهم: لم يكن كذا ثم كان، ومنه قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (٨) وقال الراجز: ٣٩٥٦ - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا (٩) -

стр. 4247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثال الثاني: قول سيبويه (١): ولما هو كائن لم ينقطع، ومنه قوله تعالى: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٢) وقال الطرماح: ٣٩٥٧ - لم يفتنا بالوتر قوم وللضّي ... م رجال يرضون بالإغماض (٣) أي: المسامحة بترك الحق. وتنفرد «لما» بأمرين: أحدهما: وجوب اتصال نفيها بالحال ومن ثمّ امتنع أن يقال: لما يكن كذا ثم كان، وإنما يقال: لما يكن كذا وقد يكون أو لا يكون، قال: ٣٩٥٨ - فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق (٤) والثاني: جواز الاستغناء في الاختيار بذكر «لما» عن ذكر المنفي بها إذا دلّ عليه دليل كما تقول: ندم زيد ونفعه الندم، وندم غيره ولمّا، قال الشاعر: ٣٩٥٩ - فجئت قبورهم بدأ ولمّا ... فناديت القبور فلم يجبنه (٥) أراد: ولما أكن كذلك. ولا يسلك مثل ذلك بـ «لم» إلا في الضرورة كقول الراجز: ٣٩٦٠ - يا ربّ شيخ من بكير ذي غنم ... أحلج لم يشمط وقد كاد ولم (٦) -

стр. 4248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يلي «لم» معمول مجزومها اضطرارا كقول ذي الرمة: ٣٩٦١ - فأضحت مباديها قفارا بلادها ... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل (١) التقدير: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، وقول الآخر: ٣٩٦٢ - فذاك ولم إذا نحن امترينا ... تكن في النّاس يدرككّ المراء (٢) التقدير: ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امترينا. وقد تلغى لم حملا على «لا» النافية فيرفع الفعل بعدها، ذكر ذلك جماعة (٣) وأنشد عليه الأخفش وثعلب: ٣٩٦٣ - لولا فوارس من نعيم وأسرتهم ... يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار (٤) انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى. ونحن نشير بعد ذلك إلى أمور: منها: أن الشيخ قال (٥): إن المصنف يزعم أنه احترز بقوله: (ولما أختها)، يعني أخت «لم» من «لما» التي بمعنى: «إلّا»، ومن «لما» التي هي حرف وجوب لوجوب (٦) على مذهب سيبويه (٧)، وظرف على مذهب الفارسي (٨)، قال (٩): ولا يحتاج إلى هذا الاحتراز؛ لأن «لما» التي بمعنى «إلّا» والتي هي ظرف أو حرف -

стр. 4249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجوب لوجوب لا يحفظ دخولها على مضارع، وهو إنما يذكر عوامل الجزم. انتهى. وأقول: إنه قد تقدم الكلام في ذلك في أول الكتاب عند الكلام على قوله «ولما الجازمة» وربما أشير هناك إلى الاعتذار عن المصنف. منها: أنك قد عرفت أن «لم» انفردت عن «لما» بجواز مصاحبتها أدوات الشرط، وعرفت التعليل الذي ذكره «بدر الدين» وقد ذكروا لذلك علة أخرى وهي «إن لم تفعل» نفي «فعل»، فكما أنّ «فعل» تدخل [٥/ ١٤٧] عليه أدوات الشرط فكذلك نفيه. وأما «لما» فإنها نفي «قد فعل»، و «قد فعل» لا تدخل عليه أدوات الشرط لا يقال: «إن قد قام زيد» كذلك لا يقال: «إن لما يقم زيد»، قالوا: وإنما لم تدخل «إن» على «قد فعل» لأن «إن» تخلص الماضي إلى الاستقبال، وقد تقربه من الحال، فتعارضا. ثم لا يخفى أنّ «لا» النافية تجوز مصاحبتها لأدوات الشرط كما صحبتها «لم»، كقولك: إن لا تفعل أفعل. قال الله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (١)، وقال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ (٢) ولا يتوهم أن «لا» المصاحبة لأدوات الشرط ناهية؛ لأن النهي طلب، والشرط خبر، فلا يجتمعان. ونقل الشيخ عن بعضهم أنه يزعم أنها النافية، وإن عملها بطل وصار التأثير لأداة الشرط، وذلك بخلاف «لم» فإن التأثير لها لا لأداة الشرط، قالوا: لأن أداة الشرط لم تلزم العمل، في كل ما تدخل عليه، إذ تدخل على الماضي فلم يكن لها اختصاص بالمضارع، فضعفت فحيث دخل عامل مختص كان الحكم له. انتهى (٣). ولم يظهر لي ما ذكروه؛ لأن مقتضاه أن أداة الشرط المقرونة بـ «لم» طالبة للفعل الذي هو مدخول «لم» وليس كذلك، إنما الأداة طالبة للواقع بعدها وهو نفي الفعل، فالمشروط في نحو قولنا: إن لم يقم زيد قام عمرو، هو نفي قيام زيد، فـ «لم» عاملة في لفظ الفعل الذي هو «يقم»، وأداة الشرط عاملة في محل «لم يقم»، وليس لها طلب للفعل بحال، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الاعتذار عن عدم عمل أداة الشرط في الفعل بأن أداة الشرط لم تلزم العمل في كل ما تدخل عليه؛ إذ تدخل -

стр. 4250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الماضي، ثم مقتضى هذا أن أداة الشرط إذا دخلت على الماضي لا عمل لها وهذا لا يسلم، بل الذي يقال: إن أداة الشرط لا بد أن تكون عاملة، ولا يقال: إنها لا تعمل إذا دخلت على الماضي لأنا نقول: إنها عاملة في محله فعملها مستمر، إما في اللفظ وإما في المحل، ولكن لك أن تقول: مقتضى ما قررته أن لا يكون لأداة الشرط في نحو قولنا: إن لا تفعل أفعل - عمل في الفعل المنفي؛ لأن المشروط إنما هو نفي الفعل فليست الأداة طالبة للفعل الواقع بعد «لا»؛ لأن المشروط في مثل ذلك إنما هو نفي الفعل، وإذا كان كذلك فليست الأداة طالبة للفعل الواقع بعد «لا» كما أنها ليست طالبة للفعل الواقع بعد «لم»، وإذا لم تكن طالبة له فيقال: كيف عملت الأداة في الفعل وليست موجهة إليه مثبتا بل إنما هي متوجهة إليه منفيا؟ وقد يجاب عن ذلك بأن يقال: إن «لا» النافية لا عمل لها في الأفعال، ولما لم يكن لها عمل تعيّن عمل الأداة، وإنما تخطت الأداة «لا» وعملت فيما بعدها؛ لأن العرب قد استعملوها زائدة بين العامل والمعمول مع أن معناها وهو النفي مراد فحكم بزيادتها من أجل أن العامل تخطاها وعمل فيما بعدها. ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في شيء فقال (١): قوله: (بمصاحبة أدوات الشّرط)، لا يمكن حمله على العموم لأنه يزعم أن «لولا» من أدوات الشرط و «لولا» لا تدخل على «لم» لا يقال: لولا لم يقم زيد لم يقم عمرو، قال: فكان ينبغي أن يخصص أدوات الشرط أو يستثني «لولا». انتهى. وهذا عجب من الشيخ فإن «لولا» المشار إليها لا يليها إلا اسم مبتدأ، و «لم» إنما يتصور وجودها مع الفعل و «لولا» لا تباشر الفعل، فكيف يحترز عن شيء لا يمكن وقوعه؟ ومنها: أن الشيخ أيضا قال (٢) في البيت الذي أنشده المصنف وهو: ٣٩٦٤ - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا (٣) هذا تمثيل وهم فيه إذ ليس من الانتفاء المنقطع؛ لأنه لا يمكن أن يكون تقديره: -

стр. 4251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يك شيء يا إلهي قبلك ثم كان شيء قبلك، وإنما يكون من هذا النوع لو كان لم يك شيء يا إلهي معك ليحسن ثم كان معك قال: فلم يمعن المصنف ولا ابنه الفكر في ذلك. انتهى. وهو استدراك جيد. ومنها: أنهم عللوا جواز حذف المنفي بـ «لما» في الاختيار إذا دل عليه دليل بأن «لما» لنفي «قد فعل» قالوا (١): ويجوز حذف الفعل بعد «قد» إذا دل عليه، قال الشاعر: ٣٩٦٥ - أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد (٢) أي (٣): وكان قد زالت، فلذلك جاز الحذف بعد «لما»، وأما «لم» فلا يجوز ذلك معها إلا في الضرورة وقد تقدم شاهد ذلك (٤)، ومنه أيضا قول الشاعر: ٣٩٦٦ - احفظ وديعتك الّتي استودعتها ... يوم الأعازب إن وصلت وإن لم (٥) يريد: وإن لم تتصل (٦). وليعلم أن «لم» و «لما» انفردا دون «لام» الابتداء و «لا» الطلبية بدخول -

стр. 4252

[الأدوات التي تجزم فعلين] قال ابن مالك: (ومنها أدوات الشّرط وهي: إن، ومن، وما، ومهما، وأيّ، وأنّى، ومتى، وأيّان وهما ظرفا زمان، وكسر همزة «أيّان» لغة سليم، وقلّ ما يجازى بها، وتختصّ في الاستفهام بالمستقبل بخلاف «متى»، وربّما استفهم بـ «مهما» وجوزي بـ «كيف» معنى لا عملا خلافا للكوفيين، ومن أدوات الشّرط: إذما، وحيثما، وأين، وهما ظرفا مكان، وما سوى «إن» أسماء متضمّنة معناها فلذلك بنيت إلّا «أيّا»، وفي اسميّة «إذما» خلاف، وقد ترد «ما» و «مهما» ظرفي زمان، و «أي» بحسب ما تضاف إليه). ــ همزة الاستفهام عليهما وهو مع «لم» أكثر منه مع «لما»، وإذا دخلت الهمزة عليهما فقد يكون المراد الاستفهام حقيقة فالمتكلم بذلك يستفهم عن الفعل المنفي بهما، فإذا قال: ألم يقم زيد؟ وألمّا يقم زيد فالمعنى: السؤال عن انتفاء قيام زيد فيما مضى وهذا قليل، وقد يكون ذلك على جهة التقرير (١) وهو الكثير، والتقرير هو: التوقيف على ما يعلم المخاطب ثبوته (٢)، ومن ثمّ كان الكلام معه موجبا حتى إنه يعطف عليه صريح الموجب، قال الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٣)، وقال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٤). [٥/ ١٤٨] قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على ما يجزم فعلا واحدا وهو الكلمات الأربع شرع في الكلام على ما يجزم فعلين وهو أدوات الشرط وهي إحدى عشرة أداة، وقد سردها في متن الكتاب، ثم منها ما مجمع على حرفيته وهو «إن»، وما هو مجمع على اسميته وهو ما سوى «إذما» من بقية الأدوات، وما هو مختلف فيه هل هو حرف أو اسم؟ وهو «إذما»، قال الإمام بدر الدين (٥): من عوامل الجزم أدوات الشرط وهي كلمات وضعت لتدل على التعليق بين جملتين والحكم بسببية -

стр. 4253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أولاهما ومسببية الثانية. وهذا التعليق نوعان: تعليق ماض على ماض، وتعليق مستقبل على مستقبل، فالنوع الأول له حرفان: لو ولولا، وأكثر ما تصحب «لو» بناء الماضي نحو: لو قام زيد قام عمرو، وقد تصحب المضارع ولا تجزمه؛ لأنها لما قل استعمالها مع المضارع لم يقبل أن تؤثر فيه وتعمل عمل ما لازم المضارع أو غلب استعماله، والنوع الثاني له حروف وأسماء فالحروف: «إن» و «إذما» و «أمّا» ويأتي ذكر «أمّا» في آخر الباب، وأما «إن» فللخلو عن الجزم لوقوع الشرط تحقيقا أو باعتبار مجازي، وتعمل الجزم كقولك: إن تقم أقم لأنها تصحب المضارع أكثر مما تصحب الماضي، فلما غلب استعمالها مع المضارع كانت بمنزلة ما لازمه واختص به فقبلت أن تؤثر فيه وتعمل فعملت الجزم لأنه أخف، وأما «إذما» فأصلها: إذ ضمّ إليها ما بعد ما سلبت معناها الأصلي وجعلت حرف شرط بمعنى «إن» فجرت مجراها وعمل عملها، قال الشاعر: ٣٩٦٧ - وإنّك إذ ما تأب ما أنت آمر ... به تلف من إيّاه تأمر آبيا (١) وأنشد سيبويه (٢) للعباس بن مرداس: ٣٩٦٨ - إذ ما أتيت على الرّسول فقل له ... حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس يا خير من ركب المطيّ ومن مشى ... فوق التّراب إذا تعدّ الأنفس (٣) وأنشد لآخر: ٣٩٦٩ - فإذا ما تريني اليوم مزجى مطيّتي ... أصعّد سيرا في البلاد وأفرع -

стр. 4254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنّي من قوم سواكم وإنّما ... رجالي فهم بالحجاز وأشجع (١) وعند المبرد (٢) وابن السراج (٣) وأبي علي (٤) أن «إذما» باق على اسميته، وفي ذلك كلام يأتي ذكره في القول على «حيثما». وأما الأسماء فما تضمن معنى «إن» فجرى مجراها في التعليق والعمل وهي خمسة أضرب: اسم محض، واسم يشبه الظرف، وظرف زمان، وظرف مكان، وما يستعمل اسما وظرفا. الضرب الأول: من، وما، ومهما، فـ «من» لتعميم أولي العلم، وتكون شرطا فتجزم كقوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (٥)، و «ما» لتعميم الأشياء، وتكون أيضا شرطا فتجزم كقوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (٦) و «مهما» مثل «ما» وأعم منها، ولا شك في كونها اسما بدليل عود الضمير إليها كما يعود إلى «ما» قال الشاعر: ٣٩٧٠ - إذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه (٧) -

стр. 4255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فـ «الهاء» في «كفاه» عائدة إلى «مهما» فهي اسم ولكنها في معنى «إن» فلذلك تجزم الفعل كقوله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ (١)، وعند الخليل (٢) أن أصلها، ما فدخلت عليها «ما» الزائدة كما تدخل على «إن» و «متى» و «أين» و «أيّ» ثم كرهوا التكرير، وأن يقولوا: ماما، فأبدلوا «الهاء» من «الألف»، وقال سيبويه (٣): وقد يجوز أن تكون «مه» كـ «إذ» ضمّ إليها «ما» وإليه ذهب الزجاج (٤)، وندر مجيء «مهما» اسم استفهام كقول الراجز (٥) أنشده أبو علي (٦): ٣٩٧١ - مهما لي اللّيلة مهما ليه ... أودى بنعليّ وسرباليه (٧) أراد: ما لي الليلة؟ استفهاما على طريق التعجب، وزعم الشيخ (٨) رحمه الله تعالى أن «ما» و «مهما» في الشرط قد يردان ظرفي زمان فقال (٩): جميع النحويين يجعلون «ما» و «مهما» مثل «من» في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، وأنشد قول الشاعر: ٣٩٧٢ - فما تك يا ابن عبد الله فينا ... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا (١٠) -

стр. 4256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول عبد الله بن الزبير (١): ٣٩٧٣ - فما تحي لا تسأم حياة وإن تمت ... فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا (٢) وقول حاتم الطائي: ٣٩٧٤ - وإنّك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا (٣) ولا أرى في هذه الأبيات حجة؛ لأنه كما يصح تقدير «ما» و «مهما» بظرف زمان كذلك يصح تقديرهما بالمصدر على معنى: أيّ كون قصير أو طويل تكن فينا فلا نخاف، وأيّ حياة هنية أو غير مرضية تحي لا تسأم، وأيّ عطاء قليل أو كثير تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم، لكن يتعين جعل «ما» و «مهما» في الأبيات المذكورة مصدرين؛ لأن في كونهما ظرفين شذوذا وقولا بما لا يعرفه جميع النحويين، بخلاف كونهما مصدرين؛ لأنه لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به ونحوه؛ إذ لا فرق. الضرب الثاني: أنّى وكيف، فـ «أنّى» لتعميم الأحوال وليست ظرفا؛ لأنها لا زمان ولا مكان، ولكنها تشبه الظرف؛ لأنها بمعنى: على أي حال، فلما كانت تقدر بالجار والمجرور والظرف يقدر بهما كانت بمنزلته، وقد تأتي «أنّي» بمعنى: متى، وبمعنى: أين، وتكون استفهاما وشرطا، وإذا كانت شرطا [٥/ ١٤٩] جزمت. قال الشاعر: ٣٩٧٥ - خليليّ أنّى تأتياني تأتيا ... أخا غير ما يرضيكما لا يحاول (٤) -

стр. 4257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول لبيد: ٣٩٧٦ - فأصبحت أنّى تأتها تشتجر بها ... كلا مركبيها تحت رجلك شاجر (١) يخاطب رجلا وقع في قضية صعبة المخلص يقول: على أي رجال يأتي الخلاص من هذه القضية يلتبس ويختلط بها «كلا مركبيها تحت رجلك شاجر» أي: داخل تحت الرجل، وإذا دخل شيء بين شيئين فقد شجرهما. وأما «كيف» فاسم لتعميم الأحوال، وتسمى ظرفا لتأولها بـ: على أيّ حال، والدليل على اسميتها جواز الاكتفاء بها مع صحة دخولها على الأفعال، وأكثر ما تكون استفهاما، وقد ترد شرطا في المعنى فحسب، فتعلق بين جملتين ولا تعمل شيئا حملا على الاستفهامية؛ لأنها الأصل، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ (٢)، وقال تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (٣) المعنى: على أي حال يشأ الإنفاق ينفق، فـ «كيف» هنا اسم شرط ولكنها لم تجزم الفعل كما لم تجزم في الاستفهام، وأجاز الكوفيون (٤) الجزم بها قياسا وأباه البصريون، قال سيبويه (٥): وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع. قال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء؛ لأن معناها: على أي حال تكن أكن. الضرب الثالث: إذا، ومتى، وأيّان - بفتح الهمزة - وبنو سليم يكسرونها (٦) فيقولون: إيّان، فأما «إذا» فسيأتي ذكرها، وأما «متى» و «أيّان» فلتعميم الأزمنة ولا يفارقان الظرفية، ويردان شرطا فيجزمان كقول طرفة: -

стр. 4258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٩٧٧ - ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد (١) وقال الآخر: ٣٩٧٨ - أيّان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا ... لم تدرك الأمن لم تزل حذرا (٢) ويردان استفهاما أيضا فلا يعملان شيئا، ولا يستفهم بـ «أيان» إلا عن زمان مستقبل، وأما «متى» فيستفهم بها عن زمان مستقبل نحو: وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ (٣)، أو زمن ماض نحو قول الشاعر: ٣٩٧٩ - متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام (٤) الضرب الرابع: حيثما وأين وهما لتعميم الأمكنة، ولا ينفكان عن الظرفية، ويفترقان بأن «أين» لا تكون إلا شرطا أو استفهاما، وإذا كانت شرطا جزمت كقول الشاعر: ٣٩٨٠ - أين تضرب بنا العداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتّلاقي (٥) -

стр. 4259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (١)، وقال الله تعالى: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً (٢). وأما «حيثما» فلا تكون إلا شرطا، وكانت قبل دخول «ما» اسم مكان خاليا من معنى الشرط ملازما للتخصيص بالإضافة إلى جملة، ولا تعمل في الأفعال، ثم أخرجوها إلى الجزاء فضمنوها معنى «إن» وجعلوها اسم شرط فلزمهم إتمامها وحذف ما تضاف إليه، وألزموها «ما» تنبيها على إبطال مذهبها الأول وجزموا بها الفعل كقول الشاعر: ٣٩٨١ - حيثما تستقم يقدّر لك اللّ ... هـ نجاحا في غابر الأزمان (٣) ولا يجوز أن تكون منقولة كـ «إذما» إلى الحرفية؛ لأنها لم تزل عما كانت عليه قبل من الدلالة على المكان بخلاف «إذما» فإنها كانت قبل دخول «ما» عليها اسم زمان ماض خاليا من معنى الشرط، فلما دخلت عليها «ما» صارت أداة شرط بمعنى «إن» مختصة بالمستقبل، وزال ما كان فيها من معنى الاسم، ولم يعلم نقلها إلى معنى آخر غير الشرط فحكمنا بحرفيتها، لأن دلالتها على معنى الحرف متيقّنة، ودلالتها على معنى الاسم مشكوك فيها، والحكم بمقتضى ما تيقّن أولى. الضرب الخامس: «أيّ» وهي لتعميم أوصاف الشيء، والأوصاف مشتركة. فلذلك يلزم في «أي» أن تضاف لفظا أو معنى إلى الموصوف على حد قولهم: سحق عمامة رفعا، لالتباس عموم الأوصاف بجنس لعمومها لغيره فتكون بحسب -

стр. 4260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف فهي ظرف، وإن أضيفت إلى غير ذلك فهي بمعنى ما أضيفت إليه، لأن الصفة هي الموصوف في المعنى، وتقع في الشرط وغيره، وإذا كانت شرطية جزمت الفعل نحو: أيّ يوم تقم أقم، وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (١)، وبأي تمرر أمرر، وغلام أيهم تضرب أضرب، وأيّهم يأتي فله درهم. هذه الأسماء المذكورة هي جميع أسماء الشرط، وكلها مبنية لتضمنها معنى «إن» إلا «أيّا» فإنها أعربت، لأنه قد عارض ما فيها من شبه الحرف لزوم الإضافة إلى الأسماء فحماها ذلك عن البناء. انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى، وهو كلام نظيف محرر لا يخفى حسنه عن الناظر، لكن فيه بحث: وهو أنه ذكر «لو» و «لولا» و «أمّا» و «كيف» و «إذا» كما عرفت، والكلام إنما هو في أدوات الشرط الجازمة، وهو قد افتتح كلامه بقوله من عوامل الجزم أدوات الشرط وهي كذا كذا؛ فكيف يتجه بعد ذلك أن يذكر من الأدوات ما هو غير جازم؟ فإن قيل: كلامه المتضمن لذكر «لو» و «لولا» إنما يرجع إلى ما يقتضي التعلق لقوله: «وهذا التعليق نوعان» فكون الأداة معلقة أعم من كونها جازمة، فالجازمة معلقة والمعلقة قد تكون جازمة وقد لا تكون!! قيل: فالكلام يرجع معه حينئذ في شيء آخر وهو أن يقال: في ذلك أمران: أحدهما: أن «أمّا» ليس فيها تعليق وهو قد جعلها من جملة الأدوات. ثانيهما: أن تعليق أمر على أمر إنما يكون قبل الوقوع، وذلك إنما يتصور في الأمور المستقبلة، ولهذا أثبت المغاربة إطلاق الشرطية على «لو» الامتناعية حتى ردّوا على الجزولي استثناءه «لو» من قوله: من القرائن المخلصة الفعل المضارع للاستقبال أدوات الشرط إلا لو، فقالوا: استثناؤه «لو» غير مرضي، لأنها إذا كانت شرطا خلصته للاستقبال، وإن كانت -

стр. 4261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الامتناعية صرفت معناه إلى المضي. وليست إذ ذاك شرطا لا في اللفظ لأنها لا تجزم، ولا [٥/ ١٥٠] في المعنى، لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلى الاستقبال، قالوا: وإن سماها شرطا من حيث إنها مفتقرة إلى جواب فليستثن «أيّا» لأنها تحتاج إلى جواب. ولكن العذر لبدر الدين في ذلك أن المصنف - أعني والده الشيخ جمال الدين - يطلق الشرط على لو الامتناعية وقد قال في الألفية: ٣٩٨٢ - لو حرف شرط في مضيّ ويقل ... إيلاؤه مستقبلا لكن قبل ولكن هذا الإطلاق إطلاق مجازي لا حقيقي. وبعد فالأولى بل الواجب أن يقتصر هنا على ذكر الأدوات الجازمة لأن الباب معقود لها. وأما الكلمات الخمس التي ذكرها بدر الدين فالواجب إفرادها بالذكر وقد فعل المصنف ذلك، فأما إذا فقد سبق كلامه عليها في باب المفعول فيه المسمى ظرفا، وأما كيف فقد أشار إليها بقوله هنا: وربما استفهم بمهما وجوزي بكيف معنى لا عملا، وسيذكرها في باب «تتميم الكلام على كلمات» وأما «لو» و «لولا» وأمّا فقد أشار إليها في الفصول التي ستذكر إن شاء الله تعالى. ثم قد بقيت بعد ذلك الإشارة إلى أمور: منها: أنه قد تقدم أن «مهما» مركبة إما من: ماما أو من: مه ما، وقد قيل: إنها بسيطة (١)، واختار الشيخ القول ببساطتها، قال (٢): «لأن دعوى التركيب لم يقم عليها دليل، فإذا سميت بـ «مهما» فالقائل بالتركيب يحكي، والقائل بالبساطة يمنع الصرف لأن ألفها إن قدرت للتأنيث فظاهر، وإن قدرت للإلحاق فألف الإلحاق المقصورة تمنع الصرف مع العلمية، وثمرة الخلاف تظهر إذا نكرت الكلمة بعد التسمية بها؛ فمن قال: إنها ألف التأنيث استمر بالمنع، ومن قال: إنها ألف الإلحاق صرف». ثم إنك قد عرفت أن «مهما» اسم بدليل عود الضمير عليها، وذهب -

стр. 4262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السهيلي (١) إلى أنها تكون حرفا أيضا، وذلك إذا لم يعد عليها ضمير مستدلّا على ذلك بقول الشاعر: ٣٩٨٣ - ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على النّاس تعلم (٢) قال: فـ «مهما» في البيت حرف شرط بمعنى «إن» و «من خليقة» اسم «تكن» و «من» زائدة كأنه قال: وإن تكن عند امرئ خليقة، ولا يتأتى ذلك إلا على القول بأن «مهما» في البيت حرف، قالوا (٣): وهذا البيت لا حجة فيه، لأنه يمكن أن يكون فيه ضمير يعود على «مهما» فتكون مهما مبتدأ وتكن في موضع خبره، وفي تكن ضمير يعود على مهما. وأنثه حملا على المعنى لأنها واقعة على «الخليقة» وهو اسم نكرة، وقوله «عند امرئ» في موضع الخبر و «من خليقة» تفسير و «من» فيه كـ «من» في قوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ (٤)، قالوا (٥): ويلزم على مذهب السهيلي أن تكون «من» في قوله «من خليقة» زائدة، لأنه لا ضمير في «تكن» فترتفع «خليقة» به وتكون «من» زيدت في الواجب وذلك لا يجوز إلا على مذهب مرجوح (٦)، فثبت أن الصحيح مذهب الجمهور، ولثبوت اسميتها لا توجد في كلامهم إلا مبتدأة عائدا عليها ضمير أو مفرّغا لها العامل فتكون معمولة له نحو قولك: مهما تصنع أصنع، ومن ذلك قول الشاعر: ٣٩٨٤ - وإنّك مهما تأمري القلب يفعل (٧) -

стр. 4263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فـ «مهما» مفعول ثان لـ «تأمري»، وقول الآخر: ٣٩٨٥ - قد أو بيت كلّ ماء فهي ضاوية ... مهما تصب أفقا من بارق تشم (١) يصف حميرا قد أجهدها العطش فيبست أجوافها وهي لا تقدم على ماء الأنهار والعيون فزعا من الصائد، فهي تشيم البرق وترتقب نزول المطر لترده، و «ضاوية» من: الضّوى وهو الهزال، والضوى أيضا: ضعف الخلق وصغره (٢)، فـ «مهما» مفعول مقدم لـ «تصب» وقوله «أفقا» منصوب على الظرف (٣). قال الشيخ (٤): «وقد وقع لبعض الأدباء النبلاء في مكاتبة قوله: ومهما شككت في شيء فلست أشكّ في محبتك، قال: وغلّطه في ذلك صاحب كتاب «الترشيح» (٥) من حيث استعمل مهما غير عائد إليها ضمير، ولا معمولة لعامل متأخر عنها مفرّغ لها، قال: والصواب أن يقول: ومهما شككت فيه من شيء». ومنها: أنك قد عرفت أن «كيف» أكثر ما تكون استفهاما، وأنها قد تكون شرطا في المعنى فحسب فتعلق بين جملتين ولا تعمل شيئا حملا على الاستفهامية، قيل: وإنما قصرت عن أسماء الشرط من وجهين: أحدهما: أنه لا يكون جوابها إلا نكرة، وجوابات أسماء الشرط تكون معارف -

стр. 4264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونكرات، يقول القائل: كيف زيد؟ فتقول: سخيّ أو بخيل، ولا يقال: السخيّ ولا البخيل، ويقول: ما عندك؟ فتقول: خير والخير، ويقول: أيّ الناس عندك؟ فتقول: رجل يعجبك أو زيد أو هند، هكذا ذكر ابن عصفور (١)، قال الشيخ (٢): «وفي هذا الكلام تجوّز لأن أسماء الشرط لا يكون جوابها لا معارف ولا نكرات، إنما يكون جوابها الجمل، قال: لكن يتأوّل كلامه على أنه أراد: وجوابات أسماء الشرط إذا استعملن لمحض الاستفهام وخرجن عن معنى الشرط يكون الجواب بالنكرة والمعرفة، أما إذا بقين على الشرط هن أو استعملت كيف في الشرط فلا يكون جواب شيء منهن لا نكرة ولا معرفة، بل يكون الجواب إذ ذاك جملة أسمية أو فعلية «انتهى». ولم أتحقق هذا الذي ذكره لأن جواب كل من أسماء الاستفهام أيضا لا تكون إلا جملة كما أن جواب كل من أسماء الشرط كذلك، فإذا قال القائل: زيد أو رجل في جواب القائل له: من عندك؟ كان التقدير: عندي زيد أو عندي رجل، ولا أعرف فائدة هذا الكلام ما هي؟ وكلام ابن عصفور مدخول من أصله فإن السؤال بـ «كيف» إنما هو سؤال عن الحال والوصف لا عن الذات، وإذا كان كذلك تعيّن أن يقال في الجواب: سخيّ أو بخيل ليكون ذلك جوابا، ولو قيل: السخيّ أو البخيل لما كان جوابا، لأن هذا إنما يقال لمن هو عالم بتلبس المسؤول عنه بالسخاء أو البخل، ولو كان عالما بذلك لما صح السؤال [٥/ ١٥١] بـ «كيف». وأما الوجه الثاني (٣) من الوجهين اللذين قصرت «كيف» فيهما عن أدوات الشرط: فهو أن الفعلين بعد أسماء الشرط قد يكونان متفقين نحو: إن يقم أقم، ومختلفين نحو: إن يقم أغضب، ولا يكونان بعد «كيف» إلا متفقين نحو: كيف يصنع أصنع، ولا يقال: كيف يقم أخرج، قالوا: فلما قصرت «كيف» عن أدوات الشرط فيما ذكر لم يجزم، وقيل: حملت في منع الجزم بها على «إذا» فخالفت أدوات الاستفهام كما خالفت «إذا» «حيثما» وقيل غير ذلك. وتلحقها «ما» نحو: كيفما يكون أكون لا على جهة اللزوم بل على جهة -

стр. 4265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التأكيد، قالوا: لضعف الارتباط بها، وفي ذلك نظر؛ فإن «ما» تلحق «إن» و «أين» و «متى» وقوة الارتباط فيها موجودة. ثم إن الشيخ أطال الكلام في «كيف» وقال (١): «فالامتناع من المجازاة بها على الإطلاق لا يصح لا سيما وهو موجود»، ثم ذكر الآيتين الشريفتين وهما قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (٢)، وقوله تعالى: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ (٣) قال (٤): وباطل أن تكون هنا استفهاما فلم يبق إلا أن تكون شرطا مؤخرا في اللفظ كما تؤخر «إن» مع الفعل إذا قلت: أقوم إن قمت، قال: فلا يصح إذن الامتناع من الجزاء بها مع هذا الشاهد الجلي، قال: ولا تكون للمجازاة على الإطلاق لاتفاق العرب والنحاة على أنه لا يجوز: كيف تجلس أقم، ولا كيف تخرج أنم إذا اختلف الفعلان، وهذا كله جائز في أين ومتى وغيرهما، فثبت أن كيف يجازى بها إذا اتفق الفعلان، وإذا اختلف الفعلان فلا يجوز المجازاة بها، ثم قال (٥) بعد ذلك كله: «وظاهر الآيتين الشريفتين وهما: قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ، وفَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ أن كيف فيهما ليست للاستفهام حقيقة، ولا يدل ذلك على أنه جوزي بها من حيث المعنى لا من حيث العمل، بل يدل ذلك على الربط، والربط أعم من أن يكون ذلك على جهة المجازاة المعنوية وغيرها، ألا ترى إلى قولك: حين تقوم أقوم لا يدل ذلك على أن «حين» للمجازاة، بل هي ظرف مختص يقع فيه الفعل المتصل بها والفعل العامل فيها، قال: وإذا ثبت أن الربط أعم من أن يكون لمجازاة أو غيرها احتمل قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أن يكون من الربط غير الجزائي، وإذا احتمل ذلك لم يكن فيه دليل على إثبات المجازاة بكيف من حيث المعنى» انتهى. وأقول: إذا سلم أن الربط حاصل فأي مانع يمنع من قولنا: إن كيف للمجازاة في المعنى؟ وأي محذور يمنع من ذلك؟ وقد تقدم (٦) لك ما نقله سيبويه عن -

стр. 4266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخليل - رحمهما الله تعالى - وهو قوله «ومخرجها على الجزاء لأن معناها: على أي حال تكن أكن»، وكفى بذلك حجة ودليلا على أن «كيف» يجازى بها في المعنى، وإنما حصل الربط في قولك: حين تقوم أقوم بسبب أن كلمة «حين» مضافة إلى أحد الفعلين، والفعل الآخر عامل فيها. ومنها: أن زيادة «ما» مع هذه الأدوات على ثلاثة أقسام: واجبة وممتنعة وجائزة. فالوجوب: مع أداتين وهما: «إذ» و «حيث» فلا يجزم بهما إلا مقرونتين بـ «ما»، قال في شرح الكافية (١): «لأنهما إذا تجردا لزمهما الإضافة إلى ما يليهما، والإضافة من خصائص الأسماء فكانت منافية للجزم، فلما قصد جعل هاتين الكلمتين جازمتين ركبتا مع «ما» لتكفهما عن الإضافة وتهيئهما لما لم يكن لهما من معنى وعمل فصارت «ما» ملازمة لهما ما دامت المجازاة مقصودة بهما». والامتناع: مع أربع وهي: «من» و «ما» و «أنّى» و «مهما». والجواز: مع «إن» و «أيّ» وأيّان و «أين» و «متى»، وإذا زيدت «ما» مع «أيّ» والمضاف إليه مذكور فالأجود أن يتوسط بينهما كقوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ (٢)، ويجوز أن يجاء بها بعد المضاف إليه كقول الشاعر: ٣٩٨٦ - فأيّهما ما أتبعنّ فإنّني ... حريص على إثر الّذي أنا تابع (٣) وقرأ ابن مسعود (٤) رضي الله تعالى عنه: (أيّ الأجلين ما قضيت فلا عدون علىّ) فإن حذف ما تضاف إليه نونت ووليت «ما» كقوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٥). هل زيادة «ما» بعد حذف ما تضاف إليه واجبة أو جائزة؟ ظاهر كلام المصنف يعطي الوجوب، وكلام غيره يعطي الجواز. -

стр. 4267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أنك قد عرفت قول المصنف (١): وقد ترد ما ومهما ظرفي زمان. وقال في شرح الكافية (٢): «وما سوى إن وإذما من أدوات الشرط فأسماء بإجماع المحققين، وهي على ثلاثة أضرب: ضرب لا ظرفية فيه وهو: أين ومتى وأيّان وحيثما وأيّ، وضرب يستعمل ظرفا وغير ظرف وهو: أيّ تكون عارية من الظرفية إذا أضيفت إلى ما لا يدل على زمان ولا مكان، وتكون ظرف زمان إن أضيفت إلى اسم زمان، وظرف مكان إن أضيفت إلى مكان نحو: أيّهم تضرب أضرب، وأيّ وقت تقم أقم، وأيّ مكان تجلس أجلس»، لكنه قال في متن الكافية (٣): وقد أتت مهما وما ظرفين في ... شواهد من يعتضد بها كفي وقال في شرحه لذلك (٤): «جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب كقول الفرزدق: ٣٩٨٧ - فما تحي لا أرهب وإن كنت جارما ... ولو عدّ أعدائي عليّ لهم ذحلا (٥) وقول الآخر: ٣٩٨٨ - وما تك يا ابن عبد الله فينا ... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا (٦) وقول الآخر: ٣٩٨٩ - فما تحي لا أخش العدوّ ولا أزل ... على النّاس أعلو من ذرى المجد مفرعا (٧) وقول تميم العجلاني (٨): -

стр. 4268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٩٩٠ - ولو كحلت حواجب خيل قيس ... بتغلب بعد كلبق ما فدينا فما تسلم لكم أفراس قيس ... فلا نرجو البنات ولا البنينا (١) وقول عبد الله [٥/ ١٥٢] بن الزبير الأسدي: ٣٩٩١ - فما تحي لا تسأم حياة وإن تمت ... فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا (٢) وكقول طفيل الغنوي: ٣٩٩٢ - نبّئت أنّ أبا شتيم يدّعي ... مهما يعش يسمع بما لم يسمع (٣) وكقول حاتم الطائي (٤): ٣٩٩٣ - وإنّك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذّم أجمعا (٥) انتهى. وقد عرفت أن بدر الدين بغى الحميّة عن ما استدرك به والده وقال: «كما يصح تقدير ما ومهما فيما ذكره بظرف زمان، كذلك يصح تقديرهما بالمصدر فيكون التقدير في قول القائل: ٣٩٩٤ - فما تك يا ابن عبد الله فينا أيّ كون قصير أو طويل تكن فينا فلا نخاف، وقول الآخر: فما تحي لا تسأم ... أيّ حياة هنيّة أو غير مرضية تحي لا تسأم وفي قول الآخر: وإنّك مهما تعط ... أيّ عطاء قليل أو كثير تعط نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم». وقد وافقه الشيخ أثير الدين على ذلك حتى قال (٦): «فقد كفانا ولده الرد عليه». والظاهر أن ما قاله المصنف أولى وأقرب والطباع تقبله، بخلاف ما ذكره ولده، -

стр. 4269

[ما تقتضيه أدوات الشرط التي تجزم فعلين] قال ابن مالك: (وكلّها تقتضي جملتين تسمّى أولاهما: شرطيّة وتصدّر بفعل ظاهر أو مضمر مفسّر بعد معموله بفعل يشذّ كونه مضارعا دون «لم»، ولا يتقدّم فيها الاسم مع غير «إن» إلا اضطرارا، وكذا بعد استفهام بغير الهمزة، وتسمّى الجملة الثّانية: جزاء وجوابا، وتلزمه الفاء في غير الضّرورة إن لم يصحّ تقديره شرطا، وإن صدّر بمضارع صالح للشّرطية جزم في غير الضّرورة وجوبا إن كان الشّرط مضارعا، وجوازا إن كان ماضيا، وإن قرن بالفاء رفع مطلقا). ــ والمصنف يقول لولده كما قلت إنه لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به. أنا أقول: لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن زمان فعل الشرط كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به. قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١): كل من الأدوات المذكورة تقتضي جملتين أولاهما ملزومة للثانية، فتسمى الأولى شرطا لأن وجود الملزوم علامة على وجود اللازم، والشرط في اللغة: العلامة (٢)، وتسمى الثانية جزاء وجوابا، لأنه مدعى فيها أنها لازمة لما جعل شرطا كما يلزم في العرف الجواب للسؤال، والجزاء للإساءة أو الإحسان، فسميت بذلك على الاستعارة والتشبيه، ولا تكون جملة الشرط إلا مصدرة بفعل متصرف مجزوم بالأداة لفظا أو تقديرا وهو إما ماض مجرد من حرف النفي ومن حرف «قد» لفظا أو تقديرا، وإما مضارع مجرد أو منفي بـ «لا» أو «لم» وأكثر ما يكون ظاهرا، ويجوز أن يضمر إذا دل عليه دليل، كما في: إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ تقديره: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير، وإن كان عمله شرّا فجزاؤه شر، على ما تقدم ذكره في باب «كان» (٣)، وأكثر ما يضمر إذا فسر -

стр. 4270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعد معموله بفعل مذكور والغالب كونه ماضيا أو مضارعا منفيّا بـ «لم» نحو قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (١) ونحو: إن زيد لم يأتني آته، ومجيئه مضارعا بدون «لم» شاذ ومنه قول الشاعر: ٣٩٩٥ - فإن أنت تفعل فللفاعلي ... ن أنت المجيزين تلك الغمارا (٢) وقول الآخر: ٣٩٩٦ - يثني عليك وأنت أهل ثنائه ... ولديك إن هو يستزدك مزيد (٣) ولا يتقدم الاسم الفعل على الإضمار المذكور مع غير «إن» من أدوات الشرط إلا في الضرورة كقوله: ٣٩٩٧ - فمن نحن نؤمنه بيت وهو آمن ... ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا (٤) وكقوله: ٣٩٩٨ - صعدة نابتة في حائر ... أينما الرّيح تميّلها تمل (٥) -

стр. 4271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكقول الآخر: ٣٩٩٩ - فمتى واغل ينبهم يحيّو ... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي (١) والاستفهام في هذا الاستعمال كأدوات الشرط مع كونه غير مختص، فإن كان بالهمزة جاز - لكونها أمّ الباب، وأصل أدوات الاستفهام - أن يتقدم على الفعل بعدها اسم مرفوع بالابتداء أو معمول لفعل مضمر يفسره ما بعد الاسم، وإن كان بـ «هل» أو غيرها من أسماء الاستفهام امتنع أن يتقدم الاسم على الفعل إلا في الضرورة كقوله: ٤٠٠٠ - أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم؟ (٢) وامتنع حينئذ كونه مبتدأ ووجب حمله على فعل مضمر عامل فيه عمل الفعل الظاهر في ما اشتغل به. وأما الجزاء فيصلح له كل الجمل، فيكون جملة طلبية، وخبرية شرطية وغير شرطية، وجملة اسمية أو فعلية، والأصل كونه جملة يصح جعلها شرطا وهي المصدرة بفعل متصرف ماض مجرد من «قد» لفظا أو تقديرا ومن غيرها، أو مضارع مجرّد أو منفي بـ «لا» أو «لم» لأن الشرط بـ «إن» وأخواتها تعليق حصول ما ليس بحاصل على حصول غيره، فاستلزم في جملته امتناع الثبوت -

стр. 4272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإمكان الحصول؛ فلا تكون إحداهما اسمية ولا طلبية إلا بتأويل. وإذا جاء الجزاء على غير ما هو الأصل فيه وجب اقترانه بالفاء ليعلم ارتباطه بالشرط وتعليق أداته به لما لم يكن على وفق ما يقتضيه الشرط وذلك إذا كان جملة طلبية كقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي (١) وكقراءة ابن كثير (٢) ومن يعمل من الصلحات وهو مؤمن فلا يخف ظلما ولا هضما (٣)، أو شرطية نحو: إن تأتني فإن تحدثني أكرمك، أو اسمية نحو: إن تقم فزيد قائم، أو فعلية مصدرة بفعل غير متصرف نحو: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ (٤)، أو ماض مقرون بـ «قد» لفظا نحو قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ (٥)، أو تقديرا وذلك إذا كان الفعل ماضي المعنى كقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ (٦)، أو مقرون بحرف نفي نحو: إن قام زيد فما قام عمرو، أو مضارع مقرون بـ «قد» أو حرف تنفيس أو نفي بغير «لا» أو «لم» نحو: إن تقم فقد أقوم أو فسوف أقوم، أو فما أقوم [٥/ ١٥٣] أو فلن أقوم، فـ «الفاء» في أمثال كل هذا واجبة الذكر لا يجوز أن تقوم «الواو» وغيرها مقامها، ولا يجوز حذفها إلا في الضرورة كقوله: ٤٠٠١ - من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشّرّ بالشّر عند الله مثلان (٧) وقوله: ٤٠٠٢ - ومن لا يزل ينقاد للغي والهوى ... سيلفى على طول السّلامة نادما (٨) -

стр. 4273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا جاء الجزاء على مقتضى الأصل صالحا للشرطية لم يحتج إلى «فاء» تربطه بالشرط؛ فالأولى خلوّه منها ويجوز اقترانه بها، فإن خلا منها وصدر بمضارع جزم سواء أكان الشرط مضارعا نحو قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (١) أو ماضيا كقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها (٢) وقال الفرزدق (٣): ٤٠٠٣ - دسّت رسولا بأنّ القوم إن قدروا ... عليك يشفوا صدورا ذات توغير (٤) وقد يرفع بكثرة إن كان الشرط ماضيا أو منفيّا بـ «لم»، وبقلة إن كان غير ذلك، فالأول كقول زهير: ٤٠٠٤ - وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم (٥) وقول أبى صخر (٦): ٤٠٠٥ - وليس المعنّى بالّذي لا يهيجه ... إلى الشّوق إلّا الهاتفات السّواجع ولا بالّذي إن بان عنه حبيبه ... يقول - ويخفي الصّبر - إني لجازع (٧) -

стр. 4274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الآخر: ٤٠٠٦ - فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني ... إلى قطريّ لا إخالك راضيا (١) وقول الآخر: ٤٠٠٧ - وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوّف أهل الغائب المتنظّر (٢) والثاني كقول جرير بن عبد الله البجلي (٣): ٤٠٠٨ - يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنّك إن يصرع أخوك تصرع (٤) ومثله قول الآخر: ٤٠٠٩ - فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها ... مطبّعة من يأتها لا يضيرها (٥) -

стр. 4275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه قراءة طلحة بن سليمان (١): أينما تكونوا يدرككم الموت (٢). ورفعه عند سيبويه على وجهين: على تقدير تقديمه وكون الجواب محذوفا، وعلى حذف الفاء لأنه قال (٣): وقد يقولون: إن أتيتني آتيك [أي: آتيك] إن أتيتني، وأنشد بيت زهير (٤) ثم قال (٥): فإذا قلت آتي من أتاني فأنت بالخيار، إن شئت كانت أتاني صلة، وإن شئت كانت بمنزلها في إن، ويجوز في الشعر: آتي من يأتني قال: ٤٠١٠ - فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها ... مطبّعة من يأتها لا يضيرها كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، ولو أريد به حذف الفاء جاز. منع أبو العباس صحة تقدير التقديم فقال (٦): وأما قوله: ٤٠١١ - وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول ... (٧) في القلب فهو محال، وذلك لأن الجواب حده أن يكون بعد إن وفعلها الأول، وإنما يعني بالشيء موضعه إذا كان في غير موضعه نحو: ضرب غلامه زيد، لأن حق الغلام أن يكون بعد زيد، وهذا قد وقع في موضعه من الجزاء، فلو جاز أن يعني به التقديم لجاز أن يقول: ضرب غلامه زيدا، يريد: ضرب زيدا غلامه. وإن قرن المضارع الصالح للشرطية بالفاء وجب رفعه مطلقا سواء أكان الشرط مضارعا أم ماضيا كقوله تعالى: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ (٨)، وقوله تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (٩)، وكقراءة حمزة (١٠): إن تضل -
следующие страницы →