← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يبلغ الإمامة في شيء منها. قال (١): وقد نظمت أبياتا في شأن من يقرأ بنفسه ويأخذ العلم من الصحف بفهمه وهي: يظنّ الغمر أنّ الكتب تهدي ... أخا فهم لإدراك العلوم (٢) وما يدري الجهول بأنّ فيها ... غوامض حيّرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصّراط المستقيم وتلتبس الأمور عليك حتّى ... تصير أضلّ من توما الحكيم (٣) أشرت إلى قول بعضهم: قال حمار الحكيم توما ... لو أنصفوني لكنت أركب لأنّني جاهل بسيط ... راكبي جاهل مركّب قال (٤): وكان بعض من تولي قضاء القضاة بديار مصر من أهل الصعيد الأعلى يقول: هذا كتاب سيبويه فيه عجمة ونكادة لفظ، قال (٥): وما ذلك إلا لكونه لم يقرأ النحو أو قرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ في النحو، هذا وما كان مدفوعا عن فطنة وذكاء وإعمال فكر وإكداده وبعض إنصاف رحمه الله تعالى. وأما هذا المصنف الذي كمّلنا شرح كتابه فإنه كان رجلا صالحا مغتنيا بهذا الفن النحوي، كثير المطالعة لكتبه، منفردا بنفسه، لا يحتمل أن ينازع ولا يجادل، ولا يباحث، ونظم في هذا الفن كثيرا، ونثر، جمع باعتكافه على الاشتغال بهذا الفن والشّغل به وبمراجعة الكتب ومطالعة الدواوين الغريبة، وطول السن من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، ومنها كثيرا ستخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة، ولم يكن ممن لازم في هذا الفن إماما مشتهرا به، ولا يعلم له فيه -

стр. 4342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شيخ، ولا ذكر هو من اشتغل عليه بهذا الفن، واستمر في كلام يشبه ذلك ثم قال (١): وقال لي قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الحموي (٢)، وكان ممن قرأ على المصنف، وقد جرى ذكرا ابن مالك واستدلاله بما أشرنا إليه قال (٣): قلت له: يا سيدي هذا الحديث روته الأعاجم، ووقع فيه بروايتهم ما نعلم أنه ليس من لفظ الرسول ﷺ ، فلم يجب بشيء، قال (٤): وإنما أمعنت الكلام في هذا المسألة لئلا مبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلّون بما ورد في الحديث بنقل العدول كالبخاري (٥) ومسلم (٦) وأضرابهما، فإذا طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث» انتهى. وأقول: أما إنكاره على المصنف الاستدلال بما ورد من الأحاديث الشريفة معتلّا لذلك بأن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى، فيقال فيه: لا شك أن الأصل في المروي أن يروى باللفظ الذي سمع من الرسول ﷺ ، والرواية بالمعنى وإن جازت فإنما تكون في بعض كلمات الحديث المحتمل لتغيير اللفظ بلفظ آخر يوافقه معنى، إذ لو جوّزنا ذلك في كل ما يروى لارتفع الوثوق عن جميع الأحاديث بأنها هي بلفظ الرسول ﷺ ، وهذا أمر لا يجوز توهمه فضلا عن أن يعتقد وقوعه، ثم إن المصنف إذا استدلّ على مسألة بحديث لا يقتصر على ما في الحديث الشريف، بل يستدل بكلام العرب من نثر ونظم يردف ذلك بما في الحديث إما تقوية لما ذكره من كلام العرب وإما استدلالا على أن المستدل عليه لا يختصّ جوازه بالشّعر، بل إنه يجوز في الاختيار أيضا، ولا يخفى عن البيب أن قول النبي ﷺ لعمر رضي الله تعالى عنه في ابن -

стр. 4343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صيّاد «إن يكنه فلن تسلّط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» (١) يبعد فيه أن يكون مغيّرا، كذا قوله ﷺ : «إنّ الله ملّككم إيّاهم ولو شاء ملّكهم إيّاكم» (٢) وأما قوله: إن المصنف ما أمعن النظر في ذلك فما علمت الأمر الذي أشار إليه بأن المصنف ما أمعن فيه نظره ما هو؟ وأما قوله: «ولا صحب من له التمييز في هذا الفن والاستبحار والإمامة» فما أعرف من أين له علم ذلك حتى بنفيه؟ وكأنه يشير بذلك إلى أنه ما صحب أبا علي الشلوبين ولا قرأ عليه، كما اتفق ذلك للحلبة الشلوبينية كابن عصفور وابن الضائع والأبّذيّ وابن هشام وابن أبي الربيع، وأصحابهم، وهذا أمر عجيب، فإن الله تعالى من كرمه وإنعامه على عباده لم يحصر العلم في ناحية ولا في إنسان، بل فضل الله منتشر في الجهات ومثبوت في العباد ولا يختص بجهة دون جهة، ولا بإنسان دون آخر، وهب أنه صحب من له الإمامة في الفن أو من ليست له الإمامة أليس الله تعالى قد أنعم عليه وأوصله عن هذا العلم إلى ما لم يصل إليه من صحب له التمييز في هذا الفن والاستبحار كما ذكر والإمامة. وأما قوله عنه: إنه تصعف استنباطاته من كلام سيبويه وينسب إليه مذاهب ويفهم من كلامه مفاهيم لم يذهب سيبويه إليها ولا أرادها، وإن منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا إلى آخر كلامه، فهذا عجب من الشيخ كيف يصدر عنه هذا في حق مثل هذا الإمام الكبير المشهود له بالتبريز الذي قال هو في حقه: إنه نظم في هذا الفن كثيرا ونثر، وأنه جمع باعتكافه على الاشتغال بهذا الفن والشّغل به، ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين الغريبه من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، وإن منها كثيرا استخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة، فمن شهد له بأنه وصل إلى هذه الرتبة التي هي رتبة الاجتهاد لقوله: إنه استخرج كثيرا من أشعار العرب وكتب اللغة، ولا شك أن هذه وظيفة المجتهد، كيف يقول [٥/ ١٧٣] فيه: إنه ضعيف الاستنباط من كلام سيبويه، وأنه يفهم غير المراد، وأنه وأنه؟ -

стр. 4344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قوله: إنه لم يعلم له شيخ، فما أعرف كيف ذلك نقصا في رجل انتشر علمه وانتهى إلى رتبة بلغ بها أن يصحح ما أبطله غيره ويبطل ما صححه غيره بالأدلة الواضحة والمستندات الراجحة؟ وكم من طالب فاق شيخه، وخادم برّز على أستاذه، وانظر إلى العلماء الكبار المشهورين من أهل الفنون الذين اعترف الناس لهم بأنهم ارتقوا في فنونهم إلى المراتب السنية التي لا تلحق، هل كانوا متقدمين في الذكر على من اشتغلوا عليه وأخذوا عنه أولا؟ والطالب لا بد له من شيخ موفق، ولكن إنما يحتاج إليه في حل الكتاب الذي يقرأه عليه وتبيين المقصود من كل باب من ذلك الكتاب، وتقرير مسائله تصورا وتصديقا بحيث تصير له أهلية لفهم ما يطالعه من كتب ذلك الفن، والتمييز بين الصحيح والفاسد من مسائله، فإذا أعطاه الله تعالى مع ذلك صحة فكر وقوة إدراك واستمر عاكفا محصلا لما هو بصدده فقد يصل إلى أضعاف ما وصل إليه شيخه، وقد قال المصنف (١): «وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين»، ولكن الشيخ - رحمه الله تعالى - كان في خاطره أن النحو الذي وصل إليه المتأخرون من المغاربة كالأستاذ أبي علي الشلوبين وتبّاعه - رحمهم الله تعالى - لم يصل إليه غيرهم، فما رأي كتب المصنف وما أبرزه من النوادر والغرائب والعجائب، ولم يبعد أن حصل في النفس حسد ما، وكأن المصنف استشعر وقوع ذلك فلهذا قال بعد كلامه الذي تقدم (٢): «أعاذنا الله من حسد يسدّ باب الإنصاف، ويصدّ عن جميل الأوصاف». ولكن الله در أبي تمام الطائي (٣) حيث قال: ٤٠٧٩ - وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النّار في ما جاورت ... ما كان يعرف طيب نشر العود (٤) -

стр. 4345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قوله - أعني الشيخ -: «إن الفاضل من يحل كتابا أو كتابين في الفن المنسوب إليه مع مزاولته لذلك الكتاب» فهذا الكلام منه دليل على أن المصنف لم يحل كتابا في هذا الفن على أحد، وكفى بهذا الكلام من قائله قبحا، ويزيد هذا القبح قبحا إنشاده لنفسه - عقب ذلك - الأبيات التي أولها: يظنّ الغمر أنّ الكتب تجدي ... أخا فهم لإدراك العلوم وقوله فيها: إذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصّراط المستقيم لأن هذا إنما يقال لإنسان جاهل لا قرأ ولا درى ولا اقتبس من أحد شيئا فيأخذ كتابا وينظر فيه ظانّا أنه يدرك معانيه بنظرة من غير توقيف من مرشد، ولا يقال هذا لواحد من الطلبة المتميّزين فضلا أن يقال في معرض التعريض بإمام يشهد له بالفضل أهل المشرق والمغرب من أهل فنه، وقد كان هو - أعني الشيخ - رحمه الله تعالى يقول: «من عرف ما في هذا الكتاب - يعني التسهيل - لا يكون تحت السماء أنحى منه». ثم لم يقنع الشيخ ما قاله في حق المصنف حتى تعدّاه إلى آخر وهو الذي ذكر أنه من أهل الصعيد الأعلى وأنه تولى قضاء القضاة بديار مصر فقال عنه: إنه لم يقرأ النحو وقرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ في النحو، وهذا الرجل الذي أشار إليه هو الشيخ: تقى الدين الشهير بابن دقيق العيد (١) - رحمه الله تعالى - وهو الرجل الذي يعترف بفضله الحاضر والبادي، والدّاني والقاصي، والصديق والعدو، ولم ينازع في علمه أحد، بل كان في زمن فيه رؤوس العلماء المعتبرين الراسخون في الفنون، والكل خاضعون له، ماثلون بين يديه، يتلقون منه ما يقوله، ومعترفون بأنه أحد أهل وقته، ويدلك على صحة ذلك ما أبرزه من مصنفاته، والناظر إذا وقف على كلامه وتأمله علم أنه فوق ما ذكرنا، وكيف لا يكون كذلك وله استنباطات أحكام من السنة النبوية انفرد بها؟ ولقد استنبط من حديث واحد من الأحاديث التي أوردها في كتابه «الإلمام» أربعمائة وستة وثلاثين حكما، أترى من له هذه القوة والتمكن يقال عنه: إنه لم يقرأ النحو وأنه قرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ؟ -

стр. 4346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكيف يصل من يستنبط الأحكام الشرعية إلى ما يقصده دون تضلّع بعلم العربية و [علم] الأصول، وغيرها مما يتبعهما، ولا يبعد أن غض الشيخ منه له سبب محرج أوجب له أن يتكلم بذلك، ويحكى أن قضية جرت بين الشيخ تقي الدين وبينه لكنني لم أتحقق أنها وقعت، فما أمكنني تسطيرها. وبعد فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنّه وكرمه. ثم قال الشيخ (١): «وأما قول المصنف، إن قائل البيت الأول متمكن من أن يقول بدل: كنت منه: أك منه، وقائل الثاني متمكن من كذا، فهذا حديث من لم يفهم معنى قول النحويين: في ضرورة، ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هو الإلجاء إلى الشيء، فقائل بأنهم لا يلتجئون إلى ذلك إذ يمكن أن يقول: كذا، قال: فعلى زعمه لا توجد ضرورة أصلا، لأنه [ما] من ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظم تركيب آخر غير ذلك التركيب، وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، ولا يقع في كلامهم النثر». انتهى. والحق أن الأمر كما قاله، لكن المصنف سلك في تقرير الضرورة هذه الطريقة. ثم قال الشيخ (٢): «وأما قوله - يعني المصنف - وقد صرح بجوازه الفراء، فقول الغير لا يكون حجة إلا إذا عضده الدليل، قال: وأما جعل الفراء منه الآية الشريفة (٣) فالجواب، أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل نحو: ربّ شاة وسخلتها بدرهم» (٤). قال الشيخ (٥): «وقول المصنف: ولا يختص نحو: إن تفعل فعلت [بالشعر]، تقصير في العبارة، إذ قد فاته تركيب آخر هو مختص بالشعر وهو أن يكون الأول [٥/ ١٧٤] مضارعا والثاني منفيّا بلم نحو: إن تفعل لم أفعل، كما اختص إن تفعل فعلت» انتهى. وقد يقال: لا تقصير في عبارة المصنف لأنه قال: «نحو: إن تفعل فعلت» -

стр. 4347

[حكم الشرط إذا حذف الجواب] قال ابن مالك: (وإن حذف الجواب لم يكن الشّرط مضارعا غير منفىّ بـ «لم» إلّا قليلا). ــ ومراده بذلك أن يكون فعل الشرط مضارعا وفعل الجزاء ماضيا، ولا شك أن المضارع المقرون بـ «لم» ماضي المعنى. فيمكن شمول عبارته له. قال ناظر الجيش: قال الشيخ (١): تقدم له أول هذا الفصل قوله: «ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر (٢) وذلك فرع من كلامه هنا، لأن تلك المسألة معروضة في تقدم شبه الجواب، وأن الجواب محذوف إذ ذاك، والذي هنا شرط فيه حذف الجواب، وحذف الجواب تارة يكون لتقدم دليل الجواب كتلك المسألة، وتارة يكون لغير ذلك نحو القسم إذا تقدّم على الشرط نحو: والله إن جاء زيد لأضربنّه فـ «لأضربنّه» وهو متأخر يدل على حذف جواب الشرط، فحذف الجواب أعم من حذفه لتقديم الدليل عليه، إلا إن ادّعى أن الشرط مؤخر في الرتبة وإن كان متقدما في اللفظ، لأن وضع المقسم عليه أن يكون ملاصقا في التركيب للقسم، فحينئذ يكون لا يحذف جواب الشرط إلا إذا تقدمه ما يدل عليه إما لفظا وإما تقديرا. قال (٣): وقوله: لم يكن مضارعا غير منفىّ بلم، هو معنى قوله: ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض، إلا أنه في تلك المسألة قال: إلا في الشعر، وهنا قال: إلا قليلا، وهذا لا يشعر بالاختصاص بالشعر، بل بجوازه على قلة، والصحيح اختصاص ذلك بالشعر، وقال سيبويه (٤): إن أتيتني آتيك أي على التقديم والتأخير، وقال أيضا (٥): وأما إن تأتك هند آتيك فقبيح، لأن الجواب لا يحذف مع عمل إن إلا ضرورة، وقد سوّى المبرد (٦) بين الموضعين». -

стр. 4348

[اختصاص أدوات الشرط بالمستقبل] قال ابن مالك: (ولا يكون الشّرط غير مستقبل المعنى بلفظ «كان» أو غيرها إلّا مؤوّلا، وقد يكون الجواب ماضي اللّفظ والمعنى مقرونا بالفاء مع «قد» ظاهرة أو مقدّرة، ولا ترد إن بمعنى «إذ» خلافا للكوفيين). ــ قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١): «إن الشرطية وأخواتها مختصة بالمستقبل، فلا يكون شرطها ولا جزاؤه بمعنى الماضي، ولا بمعنى الحال، وما أوهم ذلك أوّل، فإذا جاء [في موضع الشرط أو الجزاء ما هو حال أو ماض بلفظ «كان» أو غيرها، حمل على أنه متعلق بفعل مستقبل هو] الشرط أو الجزاء في الحقيقة ولكنه حذف اختصارا واستغناء عنه بانصباب الكلام إلى معناه، وذلك قولك: إن أحسنت إلى أمس فقد أحسنت إليك اليوم، والمعنى: إن تبين إحسانك أمس تبيّن إحساني اليوم، وذهب أبو العباس المبرد (٢) إلى أنه يجوز بلا تأويل كون الشرط ماضي المعنى بلفظ «كان» دون غيرها، فإنه قال: وما يسأل عنه في هذا الباب قولك: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم، فقد صار ما بعد «إن» يقع في معنى الماضى، قيل للسائل: ليس ذا من قبل «إن» ولكن لقوة «كان» وأنها أصل الأفعال وعبارتها جاز أن تغلب «إن» فتقول: إن كنت أعطيتني فسوف أكافئك، فلا يكون ذلك إلا ماضيا، وقال تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ (٣)، والدليل على أنه كما قلت وأن هذا لقوة «كان» أنه ليس من الأفعال ما يقع بعد «إن» غير [كان] إلا ومعناه الاستقبال، لا تقول: إن جئتني أمس أكرمتك اليوم، ولم يصوّب ما ذهب إليه المبرد في هذه المسألة، وقد ردّه عليه ابن السراج فقال (٤): وهذا الذي قاله أبو العباس لست أقوله، ولا يجوز أن يكون إن تخلو من الفعل المستقبل لأن هذا نقض الكلام وما وضعت له، قال: والتأويل عندي في قولهم: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم أي: إن تكن [كنت] ممن زارني أمس أكرمتك اليوم، فدلّت: كنت على: تكن وكذلك قوله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ -

стр. 4349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي إن أكن كنت قلته أو إن أقل كنت قلته، أو أقر بهذا الكلام، وقد حكى المازني ما يقارب هذا. وأشار بقوله: وقد يكون الجواب ماضي اللّفظ والمعنى [مقرونا بالفاء مع قد ظاهرة أو مقدرة، إلى نحو قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ (١) وقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ (٢) تقديره: فقد صدقت، وهو عندي محمول على التأويل المذكور، ولا يستقيم أن يكون على غيره لتقدم الشرط على الجزاء واستحالة تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ولا شك أن قول المصنف «وقد يكون الجواب ماضى اللّفظ والمعنى»] غير مرض، وإنما إذا ورد ما ظاهره ذلك يجب تأويله إذ لو لم يكن [ذلك] مؤولا لزم تقدم ما هو مستقبل على ما هو ماض كما قال الإمام بدر الدين. قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة (٣): «ظاهر كلام المصنف والجزولي (٤) وغيرهما أن هذا الفعل الماضي المقرون بالفاء وقد ظاهرة أو مقدرة هو جواب الشرط، وذلك مستحيل، فينبغي أن يتأول كلامهم، واستحالة ذلك من حيث إن الشرط بما هو شرط يتوقف عليه مشروطه، فيجب أن يكون الجواب بالنسبة إليه مستقبلا وإلا لزم من ذلك تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن وذلك محال، فيتأوّل ما ورد من ذلك في كل مكان بما يناسبه، فيتأوّل قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (٥) على معنى: وإن يكذبوك فتسلّ فقد كذبت رسل، وقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ على معنى: فتأسّ بمن تقدم فقد سرق أخ له من قبل أو ما أشبه هذا التأويل، ولما كان هذا الجواب استعمل محذوفا، وكثر استعمال هذا الفعل المصحوب بالفاء وبقد ظاهرة أو مقدرة سمّوا ذلك الفعل جوابا لأنه لا يجامع الجواب، بل صار مغنيا عنه، ولا شك أنه ماضي اللفظ والمعنى وقوعا أو مزعوما وقوعه، فالوقوع مثل فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ، والمزعوم وقوعه فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» انتهى. -

стр. 4350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يظهر تقدير «فتأسّ» جوابا لقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ (١) والظاهر أن يكون التقدير: فلا عجب أو نحو ذلك. وأما قوله «إنه لا يجامع الجواب» فإن أراد به أنه قد أغنى عنه فقريب، وإن أراد أنه لا يجمع بينه وبين الجواب في الذكر فغير صحيح، إذ لو قيل في غير القرآن العزيز [٥/ ١٧٥] وإن يكذبوك فتسلّ فقد كذبت رسل من قبلك لم يكن ممتنعا. وأما قول المصنف: «ولا ترد إن بمعنى إذ» فأشار به إلى أن «إن» حرف و «إذ» اسم وهو ظرف، وإذا كان كذلك فكيف يتفقان معنى؟ وأجاز الكوفيون ذلك مستدلين بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ (٢) قالوا: لأن «إن» للتردد ولا تردد لليهود، والمعنى: وإذ كنتم: في ريب (٣)، والجواب عن ذلك ما ذكره أصحاب علم «المعاني» فإنهم قالوا: «إنّ» «إن» قد تستعمل في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة وذكروا أمورا: منها: التوبيخ على الشرط كقوله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٤) في من قرأ «إن» بالكسر (٥) فإن ذلك سيق لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف، وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتقاء، حقيق أن لا يكون ثبوته إلا على مجرد الفرض. ومنها: التغليب، أي تغليب غير المتّصف بالشرط على المتصف به، ومثّلوا له بهذه الآية الشريفة أيضا، قالوا: وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (٦) يحتمل أن يكون للتوبيخ على الرّيبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطبين على المرتابين منهم، فإنه كان منهم من يعرف الحق وإنما ينكر عنادا، قالوا: وكذا قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ فِي -

стр. 4351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ (١)» انتهى. ومما قيل: إنّ «إن» فيه بمعنى «إذ» قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ (٢)، وما ورد في الحديث: «وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» (٣) وكذا حمل على ذلك قوله: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤). قال الشيخ (٥): «وحملها على أنها شرط في هذا كله سائغ، فلا ينبغي العدول عن ذلك إلا بدليل واضح» انتهى. وأقول: قد قال الزمخشري (٦) في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ (٧): «إنما ساغ دخول إن لكون الموت مجهول الوقت» وهو كلام حسن، فيمكن أن يقال [ذلك] [في] الآية الشريفة وهي: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ وكذا في الحديث الشريف وهو «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وهو أن مشيئة الله سبحانه تعالى مجهولة الوقت، وأما قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فيمكن أن يكون المراد بالإيمان فيها: كمال الإيمان، ولا شك أن كمال الإيمان بامتثال جميع الأوامر واجتناب جميع النواهي، ومن تعاطى الرّبا لا يكون كامل الإيمان، فاتجه أن يخاطب بـ «إن كنتم مؤمنين». ثم إن الشيخ أنشد (٨) بيت الفرزدق وهو قوله: ٤٠٨٠ - أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم (٩) وقال (١٠): قد يؤول ذلك على معنى إذ، قال: ومذهب سيبويه والخليل وأبي سعيد أنها في البيت للشرط، والمعنى: أتغضب إن افتخر مفتخر بحزّ أذني قتيبة لأن من شأن المفتخر أن يقول: حززنا أذني قتيبة وفعلنا، فيكون من وقوع السبب موقع المسبب، ولا يمكن أن يكون شرطا على ظاهره من غير تأويل، لأن حز أذني قتيبة -

стр. 4352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ماض حقيقة، قال السيرافي (١): والعرب تعادل وتفاضل بين الفعلين الماضيين في المواقعة فيستقبل بهما الكلام كقوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ (٢) ومنه قول الشاعر: ٤٠٨١ - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن ... عارا عليك وربّ قتل عار (٣) وقول الآخر: ٤٠٨٢ - إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب (٤) والمخاطب بهذا مقتولان، والقتل قد وقع بهما. وإنما تأويل ذلك على فعل غير هذا الظاهر، وكأنهم افتخروا بقتله فقال: إن يفتخروا بقتلك فإن الأمر كذا وزعم المبرد (٥) وجماعة أن «أن» في البيت مفتوحة وجعلوها مخففة من الثقيلة كأنه قال: أتغضب لأنه أذنا قتيبة حزّتا، ورد ابن عصفور (٦) ذلك بأن «أن» المصدرية لا تقدم فيها الأسماء على الأفعال لا تقول: يعجبني أن زيد قام، وخرّج البيت تخريجا آخر. قال الشيخ (٧): ووهم ابن عصفور في رده لأنه فهم من القائل بذلك أنه يقول: إن أن المصدرية هي التي تنصب الفعل، والقائل بذلك إنما أراد أنها المخففة من المشددة وأنها لما خففت ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر على حد: -

стр. 4353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٠٨٣ - قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (١) انتهى. ويمكن أن يجاب ابن عصفور بجواب آخر على تقدير أن «أن» في البيت هي التي تنصب الفعل، وهو أن يقال: إن ثمّ فعلا مضمرا مسندا إلى قوله «أذنا قتيبة» التقدير: أتغضب أن حزّ أذنا قتيبة، و «حزّتا» المذكور تفسير ذلك المحذوف، وحاصل الأمر: أن تكون صلة «أن» حذفت وبقى معمولها كما حذفت صلة «ما» الحرفية وبقي معمولها في قولهم: لا أصحب فلانا ما أنّ حراء مكانه، التقدير ما ثبت أنّ حراء مكانه. وإذ قد انقضى الكلام على هذا الباب فلنذكر حكم أدوات الشرط بالنسبة إلى الإعراب ناقلين في ذلك كلام ابن عصفور قال (٢) رحمه الله تعالى: «وما كان من الجوازم حرفا فلا موضع له من الإعراب، وما كان منها اسم مكان أو زمان أو مصدرا - وأعني بذلك «أيّا» المضافة إلى المصدر - كان في موضع نصب على الظرفية أو على المصدرية، وما كان منها اسما لغير ما ذكر فإن دخل عليه حرف خفض كان مخفوضا به، ويكون المجرور متعلقا بفعل الشرط، وإن لم يدخل عليه حرف خفض فإن كان الفعل الذي بعده غير متعدّ كان مبتدأ نحو: من يقم أقم معه، وإن كان متعديا فإن كان فاعل الفعل ضميرا يعود على اسم الشرط كان أيضا مبتدأ نحو قولك: من يضرب زيدا أضربه، وإن لم يكن ضميرا يعود على اسم الشرط فإن كان الفعل لم يأخذ مفعوله كان مفعولا مقدما نحو قولك: من يضرب أضربه، وإن كان قد أخذه فإن كان المفعول ضميرا عائدا على اسم الشرط أو سببا له، جاز فيه الرفع على الابتداء، والنصب بإضمار فعل، والاختيار الرفع نحو قولك: من يضربه زيد أضربه، ومن يضرب غلامه زيد أضربه، وإن كان المفعول أجنبيّا لم يجز فيه إلا الرفع على الابتداء نحو قولك: من يضرب زيدا أضربه، ومن يضرب [٥/ ١٧٦] غلامه زيدا أضربه، وحكم المضاف إلى اسم الشرط في الإعراب حكم اسم الشرط في جميع ما ذكر» انتهى. -

стр. 4354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والذي يتلخص من ذلك أن اسم قد يكون في محل نصب، وقد يكون في محل خفض، وقد يكون في محل رفع، وقد يجوز فيه أن يكون في محل نصب أو رفع، ويستثنى من أسماء الشرط «مهما» فإنها لا تكون إلا مبتدأة أو مفعولة غير مقيدة بحرف جر ولا مضاف إليها، ثم نصب المنصوب إما على الظرف أو المصدرية أو المفعولية، والعامل فيه حينئذ فعل الشرط، وخفض المجرور إما بحرف، أو بإضافة اسم إليه، فإن كان الجار حرفا فهو متعلق بفعل الشرط، وإن كان اسما فيجيء فيه ما ذكر في اسم الشرط من نصب وخفض ورفع، ورفع المرفوع إنما يكون على الابتداء خاصة، وحيث جاز في الاسم المذكور الرفع والنصب فالمسألة من باب «الاشتغال». واعلم أن الشيخ ذكر هذه المسألة (١) وتضمن إيراده لها تقاسيم منتشرة يحتاج في ضبطها إلى عسر ولخص تلك التقاسيم في «الارتشاف» واقتصرت على ما ذكره فيه، قال رحمه الله تعالى (٢): «واسم الشرط إن كان ظرفا أو أريد به المصدر كان في موضع نصب والعامل فيه فعل الشرط، وإن كان غير ذلك وفعل الشرط لازم فمبتدأ نحو: من يقم أقم معه، وخبره الفعل، أو متعد لم يأخذ مفعوله وهو مسند إلى ظاهر نحو: من يضرب زيد أضربه، أو إلى متكلم نحو: من أضرب تضربه، أو إلى مخاطب نحو: من تضرب أضربه فمفعول بفعل الشرط، أو إلى ضمير غائب عائد على اسم الشرط نحو: من يضرب أضربه، فمبتدأ أو على غيره نحو: هند من تكرم أكرمه فمفعول، أو أخذه تقديرا - يعني أو أخذ مفعوله تقديرا - نحو قوله تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ (٣) - أي من يشأ الله إضلاله يضلله - أو لفظا والفاعل سببي لاسم الشرط والمفعول أجنبي نحو: من يضرب أخوه زيدا أضربه فمبتدأ فقط، أو ضميره نحو: من يضربه أخوه أضربه، أو سببي نحو: من يضرب أخوه غلامه أضربه فالمسألتان من الاشتغال، أو مضمر يعود على اسم الشرط متصلا فلا يجوز إلا أن يكون مخاطبا نحو: من يضربك أضربه، أو غائبا على غير اسم الشرط نحو: هند من يضربها أضربه فالرفع بالابتداء فقط، أو منفصلا ولاسم الشرط في فعله ضمير أو سببي منصوب أو مجرور فالمسألة من الاشتغال، نحو، من -

стр. 4355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يضربه إلا هو أضربه، ومن لم يضرب أخاه إلا هو أضربه، ومن لم يمرر به إلا هو أمرر به، وإن لم يكن فاسم الشرط مبتدأ نحو: من لم يضرب زيدا إلّا هو أضربه» انتهى. وأقول: إن الذي ذكرته عن ابن عصفور فيه كفاية، ولا شك أن الإنسان إذا علم أن أدوات الشرط لها صدر الكلام، وأنها إذا كانت معمولة لعامل لفظي وجب أن يكون مؤخرا عنها، وكذا إذا كان يعلم أن العامل الجائز العمل فيما قبله إذا نصب ضمير اسم سابق جاز في ذلك الاسم الرفع والنصب، وتكون المسألة من باب «الاشتغال» أهدى إلى ما ذكر. وبالجملة إذا كان الناظر عالما بالقواعد لا يخفى عليه الحكم في الصور التي ذكرها الشيخ، وكذا ما ذكره ابن عصفور لا يكاد يخفى لأن القواعد تؤدي إليه ولا تقتضي خلافه، ولهذا لم يكن في كلام المصنف تعرّض إلى ذلك وإنما ذكرته قصدا لزيادة تقديره، والتنبيه على ما لعل الخاطر يذهل عنه. وبعد فلا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن اسم الشرط إذا كان مبتدأ كان خبره فعل الشرط وذهب بعضهم (١) إلى أن الخبر هو الشرط والجزاء معا مستدلّا بأن الكلام لا يتم إلا بالجواب، وردّ (٢) هذا الاستدلال بأن الافتقار إلى الجواب إنما أوجبه التعليق، كما أنك إذا قلت: لولا زيد لأكرمتك لا يتم إلا بالجواب وليس داخلا في الخبر، ومما استدل به على أن الخبر هو الشرط وأن الجزاء لا مدخل له في الخبرية أن فعل الشرط هو الذي يتحمل ضمير المبتدأ، وأن الجواب لا يلزم فيه ضمير فيقال: من يقم يقم زيد (٣)، لكن قال الشيخ (٤): «إن الحكم ليس كذلك لأن اسم الشرط إذا كان غير ظرف ولا مصدر لزم أن يكون في جملة الجزاء ضمير يعود على اسم الشرط نحو: من يقم يقم معه، ومن يضرب أضربه، قال: ولا يجوز أن تعرّى جملة الجزاء من الضمير فيكون المتعلق به فعل الجزاء أجنبيّا أصلا، ولا يجوز: من يضرب أقتل خالدا حتى تقول: من أجله، أو تحذفه للعلم به نقل ذلك عن العرب الأخفش، قال: ولذلك تأوّل النحويون قول الشاعر: -

стр. 4356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٠٨٤ - فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإنّي وقيّار بها لغريب (١) وقول الآخر (٢): ٤٠٨٥ - فمن يك سائلا عنّي فإنّي ... وجروة لا ترود ولا تعار (٣) وقول الآخر: ٤٠٨٦ - فمن تكن الحضارة أعجبته ... فأيّ رجال بادية ترانا (٤) فإن جمل الجزاء في هذه الأبيات ليس فيها ضمير يربط جملة الجزاء بجملة الشرط، قال (٥): وهذا يقوّي قول من يقول: إن جملتي الشرط والجزاء معا هما الخبر، ولكن المختار مذهب الأكثرين». انتهى. وما ذكره من أن جملة الجزاء لا بد أن تشتمل على ضمير يعود على اسم الشرط، في التزامه نظر، وكنت أسمع من شيخي برهان الدين إبراهيم الرشيدي (٦) جزاه الله تعالى عني أفضل الجزاء، أن الذي يشترط عود ضمير من الجزاء إلى اسم الشرط -

стр. 4357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو الأخفش، وكنت أفهم عنه أن المعمول به في هذه المسألة خلاف [٥/ ١٧٧] ذلك، وها أنت قد رأيت الشيخ أيضا إنما ذكر ذلك عن الأخفش خاصة (١)، ويدل على أن الأصح خلاف قول الأخفش الأبيات التي أنشدها، وأما قوله: إنها تؤول، فالخصم لا يسلم ذلك، وقد قال الله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٢) وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٣) فالجواب في هاتين الآيتين الشريفتين لم يكن فيه ضمير يعود على اسم الشرط، وليس ارتباط الجزاء بالشرط مفتقرا إلى ضمير، لأن الارتباط يحصل بالتعليق وبالعمل أيضا. ومنها: أن جواب الشرط كخبر المبتدأ فلا بد من تغايرهما لتحصل الفائدة، ولهذا كان المعنى في قوله ﷺ : «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» (٤): فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّة وقصدا كانت هجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا، وقد يحمل الكلام على معنى يكون ذلك المعنى مسوغا للاتخاذ ظاهرا كقول القائل: إن لم تطعني فقد عصيتني، فإنه أراد بذلك التنبيه على العقوبة كأنه قال: إن لم تعطني فقد وجب عليك ما وجب على العاصي. ونقل الشيخ (٥) عن صاحب كتاب «الإعراب» (٦) أنه قال (٧) في قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (٨): نبّه تعالى بأنه [ما] بلغ على الوعيد اللاحق، فكأنه قال: فلست تعدم الجزاء على ذلك، قال: وهذا من باب التلطّف في الإخبار بالوعيد لمن كان عند الآمر بمنزلة، قال: ويحتمل أن يريد تعالى: وإن لم تفعل لخوف أحد فلا تسقط عنك المطالبة، بل أنت غير مبلغ ومراده: قطع العذر -

стр. 4358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه، ولذلك قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (١) وقيل: هو على تقدير: إن تبلغ بعضا فكأنك غير مبلّغ، قال: ومن ذلك قولك: إن قلت زيد قائم فهو قائم، تريد: فهو حق أي في نفس الأمر كذلك كقوله: ٤٠٨٧ - إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربّي فهو قد فعلا (٢) وترتّب هذا على الشرط تقدر فاعلم أو فتبيّن أو نحوه: وكذلك قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ (٣)، هذا كله كلام صاحب «الإعراب». ومنها: أن العطف على الشرط إما بـ «الواو» أو بغيرها، فإن كان بـ «الواو» وتكررت أداة الشرط نحو: إن آتك وإن أدخل دارك فعبدي حرّ، عتق بالفعلين كليهما وبواحد منهما، لأن تكرير الأداة يدل على الاستقلال وأنه علّق عتق العبد على وجود كل واحد منهما، فمتى وجد واحد وحده أو مضموما إلى غيره فقد وجد ما علق عليه فيعتق، وإن لم تتكرر الأداة نحو: إن آتك وأدخل دارك فعبدي حرّ، عتق بفعل الفعلين معا ولا يبالى بأيّهما بدأ، وإن كان العطف بـ «الفاء» أو بـ «ثم» نحو: إن آتك فأدخل دارك أو ثمّ أدخل دارك فعبدي حرّ، عتق العبد إذا فعل الفعلين وبدأ بالأول، وسواء أكرر أداة الشرط أم لم يكررها، وإن كان العطف بـ «أو» نحو: إن أدخل دارك أو أزرك فعبدي حرّ فبفعل الفعلين أو أحدهما يعتق العبد، لأنه علق العتق على وجود أحدهما، فمتى وجد أحدهما وحده أو مضموما إلى الآخر صدق عليه أنه وجد أحدهما فيعتق، وسواء أيضا أكررت مع «أو» أداة الشرط أم لم تكررها (٤). ومنها: أن الشرط الذي لا يقتضي التكرار لو انفرد كقولك: إن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، إن ربط بالفاء بما يقتضي التكرار وأمكن تكراره فإما أن يكون مناسبا للفعل المكرر أولا: إن كان مناسبا نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، فإن أجنب ثلاثا واغتسل لكل إجنابة طلقت ثلاثا، -

стр. 4359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن أجنب منها ثلاثا واغتسل واحدة فزعم أبو يوسف (١) أنها تطلق عليه ثلاثا (٢)، وزعم الفراء أن قول أبي يوسف غلط (٣)، وإن كان غير مناسب نحو: كلّما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ، فإن دعاه ثلاث دعوات وسقط الحائط فعليه عتق ثلاثة أعبد، ولا يلزم في غير المناسب التكرار، هذا مذهب الفراء، أصول البصريين تقتضي التكرار في المربوط بالفاء على ما يقتضي التكرار إذا كان الفعل قابلا سواء أكان مناسبا أم غير مناسب ولا يجوز أن يكون فعل الشرط إلا مما يمكن فيه التكرار يعني إذا كان بعد ما يقتضي التكرار نحو: كلّما وما أشبهها. انتهى من شرح الشيخ (٤). ودلّ هذا على أن لا يعتق إلا عبد واحد في ما إذا قال: كلّما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ، ودعاه ثلاث دعوات وسقط الحائط، لأن فعل الشرط الذي هو سقوط الحائط «لا يمكن فيه التكرار، وهم قد قالوا: ولا يجوز أن يكون فعل الشرط إلا مما يمكن فيه التكرار». ثم إن الشيخ تكلّم على إعراب «كلّما» فقال (٥): «وكلّما في هذه المسائل منصوبة على الظرف والعامل فيها محذوف يدل عليه جواب الشرط المعطوف بالفاء بعدها، والتقدير: أنت طالق كلما أجنبت منك جنابة فإن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، وكذلك عبد من عبيدي حرّ كلما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حر، وتبيين ذلك أن «ما» المضاف إليها «كل» هي ما المصدرية وفيها معنى العموم فإذا قلت: لا أصحبك ما طلعت الشمس فمعناه لا أصحبك مدّة طلوع الشمس، فحذف «مدة» وأقيم المصدر مقامه ثم جعلت «ما» والفعل قائمة -

стр. 4360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المصدر، ولا يريد بذلك مطلق المصدر فيصدق بالمرة الواحدة، بل العرب لم تستعمل «ما» التوقيتية إلا بمعنى العموم، ثم دخلت عليها «كل» فأكدت معنى العموم الذي فيها فانتصبت على الظرف؛ قال الله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها (١)، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ [٥/ ١٧٨] لَهُمْ جَعَلُوا (٢)، وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ (٣)، ولذلك كثر مجيء الفعل الماضي بعدها، لأن «ما» التوقيتية كذلك، و «ما» التوقيتية شرط من حيث المعنى وإن لم يكن إلا على ما ذهب إليه المصنف فقد ذكر هو الجزم بها عن بعض العرب (٤)، وقال تعالى: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ (٥) لما جرت مجرى الشرط في المعنى جرت مجراه في الجواب فدخلت «الفاء» لما كان الجواب فعل أمر كما تدخل في نحو: إن جاء زيد فاضربه، ولم تدخل في قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ كما لم تدخل في: إن قام زيد قام عمرو، فحكم «كلما» حكم أداة الشرط في اقتضاء جملتين تترتب إحداهما على الأخرى. قال (٦): وإنما تعرضت لإعراب «كلّما» في هذه المسائل وإن كان من واضح الإعراب لأن أبا الحسن بن عصفور زعم أن «كلّما» في هذه المسائل مرفوعة بالابتداء، وقال (٧): لا يجوز فيها في هذه المسائل المذكورة غير ذلك، قال: وجملة الشرط والجواب في موضع خبرها، قال: ولا بد من عائد يعود عليها ملفوظ به أو مقدر، ودخلت «الفاء» على جملة الشرط والجواب وهي في موضع خبر المبتدإ لأن «كلّما» اسم عام وبعدها فعل، وكل اسم عام مضاف إلى موصوف بفعل قابل لأداة الشرط أو ظرف أو مجرور والخبر مستحق ذلك الظرف أو المجرور أو الفعل دخلت «الفاء» عليه لعلّة ذكرت في باب «الابتداء» (٨) قال: فعلى هذا إذا -

стр. 4361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمّام [فعبدي حرّ، فالمعنى: كل وقت أجنبت فيه منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمام] بعده فعبدي حرّ، ولا بد من ذلك لترتبط الصفة بالموصوف والخبر بالمخبر عنه، وتكون جملة الشرط والجواب مستحقة بكل إجنابة أجنبها، وكذلك أيضا يلزم وإن لم يكن فعل الشرط مناسبا لفعل «كلّما» نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن جاء زيد فعبدي حرّ، كأنه قال: كل وقت أجنبت فيه منك إجنابة فإن جاء زيد فيه فعبدي حرّ، وتكون جملة الشرط والجواب أيضا مستحقة بكل إجنابة أجنبها. قال الشيخ (١): وهذا الذي ذهب إليه ابن عصفور تبعه عليه الأبّذيّ، وهذا الذي ذهب إليه مدفوع بالسماع والقياس: أما السماع: فالمحفوظ من [لسان] العرب نصب «كلّما» هذه والقرآن العزيز مملوء من ذلك وكذا أشعار العرب، ولم يسمع من العرب الرفع بل النصب، والنصب على ما ذكرناه من الظرف، لأن «كلّا» مضاف إلى «ما» الظرفية، والعامل في هذا الظرف هو الفعل الواقع جوابا فـ «بدّلناهم» عامل في «كلّما» من قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ (٢) وكذلك بقية الآيات الشريفة وهي قوله تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا (٣)، كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها (٤) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها (٥)، كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها (٦)، والفعل بعد «كلّما» في موضع صلة «ما» الظرفية لا في موضع الصفة. وأما القياس: فإنه لو كانت «ما» نكرة موصوفة للزم من ذلك شيئان: أحدهما: أن النكرة الموصوفة إنما تتقدّر بشيء لأنها مبهمة فلا دلالة فيها على أن ذلك الشيء هو وقت لأن العام لا دلالة له على تعيين بعض أفراده فتقديره أن «ما» بمعنى: وقت ليس بشيء لأن «ما» إذا كانت نكرة لا دلالة لها على تعيين أن ذلك الشيء هو وقت. -

стр. 4362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثاني: أنه لو كان الفعل واقعا صفة للزم أن يعود منه ضمير على الموصوف ولا يحذف إلا قليلا ولم يوجد في جميع استعمالات «كلما» ضمير يعود على الموصوف، فدلّ على أن الفعل ليس بصفة، وإنما هو صلة «ما» و «ما» حرف فلا يعود عليها ضمير، قال: وإنما غلّط الأستاذ أبا الحسن في ذلك أنه رأى أن ما بعد «كلّما» هو شرط دخلت عليه «الفاء»، فإذا نصب «كلّما» فما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله فعدل إلى وجوب الرفع في «كلّما» فرارا من عامل النصب فيها وقد ذكرنا أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، قال (١): وأيضا قد تقرر عند الجمهور (٢) أن الخبر عن الموصول أو الموصوف بشروطه، شرط دخول الفاء عليه أن يكون مستحقّا بالصلة أو الصفة، وهذه الجملة الواقعة خبرا لـ «كلّما» إذا رفعت «كلما» هي شرطية، فليست مستحقة بالصلة ولا الصفة، بل المستحق إنما هو قوله: فأنت طالق أو فعبد من عبيدي حرّ، وهذا جواب للشرط لا خبر عن المبتدأ، إلا أن يقال: ما كان مستحقّا بشيء ومترتبا عليه جعل كأنه مستحق بما قبله، وهذا كله ضعيف. ثم ذكر (٣) عن صاحب «البسيط» أنه قال: كلّما» تأتيني أكرمتك، على رأي سيبويه (٤) «ما» مصدرية بمنزلة: ما تدوم لي أدوم لك، ومقصود بها الحين أي: أزمان إتيانك أكرمك، ثم أدخلت «كلا» على المصدر بتأويل الزمان فاكتسب منها الزمان، فانتصب على ذلك، فحينئذ لا تكون شرطية، ومعناها: أزمان دوامك كلها أدوم لك، وقد قيل: إنها شرطية بمنزلة «لما» مع الماضي، وقيل: هي «كل» المتضمنة للشرط وأصلها: كل مضافة إلى اسم موصوف بمعنى: الأزمان كأنه قال: كلّ زمن تأتيني فيه أكرمك، والأول باطل لوجود معنى الكلية فيها فلا تكون بمنزلة «لما»، ويبطل الثاني أنه لزم طريقة الفعلية، ولو كان بمنزلة كلّ رجل يأتيني لجاز كون الجواب فيها بالجملة الاسمية والفاء، ولا تكون ذلك لبقاء «كلما» بلا عامل، وأيضا لجاز رفعها على الابتداء كما في [كلّ] رجل يأتيني له درهم، ولا تدخل «كل» هذه على «ما» الشرطية في قولك: ما تفعل أفعل، لأنها تدل أيضا على -

стр. 4363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العموم فلا تدخل عليه نفسه لأن العموم يعم. انتهى. ما ذكره الشيخ بحثا ونقلا في مسألة «كلّما». وقوله «إن ما المصدرية الظرفية فيها معنى [٥/ ١٧٩] العموم» لم أتحققه، لأن «ما» المذكورة مؤولة مع الفعل الذي بعدها بالمصدر، والمصدر لا عموم له، ولا شك أن حكم ما هو مؤول بشيء حكم ذلك الشيء الذي أوّل به، وإذا كان كذلك فمن أين يجيء العموم؟ ثم إن قوله في: لا أصحبك ما طلعت الشمس «إن معناه: لا أصحبك مدّة طلوع الشمس فحذفت مدة وأقيم المصدر مقامها ثم جعلت «ما» والفعل قائمين مقام المصدر غير ظاهر، لأن الذي أقيم مقام المضاف المحذوف الذي هو «مدة» إنما هو «ما» والفعل، لا المصدر وإنما «ما» والفعل مؤوّلان بالمصدر، والشيخ عكس الأمر فجعل القائم مقام المضاف هو المصدر، ثم جعل «ما» والفعل قائمين مقامه، والذي يظهر أن عموم الوقت المستفاد من نحو قولنا: لا أصحبك ما طلعت الشمس، ليس مستفادا من كلمة «ما» إنما استفيد ذلك من اسم الزمان المقدر إضافته إلى المصدر المؤول وهو «مدة» لأن هذه الكلمة بإضافتها إلى شيء يستفاد منها عموم وقت ما أضيفت إليه، ويدل على هذا الذي قلته أنك لو لم تأت بـ «ما» والفعل بل أتيت بالمصدر الصريح، وأضفت هذه الكلمة - أعني مدّة - إليه لأفاد ذلك العموم كقولك: لا أصحب زيدا مدّة طلوع الشمس، هذا الذي أدى إليه النظر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم بالصواب. وأما قوله - أعني الشيخ - «إن ما التوقيتية شرط من حيث المعنى فقد ينازع فيه، وأما أن المصنف ذهب إلى أن لها عملا [فلا] أستحضر الآن أين ذكر المصنف ذلك، نعم ذكر المصنف أن «ما» الشرطية قد تستعمل ظرفا وكذا «مهما» وقد تقدم الكلام على ذلك، فإن كان هذا هو الذي قصده الشيخ لم يثبت ما ذكره لأن «ما» هذه ليست التوقيتية وإنما هي الشرطية نفسها، لكنها مع كونها شرطا قصد منها الظرفية، ثم يقال: إن قوله تعالى: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ (١) من هذا القبيل الذي ذكرته - أعني أن ما في الآية الشريفة شرطية، ومع كونها شرطية -

стр. 4364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هي ظرفية وعلى هذا لا يحتاج إلى قول الشيخ إنها - أعني ما التوقيتية - لما جرت مجرى الشرط في المعنى جرت مجراه في الجواب فدخلت «الفاء» لما كان الجواب فعل أمر. وبعد فتفسير صاحب «البسيط» لكلمة «كلّما» حيث قال: «ما مصدرية بمنزلة: ما تدوم لي أدوم لك ومقصود بها الحين أي: أزمان إتيانك أكرمك ثم أدخلت «كلا» على المصدر بتأويل الزمان فاكتسب منها الزمان فانتصب على ذلك» أبين وأوضح من تفسير الشيخ، لأنه جعل المصدر المؤول قائما مقام الزمان المحذوف، ثم حكم بأن «كلا» صار مدلولها زمانا لإضافتها إلى ما قام مقام الزمان، ولم يدّع عموما في «ما» فعلمنا أن العموم إنما استفيد من الكلمة الموضوعة [له] وهي «كلّ». ومنها: مسألتان ذكرهما الشيخ (١): الأولى: إذا كان قبل فعل الشرط وبعده فعل ليس جوابا فإن حملت على الأول رفعت مثاله: تؤجر أمرت بمعروف وتثاب، أو على الثاني جاز الرفع والجزم مثاله: تؤجر إن أمرت بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالجزم في «وتنهى» بالعطف على محل «أمرت» والرفع على الاستئناف. الثانية: إذا أتيت بأفعال بعد فعل الشرط من معناه فإن عطفتها بـ «الواو» نحو: إن تحسن وتكرم أباك وتصل رحمك وتأمر بمعروف وتنه عن منكر فالله يثيبك، فالجواب مستحق بالمجموع إن لم تعطفها فإبدال بداء (٢) ليس فيه إبطال، فالظاهر أن الجواب مستحقّ بجميعها إن وقعت، وبواحد منها إن وقع، وإن كانت ليست من معنى فعل الشرط لزم أن ترتفع، فيرفع الأول على الحال وتعطف البواقي عليه (٣).

стр. 4365

[لو الشرطية معناها وما تختص به] قال ابن مالك: (لو حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، واستعماله في المضيّ غالبا، فلذا لم يجزم بها إلّا اضطرارا، وزعم اطّراد ذلك على لغة، وإن وليها اسم فهو معمول فعل [مفسّر] بظاهر بعد الاسم، وربّما وليها اسمان مرفوعان، وإن وليها «أنّ» لم يلزم كون خبرها فعلا خلافا لزاعم ذلك). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١): «من حروف المعاني «لو» وهي في الكلام على ضربين: موصولة وشرطية؛ فالموصولة هي التي تأتي مع الفعل في تأويل مصدر كما في قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ (٢) وقد تقدم ذكرها. وأما الشرطية فهي لتعليق ما امتنع لامتناع شرطه فتقتضي جملتين ماضيتين الأولى [منهما] مستلزمة للثانية، لأنها شرط والثانية جوابه، وتقتضي أيضا امتناع الشرط لأنه لو ثبت لثبت جوابه، وكان الإخبار بذلك إعلاما بإيجاب لإيجاب، لا بتعليق ما امتنع لامتناع شرطه فتخرج «لو» عن معناها، ولا تقتضي امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته لأنه لازم، والشرط ملزوم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم، بل إن كان مساويا للشرط امتنع بامتناعه كما في نحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، وإن كان أعم من الشرط لم يلزم أن يكون ممتنعا في نفس الأمر لامتناع شرطه بجواز كونه لازما لأمر ثابت فيكون هذا نصّا ثابتا لثبوت ملزومه كما في قولك: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه، فإن تركه السؤال محكوم بكونه مستلزما للعطاء، وبكونه ممتنعا والعطاء محكوم بثبوته على كل حال، والمعنى أن إعطاءه حاصل مع ترك السّؤال فكيف مع السؤال؟ وكما في قول عمر ﵁: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» (٣) فإن عدم الخوف محكوم بكونه مستلزما لعدم المعصية، وبكونه ممتنعا وعدم المعصية [٥/ ١٨٠] محكوم بثبوته، لأنه إذا كان ثابتا على تقدير ثبوت عدم الخوف فالحكم بثبوته على تقدير الخوف أولى، وكما في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ -

стр. 4366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (١) لأن عدم النفاد ثابت على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلاما مدادها البحر وسبعة أمثاله وعلى تقدير عدم ذلك، وقد ظهر من هذا أن «لو» حرف شرط في الماضي وأنها تقتضي نفي تاليها واستلزام ثبوته ثبوت تاليه، لأنهما شرط وجواب ولا تقتضي نفي الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته، وقال أكثر النحويين (٢): لو حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره أي: على امتناع الثاني لامتناع الأول، وكان شيخنا (٣) رحمه الله تعالى يرى أنه تفسير لـ «لو» بأخص من معناها لأنه يقتضي كون جوابها ممتنعا غير ثابت على وجه، وذلك فيها غير ثابت بدليل مجيء جوابها ثابتا في نحو ما تقدم من الأمثلة، ولا شك أن ما قاله الشيخ في تفسير «لو» أحسن وأدلّ على معنى «لو» مما قاله النحويون غير أن ما قالوه عندي تفسير صحيح واف بشرح معنى «لو» وهو الذي قصد سيبويه ﵀ من قوله: لو لما كان سيقع لوقوع غيره (٤)، يعني أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقّع غير واقع فكأنه قال: لو تقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته، وهو نحو ما قال غيره، ولنرجع إلى بيان صحته فنقول: قولهم: لو تدلّ على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين: الأول: أن يكون المراد أن جواب «لو» ممتنع لامتناع الشرط غير ثابت لثبوت غيره بناء على مفهوم الشرط في عرف اللغة لا في حكم العقل، فإنك إذا قلت: إن قام زيد قام عمرو فهو دالّ في عرفهم على أنه إذا لم يقم زيد لم يقم عمرو، لأن الأصل فيما علّق على شيء أن لا يكون معلقا على غيره، فجرى العرف على هذا الأصل، ولذلك فهموا عدم جواز القصر في السفر عند عدم الخوف (٥) من قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ (٦) وعلى هذا إذا قلت: -

стр. 4367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لو جئتني لأكرمتك فقد دلت «لو» على أن المجيء مستلزم للإكرام وعلى أنه ممتنع، ففهم منه أن الإكرام ممتنع أيضا غير ثابت بوجه كما يفهم من نفي شرط إن نفي جوابه. والوجه الثاني: أن يكون المراد أن جواب [لو] ممتنع لامتناع شرطه، وقد يكون ثابتا لثبوت غيره، لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها واستلزامه لتاليه فقد دلّت على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت أمر آخر فيصح إذن أن يقال: لو حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه لا يقتضي كونها تدل على امتناع الجواب على كل تقدير، بل على امتناعه لامتناع الشرط المذكور مع احتمال كونه ثابتا لثبوت أمر آخر، وغير ثابت لأن امتناع الشيء لامتناع علّة لا ينافى ثبوته لثبوت علة أخرى، ولا انتفاءه لانتفاء جميع علله. وعند أكثر المحققين (١) أن «لو» لا تستعمل في غير المضي وذهب قوم إلى أن استعمالها في المضي غالب وليس بلازم لأنها قد تأتي للشرط المستقبل بمنزلة «إن» واحتجوا بنحو قول الشاعر: ٤٠٨٨ - ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظلّ صدى صوتي ولو كنت رمّة ... لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب (٢) وقول الآخر (٣): ٤٠٨٩ - ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح (٤) -

стр. 4368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ (١)، وليس بحجة (٢) لأن غاية ما فيه أن ما جعل شرطا لـ «لو» مستقبل في نفسه، أو مقيد بمستقبل، وذلك لا ينافي امتناعه في مضي لامتناع غيره، ولا يحوج إلى إحراج «لو» عما عهد من معناها إلى غيره. ولما كانت «لو» للشرط في الماضي كان دخولها على المضارع على خلاف الأصل فلم تجزمه في سعة الكلام كما تجزمه «إن» وإن كانت مثلها في الاختصاص بالفعل، وحكى الشجري (٣) أن بعضهم يرى الجزم بها لغة والمعروف أنه لا يجزم بها إلا في ضرورة كقوله: ٤٠٩٠ - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا (٤) وقول الآخر: ٤٠٩١ - لو يشأ طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل (٥) وذهب الشيخ - رحمه الله تعالى - في شرح الكافية (٦) إلى منع الجزم بـ «لو» في السعة والضرورة، وقال عن تسكين «النون» من: يحزنك: «فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا كما قرأ أبو عمرو: وينصركم (٧) ويأمركم (٨)، ويشعركم (٩) وقرأ بعض السلف: ورسلنا لديهم يكتبون (١٠)» وعن -

стр. 4369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تسكين الهمزة من لو يشأ: «وهذا لا حجّة فيه لأن من العرب من يقول: جأ يجئ وشأ يشأ فقال: يشأ ثم أبدل الألف همزة كما قيل في: عالم وخاتم: عألم وخأتم، وكما فعل ابن ذكوان في تأكل منسأته (١) [حين قرأ بهمزة ساكنة والأصل: منسأته مفعلة من نسأه: زجره بالعصا، ولذلك سميت: منسأة] فأبدل الهمزة ألفا ثم الألف همزة ساكنة فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ». و «لو» مختصة بالأفعال فلا تباشر الجمل الاسمية، ولكن يليها الاسم مرفوعا ومنصوبا، فإن وليها المرفوع فإن كان غير «أن» وصلتها فهو مرفوع بفعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم نحو «لو ذات سوار لطمتني» ولو زيد قائم أبوه قمت، وإن كان «أنّ» وصلتها كما في قولك: لو أنّك جئتني لأكرمتك فهو عند سيبويه (٢) في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف، وقد شذّ ابتداء «أنّ» بعد «لو» كما نصبت «غدوة» بعد «لدن»، وعند الأخفش (٣) في موضع رفع بـ «ثبت» مضمرا كما هو كذلك بعد «ما» النائبة عن الظرف كقولهم: لا أفعل ما أنّ حراء مكانه، ولا أكلمه ما أنّ في السّماء نجما (٤)، وإن ولي «لو» اسم منصوب فقد يكون منصوبا بما بعده كما في قولك: لو زيدا ضربت لأكرمتك، وقد يكون منصوبا بفعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم وغير مفسر، فالأول نحو: لو زيدا رأيته أكرمك ولو عمرا [٥/ ١٨١] كلمت أخاه أعطاك، والثاني قولهم: اضرب ولو زيدا، وألا شراب ولو ماء (٥)، وندر المجيء باسمين مرفوعين بعد «لو» في قول الشاعر: ٤٠٩٢ - لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري (٦) -

стр. 4370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحمله أبو علي (١) على أن «حلقي» فاعل لفعل مضمر يفسره «شرق» و «شرق» خبر مبتدأ محذوف مدلول عليه بالفاعل والتقدير: لو شرق بغير الماء حلقي هو شرق، وحمله شيخنا (٢) - رحمه الله تعالى - على أن «حلقي» مبتدأ و «شرق» خبره و «بغير الماء» متعلق بالخبر، وقد ابتدأ الكلام بعد «لو» لأنها لما لم تعمل لم يسلك بها سبيل «إن» في الاختصاص بالفعل أبدا، فنبّه على ذلك بمباشرتها «أنّ» كثيرا وبماشرتها غيرها قليلا (٣). ومحلّه عندي على أن يكون قوله: «حلقي شرق» مبتدأ وخبرا في موضع نصب بـ «كان» الشانية مضمرة تقديره: لو كان الأمر أو الشأن حلقي شرق بغير الماء كنت كالغصّان، وكان بالماء اعتصاري (٤). وزعم الزمخشري (٥) أن الخبر بعد «لو أنّ» ملتزم مجيئه فعلا ليكون ذلك عوضا عن ظهور الفعل المقدر بين «لو» و «أنّ» ومنع صحة قولك: لو أنّ زيدا [حاضري] لأكرمته، قال الشيخ رحمه الله تعالى (٦): وما منعه سائغ في كلام العرب كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (٧) ومنه قول الراجز: ٤٠٩٣ - لو أن حيّا مدرك النّجاح ... أدركه ملاعب الرّماح (٨) -

стр. 4371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الشاعر (١): ٤٠٩٤ - ولو أنّ حيّا فائت الموت فاته ... أخو الحرب فوق القارح العدوان (٢) وقول الآخر: ٤٠٩٥ - ولو أنّ ما أبقيت منّي معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها (٣) وقول الآخر: ٤٠٩٦ - ولو أنّها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما (٤) هذا آخر كلام بدر الدين رحمه الله تعالى (٥). وقد اختلفت عبارات النحاة في تفسير معنى «لو» فالجاري على ألسنة المعلمين والمعربين (٦) أنها حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، أي: امتناع الثاني لامتناع -

стр. 4372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول، وقد عبّر عنها المصنف بما عرفت وقوله في شرح الكافية (١): «لو حرف يدل على انتفاء تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه» أخلص وأبين من قوله هنا (٢) حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه لأن هذه العبارة تقتضي أن يستلزم نفي ما يلي [لو] نفى الذي يليه وهو الجواب، وليس هذا بمراد، بل المراد أن ثبوت الأول يستلزم ثبوت الثاني. ثم قال شرح الكافية بعد ذكره الحد المذكور (٣): «فقيام زيد من قولك: لو قام زيد لقام عمرو محكوم بانتفائه فيما مضى، وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام من عمرو، وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له؟ لا تعرض لذلك، بل الأكثر كون الثاني والأول غير واقعين، قال: وعبارة سيبويه عنها أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره (٤)، يعني أنك إذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو فمقتضاه، أن القيام من عمرو كان متوقعا لحصول قيام من زيد على تقدير حصوله، قال: وليس في هذه العبارة تعرض لكون الثاني صالحا للحصول بدون حصول الأول أولا، والحقّ فيه أنه صالح لذلك، وأن الأول محكوم بعدم حصوله لأنه قد يقال: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه، فـ «ترك» السؤال محكوم بعدم حصوله و «العطاء» محكوم بحصوله على كل حال، والمعنى: إن عطاءه حاصل مع ترك السؤال فكيف مع السؤال؟ ومنه قول عمر رضى الله تعالى عنه: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» انتهى. والذي قاله النحاة (٥): إن الذي ذكره سيبويه في «لو» هو المطرد فيها، وكونها حرف امتناع لامتناع غير مطرد فيها بدليل قولنا: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، فإنه لا يلزم من انتفاء الإنسانية انتفاء الحيوانية وإذا جعلنا مدلول «لو» ثبوتيّا اطرد ذلك: لأن ثبوت الإنسانية يلزم منه ثبوت الحيوانية. وأما قول المصنف: «إنه ليس في عبارة سيبويه تعرّض لكون الثاني صالحا للحصول بدون حصول الأول أولا فالجواب عنه أنه لا يحتاج إلى ذلك، لأن المراد من «لو» إفهام أن الأول لم يقع، وأن الثاني يقع لوقوعه. أي: يكون وجوده مترتبا -

стр. 4373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على وجوده، فـ «لو» إنما أتي بها لذلك، أما كون الثاني يوجد بدون الأول أو لا يوجد فلا مدخل لـ «لو» فيه. وبعد فقد قال بدر الدين: وإن قول من قال: لو تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين: أحدهما: أن يكون مرادهم أن جواب «لو» ممتنع لامتناع الشرط في عرف اللغة لا في حكم الفعل إلى آخر ما قرره. ثانيهما: أن يكون مرادهم أن جواب «لو» ممتنع لامتناع شرطه وقد يكون ثابتا لثبوت غيره، لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها واستلزامه لتاليه فقد دلّت على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت أمر فيصح إذن أن يقال: لو حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه لا يقتضى كونها تدل على امتناع الجواب على كل تقدير، بل على امتناعه لامتناع الشرط المذكور مع احتمال كونه ثابتا لثبوت أمر آخر وغير ثابت، لأن امتناع الشيء لامتناع علة لا ينافي ثبوته لثبوت علّة أخرى، ولا انتفاءه لانتفاء جميع علله» انتهى (١). وأقول: إن الذي ذكره في الوجه الثاني حسن، ولكن لم يتجه لي عليه معنى الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (٢) لأن مقتضى ما قرره أن يكون امتناع عدم النفاد يوجد لامتناع كون ما في الأرض من شجرة أقلام، وكون البحر يمده من بعده سبعة أبحر، ويلزم من امتناع عدم النفاد وجود النفاد لأن امتناع عدم الشيء يلزم منه وجود ذلك الشيء والأمر بخلاف ذلك. وقد ذكر ابن الضائع لقول من قال: إنها للامتناع توجيها حسنا من جهة أنه خاصّ لا عامّ، فقال (٣): «ليس قولهم في الامتناع خطأ بل له وجه صحيح وذلك أن «لو» في أصل وضعها كما زعم سيبويه - يعني أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، قال: فلم يقع لأن سببه لم يقع أيضا فلا [٥/ ١٨٢] خلاف بين كلام سيبويه وكلام من قال بالامتناع، وإجماع النحويين أو أكثرهم على أخذ الامتناع فيها دليل -

стр. 4374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو كالدليل على صحته، وتبيين صحته أن: لو قام زيد قام عمرو لا بد فيه من عدم قيام زيد، إذ لو كان قام لزمه قيام عمرو فلم يكن لقولك: لو قام زيد قام عمرو فائدة، ومقتضى السببية أنه إذا لم يوجد السبب لا يوجد المسبب وإلا فإن كان المسبب يوجد وإن لم يوجد سببه فما معنى كونه سببا فيه؟ فيكون إذن كلام النحويين وسيبويه في ما هو سبب ومسبب، والمسائل المعارضة ليست سببا ومسببا في الحقيقة، إذ الصدق ليس سببا في عدمه في قوله تعالى حكاية: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١) بل الأمر بالعكس، وكذلك متى كان كثرة الأقلام والمداد سببا في أن لا ينفد الكتاب، بل المظنون أن كثرة الأقلام والمداد سبب في نفاد المكتوب، وكذلك متى كان الخوف سببا في عدم المعصية، بل الأمر في ما يظن بالعكس، فمتى كان جواب «لو» يراد به إثباته أبدا على كل حال، أو نفيه أبدا على كل حال بولغ في ذلك فجيء بما هو سبب في عكس المراد أو يظن أنه سبب، فيصير سببا في المراد، فكأن المعنى: هذا يكون ولا بد» انتهى. وهو تقرير حسن يتعيّن التعويل عليه، وعلى هذا لا فساد في شيء من التعاريف الثلاثة لـ «لو» وهي قولهم: حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، وحرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وحرف يدل على انتفاء تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه، وهذا هو الذي ذكره المصنف، ولا شك أنه أقرب إلى فهم معنى «لو» ثم إنه يشمل صور المسائل كلها، ولا يحتاج معه إلى أن يجاب عما أورد على من قال: إنها حرف يدل على الامتناع، وكذا التعريف الذي ذكره إمام الصناعة سيبويه - رحمه الله تعالى - وهو: أنها لما كان سيقع لوقوع غيره، وقد تقدم الجواب عن اعتراض المصنف عليه بما اعترض به. واعلم أن من الناس من قال (٢): إن «لو» تكون للتعليق وهي التي ذكرت لها هذه التعاريف ووقع البحث والكلام فيها، وقد تكون لمجرد [ارتباط] الثاني بالأول من غير دلالة على امتناع أو غيره (٣)، وعلى ذلك قول المتنبي (٤): -

стр. 4375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٠٩٧ - ولو قلم ألقيت في شقّ رأسه ... من السّقم ما غيّرت من خطّ كاتب (١) قال (٢): وضابط هذا القسم أن تقوم لنا قرينة تدل على ثبوت الثاني مطلقا، إما من مدلول الكلام وإما من خارج، فالأول كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (٣) فإن الآية الشريفة سيقت لبيان أن بين ثبوت أن كون ما في الأرض من شجرة أقلام وكون البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وبين نفي النفاد ارتباطا، ولو فرض امتناع لزم أن يكون نفى النفاد منفيّا فيكون حاصلا وذلك باطل. والثاني كقول عمر ﵁ «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فبين نفي الجواب ونفي العصيان ارتباط، ولو فرض امتناع لزم وجود العصيان على تقدير وجود الخوف وهو خلاف المقصود، وخلاف المعقول أيضا، والمقتضي لذلك أنه إذا أريد ثبوت شيء مطلقا، أو نفي شيء مطلقا علّق على أحد النقيضين لوجوده دائما، لكن إنما يذكر النقيض الذي يكون ثبوت ذلك الأمر أو نفيه على تقدير النقيض الآخر لو ذكر من الطريق الأولى كما يفهم من الآية الشريفة ومن الأثر المتقدمي الذكر، ولا شك أن القول بذلك إذا كان سالما من الخدش يتعين المصير إليه فإنه سهل مريح من تكلف أجوبة عن المسائل التي يشكل كون «لو» فيها للتعليق. وذكر عن الشلوبين (٤) أنه كان يرى أن «لو» تقتضي لزوم جوابها لشرطها فقط، وهذا مما يقوي القول بأنها قد تأتي لمجرد الارتباط، لأن الشلوبين يدّعي أن ذلك هو معناها دائما، وإذا كان كذلك فلا أقلّ أن يقال: إن ذلك ثابت لها في بعض الاستعمالات. ثم ليعلم أن قول بدر الدين مقررا أمر التعريف الذي اختاره والده: «ولا تقتضي -

стр. 4376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته لأنه لازم والشرط ملزوم إلى آخر كلامه «تقرير حسن»، إلا أن ما قاله إنما يتم حيث يعقل سببية ومسببية بين الأول والثاني، أما إذا لم يعقل بينهما سببية ومسببية كما في الآية الشريفة وكما في الأثر، فلا يتم تقريره. وقد بقيت الإشارة إلى أمور: منها: أن بعض العلماء قال: عبارة سيبويه مقتضية أن الثاني كان بتقدير وقوع الأول، فرتب الوقوع لإتيانه بالسين في قوله «سيقع» وهو كلام عجيب، بل العبارة تقتضي أن الثاني واقع عقيب الأول دون تأخّر، وأما «السين» فإنها إنما أتي بها لأن ما دخلت عليه مستقبل بالنسبة إلى وقت التلفظ بهذه العبارة. ومنها: أن «اللام» في قول سيبويه «لوقوع غيره» للتوقيت كما هي في قوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ (١) بمعنى أن الثاني يكون ثبوته عند ثبوت الأول، فلا يقال: إن «اللام» للتعليل لأن ذلك يؤدي إلى أن عدم نفاد الكلمات معلل بأن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر وليس الأمر كذلك، قيل: وليس في عبارة سيبويه دلالة على أن الشرط منتف، وأجيب بأن ذلك يفهم من قوله «لما كان سيقع» لأن ذلك يدل على أنه لم يكن واقعا (٢). ومنها: أن بعض العلماء قال (٣): في عبارة ابن مالك نقص؛ فإنها لا تفيد أن اقتضاءها للامتناع في الماضي، قال: فيتعين أن يقال: لو حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، وهو إيراد عجيب فإن ابن مالك قد قال بعد ذلك (٤) «واستعماله في المضي غالبا» وإنما لم يأخذ قيد المضي في الحد لأنه يرى أنها تكون للتعليق في المستقبل كما تكون له في الماضي. ومنها: [٥/ ١٨٣] «أن الإمام فخر الدين (٥) سلب «لو» الدالّة على الامتناع -

стр. 4377

[أحوال جواب لو] قال ابن مالك: (وجوابها في الغالب فعل مجزوم بـ «لم» أو ماض منفيّ بـ «ما» أو مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة، ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، وقد تصحب ما). ــ مطلقا وجعلها لمجرد الربط واحتج بقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (١) قال (٢): فلو أفادت «لو» انتفاء الشيء لانتفاء غيره لزم التناقض، لأن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا يفيد أنه تعالى ما أسمعهم ولا تولوا، لكن عدم التولي خير فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا وما علم فيهم خيرا، قال: فعلمنا أن كلمة «لو» لا تفيد إلا الربط» هذا كلامه. قيل: وقد يمنع قوله: إن عدم التولي خير، فإن الخير إنما هو عدم التولي بتقدير حصول الإسماع، والغرض أن الإسماع لم يحصل فلا يكون عدم التولي على الإطلاق خيرا، بل عدم التولي المرتب على الإسماع. وقيل (٣): إن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ على معنى الاستدلال، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ على معنى الذم، فلذلك لا ينتج: لو علم فيهم خيرا لتولوا، وقال الزمخشري (٤): ولو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولّوا بعد ذلك، وقيل غير ذلك (٥). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (٦) رحمه الله تعالى: «انفردت لو بلزوم كون جوابها في الغالب فعلا مضارعا مجزوما بـ «لم» نحو: لو قام زيد لم أقم، قال الشاعر: -

стр. 4378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٠٩٨ - فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمت ... ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد (١) أو ماضيا مثبتا، أو منفيا بـ «ما»، فإن كان مثبتا فالأكثر أن تصحبه لام مفتوحة نحو وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢)، وقد يخلو منها كما في قوله تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ (٣) وقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ (٤)، وإن كان منفيا بـ «ما» فالأكثر خلوّه من اللام كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ (٥)، وقد تصحبه كما في قولك: لو كان كذا لما كان كذا. وقوله: في الغالب، احتراز من مجيء جواب «لو» جملة اسمية مصدرة باللام كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ (٦)، وبالفاء كما أنشده الشيخ (٧) رحمه الله تعالى من قول الشاعر: ٤٠٩٩ - قالت سلامة لم يكن لك عادة ... أن تترك الأصحاب حتّى تعذرا (٨) لو كان قتل يا سلام فراحة ... لكن فررت مخافة أن أوسرا فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب لـ «لو» وجاز أن يجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيها بـ «إن»، ويجوز عندي أن يكون ما بعد الفاء معطوفا على فاعل «كان» وجواب «لو» محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثبتّ (٩)، كما حذف في مواضع كثيرة كما -

стр. 4379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (١) وكما حذف هو والشرط في قول الشاعر (٢): ٤١٠٠ - إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسّنين الخوالي (٣) قال أبو الحسن (٤): يريد فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا انتهى كلامه رحمه الله تعالى وهو كلام والده في شرح الكافية (٥) [إلا] تصدّر جملة الجواب بالفاء والبيتين اللذين أنشدهما فإنه ذكر في غير الشرح المذكور، لأنه ذكر أن البيتين من إنشاداته. وأما قوله مشيرا إلى اللام «وقد تصحب ما» فمثاله قول الشاعر: ٤١٠١ - لو أنّ بالعلم تعطى ما تعيش به ... لما ظفرت من الدّنيا بنقرون (٦) وأما قوله مشيرا إلى اللام أيضا «ولا تحذف غالبا إلّا في صلة» فمثال ذلك (٧) قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ (٨)، قال الشيخ (٩): «ويعني بالصلة أن تكون لو وما دخلت عليه واقعة صلة قال: -

стр. 4380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكون المثبت مقرونا غالبا بلام ولا تحذف غالبا إلا في صلة شيء اختاره هذا المصنف وتقييد لما أطلقه النحويون من قولهم: إن المثبت الواقع جوابا للو يجوز دخول اللام عليه وحذفها من غير اعتبار غلبة لا في الدخول ولا في الحذف، وقد نطق القرآن العزيز بهما قال الله تعالى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً (١) وقال تعالى: أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ (٢) وقال تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ (٣)، وأما في كلام العرب فخارج حذف اللام عن الحصر». هذا كلام الشيخ والعجب منه أنه قال قبل ذلك عند شرح قول المصنف: مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة وأكثر ما جاء في القرآن العزيز مقرونا باللام (٤)، وإذا كان أكثر ما ورد في الكتاب العزيز مقرونا باللام كان ذلك شاهدا لقول المصنف. ثم قال الشيخ (٥): «وقد سقط قوله: ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، من نسخة عليها خطه وتصحيحه، ثم قال: وتدخل إذن بين لو وجوابها فتقول: لو جئتني إذن لأكرمتك، قال: وقد جاء دخول اللام على إذن دون الفعل قال الشاعر: ٤١٠٢ - لو تأتّي لك التّحوّل حتّى ... تجعلي خلفك اللّطيف أماما ويكون الأمام ذو الخلقة الجب ... لة خلفا مراكنا مستكاما لإذن كنت يا عبيدة خير الن ... نّاس خلفا وخيرهم قدّاما (٦) قال: ومن غريب ما وقع جوابا للو أفعل في التعجب مصحوبة باللام، قال عبد الله بن الحر (٧): -
следующие страницы →