← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته لأنه لازم والشرط ملزوم إلى آخر كلامه «تقرير حسن»، إلا أن ما قاله إنما يتم حيث يعقل سببية ومسببية بين الأول والثاني، أما إذا لم يعقل بينهما سببية ومسببية كما في الآية الشريفة وكما في الأثر، فلا يتم تقريره. وقد بقيت الإشارة إلى أمور: منها: أن بعض العلماء قال: عبارة سيبويه مقتضية أن الثاني كان بتقدير وقوع الأول، فرتب الوقوع لإتيانه بالسين في قوله «سيقع» وهو كلام عجيب، بل العبارة تقتضي أن الثاني واقع عقيب الأول دون تأخّر، وأما «السين» فإنها إنما أتي بها لأن ما دخلت عليه مستقبل بالنسبة إلى وقت التلفظ بهذه العبارة. ومنها: أن «اللام» في قول سيبويه «لوقوع غيره» للتوقيت كما هي في قوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ (١) بمعنى أن الثاني يكون ثبوته عند ثبوت الأول، فلا يقال: إن «اللام» للتعليل لأن ذلك يؤدي إلى أن عدم نفاد الكلمات معلل بأن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر وليس الأمر كذلك، قيل: وليس في عبارة سيبويه دلالة على أن الشرط منتف، وأجيب بأن ذلك يفهم من قوله «لما كان سيقع» لأن ذلك يدل على أنه لم يكن واقعا (٢). ومنها: أن بعض العلماء قال (٣): في عبارة ابن مالك نقص؛ فإنها لا تفيد أن اقتضاءها للامتناع في الماضي، قال: فيتعين أن يقال: لو حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، وهو إيراد عجيب فإن ابن مالك قد قال بعد ذلك (٤) «واستعماله في المضي غالبا» وإنما لم يأخذ قيد المضي في الحد لأنه يرى أنها تكون للتعليق في المستقبل كما تكون له في الماضي. ومنها: [٥/ ١٨٣] «أن الإمام فخر الدين (٥) سلب «لو» الدالّة على الامتناع -

стр. 4377

[أحوال جواب لو] قال ابن مالك: (وجوابها في الغالب فعل مجزوم بـ «لم» أو ماض منفيّ بـ «ما» أو مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة، ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، وقد تصحب ما). ــ مطلقا وجعلها لمجرد الربط واحتج بقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (١) قال (٢): فلو أفادت «لو» انتفاء الشيء لانتفاء غيره لزم التناقض، لأن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا يفيد أنه تعالى ما أسمعهم ولا تولوا، لكن عدم التولي خير فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا وما علم فيهم خيرا، قال: فعلمنا أن كلمة «لو» لا تفيد إلا الربط» هذا كلامه. قيل: وقد يمنع قوله: إن عدم التولي خير، فإن الخير إنما هو عدم التولي بتقدير حصول الإسماع، والغرض أن الإسماع لم يحصل فلا يكون عدم التولي على الإطلاق خيرا، بل عدم التولي المرتب على الإسماع. وقيل (٣): إن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ على معنى الاستدلال، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ على معنى الذم، فلذلك لا ينتج: لو علم فيهم خيرا لتولوا، وقال الزمخشري (٤): ولو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولّوا بعد ذلك، وقيل غير ذلك (٥). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (٦) رحمه الله تعالى: «انفردت لو بلزوم كون جوابها في الغالب فعلا مضارعا مجزوما بـ «لم» نحو: لو قام زيد لم أقم، قال الشاعر: -

стр. 4378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٠٩٨ - فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمت ... ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد (١) أو ماضيا مثبتا، أو منفيا بـ «ما»، فإن كان مثبتا فالأكثر أن تصحبه لام مفتوحة نحو وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢)، وقد يخلو منها كما في قوله تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ (٣) وقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ (٤)، وإن كان منفيا بـ «ما» فالأكثر خلوّه من اللام كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ (٥)، وقد تصحبه كما في قولك: لو كان كذا لما كان كذا. وقوله: في الغالب، احتراز من مجيء جواب «لو» جملة اسمية مصدرة باللام كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ (٦)، وبالفاء كما أنشده الشيخ (٧) رحمه الله تعالى من قول الشاعر: ٤٠٩٩ - قالت سلامة لم يكن لك عادة ... أن تترك الأصحاب حتّى تعذرا (٨) لو كان قتل يا سلام فراحة ... لكن فررت مخافة أن أوسرا فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب لـ «لو» وجاز أن يجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيها بـ «إن»، ويجوز عندي أن يكون ما بعد الفاء معطوفا على فاعل «كان» وجواب «لو» محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثبتّ (٩)، كما حذف في مواضع كثيرة كما -

стр. 4379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (١) وكما حذف هو والشرط في قول الشاعر (٢): ٤١٠٠ - إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسّنين الخوالي (٣) قال أبو الحسن (٤): يريد فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا انتهى كلامه رحمه الله تعالى وهو كلام والده في شرح الكافية (٥) [إلا] تصدّر جملة الجواب بالفاء والبيتين اللذين أنشدهما فإنه ذكر في غير الشرح المذكور، لأنه ذكر أن البيتين من إنشاداته. وأما قوله مشيرا إلى اللام «وقد تصحب ما» فمثاله قول الشاعر: ٤١٠١ - لو أنّ بالعلم تعطى ما تعيش به ... لما ظفرت من الدّنيا بنقرون (٦) وأما قوله مشيرا إلى اللام أيضا «ولا تحذف غالبا إلّا في صلة» فمثال ذلك (٧) قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ (٨)، قال الشيخ (٩): «ويعني بالصلة أن تكون لو وما دخلت عليه واقعة صلة قال: -

стр. 4380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكون المثبت مقرونا غالبا بلام ولا تحذف غالبا إلا في صلة شيء اختاره هذا المصنف وتقييد لما أطلقه النحويون من قولهم: إن المثبت الواقع جوابا للو يجوز دخول اللام عليه وحذفها من غير اعتبار غلبة لا في الدخول ولا في الحذف، وقد نطق القرآن العزيز بهما قال الله تعالى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً (١) وقال تعالى: أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ (٢) وقال تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ (٣)، وأما في كلام العرب فخارج حذف اللام عن الحصر». هذا كلام الشيخ والعجب منه أنه قال قبل ذلك عند شرح قول المصنف: مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة وأكثر ما جاء في القرآن العزيز مقرونا باللام (٤)، وإذا كان أكثر ما ورد في الكتاب العزيز مقرونا باللام كان ذلك شاهدا لقول المصنف. ثم قال الشيخ (٥): «وقد سقط قوله: ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، من نسخة عليها خطه وتصحيحه، ثم قال: وتدخل إذن بين لو وجوابها فتقول: لو جئتني إذن لأكرمتك، قال: وقد جاء دخول اللام على إذن دون الفعل قال الشاعر: ٤١٠٢ - لو تأتّي لك التّحوّل حتّى ... تجعلي خلفك اللّطيف أماما ويكون الأمام ذو الخلقة الجب ... لة خلفا مراكنا مستكاما لإذن كنت يا عبيدة خير الن ... نّاس خلفا وخيرهم قدّاما (٦) قال: ومن غريب ما وقع جوابا للو أفعل في التعجب مصحوبة باللام، قال عبد الله بن الحر (٧): -

стр. 4381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١٠٣ - فلو متّ في يوم ولم آت عجزة ... يضعّفني فيها امروء غير عاقل لأكرم بها من ميتة إن لقيتها ... أطاعن فيها كلّ خرق منازل (١) انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى. وقد عرفت أن المصنف احترز بقوله «في الغالب» - كما قال الإمام بدر الدين - من مجيء [٥/ ١٨٤] جواب «لو» جملة اسمية مصدرة باللام ومصدرة بالفاء، وأما المصدرة بالفاء فقد عرفت أن بدر الدين لم يجعل المصدر بالفاء جوابا وأنه أجاب عما استدل به والده من قول الشاعر: ٤١٠٤ - لو كان قتل يا سلام فراحة (٢) أن «فراحة» معطوف على فاعل «كان» الذي هو «قتل» وأن الجواب محذوف، ولا شك أن «كان» في البيت تامة، والمعنى على ما يراه المصنف: لو وقع قتل استرحت، فأوقع الشاعر موقع استرحت فهو راحة، والذي قاله بدر الدين هو الظاهر، بل هو الحق، بل يقال: إن جواب «لو» لا يكون جملة اسمية أصلا، وأما قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ (٣) فقد أجيب عنه بأن جواب «لو» محذوف لدلالة ما بعده عليه، التقدير: لأثيبوا، والجملة التي هي «لمثوبة من عند الله خير» جواب قسم محذوف أي: والله لمثوبة من عند الله خير، ولا شك أن حذف جواب «لو» لدلالة المعنى عليه كثير في الكتاب العزيز وفي أشعار العرب، قال الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (٤) وقال تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (٥) وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآية (٦) التقدير في الأولى: ولو كنا صادقين ما آمنتنا أي ما صدقتنا، وفي الثانية: ولو افتدى به لم يقبل منه، وفي الثالثة: ولو أن قرآنا الآية لكان هذا -

стр. 4382

[لمّا ومعانيها] قال ابن مالك: (إذا ولي لمّا فعل ماض لفظا ومعنى فهي ظرف بمعنى إذ فيه معنى الشّرط، أو حرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، وجوابها فعل ماض لفظا ومعنى، أو جملة اسميّة مع إذا المفاجأة أو الفاء، وربّما كان ماضيا مقرونا بالفاء، وقد يكون مضارعا). ــ القرآن، ومنه قول امرئ القيس: ٤١٠٥ - وجدّك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا (١) أي: لو شيء أتانا رسوله سواك لما آتيناه (٢). قال: قال المصنف في شرح الكافية (٣): «لمّا في كلام العرب على ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون نافية جازمة، وقد تقدم ذكرها، وأن الذي يليها من الأفعال مضارع اللفظ ماضي المعنى. والثاني: أن تكون حرفا يدل على وجوب شيء لوجوب غيره، ولا يليها إلا فعل خالص المضى أي ماض لفظا ومعنى كقوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا (٤)، وهي حرف عند سيبويه (٥)، وظرف بمعنى حين عند أبي علي (٦)، والصحيح قول سيبويه، لأن المراد أنهم أهلكوا بسبب ظلمهم، لا أنهم أهلكوا حين -

стр. 4383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظلمهم لأن ظلمهم متقدم على إنذارهم، وإنذارهم متقدم على إهلاكهم، ولأنها تقابل «لو» لأن «لو» في الغالب تدل على امتناع لامتناع و «لما» تدل على وجوب لوجوب، ويحقق تقابلهما أنك تقول: لو قام زيد قام عمرو ولكنه لما لم يقم لم يقم، ويقوى قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز: ٤١٠٦ - إنّي لأرجو محرزا أن ينفعا ... إيّاي لمّا صرت شيخا قلّعا (١) والثالث: أن تكون بمعنى «إلا» بعد قسم كقوله: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطا، وكقول الراجز: ٤١٠٧ - قالت له بالله يا ذا البردين ... لمّا غنثت نفسا أو اثنين (٢) وقد تكون بمعنى «إلا» بعد نفي دون قسم، ومنه قراءة عاصم وحمزة (٣) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (٤)، وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا (٥) أي: وما كل إلا جميع، وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. ومثال وقوع جواب لما جملة ابتدائية قوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (٦). ومثال وقوع جوابها مقرونا بإذا المفاجأة قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ -

стр. 4384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْها يَرْكُضُونَ (١) انتهى. وأورد ذلك بدر الدين برمّته دون زيادة (٢)، وأنشد شاهدا لقول المصنف «وربّما كان ماضيا مقرونا بالفاء» قول الشاعر: ٤١٠٨ - فلمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم ... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر فصبّ عليهم تغلب ابنة وائل ... فكانوا عليهم مثل راغية البكر (٣) وأما قول المصنف «وقد يكون مضارعا» أي: جواب «لما» فشاهده قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا (٤) قالوا: التقدير: جادلنا (٥). وبعد فلنذكر أمورا: منها: أن الشيخ عند الاستشهاد بقوله تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا (٦)، وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٧). في قراءة من شدد الميم (٨). قال (٩): «فأما قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ (١٠) - في قراءة من خفف إن أو ثقّلها وثقّل ميم لما (١١) - فقال صاحب كتاب «اللامات» (١٢): قال محمد -

стр. 4385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابن يزيد - يعني المبرد (١) -: هذا لحن لا تقول العرب: إن زيدا لما خارج، ولا إن زيدا لا خارج، وقال المازني (٢): لا أدرى ما وجه هذه القراءة؟، وقال الفراء (٣): التقدير: لمن ما فلما كثر الميمات حذف منهن واحدة، فعلى هذا القول هي لام توكيد، ونعني بكثرة الميمات أن نون «من» حين أدغمت في ميم «ما» انقلبت ميما بالإدغام فصارت ثلاث ميمات، وقال المازني أيضا: إن بمعنى ما ثم ثقّلت (٤)، قال صاحب كتاب «اللامات»: فذهب المازني إلى أن «إن» إذا كانت خفيفة كانت بمعنى ما ثم تثقّل، كما أن «إن» المؤكدة تخفف ومعناها الثقيلة. انتهى كلامه. قال الشيخ (٥): وارتباك النحويين في هذه القراءة، وتلحين بعضهم لقارئها يدل على صعوبة المدرك فيها وتخريجها على القواعد النحوية، فأما التلحين فلا سبيل إليه ألبتة لأنها منقولة نقل التواتر في السبعة، وأما من قال: لا أدري ما وجهها؟ فمعذور لخفاء إدراك ذلك عليه، وأما تأويل «إنّ» المثقّلة بأنها المخففة التي هي نافية ففي غاية من الخطأ، لأنها لو كانت نافية لم ينتصب بعدها «كل» إنما كان يرتفع، وأيضا فإنه لا يحفظ من كلامهم أن تكون المثقلة نافية. وأما تأويل الفراء المثقلة بأنها المخففة فالآخر في غاية [٥/ ١٨٥] من الضعف، إذ لا يحفظ من كلامهم «لما» في معنى: لمن ما. قال (٦): وقد كنت من قديم فكّرت في تخريج هذه الآية الشريفة فظهر لي تخريجها على القواعد النحوية من غير شذوذ، وهو أن «لمّا» في قراءة من نصب «كلا» وخففت «إن» أو ثقلها هي الجازمة وحذف الفعل المعمول لها لدلالة معنى الكلام عليه، فيكون نظير قولهم: قاربت المدينة ولمّا، ويريد: ولمّا أدخلها، فيكون معنى الآية: وإن كلّا لمّا يبخس أو ينقص عمله، أو ما كان من هذا المعنى، فحذف -

стр. 4386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفعل لدلالة قوله تعالى: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ عليه، لأنه تعالى لما أخبر أن كل إنسان لا يبخس شيئا من عمله أكد ذلك بالقسم عليه فقال: ليوفينهم ربك أعمالهم. قال (١): ولم يهتد أحد من النحويين الذين وقفنا على كلامهم في هذه الآية إليه على وضوحه واتجاهه في علم العربية، والعلوم كنوز تحت مفاتيح الفهوم، ثم إني حين وصلت في تفسير القرآن العزيز في كتابي المسمى بـ «البحر المحيط» وجدت شيخنا أبا عبد الله بن النقيب (٢) [قد حكى عن أبي عمرو بن الحاجب أن لمّا هنا هي الجازمة وحذف الفعل بعدها (٣)، ذكر ذلك] ابن النقيب في تفسيره الذي سمّاه بـ «التجريد» والتحبير لأقوال أهل التفسير» انتهى. وأقول: أما الشيخ فقدره جليل، ولا يشك أحد في علو طبقته وارتفاع شأنه في علم العربية، وكم له من مشكل حلّه، وعسر خرّجه، وخفىّ أوضحه، وغامض أبرزه، وما أنشأه من المصنفات المختصرات والمطولات لا سيما التفسير يشهد له بأكثر مما ذكرته، ومن هو بهذه الصفات كيف لا يدرك مثل ذلك؟ فأنا واحد من أقل الطلبة الذين أخذوا عنه ولقد يسّر الله تعالى لي الجواب عن هذه الآية الشريفة، وهي وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٤) بأن قلت: إن «لمّا» هي النافية، وأن الفعل المنفي بها محذوف يدل عليه قوله تعالى: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ وكان السائل عن ذلك بعض الفضلاء فبعد أيام قال لي: إن الجواب الذي ذكرته ذكره أبو شامة (٥) في (شرح الشاطبية) نقلا عن -

стр. 4387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشيخ أبي عمرو بن الحاجب (١) - رحمه الله تعالى - فحصل لي بذلك ابتهاج وشكرت الله تعالى أن هداني إلى ما هدى إليه هذا الرجل العالم العامل. ومنها: أن الشيخ ذكر مسألة وهي: أقسمت لمّا لم تفعلنّ وقال (٢): «قال أبو عمرو بن تقي (٣): وقعت لمّا في الكتاب مشددة ومخففة وهو الوجه، ولذلك يقول النحويون في جواب القسم: لما أو لمّا على الشك، فوجه المخففة أنها لام التوكيد دخلت على «ما» وهي للنفي [و] لما كان أصلها أن تنفي الماضي أو الحال وكان هذا الفعل مستقبلا بدليل وجود «النون» معه أدخلوا «لم» في الموضع تحسينا لـ «ما» لأن «لم» تنفي الماضي بلفظ المستقبل ولما اجتمع نفيان انقلبا إيجابا فصلح دخول «النون» لأنها لا تدخل على المنفي، فكأنه قال: أقسمت عليك لتفعلنّ وهو المعني» انتهى. ولم أتحقق ما ذكره عن هذا الرجل في هذه المسألة. ومنها: أن الشيخ قال (٤): «إن المصنف تسامح في أمرين: أحدهما: قوله: فهي ظرف بمعنى إذ، أو حرف، لأنه أخرج الكلام في «لما» مخرج الترديد، - يعني كأن المصنف خيّر [بين] الأمرين - قال (٥): وهذا قول ثالث لم يقل به، لأن سيبويه يحكم بالحرفية والفارسي يحكم بالظرفية، قال: وهذا لا يجيز قول هذا فيها، وهذا لا يجيز قول هذا. والثاني: قوله إنه حرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، قال (٦): لأن القائل بهذا لا يقتصر على هذا، بل يقول ذلك إذا كانا مثبتين، أما إذا كانا منفيين فإنه يقتضي امتناعا لامتناع، وأما إذا كان الأول مثبتا والثاني منفيا فيقتضي امتناعا لوجوب، وأما عكسه فبالعكس». -

стр. 4388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأقول: إن قول المصنف «فهي ظرف أو حرف» معناه: فهي ظرف عند من يرى ظرفيتها، وهي حرف عند من يرى حرفيتها، ومراده أنها لا تخرج عند النحاة عن القسمين، وكيف يتصور لقائل باسمية كلمة أن يجيز القول بحرفيتها؟ أو لمن يقول بالحرفية كيف يجيز الاسمية؟ وإذا كان كذلك انتفى الترديد وأما قوله: إنها تقتضي وجوبا لوجوب، فليس المراد بالوجوب ما يقابل الامتناع فيتوجه عليه ما قاله الشيخ بل المراد به: وجود شيء لشيء أو وقوع شيء لشيء، فـ «لمّا» تدل على أن المذكور ثانيا حصل بحصول المذكور أولا، وهذا أعم من أن يتفق الأول والثاني في الإثبات أو النفي أو يختلفا. ومنها: أن الشيخ قال (١): «ما استدلوا به لمذهب سيبويه: - يعني على حرفية لمّا - من قوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا (٢) لا دليل لهم فيه، لأنهم أخذوا قوله تعالى: لَمَّا ظَلَمُوا على ابتداء الظلم، فجعلوا بين الظلم والإهلاك زمانا غير زمانهما وهو زمان الإنذار، ولا يتعيّن حمل قوله تعالى: لَمَّا ظَلَمُوا لما ابتدأو الظلم، بل يصدق أنهم أهلكوا حين الظلم، لأن حين الظلم متسع لابتدائه ولغير ابتدائه، ألا ترى أنهم كانوا ظالمين وقت الإهلاك لم يخرجوا عن الظلم، فالإهلاك وقع وقت التباسهم بالظلم» انتهى. ولك أن تقول: لا بد أن يتقدم الظلم منهم على إهلاكهم لأن الله سبحانه لا يؤاخذ بغير ذنب، فلا بد من تقدم وجود الظلم، ثم إذا أهلكوا وهم مستمرون في الظلم فلا بد أن يكون الإهلاك بسبب ظلم متقدم وإن انضم إليه ظلم آخر، ومقتضى ما قرره الشيخ أن الإهلاك إنما بسبب الظلم المتلبّسين هم به وقت إهلاكهم، وهو غير مسلّم. ثم قال (٣): «وقد ذكرت الاستدلال على صحة مذهب سيبويه في كتابنا المسمى [٥/ ١٨٦] بـ «النكت الحسان في شرح غاية الإحسان» بوجهين (٤) -

стр. 4389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأزيدهما ها هنا بيانا: أحدهما: أنا وجدنا الفعل الذي يكون جوابا لها قد يأتي منفيّا بـ «ما» متأخرا عن الفعل الذي بعدها قال تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ (١) فلو كانت ظرفا لما صح لمعمول الفعل المنفي بـ «ما» أن يتقدم عليه، لا يجوز: حين جئت ما جئت، وقد تقدم، فدل على أنه ليس بظرف. والثاني: أنا وجدنا جوابها يكون بـ «إذا» الفجائية قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (٢)، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٣) وهو كثير في القرآن العزيز وفي أشعار العرب ولا يصح لما بعد «إذا» الفجائية أن يعمل فيما قبلها، فلو كان ظرفا لما صلح أن يتقدم على «إذا» المذكورة قال (٤): ومما يستدل به على بطلان [مذهب] أبي على إجماع النحويين على جواز زيادة «أن» بعد «لمّا» ولو كانت ظرفا والجملة بعدها في موضع خفض بالإضافة لما جاز الفصل بـ «أن» الزائدة بين المضاف والمضاف إليه، كما لا يجوز ذلك في الظروف المضافة إلى الجمل. ثم ذكر (٥) قول المصنف (٦): ويقوّي قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز: ٤١٠٩ - إنّي لأرجو محرزا أن ينفعا ... إيّاي لمّا صرت شيخا قلّعا (٧) قال (٨): ولا حجة في ذلك إذ يحتمل أن يكون جواب «لمّا» محذوفا لفهم المعنى أي: لمّا صرت شيخا قلعا حصل لي هذا الرجاء، فتكون إذ ذاك حرفا. ومنها: أن المصنف قد قال (٩): إن جواب [لمّا] قد يكون جملة اسمية مع الفاء -

стр. 4390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإنه ربما كان ماضيا مقرونا بالفاء، وأنه قد يكون مضارعا، واستدل على المسألة الأولى بقوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (١)، وعلى الثانية بقول الشاعر: ٤١١٠ - فلما رأي الرحمن ..... ... فصبّ عليهم ..... (٢) على أنه جواب لقوله: وعلى المسألة الثالثة بقوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا (٣) كما عرفت، وقد نوزع في المسائل الثلاث: أما الأولى (٤): فقيل: لا دليل له عليها لأنا ندّعي أن الجواب في الآية الشريفة محذوف، والتقدير: فلما نجاهم إلى البر انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم غير مقتصد [فحذف الجواب وحذف المعطوف الذي هو: ومنهم غير مقتصد] لدلالة قوله تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٥) عليه. وأما الثانية: فقيل: إن الذي استدل به عليها لا دليل فيه، لأنا ندّعي حذف الجواب أيضا لدلالة المعنى عليه التقدير: انتقم منهم فصب عليهم، كما حذف في قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦) وفي قول امرئ القيس: ٤١١١ - فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن خبت ذي ركام عقنقل (٧) -

стр. 4391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما الثالثة: فقيل: إن الجواب من قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا (١) محذوف، التقدير: أقبل يجادلنا (٢). والظاهر أن الحقّ في هذه المسائل الثلاث خلاف ما ذكره المصنف، وأن الجواب محذوف في الآيتين الشريفتين اللتين استدل بهما، وكذا في البيت الذي ذكره. * * *

стр. 4392

[الباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك] قال ابن مالك: (يستفهم بـ «كيف» عن الحال قبل ما يستغنى به، وعن الخبر قبل ما لا يستغنى به، ومعناها: على أيّ حال فلذا تسمّى ظرفا، وربّما صحبتها «على»، ولجوابها والبدل منها النّصب في الأوّل، والرّفع في الثّاني إن عدمت نواسخ الابتداء، وإلّا فالنّصب، ولا يجازى بها قياسا خلافا للكوفيّين). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١): «من الأسماء المبنية: كيف، ويدل على اسميتها أمور كثيرة: أحدها: انتفاء أن تكون حرفا للاكتفاء بها مع الاسم المنفرد نحو: كيف أنت؟ وانتفاء أن تكون فعلا لدخولها على الأفعال واتصالها بها نحو: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ * (٢) والفعل لا يدخل على الفعل إلا مفصولا عنه في النية بضمير الفاعل المستكن كما في قولهم: إن تقم أقم، فلما انتفى أن تكون حرفا وأن تكون فعلا تعيّن أن تكون اسما. الثاني: جواز إبدال الاسم منها كما في قولك: كيف زيد أفارغ أم مشغول؟ وكيف سرت أراكبا أم ماشيا؟ فلولا أن «كيف» اسم لما أبدل منها الاسم. الثالث: دخول حرف الجر عليها في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحمرين (٣)؟ وهي اسم مبني لشبهها بالحرف في المعنى لتضمنها معنى همزة الاستفهام بدليل وجوب اقتران الهمزة بالبدل منها نحو: كيف زيد صحيح أم سقيم؟، وبنيت على حركة فرارا من التقاء الساكنين، وكانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف والنطق بها بعد «الياء» الساكنة أسهل. ومعنى «كيف» الاستفهام عن وصف منكور لموصوف بعده مذكور، ولذلك -

стр. 4393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يدل منها، ولا يجاب إلا بصفة نكرة، فيجب أن تكون عامة لجميع أحوال الموصوف حتى يصح أن يجاب ببعضها، ولذلك تسمى: اسم استفهام عن الحال، وقيل: معناها: على أيّ حال؟ فتسمى ظرفا لأنها في تأويل جار ومجرور، كما أن الظرف في تأويل جار ومجرور، ولا شك في صحة تقدير: على أيّ حال؟ مكان «كيف». وأن قولك: كيف زيد؟ في معنى: على أيّ حال زيد؟ ولكن ليس ذلك لأن «كيف» موضوعة لذلك المعنى، بل لأن معناها راجع إليه بنوع من اللزوم، ويدل على ذلك أمران: أحدهما: أنه كما يصح تقدير: على أي حال؟ مكان «كيف» كذلك يصح تقدير وصف مجرد من حرف جر مكانها، فيجوز أن تأتي بدل «كيف» من نحو: كيف أنت؟ بـ «أقائم» وشبهه، فتقول: أقائم أنت أم غير قائم؟ فيفيد بذلك ما يفيده: كيف أنت؟ فيجب أن تكون حقيقة في الاستفهام عن الحال، لأن كونها ظرفا يستلزم لكثرة التضمين ولتقدير الاستقرار، وكلاهما على خلاف الأصل. الثاني: أن البدل من «كيف» إما منصوب نحو: كيف سرت أراكبا أم ماشيا؟ وإما مرفوع نحو: كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ ولو كانت ظرفا لما كان البدل [٥/ ١٨٧] منها إلا مجرورا بمثل ما تضمنته، فكان يجب أن يقال: كيف سرت أعلى ركوب أم على مشي؟ وكيف زيد أعلى صحة أم على سقم؟ كما يجب أن يقال: أين كنت أفي الدار أم في المسجد؟ فلما لم يجب أن يقال ذلك بل أبدلوا منها بدون حرف جر علم أنها ليست ظرفا. ول «كيف» صدر الكلام كغيرها من أدوات الاستفهام، ولا تخرج في الاستعمال عن أن تكون في موضع نصب على الحال، أو خبر مبتدأ في الحال أو الأصل إلا ما شذ من نحو جرها بـ «على» في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحمرين؟ فإذا وقعت «كيف» قبل كلام تام مستغن عنها كانت في موضع نصب على الحال؛ لأنها في تأويل صفة نكرة متقدمة على موصوفها، والصفة المتقدمة على الموصوف لا يجوز أن تكون نعتا له؛ لأن النعت تابع فلا يتقدم على المتبوع، بل يجب فيها أحد أمرين: إما أن تجعل حالا من الموصوف، وإنما أن تقام مقامه ويجعل هو بدلا منها، فلم يجز في «كيف» أن تقام مقام الموصوف؛ لأنها في تأويل صفة نكرة، -

стр. 4394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصفة النكرة يقبح فيها ذلك، فوجب أن تكون حالا، ولذلك يبدل منها ويجاب بالنصب تقول: كيف سار زيد أراكبا أم ماشيا؟ ويقال: كيف جئت؟ فتقول: مسرعا بالنصب لا غير، لأن البدل من الحال حال، والحال لا تكون إلا منصوبة. وإذا وقعت «كيف» قبل ما لم يتم كلاما كانت خبرا مقدما وما بعدها مخبر عنه، لأنه لا يجوز أن تكون ملغاة؛ لأنه قد حصلت بها الفائدة وتم بها الكلام، ولا يجوز أن تكون هي المخبر عنه وما بعدها الخبر؛ لأنها في تأويل صفة نكرة فيقبح جعلها اسما مخبرا عنه بما بعده، فوجب أن تكون خبرا مقدما في موضع رفع إن عدمت نواسخ الابتداء، ولذلك يبدل منها ويجاب بالرفع نحو: كيف زيد أفارغ أم مشغول؟ وإن وجدت نواسخ الابتداء فهي في موضع نصب خبرا قبل «كان» أو إحدى أخواتها، ومفعولا ثانيا قبل «ظن» أو إحدى أخواتها، ولذلك يبدل منها ويجاب بالنصب نحو: كيف كان زيد أصحيحا أم سقيما؟ وكيف رأيت عمرا أشاعرا أم فقيها؟ وقد تقدم الكلام على المجازاة بها؛ فلا حاجة إلى إعادته» انتهى كلامه (١) رحمه الله تعالى، وهو من حر الكلام وخالصه ومستغنى به عن غيره. ووقع لابن عصفور (٢) في «كيف» خبط، وقد أورد الشيخ في شرحه (٣) عن المغاربة كابن عصفور وابن هشام (٤) وابن الضائع وغيرهم مما لا يتحصل منه طائل، فأضربت عن إيراده، إذ فيما ذكره المصنف وابنه مقنع، في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل. وإذا علم أن دخول حرف الجر على «كيف» شاذّ نادر (٥) وجب أن لا تكون «كيف» من قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (٦) بدلا من «الإبل» وإن كانت «إلى» قد دخلت عليها في قولهم: انظر إلى كيف تصنع؟ لأن ذلك إن ثبت عن عربي فهو في غاية الندور غير معتد به، ولأن «إلى» متعلقة بكلمة «ينظرون» والعامل في البدل هو العامل في المبدل منه، فيلزم كون العامل في الاستفهام متقدما عليه، بل «كيف» منصوبة على الحال والعامل «خلقت» وقد -

стр. 4395

[قد ومعانيها وإعرابها] قال ابن مالك: (تكون «قد» اسما لـ «كفى» فتستعمل استعمال أسماء الأفعال وترادف «حسبا» فتوافقها في الإضافة إلى غير «ياء» المتكلّم، وتكون حرفا فتدخل على فعل ماض متوقّع لا يشبه الحرف لتقريبه من الحال، أو على مضارع مجرّد من جازم وناصب وحرف تنفيس لتقليل معناه، وعليهما للتّحقيق، ولا يفصل بين أحدهما بغير قسم، وقد يغني عنه دليل فيوقف عليها، ويسوّغ اقترانها بالمضارع تأوّله بالماضي كثيرا، وترادفها هل). ــ علقت «ينظرون» عن العمل في لفظها، والجملة مع معمولها الذي هو «كيف» في موضع البدل من «الإبل» إلا أن «ينظرون» تعدّى إليها على سبيل التعليق وإلى «الإبل» بواسطة «إلى» وقد تبدل الجملة الاستفهامية من الاسم وليس فيه استفهام نحو: عرفت زيدا أبو من هو، على أصح الأقوال في ذلك. قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١): تكون «قد» في الكلام اسما وحرفا، فإذا كانت اسما فهي على ضربين: أحدهما: أن تكون اسم فعل بمعنى «كفى» فتستعمل استعمال أسماء الأفعال، فيتم بها الكلام مع الفاعل، ولا يبرز معها ضميره، وتنصب المفعول مؤخرا كقولك: قد زيدا درهمان، والدّرهمان قد زيدا، ولا يجوز: قدا كما يجوز: كفيا؛ لأن «قد» اسم فعل. والثاني: أن تكون بمعنى: حسب أي كاف، فتوافقها في الإضافة إلى المفعول، وفي لزوم استعمالها أحد جزأي الابتداء كقولك: قد زيد درهم كما تقول: حسب زيد درهم، فـ «قد» في هذا اسم لمرادفتها لما ثبتت اسميّته معنى واستعمالا، وهي مبتدأ و «درهم» الخبر، ولكنها مبنية على السكون لوضعها على حرفين وشبهها بـ «قد» الحرفية فلم يظهر فيها الرفع. وقوله: فتوافقها في الإضافة إلى غير «ياء» المتكلم، معناه: أن «قد» تضاف إلى كل ما تضاف إليه حسب إلا أن «حسبا» تضاف إلى «ياء» المتكلم مجردة عن «نون» الوقاية كقوله: -

стр. 4396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١١٢ - فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا (١) و «قد» تضاف إلى «الياء» مجردة ومع «نون» الوقاية كما سبق الاستشهاد عليه في باب المضمر نحو قول الشاعر: ٤١١٣ - إذا قال قدني قال بالله حلفة ... ..... (٢) وقول الآخر: ٤١١٤ - قدني من نصر الخبيبين قدي (٣) وإذا كانت حرفا فهي على ثلاثة أضرب: أحدهما: أن تكون حرف تقريب فتدخل على فعل ماض متصرف متوقّع، أي: منتظر لتقريبه من الحال. والثاني: أن تكون حرف تقليل فتدخل على المضارع المجرد من جازم وناصب -

стр. 4397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحرف تنفيس لتقليل وقوعه كقولك: البخيل قد يعطي، والجواد قد يمنع. الثالث: أن تكون حرف تحقيق فتدخل على كل من الماضي والمضارع لتقرير معناه ونفي الشك عنه، فدخولها على الماضي كثير كقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها (١) وقوله تعالى [٥/ ١٨٨]: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ (٢)، وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ (٣)، ومن دخولها على المضارع قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ (٤)، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ (٥) ومنه قول الشاعر: ٤١١٥ - قد أترك القرن مصفرّا أنامله ... كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد (٦) وهو في علم البيان من التقليل على طريق التهكم. ولا يفصل بين «قد» والفعل إلا بالقسم كقول الشاعر: ٤١١٦ - أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق أقرّ بما يأته المرء إنّه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق (٧) وقول الآخر: ٤١١٧ - لقد أرسلوني في الكواعب راغبا ... فقد وأبي راعي الكواكب أفرس (٨) أراد: فقد أفرس راعي الكواكب وحقّ أبي، ويجوز أن يكون أضاف الأب إلى «راعي» وهو يعني نفسه وقد يغني عن الفعل بعدها دليل فيحذف كما يحذف بعد «لمّا» ويوقف عليها كقولك: أزف الشّخوص (٩) وكأن قد، قال النابغة: -

стр. 4398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١١٨ - أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا ... لم تزل برحالنا وكأن قد (١) أي: وكأن قد زالت. و «هل» حرف استفهام، وتجيء مع الماضي بمعنى قد كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٢) [قال المفسرون (٣): المعنى: قد أتى على الإنسان أي: ألم يأت على الإنسان حين من الدهر] انتهى كلامه - رحمه الله تعالى - وعلم أن «قد» تكون اسما وتكون حرفا، وأنها في الاسمية إما اسم فعل وإما بمعنى «حسب»، فإن كانت اسم فعل فما بعدها منصوب بها، حتى إذا قلت: قدك درهم كانت «الكاف» في محل نصب فإذا اتصلت بها «ياء» المتكلم وجبت «نون» الوقاية كما في سائر أسماء الأفعال، وإن كانت بمعنى «حسب» استعملت استعمالها فيقال: قد زيد درهم [كما يقال: حسب زيد درهم]. وقد عرفت قول بدر الدين: إنها مبنية على السكون لوضعها على حرفين وشبهها بـ «قد» الحرفية، وأنها إذا اتصلت بها «الياء» - أعني [ياء] المتكلم - جاز أن يأتي بـ «نون» الوقاية وأن لا يأتي بها، لكن بناؤها هو الأكثر وهو مذهب البصريين (٤)، ومذهب الكوفيين فيها أنها معربة (٥) فيقولون: قد زيد درهم بالرفع كما يقال: حسب زيد درهم، ولحاق «نون» الوقاية وعدم لحاقها مرتب على البناء والإعراب، فمن بني ألحق «النون» محافطة على بقاء سكون «الدال» لأنها مبنية على السكون ومن أعرب لا يلحقها بل يقول: قدى درهم كما تقول: حسبي درهم (٦)، وأما في الحرفية فقد ذكر المصنف أنها تكون للتقريب أو للتقليل أو للتحقيق. وبعد فلا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن الشيخ قال (٧) «في كلام ابن المصنف تعقّب من وجهين: -

стр. 4399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: قوله: فتوافقها - يعنى قد - حسبا في الإضافة إلى المفعول، قال: وكلاهما - أعني حسبا وقد مرادفها - ليسا مضافين إلى مفعول لأنهما ليسا من الأسماء العاملة النصب في مفعول فيكونا قد أضيفا إلى المفعول. والوجه الثاني: قوله: إنها حال موافقتها لحسب مبنية على السكون، قال (١): ولا يتم ذلك إلا [على] قول البصريين لأن الكوفيين يرون أنها معربة. ولقائل أن يجيب عن الأول بأن «حسب» بمعنى: كاف وما بعد «كاف» يجوز نصبه على المفعولية، وإذا جر بالإضافة كان المجرور مفعولا في المعنى، ولا شك أن «حسبا» بمعناها لكنها إنما استعملت مضافة وهي بمعنى «كاف» فالمجرور بها مفعول في المعنى لأنه هو الذي يجوز نصبه بعد «كاف» على المفعولية، وإذا كان كذلك صحّ قول بدر الدين: إن قد توافق حسبا في الإضافة إلى المفعول، أو يقول: بأن «قد» و «حسب» اختها يوافقان «قد» التي هي اسم فعل في المعنى الواقع بعد اسم الفعل هو الواقع بعدهما. وأن يجيب عن الثاني بأن بدر الدين اقتصر على ذكر مذهب البصريين ولا شك أنها في مذهبهم مبنية، وإذا كان في مسألة مذهب آخر أو قول آخر ولم يذكره صاحب التصنيف لا يكون في ذلك تعقّب عليه كيف وذلك القول الذي لم يذكره معمول به عند الجمهور من أهل تلك الصناعة؟ ومنها: أنك عرفت من كلام بدر الدين أن «قد» بمعنى «حسب» إذا أضيفت إلى «الياء» جاز لك فيها الوجهان - أعني أن تأتي بـ «نون» الوقاية وأن لا تأتي بها - وهذا هو الذي يقتضيه كلام والده في باب «المضمر»، لكن قد تقدم للشيخ في باب «المضمر» أنه إذا قيل: قدني بالنون تعيّن أن تكون اسم فعل، وقد أعاد ذلك هنا وقال (٢): فأما قول الشاعر: ٤١١٩ - قدني من نصر الخبيبين قدي (٣) فالأول اسم فعل والثاني وهو قوله: قدي يحتمل ثلاثة أوجه: -

стр. 4400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنه اسم فعل ولكن الياء ضمير المتكلم وحذفت نون الوقاية ضرورة كما حذفت في: ٤١٢٠ - إذ ذهب القوم الكرام ليس (١) وأنه اسم فعل ولكن الياء ليست ضميرا، إنما لحقت لإطلاق القافية. وأن قد اسم مرادف لحسب وأضيف إلى الياء - وهي ياء المتكلم - كما تضاف حسب، قال (٢): وكان ذلك على جهة التوكيد لـ «قدني» الأول لأنهما يؤولان من حيث المعنى إلى معنى واحد. ومنها: أن قول المصنف في «قد» الحرفية: إنها تدخل على فعل ماض متوقع، وشرح ولده لـ «متوقع» بـ «منتظر» لم أتحققه، فإن الماضي قد مضى، والتوقع والانتطار إنما يكونان لما لم يقع، ثم لم ينتظم لي قوله «على فعل ماض متوقّع» مع قوله «لتقريبه من الحال»، وقد استنكر الشيخ أيضا ذلك وقال (٣): «والذي تلقيناه من أفواه الشيوخ بالأندلس أنها حرف تحقيق إذا دخلت على الماضي، وحرف توقع إذا دخلت على المستقبل، قال (٤): إلا إن عني بالتوقع: أنه كان يتوقع ثم صار ماضيا كقولهم: قد قامت الصّلاة. فإنه قيل: إنها دخلت على الفعل لقوم ينتظرون الصلاة. انتهى. وقيل: إن المراد بذلك أن «قد» تدل على أن الفعل الماضي قبل الإخبار متوقعا لا أنه الآن متوقع والذي يظهر [٥/ ١٨٩] أن التوقع إنما يكون بالنسبة إلى الفعل المستقبل، ولو قال المصنف: لتقريبه من الحال، ولم يقل: متوقع لكان له وجه وهو أن المغاربة ذكروا (٥): أن المقسم عليه إذا كان فعلا ماضيا مثبتا قريبا من زمن الحال دخلت عليه «قد» نحو: والله لقد قام زيد، وإن كان بعيدا لم تدخل نحو: والله -

стр. 4401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لقام زيد، وعليه: ٤١٢١ - حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا .... البيت (١) وقد ذكر ذلك في باب «القسم». ومنها: أن المصنف احترز بقوله «لا يشبه الحرف» من الأفعال الماضية التي لا تتصرف نحو: ليس، ونعم، وبئس، وعسى، وحبذا، وأفعل في التعجب، فإن «قد» لا تباشر شيئا من ذلك. ومنها: أن الشيخ قال (٢): «ظاهر كلام المصنف أن تقليل معنى الفعل دلّ عليه «قد» وليس كذلك بل «قد» يدل على توقع الفعل ممن أسند إليه، وتقليل المعنى لم يستفد من «قد» بل لو قيل: البخيل يجود والكذوب [يصدق] فهم منه التقليل». وأقول: ما ذكره الشيخ ممنوع، لأن قولنا: البخيل يجود والكذوب يصدق كذب، وقولنا: البخيل قد يجود والكذوب قد يصدق صدق، وإنما كان الأمر كذلك لأن التركيب الذي ليس فيه «قد» لم يفهم منه تقليل، والتركيب الذي فيه «قد» فهم منه التقليل فكيف يقال: إن التقليل يستفاد مع عدم «قد»؟ ومنها: أن قوله ولا يفصل بين أحدهما أراد به لا يفصل بين أحدهما وبين ما دخل عليه كأنه يعني أنه لا يفصل بين «قد» التي للتحقيق والتي لغير التحقيق وبين ما باشرتاه بغير قسم، فلا يجوز: قد زيدا ضربت، ولا: قد زيدا أضرب، لأن الحرف المختص بما دخل عليه إذا لم يكن عاملا فإنه يتنزل مما دخل عليه منزلة الجزء منه ولذلك جعل سيبويه (٣): قد زيدا رأيت من المستقيم القبيح أي: من -

стр. 4402

[حديث عن هل والهمزة الاستفهاميتين] قال ابن مالك: (وتساوي همزة الاستفهام فيما لم يصحب نافيا، ولم يطلب به تعيين ويكثر قيام «من» مقرونة بالواو مقام النّافي، فيجاء غالبا بـ «إلّا» قصدا للإيجاب، وقد يقصد بـ «أيّ» نفي فيعطف على ما في حيّزها بـ «ولا» ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التّصدير فدخلت على «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» ولم يدخلن عليها، ولم تعد بعد «أم» بخلاف «هل» وسائر أخواتها، ويجوز أن لا تعاد «هل» لشبهها بالهمزة في الحرفيّة، وأن تعاد لشبهها بأخواتها [الاسميّة] في عدم الأصالة، وقد تدخل عليها الهمزة فتتعيّن مرادفة «قد» وربّما أبدلت «هاؤها» همزة) (١). - المستقيم في المعنى القبيح في التركيب، لأنك وضعت اللفظ في غير موضعه، قالوا: وإنما جاز الفصل بالقسم لأن «قد» قد تفرد من الفعل إذا حذف ويوقف عليها في فصيح الكلام بخلاف «أل» مثلا، ولأن «أل» أقوى تعلقا بما دخلت عليه لأنها نقلته من الشياع إلى التخصيص و «قد» ليست كذلك. ومنها: أن قول المصنف «ويسوّغ [اقترانها] بالمضارع تأوّله بالماضي كثيرا» أراد به قول الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ (٢)، قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ (٣)، (قد يعلم ما أنتم عليه) ولا شك أن المضي من هذه الآيات الشريفة معلوم، ولم يتعرض بدر الدين إلى ذكر هذه المسألة، وقد قال الشيخ (٤): «إن في نسخة ضرب المصنف على قوله: (ويسوّغ) إلى قوله: (كثيرا). وأقول: إنه يستغنى عن ذكر ذلك هنا بقوله في أول الكتاب مشيرا إلى المضارع: «وينصرف إلى المضيّ بكذا وكذا إلى أن قال: وبإذ وربّما وقد في بعض المواضع». قال ناظر الجيش: أي: وتساوى «هل» همزة الاستفهام، ولما ذكر أن «هل» ترادف «قد» ومن المعلوم أنها حرف استفهام، وكانت الهمزة حرف استفهام -

стр. 4403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيضا، وبين الحرفين المذكورين اشتراك في شيء وافتراق في شيء أردف ذلك بذكر «الهمزة» مشيرا إلى ما بينهما من الاتفاق والاختلاف، قال الإمام بدر الدين (١): «للاستفهام حرفان: الهمزة وهل، فالهمزة يستفهم بها عن التصديق كقولك: أزيد قائم؟ وأقام عمرو؟ وعن التصور لطلب التعيين كقولك: أزيد قام؟ وأعمرا كلمت؟ وتدخل على النفي لتقرير أو توبيخ أو تمنّ أو نحو ذلك كما سبق التنبيه عليه في باب «لا لنفي الجنس». وأما هل فيستفهم بها من التصديق الموجب لا غير، ولذلك قبح: هل زيد قام؟ وهل عمرا ضربت؟ وامتنع هل زيد قائم أم عمرو؟ وإلى كون هل للاستفهام عن التصديق الموجب الإشارة بقوله: وتساوي همزة الاستفهام في ما لم يصحب نافيا ولم يطلب به تعيين، وكثيرا ما يعدّى الاستفهام عن أصله فيؤتى به في مقام الإنكار والجحد فيجري مجرى النفي، ومما جاء من ذلك بالهمزة قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ (٢) وبهل قوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (٣) وبمتى كقولهم في مقام الجحد: متى قلت هذا؟ وبأين نحو ما حكى الكسائي (٤): أين كنت لتنجو منّي؟ أي: ما كنت لتنجو مني أي: ما كنت لتنجو مني، وبكيف كقراءة عبد الله (٥): كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله (٦)، وقد جاء ذلك بمن مقرونة بالواو، وبعدها «إلا» في الغالب لقصد الإيجاب كقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (٧) المعنى: وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ومثله قوله تعالى: قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٨) وقد يجيء بأيّ فيعطف على ما في حيزها بـ «ولا» كقول الشاعر: -

стр. 4404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١٢٢ - فاذهب فأيّ فتى في النّاس أحرزه ... عن حتفه ظلم دعج ولا جبل (١) واعلم أن أصل أدوات الاستفهام الهمزة لأنها تأتي في الإيجاب والنفي، ويستفهم بهم عن التصور وعن التصديق [وغيرها يستفهم به إما عن التصور وإما عن التصديق] ولكونها أصل أدوات الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام استأثرت على أخواتها بتمام التصدير فدخلت على العواطف من «الواو» و «الفاء» و «ثم» [٥/ ١٩٠] ولم يدخلن عليها، فلا يقال: قد قام زيد فأقام أخوه؟ كما يقال: فهل قام أخوه؟ وإنما يقال: قد قام زيد أفقام أخوه؟ كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ (٢)، أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ (٣)، أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا (٤)، أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ (٥) وهو عند سيبويه (٦) على التقديم والتأخير إيثارا لهمزة الاستفهام بتمام التصدير، وفي امتناع دخول العواطف عليها مع مساواتها «هل» في عطف ما هي فيه على ما قبله شاهد صدق على قول سيبويه، وقد حمل الزمخشريّ بعض ما جاء من ذلك في القرآن العزيز على إضمار المعطوف عليه فقال (٧) في قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً (٨) وقوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ (٩): «تقديره: أكفروا وكلما عاهدوا، وأكفرتم فكلما جاءكم رسول» وهو إضمار لا دليل عليه ولا يفتقر تصحيح الكلام إليه. ولاستئثار الهمزة بتمام التصدير لم تعد بعد «أم» المتصلة ولا المنقطعة تقول: -

стр. 4405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أدنس في الآثام أم عسل؟ وأزيد خارج أم عمرو مقيم؟ وليس لك أن تعيد الهمزة بعد «أم» كما تعيد الجارّ في التوكيد في نحو: أبزيد مررت أم بعمرو؟ لأنها [لما] لم تقع للتأسيس بعد العاطف كانت عن وقوعها للتوكيد بعده أبعد. وأما [هل] فيجوز فيها مع «أم» المنقطعة أن لا تعاد استغناء بدلالة العاطف على التشريك نحو: هل قام زيد أم خرج عمرو؟ ويجوز أن تعاد توكيدا لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها نحو: هل قام زيد أم هل خرج عمرو؟ وقال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ (١) فجمع بين الاستعمالين. فإن قلت: كيف يصح الجمع بين «هل» و «أم» المنقطعة والنحويون يقولون: إنها تفيد الاستفهام والإضراب معا؟ قلت: يتجه ذلك على أن تكون «أم» دالة على الإضراب بالوضع وعلى الاستفهام إذا لم يذكر بعدها بالالتزام العرفي، فإنها لا تدخل إلا على جملة استفهامية فصار لفظها مشعرا بالاستفهام فيجوز إظهاره بعدها على الأصل، ويجوز إضماره استغناء بدلالة «أم». فأما قوله: ويجوز في «هل» أن لا تعاد لشبهها بالهمزة في الحرفيّة وأن تعاد لشبهها بأخواتها في عدم الأصالة، فكلام غير محقق فإن عدم إعادة «هل» بعد «أم» مثل عدم إعادة الهمزة في كونه على وفق الدليل فلا فائدة في قياس جواز أحدهما على جواز الآخر، وإعادة «هل» بعد «أم» ليست مثل إعادة أخواتها من أسماء الاستفهام، فإن «هل» تعاد توكيدا كما سبق، وغيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه وإذا لم يقصد معناه لم يذكر تقول: متى قام زيد أم متى خرج عمرو؟ إذا أضربت عن الاستفهام عن وقت قيام زيد إلى الاستفهام عن وقت خروج عمرو، وإن أضربت عن ذلك إلى الاستفهام عن نفس الخروج أو عن أمر آخر متعلق به قلت: متى قام زيد أم متى خرج عمرو؟ ومتى قام زيد أم أين خرج عمرو؟ أو نحو ذلك. وقد تدخل الهمزة على «هل» فتتعين أن تكون المرادفة لـ «قد» كقول الشاعر: -

стр. 4406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١٢٣ - سائل فوارس يربوع بشدّتنا ... أهل رأونا بقلع القفّ ذي الأكم (١) وقد تبدل «هاؤها» همزة فيقال: أل قام زيد؟ يعني: هل قام زيد؟ انتهى (٢) كلام الامام بدر الدين رحمه الله تعالى. ومما يستدل به على إعادة «هل» بعد «أم» وعدم إعادتها قول علقمة (٣): ٤١٢٤ - هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم (٤) فلم يعد «هل» بعد «أم» الأولى وأعادها بعد «أم» الثانية، وهو عكس ما في الآية الشريفة (٥). وبعد فأنا أورد الآن الكلام على أدوات الاستفهام من رأس ذاكرا ما يميز بعضها عن بعض، وربما ينطوي ذلك على إيضاح بعض ما ذكره بدر الدين فأقول: الكلمات الموضوعة للاستفهام اثنتا عشرة كلمة، منها ما هو حرف وهو ثلاثة: الهمزة وهل وأم، ومنها ما هو اسم وهو تسعة: من وما وأيّ وكم وكيف وأين وأنّى ومتى وأيّان، ثم هذه الأدوات أعني الاثنتي عشرة على ثلاثة أنواع: الأول: لطلب -

стр. 4407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التصديق أو التصور. والثاني: لطلب التصديق وحده. والثالث: لطلب التصور وحده، والنحاة يعبرون عن طلب التصور بالسؤال عن التعيين، وعن طلب التصديق بالسؤال عن الوقوع فينبغي الاقتداء بهم في ذلك، فجميع أدوات الاستفهام ما عدا «هل» و «الهمزة» و «أم» المنقطعة لا تكون إلا للسؤال عن التعيين ولا يكون ذلك إلا مع العلم بالوقوع، ويختلف السؤال بحسب الأداة، فـ «من» عن تعيين من يعقل، و «ما» عن تعيين ما لا يعقل، و «أيّ» عن تعيين أحد الشيئين أو الأشياء مما أضيف إليه «أيّ»، و «كم» عن تعيين العدد، و «كيف» عن تعيين الصفة أي: الحال لأنها وصف في المعنى، و «أين» عن تعيين المكان، و «متى» عن تعيين الزمان، و «أيّان» مثلها لكنها تختص بالمستقبل، و «أنّى» عن تعيين المكان وعن تعيين الحال، و «أم» المتصلة حكمها حكم «الهمزة» التي تتقدمها. وأما «الهمزة» فتكون سؤالا عن التعيين، وتكون سؤالا عن الوقوع، وأما «هل» فلا تكون سؤالا إلا عن الوقوع فلا تستعمل حيث يقطع بوجود الفعل، وأما «أم» المنقطعة فحكمها حكم «هل»، ولما كانت «هل» للسؤال عن الوقوع امتنع هذان التركيبان الأول: هل زيد قائم أم عمرو؟ لأن «أم» المتصلة هنا إنما هي للسؤال عن التعيين، والسؤال عن التعيين إنما يكون مع العلم بالوقوع، ومع العلم بالوقوع يمتنع السؤال بـ «هل»، نعم لو كانت «أم» منقطعة صحّ وذلك نحو أن يقال: هل عندك عمرو أم عندك بشر؟ لأن المتكلم سأل عن الوقوع ثم أعرض عن ذلك السؤال لقصد سؤال آخر. والثاني: هل زيدا ضربت؟ لأن التقديم يستدعي حصول العلم [٥/ ١٩١] بوقوع الفعل، لأن التقديم يفيد التخصيص، وإذا أفاد التخصيص وجب أن يكون العلم بنفس الفعل الذي هو «الضرب» حاصلا، وأن يكون الاستفهام لطلب تعيين المضروب، فيلزم أن تكون «هل» مستعملا لطلب التعيين وهو باطل، ثم إن «هل» مع موافقتها «الهمزة» في الاستفهام تفارقها بحسب الاستعمال في أمور: منها: ما تقدمت الإشارة اليه وهو أن «هل» للسؤال عن الوقوع خاصة، و «الهمزة» يجوز فيها أن تكون للسؤال عن الوقوع وللسؤال عن التعيين. ومنها: أن «هل» لا يجوز في المستفهم عنه بها أن يصحب نافيا، فلا يقال في -

стр. 4408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هل قام زيد: هل لم يقم زيد؟ وحاصله أن «هل» لا يستفهم بها عن النفي ويعبر عن ذلك بأنها إنها تستعمل في التصديق الموجب، وأما «الهمزة» فيجوز في المستفهم عنه بها أن يصحبه النافي وحينئذ قد يكون الاستفهام عن النفي (١) كقول الشاعر: ٤١٢٥ - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد (٢) وقد لا يراد الاستفهام بل معنى من المعاني المتولدة من الاستفهام كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (٣) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (٤) وهذان الأمران هما اللذان أشار إليهما المصنف بقوله: «وتساوي همزة الاستفهام في ما لم يصحب نافيا ولم يطلب به تعيين». ومنها: أنه إذا عطف كلاما يتضمن استفهاما بالهمزة وكان العطف بأحد الأحرف الثلاثة: الواو والفاء وثم وجب تقديم الهمزة على العاطف المذكور وإلى ذلك أشار ذلك المصنف بقوله «ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التّصدير فدخلت على الواو والفاء وثمّ». ومنها: أن الهمزة لا تعاد بعد «أم» متصلة كانت أم منقطعة فلا يقال: أزيد قام أم عمرو؟ ولا: ألك عين تبصر بها أم ألك رجل تمشي بها؟ بخلاف «هل» فإنها يجوز فيها أن تعاد وأن لا تعاد وإلى ذلك أشار المصنف بقوله «ولم تعد بعد أم بخلاف هل وسائر أخواتها». ولا شك أن «أم» التي يعاد بعدها «هل» وبقية أدوات الاستفهام هي المنقطعة، لكن ذكر الأدوات غير «هل» إذا قصد معناها واجب لأن لها معاني زائدة على -

стр. 4409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الاستفهام فوجب ذكرها عند قصد تلك المعاني الزائدة، وقد أشار بدر الدين إلى ذلك بقوله «إن هل تعاد توكيدا وأن غيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه وإذا لم يقصد معناه لم يذكر». وأما جواز الأمرين في «هل» فقد علل (١) ترك ذكرها بشبهها للهمزة في الحرفية، وعلل ذكرها بشبهها بأخواتها الاسمية في عدم الأصالة، وقد عرفت طعن بدر الدين في هذا التعليل وأنه علل ذلك بأن قال: «وأما هل فيجوز فيها مع أم المنقطعة أن لا تعاد استغناء بدلالة العاطف على التشريك، ويجوز أن تعاد توكيدا لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها». ومنها: أن «هل» لا تباشر أدوات الشرط والهمزة تباشرها كقوله تعالى: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ (٢) وكذا لا تباشر «هل» «إنّ» بخلاف الهمزة قال الله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ (٣)، والظاهر أن العلة في ذلك إنما هو أصالة الهمزة في الاستفهام، وانضم إلى ذلك كونها على حرف واحد، فكان [في] النطق بها سهولة إذا انضمت إلى غيرها. ومنها: أنه إذا اجتمع في الجملة الواقعة بعدها اسم وفعل وجب أن يليها الفعل ولا يليها الاسم إذ ذاك إلا في الشعر، وقد تقدم التنبيه على العلة الموجبة لذلك (٤). وإذ [قد] تقرر هذا فلنذكر أمورا: ومنها: أن الشيخ قال (٥): «مفهوم كلام المصنف يدل على أن الكلام إذا صحب نافيا انفردت به الهمزة، وقد وجدنا ما يصحب نافيا ولا تدخل عليه «هل» ولا «الهمزة» وذلك «إن» النافية لا يحفظ من لسان العرب: أإن زيد تاجر؟ ولا: إن زيد قائم؟ قال (٦): وكذلك وجدنا ما صدق عليه أنه صحب نافيا ويدخل عليه الهمزة وهل وذلك نحو: زيد غير قائم فهذا قد صحب نافيا ويجوز -

стр. 4410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دخولها عليه فتقول: أزيد غير قائم؟ وهل زيد غير قائم؟» انتهى. وهو كلام عجيب فإن الذي ذكره شيء غير الذي ذكره المصنف، لأن الذي أعطاه كلامه أن همزة الاستفهام يصحبها النافي ولا يصحب «هل» ولم يقل إن الهمزة يصحبها كلّ ناف، ولا إن ما صحب نافيا لا يدخل عليه الهمزة ولا هل، ولا يقتضي ذلك كلامه أيضا، وإذا كان كذلك فكيف يورد عليه ما لا قاله ولا اقتضاه كلامه. ومنها: أن الشيخ أيضا قال: (١) «وكان ينبغي للمصنف أن يذكر أيضا مما لا تساوي هل الهمزة فيه أن يتضمن الاستفهام التوبيخ والإنكار والتعجب، قال: وتنفرد «هل» بأن يراد بالاستفهام بها الجحد؛ قال الله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (٢) ولا يكون ذلك في الهمزة، لا يجوز: «أزيد إلا قائم» انتهى. وأقول: أما الجواب عن الأول فهو أن المعاني التي أشار إليها كالتوبيخ والإنكار والتعجب وغيرها إنما هي متولدة عن الاستفهام، فليست دلالة الهمزة عليها بالوضع، والمصنف إنما يتوجه كلامه إلى الكلمة باعتبار ما وضعت له، أما باعتبار ما يعرض في الاستعمال فلا. وأما الجواب عن الثاني فهو أن «هل» إذا أريد بها الجحد خرجت عن أن تكون استفهاما إلى معنى آخر، والكلام الآن إنما هو في كلمتين معناهما واحد واختصت إحداهما باستعمال دون الأخرى، فلما ذكرتا باعتبار ما اشتركا فيه ذكر ما ينفرد به أحد اللفظين عن الآخر، على أن «الهمزة» قد استعملت للجحد كـ «هل» وتقدم التنبيه على ذلك في كلام بدر الدين والاستشهاد له بقوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ (٣) وقد كان يجب على الشيخ على ما قاله هنا أن يقول: إن المنصف كان يتعين [عليه] لما ذكر «إن» التي هي أداة شرط أن يميز بينها وبين «إن» التي هي حرف نفي مثلا. ومنها: أن الشيخ أيضا [٥/ ١٩٢] قال (٤) في قول المصنف «ويكثر قيام من مقرونة بالواو مقام النّافي» «ظاهر قوله: مقرونة بالواو أنه شرط في المسألة ولا أرى -

стр. 4411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك لأن الواو لا تأثير لها في إرادة هذا المعنى» انتهى. والذي قاله الشيخ حقّ ويدل على ذلك قول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (١). ثم قال (٢): «وظاهر قول المصنف الاختصاص بها، وليس عندي كذلك، بل لو أتيت بـ «غير» مكان «إلا» صح نحو: ومن يضرب زيدا غير عمرو، وأيّ ما يضرب زيدا غير عمرو؟ وارتفاع «غير» على البدل من الضمير المستكن في الفعل العائد على «من» وهو أصح من النصب على الاستثناء والرفع على الصفة» انتهى. ولم يكن المصنف محتاجا إلى أن ينبه على مثل هذا لأن من المعلوم أن «غيرا» تقوم مقام «إلا» وأن لها من الإعراب ما للاسم الواقع بعد «إلا» فلو ذكرها لكان عيّا. ومنها: أن المصنف قال في «هل»: «وتدخل عليها الهمزة فتتعين مرادفة قد» وتقدم الاستشهاد على ذلك بقول الشاعر: ٤١٢٦ - سائل فوارس يربوع ... .... البيت فقال الشيخ (٣): «ليس الأمر كما قال لأن ذلك لم يكثر كثرة توجب القياس، إنما جاء منه هذا البيت أو بيت آخر إن كان جاء، وإذا كان الأمر كذلك احتمل أن يكون مما دخل فيه أداة استفهام على مثلها على سبيل التوكيد، وإذا كان ذلك يوجد في المتحد اللفظ العامل كقوله: ٤١٢٧ - ولا للما بهم أبدا دواء (٤) وفي المختلف اللفظ العامل كقوله: ٤١٢٨ - فأصبحن لا يسألنه عن بما به (٥) -

стр. 4412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلأن يوجد في المختلف اللفظ غير العامل أحرى وأولى، وإذا احتمل ما ذكرناه من التوكيد لم تتعين مرادفة «قد»، قال (١): وما ذكر هذا المصنف وغيره من أن «هل» ترادف «قد» لم يقم على ذلك دليل واضح إنما هو شيء قاله المفسرون في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ إن معناه: قد أتى (٢)، وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يرجع إليهم في مثل هذا، إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة لا إلى المفسرين، قال (٣): وثبت في نسخة عليها خط المصنف، فتترجح بدل قوله: فتتعين، وكأن المصنف أحسّ بهذا التأويل الذي ذكرناه فأتى بقوله فتترجح بدل قوله: فتتعين، وليس ذلك بمترجح أيضا لأن الرجحان إنما يكون إذا كان ثمّ دليل واضح يدل على أن هل ترادف قد. انتهى. ثم نقل عن صاحب الإفصاح (٤) أنه قال: «قد ذكر جماعة من النحويين وأهل اللغة أن هل تكون بمعنى قد مجردة من الاستفهام وبها فسروا قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٥) وأرى هذا القول مأخوذا من قول سيبويه (٦): وتقول أم هل فإنما هي بمنزلة قد، فقيل: أراد أنها بمنزلة قد في الأصل، فإن كان قد [أخذ] من تأويل كلام سيبويه فيها هنا فلا حجة له إذ قد يرد أنها بمنزلة قد بعد أم، أو يريد في الأصل دون أن تستعمل ولا يصح ذلك التأويل، وإن كان قد سمع فحجة قوية لسيبويه، وبمعنى قد قال الكسائي والفراء (٧) في الآية الشريفة وأبو العباس (٨) والزجاج إلا أنه قال: المعنى ألم يأت» هذا كلام صاحب «الإفصاح» والعجب من الشيخ هو الناقل لهذا عن الرجل الكبير - أعني صاحب الإفصاح - وهو قبل ذلك -

стр. 4413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قد نفاه عن النحويين حيث قال: «إنما هو شيء قاله المفسرون، وإنه إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة». والحقّ أن كون «هل» ترد بمعنى «قد» قول جماعة من رؤوس النحاة كالكسائي والفراء (١) والمبرد (٢)، وأغرب الزمخشري (٣) حيث زعم أن «هل» تكون أبدا بمعنى «قد» وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدّرة معها، ثم إنه نسب القول بذلك إلى سيبويه، ولكن يبطل قول الزمخشري أنها لو كانت بمعنى «قد» لامتنع فيها أن تباشر الجمل الاسمية كما أن «قد» كذلك، ولما نقل عن ابن عباس (٤) رضي الله [تعالى] عنهما وهو إمام المفسرين أن «هل» في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٥) بمعنى «قد» قال بعض العلماء: إن الاستفهام في الآية الشريفة للتقرير وليس باستفهام حقيقي، فلما كانت للتقرير فسّرت بـ «قد» لأنها للتحقيق فهي تلاقيها في المعنى، لكن قال الشيخ في شرحه (٦): «والهمزة أقوى في جميع التصرفات ولذلك استعملت في التقرير دون هل على ما ذكر سيبويه (٧)، وتنقل النفي إلى الإثبات [مع] ثلاث أدوات وهي: لم وما وليس، وتفيد ما تفيد من المعاني كالإنكار والتعجب والتوبيخ وغيرها».

стр. 4414

[حروف التحضيض وأحكامها وما تختص به] قال ابن مالك: (فصل؛ حروف التّحضيض: هلّا وألا ولولا، ولو ما، ولا يليهنّ غالبا إلّا فعل ظاهر، أو معمول فعل مضمر مدلول عليه. وقلّ ما يخلو مصحوبها من توبيخ، وإذا خلا منه فقد يغني عنهن «لو» و «ألا» وتدلّ أيضا: لولا ولو ما على امتناع لوجوب فيختصّان بالأسماء، ويقتضيان جوابا كجواب «لو» وقد يلي الفعل لولا غير مفهمة تحضيضا فتؤوّل بـ «لو لم» وتجعل المختصّة بالأسماء والفعل صلة لـ «أن» مقدّرة). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١): «التحضيض مبالغة في الحضّ على الشيء وهو طلبه والحثّ على فعله، وحروفه: هلّا وألا ولولا، ولو ما، فيدخلن على الفعل للتوبيخ في ضمن التقديم إن كان ماضيا، وفي ضمن التقاضي إن كان مستقبلا، وكأنهن مأخوذات من «هل» المنقولة إلى التمني في نحو قوله : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ (٢) مبدلة هاؤها همزة على لغة، ومن «لو» المنقولة إلى التمني أيضا في نحو: لو تأتيني فتحدثني - بالنصب - لما فيها من تقدير غير الواقع واقعا، ثم ركبت مع «ما» و «لا» المزيدتين، تنبيها على نقلها إلى التحضيض، فإذا قلت: هلّا فعلت فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم، أو قلت: هلّا تفعل فكأنك قلت: ليتك تفعل، متولدا [٥/ ١٩٣] منه معنى التقاضي والحث. ولحروف التحضيض صدر الكلام، وهي مختصة بالأفعال فيليها في الغالب فعل ظاهر متصل، نحو: هلّا تضرب زيدا، أو منفصل بمعموله نحو: هلّا زيدا ضربت، وإما معمول فعل مضمر على شريطة التفسير كقولك: هلّا زيدا ضربته، أو مدلول عليه بمذكور قبل، كقول الشاعر: ٤١٢٩ - تعدّون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا (٣) -

стр. 4415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعنى: لولا تعدون عقر الكمي، فحذف الفعل والمضاف وأقام المضاف إليه مقامه، اعتمادا على دلالة أول الكلام. وقد يلي حروف التحضيض جملة اسمية، كقول الشاعر: ٤١٣٠ - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها (١) وهو شاذ نادر، ويمكن تخريجه على إضمار «كان» الشأنية وجعل الجملة المذكورة خبرها، والتقدير: فهلّا كان الأمر أو الشأن نفس ليلى شفيعها. وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ، فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ (٢) وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ (٣) ويجوز أن تغني عنهن حينئذ «لو» المنقولة إلى التمني كما تقدم، في نحو: لو تأتيني فتحدثني، و «ألا» المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا. وتدلّ أيضا «لولا» و «لو ما» على امتناع الشيء لوجود غيره فيختصان بالأسماء ويقتضيان جوابا كجواب «لو» فيكون فعلا مجزوما بلم أو ماضيا منفيّا بما، أو مثبتا مقرونا في الغالب بلام مفتوحة. وقد يلي الفعل «لولا» غير مفهمة تحضيضا، كقوله: ٤١٣١ - لا درّ درّك إنّي قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذرى لمحدود (٤) والوجه الثاني فيه: أن تكون «لو» هي التي تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره -
следующие страницы →